Полный текст (23 804 стр.). Показаны 8926–8965 · переход к 8931.
стр. 8926
وقد كان لجهاد الجماعة الإسلامية لوضع الدستور الإسلامي لدولة باكستان أن أصدرت الجمعية التأسيسية (قرار المبادئ) سنة ١٣٦٨هـ الذي ينص على أن الحاكمية في باكستان ليست إلا لله وأن كل ما تتمتع به الدولة من الصلاحيات والسلطات هي وديعة عندها لله ، وأن الحكومة من واجبها أن تجعل المسلمين يعيشون حياة إسلامية يرتضيها الله ورسوله.
وقد كان من كيد أعداء الإسلام أن الحكومة البريطانية ورثت دولة باكستان الناشئة تحكم القاديانيين وسيطرتهم على جانب من السلطة فكان ظفر الله خان وزيرا للخارجية وبعض الضباط القاديانيين يتحكمون في سلاح الطيران.. وكانت للقاديانية دعاية واسعة خبيثة بين ظهراني المسلمين، فكتب الأستاذ المودودي (المسألة القاديانية) وبين في هذا الكتاب حقيقة القاديانية وخطرها على المسلمين، وبسبب هذا الكتاب ألقي القبض على الأستاذ المودودي سنة ١٣٧٢ هـ مع عدة مئات من أعضاء الجماعة الإسلامية، وحوكم المودودي أمام محكمة عسكرية فأصدرت قرارا بإعدامه واستقبل المودودي هذا الحكم بطلاقة وجه ورحابة صدر، ولكن المحكمة عادت فخففت الحكم إلى السجن المؤبد، وبقي المودودي في السجن ثمانية عشر شهرا، ثم اضطرت الحكومة إلى إطلاق سراحه تحت ضغط جماهير الشعب المسلم في باكستان وفي العالم الإسلامي.
وفي سنه ١٣٨٤ هـ قامت الحرب بين الهند وباكستان بسبب عدوان الهند على كشمير فاضطر أيوب خان رئيس الباكستان أن يذهب إلى مقر الجماعة الإسلامية في لاهور وأن يصحب المودودي في سيارته إلى دار الإذاعة ليوجه خطابا إلى الأمة وإلى الجيش كان يذاع على المقاتلين في الجبهة، وتحقق الانتصار للجيش الباكستاني رغم ضآلة عدده وعدته أمام الجيش الهندي.
стр. 8927
ولما وصل بوتو وحزبه إلى حكم باكستان سنة ١٣٩٢ هـ لم يستطع أن ينفذ ما كان ينادى به من جعل دستور الدولة اشتراكيا علمانيا رغم أكثريتة الساحقة، لأن الجماعة الإسلامية والهيئات الدينية الأخرى استنكرت مشروعة، وأبت إلا أن يكون الدستور متفقا مع قرار المبادئ، فرضخ هذا المتغطرس وحزبه لرغبة الشعب المسلم ووضع مادة تصرح بأن دين الدولة الإسلام، ومصدر التشريع فيها هو الإسلام.
بين المودودي والندوي:
كان الأستاذ السيد أبو الحسن الندوي قد ألف كتابا في نقد بعض آراء الأستاذ أبي الأعلى المودودي التي وردت في بعض كتبه وخاصة كتاب (المصطلحات الأربعة في القرآن) ، وقد طبع منذ سنوات باللغة الأردية في السند ثم طبعت ترجمته باللغة العربية باسم (التفسير السياسي للإسلام) في عام ١٣٩٩ هـ ويقول السيد الندوى أن السيد المودودى قد كتب له في رسالته الأخيرة التي تلقاها منه حين وصله كتاب المذكور الذي جاءت فيه ملاحظاته عليه. كتب له مرحبا بهذه الملاحظات وشكره عليها، ودعاه إلى مراجعة سائر كتاباته ومؤلفاته، وإبداء الملاحظات عنها وقال: "إنني لا أستطيع أن أقول إني سأوافق عليها تماما، ولكني أدرسها وأتأمل فيها"وقال: "إنني لا أعتبر نفسي فوق مستوى النقد واختلاف وجهات النظر.."
стр. 8928
ومما يذكر أن كلا الرجلين كانا من أعضاء رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة ومن أعضاء المجلس الاستشاري للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ويشيد السيد الندوي حفظه الله بالسيد المودودي "الذي قامت دعوته على أسس علمية أعمق وأمتن من أسس تقوم عليها دعوات سياسية.. وكانت كتاباته وبحوثه موجهة إلى معرفة طبيعة هذه الحضارة الغربية وفلسفتها للحياة، وتحليلها تحليلا علميا قلما يوجد له نظير في الزمن القريب، وقد عرض الإسلام ونظام حياته، وأوضاع حضارته وحكمه، وصياغته للمجتمع والحياة، وقيادته للركب البشري والسيرة الإنسانية في أسلوب علمي رصين، وفي لغة عصرية تتفق مع نفسية الجيل المثقف ومستوى العصر العلمي ويملا الفراغ في الأدب الإسلامي المعاصر من زمن طويل، ويقضي حاجة الشباب الطموح إلى مجد الإسلام والمسلمين.."ويقول الندوي أيضا: "وقد بعثت كتاباته - المودودي - القوية ثم جهوده المتواصلة الرغبة القوية العارمة لقيام حكم إسلامي ونظام إسلامي ومجتمع أفضل في كل بلد إسلامي".
مؤلفاته:
стр. 8929
نقل إلى اللغة العربية من مؤلفاته بضعة وثلاثون كتابا منها: الجهاد في سبيل الله - الإسلام والجاهلية - شهادة الحق - الدين القيم - مبادئ الإسلام - المصطلحات الأربعة في القرآن - نظرية الإسلام الخلقية - الأسس الأخلاقية للحركة الإسلامية - تفسير سورة النور – الحجاب - موجز تجديد الدين وإحيائه - واقع المسلمين وسبيل النهوض بهم - منهج جديد للتعليم والتربية - أسس الاقتصاد بين الإسلام والنظم المعاصرة - معضلات الاقتصاد وحلها في الإسلام - مسألة ملكية الأرض في الإسلام - نظرية الإسلام وهديه في السياسة والدستور والقانون - القانون الإسلامي - نظام الحياة في الإسلام - واجب الشباب المسلم اليوم - حاجة الإنسانية إلى جماعة رشيدة - البعث بعد الموت - الثبوت العقلي للرسالة المحمدية - نحن والحضارة الغربية - المسألة القاديانية - الحضارة الإسلامية: أصولها ومبادئها- حركة تحديد النسل في ميزان النقد - تذكرة دعاة الإسلام - أضواء على حركة التضامن الإسلامي - بين الدعوة القومية والرابطة الإسلامية - حدود التشريع الإسلامي ومكانة الاجتهاد فيه.- العدالة الاجتماعية: حقيقتها وسبل تحقيقها.
وقد حرصت المملكة العربية السعودية على تكريم هذا الإمام المجاهد فمنحته لجنة جائزة الملك فيصل جائزتها للعالم الماضي، فتقبلها شكرا ووضعها في خدمة الدعوة الإسلامية، ﵀ وعوض الأمة الإسلام عنه خير العوض، وأجزل مثوبته في دار المقامة عنده.
стр. 8930
عبد الله بن ياسين
واضع الأسس الأولى لدولة المرابطين في المغرب الأندلس
(الحلقة الثانية)
لفضيلة الشيخ/ إبراهيم الجمل. المدرس بالعهد الثانوي التابع للجامعة الإسلامية
كان بين عبد الله وجدالة ثأر لا تزال آثاره موجودة: فهي القبيلة التي منعته من تأدية رسالته، وهددته بالقتل، بل لقد حاولت هدم بيته عليه، مما جعله يفر أمام قوة القوم، أما اليوم فيستطيع عبد الله أن يخضع قبيلة جدالة للدين الصحيح، وأن يجعلها تأتمر بأمره، معلنة الجهاد ضد كل من يخالف ما يجب أن يكون عليه الناس؛ ثم يتبعها باقي القبائل.
رجع عبد الله إلى مركز قيادته في رباط السنغال، وجمع أشياخ المرابطين، ليأخذ مشورتهم في أمر القبائل وفي مقدمتهم جدالة، وذهب إليها ليعرض عليها تعاليمه ومعه جيش المرابطين، وراحوا يرجونهم أن يعودوا إلى الصواب ويرضوا بحكم الإمام عبد الله، وأن يكونوا عوناً له على رد كيد الطغاة والمشركين وانتهز الجداليون فرصة مسالمة المرابطين، فأحدقوا بجيش المرابطين يريدون القضاء عليهم، فقد التفوا حولهم من كل جهة، وتنبه المرابطون لما سوف يقعون فيه، ورأوا أنهم أمام عدو من أعداء الدعوة يريد أن يطفئ نور الله، فسرى فيهم الحماس، ودوى صوتهم بالتكبير، وانقضوا على أعدائهم ينكلون بهم، حتى هزموا شر هزيمة، فأذعنوا للدعوة ودخلت القبيلة كلها في زمرة المجاهدين.
سار عبد الله إلى قبيلة لمتونة، وضيق على كل من تأخر منها الخناق، حتى أذعنوا، ورضوا بحكم عبد الله، وبعدها سار إلى سوقة فنهاها وحذرها ووعظها، فآمنت بما يدعو إليه، وعاهدته على الجهاد، وإعلاء كلمة الله. وحذت حذوها لمطة وجزولة وبهذا أصبحت وجهة القبائل واحدة، قائمة على مبادئ سامية، وعقيدة راسخة، وفي واع لما يدعو إليه الإمام ابن ياسين من نشر للواء العدل، ورفع لراية الإسلام الصحيح.
