← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 8961–9000 · переход к 8966.

стр. 8961

والآخر أنهم لم يرضوا ولم يقتنعوا بهذا القدر من التغيير حتى تجاوزوه إلى أن غيروا عدة الحروف مع ضم أوله كما غيروا في الأول الصورة والصيغة وحدها وذلك نحو قولهم: (أحببته وحب) أزكمه وزكم وأضأده وضئد، وأملأه الله ومليء. قال أبو علي [١٤] : فهذا يدلك على تمكن المفعول عندهم وتقدم حاله في أنفسهم إذ أفردوه بأن صاغوا الفعل له صيغة مخالفة لصيغته وهو للفاعل، وهذا ضرب من تدريج اللغة عندهم [١٥] ، ألا ترى أنهم لما غيروا الصيغة والعدة واحدة في نحو: ضرب، وضرب، وشتم وشتم تدرجوا من ذلك إلى أن غيروا الصيغة مع نقصان العدة نحو: أزكم وزكم وأرضه، وأرض. هذا الموضع هو الذي دعا أبا العباس أحمد بن يحي في كتاب فصيحه أن أفرد له بابا فقال هذا باب (فعل) بضم الفاء نحو قولك عنيت بحاجتك وبقية الباب. إنما غرضه فيه إيراد الأفعال المسندة إلى المفعول ولا تسند إلى الفاعل في اللغة الفصيحة، ألا تراهم يقولون: "نخى زيد" من النخوة ولا يقال: نخاه كذا، ويقولون امتقع لونه، ولا يقولون امتقعه ويقولون: انقطع الرجل ولا انقطع به هكذا فلهذا جاء بهذا الباب أي ليريك أفعالا خصت بالإسناد إلى المفعول دون الفاعل كما خصمت أفعال بالإسناد إلى الفاعل دون المفعول، نحو قام زيد وقعد جعفر وذهب محمد، وأنطلق بشر، ولو كان غرضه أن يريك صورة ما لم يسم فاعله مجملا غير مفصل على ما ذكرنا لأورد فيه نحو: ضرب وركب، وطلب، وقتل، وأكل، وسمل، وأكرم، وأحسن إليه، واستقصى عليه، وهذا يكاد يكون إلى ما لا نهاية له، فاعرف هذا الغرض فإنه أشرف من حفظ مائة ورقة لغة ... انتهى. رأي ابن درستويه المتوفى سنة ٣٤٧هـ[١٦] :

стр. 8962

وسبق أن تعرضت لرأي ابن درستويه في هذا المقام حيث يقول:"عامة أهل اللغة يزعمون أن هذا الباب لا يكون إلا مضموم الأول، ولم يقولوا: إنه إذا سمي فاعله جاز بغير ضم، وهذا غلط منهم، لأن هذه الأفعال كلها مفتوحة الأوائل في الماضي، فإذا لم يسم فاعلها فهي كلها مضمومة الأوائل ولم نخص بذلك بعضها دون بعض وقد بينا ذلك بعلته وقياسه فيجوز: عنيت بأمرك وعناني أمرك، وشغلت بأمرك وشغلني أمرك، وشدهت بأمرك وشدهني أمرك". ولا شك أن ما بعد هذه الأفعال مسند إليها على الفاعلية، سواء أكان الفعل فاعلا في الواقع وِنفس الأمر، أم كان المتأثر بالفعل وليس في الجملة ما يدل على الفاعل كالحال مع بعض الأساليب التي يكون الفعل فيها مسندا حقيقة إلى الله، ويجئ بعدها الاسم المتأثر بالفعل نظرا لعدم وجود الفاعل الحقيقي خاصة بعض الأفعال جاءت على سمت مخصوص وهو ضم الفاء في غالب استعمالها فيظن بعضهم أنها مبنية للمجهول وملازمة لهذا الشكل نظرا لغلبة استعمال العرب لهذا الشكل ولا يجوز القياس على ما قل وهو ورود الكلمة على ضبط آخركفتح الفاء مثلاً في الفعل الذي ألزم بعضهم ضم أوله يقول ابن جني: [١٧] . "وإن كانت إحدى اللفظتين أكثر في كلامه من صاحبتها، فأخلق الحالين به في ذلك أن تكون القليلة في الاستعمال هي المفادة، والكثيرة هي الأولى الأصلية، نعم، وقد يمكن في هذا أن تكون القليلة منهما إنما قلت في استعماله لضعفها في نفسه، وشذوذها عند قياسه، وإن كانتا جميعا لغتين له ولقبيلته وذلك أن من مذهبهم أن يستعملوا من اللغة ما غيره أقوى في القياس منه".

стр. 8963

أو أن ذلك ليس لغة ولكنه صنعة في التدريج وذلك أن يشبه شيء شيئا من موضع فيمضى حكمه على حكم الأول، ثم يرقى منه إلى غيره فلما وجدوا أن الفعل بضم الفاء أجروه مجرى المبني للمجهول، ثم تدرجوا فجعلوه ملازماً للبناء للمجهول حقيقة ... ولكن هذا كما يقول ابن درستويه وابن برى وكثير من المحققين لا يخرجه عن جواز استعمال حالته الأولى.. يقول ابن جني: [١٨] "وهذا باب مطرد متقاود وقد كنت ذكرت طرفا منه في كتابي (شرح تصريف أبي عثمان) غير أن الطريق ما ذكرت لك فكل ما قيس على كلام العرب فهو من كلامهم ولهذا قال من قال في العجاج ورؤبة: أنهما قاسا اللغة وتصرفا فيها وأقدما على ما لم يؤت به قبلهما، وقد كان الفرزدق يلغز بالأبيات، ويأمر بإلقائها على ابن اسحق" [١٩] . رأي ابن برّى المتوفى سنة ٥٨٢هـ: من المحققين الذين أدلوا برأيهم في هذا الموضوع العلامة ابن برّى وقد أنكر ما وضعه ثعلب في فصيحه من الأفعال الملازمة للبناء للمجهول وقد وضح هذا من خلال انتصاره للعلامة الحريري مما نسبه إليه ابن الخشاب ولقد خطأ الزجاج المتوفى سنة ٣١٠ هـ ثعلبا في فصيحه وتعقبه باعتراضات عشرة بينما كتاب الفصيح كله عشرون ورقة وقد ذكرت هذه الاعتراضات في معجم الأدباء ترجمة الزجاج، كما ذكرت أيضاً في الأشباه والنظائر للسيوطي الفن السابع، وكذلك المزهر النوع التاسع معرفة الفصيح حتى إن ثعلبا كاد ينكر نسبة الفصيح إليه، ولقد تعصب ابن خالويه لأنه كوفي النزعة فرد على اعتراضات الزجاج وردوده مبسوطة في الأشباه والنظائر الفن السابع جـ ٤. ثمرة الخلاف والبحث:

стр. 8964

الملحوظ أن بعض الأساليب في اللغة العربية له علاقة عند صوغه بالفعل المبني للمعلوم، فمثلاً أسلوب التعجب لا يصاغ على ما أفعله وأفعل به إلا من الفعل المبني للمعلوم، وأسلوب التفضيل يشترط لتأديته معنى المفاضلة بدون واسطة أن يكون فعله مبنيا للمعلوم.. فإذا كان الفعل مبنياً للمجهول لا يصاغ أسلوب التعجب وأسلوب التفضيل إلا بواسطة ويذكر بعدها مصدر الفعل الذي كان مبنياً للمجهول. أما الأفعال التي عرفناها قبل وبوب لها اللغويون أنها ملازمة للمجهول سماعاً فهذه الملازمة فيها الخلاف المذكور عن العلماء سابقاً، فعلى رأي أبي العباس ثعلب ومن معه أن هذه الأفعال ملازمة للبناء للمجهول ولا يتعجب منها مباشرة بل يتعجب منها بالواسطة، وكذلك يصاغ أسلوب التفضيل منها بالواسطة ... وترتب على هذا طرح كثير من أساليب التعجب وأساليب التفضيل من هذا النوع لأنه بدون واسطة فيكون شاذاً لا يقاس عليه فلا يصح أن تقول على مذهب بعضهم ما أزهى كذا ولا يصح أن تقول: هو أزهى من ديك ... وفي هذا تضييق على اللغة العربية. والتحقيق أن هذه الأفعال المعروفة ببنائها للمجهول دائماً ليست كغيرها من بقية الأفعال الأخرى فهي تبنى حيناً للمعلوم وتارة أخرى تبنى للمجهول على حسب مقتضيات المعنى ودواعي الاستعمال الصحيح.. وبناء على ذلك أنه يجوز أن يصاغ من مصادر الأفعال مباشرة من غير وسيط (صيغتا التعجب) القياسي وهذه الصياغة قياسية وليست بشاذة ولا مخالفة فيها وكذلك يصاغ من مصادر تلك الأفعال مباشرة من غير واسطة (أفعل التفضيل) وفوق هذا يؤيد فريق من النحاة ومنهم ابن مالك صياغة التعجب من مصدر تلك الأفعال على فرض أنها ملازمة البناء للمجهول أما الأفعال الأخرى التي ليست ملازمة البناء للمجهول فلا يصح التعجب المباشر منها اتفاقا إذا كانت مبنية للمجهول عند الصياغة للتعجب أو التفضيل.

