← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 8786–8825 · переход к 8791.

стр. 8786

وعند مرورنا ببعض طوابق المبنى رأينا صورا لبعض زعماء العالم ومفكريه وفلاسفته، كما رأينا صورا للمشردين من الأقليات كالفلبينيين والإرتريين وغيرهم وتظهر في صورهم حالة البؤس والتشرد والجوع والعري والمرض يعلق هذه الصور هناك الجمعيات المضطهدة لاستجلاب العطف العالمي الوهمي الذي يضم هذا المبنى الكبير. ومن الأماكن التي زرناها في هذا المبنى: مجلس الأمن الذي يتلاعب بأمن العالم ما عدا دول النقض. وهناك رأينا قاعة كبيرة ذات مدرجات وفي وسط صحن القاعة وضعت مقاعد الأعضاء الدائمين وتحيط بها مقاعد من أستطيع أن أسميهم بالمتفرجين من دول العالم. فتأملت في القاعة قليلا لآخذ في نفسي صورة عن المكان الذي تدير منه دولتان العالم كله ويتلاعبان بأمنه واستقراره، ثم ذهبنا لنرى مجلس هيئة الأمم المتحدة فوجدنا في الباب الخارجي جنديا يعتذر لأن الهيئة مجتمعة في القاعة وأصر الأخ أحمد أسعد علينا لتناول وجبة الغذاء في مطعم المبنى فتناولنا الطعام وعدنا إلى المكتب.

стр. 8787

وكنا قبل أن يذهب إلى مبنى هيئة الأمم المتحدة عرفنا أن الأخ الشيخ أحمد شيت الرفاعي النيجيري الذي تخرج في الجامعة الإسلامية قبل ثلاث سنوات موجود في نيويورك يدعو إلى الله على نفقة رابطة العالم الإسلامي ويعمل مع البلاليين فاتصلنا به في الهاتف وعندما عرف أن الذي يكلمه عبد الله القادري صاح بأعلى صوته قائلاَ الله أكبر ووعد بسرعة المجيء إلى المكتب، وعندما عدنا إلى المكتب وجدناه ينتظرنا وهنا شرح لنا الأخ الدكتور عثمان أحمد قضية المرأة النيجيرية المسلمة الأصل والتي اضطرت للزواج برجل مسيحي في أمريكا لعدم وجود معيل لها وجهلها بدينها، وأن زوجها أصطحبها معه للعمل في بعض الشركات الأمريكية في أفريقيا وأنجبت له أربعة أولاد، وأنها اتصلت ببعض علماء المسلمين وعندما عرف أنها كانت مسلمة الأصل ذكرها بأهمية دينها ووجوب رجوعها إليه والحرص على أن يكون أبناؤها مسلمين بدلاً من تنصيرهم. وهنا بدأ النزاع بينها وبين الزوج وبعض أهله، إذ كان يطلب منها أن تأخذ أولادها كل يوم أحد إلى الكنيسة، وهي تأبى وتصر على دينها وعلى جعل أبنائها مسلمين، ثم اضطرت للهرب إلى أمريكا بأولادها، لأنها تحمل الجنسية الأمريكية، وهو يهدد بجعل الأولاد نصارى بالتعاون مع بعض أهله. وأن المرأة تستصرخ ضمائر المسلمين في الجامعات الإسلامية لتخصيص منح دراسية لأبنائها حتى ينجوا من دنس العقيدة النصرانية الفاسدة. وقد وعدت الأخ عثمان أحمد أن أنقل للجامعات في المملكة هذا الأمر وأسعى في إنقاذ هؤلاء الأولاد، إضافة إلى السعي في مساعدتها مادياً من بعض أهل الخير، إذ أنها الآن تعاني من ضغط النصارى عليها بلقمة عيشها.

стр. 8788

كما رأيت امرأة تحمل طفلها تطلب المساعدة بقيمة تذاكر سفر لها ولابنها لتسافر إلى زوجها الذي يواصل دراسته في السودان على منحه - لعلها في جامعة أم درمان الإسلامية - وقال لي الأخ عثمان أحمد: إن مشاكل المسلمين هنا لا حدَ لها، وهم يلجأون إلى المراكز الإسلامية باسم الإسلام يطلبون المساعدة، كما يلجأ المسيحيون إلى المراكز المسيحية إلا أن المراكز المسيحية عندها من إمكانات المساعدة المادية ما لا يوجد عند المراكز الإسلامية أقل نسبة منه ولذلك نقع في حرج، فلم يسعني إلا أن أحوقل، لأني لا أقدر أنا أن أعمل شيئا أيضا. جولة في مدينة نيويورك: بعد ذلك اصطحبنا الأخ أحمد الرفاعي في سيارته للتعرف على بعض مناطق نيويورك، وأنى لنا أن نمر بمثل هذه المدينة الكبيرة التي تعتبر العاصمة التجارية للولايات المتحدة الأمريكية، ونحن لم يبق أمامنا إلا مساء هذا اليوم في هذه المدينة. في عمارة: ولكن الأخ أحمد اختار لنا زيارة ثلاثة أماكن: مكان سياحي تجاري عالمي مشهور، وهو العمارة العالية الثانية في الارتفاع التي تبلغ طوابقها اثنين ومائة طابق، فذهبنا إليها واشترينا التذاكر اللازمة للصعود، وهنا رأينا مئات من الناس صاعدين وهابطين، والمصعد الواحد يتسع لما لا يقل عن خمسين شخصاً وهو في غاية من السرعة، فصعدنا إلى أعلى العمارة هذه وأخذنا ننظر من كل جانب إلى أنحاء مدينة نيويورك، وكنا نرى الناس، والناس هناك ذو أجسام ضخمة مثل البهم أولاد الغنم الصغار أو أصغر، ولكن المصيبة كانت في قوة الهواء الذي كاد يأخذ الملابس الساترة، فما بالك بغيرها؟. في حي هارلم:

стр. 8789

ثم نزلنا لنذهب إلى المكان الثاني الذي اختاره لنا الأخ أحمد ألا وهو (هارلم) التي يسكنها الزنوج فقط. وكانت مباني هذه المنطقة مساكن لليهود وملكاً لهم، ولكنهم غادروها عندما جاء مشروع إسكان الزنوج فيها. لماذا اختار لنا الأخ أحمد هذه المنطقة بعد أن كنا في منطقة تجارية وسكنية راقية، يرى بريق عماراتها ولمعانها وهي في غاية من النظافة والنظام والهدوء على رغم كثرة الناس بها. إنه أراد أن يرينا كيف يعيش هؤلاء السود المساكين في مدينة نيويورك فماذا رأينا؟ لقد رأينا بيوتا محطمة النوافذ والأبواب، قد اشتعلت فيها الحرائق ورأينا الزنوج وهم يتسكعون في الشوارع مثل المجانين منهم السكران ومنهم الشبيه بالسكران. رأينا أناسا لا أظن أن يجد السائح أشباههم في أدغال أفريقيا من البؤس والحرمان والشقاء، إنهم يتجمعون على أبواب البارات ويتراقصون وهم قيام أو قعود، ومنهم من يضرب الدفوف المكسرة ويرقص عليها. ولا أستطيع أن أصف ما رأيت إلا بالبؤس والجهل والحرمان، ولقد كان الأخ أحمد لا يقف بسيارته إلا ريثما يتحرك، لأن المنطقة منطقة إجرام وكان يخشى علينا من أجل لباسنا. عندئذ قلت: هل حقا أنا في أمريكا؟ هل حقا أنا في نيويورك؟ هل حقا أنا بجانب مكرفون كارتر المنادي بحقوق الإنسان في العالم؟، هل حقا أنا بقرب هيئة الأمم المتحدة التي كنت في مبناها صباحا؟ كل تلك الأسئلة دارت بخاطري وأنا أعبر تلك الشوارع المخيفة. منبع الإجرام: ألا إنها منطقة إجرام مشهورة فعلا، ولكن إجرام من؟ أهو إجرام السود؟ أم أن الأصل هو الإجرام الأبيض الذي يقتل الإنسان وينادي بحقوقه؟ لقد شبهت إجرام السود وإجرام البيض بالتشبيهين التاليين: إجرام البيض هو بحيرة من الأقذار: عذرة الناس وأبوالهم، وإجرام السود على الرغم أنهم هم المباشرون - ريح ينقل تلك الروائح إلى أنوف الناس، فأي الإجرامين أشد عند أولي الألباب؟.

стр. 8790

قارن: ثم مر بنا الأخ أحمد ونحن في طريقنا إلى منزله في منطقة سكنية سماها لنا، ولكني لم أحفظ اسمها، ذات عمارات متناسقة وشوارع غاية في التنظيم وهدوء عجيب، وهي تبعد قليلا عن منطقة الزنوج وذكر أن هذه المنطقة يسكنها الأغنياء والأسر الراقية وعلق الأخ أحمد على ذلك فقال: قارنوا بين هذه المنطقة وبين منطقة (هارلم) ، وهذه المنطقة لا توجد بها بارات. أما منطقة (هارلم) فإن أغلب عماراتها المتهدمة توجد بها بارات. وهل خلق هؤلاء المساكين عند الرجل الأبيض الذي أفني عمره للدعوة إلى حقوق الإنسان لغير البارات والتسكع؟ كل شيء هناك بالدولار حتى الأمن وموقف السيارة: وصلنا إلى جانب العمارة التي يسكنها الأخ أحمد فإذا هو يخرج مفتاحا ويدخله في قفل بجانب الجدار، وهو في سيارته فانفتح باب كبير أمامه يبعد عن موقع السيارة بمقدار عشرة أمتار فسألنا: ما هذا؟ فأجاب هذه مظلة السيارات لسكان العمارة يدفع صاحب السيارة أربعين دولارا ويستلم مفتاحا يدخل سيارته ويخرجها متى شاء حفظا لها من الشمس ومن الثلج أيام الشتاء وكذلك من السرقة وبعد دخوله ينغلق الباب بنفسه. وهكذا.. دخلنا منزله وصلينا المغرب وتحدثنا معه قليلا وسألناه عن مدى كفاية راتبه له فقال: المنزل أجرته ثلاثمائة دولار والهاتف والكهرباء تكلف تقريبا مائة دولار وموقف السيارة يكلف أربعين دولار، ومواقفها في الشوارع كما رأيتم والذي رأيناه أن المواقف في الشوارع كلها بالأجرة فوقوف السيارة ساعة بثلاثة دولارات وقد تزيد وقد تنقص حسب المكان. ولا يجد موقفا لسيارته بدون أجرة، وهذا قد يفسر جزءا من الرأسمالية. مقارنة مخجلة:

стр. 8791

وقفنا خمس دقائق تقريبا ولا يزال نفسنا في شدته من الجري فإذا الحافلة تقف بجانبنا فصعدنا وأخذنا مقاعدنا، وإنهم على سرعتهم تلك لا تجدهم يتزاحمون مطلقا في جميع معاملاتهم فالأول يأخذ مكانه ولا يتقدم عليه أحد، وهكذا الذي يليه دون أن يمس اللاحق السابق، أو يكلمه كلمة واحدة، بخلاف الحال عندنا فإنك تجد العدد القليل يتزاحم ويدفع كل واحد الآخر ويكذب بأنه أسبق من غيره، لذلك تجد الصف الطويل في بلاد الغرب ينتهي بسرعة مذهلة، وترى أقل من ذلك بكثير في الشرق يضيعون وقتهم في التدافع والخصام وتحطيم أبواب الحافلات والكذب. سارت الحافلة، وأخونا أحمد سعد يشرح لنا بعض المعالم على يمين الطريق وشمالها: هذا مصنع كذا، وهذا مبنى كذا، وهذا مرقص، وهذا بار، والأرض كلها خضراء ما عدا الطريق والحيوانات تنتشر في المزارع. محطات القطار: وعندما وصلت الحافلة إلى المحطة أخذ الناس في الخروج منها والدخول إلى محطة القطار مسرعين، فما هي إلا لحظات حتى قطعنا التذاكر ووقفنا على جانب خط القطار، فإذا هو مقبل يجر عرباته الكثيرة فوقف ودخل الناس من كل باب وكل واحد أخذ مكانه، إن شاء أن يرتاح من رائحة التدخين فلكارهي التدخين أجنحة أخرى وهكذا نجد مواصلات الغرب في القطار وفي الطائرة وفي الباخرة وفي السيارة يخصصون أماكن منها لغير المدخنين. إنهم يحترمون - على الأقل- المال الذي قدمته من أجل راحتك فعيب عليهم أن يقلبوا لك ظهر المجن فيزعجوك. في قاعات المطار إلى نيويورك:

стр. 8792

وصلنا إلى المحطة الرئيسية للقطار التي كنا بالأمس أودعنا فيها حقائبنا فاستلمنا الحقائب بمجرد إبراز البطاقة، وذهبنا إلى المطار إلى الشركة التي تم الحجز فيها من المدينة المنورة قبل سفرنا بأسابيع فضغطت الموظفة على زر آلتها فأعطتها المعلومات الكافية عنا فأخذوا العفش، والعفش لا يوزن في جميع دول الغرب إلا إذا كان كثيراً للشحن. وذهبنا نتجول في أسواق المطار فاشترينا بطاقات تذكارية وكتبنا رسائل بها إلى الأولاد، ثم ذهبنا نلتمس لعلنا نجد بعض الصحف العربية لنتابع أخبار اليمن الشمالية التي اغتيل رئيسها يوم سفرنا من المدينة إلى جدة يوم السبت الموافق ١٩/ ٧. فلمحت جريدة عربية، فأخذتها دون أن أنظر إلى عناوينها لأننا كنا على وشك التوجه إلى بوابة خروجنا. ذكر أن التأمين الصحي له مبلغ، والتأمين على السيارة إجباري هذا عدا الطوري والنفقات اليومية والملابس والمحروقات الخاصة بالسيارة، والغلاء هناك فاحش جداً. شكوى متكررة جديرة بالاهتمام: وعندئذ بث الأخ أحمد ما عنده فشكا من الدين وعدم كفاية الراتب الذي يتسلمه من الرابطة، مع العلم أنه في بعض الأوقات يتأخر كثيراً عن موعده فيزيد الطين بله، وهذه الشكوى تكررت من جميع الإخوان الذين تعاقدت معهم رئاسة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، ورابطة العالم الإسلامي لا سيما الذين عندهم عوائل.

стр. 8793

وقد ضمنت ذلك التقرير الذي قدمته للجامعة عند رجوعي من هذه الرحلة، وإن من أهم ما يجب أن تعمله المؤسسات الإسلامية المسئولة سواء كانت في المملكة العربية السعودية أو غيرها كوزارة الأوقاف الكويتية أن تعيد النظر في رواتب الذين تتعاقد معهم وتبعثهم إلى بلدان الغرب أو اليابان لغلاء المعيشة هناك، ولا ينبغي أن يظهر الداعية المسلم بمظهر المستجدي حالاً، وإن لم يكن مستجديا بقوله، فالمبشرون يمنحون من الإمكانيات المادية ما لا يكفي راتب الداعي المسلم لعشر معشار راتب الفرد من المبشرين. وأيهما أحق بالإكرام والظهور بمظهر الغني عن الناس دعاة الحق أم دعاة الباطل؟ ألا هل بلغت؟ صوتك مسموع وحركتك منظورة وأنت في داخل منزلك: وعند خروجنا من منزل الأخ أحمد اطلعنا على سر غلاء أجرة منزله فقال إن الساكنين هنا يتمتعون بالهدوء والحراسة الكاملة وأرانا صفة الحراسة. الحارس يقعد في مكان خاص خارج العمارة داخل سورها وأمامه تليفزيون، وهو يرى على الشاشة كل سكان العمارة في داخل شققهم كيف؟ ركبت كاميرات في كل شقة، وهي تنقل الصورة إلى الحارس باستمرار والحارس مسلح، إذا ارتاب في شقة من الشقق عمل ما يجب عليه، فقلت للأخ أحمد: معنى هذا أنه يكشف عليكم في كل وقت، وأنتم عندكم عوائل فكيف تعملون؟ فأجاب أن في استطاعة صاحب كل شقة أن يغطي الكمرة التي في شقته فلا يستطيع الحارس أن يرى شيئا في الشقة. واستطرد الأخ أحمد في موضوع الراتب فقال: إن السفير النيجيري عرض علي وظيفة في هيئة الأمم المتحدة براتب يكفيني ويزيد ويكون إيجار البيت والهاتف ومحروقات السيارة والتأمين الصحي وتذاكر السفر إلى البلاد كل ذلك على حسابهم، وزارني في البيت وألح علي كثيرا ولكني رفضت، لأني لا أريد أن أترك مجالا فضلته منذ بدأت أطلب العلم، وهو مجال الدعوة إلى الله.

стр. 8794

أوصلنا الأخ أحمد إلى الفندق وودعنا على أن يعود إلينا صباح يوم الخميس الذي سنسافر فيه إلى أنديانا. إلى المطار ثم إلى أنديانا بلس: رتبنا أثاثنا ونمنا إلى الصباح، وبعد صلاة الفجر بقليل جاءنا الأخ أحمد فأنزلنا الأثاث وحاسبنا إدارة الفندق وسرنا إلى مطار نيويورك- مطار داخلي- عندما وصلنا إلى الباب الخارجي في المطار وجدنا من يتسلم منا الأثاث ويعطينا البطاقات ولم ندخل إلى موظفي الخطوط إلا بحقائب اليد. وأخذ الموظف المختص التذكرة وعمل اللازم وناولنا بطاقة الدخول، وتجولنا قليلا في أسواق المطار. وكان زميلي الدكتور مغرما بمناظر كل بلد وهي متوافرة في المطارات، وغرامه بذلك انتقل إلي أيضا بحكم المجاورة، كما يقول علماء النحو، فاشترى لنا صورا مناظر نيويورك (إلى انديانا) وصعدنا بعد ذلك إلى الطائرة التي أقلعت صباحاً وكانت مدة الطيران ساعتين تقريبا بين نيويورك وأنديانا بلس. وكنت أنظر خلال زمن الطيران إلى الأرض، فلا أرى بقعة غبراء لا فرق بين جبال ووديان وسهول ومرتفعات. كل الأرض خضراء وبين كل مسافة وأخرى أرى قرية ذات شوارع منظمة وأرى أنهاراً جارية. فقلت: سبحان الذي فتح لهم أبواب الرزق، وسبحان الحليم الذي فتح لعباده هذه الأبواب وهم يجاهرونه بالمعصية في العقيدة والسلوك والشريعة. في مطار أنديانا أمر غريب ولكن بعذر: وعندما وصلنا إلى مطار أنديانا بلس كنا نتوقع أن نجد من يستقبلنا مباشرة عند نزولنا، لأن سفرنا أصلا إلى هذه المدينة من أجل المؤتمر وقد جاءت برقية خاصة من بعض المسئولين عن المؤتمر طلب فيها رقم الرحلة وزمن الوصول من أجل استقبالنا وأجيبوا على ذلك رسمياً من الجامعة الإسلامية برقيا وتم الاتصال بهم من لندن من دار الرعاية الاجتماعية هاتفيا.

стр. 8795

فلم نكن نتوقع أن ننزل ولا نجد من يستقبلنا، فلما استلمنا الأثاث وأخذنا نلتفت هنا وهناك ولم نر أحداً انتظرنا ما يزيد عن ساعة إلا ربعاً، ثم اتصل الزميل بالهاتف فقيل له الذي يستقبلكم في الطريق وجاء فعلاً أحد شباب أعضاء اتحاد الطلبة المسلمين (وفيق العطار) حيث اصطحبنا إلى فندق في شمال غرب المدينة يسمى: رمادا. صلاة الجمعة وافتتاح المؤتمر: بقينا في الفندق بقية يوم الخميس وليلة الجمعة ويومها إلى قبيل صلاة الجمعة حيث جاءنا الدكتور منذر قحف ليصطحبنا لصلاة الجمعة، ويعتذر عن تأخرهم في استقبالنا بالمطار والفندق لأنهم في حالة إعداد للمؤتمر ولا يوجد أحد متفرغ للاستقبال لقلتهم. كانوا قد فرشوا قاعة كبيرة في أسفل إحدى العمارات للصلاة فيها، كما استأجروا بعض قاعات كلية مجاورة للأْعمال الخاصة بالمؤتمر. خطب وصلى بنا الجمعة رئيس اتحاد الطلبة المسلمين، وهو طالب سوداني، وكانت الخطبة باللغة الإنجليزية، وبدأت أشعر بالضيق لجلوسي في مكان عبادة أسمع كلاماً لا أفهمه، وهو عبادة يجب الإنصات له، إلا أنني كنت أتخيل معاني الخطبة عندما يذكر الخطيب بعض الأعلام الإسلامية، من أشخاص وأماكن، كذكره: غار حراء وشعب أبى طالب وآل ياسر والحبشة ثم المدينة فعرفت أن الخطبة كانت تدور حول الدعوة ومحنة الدعاة وصبرهم ونجاحهم في النهاية.