стр. 8931
إن في استطاعة عبد الله الآن أن يزحف لنصرة المظلوم والوقوف بجانب الضعيف وتهيئة القوم لإصلاح المجتمع. واتخذ لنفسه حكومة منظمة، تضم كل من استجاب للدعوة.. فرح الفقهاء فرحا كبيرا وأخذهم الزهو والفخر بنجاح أخ منهم، واعتبروا أنفسهم مشاركوه في هذا النجاح.. كذلك فقد وصلت كتبهم بالتهنئة طالبين منه الزحف إليهم لإنقاذ البلاد من الحكام الطغاة المارقين.
زحف الإمام عبد الله على المغرب..
كان في مقدمة من كتب إلى ابن ياسين إخوانه من فقهاء (سجلماسة) الغيورين على الدين، يرغبونه في الوصول إليهم لتخليص البلاد مما تعانيه من الحكام الطغاة الظلمة زناته المغراويين وأميرهم مسعود بن وانودين. ولمساعدتهم على القضاء على البدع وإقامة العدل وإظهار السنة، وكان الفقهاء قد طلبوا من الأمير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلم يأبه بهم ولم يلتفت إلى مطالبهم..
جمع عبد الله الأشياخ، وقرأ عليهم رسالة فقهاء سجلماسة، فقالوا له: (أيها الشيخ الفقيه هذا يلزمنا ويلزمك فسر بنا على بركة الله) زحفت جيوش المرابطين في حشود ضخمة، ونزلوا بوادي درعة، وكانت أخبارهم قد وصلت إلى أميرهم مسعود، فأعد جيشا قوامه أكثر من عشرة آلاف للقاء المرابطين، ففروا من أمامهم وتشتت شملهم وقتل أميرهم مسعود، وتقدم القوم وراء فلول الزناتيين متجهين نحو سجلماسة، ولم يتركهم المرابطون ليحصنوا أنفسهم بالمدينة، بل انقضوا عليهم بالسيوف حتى فرقوا شملهم وتمت الغلبة عليهم..
تركت جيوش المرابطين حامية في (سجلماسة) واتجهوا إلى الصحراء للقضاء على ثورة الزنوج، وما كانت زناته تعلم بتحركات القوم حتى انقضوا على الحامية وقتلوها عن آخرها.. وغضب عبد الله غضبا شديدا ورجع إلى رناته مرة أخرى، فألحق بهم خسائر فادحة، وقضى عليها جميعا، وثبَت أقدام المرابطين في هذه البلاد وانتشرت أخبار ما حدث في جميع أنحاء بلاد المغرب..
стр. 8932
أمر عبد الله بإزالة المنكرات، ورفع المكوس الجائرة، وتفريق الأخماس على المرابطين وفقهاء البلاد وتطبيق أحكام الدين، واختار عاملا من قبيلة لمتونة لحكم سجلماسة ذكر المؤرخون: (أنهم أصلحوا أحوال سجلماسة وغيروا ما فيها من المنكرات وقطعوا المزامير وأحرقوا الديار التي بها بيع الخمور) أخذ عبد الله ﵀ الإمام والمعلم يستعد لغزو بلاد السوس وكان ذلك عام ٤٨٤هـ فغزى بلاد جزولة وماسة فضمها للمرابطين ثم قصد عاصمة السوس مدينة (تارودانت) وكان بها طائفة من الشيعة يقال لها البجلية نسبة إلى مؤسسها عبد الله البجلي الرافضي وكانوا قد قدموا إلى سوس زمن أبى عبد الله الشيعي أواخر القرن الثالث الهجري، وزمن حكم الفاطميين بالمغرب، ونشروا مذهبهم، وتوارثوه جيلا بعد جيل وكان مذهبهم يتضمن كثيرا من التعاليم المثيرة التي منها أنهم لا يرون الحق إلا ما في أيديهم.
هاجم المرابطون المدينة هجوما عنيفا ثم اقتحموها وقتلوا من الشيعة كل من خالفهم، حتى إذا استسلم الباقي طلبوا منهم - كما كانت عادة الإمام - أن يسلموا إسلاما جديدا، ويبايعوا بيعة جديدة، وقضوا أيضا على تجمعات اليهود بتلك المنطقة واستولوا على سائر نواحيها، وعين عبد الله لها عاملا المرابطين، وأوصاهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأتباع ما جاء به القرآن والسنة، وإسقاط المغارم والمكوس والاكتفاء بتحصيل الزكاة والأعشار.. [١] .
стр. 8933
كان هذا أمرا عجيبا في وسط المغرب الأقصى، فأين تعلم هذا الرجل العجيب، إن هذه المبادئ الحقة السليمة لم يرها المغرب من قبل، وما عرف عن الإسلام الصحيح عقيدة ودستورا مطبقا إلا القليل، وما كان في الأندلس البلاد التي تعلم فيها إلا رسما للإسلام أن هذا الرجل تعلم أول ما تعلم على مائَدة الإسلام الأولى فدرس القرآن ووعاه، وحفظ السنة إلى درجة الإفتاء، وحرص على أن يعي جيدا ما كان عليه الرسول من تنفيذ للشريعة. وطريقة العمل بها، وما كان عليه الخلفاء الراشدون وبخاصة الفترة المجيدة من حياة أبي بكر وعمر رضى عنهما- لقد كان عنده من الإلهام الذي حياة الله به، والتمسك بتنفيذ أحكام الشريعة، ما وصل إلى علمه بكل طريقة حتى يطمئن إلى أن الله راض عن عمله.
لقد أراد أن ينفذ ذلك في أكبر بقعة من الأرض "لذلك فإننا نراه يسابق الريح محتسبا عمله لله وفي سبيل الله، وطاوعه المغاربة، وما أحب العمل عند المغاربة إذا تيقنوا أن هذا العمل لله ومن أجل الله.
إن البلاد العريضة التي فتحها كانت تفتح قلبها وعقلها ولسانها لعبد الله تنتظر إشارة منه لتتجه إلى الوجهة التي يريدها الإمام والمعلم.
стр. 8934
لم تقف الجبال سدا منيعا ضد نشر الدعوة، فلقد عبر هو ومن معه من المرابطين جبال الأطلس عازمين على فتح مدينة (أغمات) فمروا على وزده وشفشاوة فأخضعوا من فيها لحكم الإسلام، وكذلك سائر منطقة جدميوه، ثم اتجه إلى مدينة (أغمات) وأميرها لقوط بن يوسف المغزاوي فحاصرها المرابطون، ودافع عنها أميرها دفاعا شديدا، ولكنه وجد أن لا فائدة من المقاومة وخاف من بأس المرابطين، ففر مختفيا والليل، والتجأ إلى (تادلا) تحت حماية بني يفرن، ودخل المدينة المرابطون سنة ٤٤٩ هـ وأزالوا ما بها من مناكير استراحوا بها نحو شهرين، قصدوا بعدها تادلا ودعوا أهلها إلى الدخول في الدعوة فأبى عليهم أمراؤهم من بني يفرن، فهاجموهم وقتلوا من خالفهم، وظفروا بأمير (أغمات) فقتل ومن معه..
الإمام ابن ياسين والبراغواطيون..
لم يكن في المغرب أخطر على الدعوة الإسلامية من البرغواطيين وكانوا أقوياء بحيث لم يستطع الحكام والأمراء المغاربة قبل عبد الله أن ينالوا مني وكلفا مرت الأيام ازدادوا قوة وبأسا واستماتة في سبيل نشر مبادئهم الهدامة ضد أصول وقواعد الإسلام، لهذا فقد كان كل هم الإمام هو القضاء على هؤلاء الخلق..
هذه القبائل التي تسمى (البرغواطية) كانت تدين بمذهب تتنافى تعاليمه مع أحكام الإسلام فقد أسه رجل يهودي يسمى طريف بن برناط من أعمال شدونة بالأندلس، كان من جماعة يهودية تقصد الإساءة إلى الإسلام بتغيير أصوله منتهزين الفرصة مهما طال الزمن لينفثوا سمومهم، يوصى بعضهم بعضا حتى إذا الوقت المناسب أعلنوا ذلك.
стр. 8935
ارتحل طريف هذا إلى تأمنا، وتحايل بالمكر والخداع على البربر حتى قدموه على أنفسهم فولوه أمرهم، وكان متظاهرا بالدين الإسلامي، فبقي أميرا عليهم إلى أن هلك فتولى بعده ابنه صالحا، وسمى نفسه بصالح المؤمنين، فتنبأ وشرع لهم ديانة وعهد إلى ابنه من بعده بنشر ذلك، فتناقلت الأجيال أمره إلى أن ظهر فيهم يونس وادعى النبوة انتقلت إليه من جده، واجبر البربر بالقوة حتى ضلوا واتبعوه قال الشاعر يلومهم على إطاعتهم لهذا المدعى الأفاك.
وقولي وأخبري خبرا يقينا
قفي قبل التفرق فاخبرينا
وخابوا لا سقوا ماء معينا
وهذى أمة هلكوا وضلوا
فأخزى الله أم الكاذبين
يقولون النبي أبو غفير
على آثار خيلهم رنينا
ألم تسمع ولم تر لؤم بيت
وغاوية ومسقطة جنينا
رنين الباكيات بهم ثكالى
أتوا يوم القيامة مهطعينا
سيعلم أهل تامسنا إذا ما
يوالينا البوار معظمينا
هنالك يونس وبنو أبيه
ليالي كنتم مستيسرينا [٢]
فليس اليوم يومكم ولكن
أما الضلال الذي شرع لهم، فإنهم يقرون بنبوءة صالح بن طريف وأن الكلام الذي ألفه لهم هو من عند الله لا يشكون في ذلك ففرض عليهم صوم رجب وأكل شهر رمضان، وخمس صلوات بالنهار ومثلها بالليل والوضوء غسل السرة والخاصرتين وغسل الرجلين من الركبتين، ويتزوج الرجل ما استطاع من النساء، ويقتل السارق بالإقرار والبينة، والديك والبيض حرام عندهم، وأكل الدجاج مكروه، وليس عندهم آذان ولا إقامة للصلاة، وقد وضع لهم صالح قرآنهم المكون من ثمانية سور أولها سورة أيوب وآخرها يونس ومنها سورة الديك وفرعون والجراد وغير ذلك من الهراء والكذب الذي قصد به الإساءة إلى الدين الإسلامي الحنيف.