стр. 8965

ويكون قولهم: هو أزهى من ديك، وقولهم: ما أزهى كذا، وقولهم: ما أعني فلانا بحاجتك، وهو أعنى بحاجتك من الأساليب القياسية التي يصح أن تحذو حذو فعلها وتنسج على منوالها دون شذوذ كما استعمله سيبويه. إليك آراء العلماء: رأي ابن الحاجب [٢٠] : قال في مبحث أفعل التفضيل: "وقياسه للفاعل يعني يقاس لتفضيل الفاعل على غيره في الفعل كأضرب أي ضارب أكثر ضرباً من سائر الضاربين ولا يقال أضرب بمعنى مضروب أكثر مضروبية من سائر المضروبين وإنما كان القياس في الفاعل دون المفعول لأنهم لو جعلوه مشتركا بين الفاعل والمفعول لكثر الاشتباه لا طراده وأما سائر الألفاظ المشتركة فاغتفر فيها الاشتباه لقلتها لكونها سماعية وأرادوا جعله في أحدهما أظهر دون الآخر فجعلوه في الفاعل قياساً لكونه أكثر من المفعول إذ لا مفعول إلا وله فاعل في الأغلب ولا ينعكس وإنما قلنا في الأغلب احترازاً من نحو مجنون ومبهوت فلو جعلوه حقيقة في المفعول لبقي اسم الفاعل مع أنه أكثر عريا عما يطلب فيه من معنى التفضيل إلا بالقرينة لعدم اللفظ الدال عليه حقيقة وقد استعملوه في المفعول أيضاً على غير قياس نحو أغدر، وأشهر، وألوم، وأشغل أي أكثر معذورية، ومشهورية، وملومية، ومشغولية ومنه أعنى في قول سيبويه وهم بشأنه أعنى". وقال في مبحث التعجب:

стр. 8966

"ولا يبنى فعل التعجب من المبني للمفعول لما مر في أفعل التفضيل ويجوز تعليل اقتناع مجيئهما للمفعول بكونهما مأخوذين من فعل المضموم العين كما ذكرنا وهو لازم وربما بني من المبني للمفعول إذا أمن التباسه بالفاعل نحو ما أجنه وما أشهره، وما أمقته إلى وما أعجبه إلى، وما أشهاه إلى فيتعدى كما ذكرنا في أفعل التفضيل إلى ما هو فاعل في المعنى بإلى أو بعند نحو أحظى عندي وذلك إذا تضمن معنى الحب والبغض. قال سيبويه: جميع ذلك مبني على فعل وإن لم يستعمل فكأن أبغضه وأعجبه وأمقته من بغض وعجب ومقت وإن لم يستعمل وأشهاه من شهو كما يقال نعمت اليد يده وقياس التعجب من المبني للمفعول أن يكون الفعل المبني له صلة لما المصدرية القائم مقام المتعجب منه بعد". وقد يتعين أن يرفع أفعل التفضيل نائب الفاعل وذلك بقرينة تحتاج إلى توضيح فالمعروف أن أفعل التفضيل إذا كان مصدر فعل متعد بنفسه دال على الحب أو البغض أو بمعناها فإٍن تعدى باللام كانت اللام ومجرورها مفعولاً به في المعنى لا في الاصطلاح النحوي نحو المؤمن أحب للدين من الغربي وأبغض للخروج على أحكامه، فالتقدير يحب المؤمن الدين ويبغض الخروج على أحكامه، وإذا تعدى بإلى كانت إلى ومجرورها فاعلاً معنوياً لا نحوياً وما قبل أفعل هو المفعول المعنوي لا النحوي نحو العلم أحب إلى النابغ من متع الحياة فالتقدير يحب النابغ العلم أكثر من متع الحياة، وقد يرفع أفعل التفضيل الفاعل الظاهر كما في قولك: ما رأيت رجلا أكمل في وجهه الإشراق منه في وجه العابد المخلص. فالإشراق فاعل لأفعل التفضيل والتقدير ما رأيت رجلاً يكمل في وجهه الإشراق فحيث صح إقامة الفعل مقامه صح أن يرفع الفاعل.

стр. 8967

فإن كان أفعل التفضيل الرافع للظاهر من مادة الحب أو البغض تعين أن يكون مرفوعه نائب فاعل كما في قول الرسول ﷺ : "ما من أيام أحب إلى الله منها الصوم منه في عشر ذي الحجة"، وفي رواية أخرى من "أيام العشر"، فالصوم مرفوع نائب فاعل أحب لأنه بمعنى محبوب من حب الثلاثي ففيه شذوذ لبنائه من المجهول إلا عند من جوزه مع أمن اللبس وانظر حاشية الخضري جـ ٢ ص ٥٢ هـ ومثله ما ورد في الأشموني: لا يكن غيرك أحب إليه الخير منك إليه فالخير نائب فاعل، فالقرينة هنا أن أفعل من مادة الحب أو البغض قد تعدي بإلى وهي ومجرورها فاعل في المعنى فالمرفوع بعده يكون نائب فاعل قال في شرح الكافية ج ٢ ص ٢٢٠. "وإن كان الفعل يفهم منه الحب أو البغض تعدى إلى ما هو فاعل في المعنى أي المحب أو المبغض بإلى نحو هو أحب إلى وأشهر إلى، وأعجب إلى وهو أبغض إليك، وأمقت إليك، وأكره إليك لأن أفعالها تتعدد إلى المحب والمبغض بإلى أيضاً كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ﴾ وهذه كلها بمعنى المفعول كأحمد وأشهر وأجن وقد مر أنه غير قياس". رأي يس العيمي والشيخ خالد الأزهري: قال وفي التصريح [٢١] "وبعضهم يستثني من الفعل المبني للمفعول ما كان ملازماً لصيغة (فعل) بضم أوله وكسر ثانيه نحو: عنيت بحاجتك، وزهى علينا بمعنى تكبر، فيجيز التعجب منه لعدم اللبس فتقول: ما أعناه بحاجتك، وما أزهاه علينا وجرى على ذلك ابن مالك وولده بناء على أن علة المنع خوف الالتباس، وأما من جعل عدة المنع التشبيه بأفعال الخلق بجامع أن كلا منها لا كسب للمفعول فيه فينبغي أن لا سيتثنى شيئاً ويؤول ما ورد من ذلك على أن التعجب فيه من فعل مفعول في معنى فعل فاعل لم ينطق به".

стр. 8968

قال السيوطي في الأشباه والنظائر [٢٢] قال في البسيط: "قياس التفضيل في أفعل أن يكون على الفاعل نحو: زيد فاضل وعمرو أفضل منه، لا على نحو خالد وبكر أفضل منه لأنهم لو فضلوا على الفاعل والمفعول لالتبس التفضيل على الفاعل بالتفضيل على المفعول فلما كان يفضي إلى اللبس كان التفضيل على الفاعل أولى لأنه كالجزء من الفعل والمفضول فضله فكان التفضيل على ما هو فالجزء أولى من التفضيل على الفضلة". وقال في التصريح مبحث التفضيل [٢٣] : وسمع بناؤه من فعل المفعول كهو أزهى من ديك بنوه من زهى بمعنى تكبر قال في الصحاح: لا تتكلم العرب به لا مبنياً للمفعول وإن كان بمعنى الفاعل، وحكى ابن دريد زها يزهو أي تكبر، فعلى ما حكاه ابن دريد لا شذوذ فيه لأنه من المبني للفاعل، وقال الصبان [٢٤] مثل ذلك: وسمع هو أشغل من ذات النحيين بنوه من شغل بالبناء للمفعول وسمع هو أعنى بحاجتك بنوه من عنى بالبناء للمفعول وسمع فيه عنى كرضى بالبناء للفاعل فعلى هذا لا شذوذ فيه. وقد علق الصبان على هذا بقوله: "إنما كان مصوغا من المبني للمفعول لأن المراد أنها أكثر مشغولية لا أنها أكثر شغلا لغيرها وإنما كان يصاغ من المبني للفاعل إذا ناسب المقام، ومن مجيء فعله مبنيا للفاعل: ﴿شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا﴾ فما ذكره الناظم من أن شغل مما لزم البناء غير مسلم، انتهى تعليق الصبان على المثل.." وقال الأشموني [٢٥] : "وبعضهم يستثني ما كان ملازما لصيغة فعل نحو عنيت بحاجتك، وزهى علينا فيجيز ما أعناه بحاجتك، وما أزهاه علينا"وقال في مبحث التفضيل: "وسمع صوغه من فعل المفعول كهو أزهى من ديك، وأشغل من ذات النحيين".

стр. 8969

وبالبحث في كتب اللغة وجدت أساليب كثيرة تصحح لنا أن نتوسع فيما ضيقوا حتى تنتهي إلى قياسية كثيرة مما اعتبروه شاذا ففي الأمثال الميداني وأمثال القالي وشرح الألفية والتسهيل، فقد سمع عنهم أنهم قالوا: أجن من دقة [٢٦] (من أجن) ، أزهى من ديك [٢٧] وأشغل من ذات النحيين [٢٨] , وأشهر من الحمر [٢٩] . وقال أبو قطيعة: أشهى إلى القلب من أبواب جبزون القصر فالنخل فالجماء بينهما وأعمر من نسر (عمر) [٣٠] . أعني في كلام سيبويه مثل به الزمخشري في المفصل وأقصف من بردقة [٣١] أكسى من بصلة (من كسى) وأولع من كذا [٣٢] ، وأشهر من كذا وردت أمثلة كثيرة منه في أمثال القالي والميداني.

стр. 8970

وقد حصر بعض أعضاء مجمع اللغة العربية أكثر من هذا [٣٣] . فكثرة الأمثلة تجوز القياس عليه، وقد قال ابن مالك في التسهيل أن فعل التعجب يبنى من فعل المفعول إذا أمن اللبس، قال المرادي: وذلك مذهبه في أفعل التفضيل، ولا غرو فهو أوغل علماء العربية في هذا المسلك من قياس أحد البابين على الآخر، وقد سبق ابن مالك في هذا الزمخشري في المفصل وتبعه ابن الحاجب في الكافية وجاء بعدهما ابن مالك في كتبه كلها.. فقد حملوا كلا من بابي التعجب وأفعل التفضيل، على الآخر بحيث أنه لا يصاغ أفعل التفضيل إلا مما يصاغ منه فعلا التعجب وكل ما امتنع أن يصاغ منه فعلا التعجب امتنع أن يصاغ منه أفعل التفضيل وما لا فلا. وقد جعل الزمخشري وابن الحاجب التفضيل أصلا لهذا القياس وجعل ابن مالك التعجب أصلا لهذا القياس والتفضيل فرعا، والذي درج عليه الزمخشري وتابعوه من القياس الجاري بين أفعل التفضيل وأفعل في التعجب يكاد يكون أمرا لم يرجع إليه ليتخذ ضابطا في التعليم والتأليف لتقريب المسائل وطر القواعد وتيسير حفظ لا غير.. وليس في ذلك من أنواع القياس التي أطنب فيها أبو الفتح ابن جني في الخصائص فإنها كلها ترجع إلى إعطاء حكم إعرابي أو صيغة اشتقاقية للفظ لم يرد في كلام العرب على ذلك الحكم أو تلك الصيغة فيقرر حكم النظير المسموع للنظير غير المسموع إلحاقا به وقياسا عليه.. لأن هناك فوارق بين التعجب والتفضيل تفضي بنا إلى أن قياس أحدهما ليس له مسلك ممهد وإنما هو مجرد قياس شبه كما يقول الأصوليون وهو غير معتبر على أن التحامل بين البابين لم يتبين فيه أصل من فرع. كثرة الاستعمال اعتمدت في كثير من أبواب العربية:

стр. 8971

وحيث أن الأساليب التي جاءت من الفعل المبني للمفعول للدلالة على التعجب أو أفعل التفضيل قد كشفت عن عدد كثير من الأمثلة ولست أدري كيف خفيت هذه النصوص على كثير من اللغويين والنحاة القدامى حتى رتبوا على وجود نوع وهمي من الأفعال يلازم البناء للمجهول أحكاما خاصة كمنعهم مجيء صيغتي التعجب من الثلاثي مباشرة وعدم صحته إلا بواسطة ومنعهم صوغ أفعل للتفضيل من مصادرها إلا بالواسطة كذلك، وقد عثرنا على الأساليب التي توحي بكثرة الاستعمال من هذه الأفعال، وكثرة الاستعمال قد اعتمدت في كثير من أبواب العربية وهاأنذا أسوق طرفا منها مما جاء في كتاب الأشباه والنظائر للسيوطي [٣٤] فقد عقد بابا تحت هذا العنوان (كثرة الاستعمال اعتمدت في كثير من أبواب العربية: ١- منها حذف الخبر بعد لولا قال ابن يعيش في (شرح المفصل) حذف خبر المبتدأ من قولك: لولا زيد خرج عمرو لكثرة الاستعمال حتى رفض ظهوره ولم يجز استعماله. ٢- وقال صاحب البسيط: "إنما اختصت غدوة بالنصب بعد أن دون بكرة وغيرها لكثرة استعمال غدوة معها وكثرة الاستعمال يجوز منه مالا يجوز مع غيره". ٣- وقال ابن جني: "أصل (هلم) عند الخليل (ها) للتنبيه (ولم) أي لم بنا ثم كثر استعمالها فحذفت الألف تخفيفا".

стр. 8972

٤- وفي تذكرة الفارسي: حكى أبو الحسن والفراء أنهم يقولون (أيش لك) قال والقول فيه عندنا أنه أي شيء فخفف الهمزة وألقي الحركة على الياء فتحركت الياء بالكسرة فكرهت الكسرة فيها فأسكنت فلحقها التنوين فحذفت لالتقاء الساكنين، كما أنه لما خففت (هو يرم إخوانه) فحذفت الهمزة وطرح حركتها على الياء كره تحركها بالكسرة فأسكنتها وحذفها لالتقائها مع الخاء من الإخوان فالتنوين في (أيش) مثل الخاء في إخوانه، قال: فإن قلت الاسم يبق على حرف واحد قبل إذا كان ذلك شيء في (أيش) وحسن ذلك أن الإضافة لازمة فصار لزوم الإضافة مشبها له بما في نفس الكلمة حتى حذف منها فقالوا فيم وبم ولم فكذلك (أيش) . ٥- وقال ابن فلاح في المغني: "المصدر الذي يجب إضمار فعله إنما وجب إضماره لكثرة الاستعمال ومعنى كثرة الاستعمال أنه تقرر في أذهانهم أنهم لو استعملوها لكثرة استعمالها فخففوها بالحذف وجعلوا المصدر عوضا منها". ٦- وقال ابن الدهان في الغرة ذهب الأخفش إلى أن ما غير لكثرة استعماله إنما تصورته العرب قبل وضعه وعلمت أنه لا بد من استعماله فابتدءوا بتغييره علما بأن لا بد من كثرة استعماله الداعية إلى تغييره كما قال: فصير أخره أولا رأي الأمر يفضي إلى آخر ومن هذه النصوص يتبين أن العرب قد اعتمدت كثرة الاستعمال فلم لا نعتمد كثرة استعمال أفعل التفضيل وصيغتي التعجب من هذه الأفعال التي توهموها ملازمة للبناء للمجهول قياسا يقاس عليه؟ ففي هذا توسيع لما ضيقه بعضهم وجعله شاذا لأنهم بنوا حكمهم على وجود نوع وهمي من الأفعال يلازم البناء للمجهول.

стр. 8973

فهذه الأفعال التي حصرها قدماء اللغويين وحصروها في باب الأفعال الملازمة للبناء للمجهول معظمها يرجع إلى ثلاثي مبني للمعلوم وإن كان لا يلحظه البعض بسهولة أو لا يطرد فيه ذلك نتيجة للخلط بين الفاعل النحوي والمعنى اللغوي وبعضها لا يسهل تحقيق ذلك فيه لأنه من المعلوم في غالب العادة أنه هو الله تعالى فحذف للعلم به حتى قال سيبويه: "لو أردت نسبتها إليه تعالى لكان الفعل على (أفعل) نحو أجنه الله أي فعل به ذلك" وقال غير سيبويه [٣٥] إن هذه الأفعال التي ليست من أفعال الآدميين وقد جاءت على مفعول وفعله مما لم يسم فاعله إذا نسب الفعل إلى الله كان على (أفعل) ... فمجيء الصفة على مفعول دليل قاطع على الجذر الثلاثي للفعل وأنه مبني للمعلوم جاء على صورة المبني للمجهول ففي هذا جانب من صواب وفائدة على أن ابن جني في الخصائص [٣٦] يعقد بابا في نقض العادة يقول: غير أن ضربا من اللغة جاءت فيه هذه القضية معكوسة مخالفة فنجد فعل فيها متعدية وأفعل غير متعد وذلك قولهم: أجفل الظليم وجفلته الريح، وأشفق البعير إذا رفع رأسه وشنقته، وأنزف البئر إذا ذهب ماؤها ونزفتها واقشع الغيم وقشعته الريح وأنسل ريش الطائر ونسلته، وأمرت الناقة ومريتها إذا در لبنها ونحو من ذلك نحو ألوت الناقة بذنبها ولوت ذنبها، وصر الفرس [٣٧] أذنه، وأصر بأذنه وكبه الله عن وجهه، وكب هو، وعلوت الوسادة وأعليت عنها..

стр. 8974

فهذا نقص عادة الاستعمال لأن فعلت فيه متعد وأفعلت غير متعد، وعلة ذلك عندي أنه جعل تعدي فعلت وجمود أفعلت كالعوض لفعلت من علية أفعلت لها على التعدي نحو جلس وأجلسته ثم يقول: ونحو من ذلك ما جاء عنهم من أفعلته فهو مفعول وذلك نحو أحببته فهو محبوب وأجنه الله فهو مجنون وأزكم فهو مزكوم، وأكزه فهو مكزوز [٣٨] ، وأقره فهو مقرور، وأرضه فهو مأروض، وأملاه فهو مملوء وأضأده فهو مضئود [٣٩] وأحمه الله فهو محموم (من الحمى) وأهمه - من الهم - فهو مهموم وأزعقته فهو مزعوق أي مذعور ... قالوا وعلة ما جاء من أفعلته فهو مفعول نحو أجنه الله فهو مجنون وبابه أنهم إنما جاءوا به على (فعل) (بضم أو كسر ثانيه) نحو جن فهو مجنون وزكم فهو مزكوم.. الخ [٤٠] . فهذا النوع من الأفعال جاء على صورة المبني للمجهول لأن العرب خصوا المفعول بنوع من العناية حتى قوي في أنفسها وكأنهم أولا غيروا صورة الفعل وهو مسند إلى المفعول عن صورته وهو مسند إلى الفاعل والصورة والصيغة واحدة ثم ترقوا من ذلك وتدرجوا إلى أن غيروا الصيغة فضموا الأول مع نقصان العدد فقالوا أزكم (وزكم) بضم أوله وكسر ثانيه فهذا من باب التدريج في اللغة الذي عناه ابن جني بقوله [٤١] :

стр. 8975

"وذلك أن يشبه شيء شيئا من موضع فيمضي حكمه على حكم الأول ثم يرقى منه إلى غيره". فأنت تشاهد أن هذه الأفعال بعد هذا التدريج أصبح لها صورتان الصورة الأصلية والصورة المسموعة عن أكثر العرب نتيجة هذا التدرج في الاستعمال والذي يدل على هذا أن المعاجم العربية تشير إلى هذا الأصل الذي أصبح في عالم النسيان عند بعض اللغويين كثعلب ففي القاموس مادة (عناه) الأمر يعنيه ويعنوه عناية بالكسر وعناية بالفتح وعينا بالضم أهمه وعنى بالضم عناية كرضى قليل، وعنى الأمر ... باب (علم يعلم) نزل وحدث، وقال ابن المنظور: "وشغف بالشيء شغفا على صيغة ما لم يسم فاعله أولع به، وشغف بالشيء شغفا على صيغة الفاعل قلق"وقال: وشغفه يشغفه شغفا وشغفا بسكون الغين وفتحها ولذلك (وعك الرجل) ورجل وعك ووعك وموعوك ووعكة كوعده دكه فجاء بالمبني للمعلوم وإن كان مستعملا في معنى آخر، وهزل الرجل والدابة قال في القاموس، هزل كنصر ويضم وهزل كمنع الخ فلم ترد المادة تحت ضبط واحد وهو ضم الفاء وانظر مادة (زهى علينا) ، وبهت الرجل (وقد شهر في الناس) .

стр. 8976

والكثير من الأفعال التي حصرها بعض العلماء تحت عنوان الأفعال الملازمة للبناء للمجهول ترجع إلى الأمور التي ترجع إلى اللغات مثل تعدد صورة المضارع والماضي مع اختلاف الصيغ من فعل، وفعل مع اتفاق المعنى أو اختلافه، وقد تابعت أكثر هذه الأفعال التي حصرها ابن سيدة في المخصص وثعلب في الفصيح والسيوطي في المزهر في معاجم اللغة فوجدت أنها جاءت على صيغ مختلفة بعضها استعمل كثير وأصبح هو المسموع عن أكثرهم ولكن هذا لا يجعلنا نغفل بعض الأساليب الواردة عن العرب تبعا لأحكام تتعلق ببعض الصيغ كصيغتي التعجب وصيغة أفعل التفضيل، وقد بينت آراء العلماء في هذه الأساليب، والتحقيق في هذا البحث يجعلنا نضم أصواتنا إلى أصوات العلماء الذين يحاولون إيجاد صورة مبنية للمعلوم لهذه الأفعال الملازمة للبناء للمجهول كابن درستويه ومن نحا نحوه واقتدى به الذي يعتد بأصل لهذا الفعل فهي أفعال لها أصول ليست مرفوضة وحيث أنها ليست مرفوضة فيصح مراجعتها إذا احتيج إليها وقد قال السيوطي في الأشباه والنظائر قال ابن جني: "اعلم أن الأصول المنصرف عنها إلى الفرع على ضربين [٤٢] . أحدهما: إذا احتيج إليه أن يراجع والآخر ما لا يمكن مراجعته لأن العرب انصرفت عنه فلم تستعمله.