стр. 8796

وبعد الانتهاء من صلاة الجمعة ذهبنا إلى قاعة الاجتماعات العامة لافتتاح المؤتمر، فبدأ بتلاوة بعض آي القران الكريم. ثم كلمه الدكتور التيجاني عبد الرحمن أبو جديري السوداني الذي يعتبر من كبار أعضاء الاتحاد، بل كان يرأسه رسميا قبل ذلك ولا زال له حركته الفعالة في الاتحاد، ثم كلمة للدكتور منذر قحف الذي هو رئيس المؤتمر وقد انتخب مرة أخرى لرئاسته، وهو الذي تلا على الحاضرين منهاج سير المؤتمر وأسماء المتحدثين وعناوين البحوث التي ستلقى ملخصاتها. ثم دعينا لتناول طعام الغداء، وبعده رجعنا لمواصلة الاستماع إلى البحوث والمناقشات، وقد أسعفوني بمترجم، بعد أن هددت مداعباً بترك القاعة والعودة إلى الفندق لعدم استفادتي. فجلس بجانبي الأخ عمر الصوباني، وهو طالب أردني يحضر الماجستير في ولاية ديترويت، فكنت أتمتع بسماع الكلمات المقتضبة منه لسرعة تلاوة البحوث. أما زميلي الذي كان يعتبر قائد السفر في اللغة فكان يجاهد ليدرك بعض المعاني بسماعه لنفسه، وليس في إمكانه أن ينقلها إلى غيره، لأنه إذا بدأ يترجم كلمة فسيفوت عليه ربع البحث، فتركته يجاهد لنفسه. استمر الاجتماع والمناقشة إلى صلاة المغرب حيث ذهبنا لأداء الصلاة ثم رجعنا مرة أخرى لمواصلة العمل إلى أن صلينا العشاء، وتناولنا طعام العشاء وبعد ذلك سمح لنا بالعودة بعد جلسات طويلة لا سيما إذا تذكرنا طول النهار هناك الذي لا يقل عن خمسة عشرة ساعة في تلك الفترة. وفي يوم السبت ٢٦/ ٧/ ٩٨ بدأ الاجتماع من الساعة الثامنة صباحا واستمر إلى الساعة الثانية بعد الظهر تقريبا، ثم استؤنفت في الساعة الرابعة واستمر إلى الساعة العاشرة مساء، وهكذا كل يوم الأحد ٢٧/ ٧/ ٩٨ الذي تم فيه اختتام الجلسات، قبل قراءة التوصيات والقرارات إلا أنه تم فيه انتخاب رئيس المؤتمر ومساعده..

стр. 8797

وكنت من خلال الترجمة التي تعاقب عليها أربعة أشخاص أجد بعض المطبات التي أحتاج إلى الاستفسار والسؤال فيها، وكلما وجدت مطباً طلبت إزالته من الطريق. وهكذا. مفتاح قفل البشرية الشهادتان: وفي ختام المؤتمر طلبت فرصة لإلقاء كلمة ولم يسمح لي إلا بخمس دقائق، وكنت آسفا على هذا الضغط الشديد للوقت الذي سمح لي فيه بالكلام، فقد صبرت ثلاثة أيام متوالية على سماع كلام لا أفهم منه إلا النتف التي يلقى المترجم إلى كلماتها ثم يحال بيني وبين ثلاثين دقيقة على أكثر تقدير؟ ولكني استعنت بالله تعالى ووجهت للحاضرين كلمتي وخلاصتها أن جميع العلوم لو طوعت في إصلاح الإنسان الفرد والأسرة والمجتمع لا يسعها أن تصل إلى تلك الغاية ما لم يكن الإصلاح الأول بكلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ ، لأنه الإصلاح بهذه الكلمة يجعل الإنسان عبدا وحده، ولا يتلقى إلا من رسوله ﷺ فيكون صلاحه نابعا من داخل نفسه والله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. ولذلكَ يجب أن يكون علم الاجتماع وعلم النفس وغيرها من العلوم التي يراد بها إصلاح الإنسان، وهي ما تسمى بالعلوم الإنسانية، أن تكون كلها مستمدة من هذا الأصل الأصيل ثم مقتضياته التي فصلها الكتاب والسنة وإلا فإننا سنبقى نحاول عبثاً إصلاح هذا الإنسان كما هو حاله الآن. مع الطلبة المبتعثين:

стр. 8798

وكنا خلال هذه الأيام التي قضيناها في المؤتمر بأنديانا نلتقي ببعض الطلبة المسلمين الصالحين من المملكة العربية السعودية وغيرها فنجد فيهم روح الشباب المسلم الغيور على دينه المحب لتقدم بلاده على أساس الإسلام الذي لا تقدم لأي بلد بدونه، وإن ظهرت بعض الثمار لجهود مادية بذلها الناس في بعض الشعوب، فإن ذلك في الحقيقة ليس تقدما إلا في ميزان الإنسان الذي خرج عن فطرته التي فطره الله عليها لما يشاهد من ويلات وآثار سيئة في حياة هذه الشعوب التي تسمى المتقدمة، وليس الخبر كالعيان كما يقال. لقد كان هؤلاء الطلاب يبثون شكواهم من حالة أكثر زملائهم الذين ابتعثوا لتلقي العلوم النافعة ليعودوا إلى بلادهم روادا متفانين في رفع مستواها العمراني- مادية ومعنوية- ولكنهم ذابوا في المجتمع الغربي وخلعوا ثياب شخصية الآباء والأجداد وانغمسوا في الشهوات والملذات القذرة ففقدوا شخصية المسلم المعتز بدينه وعقيدته ولم يصلوا إلى شخصية الغربي المبدعة في العلوم المادية، بل تسيبوا وأصبحوا وصمة عار على بلادهم، ومنهم من جمع مع ذلك الانخراط في صفوف منظمات الحادية أو ماسونية أو قومية حاقدة على الإسلام والمسلمين. وطلب منا هؤلاء الأخوة الغيورون أن ننقل هذه الشكوى إلى من يعنيهم الأمر في هذه البلاد التي لم يبق للمسلمين أمل واضح إلا فيها وهكذا تكررت شكوى الصالحين في كل مدينة زرناها في الولايات المتحدة. لسعات عقارب منفرة ولدغات ثعابين قاتلة:

стр. 8799

وإنني لأتساءل، كما يتساءل غيري: ماذا سيكون مصير بلدان المسلمين عندما يتربع على كراسي إداراتها ذوو أدمغة أفرغت من كل معاني الإسلام التي بفقدها يصير الفرد أجنبياً عن بلاده وبني قومه وشحنت بمعاني أخرى غير إسلامية تكسب الفرد عداء لدينه فيعود وقد وضع لنفسه أو وضع له أساتذته الذين أفرغوا دماغه وملؤه منهاجا يقضي به على كل مظهر للإسلام، ويحقق به أهداف الكفر وأوليائه أقول: ماذا سيكون غير الويلات والمصائب التي حدثت فعلا في كل شعوب العالم الإسلامي العربية منها وغير العربية إلا ما شاء الله. أليست الانقلابات العسكرية التي لم تهدأ في تلك الدول نتيجة لهذا الجيش الذي رباه الغرب على ما يريد؟ أليس المسخ التعليمي في بلدان المسلمين نتيجة للمناهج الجاهزة التي نقلها هؤلاء من بيئة غير بيئتهم وقسروا أبناء شعوبهم قسراً عليها، وهو لم تفصل على قدهم؟ أليس وبال أجهزة الإعلام الذي هد أركان العقيدة من قلوب المسلمين وأوقعهم في شباك المسخ الخلقي والفكري من آثار مسخ شبابنا الذي رباه الغرب؟ أليس فقدان الغيرة على الدين والعرض والوطن ثمرة من ثمار فقد العقيدة والأخلاق الإسلامية في نفوس شبابنا الذين أخرجهم لنا الغرب؟ أليس التناحر السياسي والقلق النفسي والتنافر الاجتماعي من عطاء شبابنا الذي وجهه أساتذة الغرب؟ ألا إن في ارتداد كثير من زعماء الشعوب الإسلامية ممن طعنوا في القران الكريم والسنة النبوية وسخروا من رسول الإسلام ودين الإسلام لعبرة لمن أراد أن يعتبر. عبر لم نتعظ بها:

стр. 8800

وإن في عدن والصومال وأفغانستان وغيرها لعظة لمن أراد أن يتعظ ولا أريد أن أطيل في ضرب الأمثال، ولكن أريد أن أقول: لقد ارتفعت أصوات حداة الخير منذرة بهذا الخطر في أول أمره، ولقد ارتفع صوت العبد الضعيف قبل سبع أو ثماني سنوات مع تلك الأصوات وإذا لم يسمع العقلاء تلك الأصوات فسيسمعون غيرها ويندمون يوم لا ينفع الندم. وسأعود لهذا الموضوع مرة أخرى، إن شاء الله، عند الحديث على النتائج في نهاية هذا البحث. آمال وأعمال: وفي يوم الاثنين ٢٨/ ٧/ ١٣٩٨ هـ اصطحبنا بعض أعضاء اتحاد الطلبة المسلمين في أنديانا، وعلى رأسهم الأخ الدكتور محمود رشدان إلى المزرعة التي اشتراها الاتحاد لإقامة مشاريعه فيها، وهي تتكون من مائة وعشرين فداناً، كما قال الأخ محمود، وبها بعض المرافق التي تستعمل مؤقتا ريثما يتيسر لهم تعميرها حسب المخطط النهائي. فيها مكاتب إدارية وغرف نوم تستعمل لضيوف الاتحاد من أعضائه ومن غيرهم ومطابخ، وقاعات للاجتماعات، ومسجد تؤدى فيه الصلاة وهي مفروشة ومؤثثة تأثيثاً طيباً. وبها أيضا مستودع للكتب المتنوعة باللغة العربية والإنجليزية، وبها موظفون يستقبلون الكتب التي ترد للاتحاد من أمريكا ومن خارجها من بعض الدول العربية عن طريق المؤسسات الإسلامية، ويرتبونها كما يعدون الكتب التي تبعث إلى أنحاء العالم- الولايات المتحدة، ودول أوربا وأفريقيا وغيرها في طرود، ويكتبون عليها العناوين وهكذا ... وتنقسم هذه الكتب إلى قسمين: قسم يأتي للاتحاد منحة من بعض المؤسسات الإسلامية، وهذه توزع بدون مقابل، وكتب يشتريها الاتحاد، وهذه تباع بثمن رمزي، وقد يوزعون بعضها لبعض المستحقين بدون مقابل.

стр. 8801

وتحيط الأشجار بالمزرعة من كل جانب، بل إن في ناحية منها غابة كثيفة، وبحيرة من الماء المتجمع من مسايل الأمطار وذكر الأخ محمود أنه يوجد بها الصيد، وقد بلغ مقدار قيمتها نصف مليون دولار. وإنها لفي غاية الرخص. بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه: ويعمل في المزرعة أحد المزارعين الأمريكيين على طريقة المزارعة الإسلامية بنسبة معينة من الغلة، وكانت عندئذ مزروعة بالذرة. وفي باب المزرعة رأينا اللافتة التي كتب عليها اسم الاتحاد قد كسر عمودها الذي نصبت عليه، فسألنا الأخ محمود عن السبب فأفاد أن بعض النصارى المتعصبين من الجيران يضايقونهم بعض المضايقات وأنهم قدموا شكوى في المحكمة يبدون تضررهم من شراء الاتحاد لهذه الحديقة بحجة أنهم لم يشتروها لمجرد إقامة شعائر دينية، وإنما للتجارة، قال الأخ محمود: وقد كسبنا الجولة الأولى في المحكمة وسنكسب الثانية إن شاء الله. والحق دائماً دامغ للباطل يقهر العقول قهرا على الإقرار به والحكم به- ولو في داخل النفس إذا كان صاحبها متبعا لهواه. وتحدث الأخ محمود عن بعض المشاريع التي ينوون إقامتها على هذه الأرض، فذكر أنهم سيبنون عليها مسجدا كبيرا وقاعة محاضرات ومدرسة تكون نواة لكلية إسلامية (كلية شريعة) تجمع المدرسة بين الدراسات الإسلامية والمواد المطلوبة في مدارس الولايات المتحدة الأمريكية حتى يتمكن الطالب من حمل مؤهل للجامعات الأمريكية. كما ذكر أن جميع المكاتب الإدارية للاتحاد سيضمها مجمع واحد، وستبنى بها مكتبة تضم الكتب الإسلامية باللغات المختلفة، كما ستبنى منازل لأسر المتفرغين للعمل، ومنازل لأسر الضيوف من أعضاء الاتحاد وغيرهم.