стр. 8936
كان في قلب عبد الله قرح، فقد مر ببلادهم، ورأى ما عليه القوم من تبديل وتغيير لمعالم الدين، واطلع على أحوالهم وألمه ما سمع، ولم يستطع في ذلك الوقت أن يفعل شيئا سوى مناقشة لم تفد ولم تنفع فهؤلاء لا يجدي القول معهم.
أما وقد اصطبح عبد الله في قوة فأكبر خدمة يؤديها للإسلام هو استئصال هذه الفئة الخارجة. ذهب إليهم وهو أكثر حماسا وأشد قوة.
كان الأمير على برغواطة في هذا الوقت أبو حفص بن أبي غفير محمد بن معاذ بن اليسع بن صالح فسار إليهم عبد الله وقاعده أبو بكر في جموع المرابطين ودارت معارك ضارية بعين الفريقين اشترك فيها عبد الله وكثيرا ما كان داعية الإسلام يشترك في المعارك ولا يرضى بأن يكون المعلم والمفقه للدين وحده، فكان ينضوي تحت لواء القيادة لينال شرف الجهاد في سبيل الله، ولا ندري لماذا كان ينسى نفسه وهو الذي ضرب الأمير والقائد يحيى بن عمر عشرين سوطا لأنه اشترك في القتال على حين كان يجب عليه أن يقف عن كثب يحرض الناس ويرسم لهم الخطة الكفيلة بتحقيق النصر.
ولكنها الغيرة الشديدة على المسلمين، فلم يرض عبد الله أن يقف مكتوف اليدين والعدو يعمل السيف في صفوف المرابطين متأسيا بما عرف عن الرعيل الأول من المسلمين، لقد نزل إلى ساحة القتال يحرض الناس ويبشرهم بالجنة والاستشهاد لتكون كلمة الله هي العليا.
كان يعمل سيفه في رقاب تلك الطائفة الضالة الباغية حتى أصيب داعية الإسلام ومحيى سنة رسول الله ﷺ بجروح بالغة قاتلة ولم تمنعه الآلام ولا قرب خروج الروح الطاهرة أن يعجل باجتماع معِ أشياخ المرابطين، ويحثهم على الثبات في القتال، ويحذرهم من عواقب التفرقة والتحاسد في طلب الرياسة قائلا ﵀:
стр. 8937
"يامعشر المرابطين أنا ميت في يومي هذا وأنتم في بلاد عدوكم، فإياكم أن تحنثوا- تجبنوا- وتفشلوا وتذهب ريحكم- كونوا ألفة على الحق، وإخوانا في الله، وإياكم والمخالفة والتحاسد على الدنيا- وإني ذاهب عنكم، فانظروا من ترضونه لأمركم يقود جيشكم ويغزو أعداءكم ويقسم ركابكم وأعشاركم"..
ولقي ربه في يومه ودفن بموضع مرتفع في مكان يعرف بكريفلة قريبا من تامسنا وهو بين الرماني وابن سليمان في طريق الرباط الدار البيضاء في الرابع والعشرين من جمادى الأولى يوم الأحد سنة ٤٣١ هجرية وبنى مسجدا لا يزال حتى الآن.
لقد أفاض المؤرخون والفقهاء والعلماء في الثناء على أبى محمد عبد الله بن ياسين في ذكر أعماله وجهاده وإخلاصه يقول الخطيب:
"وكان عبد الله رجلا ورعا سنيا ذكروا أنه غزا السودان في جيش لمتونة ففقدوا الماء وأشرفوا على الهلاك فتوجه عبد الله إلى الله ودعا وأمنوا على دعائه ثم قال:
احتفروا تحت رجلي فحفروا فألفوا الماء على مقدار شبر من الأرض، واستقوا ولم يزل صائما في بلادهم من يوم دخولها إلى أن توفي، ولم يقتت إلا من لحوم الصيد"..
ويقول المؤرخ الإسلامي د. حسن محمود:
стр. 8938
"على أن الجانب السياسي من شخصية عبد الله بن ياسين لم يحجب الجانب العلمي، وهو جانب الفقيه المعلم إذ لم يكف عبد الله عن أداء رسالته فظل يروي ويحدث ويعلم حتى خلق في الصحراء جوا من العلم والمعرفة لم يألفه الناس من قبل، إذ لا تثبت أركان الدين إلا بالعلم ولا إسلام صحيح إلا بدراسة حقة لكتاب الله وسنة رسوله، وقد أدى إلى خلق جيل من الفقهاء الصنهاجيين عرفوا بالورع والتقى وإنكار الذات، خلصت نياتهم وزكت نفوسهم ومن أمثلة هؤلاء الفقهاء تلاميذ ابن ياسين لمتاد بن نصير اللمتوني الذي يضرب المثل بفتياه في بلاد الصحراء ومنهم أيضا ميمون بن ياسين الصنهاجي اللمتوني الذي رحل إلى الأندلس محدثا وراويا بل إن أمراء الملثمين أنفسهم أخذوا من العلم الذي بثه عبد الله بن ياسين بنصيب وافر"..
﵀ ورضي عنه.
عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال:
"كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته والأمير راع، والرجل راع على أهل بيته والمرأة راعية على بيت زوجها وولده فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته". متفق عليه
عن أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال:
"ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب " متفق عليه.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] راجع إن شئت كتابنا أمير المسلمين يوسف بن تاشفين.
[٢] مستيسر: من المياسرة أصحاب مير البيان المغرب لابن عذارى جـ اص ٢٧.
стр. 8939
افتتاحية العدد
فضيلة الدكتور/ عبد الله بن عبد الله الزايد
نائب رئيس الجامعة
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا اله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ﷺ وبارك عليه وعلى آله وصحبه، ونستفتح بالذي هو خير.
وبعد:
فقد شاء الله أن أتولى إدارة الجامعة، وأسأله جل وعلا أن يمن بالتسديد والعون على ما حملت من هذه المسئولية الضخمة؛ وأن أكون عند حسن ظن المسئولين وظن الغيورين على العلم وطلابه؛ لأسير بركب هذه الجامعة إلى حيث تطوف أرجاء العالمين، تاركة في كل بقعة أثرا من هدي كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، خلفاً لسلف كريم..
ولئن كان إنشاء الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة- مهبط الوحي ومشرق النور إلى جنبات المعمورة - مما وفق الله تعالى إليه أولي الأمر في هذه البلاد الطيبة، فما ذلك إلا لأنهم- بحمد الله - ورثة الدعوة خلفا عن سلف، يقيمون الحكم في مملكتهم على هدي الشريعة السمحة ويقيمونها بين الناس كذلك أراد الله من الحاكمين بين الناس أن يفعلوا كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (الحج آية ٤١) .
وقد كانت الركيزة الأولى التي قامت عليها الدولة السعودية وانبنى عليها حكمهم: عقيدة التوحيد، فأعزهم الله، وأفاض عليهم من الخير والنعم والاستقرار والأمن، ومكن لهم ما لم يمكن لغيرهم من طيب العيش، وهناءة الحياة.
стр. 8940
ولقد أحسست منذ اللحظة بثقل العبء، وجسامة المسئولية، ذلك بأن الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة إنما تغاير الجامعات المنبثة في أنحاء العالم، فهي فريدة في نهجها، فريدة في وسائلها، فريدة في أهدافها:
أما نهجها: فهو أنها خصصت خمسة وثمانين في المائة على الأقل من مقاعد طلبة العلم الدارسين بها لأبناء العالم الإسلامي في مختلف أنحاء المعمورة، ولم تبق للطلاب السعوديين سوى ١٥% على الأكثر من مقاعدها، الأمر الذي وصل به عدد جنسيات من يدرسون بها من خارج المملكة مائة جنسية، ومن ثم حُق لها - وهي بهذه المثابة - أن توصف بأنها جامعة العالم الإسلامي بأسره.
وأما وسائلها: فهي أنها قد أمَّنت لكل دارس بها وسيلة قدومه من بلده إلى مقرها، كما أمَّنت - بعد قدومه - لمأواه مسكناً مؤثثا تطيب به نفسه، وأمَّنت له كتب العلم المتنوعة التي يحصلها، والعلاج القريب بمستشفى كائن بمقر الجامعة تقوم عليه نخبة من خيار الأطباء، وإضافة إلى هذا فقد خصصت الجامعة لطلابها سيارات خاصة تنقلهم يومياً من مهاجعهم بالجامعة إلى الحرم النبوي الشريف ثم تعيدهم إليها وفوق ذلك كله فإن الجامعة تمنح كل طالب فيها مكافأة شهرية مجزية.
стр. 8941
وأما أهدافها: فهي أنها تسعى إلى تخريج علماء يترسمون خطى السلف الصالح، فينهلون من العلوم الشرعية الصحيحة القائمة على عقيدة التوحيد والتي تدور في فلكها، بعيدة عن الزيف الذي لبس على المسلمين الحق بالباطل، ثم تعيد هؤلاء الخريجين- بعد أن وفقهم الله للفقه في دينه - إلى بلادهم ليتداركوا المسلمين الذين ذهبت بكثير منهم البدع كل مذهب، وطوَّحت بهم الخرافات في كل مشرب، وأصبح كثير منهم إمَّعات كريش تلعب به هبَّات الرياح؛ تعيدهم إلى بلادهم ليكونوا لها رسل خير، ودعاة صدق، وألسنة حق، فيصححوا ما انحرف من عقائد المسلمين، وليصدوا تلك الموجات العارمة من الزيغ، وليوقفوا - بالحجة والبيان - تلك التيارات الجارفة من الإلحاد التي ترسل معها الشياطين على الغافلين تؤزهم أزا، في محاولات عنيدة لإذابة كيان المسلمين - وبخاصة الشباب منهم - ومحو واقعه -
إن من أهداف الجامعة تكوين خريجين قادرين على التصدي لأعداء الله الظاهرين لنا والمغيبين عنا بالعلم والإيمان، تحقيقا لقول الله تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُون﴾ .. (التوبة آية ١٢٢) .