стр. 8977

وهذه الأفعال قد استعمل أصلها الذي رفضه بعض العلماء فمراجعة الأصل لهذه الأفعال قد أثبته ابن القطاع وابن دريد وبعض اللغويين مما رجعت إلى بعضه في القاموس وغيره.. ولو كان أصلها المبني للمعلوم ممنوعا لنص عليه ابن جني في مبحث مراعاة الأصول وإهمالها ثم يقول ابن جني [٤٣] : وإذا جاز أن تراعى الفروع فمراعاة الأصول أولى وأجدر. ولا شك أن المبني للمجهول فرع عن المبني للمعلوم فهذه الأفعال ليست ملازمة للمفعول بل هي مفتوحة الأوائل في الماضي فإذا لم يسم فاعلها فهي مضمومة الأوائل بدليل أن الاسم بعدها فاعل في المعنى لأنه هو الذي وقع منه الفعل أو قام - وفي نهاية التحقيق في هذا البحث أختم قولي بما قاله ابن درستويه: "عامة أهل اللغة يزعمون أن هذا الباب لا يكون إلا مضموم الأول، ولم يقولوا أنه إذا سمي فاعله جاز بغير ضم وهذا غلط منهم لأن هذه الأفعال كلها مفتوحة الأوائل في الماضي فإذا لم يسم فاعلها فهي كلها مضمومة الأوائل ولم يختص بذلك بعضها دون بعض"، وقال ابن خالويه المتوفى سنة ٣٧٠ هـ في شرح الفصيح بعد أن ذكر هذه الأفعال "ومعناه أن الفعل من هذا الباب لا ينطق به على لفظ ما لم يسم فاعله وعليه فبعض المذكورات فيه نظر والصحيح ما قاله بعضهم أن بعضا لم يبن قط للفاعل وبعضها بني له أيضا لكن الفصيح بناؤه للمفعول" [٤٤] وسبق أن عرفنا نزعته الكوفية ولا شك أن الأخذ بهذه الآراء يؤدي إلى إلغاء الأحكام الخاصة بهذه الأفعال ويبيح في الثلاثي التعجب المباشر وكذلك التفضيل المباشر ويرد لتلك الأفعال اعتبارها وحقها ويجعل شأنها شأن غيرها من باقي الأفعال التي يصح أن تبنى للمعلوم حينا وللمجهول حينا آخر على حسب مقتضيات المعنى. ومن ثمرة البحث: حكم المضارع والأمر من هذه الأفعال:

стр. 8978

لكن ما حكم مضارع هذه الأفعال الملازمة للبناء للمجهول وكذا الأمر منه أيكون ملازما للبناء للمجهول كالماضي؟ أم يقتصر منه على ما ورد مسموعاَ عن العرب؟ الفيروز أبادي صاحب القاموس يعطينا رأياً قاطعاً حيث يقول في مقدمة القاموس: "هل المضارع فيها يأتي كذلك وفعل الأمر كما في قوله تعالى: ﴿فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ أو أن مرجعه إلى السماع، والظاهر الثاني كما يدل له قول مترجم القاموس: "حم الأمر مبني للمفعول من باب نصر فنقول في المضارع: (يحم) ومثله (جن) ، ونتجت الناقة من باب ضرب فتقول: في المضارع: (تنتج) ، وعقرت المرأة من باب (حسن) فنقول في المضارع: (تعقر) فلينظر في حاشيته الشهاب الخفاجي في الصافات أو شرح أدب الكاتب في باب (المبني لما لم يسم فاعله صورة) وقد قال الشهاب الخفاجي في حاشيته على البيضاوي في سورة الصافات عند قوله تعالى: ﴿فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ . الإهراع الإسراع الشديد كأنهم يزعجون على الإسراع على آثارهم وفيه إشعار بأنهم بادروا إلى ذلك عن غير توقف على نظر وبحث قال الشهابي معقباً على هذا: كأنهم يزعجون أخذه من فعل الإهراع المجهول وقال أيضاً في سورة هود ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْه﴾ . يسرعون إليه كأنهم يدفعون دفعاً لطلب الفاحشة من أضيافه. ثم يعقب الشهابي على هذا بقوله: ويهرعون جملة حالية والعامة على قراءته مبينا للمجهول، والإهراع الإسراع وقال الهروي هرع، وأهرع استحث، وقرأ جماعة ﴿يَهرعُون﴾ (بفتح الياء مبنياً للفاعل من هرع وأصله من الهرع وهو الدم الشديد السيلان كأن بعضه يدفع بعضا) َ فالمعنى على القراءتين يسوقون أو يسوق بعضهم أو يساقون بمعنى يسوقهم كبيرهم فتفسيره بيسرعون بياناً للمراد منه عليهما، وقوله كأنهم يدفعون على المجهول إشارة إلى أنه استعارة.

стр. 8979

ومن خلال رأي الشهابي أن المضارع من هذه الأفعال لا يخضع لصورة الماضي على البناء للمجهول فيجوز أن يبنى للفاعل. وانظر لقوله: والعامة على قراءته مبنياً للمجهول وقراءة بعضهم بفتح الياء.. كل هذه النصوص ترشدنا إلى أن المضارع والأمر لا يكون على الصورة الملازمة للمجهول تبعا للماضي ... والحمد لله من قبل ومن بعد فإذا وقعت علي هفوة فسبحان من انفرد بالكمال وتنزه عن الشريك والمثال، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. -------------------------------------------------------------------------------- [١] انظر القاموس المحيط في مقدمة تحت عنوان: (المقصد في بيان الأمور التي اختص بها القاموس) (مصدر فعل) [٢] انظر شرح الكافية جـ ٢ ص ٢٧٢ [٣] انظر سيبويه جـ اص ١٥. [٤] يقال أجنة وأجنه.. وجن عليه الليل إذا أظلم عليه وستره جنونا وجنانا وجننت الرجل وأجننته إذا وقفت (انظر كتاب فعلت وأفعلت للزجاج باب الجيم ص ١٣٥) . [٥] انظر المخصص جـ ١٥ ص ٧٢ باب ما جاء من الأفعال على صيغة ما لم يسم فاعله. [٦] انظر المخصص السفر ١٤ ص ١٧٦. [٧] انظر اللسان (حبب) . [٨] انظر الكامل جـ اص ٣٣٩ باب الرجل من بني أسد يمدح ابن حيان. [٩] الملحوظان الفعل (حب) ط معناه الحقيقي مسند لله تعالى: على قول الرسول: "اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما لا أملك" (لأنه في معرض الحديث عن الحب) . [١٠] اللب: اللازم لها لا يفارقها يقال رجل لبٌّ وامرأة لبة أي نظيفة قريبة من الناس. [١١] انظر المزهر جـ ٢ ص ٢٣٥. [١٢] انظر الخصائص جـ اص. [١٣] انظر سيبويه جـ اص ١٥. [١٤] أبو علي الفارسي إسنادا ً ابن جني توفي سنة ٣٧٧هـ. [١٥] لابن جني بحث في تدريج اللغة جـ اص ٣٤٧ من كتاب الخصائص فانظره.

стр. 8980

[١٦] انظر شرح ابن درستويه على الفصيح ٧٨. [١٧] انظر الخصائص جـ اص ٣٧٢. [١٨] انظر الخصائص باب في تدريج اللغة جـ اص ٣٤٧. [١٩] انظر الخصائص باب في تدريج اللغة جـ اص ٣٦٩. [٢٠] انظر الكافية جـ ٢ ص ٢١٤ مبحث أفعل التفضيل. [٢١] انظر: التصريح جـ ٢ ص ٩٣ مبحث التعجب. [٢٢] أنظر: الأشباه والنظائر ص ٢٧٠ مبحث اللبس محذور. [٢٣] أنظر: التصريح جـ ٢ ص ١٠١. [٢٤] أنظر الصبان على الأشموني جـ ٣ ص ٣٣. [٢٥] أنظر الأشموني جـ ٣ ص ١٧- ٣٣. [٢٦] أمثال الميداني. [٢٧] أمثال الميداني والقالي. [٢٨] أمثال الميداني والقالي. [٢٩] أمثال الميداني. [٣٠] أمثال الميداني. [٣١] المرجع السابق. [٣٢] شرح التسهيل. [٣٣] انظر البحوث والمحاضرات لمجمع اللغة العربية سنة ١٩٦٣-١٩٦٤م. [٣٤] انظر الأشباه والنظائر جـ اص ٢٦٦ـ٢٧٠ فقد اختصرت ما قاله هنا. [٣٥] انظر سيبويه جـ اص ١٥. [٣٦] انظر الخصائص جـ٢ ص ٢١٤ـ٢١٧. [٣٧] سوى أذنه ونصبها للاستماع. [٣٨] أصلبه الكزاز وهو تشنج يصيب الإنسان من شدة البرد وتعتريه منه رعدة. [٣٩] أصابه بالزكام. [٤٠] وقد سبقت الإشارة إلى ذلك عند الحديث عن رأي ابن جني. [٤١] انظر الخصائص جـ اص ٣٤٧- ٣٥٦. جـ ٢ ص ١١٨. [٤٢] أنظر: الخصائص لابن حني جـ ٢ ص ٣٤٧ باب فيما يراجع من الأصول مما لا يراجع. [٤٣] أنظر: الخصائص جـ ٢ ص ٣٠٤. [٤٤] أنظر: مقدمة القاموس.