стр. 8802

وذكر الأخ محمود مشاريع غيرها كثيرة، وأرانا مخططها الهندسي وإنها في الحقيقة لآمال إسلامية طموحة تستوجب الشكر لهؤلاء الفتية الذين أقاموا ولا يزالون يقيمون مشاريع إسلامية بجودهم الخاصة واشتراكاتهم التي يقتطعونها من أرزاقهم من أجل الدعوة إلى الله وتقتضي أن يبذل أغنياء الأمة الإسلامية من حكومات وشعوب الإعانة المادية لهؤلاء الذين رأينا نفعهم في كل مكان حللنا به. اتق الله يا رجل: وكان معنا في هذا اليوم الدكتور محمد عبد الرؤوف، رئيس المركز الإسلامي في واشنطن الذي كان حضر المؤتمر، وكذلك الأخ عمر الصوباني الأردني الذي يحضر الدكتوراه في ولاية ديترويت، وقد جرى بينهما نقاش حول موضوع استعمال بعض المسلمين للقاعات التابعة للمساجد للاحتفالات التي تقام في الأعياد، أو للزواج أو غير ذلك من المناسبات، فكان الأخ عمر ينتقد ذلك انتقادا شديداً ويقول: إن المساجد لم تبن إلا لذكر الله واستعمالها في هذه الأمور يعتبر معصية لا تليق ببيوت الله. ولم يرق هذا الرأي للدكتور فبدأ يناقش أن ذلك لا شيء فيه، ويستدل بعمل الأحباش في مسجد الرسول ﷺ ولكن الأخ عمر اشتد في نقاشه وقال له: اتق الله يا رجل إن هؤلاء الذين يعملون الاحتفالات الآن يرتكبون فيها معاصي بعري النساء واختلاطهن مع الرجال والرقص واستعمال أدوات الموسيقى والدفوف وغير ذلك من الفحش وكان الدكتور لطيفاً في نقاشه لكبر سنه واهتزاز موقفه بالنسبة لموقف الأخ عمر. متابعة مريبة: كما كان يلازمنا أحد المسيحيين الذي حضر أيضا المؤتمر وكان يتصنت لكل كلمة تقال، غير أن الكلام انقلب إلى اللغة العربية التي لا أظنه يفهمها، والرجل متهم بأنه يهودي يتستر بالنصرانية وهو يدرس الأديان في إحدى كليات اللاهوت، وإن وجهه لوجه متجهم للإسلام والمسلمين، وإن كان يحاول أن يظهر بغير ذلك، ولكن حسبنا الله ونعم الوكيل.

стр. 8803

شاب أمريكي مسلم طموح: وكان من ضمن المشتركين معنا شاب أمريكي لا يتجاوز عمره الخامسة والعشرين، في تقديري اسمه عثمان لو لن يحضر رسالة الماجستير في جامعة بنسلفانيا، لا أذكر عنوان رسالته الآن، ولكن موضوعها يدور حول مقاصد الشريعة الإسلامية في التخطيط المعماري أي كيفية بناء العمارة الإسلامية الشرعية، والشوارع وغير ذلك والأخ عثمان شاب مسلم متحمس يتكلم باللغة العربية، وإن كان ذلك بصعوبة، ويكتب بها أيضاً وقد قرأ بعض الكتب الإسلامية المهمة مثل كتاب الموافقات للشاطبي وكتاب إعلام الموقعين لابن القيم وغيرهما كثير، وهو يفهم فهماً جيداً إلا أنه يبدو عليه نوع من التكلف الذي يدفعه إلى الاستشهاد بنصوص إسلامية من الكتاب والسنة ومن أقوال العلماء قد لا تكون في محلها، لذلك ناقشته كثيراً حتى فهمت مراده ونصحته بألا يقحم نصاً من النصوص في أي موضوع إلا بعد فهمه فهما جيدا أنه في محله، وهو في الحقيقة طالب علم يريد الحق، ولذلك لم يتردد في قبول نصيحتي.. وعندما سألت الأخ عثمان عن أسرته وموقفها من الإسلام أجاب أنه يحاول بجد إقناع أبويه بالدخول في الإسلام، وأنهما راضيان عن إسلامه ولكنهما لا يحبان الالتزام بأحكام الإسلام. العقول المهاجرة: تناولنا بعد ذلك طعام الغداء وعاد بنا الأخ محمود إلى الفندق وفي يوم الثلاثاء ٢٩/ ٧/ ١٣٩٨ هـ كنا على موعد مع الطبيب الباكستاني المسلم الذي يحمل الجنسية الأمريكية، إنه من العقول المهاجرة، (شهيد أطهر) من أجل الكشف الطبي العام، نقلنا إلى المستشفى الأخ السوداني عز الدين يوسف علي وهو طبيب أيضاً ضويق في بلاده فهاجر إلى بلاد الكفر التي تتلهف لاقتناص أي إنسان نافع، بخلاف كثير من بلدان العالم الإسلامي. وقد ذكر لي الأخ عز الدين أنه قد تم تعاقده مع جامعة الرياض ليكون مدرساً في كلية التربية: الطب النفساني.

стр. 8804

وكان الكشف عند الدكتور شاملا لتحليل الدم والكشف على القلب، ثم حولني إلى الأشعة للكشف العام، وكنت قد تناولت طعام الإفطار الذي لم يكن في ذلك اليوم ضعيفاً كالمعتاد، فطلب مني أن أعود غدا الأربعاء صائماً ففعلت- المقصود بالصوم هنا الصوم اللغوي- إلا أنه تم الكشف على الأعصاب. وفي يوم الأربعاء٣٠/ ٧/ ٩٨ نقلنا الأخ السوداني عوض عثمان بسيارته إلى المستشفى لأن الأخ عز الدين يوسف الطبيب الذي نقلنا بالأمس كان على موعد لدخول المستشفى لإجراء عملية جراحية خفيفة (وقد اتصلنا به من ديترويت وفهمنا أن العملية كانت ناجحة فحمدنا الله على شفائه) . أتعبوني: وبعد انتظار قليل نادت الممرضة المختصة في بعض أقسام الأشعة ذاكرة لقبي: قادري، ولكن بنطق لم يفهمه إلا زميلي الدكتور فقمت ودخلت غرفة صغيرة فخلعت ملابسي ولبست اللباس الرسمي الذي كدت أفر من المستشفى لنفوري منه، ولكني وقد وقعت لابد من إتمام المشوار، فعزمت على زميلي الدكتور أن يدخل معي بحجة أني لا أقدر على التفاهم مع هؤلاء الناس (وكان ذلك خوفاً من الخلوة بأجنبية) فكان لي ما أردت. كنت أظن أن الزمن إذا طال بي هو ربع ساعة، وكان في أول الأمر ربع ساعة فعلا وظننت أن الأمر انتهى، ولكن الممرضة قالت لزميلي انتظر ربع ساعة خارج الحجرة، ثم عودا وعند تمام خمس عشرة دقيقة تماماً قبل أن نتحرك خرجت وتنادينا للدخول وهكذا تكرر الأمر لمدة لا تقل عن خمس ساعات، كانوا يطلبون مني أن أنقلب على جنبي الأيمن فيكشفون على الجنب الأيسر ثم العكس ويحركون الآلة فتقف وأقف أنا معها شئت أم أبيت، ثم يضغطون عليها لتنام فتنيمني معها كذلك وكانوا في كل مرة يطلبون مني أن أكتم أنفاسي فأكتمها حتى تكاد نفسي تخرج لولا أن الأجل لم ينته بعد، وهم يسرعون في إجراء الكشف فأستعيد نفسي.

стр. 8805

وكانوا يسقونني باستمرار سوائل ملونة مرة ملء كوب الشرب أشرب بنفسي الكوب، ومرة في كأس صغير بواسطة أنبوب صغير من البلاستيك مثل أنبوب شراب الليمون ونحوه، وكان مذاق تلك السوائل صعباً علي فكنت أشربه وأكاد أتقيأ، وزاد الطين بلَة أن بطني امتلأ فلم أقدر على أن أزيده ولكنهم صمموا على المزيد حتى أنقذني الله منهم فخرجت ولبست ثيابي وقلت للدكتور اذهب بنا قبل أن يتذكروا شيئاً فينادوننا مرة أخرى. ومررنا بالطبيب الدكتور (شهيد أطهر) وأخبرنا ببعض النتائج الأولية من الكشف الذي حصل عنده، وكتب لنا بعض الأدوية، ووعد ببعث النتيجة النهائية إلينا في المدينة لذلك أخذ العنوان عنده. ألا يعلم من خلق؟ وكنا ننتظر أن يعود إلينا الأخ عوض عثمان لنقلنا في سيارته ولكنه اضطر لمرافقة الأخ الدكتور مالك بدر رئيس قسم علم النفس بجامعة الخرطوم والذي كان من المشتركين في المؤتمر، وهو رجل متحمس للإسلام ومقبل على استخراج قواعد علم النفس من الكتاب والسنة، مقتنع بأن القرآن كله ما نزل إلا لإصلاح النفس الإنسانية، وكل من التمس إصلاح هذه النفس من خارج كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فإن مآله إلى الفشل لأن الخالق أعلم بخلقه وقد أنزل لهم ما يصلحهم. وقد نبهت الأخ مالكا إلى نهج ابن القيم ﵀ في استخراج المعاني النفسية من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . كان الأخ عوض يرافقه في بعض أسواق المدينة ولكنه لم يتركنا بدون أن يعمل على مساعدتنا لكوننا كنا في انتظاره، فأخبر بعض المسئولين عن الاتحاد فبعثوا لنا شابا لبنانياً لا يزيد عمره في الغالب عن سبع وعشرين سنة، واسمه ناظم محمد سعيد منقاره. نال شهادة الليسانس من الجامعة اللبنانية في بيروت، حاز الأولية في دفعته. كما نال الماجستير بامتياز في الفيزيا من إحدى الجامعات الأمريكية وشهادة الماجستير في الكمبيوتر أيضاً، وقدم رسالتين فيهما.