ولقوله جل شأنه: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ .. (الأنفال آية ٦٠) .
стр. 8942
لكم سعدت حقاً بأبناء العالم الإسلامي في هذه الجامعة، فرؤيتهم - بل وقضاء معظم الوقت بينهم - بديل عن وقت طويل طويلٍ يبلغ سنين عددا كنت أحتاجها كيما أقابل والتحم بهؤلاء الذين يمثلون دولاً إسلامية شتى؛ إذ كم من الوقت كنت سأقضيه لو أنني أردت أن أطوف بمائة دولة تضم مسلمين يتفاوتون كثرةً وقلةً، فضلاً عن أن أتحدث - على الأقل- إلى ممثل كل دولة منها، وأتعرف على مشاكلهم، وأقوم على حلها.
وأرجو أن يكون ذلك نعمة من الله يعينني على شكرها وشكر سائر نعمه.. كما أسأله تعالى أن يوفقني إلى تحقيق ما حُمِّلت لأبلغ بهذه الجامعة - بعون الله تعالى وقوته - أعظم ما ينفع المسلمين في أمور دينهم ودعوتهم، وإن أنسى فلن أنسى- بحول الله- قولة سيد المرسلين، وإمام الهدى إلى العالمين، صلوات الله وسلامه عليه إلى علي بن أبى طالب رضى الله عنه حين وجهه إلى خيبر لدكِّ معاقل الكفر فيها وفتحها: "فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم" (أخرجه البخاري ومسلم) .. فأسأل ربي أن يوفقني إلى أن يهدي بي من يشاء، إن ربي على ما يشاء قدير
стр. 8943
ولا يفوتني أن أذكر في مقامي هذا أنني خلال غمرة هذه السعادة وقعت مفاجأة مروعة عكرت صفو النفوس، وحولت الفرحة حزناً وألماً، ذلك أنه في مطلع شهر المحرم قامت فئة من الشباب الغر، الذين جهلوا أمر دينهم، وما رجوا لله وقاراً، وملأ الغرور عليهم أنفسهم فسوَّل لهم الشيطان وأملى لهم، إذ حشدوا مجموعة ضخمة من الأسلحة واقتحموا بها بيت الله الحرام- الذي جعله الله مثابة للناس وأمناً- وارتكبوا من جرائم قتل النفوس البريئة المعصومة الدم، ما أفزع الآمنين، وروَّع الطائفين والراكعين الساجدين، ونشر الذعر في بلد الله الحرام في الشهر الحرام، وصدَّ الآمين المسجد الحرام الذي جعله الله للناس سواء العاكف فيه والباد، زاعمين أن (المهدي) قد ظهر فيهم، وأرادوا حمل من بالمسجد الحرام قسراً تحت إرهاب السلاح- على مبايعة (مهديهم المزعوم) وما جر هذه الفئة الباغية إلى مثل فظائعهم إلا أنهم لم يحصلوا من العلم الصحيح المحقق ما يردهم عن مثل ما ارتكبوا من مسلك إجرامي فريد.
لكن الله تعالى- جلت قدرته- دائماً بالمرصاد لكل من يريد انتهاك حماه، وتخطي حدوده بعامة، واستباحة حمى البيت الحرام بخاصة، فقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (الحج آية ٢٥) - وتحقق ذلك فعلاً؛ إذ كان من فضل الله ﵎ أن وفق أولي الأمر في البلاد فمكنهم من قمع فتنة أولئك المارقين الذين أعماهم الجهل، وأهلكهم الغرور، وضربت الغشاوة على قلوبهم وأبصارهم جواً من الظلمة الرهيبة التي عاشوا فيها مع الشطان الرجيم.
стр. 8944
لقد كان فضل الله جل وعلا على هذه الأمة عظيماً حين أقدر قادتنا وفي مقدمتهم جلالة الملك وولي عهده على سحق أولئك الباغين، وأقاموا شرع الله تعالى فيهم، الذي جعله الشارع الحكيم ردعاً وزجراً، فمن ينفذ إلى قلبه الشيطان أو تميل نفسه إلى أن ينهج نهج أولئك العابثين يجد حدَّ الله تعالى الذي طبق عليهم أمام عينيه ماثلاً في قوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأََرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (المائدة آية ٢٢) .
ولقد وفق الله جنود الحق من هذا البلد الأمين، فاستبسلوا في جهاد تلك الفئة العادية حتى أحيط بها، وسقطت بين قتيل يشيِّعه مقت الناس خاصهم وعامهم، وبين ذليل مقر بما قدمت يداه، ونال كل من الجزاء ما ناسبه، ذلك بأن الله أعظم غيرة على دينه وبيته، وحرماته، وأن الله ليس بظلام للعبيد.
فشكر الله لأولي الأمر جهودهم، ومن ضرب معهم بسهم جل أو عظُم، وجعلهم خير خلف لخير سلف، ومكن لهم في الأرض لينشروا بين العالمين دعوته وأيدهم بالحق، وأيد الحق بهم؛ وجعلهم قوَّامين بالقسط شهداء لله.. إن ربنا جواد كريم، وبالإجابة جدير، وهو حسبنا ومولانا ونعم الوكيل، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه.
دكتور عبد الله بن عبد الله الزايد
نائب رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
стр. 8945
رسائل لم يحملها البريد
بقلم الشيخ عبد الرؤوف اللبدي
أختي العزيزة (هل) :
منذ أزمان بعيدة سحيقة وأنا جد متوقة إلى أن أكتب إليك هذه الرسالة، غير أن السعي الحثيث وراء الدنيا، والحب الجم لجمع المال، قد شغلا أختك (همزة الاستفهام) عن أن تكتب إليك هذه الرسالة.
ولولا خشيتي المبالغة والتفيش لقلت إن الناس جميعا قد شغلوا بما شغلت به أختك هذه الأيام، فحب المال قد ألهى الرجال عن أزواجهم وذراريهم، وصرف العلماء عن كتبهم وقراطيسهم، وصد المدرسين عن الخلوص والإخلاص للدرس والتدريس.
وقد أكون قد ثبت إلى صوابي بعد هذا الضياع، ورجعت إلى رشدي بعد هذه الضلالة، أليس في هذه الرسالة التي أخطها إليك تباشير الصباح؟؟
أختي العزيزة:
أنت تعلمين ما بيننا من صلات رحم ووشائج قربى، فأنا وأنت أختان في الاستفهام، ولنا في هذا القبيل أخوات أخر لا ينبغي أن يهملن وينسين، لقد تبعثرنا في كتب العلم وتوزعتنا أبحاث العلماء، وأنا أخشى على صلات الرحم أن تتقطع، وعلى وشائج القربى أن تبلى، فكان لزاماً أن أتعرف أخبارك وأن أتحسس من الأخوات جميعاً، وليس هناك طريقة أجدى من هذه الرسائل نتجاذب فيها أطراف الأحاديث، ونتبادل فيها حقائق العلم والعرفان.
لقد كان كتاب الله العزيز أعظم صالة تجمعنا وأشرف نسب يضمنا وأعز مكان نقيم فيه، فحري بنا أن تتحدث كل واحدة منا عن أحوالها في هذا الكتاب العظيم، وعن مواضعها في آيات الله المعجزة.
لقد ذكرنا نحن- أدوات الاستفهام- في كتاب الله العزيز أكثر من ألف مرة، وإن شئت الدقة والتحديد فقولي ألفا وأربعاً وثلاثين، وأسأل الله تعالى أن أكون قد أصبت في هذا الحساب والإحصاء، فهو شيء قمت به بدءاً لم أجده في كتاب ولا أعلم أحداً قام به من قبل.
стр. 8946
وإذا نظرت إلى عدد ما ذكرنا في كتاب الله العزيز بالقياس إلى عدد آياته التي بلغت ستة آلاف ومائتين وستاً وثلاثين (١) رأيت أن لنا نصيباً موفوراً من الذكر، ومنزلة عالية بين أساليب البيان.
وهنالك ميادين أخرى كثيرة لنا فيها فضل وإحسان، ومجالات واسعة لنا فيها هيمنة وسلطان، فنحن- معاشر أدوات الاستفهام- يقوم علينا الأدب التمثيلي الذي هو من أصعب أنواع الأدب وأرقاها، وعلينا تقوم طريقة من أنجح طرق التدريس وهى طريقة الحوار، والعلماء والقضاة والمحامون والمدرسون وكبار مراسلي الصحف، هؤلاء - وغيرهم كثير- لا ينالون النجاح والفوز إلا إذا كانوا ذوى مقدرة فائقة على إنشاء الأسئلة الدقيقة العميقة وحسن الحوار، ولا أكون متجانفة عن الحق إذا قلت إن معظم ما في هذا العالم من مسائل العلم والمعرفة كان جواباً عن سؤال.
غير أن القرآن الكريم هو الذي أكسبنا هذا الشرف العظيم، ووهب لنا هذا الفضل الواسع، فكان حقاً علينا أن نذكر أحوالنا فيه، وأن نقصر الرسائل على ما أولانا إياه.
أختي العزيزة (هل) :
لقد ذكرت أنا- همزة الاستفهام- في القرآن الكريم أكثر من خمس مائة مرة، وإن شئت الدقة والتحديد قلت خمس مائة وتسع عشرة مرة، وأسأل الله تعالى ألا أكون قد أخطأت في العد والحساب.
هذا القدر الذي نلته أنا كان كثيراً جداً- والحمد لله- لم تصلي إليه أنت ولا قاربته أخت أخرى، ومعاذ الله أن أقول هذا مخيلة واستكباراً، وإنما هو تحدث بنعمة الله وفضله، وبيان لما أولانيه من رفعة وعظيم شأن.