стр. 8981

غوثاه لفضيلة الشيخ عبد الله بن أحمد قادري. عميد كلية اللغة العربية بالجامعة الإسلامية فكم من الكيد - يا الله - يلقاه غوثاه - يا رب - للإسلام غوثاه من العدو الذي ما كلّ مسعاه وما أقل الألى يحمون حوزته وهم أذل عباد أوجد الله هذى يهود طغت في الأرض عاتية في قبلة المصطفى الأولى ومسراه عاثوا فسادا بأرض الرسل بل فسقوا وكلهم بالغ في الكيد أقصاه وللنصارى على الإسلام غارتهم يهاجمون من الإسلام أعلاه والملحدون وأهل الزيغ ما فتئوا فصار معبوده ما كان يهواه قد اغرقوا الجيل في طوفان باطلهم رضا الإله الذي ما كان أغلاه وغاية الخلق أضحت عنده عبثا إلى رذائل من بالكفر والاه هانت عليه غلا أجداده فهوى يحدوهم الخوف ثم المال والجاه وحاملو العلم للطاغوت قد خضعوا تهدي الحمام لمن يطغى وتهواه لكن أسد لهذا الدين قد وقفت مضمار سبق على الأقران وافاه وللفقيد أبي الأعلى الإمام هنا من كل صوب وخلق الله قد تاهوا رأى المصائب بالإسلام نازلة عات ومستعبد في الشعب والاه فشام سيف الهدى في وجه مغتصب على أذى القوم معتزا بتقواه وقام يدعو إلى الإسلام مصطبرا إلى العقيدة (ركن الحق) مبداه كان انطلاق الفتى في الفكر مستندا ما دام يوجد في الوحيين مبغاه وليس يعدل بالوحيين غيرهما يفيد منهم إذا أفتى فتاواه يرى الأئمة أعلاما ورمز هدى هدى الإله الذي التقليد ناواه لكنه يكره التقليد مقتفيا معاصريه الأولى تاقوا لعلياه وكان في فهمه عمق يفوق به من الحياة فكان كالنور أنى سرت تلقاه غاصت مداركه في كل معترك ملامة الناس والرحمن مولاه ولم يكن في سبيل الله تأخذه فما انثنى بل تولى أمره الله

стр. 8982

كم حاولوا صده عن نشر دعوته قالوا: اقتلوه، فقال: الله ألقاه قالوا: اسجنوه، فزاد السجن قوته فيها الدليل على ما الله أولاه ربى رجالا على الإسلام تربية كما أحاطت بيعسوب خلاياه به أحاطوا على حب وتضحية على الإخاء الذي الرحمن يرضاه كل الفئات انضوت في ظل دعوته من عاملين، ومن أغناهم الله هذا طبيب، وذا قاض، وغيرهما ما في الصواريخ للأتباع أشباه وألهب الروح في الأتباع فانطلقوا من الخمول، ومن ذل ألفناه راحوا يرومون تغييرا لواقعنا هم الفقيد إلى أن زار مثواه إلى النهوض بهذا الجيل حيث غدا يراه شيخ الزوايا في زواياه وكان يعلن أن الدين ليس كما لا يسعدون إذا ما عنه قد تاهوا بل منهج لحياة الناس أجمعها من جد فيها وللكسلان أواه وسنة الله أن تعطى خزائنه نظام حكم على الإسلام مبناه وغاية السعي في الدنيا إقامته إحدى وسائلها، والغرس عقباه وغسل أفكار هذا الجيل من درن فسلكهم في نظام طاب مغزاه ثم اصطفاء لأفراد وتربية يرضى الشريعة، لا قمع وإكراه يليه سعي إلى إصلاح مجتمع من الفساد الذي الحكام تهواه والحكم إن فاته الإصلاح كان له فبان من زيفها ما كان عراه والجاهلية عراها بواقعها في الشرق والغرب هذا ليس يخفاه والعالم اليوم من عرب ومن عجم وللرجوع لإرث ما فقدناه وصاحب الحقد مدعو لتوبته جيل قوي بوحي الله رواه هذى مآثره تحكي محامده درب الجهاد الذي كنا أضعناه وكتبه كلها نور يضئ لنا أن السعادة فيما يشرع الله وقد أبانت لباكستان دعوته للحكم بالشرع أزكى الله مسعاه وقد رأينا ضياء الحق متجهاً بفقدك الأرض عملاقا خسرناه لهفي عليك أبا الأعلى وقد فقدت بالمسلم الحق تجري الدمع عيناه لولا التأسي وأمر الصبر ما فتئت

стр. 8983

وأن يكون بدار الخلد مثواه والله نسأل أن تغشاه رحمته حتى يحقق للإسلام مرماه وأن يواصل جيش الحق رحلته بالصحب فوق ذرا نصر تمناه تابع طفيل خطى العملاق مرتقيا فتابعونا على عهد عقدناه وقل لهم: عهدنا ما زال منعقدا لمن تأسى، كما الصديق أبداه وفي ممات رسول الله معتبر بركب أمثال شيخ قد فقدناه غوثاه يا رب للإسلام غوثاه

стр. 8984

قياسية المصادر لفضية الدكتور/ محمد بن زين العابدين حسن سلامة المدرس بكلية الدعوة بالجامعة الإسلامية من أقسام الكلمة العربية الاسم وهو قسمان: جامد ومشتق. فالجامد: ما لم يؤخذ من غيره، فهو قد وضع على صورته الحالية ابتداء، فليس له أصل يرجع إليه، وهو إما ذات وإما معنى. فالذات: ما تقوم بنفسها، أي تدل على مجسم محسوس، وذلك كأسماء الأجناس مثل: رجل- جمل - شجر- بيت- والدال على الذات هو اسم العين. والمعنى: ما يقوم بغيره، لأنه يدل على شيء معنوي محض لا وجود له في غير الذهن ويدركه العقل، وذلك مثل: النصر- الضرب – الفتح – الفرح - والدال على المعنى هو المصدر، ومنه يكون الاشتقاق، وقد يجيء من أسماء الأجناس المحسوسة. والمشتق: ما أخذ من غيره ودل على ذات وحدث، فهو يدل على شيئين، وله أصل ينتسب إليه يقاربه في المعنى ويشاركه في الحروف الأصلية، كالضارب والمضروب ... الخ فالمصدر قسم من قسمي الجامد، إذ هو اسم المعنى الذي هو أحد قسمي الجامد، إذن فالمصدر جامد. وضابطه: هو اسم دال على الحدث - إلى المعنى المجرد- جار على فعله، فلا دلالة على ذات أو زمان أو مكان أو تذكير أو تأنيث أو مثنى أو جمع أو علمية، فلا شيء أكثر من هذا المعنى المجرد، وهذا هو الغالب الأعم، لأنه قد يدل على المرة مثل جال جولة، قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [١] أو الهيئة مثل: جلسة المعتدل مريحة، قال ﷺ : "إذا قتلتم فأحسنوا القتلَةَ وإذا ذبحتم فأحسنوا الذّبحةَ" [٢] .

стр. 8985

والمراد بالحدث: الذي لا يستقل، بل يكون معنى قائما بغيره. ومعنى جريانه على الفعل: اشتماله على حروف فعله لفظا مثل: إكرام، أو تقدير بدون تعويض مثل: قتال- فإن ألف فعل هذا المصدر وهو (قاتل) وإن نقصت منه إلا أنها موجودة تقديرا، بدليل ظهورها أحيانا مقلوبة ياء لوقوعها بعد الكسرة فيقال: قيتال في نطق لبعض قبائل العرب- وهذا لغة أهل اليمن- أو تقديرا مع التعويض مثل: زنة، فالتاء عوض عن فاء الفعل وهو وزن، ومثل: تقديس، فالتاء عوض عن الدال المكررة في الفعل وهو قدّس. والمصادر لها أبنية معروفة في علم الصرف، وهذه الأبنية هل لها قياس مطرد لا تخرج عنه ولا تحيد، أو هي سماعية المعول فيها على السماع وممنوع الخروج عليه؟. اتفق على أن مصادر الفعل غير الثلاثي- الرباعي والخماسي والسداسي- تسير على نظام معين مستقر، لا يتغير ولا يتبدل، فلها قاعدة ثابتة قياسية لا تحيد عنها، فمثلا إذا قيل: كل فعل رباعي على (أفْعل) مصدره (الإفعال) فإنا نرى جميعها مثل: أكرم- أوعد- أفاد- أعطى- لا يخرج مصدرها عن الإفعال، مع قلب أو حذف وتعويض أو إبدال في بعضها، وكذا إذا قيل: (تفعّل) مصدره (تفعُّل) . أما مصادر الفعل الثلاثي فقد اختلف العلماء في قياستها، وفي معنى هذا القياس على ثلاثة مذاهب. ١- يرى بعض العلماء أن مصادر الثلاثي لم تجْر على أوزان معينة، بل وردت على أوزان شتى متباينة لا ضابط لها ولا قياس يجمعها، فهي إذن سماعية نتيجة لهذا، ويجب أن نقف عند المسموع فلو وجد فعل وأردنا معرفة مصدره نقف عند نطق العرب فيه، ولو ورد فعل ولم يعلم كيف نطق العرب بمصدره فلا مصدر له، ولا يجوز النطق بمصدر له على قياس أمثاله.

стр. 8986

ولا يخفى ما يستلزمه هذا من التعويق والتعنت، والوقوف أما بلوغ اللغة درجة الكمال، والوفاء بحاجات الإنسان المتجددة، وتعطيل الكثير من الكلمات التي يجوز لنا أن نحصل عليها بالقياس على أمثالها، وذلك لكثرة أفعال هذا النوع كثرة يتبعها الكثير من المصادر. ٢- ويرى سيبويه وتبعه الأخفش أن مصدر الثلاثي قياسي، فله ضوابط يخضع لها، ولكن هذه الضوابط لا يصح استخدامها قياسيا مطردا قبل الرجوع إلى السماع في مظانة، ويجب الاقتصار على المسموع وحده بعد البحث عنه والعثور عليه ويوقف عنده، فإن لم يوجد سمات تستخدم الضوابط والأقيسة للحصول على المصدر، بمعنى أنه إذا وَرَد فعل وسمع له مصدر أخِذ به، لأننا مقيدون بالمصدر الذي نطقت به العرب وعرفناه عنهم، ولا داعي معه لإيجاد مصدر جديد لم تنطق به نصا، أما إذا لم يعلم لهذا الفعل مصدر، فإننا نأتي بمصدره على الوزن الغالب المقرر في أمثاله، لأن كثرة استعمال بناء أي مصدر لأي فعل مصححة للقياس عليه، قال سيبويه: "ولكن الأكثر يقاس عليه" [٣] . وقال بذلك ابن مالك، وردده الشيخ خالد [٤] والأشموني [٥] في كتبهم، وهذا الرأي هو الذي جرى عليه علماء الصرف واعتمدوه في كتبهم. وتطبيقا لهذا الرأي فالفعل مثلا (علم) لا يأتي مصدره على (فعْل) - بفتح الفاء وسكون العين- فيقال: (علْم) كما هو مقتضى قياس أمثاله- وهي الفعل الثلاثي المتعدي- لأنه قد سمع فيه (علْم) ، فيؤخذ بهذا المصدر في هذا الفعل، بدون قياس على الوزن الغالب وهو (فعْل) . ٣- ويرى الفراء أن مصادر الأفعال الثلاثية قياسية، ومعنى القياس عنده: أنه يجوز القياس على الكثير الشائع، سواء ورد السماع به أو بخلافه، أي يسوغ لنا في كل فعل ثلاثي أن نأتي بمصدره على الوزن الغالب في أمثاله، وإن سمع له مصدره على خلاف هذا الوزن، لأن ما قيس على كلام العرب فهو من كلامهم، ويجوز استعمال أي المصدرين شئت، القياسي أو السماعي إن عرفته.