стр. 8806

وهو يعمل الآن مع اتحاد الطلبة المسلمين في الكومبيوتر وله زوجة لم يرض بخروجها للعمل، كما أنها كما يقول راضية ببقائها في البيت على الرغم من أن الجو هناك يدعو المرأة والرجل معا إلى الخروج ولا تبقى في المنزل إلا المرأة الشريفة، وعلى الرغم من أن عملها سيدر عليه دخلاً ماديا يساعده على العيش هناك للغلاء الفاحش في الأسعار وأجور المنازل والمحروقات وغيرها. ويبدو على الأخ ناظم الصلاح والحماس لدينه، ويشكو من سوء معاملة النصارى له في لبنان، حيث حرموه من الابتعاث مع أنه كان الأولى به لأنه الأول في دفعته، فقدموا عليه بعض زملائه النصارى الذين هم أقل درجات منه، وصدق الله العظيم القائل: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ ومع ذلك فإننا نجد أكثر المسلمين يجاملون اليهود والنصارى وهم لا يجاملوننا إلا بألسنتهم في أوقات حاجتهم إلى المجاملة، كما قال الله تعالى: ﴿يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ﴾ . تسخير واستغلال: ركبنا مع الأخ ناظم وبدأت أسأله أنا عن دراسته وبلده وعمله فذكر لي هذه المعلومات، وسألته عن الكومبيوتر الذي يعمل فيه الآن فذكر أنه يعمل فيه مهندساً هو وشاب آخر معه، وأن هذا الكومبيوتر يختزن الآن المعلومات كاملة عن اتحاد الطلبة المسلمين وأعضائه من الطلبة وغيرهم وكذلك معلومات عن زوارهم، وهو ميسر لهم الأعمال الإدارية.

стр. 8807

كما أن هناك مشروعاً لتزويده بمعلومات الحديث النبوي الشريف- الأمهات الست وغيرها بحيث يكون مستعداً لإعطاء أي معلومات تستدعى منه عن الحديث ورواته وتراجمهم باختصار ودرجة الحديث وهو الآن في دور التجارب، وهو يعمل بالحروف العربية والحروف الإنجليزية. وكان من ضمن الأماكن التي زرناها هو مقر الكومبيوتر المذكور الذي تلقى معلومات عن زيارتنا قبل الوصول إليه، وعندما وصلنا رحب بنا بأسمائنا ووظائفنا بالخط العربي الواضح، وأبدى استعداده للإجابة عن أسئلتنا في حدود طاقته فسألناه بعض الأسئلة التي أجاب عليها واعتذر عن بعضها لعدم توافر المعلومات عنده. وإنه لمشروع يشكر عليه المسئولون في الاتحاد، وكان على الجامعات الإسلامية في العالم العربي أن تمنح الاتحاد بعالم من علماء الحديث على الأقل يساعدهم بخبرته في إعطاء المعلومات لهذه الآلة السريعة الفائدة والتي يجب ألا تعطى إلا معلومات صحيحة دقيقة من ذوي الخبرة والاختصاص. كما أنه ينبغي للجامعات الإسلامية أن تحرص على استجلاب هذه الآلة على أوسع نطاق للاستفادة منها في الإدارة والعلوم الإسلامية على اختلاف تخصصاتها، وأن تبتعث بعض طلبتها الصالحين الذين تثق فيهم من الآن للتدرب والتخصص في هذا المجال، حتى لا تضطر إلى التعاقد مع من هب ودب رغماً عليها. ألسنا أولى بعقولنا: ولقد أبدى الأخ ناظم رغبته في الانتقال من أمريكا إلى بعض الدول العربية للعمل فيها، لا سيما المملكة العربية السعودية التي تهفو نفسه إلى الاستقرار فيها، ووعدته أن أبذل جهدي في الاتصال ببعض الجهات التي يمكنها الاستفادة منه للتعاقد معه، وقد تم الاتصال فعلا ببعض الجهات وأن العالم الإسلامي لأحق بهذه العقول الإسلامية المفيدة من أعداء الإسلام الذين يقتنصون عقول أبنائنا بكل الوسائل.

стр. 8808

تجول بنا الأخ ناظم في مدينة أنديانا بلس وفي بعض أسواقها دون أن ننزل من السيارة إلا قليلا لأن الوقت لا يتسع للتجول مشيا على الأقدام. طاقة صامتة: كما كنا على موعد مع الدكتور أحمد العسال الذي أعارته جامعة الرياض لاتحاد الطلبة المسلمين لمدة ستة أشهر وله نشاط مفيد جداً هناك والرجل يعمل في صمت ورزانة ويحاول جمع كلمة المسلمين ما استطاع إلى ذلك سبيلا، كنا على موعد معه لتناول طعام العشاء، كما تناولنا العشاء في الليلة السابقة في بيت الدكتور محمود رشدان، وصلنا إلى بيت الدكتور العسال وصلينا هناك المغرب والعشاء، وكان معنا الأخ الدكتور مالك بدر ذو النكات السودانية الطريفة التي كان يتحفنا بها كلما التقينا به وغيره من الأخوة. ومن منزل الدكتور العسال تم اتصالنا بالأخ الشيخ عبد الغفور البركاني الذي يعمل في مدينة ديترويت الصناعية في صفوف العمال والجاليات الإسلامية ولا سيما العمال اليمنيين الذين يشكلون الكثرة هناك وهو مبتعث من الرئاسة العامة للبحوث والدعوة والإرشاد في المملكة، أخبرناه بموعد وصولنا غدا الخميس وطلبنا منه أن يحجز لنا في أحد الفنادق هناك. نبذة عن اتحاد الطلبة المسلمين: وقبل الانتقال إلى الكلام عن ديترويت رأيت أن ألخص تعريفاً باتحاد الطلبة المسلمين في الولايات المتحدة وكندا ليكون القارئ على بصيرة ومعرفة بنشاط إخوانه في الله من أجل رفع كلمة الله: - أسس الاتحاد نخبة من الطلبة المسلمين في عام ١٣٨٣ هـ. وتزيد فروعه الآن على مائة وسبعين فرعا، ونشاطه يتركز في الجامعات لأهميتها وله نشاط في الجاليات الإسلامية. - يضم الاتحاد في عضويته الطلاب والعلماء والمهندسين ويزيد عدد أعضائه على ستة آلاف عضو (كان هذا الإحصاء في رمضان سنة ١٣٩٧ هـ) .

стр. 8809

الاتحاد مسجل لدى السلطات الرسمية في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا، ويعتبر جمعية ثقافية علمية دينية وهو منظمة مستقلة عن أي هيئة أو حكومة أو حزب سياسي. أهداف الاتحاد: . إعانة وتنظيم الطلبة المسلمين ليسهل عليهم التحصيل العلمي الرفيع مقروناً بالعقيدة الصحيحة والخلق القويم وتهيئة الوسائل والبرامج التي تمكنهم من ممارسة شعائرهم الدينية والارتباط الوثيق بقضايا بلادهم والعمل الواعي على نصرتها. . تعريف المجتمع الأمريكي بتعاليم الإسلام ودعوتهم إليه بالحكمة والموعظة الحسنة (وتصحيح مفاهيمهم عن الأمة الإسلامية والعربية) . . تيسير تعليم الإسلام وممارسة تعاليمه للمسلمين الجدد وربطهم بعقيدة التوحيد وتجنبهم مواطن الانحراف والزلل في العقيدة والسلوك. . تجهيز المكتبات والمؤسسات العلمية والجامعات بالمصادر الإسلامية حول العالم الإسلامي وقضاياه لتيسير مراجعتها على الباحث الأمريكي والطالب المسلم بحيث تكون بديلاً لكتب المستشرقين. . إنشاء المؤسسات الإسلامية اللازمة لمستقبل المسلمين والإسلام في القارة الأمريكية كالمدارس والمعاهد ومخيمات الشباب وبيوت الطلبة والمستشفيات وغيرها. . العمل على وحدة المسلمين في أمريكا الشمالية وزيادة التعارف والتآلف فيما بينهم. . هذا وقد أنجز الاتحاد إنجازات طيبة ني حدود طاقته: كبيوت الطلبة ومخيمات الشباب. أنشأ بعض المؤسسات المتخصصة النافعة: ١- كهيئة الوقف الإسلامي التي كان من نتائجها: مطابع الاتحاد ودور الثقافة والنشر، ومركز بيع الكتب الإسلامية، ومشروع استعمال الطاقة الشمسية، ومشروع الكشف عن الفطريات المرضية.. ٢- مركز التعليم الإسلامي. ٣- الجمعيات العلمية المتخصصة: كجمعية الأطباء المسلمين، ورابطة علماء الاجتماعيات المسلمين، وجمعية العلماء والمهندسين المسلمين.

стр. 8810

٤- الأمانة العامة الدائمة التي أسست سنة ١٣٩٥ هـ وللاتحاد منجزات أخرى يستطيع القارئ أن يعود إلى الكتيب العربي الذي نشر باسم: اتحاد الطلبة المسلمين في الولايات المتحدة وكندا والذي اقتطفت منه هذه النقاط. أما إلى هؤلاء وإما أولئك: والذي أود أن أختم به الكلام عن هذا الاتحاد وفروعه أن أنادي أغنياء الأمة الإسلامية أن يبذلوا من أموالهم ما يعينون به هؤلاء العاملين وغيرهم ممن يقومون بواجب ليس عليهم وحدهم بل هو واجبنا جميعاً، والذي لا يقدر أولاً يحاول المشاركة بنفسه وهو قادر على المشاركة بماله في سبيل الله ثم لا يشارك فليخف على نفسه من أن يكون فيه شيء من صفات غير المؤمنين. إن هؤلاء القوم - اتحاد الطلبة المسلمين وغيرهم - ذوو اختصاصات علمية متنوعة، وذوو مقدرة إدارية وعمل دؤوب، في وسعهم أن يوسعوا دائرة دعوتهم إلى إنشاء مدارس وكليات ومساجد ومراكز متنوعة الأعمال، والذي ينقصهم المال ألا فلينتظر الأغنياء وبال غناهم الذي يبطر أكثرهم فينفقون أموالهم في غير طاعة الله، ونداء الواجب يدعوهم فلا يستجيبون. -------------------------------------------------------------------------------- [١] كلية اللغة التي كلفت عمادتها.