وما ينبغي لمثلي أن تكون من هؤلاء الذين يظهرون الفقر وهم أغنياء، ويعيبون الدنيا وهم ينشقون أزهارها المخضلة، ويخضمون أوراقها الخضر.
قد تعجبين وتسألين: كيف نلت هذا المقدار من الذكر، وأنى لي هذا الغنى والوفر؟!
стр. 8947
أنا لا أستطيع جواباً حاسما، ولكن قد يكون وضعي على حرف واحد جعلني سهلة على اللسان، سريعة الحركة والدوران، ليس في استعمالي كلفة ولا مشقة. فكان من هذا أن جئت على أساليب كثيرة شتى، ولبست حللاً من البيان حالية مبينة.
ومن الأساليب الرائعة المحكمة التي جئت عليها أسلوب الجملة المنفية، فقد صحبت فيها أحياناً (لم) وأحياناً أخرى (لا) ، وفي قليل من الأحيان وجدتني مصاحبة (ليس) .
ولي مع (لم) هذه النافية الجازمة صور كثيرة منها ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ... ﴾ جئت على ذلك في القرآن الكريم خمس عشرة مرة، غير أني أريد أن أقول شيئا قبل أن أمضي بعيداً في تفصيل هذه المرات، ذلك الشيء هو ما قاله ابن هشام الأنصاري في كتابه (مغنى اللبيب) ، وما علقه الدسوقي على ذلك القول في حاشيته.
قال ابن هشام (٢) : "لا يكون الاستفهام منه تعالى على حقيقته". وعلق الدسوقي (٣) :
"لأن طلب الفهم يقتضي سبق الجهل وهو محال، فحينئذ يحمل ما ورد فيه على أنه للتقرير أو للتوبيخ أو للإنكار".
وقال الزركشي في كتابه البرهان (٤) : "فإن الرب تعالى لا يستفهم خلقه عن شيء، وإنما يستفهمهم ليقررهم ويذكرهم أنهم قد علموا حق ذلك الشيء".
وأقول أنا بعد هذا: إن الاستفهام منه تعالى يجيء لما تقدم ويجيء أيضا للتنبيه والتعجيب والتعجب كما في ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ... ﴾ التي جاءت في خمس عشرة آية أذكرها لك مرتبة حسب ورودها في سور القرآن الكريم:
ففي الآية الأولى من هذه الآيات يقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ . (الآية ٢٤٣- البقرة) .
стр. 8948
ولا أخفي عليك أن للعلماء آراء متعددة في المعنى الذي جئت عليه أنا- همزة الاستفهام-في هذه الآية الكريمة:
ففي تفسير القرطبي (٥) "قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ ... ﴾ والمعنى عند سيبويه تنبّه إلى أمر الذين.."
ويقول أبو حيان الأندلسي في تفسير البحر المحيط (٦) : "وهذه همزة الاستفهام دخلت على حرف النفي فصار الكلام تقريراً، فيمكن أن يكون المخاطب علم بهذه القصة قبل نزول هذه الآية الكريمة، ويجوز أن يكون لم يعرفها إلا من هذه الآية ومعناه التنبيه والتعجب من هؤلاء".
وقد ذكر الزركشي في كتابه البرهان (٧) أن من ضروب الاستفهام التنبيه ومثل له بآيات منها هذه الآية وقال: "والمعنى في كل ذلك أنظر بفكرك في هذه الأمور وتنبه".
وقال الزمخشري في تفسيره الكشاف (٨) : " ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ تقرير لمن سمع بقصتهم من أهل الكتاب وأخبار الأولين، وتعجيب من شأنهم، ويجوز أن يخاطب به من لم ير ولم يسمع لأن هذا الكلام جرى مجرى المثل في معنى التعجب".
وفي تفسير الجلالين (٩) : " ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ استفهام تعجيب وتشويق إلى استماع ما بعده".
ويقول صاحب الفتوحات الإلهية (١٠) معلقاً على قول الجلالين المتقدم: "قوله "تعجيب"أي إيقاع المخاطب في أمر عجيب غريب أي في التعجب منه، فعلى هذا يستفاد من الآية أن المخاطب لم يسبق له علم بتلك القصة قبل نزول الآية وقبل استفهام تقرير فعليه يكون المخاطب عالماً بالقصة والمقصود تقريره بها. اهـ شيخنا".
ويقول أبو السعود في تفسيره (١١) : " ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ تقرير لمن سمع بقصتهم من أهل الكتاب وأرباب الأخبار وتعجيب من شأنهم البديع".
ولعلك أيتها الأخت العزيزة تسألين بعد هذا كله وتقولين: وما رأيك أنت في هذه الآراء، وما الذي تختارين وترجحين؟
стр. 8949
الرأي الذي أختاره وأرجحه هو ما تقدم أن قلته وهو أن الاستفهام هنا للتعجب والتعجيب والتنبيه، وأما الذين قالوا إنه للتقرير فلست معهم، فالتقرير يأتي لأحد أمرين (١٢) .
الأول: حمل المخاطب على الاعتراف بالأمر الذي استقر عنده من ثبوت شيء أو نفيه كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقّ ... ﴾ (الآية ١١٦- المائدة) .
والثاني: تثبيت النسبة التي اشتمل عليها الاستفهام في الذهن، فإن كان المخاطب جاهلا بها فالأمر ظاهر، وإن كان عالما بها فلزيادة التثبيت، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى﴾ (الآية ٦- الضحى) وكما في قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ . (الآية ٣٦- الزمر) .
ولا يبدو لي أن الاستفهام في هذه الآية الكريمة ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى﴾ جاء لأحد هذين الأمرين.
أما عدم ظهور الأمر الأول فلأن الاستفهام في هذه الآية الكريمة ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى﴾ ليس فيه حمل للمخاطب على الاعتراف بشيء، وهذا واضح يدل عليه أن ليس فيها جواب يبين المعترف به.
أما الأمر الثاني: وهو أن يكون للتقرير بمعنى تثبيت النسبة في الذهن فمبني عند من يرون الخطاب للرسول ﷺ على أن الله تعالى قد أعلمه بهذا من قبل، أو مبني على أن الخطاب لمن سمع بقصتهم من أهل الكتاب وأرباب الأخبار، وهذا البناء على كل حال افتراض لا دليل عليه وليس من ورائه كبير فائدة.
أما من يرى أن الاستفهام هنا في ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى﴾ للتشويق فلست أرى رأيه، وقد تسألين وتقولين: ولم كان ذلك؟
стр. 8950
فأقول: إن هذه المعاني البلاغية التي تخرج إليها أدوات الاستفهام من تشويق وتعجيب وتقرير وإنكار وغير ذلك إنها تخضع للذوق الأدبي الشخصي وليس لها قواعد موضوعة يمكن أن يحتكم إليها، وبسبب من هذا جاءت الآراء مختلفة في معنى هذا الاستفهام وفي غيره، غير أن التشويق بخاصة مع خضوعه للذوق الشخصي يعتمد على شيء من المنطق يقتضي أن يكون استفهام التشويق في جملة تامة مستقلة يجيء بعدها المشوق إليه في جملة أو جمل مستقلة أخرى، كي تتاح للنفس فرصة الانفعال والتشويق إلى ما سيأتي بعد، وذلك كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ. تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (الآيتان ١٠، ١١ من سورة الصف) . وكما في قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ. وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ (الآيات من ١- ١٥ من سورة الغاشية) وكما في قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ. إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ (الآيات من ٢٧ إلى ٣٧ من سورة الذاريات) .
ففي هذه الآيات جاء الاستفهام التشويقي في جملة تامة مستقلة، ثم جاء المشوق إليه بعد ذلك في جملة أو في جمل أخرى.
والذي اخترته من آراء العلماء في معنى الاستفهام في هذه الآية الكريمة أن يكون للتعجب وللتعجيب، وليس بين التعجب والتعجيب منافاة ولا تعارض، فالتعجب منظور فيه إلى القائل ﷻ ، والتعجيب منظور فيه إلى المخاطب.
стр. 8951
ومن الناس من ينكر أن يكون الاستفهام هنا للتعجب ويقول إن الله لا يعجب من شيء، وهو يظن أن تعجبه سيكون كتعجب خلقه، ولا أدري من أين جاءه هذا الظن والله يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ، وتعجب الله تعجب يليق بكماله وجلاله، ولا يمكن أن يكون بينه وبين تعجب غيره مشابهة ما أو مماثلة.
على أن تعجب الله ثابت في القرآن الكريم وثابت في السنة المطهرة:
ففي القرآن الكريم يقول الله تعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ قرأ حمزة والكسائي ﴿عجبتُ﴾ بضم التاء، ورويت هذه القراءة أيضاً عن عبد الله بن مسعود وغيره. وظاهر أن المتعجب هو الله .
وفي السنة المطهرة روي عن النبي ﷺ أنه قال: "عجب ربنا من قنوط عباده وقرب خيره ينظر إليكم أزلين قنطين فيظل يضحك يعلم أن فرجكم قريب" حديث حسن (١٤) .
أما الرأي القائل إن الاستفهام في ﴿أَلَمْ تَرَ ... ﴾ للتنبيه بالمعنى الذي تقدم عن الزركشي وهو "انظر بفكرك في هذا الأمر وتنبه"فحق فيما أراه وصواب. والتنبيه بهذا المعنى يستدعيه التعجيب ويقتضيه، لأن التعجيب يقوم على أحد أمرين:
إما على الاستحسان والاستعظام والإجلال كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً﴾ الآية (٤٥) الفرقان.
стр. 8952
وإما على الإنكار والاستهجان والاستغراب كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً﴾ الآية (٦٠- النساء) والحال في كلا الأمرين ببعث على التنبيه بمعنى التأمل والتبصر والاعتبار وهو ما دعا إليه القران الكريم في كثير من آياته.
أختي العزيزة (هل) :
والآن - قد انتهيت من الكتابة إليك بالمعاني التي جئت عليها في هذه الآية الكريمة - أريد أن أحدثك بالكلمات التي تليني في هذه الآية.