стр. 8987

فمثلا (علم) فعل ثلاثي متعد، وقياس مصدر مثله أن يكون على (فعْل) فلك أن تقول في مصدره (علْم) - بفتح العين وسكون اللام- وإن كان قد سمع له آخر هو (علم) - بكسر العين وسكون اللام- ولا يهمل المسموع بل أنت بالخيار في استعمال أحدهما. وهنا وقفة مؤيدة لما ذهب إليه الفراء لما يأتي: ١- الفراء إمام كبير له مكانته اللغوية والنحوية، يقول ثعلب - إمام الكوفة في عصره -: "لولا الفراء ما كانت عربية، لأنه خلّصها وضبطها" [٦] . وقيل فيه: "الفراء أمير المؤمنين في النحو" [٧] وقيل أيضا: "لو لم يكن لأهل بغداد من علماء العربية إلا الكسائي والفراء لكان بهما الافتخار على جميع الناس" [٨] وكذلك افتخر به أهل الكوفة [٩] ، وكذلك قيل فيه: "كان ثقة إماما" [١٠] وقال فيه الفقيه محمد بن الحسن - صاحب أبي حنيفة - بعد مناقشة علمية: "ما ظننت آدميا يلد مثلك" [١١] ، وأخيرا قال فيه أستاذه الكسائي - رأس المدرسة ومؤسسها: "الفراء أحسن عقلا، وأنفذ فكرا، وأعلم بما يخرج من رأسه" [١٢] ، وغير ذلك كثير [١٣] . وأمام هذه العقلية التي أخذ صاحبها هذه النعوت، والتي ورثت علم الكسائي وأصبح إمام الكوفيين بعده لا ضير ولا تثريب إذا أخذ بمذهبه في قياسية مصدر الثلاثي، وبخاصة إذا كان في هذا الرأي إفادة اللغة. ٢- ما قال به الفراء مستنبط من أكثر الكلام العربي فصاحة وصحة وشيوعا، فالعمل بما استنبطه إنما هو تطبيق صحيح على ذلك الكثير المسموع، ومجاراة سليمة للشائع الوارد عن العرب، ومحاكاة سائغة لصحيح نطقهم.

стр. 8988

وهذا هو معنى القاعدة، فهو حكم عام مستنبط من الكثير الوارد عن العرب، منتزع من الغالب الذي استعملوه، وعلى ذلك كيف نمتنع عن القياس على ذلك الكثير حين يوجد ما يخالفه في نطق القليل، وأن نقتصر على ذلك المخالف وحده دون استخدام القياس الذي يجري على نهج المخالف له؟ أليس من الأولى أن نعتبره شاذا خارجا عن الكثرة كما نصف الفاعل؟ ٣- قصر القياس على الأفعال التي لم يرد لها مصادر مسموعة، يقتضينا أن نرجع لكل المظان المختلفة ونطيل البحث، وذلك حتى نطمئن إلى عدم وجود مصدر سماعي للفعل كي نستبيح استعمال المصدر القياسي، وفي هذا من الجهد المضني والوقت الطويل ما لا يقدر عليه خاصة الناس، فكيف الحال مع الذي يطلب تعلم اللغة؟ ولو أخذنا به قبل استعمال كل مصدر لحملنا أنفسنا مالا نطيق، ودفعناها دفعا عن الانصراف إلى لغتنا، حتى مع وجود المعاجم فيه جهد ووقت وبخاصة مع المتعلم، وليس كل مبتدئ أو شاذ في اللغة يملك معاجم أو أحدها، يضاف إلى ذلك أن هذا العمل جهد ضائع وعمل مكرر، فلقد استنفد ثقات الأئمة والعلماء جهدهم في استنباط قواعدهم، وانتزاع أحكامهم من غالب كلام العرب الفصيح في دقة وأمانة، فلا مكان لإيجاب الرجوع إلى المسموع قبل استعمال الضوابط والقواعد، لأن في الرجوع إضاعة للجهد والوقت، وتعجيز لغير المتفرغين المشتغلين باللغويات، وإهمال لرأي الثقات من العلماء المتخصصين المتفرغين، إهمالا يستحيل معه أن تستقيم أمور، أو يستقر لها وضع صالح واضح. فدفعا لهذا يؤخذ بما استنبطه ثقات العلماء ويستند إليه من غير بحث في كلام عربي، أو في مرجع لغوي أو غيره، ولو كان البحث لا يكلفنا جهدا ولا وقتا ... وهذا ما درجنا عليه في التعليم والتعلّم، يذكر الفعل وتطبق عليه القاعدة للحصول على مصدره بدون رجوع إلى مظان السماع، تطبيقا لرأي الفراء، ولم يكن لرأي سيبويه من نصيب سوى السطور التي تكتب تبيانا لرأيه.

стр. 8989

٤- لم يقتصر الأمر على الفرَاء بل جاء بعده غيره ممن له مكانته وقال بمثل ذلك. كابن جني فهو القائل: "ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب" [١٤] والقائل: "ليس كل ما يجوز في القياس يخرج به سماع. فإذا أخذ إنسان على مثالهم وأمّ مذهبهم لم يجب عليه أن يورد في ذلك سماعا، ولا أن يرويه رواية" [١٥] . وقال بقياسية مصدر الثلاثي أيضا الزمخشري. ومكانته معروفة [١٦] . ونقل عن أبي حيان أنه قال: "إنما نبني المقايس العربية على وجود الكثرة" [١٧] . وعلى ذلك تصاغ مصادر الفعل الثلاثي على النهج الغالب في كلام العرب، وقد يكون هذا المصدر الذي تنطق العرب بلفظه نصا غريبا على الأسماع، ولكن هذه الغرابة وتلك الوحشة تزولان بالاستعمال. ولا يتحتم استعمال هذا القليل. بل يعتبر من النادر في كلامهم الذي لا يقاس عليه. ويسمى: مصادر سماعية- مصادر شاذة- مصادر قليلة الاستعمال- أو غير ذلك من الأسماء الدالة على قلتها وندرتها. ولذلك نظير في مصادر الأفعال الرباعية التي قال الصرفيون بقياسيتها، فقد قالوا: فاعل مصدره-. (المفاعلة) و (الفعال) والثاني قليل بالنسبة للأول، ويتعين تركه فيما فاؤه ياء مثل (ياسر- يامن) - أخذ بيساره أو بيمينه- وتجب فيه (المفاعلة) فنقول: ميامنة ومياسرة ويمتنع أن نقول على الوزن: يمان ويسار بكسر الياء فيهما، لثقل الكسرة على الياء في أول الكلمة وشذ ياومة يواما ـ المعاملة بالأيام ـ حكاه ابن سيده وحكى مياومة على القياس [١٨] فنقول في مصدر الثلاثي أيضا: علم مصدر (علم) وشذ (علم) على أنه يجوز استعمال هذا المصدر المسموع مع المصدر القياسي، فمن شاء استعمال المسموع أو القياس فله ما شاء، فإن استعمال أحدهما مباح، فورود السماع لا يلغي القياس، ولا يمنع استخدام القاعدة المخالفة له.

стр. 8990

ولعل ما سبق كان في ذهن أعضاء مجمع اللغة العربية بالقاهرة، فلقد أصدر قرارات قياسية مصادر الثلاثي فقال: للأفعال الثلاثية مصادر تأتي على أوزان شتى، منها الكثير المشهور، ومنها القليل المهجور، فجعل بعض النحويين كثير الورود قياسيا، وجعل بعضهم جميع المصادر الثلاثية سماعية، فاختار المجمع المذهب الأول، وهو مذهب سيبويه والأخفش وابن مالك وكثير ممن تابعهم، ومنهم الفراء - وهو يجيز القياس على جميع المصادر الثلاثية القياسية ولو سمع غيرها من وزن آخر [١٩] . ويقول في موطن آخر، في تكملة مادة لغوية لم تذكر بقيتها، كإذا لم تذكر من مادة لغوية في المعجمات ونحوها إلا ألفاظها، كالمصدر أو الفعل أو أحد المشتقات الأخرى. وكل ما تقدم جائز ما لم ينص على أن الفعل مُمات أو محظور، وما لم يسمع عن العرب ما يخالفه، فإن سمع عملنا بالمسموع فقط، أو عملنا بالمسموع والقياس [٢٠] . ويقول الأستاذ عبد الحميد حسن في كتابه (الألفاظ اللغوية خصائصها وأنواعها) : "فماذا يمنعنا من زيادة أوزان وصيغ نرتضيها في عصرنا وفي عصور قادمة، مادامت جارية على سمت ما نطق به العرب، ومقيسة على كلامهم" [٢١] . ويقول:"وإن مجمع اللغة العربية بالقاهرة، قد قطع شوطا محمودا وبذل همة مشكورة في البحث والدرس، للوصول إلى التوسع في صيغ الأفعال المزيدة، وصيغ بعض الأسماء والمشتقات، ووصل في هذا المجال إلى قرارات لها عظيم الأثر في تنمية اللغة وتوسيع آفاقها، وقد سار في ذلك على السنن اللغوي القويم، المستمد من الأشباه والنظائر، ومن الأصول اللغوية التي تساير نمو اللغة واكتمالها" [٢٢] . ومن هذه القرارت قرار قياسية المصادر الثلاثية على مذهب على الفراء السابق ذكره. *. * مراجع البحث ١- الكتاب لسيبويه. ٢ - الخصائص لابن جني. ٣ - التصريح للشيخ خالد الأزهري. ٤ - همع الهوامع للسيوطي.