стр. 8811

الهجرة النبوية دراسة وتحليل لفضيلة الدكتور محمد السيد الوكيل: وكيل كلية الحديث الشريف ليست الهجرة في عرف الدعاة والمصلحين وسيلة راحة، ولا حيلة للاستجمام من عناء طال صبرهم عليه، ولا هي فرصة للترويح عن النفس بالسير في الأرض، والإطلاع على عوالم جديدة لم تتح لهم فرصة الإطلاع عليها، ولكنها في الحقيقة عناء يضاف إلى عنائهم وجهد يتحملونه فوق طاقاتهم، ووحشة تضاف إلى ما هم فيه من غربة في بلادهم. أليست الهجرة انتقالا من الوطن إلى أرض جديدة؟ ومن يضمن للمهاجر السعادة والأمن في تلك الأرض الجديدة؟ أليس في الهجرة مفارقة الأحباب والخلان؟ ومن يكفل للمهاجر من يعوضه عن أحبابه وخلانه في مهاجرة؟ أو ليس في الهجرة قلق للنفس بعد استقرارها، ووحشتها بعد أنسها؟ وأنى للمهاجر الاستقرار والأنس وهو غريب شريد؟. إن حب الوطن غريزة فطر عليها كل مخلوق، ومفارقة الوطن تترك في النفس اضطرابا مهما كانت الغاية من مفارقته، والإنسان عندما يفارق وطنه على أمل العودة يعلل نفسه بسرعة الأيام، ويمنيها بأنس اللقاء بعد الفراق، أما إذا لم يكن أمل في العودة، وانقطعت آمال المهاجر في لقاء من فارق، وأصبح اللقاء أمنية عزيزة بعد أن كان حقيقة واقعة، فإن المهاجر يرى كل شيء بعين اليائس، ويسمع كل لحن بأذن الأصم، فهو لا يستلذ بعيش، ولا يهنأ براحة، ولا يأنس بجليس. على أننا يجب أن نفرق بين التضحية والتغلب على نزعات النفس من أجل القيام بالواجب، وبين شعور الإنسان باللوعة وإحساسه بالألم عند القيام بعمل يخالف الفطرة، ويتعارض مع الجبلة. وليس هذا الشعور وذلك الإحساس مما يلام عليه الإنسان لأنه جبلة خلق الإنسان بها، وإنما يلام عليه إذا أقعده عن واجب، وحال بينه وبين معالي الأمور.

стр. 8812

ولعل هذا الشعور هو الذي خالط نفس بلال بن رباح ﵁ بعد هجرته إلى المدينة حينما كان ينظر إلى السماء ويقول: "لا شك أن سماء مكة أجمل من هذه السماء، وأن هواء مكة أنقى من هذا الهواء" [١] . ويزداد حنينه إلى الوطن، فيضطجع في فناء البيت، ويرفع عقيرته قائلا بعد أن تفارقه الحمى: بفخ وحولي إذخر وجليل ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة وهل يبدون لي شامة وطفيل [٢] وهل أردن يوما مياه مجنة إن حب الوطن قد أدى ببلال أن يعود بخياله إلى مكة، وأن يشعر بحنين زائد إلى أحيائها التي تربى بينها، وقضى شبابه بين ربوعها، فتمنى أن يقضي فيها ولو ليلة، ويمتع ناظريه برؤية جبالها ونباتاتها. ويعلم الرسول- ﷺ بذلك فلم يلم بلالا على ما قال، ولكنه يرق لحال المهاجرين، ويقدر عواطفهم، ويدعو الله- أن يثبتهم على هجرتهم وأن يحبب إليه المدينة كحبهم مكة أو أشد [٣] . أفبعد هذا يقول قائل إن الهجرة فرصة للراحة من عناء التعذيب، أو وسيلة ترويح عن المضطهدين؟ مكة البلد الأمين: ولد الرسول في مكة، وقضى شبابه في ربوعها، وتزوج سيدة نسائها، وكان فيها محبوبا أثيرا، كل أهلها يقدره ويجله، ويرون فيه جميعا أنموذجا للشباب الطموح، حيث كان يترفع عن التافه من الأمور، ويربأ بنفسه عن سفسافها. وكانت مكة تتميز عن قرى الجزيرة كلها بقدسية لم تطمع فيها قرى تفوقها جمالا وخصوبة، وتمتاز بنسيمها العليل، وحدائقها الغناء. إن قرى الجزيرة مهما تفوقت في الخصائص المادية لن تبلغ مبلغ مكة في منزلتها الروحية، فقد اختارها الله ﵎ لتكون محل بيته العتيق، وجعلها حرما آمنا، ليس للإنسان فقط ولكن الإنسان والحيوان والطيور والنبات، ففي رحابها يأمن الخائف، وفي كنفها يأنس المستوحش، وبين جنبيها يجد الحائر السكينة.

стр. 8813

عرف العرب لأم القرى تلك المكانة فقدسوها، وأدركوا أنها لا يبغي فيها ظالم إلا قصمه الله فتجنبوا الظلم، عاش أهلها في ظل بيت الله آمنين في وقت كان الناس يتخطفون من حولهم وقد ذكرهم الله بتلك النعمة فقال- جل من قائل-: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [٤] . ولما استحلت جرهم حرمة البيت، وأكلوا ما كان يهدى إليه، وظلموا فيه سلط الله عليهم خزاعة فقاتلوهم حتى أخرجوهم من مكة. "وكانت مكة في الجاهلية لا يقر فيها ظلم ولا بغي، ولا يبغي فيها أحد إلا أخرجه الله منها، ولا يريدها ملك يستحل حرمتها إلا هلك مكانه، فيقال: ما سميت بكة إلا لأنها تبك أعناق الجبابرة إذا أحدثوا فيها" [٥] . وبلغ من احترام العرب لمكة أنهم كانوا لا يبنون بها بيتا إلى جوار بيت الله، وأنهم كانوا لا يبيتون فيها ولا يستحلون الجنابة بها تعظيما لشأنها [٦] . وظل هذا البلد الأمين يتمتع بتلك القدسية، لا يستحله إلا فاجر، وكان العرب يستحلون أحيانا الشهر الحرام، ولكنهم لا يستحلون مكة، وقد وجد بعضهم مخرجا من حرمة الأشهر الحرم بالنسيء، فكانوا يقدمون ويؤخرون ليواطئوا عدة ما حرم الله. وقد رأينا في حرب الفجار أن هوازن قاتلت قريشا قتالا شديدا حتى إذا دخلت قريش الحرم أمسكت هوازن عنهم [٧] ، وأنذرتهم الحرب بعكاظ من العام المقبل [٨] . ولم يرو لنا التاريخ أن أحدا انتهك حرمة البيت وأفلت من الهلاك في الدنيا قبل الآخرة، ولعل أبرهة كان أول المعتدين عليه بعد جرهم، وقد أثارت محاولة أبرهة حمية العرب فهبوا يدافعون عن البيت الحرام. فخرج ذو نفر في قومه من أشراف اليمن وهزمهم أبرهة، وأخذ ذو نفر أسيرا، ثم تصدى له نفيل الخثعمي في قومه فتغلب عليهم أبرهة وأخذ نفيلا أسيرا، ولما رأت ثقيف قوة جيش أبرهة هادنته وأرسلت معه أبارغال ليدله على طريق مكة.

стр. 8814

واعتقد أبرهة أنه خالص لا محالة إلى البيت، فأرسل رجلا من جيشه فاستولى على أموال أهل مكة، وساقها إلى أبرهة، وزادت ثقة أبرهة في قدرته على تحقيق أمله، وتهيأ لدخول مكة، وعبأ جيشه ولكن الله كان له بالمرصاد. لم يكن هناك من يحمي البيت فحماه الله، ولم تستطع قوة صد جيش أبرهة فسلط الله عليه من صده وأهلكه ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ، تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ، فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [٩] . وزادت تلك الحادثة من مكانة مكة في نفوس العرب إذ ثبت لهم بما ليس فيه ريب حفظ الله لبيته وإهلاكه من أراده بسوء، كان ذلك في الجاهلية قبل بعثة الرسول ﷺ وأما بعد البعثة فقد حدث أن اعتدت بكر على خزاعة وألجأتهم إلى دخول الحرم ولم تحترم بكر حرمة البيت، وإن هابت اقتحامه بادئ الأمر، ونبهوا قائدهم نوفل ابن معاوية الديلي، وقالوا له: "يا نوفل، إنا قد دخلنا الحرم، إلهك إلهك"، ولكن نوفل كان قد صمم على الأخذ بثأره، ولم يعبأ بتحذير قومه، وقال: "لا إله اليوم، إنكم تسرقون في الحرم أفلا تصيبون ثأركم فيه؟ " [١٠] . وعلم رسول الله بما ارتكبت بكر من انتهاك حرمة البيت ونقض العهد والاعتداء على حلفائه الخزاعين فهب لإنقاذهم، وفتح مكة وأذل الله قريشا وحلفاءهم بكرا، ولكن الرسول منّ عليهم وأطلق سراحهم، فعرفوا بالطلقاء. وفي سنة ثلاثمائة وسبع عشرة من الهجرة كانت فتنة القرامطة في مكة حيث سفكوا دماء الحجاج وعطلوا الشعائر واعتدوا على بيت الله الحرام، وانتزعوا الحجر الأسود وأخفوه اثنتين وعشرين سنة. وصال أبو طاهر القرمطي وجال بفرسه حول الكعبة، وكان مخمورا على رواية بعض المؤرخين، واخذ يصيح: يخلق الخلق وأفنيهم أنا [١١] أنالله وبالله أنا

стр. 8815

ويقول الإسفرائيني عن أبي طاهر سليمان بن الحسن القرمطي: "أنه قتل ثلاثة آلاف مسلم، وأخرج سبعمائة بكر من خدورهن، واقتلع الحجر" [١٢] . فماذا كان مصير هذا المعتدي الأثيم، المنتهك لحرمات بيت الله؟ يقول الإسفرائيني: "في عام ثلاثمائة وثمانية عشر قصد سليمان بن الحسن بغداد، فلما بلغ هيت رمته امرأة من سطحها بلبنة فقتلته" [١٣] . هذا الجبار الذي تحدى أهل مكة واستباح حرمة البيت تقتله امرأة ليكون أحقر قتيل، وأهون فقيد، وهكذا يدافع رب البيت عن بيته. وعادت للبيت حرمته، وعاد الأمن إلى أهله، وعاش الناس في جواره آمنين لا يروعهم أحد، ولا يعتدي عليهم معتد قرابة ألف وثلاثة وثمانين عاما حتى روعتهم تلك الفتنة العمياء التي غامر بها شباب - أغلب ظني أنهم مخدوعون - لم يتبصروا الأمور، ولم يفكروا في العواقب، خدعتهم فكرة ظهور المهدي، فحسبوا أن هذا أوانه، فلووا أعناق الأحاديث ليا، ليخضعوها لهواهم، وينزلوها على رغبتهم. ونسي هؤلاء أن المهدي سيكون بين يدي الساعة، وأنه هو المنقذ الذي سيلجأ إليه الناس، ويكرهونه على قبول البيعة، وليس هو الذي يطلب البيعة لنفسه، ونسوا كذلك أن المهدي لن يبايع بقهر السلاح، ونسوا فوق ذلكَ كله أن حرمة المسلم أعظم من حرمة الكعبة، وأن قطرة دم من مسلم تراق بغير حق أعظم جرما من أية جريمة مهما كانت.