لقد دخلت على (لم) النافية الجازمة للفعل المضارع (تر) وعلامة جزم هذا الفعل حذف الألف من آخره ولعلك لم تسمعي من قبل أن هذا الفعل قد قرئ بسكون الراء على توهم أن الراء آخر الكلمة أو على إجراء الوصل مجرى الوقف (١٥) . و (تر) فعل مضارع مسند إلى ضمير المخاطب، ولكن من يكون هذا المخاطب؟
من المفسرين من يقول إنه الرسول ﷺ ، ومنهم من يجوز أن يكون الخطاب له ﵊ ولكل أحد، ويقول التفتازاني: الأوجه عموم الخطاب للدلالة على أن هذه القصة قد بلغت من العجب حيث ينبغي لكل أحد أن يتعجب منها (١٦) .
و (تر) في هذا الاستفهام علمية تتعدى إلى مفعولين ولكنها هنا لم تأخذ مفعوليها، وعديت بحرف الجر (إلى) لأنها ضمنت معنى ما يتعدى بهذا الحرف، والمعنى ألم ينته علمك إلى الذين ... (١٧) .
ومن العلماء من يقول إن (تر) هنا- وإن كانت علمية- قد استعملت استعمال (تنظر) فتعدت تعديتها للإشارة إلى أن هذا الأمر قد بلغ من الوضوح والظهور والتحقق مبلغ الشيء
المحسوس المشاهد الذي تبصره العينان ولا يمكن إنكاره (١٨) .
стр. 8953
و ﴿الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ هم الذين كان حالهم عجبا وعبرة، ولعلك تلاحظين- يا أخت- أن الآية الكريمة عبرت باسم الموصول ولم تسم جماعه بعينها، وقالت: ﴿مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ ولم تسم مكاناً معيناً كانت فيه هذه الديار. لقد ترك ذلك كله لأنه لا عبرة فيه، وإنما العبرة فيما جاء بعد في صلة الموصول وما عطف على هذه الصلة.
لاحظي كلمة ﴿مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ والدار من أعز ما يملكه إنسان الحاضرة، وخروجهم منها يدل على عظم ما كانوا فيه من فزع، وهول ما كانوا فيه من خوف.
والتعبير ب ﴿أُلُوف﴾ وهي من جموع الكثرة، وترك التعبير بآلاف وهي من جموع القلة، يدل على أنهم كانوا كثيرين جدا لا يعلم عدتهم إلا الله.
ثم جاءت ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ - وهي مفعول لأجله- تبين سبب الخروج على ما هم عليه من كثرة كاثرة.
لقد أخرجهم ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ من ديارهم: من مسارح الطفولة وملاعب الصبا، من مجالس السهر والسمر، ومن مهاجع الأمن والسكينة. أخرجهم منها كالجراد المنتشر يهيمون على وجوههم، يسوقهم الخوف ويحدوهم الفزع، وقد غفلوا أو جهلوا أن الموت والحياة بيد الله، وأن الحذر لا يدفع القدر، فقال تعالى ليبين ذلك كله: ﴿مُوتُوا﴾ ولعلك- يا أخت- تحسين ما في هذا الأمر ﴿مُوتُوا﴾ من قوة وجبروت وكبرياء، فالله هو القوي الجبار المتكبر، ولعلك تلاحظين أن الآية الكريمة لم تذكر عاقبة هذا الأمر وهي أنهم قد ماتوا، لأن هذا شيء مفهوم من قوله تعالى: ﴿مُوتُوا﴾ فأمر الله تعالى محقق النفاذ لا يتخلف ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَحْيَاهُم﴾ يدل بـ ﴿ثُمَّ﴾ على أن الإحياء لم يجيء سريعاً بعد الإماتة وإنما جاء على فترة من الموت.
стр. 8954
وفي صيغة ﴿أَحْيَاهُم﴾ وفي جرس حروفها تجد النفس معاني الرحمة والفضل والإحسان. وبعد أن بين الله حال هؤلاء الناس الباعثة على التعجب الداعية إلى التدبر والتبصر والاعتبار قال في ختام هذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ .
وأنت تلاحظين أن الجملة الأولى قد أكدت بثلاثة مؤكدات: إن، واللام، واسمية الجملة.
وجاء هذا التأكيد تعظيماً لشأن هذا الخبر وما اشتمل عليه، وقد يكون لتنزيل الناس منزلة المنكرين من أجل أن أكثرهم لم يكن من الشاكرين.
ولا تنسي أن تتذوقي ما في ﴿ذُو فَضْلٍ﴾ من قوة، فهذه الذال مع الواو ثم هذه الضاد مع اللام المرنان قد أعطت هذه الصفة جرساً فخماً ضخماً في اللفظ وفي السمع يناسب معناها العظيم. ويراد ب ﴿النَّاسِ﴾ الناس جميعاً فهي تشمل الذين أماتهم ثم أحياهم وتشمل غيرهم.
وقد يبادر إلى الذهن من قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ أن الناس جميعاً يشكرون لله ذلك الفضل العظيم، فقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ دفعاً لهذا الذي قد يبادر إلى الذهن ويسبق في الظن، وبياناً لواقع الناس القبيح المعيب الذي قل فيه الشكر والشاكرون.
وفي إعادة لفظ ﴿النَّاسِ﴾ مرة ثانية مع أن المقام مقام إضمار زيادة إيضاح وبيان لهؤلاء الذين لا يشكرون، فزيادة إزراء عليهم وتشنيع.
أختي العزيزة (هل) :
كنت أود أن أحدثك بما جاء في الآيات الأربع عشرة الباقية التي ورد فيها هذا الاستفهام ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ... ﴾ ولكني خشيت أن تملي من طول الحديث على الرغم من أن طول مثل هذا الحديث لا يمل. سأترك ذلك إلى رسالة قادمة أكتبها إليك إن شاء الله تعالى.
والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
مراجع ما ورد في هذه الرسالة مرتبة حسب ترتيب الأرقام التي جاءت فيها:
стр. 8955
١- الإتقان للسيوطي جـ ١ ص ٦٧ طبعة الحلبي بمصر.
ب- قرآن كريم (بهامشه تفسير الجلالين) الناشر مكتبة الجمهورية العربية لصاحبها عبد الفتاح عبد الحميد- بجوار الأزهر/ ص ٥٢٤ تحت عنوان خاتمة.
٢، ٣- حاشية الدسوقي على مغنى اللبيب لابن هشام الأنصاري ج ١ ص ٩ الناشر مطبعة ومكتبة المشهد الحسيني- القاهرة.
٤- البرهان للزركشي جـ ٢ ص ٣٢٧ تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم- الطبعة الثانية- الناشر عيسى البابا الحلبي وشركاؤه.
٥- تفسير القرطبي جـ ٣ ص ٢٣٠- طبعة مصورة عن طبعة دار الكتب المصرية- بالقاهرة.
٦- تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي- جـ ٢ ص ٢٤٩- طبعة مصورة عن طبعة مولاي السلطان عبد الحفيظ سلطان المغرب- الناشر دار الفكر.
٧- البرهان للزركشي جـ ٢ ص ٣٤٠ تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم- الطبعة المتقدم ذكرها
٨- تفسير الكشاف للزمخشري جـ ١ ص ٧٧ طبعة الحلبي بمصر.
٩- تفسير الجلالين/ هامش الفتوحات الإلهية ب ١ ص ١٩٧- طبعة عيسى البابي الحلبي وشركاؤه بمصر.
١٠- الفتوحات الإلهية جـ١ ص ١٩٧ الطبعة المتقدم ذكرها.
١١- تفسير أبى السعود جـ ١ ص ٢٣٧ الناشر مكتبة ومطبعة عبد الرحمن محمد بالقاهرة.
١٢- شروح التلخيص/ حاشية الدسوقي- ب ٢ ص ٢٩٤ وص د ٢٩ طبعة الحلبي بمصر.
١٣- تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي جـ ٧ ص ٣٥٤ الطبعة المتقدم ذكرها.
١٤- العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية/ الطبعة الثالثة- الناشر محمد عبد المحسن الكتبي بالمدينة المنورة.
١٥- تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي ج ٢ ص ٢٤٩ الطبعة المتقدم ذكرها.
١٦ و ١٧- الفتوحات الإلهية ج ١ ص ١٩٧ الطبعة المتقدم ذكرها.
١٨- تفسير المنار لمحمد رشيد رضا ج ٢ ص ٤٧٥ نسخه مصورة/ الناشر دار المعرفة.
النظام السياسي في الإسلام
стр. 8956
التوحيد والرسالة والخلافة هي دعائم ثلاث يقوم عليها بناء نظام الإسلام السياسي، وليس من الميسور أن نحيط بنظم السياسة الإسلامية بجميع فروعها وشعبها إلا إذا فهمنا هذه المبادئ: التوحيد والرسالة والخلافة حق الفهم.
(أبو الأعلى المودودي ﵀)
стр. 8957
الأفعال الملازمة للمجهول
(الحلقة الثالثة)
فضيلة الدكتور/ مصطفى أحمد النماس
المدرس بكلية اللغة العربية بالجامعة الإسلامية
الفاعل النحوي والمعنى اللغوي:
نعرف أن الفاعل هو الذي قام به الفعل أو وقع منه، والمفعول به هو الذي وقع عليه الفعل.
ومعروف كذلك الفرق بين الفاعل والمفعول به من الناحية اللفظية لدى النحاة فالفاعل مرفوع والمفعول به منصوب، وهذا الفرق اللفظي يستتبع عندهم فرقا اصطلاحيا في معنى كل جملة فمثلا إذا قلت:
"تحرك الشجر"لفظة الشجر تعرب فاعلا نحويا لكن هذا الإعراب لا يتفق مع المعنى اللغوي الواقعي لكلمة (فاعل) وهو من أوجد الفعل حقيقة وباشر بنفسه إبرازه في الوجود، لأن (الشجر) لم يفعل شيئا إذ لا دخل له في إيجاد هذا التحرك وجعله حقيقة واقعة بعد أن لم تكن، وبالاختصار ليس لكلمة (الشجر) عمل إيجابي مطلقا في إحداث التحرك وكل علاقته بالفعل أنه استجاب له فقامت الحركة به ولابسته من غير أن يكون له دخل في إيجاد الحركة، فأين الفاعل الحقيقي الذي أوجد التحرك وكان السبب الحقيقي في إبرازه للوجود، بالطبع ليس في الجملة ما يدل عليه، أو على شيء ينوب منابه.