стр. 8991

٥- شرح ألفية ابن مالك للأشموني. ٦-إنباه الرواه للقفطي. ٧- تصريف الأسماء للشيخ محمد طنطاوي. ٨ - النحو الوافي للأستاذ عباس حسن. ٩ - الألفاظ اللغوي خصائصها وأنواعها للأستاذ عبد الحميد حسن. ١٠ - تصريف الأسماء للدكتور محمد زين العابدين حسن سلامة. -------------------------------------------------------------------------------- [١] سورة الحاقة ١٣. [٢] الترمذي - الديات ١٤. [٣] الكتاب ٢/٢١٥. [٤] انظر التصريح ٢/٧٣. [٥] انظر حاشية الصبان ٢/٣٠٤. [٦] إنباه الرواة ٤/ ا-١٧ [٧] إنباه الرواة ٤/ ا-١٧ [٨] إنباه الرواة ٤/ ا-١٧ [٩] إنباه الرواة ٤/ ا-١٧ [١٠] إنباه الرواة ٤/ ا-١٧ [ٍ١١] إنباه الرواة ٤/ ا-١٧ [١٢] إنباه الرواة ٤/ ا-١٧ [١٣] إنباه الرواة ٤/ ا-١٧ [١٤] الخصائص ١/٣٦٢-٣٦٧. [١٥] لخصائص ١/٣٦٢-٣٦٧. [١٦] النحو الوافي ٣/١٩٠. [١٧] الهمع ١/٢١٧. [١٨] انظر التريح ٢/٧٦. [١٩] الألفاظ اللغوية خصائصها وأنواعها للأستاذ عبد الحميد حسن ص٢٦ وما بعدها. [٢٠] المرجع السابق ٢٤- ٢٥. [٢١] المرجع السابق ٢٣. [٢٢] المصدر السابق ٢٣.

стр. 8992

نظرات في التمثيل البلاغي لفضيلة الدكتور/ محمود السيد شيخون الأستاذ المشارك بالجامعة الإسلامية تقديم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ... وبعد فهذه نظرات في التمثيل البلاغي قصدت من ورائها أن أكشف النقاب عن حقيقة هذا اللون البياني الجميل، وأن أميط اللثام عما ينطوي عليه من اللطائف والأسرار، وأن أتعرف على الشخصيات التي كان لها أثر في نموه وازدهاره، وتجلية محاسنه وأسراره. والله الكريم أسأل أن يجعل هذا الجهد المتواضع خالصا لوجهه الكريم، وأن يوفقنا دائما لخدمة لغة القرآن العظيم إنه سميع مجيب. وهو حسبي ونعم الوكيل. التمثيل في اللغة: المثل بالكسر والتحريك وكأمير الشبه وجمعه أمثال، وتمثل بالشيء ضربه مثلا، والأمثل الأفضل، والطريقة المثلى الأشبه بالحق وأمثلهم طريقة أعدلهم وأشبههم بأهل الحق وأعلمهم عند نفسه بما يقول، ومثله له تمثلا صوره له حتى كأنه ينظر إليه، وامتثله هو تصوره، وامتثل طريقته تبعها فلم يعدها [١] . التمثيل في التقديم: لقد كان مفهوم التمثيل عاماً عند القدماء من علماء البلاغة فقد أطلقوه على كثير من الصور البيانية كالاستعارة والمجاز والكناية والتشبيه الاصطلاحي فقدامة بن جعفر المتوفى سنة ٣٣٧ هـ جعله فرعاً من ائتلاف اللفظ مع المعنى ومثل له بأمثلة تشمل كثيراً من الألوان البلاغية [٢] وأبو هلال العسكري المتوفى سنة ٣٩٥ هـ تحدث عنه تحت اسم المماثلة وأورد له كثيراً من الشواهد الأدبية التي تشمل كثيرا من الصور البيانية كالتشبيه الاصطلاحي والكناية والمجاز والاستعارة [٣] وابن رشيق القيرواني المتوفى سنة ٤٦٣ هـ جعله ضربا من الاستعارة ومثل له بأمثلة أكثرها من قبيل الكناية والتشبيه الاصطلاحي [٤] .

стр. 8993

الفرق بين التمثيل والتشبيه الاصطلاحي: وظل مفهوم التمثيل عاما حتى جاء الإمام عبد القاهر الجرجاني المتوفى سنة ٤٧١ هـ فحدد مفهومه.. وفرق بينه وبين التشبيه الاصطلاحي وكشف النقاب عن بلاغته ثم تلاه السكاكي المتوفى سنة ٦٢٦ هـ والخطيب القزويني المتوفى سنة ٧٣٩ هـ، وهؤلاء الفرسان الثلاثة كانت لهم أياد بيضاء على هذا الفن البياني الجميل فقد عنوا بدراسته وإظهار محاسنه والكشف عن لطائفه وأسراره ووضع الحواجز الحصينة بينه وبين التشبيه الاصطلاحي، وإليك أيها القارئ الكريم آراء هؤلاء الفرسان في الفرق بين التمثيل والتشبيه الاصطلاحي. رأي الشيخ عبد القاهر الجرجاني.. قسم الشيخ عبد القاهر التشبيه من حيث وجه الشبه إلى قسمين:- أحدهما: تشبيه غير تمثيل.. وثانيهما: تشبيه تمثيل.. ثم أقام بينهما الحواجز الحصينة حتى لا يلتبس أحدهما بالآخر وهاك موجزاً معبراً عن رأيه [٥] . التشبيه غير التمثيلي:- هو ما كان وجه الشبه فيه أمرا بيناً بنفسه لا يحتاج فيه إلى تأول وصرف عن الظاهر لأن المشبه مشرك للمشبه به في نفس وجه الشبه وحقيقة جنسه لا في مقتضاه ولازمه. وذلك يتحقق في أمرين اثنين: الأول: أن يكون وجه الشبه حسيا أي مدركا بإحدى الحواس الخمس الظاهرة فيكون من المبصرات أو المسموعات أو المشمومات أو المذوقات أو الملموسات سواء أكان الوجه مفرداً أم مركبا.

стр. 8994

الثاني: أن يكون وجه الشبه غرزيا طبعيا (عقليا حقيقيا) فالغرائز والطباع وإن كانت عقلية لأنها لا تدرك بإحدى الحواس الخمس الظاهرة فقد ألحقها عبد القاهر بالحسيات لأنها حقائق متقررة ثابتة تعلمها في المشبه به كما تعلمها في المشبه فالشجاعة والجبن والكرم والبخل والذكاء والغباء والقوة والضعف والصبر والجزع وما إلى ذلك من الكيفيات النفسية حينما يكون واحد منها وجه شبه فالتشبيه المعقود عليه يكون كالتشبيه الذي يكون وجه الشبه فيه حسياً سواء بسواء. التشبيه التمثيلي: أما التشبيه التمثيلي عند عبد القاهر فهو ما لا يكون وجه الشبه فيه أمراً بيناً بنفسه بل يحتاج في تحصيله إلى تأول وصرف عن الظاهر لأن المشبه غير مشارك للمشبه به في حقيقة وجه الشبه الظاهري وجنسه بل في مقتضاه ولازمه. فإذا قلت (ألفاظ فلان كالعسل في الحلاوة) فإن (الحلاوة وجه شبه ظاهري فقط لأن المشبه به وهو العسل) يوصف بالحلاوة على سبيل الحقيقة بخلاف المشبه وهو (الألفاظ) فإنه لا يوصف بالحلاوة على سبيل الحقيقة ولذا يحتاج إلى التأول بإرادة ما تستلزمه الحلاوة من قبول النفس للشيء وحسن وقعه فيها، ولا كذلك الحسي، فالذي يشبه الأدهم [٦] بالغراب في السواد يرى السواد في المشبه كما يراه في المشبه به دون أن يحتاج إلى تأول بصرف اللفظ عن ظاهره. والخلاصة أن التشبيه التمثيلي عند عبد القاهر محصور في كل تشبيه كان وجه الشبه فيه عقلياً غير غرزي سواء أكان مفرد أم مركباً، وأن التشبيه غير التمثيلي محصور في كل تشبيه كان وجه الشبه فيه حسياً أو غرزياً سواء أكان مفرداً أم مركباً. رأي السكاكي: قسم السكاكي التشبيه من حيث وجه الشبه إلى: تشبيه تمثيلي، وتشبيه غير تمثيلي.. فالتشبيه التمثيلي عنده: ما كان وجه الشبه فيه مركباً عقلياً غير حقيقي [٧] . والتشبيه غير التمثيلي:

стр. 8995

ما كان وجه الشبه فيه على خلاف ذلك، وهذا صادق بالعقلي الحقيقي (الغرزي) والشأن فيه أن يكون مفرداً، وكذلك العقلي غير الحقيقي إذا كان مفرداً، وكذا جميع الحسيات مفردة كانت أم مركبة [٨] . رأى الخطيب القزويني [٩] : قسم الخطيب القزويني التشبيه من حيث وجه الشبه إلى: تشبيه تمثيلي، وتشبيه غير تمثيلي. فالتشبيه التمثيلي عنده: هو ما كان وجه الشبه فيه وصفا منتزعاً من متعدد أمرين أو أمور.. وهذا يتحقق في كل تشبيه يكون وجه المشبه فيه هيئة منتزعة من متعدد سواء أكان ذلك الوجه حسياً أم عقلياً. والتشبيه غير التمثيلي عنده: ما كان وجه الشبه فيه على خلاف ذلك. وهذا يتحقق في كل تشبيه يكون وجه الشبه فيه مفرداً سواء أكان الوجه حسياً أم عقلياً. أمثلة توضح آراء الفرسان الثلاثة السابقة قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأََرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأََنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [١٠] . شبه الله حال الدنيا في سرعة زوالها، وانقراض نعيمها بعد إقبالها، واغترار الناس بها، وركونهم إليها بحال نبات الأرض ذهبت نضرته فجأة فجف وصار حطاماً بعدما زها، والتف وتكاثف وزين الأرض بخضرته، وعم نفعه الإنسان والحيوان، واطمأن الناس إلى دنو ثمره، وظنوا أنه قد سلم من الجوائح. ووجه الشبه هو الهيئة الحاصلة من سرعة الزوال وانقراض النعيم بعد الإقبال وعموم النفع واغترار الناس به واعتمادهم عليه.