стр. 8816

وإن الإنسان ليقف أمام تلك الفتنة مذعورا من هولها، حائرا من تدبيرها، على من ينحي باللائمة؟ أعلى هؤلاء الذين علموهم التزمت المقيت وأفهموهم أن الإسلام هو هذه الشكليات، ونفخوا في رؤوسهم أنهم العلماء وحدهم ومن سواهم يجب أن يتتلمذ على أيديهم ويتلقى عنهم، أم على هؤلاء الذين أهملوهم حتى استفحل أمرهم، وعظم خطرهم. إن الإسلام يحتم علينا أن نعلم هؤلاء وأمثالهم، وأن نقرع حججهم بحجج أقوى منها وأوضح، وأن نبين الحق إذا التبس على الناس، حتى يفيق الغافلون، ويهتدي الحائرون، ولو أننا سلكنا هذا السبيل لماتت الفتنة في مهدها، ولكفينا ويلاتها. وإننا لنحمد الله أن أعاد للبلد الأمين حرمته، ورد على أهله السكينة والاطمئنان، ووفق أولي الأمر لإعادة الأمور إلى نصابها فاللهم أصلحهم وأصلح بهم، وزدهم من فضلك توفيقا وتسديدا. الهجرة سبيل الأنبياء: الهجرة كما قلت سابقا ليست وسيلة للراحة، وإنما هي أسلوب من أساليب نشر الدعوة، وطريقة للمحافظة عليها من بغي الباغين وعدوان الطغاة، ولهذا كانت الهجرة سبيل الأنبياء من قبل نبينا محمد ﷺ يرتادون فيها الأرض الخصبة التي تحتضن الدعوة، ويبحثون أثناءها عن البذور الطيبة الصالحة للإخصاب. فإبراهيم ﵇ أبو الأنبياء يدعو قومه إلى التوحيد الخالص والعقيدة الصحيحة فيتآمرون عليه، ويكيدون له، ويتعصبون ضد دعوته، فيترك بلده الذي ضاق به، ويودع أهله الذين تآمروا عليه، ويفر من كوثى في سواد الكوفة إلى حران ثم إلى الشام، والقرآن الكريم يقص علينا ذلك فيقول: ﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الأَسْفَلِينَ وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي﴾ [١٤] .

стр. 8817

ولوط ﵇ لما رأى أن النار لم تحرق عمه إبراهيم، وأنه خرج منها كأنه لم يدخلها آمن لإبراهيم، وصدقه فيما جاء به، وخرج معه مهاجرا ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [١٥] . وموسى يتآمر عليه فرعون، ويضايقه في دينه، فيأمره الله أن يترك هذا البلد الذي لم يستطيع فيه تبليغ دعوته، وأن يهاجر بقومه إلى حيث يمكنه عبادة ربه وأداء رسالته، قال تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُنْدٌ﴾ [١٦] . لم يكن رسول الله ﷺ أول من هاجر من الرسل، بل سبقه بالهجرة رسل كرام على الله، خرجوا بدينهم امتثالا لأمر الله فسنوا بذلك الهجرة لمن أتى بعدهم من النبيين والمصلحين حتى لا يعتذر معتذر ببغي الباغين واضطهاد الظالمين، أو يقول قائل: كنت في أرض يسيطر عليها الطغاة ولم يسمحوا لنا بنشر الدعوة ولا بقول كلمة الحق، وحينئذ يكون السؤال ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا؟﴾ [١٧] . فماذا تكون الإجابة؟؟ ولقد ثبت بالتجربة أن الهجرة من أنجح الوسائل لنشر الدعوة، وأن الدعاة إلى الله متى ما هاجروا بدينهم مخلصين لله هجرتهم، لا يبغون من ورائها إلا إرضاء الله ﵎ يجري الله على أيديهم، فتنفتح لهم القلوب، ويجتمع عليهم الناس. فيؤازرون دعوتهم وينشرون عقيدتهم، ويوسع الله لهم في أرزاقهم، ويسبغ عليهم نعمته. ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأََرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [١٨] . ذكريات:

стр. 8818

عاش رسول الله ﷺ في مكة ذلك البلد الأمين، قضى فيه طفولته وصباه، وشبابه وكهولته وشطرا كبيرا من شيخوخته، وله فيه ذكريات عزيزة يوم كان شابا يافعا، إن حرب الفجار تركت في نفسه رغبة في مقاومة الظلم والوقوف في وجهه، وإن حلف الفضول وما يتضمنه من مكارم الشيم وعظيم الأخلاق قد ملك عليه قلبه حتى أنه قال: "ولو دعيت به في الإسلام لأجبت". ثم هذه المروج التي كان يخرج إليها يرعى فيها الغنم، لقد أصبحت جزءا من حياته لا يستطيع مفارقتها بسهولة، وإن ذكرى زواجه بالسيدة خديجة ﵂ وما قضاه معها من أيام طويلة وجميلة لا تزال ماثلة أمام عينيه، يرى فيها سعادته بزوجه الرءوم، وأولاده الصغار الأبرياء. وإنه ﷺ ليذكر يوم اشتراكه في بناء الكعبة المشرفة، ويوم رضيه المتخاصمون حكما ينهي بقضائه ما نشب بينهم من نزاع. إنه يتذكر كل هذا فيجد نفسه مشدودا إلى مكة برباط وثيق، ويذكر حب قومه له وإعجابهم به، وتسميتهم له بالصادق الأمين فترتاح نفسه، ويطمئن قلبه، ولكن ما بالهم الآن يتآمرون عليه، أو ليس هو هو؟ ما الذي حدث حتى يحاولوا قتله؟؟ ماذا جرى حتى يتربصوا به الدوائر؟ وتدور برأسه ﷺ كلمة ورقة بن نوفل: "ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك"ويتذكر سؤاله له "أو مخرجي هم؟ "وهو أقرب إلى الاستنكار منه إلى الاستفهام، ويجيب ورقة إجابة الواثق المتأكد: "نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا" [١٩] .

стр. 8819

هذا هو السبب الحقيقي لتآمر قومه به، وثورتهم عليه، إنه جاءهم بالحق، ولكنهم يكرهون الحق الذي جاء به، وإنه ليدلهم على طريق الخلاص، ولكنهم يتمنون أن يمطروا بحجارة من السماء ولا تكون نجاتهم على يديه، لقد أعماهم الحقد، وغشي أبصارهم الحسد. ولم يعد يدور بخلدهم إلا التفكير في التخلص من محمد وما جاء به ﷺ المؤامرة: ضاق القوم ذرعا بالرسول ﷺ ووجدوا أنفسهم قد فشلوا في كل محاولاتهم، فشلت وسائل التعذيب والإرهاب، كما فشلت أساليب الخداع والإغراء، كذلكَ باءت حرب الإشاعات بخيبة الأمل. ورأى المشركون بأعينهم انتشار الإسلام في كل مكان، وعلموا بما تم بين الرسول ﷺ وأهل المدينة من البيعة على النصرة والإيمان، فأزعجتهم تلك الأخبار، وأقلق نفوسهم ما يتوقعون من انتصار التوحيد على الوثنية التي استماتوا في الدفاع عنها، وحز في نفوسهم أن يتغلب محمد ﷺ عليهم بعد هذا العناد الطويل. تواعد القوم أن يلتقوا في دار الندوة، وأن يطرحوا هذا الموضوع الذي شغل بالهم على بساط البحث، وعزموا على أن يتخذوا فيه قرارا حاسما مهما كلفهم ذلك. لقد ماتت خديجة التي كانت تقف دونه بمنزلتها ومن يؤازرها من عشيرتها، ومات أبو طالب الذي كان يفديه ويدافع عنه، لم يعد هناك ما يحول بينهم وبين الإيقاع به فلماذا يترددون؟ وبدأت الجلسة بحماس لم تعرفه دار الندوة من قبل، إن المسألة في نظرهم مسألة كرامة، لقد سفه محمد عقولهم، وعاب آلهتهم، وعرض بآبائهم فماذا بقي لهم؟، إنهم إن لم ينتصروا لآلهتهم المهانة وعقولهم المسفهة وآبائهم المجرحين فلا خير في العيش، ولا فائدة في الحياة. قال أحدهم في انفعال شديد: "أرى أن تحبسوا محمدا في الحديد، وتغلقوا عليه بابا، ثم تتربصوا به ما أصاب الشعراء من أشباهه".

стр. 8820

ورفض الاقتراح من غير مناقشة طويلة حيث لا يستحق المناقشة لأنهم يعتقدون أن أصحاب محمد لا تعجزهم فرصة يختلسونها ثم يطلقون فيها سراحه. وقال آخر: "خير لكم من ذلك أن تنفوه من بلادكم، فإذا خرج عنا فلن نبالي أين ذهب ولا حيث وقع، وحينئذ نصلح أمرنا، وتعود إلينا ألفتنا كما كانت". ولم يكن هذا الاقتراح خيرا من سالفه، فقد رفض لأول وهلة، لقد غاب عن صاحب الاقتراح أن خوفهم من خروجه أكثر من خوفهم من بقائه، ولم يفطن إلى أنه لو خرج من بينهم يكون خطره عليهم أشد، وتهديده لعقيدتهم أقوى حيث يستطيع أن يجمع من الاتباع ما يمكنه بهم أن يجتاح عليهم ديارهم، ويغلب عليها دونهم عندئذ قام أبو جهل وقال: "إن لي رأيا ما أراكم وقعتم عليه بعد"، وقال الحاضرون في لفهة: "هاته يا أبا الحكم"، قال أبو جهل: "أرى أن نأخذ من كل قبيلة شابا جليدا نسبيا وسيطا فينا ثم نعطي كل واحد منهم سيفا صارما، ثم يعمدوا إليه فيضربوه ضربة رجل واحد فيقتلوه، فنستريح منه، فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعا فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا، فيرضوا منا بالعقل، فنعقله" [٢٠] . وفرح القوم برأي أبي جهل، وأيدوه من غير نظر ولا مناقشة، وكيف لا وهم لم يجتمعوا إلا ليتخلصوا من محمد. إن اقتراح أبي جهل هذا قد كشف عن قبح الاقتراحين السابقين وسخفهما بقدر ما كشف عن حمق صاحبيهما، لا شك أن حبس محمد في الحديد سيثير عاطفة بني هاشم إن لم يحرك عاطفة كثير من الناس الذين يرونه مكبلا بالحديد من غير جرم ولا جريرة، فيتعاطف معه كثير ممن لم تربطهم به عاطفة ولا قرابة. لأن تعاطف الناس مع المظلوم حقيقة لا يماري فيها أحد.