لكنك إذا قلت حرك الهواء الشجرة تغير الأمر وظهر الفاعل الحقيقي المنشئ للتحرك الذي وقع أثره على المفعول به. وما قيل في (تحرك الشجر) يقال في (تمزقت الورقة) فإعراب الورقة فاعلاً نحوياً لا يوافق المعنى اللغوي لكلمة (فاعل) ولا يوافق الأمر الواقع، لأن الورقة في الحقيقة لم تفعل شيئاً فلم تمزق نفسها ولا دخل لها في تمزقها ولم تحدث التمزق ولكنها تأثرت بالتمزق حين أصابها، فأين الفاعل الحقيقي الذي أوجد التمزق لا النحوي؟ لا وجود له في الجملة ولا دليل يدل عليه، لكن إذا قلت مزق الطفل الورقة ظهر الفاعل الحقيقي واتضح من أوجد الفعل بمعناه اللغوي الدقيق.
стр. 8958
ومن خلال ما سبق يتضح أن الفاعل النحوي أحيانا لا يكون هو الفاعل الحقيقي وإنما هو المتأثر بالفعل وليس في الجملة ما يدل على الفاعل الحقيقي أو ما ينوب منابه، وليس فيها تغيير لصورة الفعل يرشد إلى أن ذلك على سبيل النيابة عن الفاعل.
فالأفعال التي وردت على صورة المبني للمجهول ما بعدها فاعل نحوي في الرأي الشائع الذي ورد صريحا في كثير من المراجع كالقاموس المحيط في مقدمة (مسألة) وإن لم يتفق على المعنى اللغوي الواقعي لكننا [١] نقول بفاعليته لأنه تأثر بالفعل وما فيه من حدث وإن كان في الواقع ونفس الأمر واقعا عليه خاصة أن بعض الأفعال الثلاثية الحدث فيها ليس من أفعال الآدميين ولا يتضح إسنادها إلا إذا أدخلت عليها همزة التعدية ولو أردت نسبتها إلى الله تعالى لكانت على (أفعل) . والثلاثي الذي ورد على صورة المبني للمجهول يدل على الأداء.
رأي ابن الحاجب المتوفى سنة ٦٤٦هـ[٢] :
وقد قال في شرح الكافية ما يؤيد هذا: جاء في كلامهم بعض الأفعال على ما لم يسم فاعله ولم يستعمل منه المبني للفاعل والأغلب في ذلك الأدواء، ولم يستعمل فاعلها لأنه من المعلوم في غالب العادة أنه هو الله تعالى فحذف للعلم به وتلك الأفعال نحو: جن، وسلّ، وزكم، وورد، وحم، ووعك، قال سيبويه [٣] : "لو أردت نسبتها إليه تعالى لكان على أفعل نحو أجنة الله، [٤] وأسله الله، وأورده أي فعل به ذلك، وذلك لأن فعل المذكور لم يأت منه (فعلته) ولعل ذلك لأنه لما لم يأت من فعل المذكور كجنّ وسلّ (فعلته) صار كألم، ووجع وعمى ونحو ذلك من الآلام التي بابها فعل (المكسور العين) فصار يعدى إلى المنصوب كما يعدى باب (فعل) وذلك بالنقل إلى (أفعل) المتعدي.."
انتهى كلام الكافية.
رأي ابن سيده المتوفى سنة ٤٥٨هـ[٥] :
стр. 8959
وقبل ابن الحاجب بمائتي سنة تقريبا نجد ابن سيده يقرر بأن هذه الأفعال منها ما لا يستعمل إلا على تلك الصيغة كعنيت بحاجتك، ومنها ما تكون عليه هذه الصيغة أغلب كزهيت علينا، فإن ابن السكيت حكى (زهوت) وابن سيده يقرر في المخصص نفسه [٦] (باب ما جاء (فعل) منه على غير أفعلت) وذلك نحو جنّ وسلّّّ، وورد، (ومعنى ورد حم) وكذلك رعد ومرعود ومورد (ومحموم بمعنى واحد، وقالوا على هذا مجنون ومسلول ومحموم ومورود، وإنما جاءت هذه الحروف على (جننت) و (سللت) وإن لم يستعمل في الكلام ثم قال: وقال بعضهم رجل محبوب وكان حقه أن يقال في فعله (حببته) فهو محبوب كما يقال: وددته فهو مودود، والمستعمل (أحببته) وقد قال بعضهم (حببته) قال الشاعر وهو غيلان ابن شجاع النهشلي [٧] :
ولا كان أدنى من عبيد ومشرق
فوالله لولا تمره ما حببته
وقد ذكر أبو العباس محمد بن يزيد المبرد في الكامل [٨] أن أبا جار العطاردي قرأ: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّه..﴾ وذكر أن فيه شيئين من المخالفة:
أحدهما: أنه فتح الياء من (يحبكم) ، والآخر أنه أدغم وذكر غير سيبويه أن هذه الأشياء [٩] التي ليست من أفعال الآدميين وقد جاءت على مفعول وفعله مما لم يسم فاعله إذا نسبت الفعل إلى الله كان على (أفعل) نحو أجنه الله وأسله وأزكم وأورده، أي فعل الله به ذلك، ومما أورده غير سيبويه من هذا النحو: محزون، ومزكوم، ومكزوز، ومقرور.
قال أبو عبيد: وإنما ذلك لأنهم يقولون في هذا كله:
قد (فعل) ثم بني مفعول على هذا، قال ولا يقولون حزنه الأمر ويقولون (يحزن) وهذا خلف من نقله وإنما أوردته للتحذير من اعتقاده، وقد قدمت من كلام سيبويه ما دل على ذلك، (وحزنه) مقولة كثيرة (أبو عبيد) وكل هذا يقال فيه: مفعول ولا يقال (مفعل) إلا حرف واحد وهو قول عنترة:
مني بمنزله المحب المكرم
стр. 8960
ولقد نزلت فلا تظني غيره
وقال: أزعقه فهو مزعوق على هذا القياس حكاها عن الأموي.. وقال غيره: زعقته بغير ألف فانزعق أي فزع فإذا كان هذا فمزعوق على القياس وأنشد:
لا مبطئا ولا عنيفا زاعقا
تعلّمن أن عليك سائقا
لبّا [١٠] بإعجاز المطي لاحقا
ثم قال وقال الفراء: "برّ حجّك" فهو مبرور فإذا قالوا: "أبر الله حجك"قالوا بالألف فهو مبرور وقالوا: المبروز من أبرزت وأنشد:
الناطق المبروز والمختوم
أو مذهب جدد على الواحنَ
وقالوا: المضعوف من أضعف قال لبيد:
جمان ومرجان يشد المفاصلا
وعالين مضعوفا ودرا سموطه
ومن هذا الباب [١١] أمرضه الله فهو من المرض، أرضه من الأرض وهو الزكام، وأملاه من الملاءة، وأضأده من الضؤده وكله الزكام وكل هذا يقال فيه مفعول ولا يقال (مفعل) وكذلك مهموم من أهمه الله تعالى.
رأي ابن جني المتوفى سنة٣٩٢هـ:
قال في الخصائص [١٢] : وعلة ما جاء من أفعلته فهو مفعول نحو: أجنه فهو مجنون، وأسله فهو مسلول وبابه أنهم إنما جاءوا به على (فعل) نحو: جن فهو مجنون، وزكم فهو مزكوم، وسل فهو مسلول وكذلك بقيته، فإن قيل لك من بعد: وما بال هذا خالف فيه الفعل مسنداً إلى الفاعل صورته مسند إلى المفعول، وعادة الاستعمال غير هذا وهو أن يجيء الضربان معاً في عدة واحدة نحو: ضربته وضرب، وأكرمته وأكرم، وكذلك مفاد هذا الباب.
قيل إن العرب لما قوي في نفسها أمر المفعول حتى كاد يلحق عندها برتبة الفاعل وحتى قال سيبويه [١٣] فيهما: "وإن كانا جميعا يهمانهم ويعنيانهم"خصوا المفعول إذا أسند الفعل إليه بضربين من الصنعة، أحدهما تغيير صورة المثال المسند إلى المفعول عن صورته مسند إلى الفاعل والعدة واحدة وذلك نحو: ضرب زيد وضرب، وقتل وقتل، وأكرم وأكرم، وحرج ودحرج.
стр. 8961
والآخر أنهم لم يرضوا ولم يقتنعوا بهذا القدر من التغيير حتى تجاوزوه إلى أن غيروا عدة الحروف مع ضم أوله كما غيروا في الأول الصورة والصيغة وحدها وذلك نحو قولهم: (أحببته وحب) أزكمه وزكم وأضأده وضئد، وأملأه الله ومليء.
قال أبو علي [١٤] : فهذا يدلك على تمكن المفعول عندهم وتقدم حاله في أنفسهم إذ أفردوه بأن صاغوا الفعل له صيغة مخالفة لصيغته وهو للفاعل، وهذا ضرب من تدريج اللغة عندهم [١٥] ، ألا ترى أنهم لما غيروا الصيغة والعدة واحدة في نحو: ضرب، وضرب، وشتم وشتم تدرجوا من ذلك إلى أن غيروا الصيغة مع نقصان العدة نحو: أزكم وزكم وأرضه، وأرض.