стр. 8996

وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [١١] . شبه الله حال أحبار اليهود وقد حملوا التوراة وقرأوها، وحفظوا ما فيها، ولم يعملوا بها ولا انتفعوا بآياتها بحال حمار يحمل أسفارا هي أوعية العلوم ومستودع ثمر العقول وهو جاهل بما فيها ولا حظ له منها إلا ما يكده ويتعبه. ووجه الشبه هو شقاء كل باستصحاب ما يتضمن المنافع العظيمة والفوائد الشريفة من غير أن يحصل على شيء من تلك المنافع أو يعود عليه بعض تلك الفوائد [١٢] . قال أبو تمام يمدح أحمد بن أبي داود وكان قد وشي به إليه فظهر كذب الواشي: طويت [١٣] أتاح لها لسان حسود وإذا أراد الله نشر فضيلة ما كان يعرف طيب عرف العود لولا اشتعال النار فيما جاورت شبه أبو تمام فضائله التي نشرتها الوشاية من المساوئ والأضرار برائحة العود تظهر النار طيبها مع ما في النار من الإحراق والإيذاء. ووجه الشبه الهيئة الحاصلة من ترتب النفع على محاولة الضرر. قال المتنبي من قصيدة له يعاتب فيها الدولة ويفتخر بنفسه: [١٤] ويكره الله ما تأتون والكرم كم تطلبون لنا عيبا فيعجزكم أنا الثريا وذان الشيب الهرم [١٥] ما أبعد العيب والنقصان عن شرفي مثل المتنبي حاله مع العيب والنقصان بحال الثريا مع الشيب والهرم فإذا كان يستحيل قيام هذين بالثريا، كذلك يستحيل قيام العيب والنقصان به. ووجه الشبه هو الهيئة الحاصلة من محاولة إلصاق شيء بشيء لا يناسبه. وقال الشاعر: من دونها للحادثات مصائد نهاية أهواء القلوب بعيدة ودون الذي يبغيه فخ وصائد فنحن كطير يبتغي الحب مسرعا

стр. 8997

شبه الشاعر حال الناس في الدنيا يجدون ويجتهدون في الوصول إلى آمالهم وأمانيهم فتقف الخطوب والأحداث في طريقهم، وتحول بينهم وبينها بحال الطير تسرع إلى التقاط الحب فيقف الفخ والصائد في طريقها ويحولان بينها وبين الحب. ووجه الشبه هو الطمع في الوصول إلى شيء محبوب مع وجود العوائق التي تمنع من الوصول إليه. إذا تأملنا هذه المجموعة من الشواهد نجد أن وجه الشبه فيها مركبا عقليا غير حقيقي، وبعرضها على آراء الفرسان الثلاثة السابقة نجد أن التشبيهات التي اشتملت عليها من قبيل التمثيل عند عبد القاهر والسكاكي والخطيب القزويني. قال ابن النبيه: كالروض تطفو على نهر أزاهره والليل تجرى الدراري في مجرته شبه الشاعر هيئة الليل تسبح فيه النجوم بهيئة الروض تطفو أزاهره على النهر. ووجه الشبه الهيئة الحاصلة من أجرام صغار بيض مستديرة متناثرة فوق شيء يميل لونه إلى السواد. قال الفرزدق: ليل يصيح بجانبيه نهار والشيب ينهض في المشيب كأنه فقد شبه هيئة ظهور الشيب في الشاب بهيئة ظهور الصبح في جوانب الليل. ووجه الشبه هو الهيئة الحاصلة من اختلاط البياض بالسواد. وقال الشاعر يصف الشمس وقت طلوعها: مرآة تبر بدت في كف مرتعش ولاحت الشمس تحكي عند مطلعها فقد شبه الشمس وقت طلوعها حيث تكون حمراء لامعة مضطربة بمرآة من ذهب تضطرب في كف ترتعش. ووجه الشبه هو الهيئة الحاصلة من وجود شيء أحمر لامع يهتز ويضطرب.. إذا تأملنا هذه المجموعة من الشواهد كما تأملنا المجموعة السابقة نجد أن وجه الشبه في كل منها هيئة حسية تدرك بالحواس الخمس الظاهرة وبعرضها على آراء الفرسان الثلاثة نجد أن ما احتوته من التشبيهات من قبيل التمثيل عند الخطيب القزويني فقط، أما عند عبد القاهر والسكاكي فهي ليست من قبيل التمثيل.

стр. 8998

قال بعضهم يصف حجة بالوضوح والانكشاف: "حجة كالشمس في الظهور"فشبه الحجة وهى مفرد عقلي بالشمس وهي مفرد حسي في وصف هو (الظهور) وبالنظر في هذا الوصف نجد أنه لا يصلح أن يكون وجه شبه لوجوده في المشبه به (الشمس) دون المشبه (الحجة) لأن الظهور من خواص المحسات، ووجه الشبه لابد من وجوده في الطرفين، ولذا احتيج إلى التأول بصرفه عن ظاهره وذلك بأن يراد مقتضاه ولازمه وهو (عدم المانع من الإدراك) وبذلك يكون مشتركا بين الطرفين. رأيي: إذا جاز لي أن أذكر رأيي في هذه المسألة فإني أرى أن هذه الآراء التي استعرضتها مع وجاهتها ورسوخ أقدام أصحابها في البلاغة العربية فيها شيء من القصور فعبد القاهر يقصر تشبيه التمثيل على ما كان الوجه فيه عقلياً غير غرزي سواء أكان مفرداً أم مركباً، وحجته في ذلك أن مثل هذا الوجه يحتاج في تحصيله إلى إعمال فكر وإلطاف رويّة وينفي التمثيل عما كان الوجه فيه حسياً مركباً مع أن هذا الوجه وإن كان مدركاً بالحواس إلا أن انتزاعه من الطرفين ونظمه في هيئة مركبة يحتاج إلى إعمال الفكر وإلطاف الروية كالوجه العقلي فينبغي أن يكون التشبيه المعقود عليه من قبيل التمثيل لكن عبد القاهر لم ينظمه في سلك التمثيل وهذا قصور منه. والسكاكي يخص التمثيل بما كان وجه الشبه فيه مركباً عقلياً، لأن هذا المركب يحتاج في الوصول إليه إلى إعمال الفكر وإرهاف الحس، وأهمل المركب الحسي كما أهمله عبد القاهر مع أنه مشارك للمركب العقلي في احتياجه إلى بذل الجهد والمشقة حتى يمكن تحصيله والعثور عليه. والخطيب القزويني أطلق اسم التمثيل على ما كان الوجه فيه مركباً سواء أكان حسياً أم عقلياً، وأهمل ما كان الوجه فيه مفرداً عقلياً غير غرزي مع أن هذا الوجه لا يمكن تحصيله والوصول إليه إلا بعد كد الذهن وإرهاف الحس، لأنه يستلزم صرف اللفظ عن ظاهره وإرادة مقتضاه ولازمه كما أشرنا إلى ذلك فيما سبق.

стр. 8999

وإذا تأملنا حديث هؤلاء الفرسان عن التمثيل والتشبيه فإننا نراهم يعتمدون في إيضاح الفرق بينهِما على احتياج الوجه إلى بذل الجهد والمشقة وعدم احتياجه إلى ذلك.. فإذا كان الطريق إليه سهلاً ميسوراً لوضوحه وقربه سموا التشبيه المعقود عليه (تشبيهاً غير تمثيلي) وإذا كان الطريق إليه وعراً لدقته وبعده سموا التشبيه المعقود عليه (تشبيهاً تمثيلياً) وإذا كان الأمر كذلك فينبغي أن يكون الفرق بينهما على النحو التالي: التمثيل: هو ما كان الوجه فيه دقيقاً لا يدركه ولا يفطن إليه إلا أصحاب الأذواق السليمة الذين ارتفعوا عن طبقة العامة. وهذا يتحقق في: (أ) ما كان وجه الشبه فيه مفرداً عقليا غير غرزي. (ب) ما كان وجه الشبه فيه مركباً عقلياً. (ج) ما كان وجه الشبه فيه مركباً حسياً. التشبيه: ما كان وجه الشبه فيه واضحاً بيناً لا يحتاج إلى إعمال فكر وإلطاف روية. وهذا يتحقق في: (أ) ما كان وجه الشبه فيه مفرداً حسياً. (ب) ما كان وجه الشبه فيه عقلياً حقيقيا [١٦] . من أسرار التمثيل.. إن من يمعن النظر في أسلوب التمثيل في لغة القران العظيم يتضح له أنه ينطوي على كثير من اللطائف والأسرار التي تحرك الأحاسيس والمشاعر وتهز العواطف، فهو أسلوب قد أحسن استخدامه على أتم وجه، ومن ثم فإنه يؤدي دوره وهو متمكن من نفسه ثم من نفوس السامعين فنجده يؤثر تأثيراً قوياً في النفوس، ويبرز المعقول في صورة مجسمة، ويلبس المعنوي ثوب المحسوس، ويفصل المجمل، ويوضح المبهم، ويصيب المعنى. ولأجل هذا التف حوله الأدباء، فأصبح الميدان الفسيح الذي يتنافسون فيه لإظهار مواهبهم، والوسيلة المثلى التي ترنو إليها أبصارهم وحولها تهفو أمانيهم، ليستعينوا بها في إبراز صدورهم الأدبية منيرة موحية معبرة في قوة ووضوح عن المعنى الذي يسيطر على المقام.

стр. 9000

يقول العلامة أبو السعود في تفسيره: ".. والتمثيل ألطف ذريعة إلى تسخير الوهم للعقل، واستنزاله من مقام الاستعصاء عليه، وأقوى وسيلة إلى تفهيم الجاهل الغبي، وقمع سورة الجامح الأبي، كيف لا؟ وهو رفع الحجاب عن وجوه المعقولات الخفية، وإبراز لها في معرض المحسوسات الجلية، وإبداء للمنكر في صورة المعروف وإظهار للوحشي في هيئة المألوف". ويقول الزمخشري: "التمثيل إنما يصار إليه لكشف المعاني وإدناء المتوهم من المشاهد، فإن كان المتمثل له عظيماً كان المتمثل به مثله، وإن كان صغيرا كان المتمثل به كذلك". وقال الأصبهاني: لضرب العرب الأمثال واستحضار العلماء المثال والنظائر شيء ليس بالخفي في إبراز خفيات الدقائق ورفع الأستار عن الحقائق تريك به المتخيل في صورة المتحقق والمتوهم في معرض المتيقن والغائب كأنه مشاهد، وفي ضرب الأمثال تبكيت للخصم الشديد الخصومة، وقمع لسورة الجامح الأبي فإنه يؤثر في القلوب ما لا يؤثر وصف الشيء في نفسه.. ولذلك أكثر الله تعالى في كتابه وفي سائر كتبه الأمثال، ومن سور الإنجيل سورة تسمى سورة الأمثال، وفشت في كلام النبي ﷺ وفي كلام الأنبياء والحكماء. وقال ابن المقفع: "إذا جعل الكلام مثلاً كان أوضح للمنطق، وآنق للسامع، وأوسع لشعوب الحديث.." وقال إبراهيم النظام: "يجتمع في المثل أربعة لا تجتمع في غيره من الكلام: إيجاز اللفظ، وإصابة المعنى، وحسن التشبيه، وجودة الكناية، فهو نهاية البلاغة".
следующие страницы →