стр. 8821

كما أن نفيه من البلد سلاح رهيب يستطيع ﷺ أن يستغله ضدهم فيألب عليهم القبائل، وهم جميعا على أتم استعداد ليستمعوا إليه لولا أن قريشا تحول بينهم وببن ذلكَ، فإذا ما خلا له الجو للالتقاء بهم في حرية من غير ضغط ولا تشويش لا شك أنه سيقنعهم فيكونون معه عليهم. لهذا رأى الجميع في رأي أبى جهل الفرصة التي ينشدونها، فيجب ألا يضيعوها، وغادروا دار الندوة وقد أجمعوا أمرهم على تنفيذ اقتراح أبي جهل. ومكروا ومكر الله: أوحى الله إلى نبيه ما بيت القوم له، وأمره بالهجرة، وكان الطريق قد تمهد من قبل ببيعة الأنصار، وهجرة المسلمين إلى المدينة المنورة، وقد وجدوا فيها وطنا بدلا من وطنهم، وألفوا فيها أهلا خيرا من أهلهم، وعاشوا فيها آمنين على أرواحهم وإيمانهم. وبدأ الرسول ﷺ يواجه الموقف الجديد في ثبات لا يزعزعه التردد، وبحزم لا يوهنه اللين، وكان عليه أن يواجه كيدهم بكيد هو أنكى منه وأشد، وكان عليه أن يقابل تخطيطهم بتخطيط هو أدق منه وأتقن. لقد خطط القوم وفكروا، وناقشوا الأمر وقلبوه على كل وجوهه ثم أجمعوا أمرهم على ما رأوه يحقق آمالهم، فهل يجوز أن يواجه الرسول ﷺ هذا الاهتمام بالكسل، والتخطيط بالتواكل؟ كلا، لا بد أن يولي الأمر اهتماما أكثر من اهتمامهم، لأنه متعلق بعقيدته أولا، وبشخصه ثانيا، كما لا بد أن يواجه تخطيطهم بتخطيط يفسد عليهم حيلتهم، ويحبط كيدهم. وإننا لنعجب غاية العجب إذا وقفنا على خطة الرسول ﷺ التي واجه بها خطة القوم، وإن المحققين ليقفون مدهوشين من روعة تلك الخطة وإحكامها، ولن أتعرض لقصة الهجرة هنا إلا بالقدر الذي أستنبط منه العبرة، وأستخلص منه الدروس التي يحتاجها المسلم في طريقه الطويل الشاق إلى غايته السامية الغالية، فالقصة برمتها مسطورة في كتب السيرة والتاريخ.

стр. 8822

اجتمع شباب قريش وفتيانها في الليلة التي حددوها لتنفيذ المؤامرة، وأحدقوا ببيت رسول الله ﷺ والسيوف في أيديهم تخطف الأبصار ببريقها، ويترقبون خروج رسول الله لينهشوه بتلك السيوف. وكان على رسول الله أن يخرج من بين هذه الجموع المحتشدة المترقبة، وكان عليه كذلك أن يضللهم حتى لا يفطنوا لخروجه فيتبعوه، ويفسدوا عليه خطته، عندئذ أمر عليا ﵁ أن ينام في مكانه، وأن يتغطى ببردة الحضرمي الأخضر، فامتثل علي لأمره، ونام في مكانه مضحيا بنفسه يفدي بها رسول الله ﷺ وضرب علي بذلك أروع أمثلة التضحية والفداء. نام علي على فراش الرسول، ونظر المشركون من خصاصة الباب فاطمأنوا على سلامة خطتهم، وظلوا يتحينون فرصة خروجه ليضربوه ضربة رجل واحد فيتفرق دمه في القبائل. وهم الرسول ﷺ بالخروج من بيته، وكانت لحظة جد خطره فالمشركون على باب الرسول وسيوفهم مشرعة في أيديهم كأنها الحيات تتلمظ لتنهش فريستها، وحانت لحظة الوداع، فودع الرسول عليا وطمأنه قائلا: "لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم" [٢١] وأوصاه أن يؤدي عنه الودائع التي كانت عنده للناس [٢٢] . وخرج رسول الله على القوم وهو يعلم مكانهم وما جاءوا من أجله ولكنه خرج وكله ثقة في الله وفتح باب بيته ليجد فتيان قريش يغطون في نوم عميق، وكأنهم لم يناموا منذ زمن بعيد. ماذا دهى القوم؟ لقد كانوا منذ لحظات يسمرون، وقد حضر معهم سادة قريش: أبو جهل، والحكم بن أبي العاص، وعقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث، وأمية بن خلف، وربيعة بن الأسود، وطعيمة بن عدي، وأبو لهب، وأبي بن خلف، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج [٢٣] . لقد حضر هؤلاء السادة ليشجعوا فتيان قريش على أداء مهمتهم وليتشفوا في رسول الله، ويمتعوا أبصارهم برؤية دمه الشريف وهو يهراق أمامهم، فما بالهم يغطون في هذا النوم العميق؟

стр. 8823

ولقد كان أبو جهل - لعنه الله - منذ لحظات يحدث القوم ساخرا من رسول الله- ﷺ ويقول: "إن محمدا يزعم أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم، ثم بعثتم من بعد موتكم، فجعلت لكم جنان كجنان الأردن؛ وإن لم تفعلوا كان له فيكم ذبح، ثم بعثتم من بعد موتكم ثم جعلت لكم نار تحرقون فيها" [٢٤] . يا سبحان الله!! لقد سمع رسول الله ذلكَ من أبي جهل وهو في طريقه إلى الباب ليخرج، فأي مصيبة حلت بهم فصرفتهم عن غايتهم؟؟ إنها إحدى المعجزات، لقد أخذ الله أبصارهم، وضرب على قلوبهم حتى خرج عليهم رسول الله ﷺ فلم يروه، وسخر من أبي جهل كما كان يسخر منه قبل لحظات، وقال: "نعم، قلت ذلك، وأنت أحدهم"، وأخذ حفنة من تراب فجعلها على رؤوسهم، وهو يتلو قوله تعالى: ﴿يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ... فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ [٢٥] . فلم يبق أحد منهم إلا قد وضع على رأسه ترابا [٢٦] . أي سخرية هذه؟ وأي احتقار للقوم؟ شباب أقوياء وسيوفهم في أيديهم، يخرج عليهم رسول الله وحيدا، ولكنه في رعاية الله، ويضع التراب على رؤوسهم متحديا تلكَ السيوف التي ذبلت في أيديهم كأنها أغصان فصلت عن شجرتها، فلم تغن عنهم شيئا. ويمر بالقوم رجل فينبههم، فإذا التراب على رؤوسهم، والخزي يجلل وجوههم، وينظرون من خلال الباب فيرون النائم متسجيا بالبرد الحضرمي الأخضر فيقولون: "هذا محمد نائم على فراشه"، وظلوا في حصارهم ينتظرونه، حتى أصبحوا، فقام علي ﵁ عن الفراش فقالوا: "قد صدقنا والله من حدثنا" [٢٧] . وخاب أمل القوم، وضل سعيهم، ألم يكن في هذا الحدث وحده واعظ لهم ينبههم إلى أن الرسول ممنوع منهم؟ وأنهم مهما دبروا فالله من ورائهم ولكن ﴿رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [٢٨] .

стр. 8824

إلا تنصروه فقد نصره الله: خرج الرسول ﷺ من بيته على النحو الذي ذكرت متوجها إلى بيت أبي بكر، وكان قد أخبره بالهجرة وبالموعد الذي سيغادران فيه مكة، وأمره أن يكتم عليه، ومن أوفى من أبي بكر بعهد قطعه مع رسول الله؟ وكان أبو بكر ﵁ ينتظر تلك الساعة بفارغ الصبر، وكان قلقا على الرسول خائفا أن يصيبه مكروه من القوم، ولكن الرسول كان محفوفا بالعناية الربانية، ولهذا خرج على القوم دون أن يتردد وإني أشهد شهادة حق أنه ﷺ لو لم يكن رسولا حقا ما خرج في تلك الساعة مهما كانت قوته وشجاعته. وفي بيت أبي بكر وضع الرسول خطة كاملة للهجرة، وأعد لكل شيء عدته، لأنه ﷺ يعلم أن اتخاذ الأسباب أمر يقتضيه كمال الإيمان وحسن التوكل، وعلى هذا الأساس وضع برنامج الهجرة. كان لابد من سلوك طريق غير مألوفة حتى لا يعترضه أحد من أعدائه، فاستأجر لذلك الدليل - عبد الله بن أريقط- وكان ماهرا يعرف الطريق معرفة جيدة، وكان عبد الله مشركا، ومع ذلكَ ائتمناه على هذا السر الخطير، ووفى الرجل بعهده فلم يخن ولم يغدر، ولو فعل لم يلم لأنه على دين قومه، ولا يهمه أمر المسلمين في شيء، ورصدت قريش مائة ناقة لمن يأتي بمحمد حيا أو ميتا [٢٩] وأبت نفس ابن أريقط أن يربح هذه الجائزة على حساب رجل ائتمنه ورضي بأجره المتفق عليه. وكان لابد أن يختفي رسول الله فترة عن أعين الناس حتى يهدأ الطلب وتفتر الهمم في اقتفاء أثره فيتمكن من السير وهو آمن. فأدلج إلى غار ثور، أقام فيه ثلاثة أيام، ولم ينس رسول الله أن يدبر أمر الطعام والشراب والأخبار في تلك الفترة التي سيقضيها في الغار، فجعل أسماء بنت أبى بكر ﵂ لإعداد الطعام والشراب تأتيهما به ليلا حتى لا يراها أحد [٣٠] .

стр. 8825

وجعل على أخبار القوم عبد الله بن أبي بكر، كان يسمع ما يدور في مجالس القوم نهارا ويعيه فإذا جن الليل أتاهما بأخبار الناس وأعلمهما بما يتكلمون به، وعلى أساس هذه الأخبار يخطط للبقاء في الغار أو لمغادرته وكان ﷺ يخشى أن يرى أحد من المشركين أثار أقدام عبد الله بن أبي بكر وأخته أسماء فيسدل بها على مكانهما فأمر عامر بن فهيرة مولى أبي بكر أن يسرح بالغنم مبكرا على آثارهما فيعفى عليها، ويزيل ما قد يكون سببا في معرفة مكانهما، كما كان يريح الغنم عليهما ليلا فيذبحان منها، ويحلبان فيشربان. ومع كل هذه الاحتياطات، ورغم كل التخطيطات وصل القوم إلى الغار، ولكن هل على الرسول وصاحبه لوم إذا عرف القوم مكانهما بعد ذلك، كلا، فقد اتخذا كل الاحتياطات اللازمة وبذلا كل ما في وسعهما والله – سبحانه - بعد ذلك يتولى ما لم يقدرا عليه. وصل المشركون إلى الغار، ورأى سيدنا أبو بكر ﵁ أقدامهم فقال: "يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر تحت قدميه أبصرنا"، والرسول يهدئ من روع أبي بكر ويقول: "يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ لا تحزن إن الله معنا" [٣١] . لقد كان رسول الله في ثقة تامة بالله وكيف لا وهو لم يهمل سببا من الأسباب، ولم يقصر في أمر يستطيعه، وأكثر من هذا فقد كان خروجه بأمر الله، والله ﵎ لا يضيع نبيه أبدا. لهذا كان الرسول يخاطب أبا بكر وهو موقن أن الله لن يضيعهما ولابد أن يرد عنهما عدوهما، وقد كان. وتولى الله صرف المشركين عن الغار، أما كيف؟ وبماذا؟؟ فهذا ما لم يخطر لأحد على بال. لم يرسل الله ملائكة تحرس النبي وصاحبه، ولم يسلط على القوم جيشا يردهم عن وجهتهم. ولكن أمر العنكبوت فنسجت على وجه الغار، وأرسل حمامتين فباضتا عليه [٣٢] .
следующие страницы →