هذا الموضع هو الذي دعا أبا العباس أحمد بن يحي في كتاب فصيحه أن أفرد له بابا فقال هذا باب (فعل) بضم الفاء نحو قولك عنيت بحاجتك وبقية الباب. إنما غرضه فيه إيراد الأفعال المسندة إلى المفعول ولا تسند إلى الفاعل في اللغة الفصيحة، ألا تراهم يقولون: "نخى زيد" من النخوة ولا يقال: نخاه كذا، ويقولون امتقع لونه، ولا يقولون امتقعه ويقولون: انقطع الرجل ولا انقطع به هكذا فلهذا جاء بهذا الباب أي ليريك أفعالا خصت بالإسناد إلى المفعول دون الفاعل كما خصمت أفعال بالإسناد إلى الفاعل دون المفعول، نحو قام زيد وقعد جعفر وذهب محمد، وأنطلق بشر، ولو كان غرضه أن يريك صورة ما لم يسم فاعله مجملا غير مفصل على ما ذكرنا لأورد فيه نحو: ضرب وركب، وطلب، وقتل، وأكل، وسمل، وأكرم، وأحسن إليه، واستقصى عليه، وهذا يكاد يكون إلى ما لا نهاية له، فاعرف هذا الغرض فإنه أشرف من حفظ مائة ورقة لغة ... انتهى.
رأي ابن درستويه المتوفى سنة ٣٤٧هـ[١٦] :
стр. 8962
وسبق أن تعرضت لرأي ابن درستويه في هذا المقام حيث يقول:"عامة أهل اللغة يزعمون أن هذا الباب لا يكون إلا مضموم الأول، ولم يقولوا: إنه إذا سمي فاعله جاز بغير ضم، وهذا غلط منهم، لأن هذه الأفعال كلها مفتوحة الأوائل في الماضي، فإذا لم يسم فاعلها فهي كلها مضمومة الأوائل ولم نخص بذلك بعضها دون بعض وقد بينا ذلك بعلته وقياسه فيجوز: عنيت بأمرك وعناني أمرك، وشغلت بأمرك وشغلني أمرك، وشدهت بأمرك وشدهني أمرك".
ولا شك أن ما بعد هذه الأفعال مسند إليها على الفاعلية، سواء أكان الفعل فاعلا في الواقع وِنفس الأمر، أم كان المتأثر بالفعل وليس في الجملة ما يدل على الفاعل كالحال مع بعض الأساليب التي يكون الفعل فيها مسندا حقيقة إلى الله، ويجئ بعدها الاسم المتأثر بالفعل نظرا لعدم وجود الفاعل الحقيقي خاصة بعض الأفعال جاءت على سمت مخصوص وهو ضم الفاء في غالب استعمالها فيظن بعضهم أنها مبنية للمجهول وملازمة لهذا الشكل نظرا لغلبة استعمال العرب لهذا الشكل ولا يجوز القياس على ما قل وهو ورود الكلمة على ضبط آخركفتح الفاء مثلاً في الفعل الذي ألزم بعضهم ضم أوله يقول ابن جني: [١٧] .
"وإن كانت إحدى اللفظتين أكثر في كلامه من صاحبتها، فأخلق الحالين به في ذلك أن تكون القليلة في الاستعمال هي المفادة، والكثيرة هي الأولى الأصلية، نعم، وقد يمكن في هذا أن تكون القليلة منهما إنما قلت في استعماله لضعفها في نفسه، وشذوذها عند قياسه، وإن كانتا جميعا لغتين له ولقبيلته وذلك أن من مذهبهم أن يستعملوا من اللغة ما غيره أقوى في القياس منه".
стр. 8963
أو أن ذلك ليس لغة ولكنه صنعة في التدريج وذلك أن يشبه شيء شيئا من موضع فيمضى حكمه على حكم الأول، ثم يرقى منه إلى غيره فلما وجدوا أن الفعل بضم الفاء أجروه مجرى المبني للمجهول، ثم تدرجوا فجعلوه ملازماً للبناء للمجهول حقيقة ... ولكن هذا كما يقول ابن درستويه وابن برى وكثير من المحققين لا يخرجه عن جواز استعمال حالته الأولى..
يقول ابن جني: [١٨] "وهذا باب مطرد متقاود وقد كنت ذكرت طرفا منه في كتابي (شرح تصريف أبي عثمان) غير أن الطريق ما ذكرت لك فكل ما قيس على كلام العرب فهو من كلامهم ولهذا قال من قال في العجاج ورؤبة: أنهما قاسا اللغة وتصرفا فيها وأقدما على ما لم يؤت به قبلهما، وقد كان الفرزدق يلغز بالأبيات، ويأمر بإلقائها على ابن اسحق" [١٩] .
رأي ابن برّى المتوفى سنة ٥٨٢هـ:
من المحققين الذين أدلوا برأيهم في هذا الموضوع العلامة ابن برّى وقد أنكر ما وضعه ثعلب في فصيحه من الأفعال الملازمة للبناء للمجهول وقد وضح هذا من خلال انتصاره للعلامة الحريري مما نسبه إليه ابن الخشاب ولقد خطأ الزجاج المتوفى سنة ٣١٠ هـ ثعلبا في فصيحه وتعقبه باعتراضات عشرة بينما كتاب الفصيح كله عشرون ورقة وقد ذكرت هذه الاعتراضات في معجم الأدباء ترجمة الزجاج، كما ذكرت أيضاً في الأشباه والنظائر للسيوطي الفن السابع، وكذلك المزهر النوع التاسع معرفة الفصيح حتى إن ثعلبا كاد ينكر نسبة الفصيح إليه، ولقد تعصب ابن خالويه لأنه كوفي النزعة فرد على اعتراضات الزجاج وردوده مبسوطة في الأشباه والنظائر الفن السابع جـ ٤.
ثمرة الخلاف والبحث:
стр. 8964
الملحوظ أن بعض الأساليب في اللغة العربية له علاقة عند صوغه بالفعل المبني للمعلوم، فمثلاً أسلوب التعجب لا يصاغ على ما أفعله وأفعل به إلا من الفعل المبني للمعلوم، وأسلوب التفضيل يشترط لتأديته معنى المفاضلة بدون واسطة أن يكون فعله مبنيا للمعلوم.. فإذا كان الفعل مبنياً للمجهول لا يصاغ أسلوب التعجب وأسلوب التفضيل إلا بواسطة ويذكر بعدها مصدر الفعل الذي كان مبنياً للمجهول.
أما الأفعال التي عرفناها قبل وبوب لها اللغويون أنها ملازمة للمجهول سماعاً فهذه الملازمة فيها الخلاف المذكور عن العلماء سابقاً، فعلى رأي أبي العباس ثعلب ومن معه أن هذه الأفعال ملازمة للبناء للمجهول ولا يتعجب منها مباشرة بل يتعجب منها بالواسطة، وكذلك يصاغ أسلوب التفضيل منها بالواسطة ...
وترتب على هذا طرح كثير من أساليب التعجب وأساليب التفضيل من هذا النوع لأنه بدون واسطة فيكون شاذاً لا يقاس عليه فلا يصح أن تقول على مذهب بعضهم ما أزهى كذا ولا يصح أن تقول: هو أزهى من ديك ... وفي هذا تضييق على اللغة العربية.
والتحقيق أن هذه الأفعال المعروفة ببنائها للمجهول دائماً ليست كغيرها من بقية الأفعال الأخرى فهي تبنى حيناً للمعلوم وتارة أخرى تبنى للمجهول على حسب مقتضيات المعنى ودواعي الاستعمال الصحيح..
وبناء على ذلك أنه يجوز أن يصاغ من مصادر الأفعال مباشرة من غير وسيط (صيغتا التعجب) القياسي وهذه الصياغة قياسية وليست بشاذة ولا مخالفة فيها وكذلك يصاغ من مصادر تلك الأفعال مباشرة من غير واسطة (أفعل التفضيل) وفوق هذا يؤيد فريق من النحاة ومنهم ابن مالك صياغة التعجب من مصدر تلك الأفعال على فرض أنها ملازمة البناء للمجهول أما الأفعال الأخرى التي ليست ملازمة البناء للمجهول فلا يصح التعجب المباشر منها اتفاقا إذا كانت مبنية للمجهول عند الصياغة للتعجب أو التفضيل.
стр. 8965
ويكون قولهم: هو أزهى من ديك، وقولهم: ما أزهى كذا، وقولهم: ما أعني فلانا بحاجتك، وهو أعنى بحاجتك من الأساليب القياسية التي يصح أن تحذو حذو فعلها وتنسج على منوالها دون شذوذ كما استعمله سيبويه.
إليك آراء العلماء:
رأي ابن الحاجب [٢٠] :
قال في مبحث أفعل التفضيل: "وقياسه للفاعل يعني يقاس لتفضيل الفاعل على غيره في الفعل كأضرب أي ضارب أكثر ضرباً من سائر الضاربين ولا يقال أضرب بمعنى مضروب أكثر مضروبية من سائر المضروبين وإنما كان القياس في الفاعل دون المفعول لأنهم لو جعلوه مشتركا بين الفاعل والمفعول لكثر الاشتباه لا طراده وأما سائر الألفاظ المشتركة فاغتفر فيها الاشتباه لقلتها لكونها سماعية وأرادوا جعله في أحدهما أظهر دون الآخر فجعلوه في الفاعل قياساً لكونه أكثر من المفعول إذ لا مفعول إلا وله فاعل في الأغلب ولا ينعكس وإنما قلنا في الأغلب احترازاً من نحو مجنون ومبهوت فلو جعلوه حقيقة في المفعول لبقي اسم الفاعل مع أنه أكثر عريا عما يطلب فيه من معنى التفضيل إلا بالقرينة لعدم اللفظ الدال عليه حقيقة وقد استعملوه في المفعول أيضاً على غير قياس نحو أغدر، وأشهر، وألوم، وأشغل أي أكثر معذورية، ومشهورية، وملومية، ومشغولية ومنه أعنى في قول سيبويه وهم بشأنه أعنى".
وقال في مبحث التعجب:
следующие страницы →