Полный текст (23 804 стр.). Показаны 8996–9035 · переход к 9001.
стр. 8996
وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [١١] .
شبه الله حال أحبار اليهود وقد حملوا التوراة وقرأوها، وحفظوا ما فيها، ولم يعملوا بها ولا انتفعوا بآياتها بحال حمار يحمل أسفارا هي أوعية العلوم ومستودع ثمر العقول وهو جاهل بما فيها ولا حظ له منها إلا ما يكده ويتعبه.
ووجه الشبه هو شقاء كل باستصحاب ما يتضمن المنافع العظيمة والفوائد الشريفة من غير أن يحصل على شيء من تلك المنافع أو يعود عليه بعض تلك الفوائد [١٢] .
قال أبو تمام يمدح أحمد بن أبي داود وكان قد وشي به إليه فظهر كذب الواشي:
طويت [١٣] أتاح لها لسان حسود
وإذا أراد الله نشر فضيلة
ما كان يعرف طيب عرف العود
لولا اشتعال النار فيما جاورت
شبه أبو تمام فضائله التي نشرتها الوشاية من المساوئ والأضرار برائحة العود تظهر النار طيبها مع ما في النار من الإحراق والإيذاء.
ووجه الشبه الهيئة الحاصلة من ترتب النفع على محاولة الضرر.
قال المتنبي من قصيدة له يعاتب فيها الدولة ويفتخر بنفسه: [١٤]
ويكره الله ما تأتون والكرم
كم تطلبون لنا عيبا فيعجزكم
أنا الثريا وذان الشيب الهرم [١٥]
ما أبعد العيب والنقصان عن شرفي
مثل المتنبي حاله مع العيب والنقصان بحال الثريا مع الشيب والهرم فإذا كان يستحيل قيام هذين بالثريا، كذلك يستحيل قيام العيب والنقصان به.
ووجه الشبه هو الهيئة الحاصلة من محاولة إلصاق شيء بشيء لا يناسبه.
وقال الشاعر:
من دونها للحادثات مصائد
نهاية أهواء القلوب بعيدة
ودون الذي يبغيه فخ وصائد
فنحن كطير يبتغي الحب مسرعا
стр. 8997
شبه الشاعر حال الناس في الدنيا يجدون ويجتهدون في الوصول إلى آمالهم وأمانيهم فتقف الخطوب والأحداث في طريقهم، وتحول بينهم وبينها بحال الطير تسرع إلى التقاط الحب فيقف الفخ والصائد في طريقها ويحولان بينها وبين الحب.
ووجه الشبه هو الطمع في الوصول إلى شيء محبوب مع وجود العوائق التي تمنع من الوصول إليه.
إذا تأملنا هذه المجموعة من الشواهد نجد أن وجه الشبه فيها مركبا عقليا غير حقيقي، وبعرضها على آراء الفرسان الثلاثة السابقة نجد أن التشبيهات التي اشتملت عليها من قبيل التمثيل عند عبد القاهر والسكاكي والخطيب القزويني.
قال ابن النبيه:
كالروض تطفو على نهر أزاهره
والليل تجرى الدراري في مجرته
شبه الشاعر هيئة الليل تسبح فيه النجوم بهيئة الروض تطفو أزاهره على النهر.
ووجه الشبه الهيئة الحاصلة من أجرام صغار بيض مستديرة متناثرة فوق شيء يميل لونه إلى السواد.
قال الفرزدق:
ليل يصيح بجانبيه نهار
والشيب ينهض في المشيب كأنه
فقد شبه هيئة ظهور الشيب في الشاب بهيئة ظهور الصبح في جوانب الليل.
ووجه الشبه هو الهيئة الحاصلة من اختلاط البياض بالسواد.
وقال الشاعر يصف الشمس وقت طلوعها:
مرآة تبر بدت في كف مرتعش
ولاحت الشمس تحكي عند مطلعها
فقد شبه الشمس وقت طلوعها حيث تكون حمراء لامعة مضطربة بمرآة من ذهب تضطرب في كف ترتعش.
ووجه الشبه هو الهيئة الحاصلة من وجود شيء أحمر لامع يهتز ويضطرب..
إذا تأملنا هذه المجموعة من الشواهد كما تأملنا المجموعة السابقة نجد أن وجه الشبه في كل منها هيئة حسية تدرك بالحواس الخمس الظاهرة وبعرضها على آراء الفرسان الثلاثة نجد أن ما احتوته من التشبيهات من قبيل التمثيل عند الخطيب القزويني فقط، أما عند عبد القاهر والسكاكي فهي ليست من قبيل التمثيل.
стр. 8998
قال بعضهم يصف حجة بالوضوح والانكشاف: "حجة كالشمس في الظهور"فشبه الحجة وهى مفرد عقلي بالشمس وهي مفرد حسي في وصف هو (الظهور) وبالنظر في هذا الوصف نجد أنه لا يصلح أن يكون وجه شبه لوجوده في المشبه به (الشمس) دون المشبه (الحجة) لأن الظهور من خواص المحسات، ووجه الشبه لابد من وجوده في الطرفين، ولذا احتيج إلى التأول بصرفه عن ظاهره وذلك بأن يراد مقتضاه ولازمه وهو (عدم المانع من الإدراك) وبذلك يكون مشتركا بين الطرفين.
رأيي:
إذا جاز لي أن أذكر رأيي في هذه المسألة فإني أرى أن هذه الآراء التي استعرضتها مع وجاهتها ورسوخ أقدام أصحابها في البلاغة العربية فيها شيء من القصور فعبد القاهر يقصر تشبيه التمثيل على ما كان الوجه فيه عقلياً غير غرزي سواء أكان مفرداً أم مركباً، وحجته في ذلك أن مثل هذا الوجه يحتاج في تحصيله إلى إعمال فكر وإلطاف رويّة وينفي التمثيل عما كان الوجه فيه حسياً مركباً مع أن هذا الوجه وإن كان مدركاً بالحواس إلا أن انتزاعه من الطرفين ونظمه في هيئة مركبة يحتاج إلى إعمال الفكر وإلطاف الروية كالوجه العقلي فينبغي أن يكون التشبيه المعقود عليه من قبيل التمثيل لكن عبد القاهر لم ينظمه في سلك التمثيل وهذا قصور منه.
والسكاكي يخص التمثيل بما كان وجه الشبه فيه مركباً عقلياً، لأن هذا المركب يحتاج في الوصول إليه إلى إعمال الفكر وإرهاف الحس، وأهمل المركب الحسي كما أهمله عبد القاهر مع أنه مشارك للمركب العقلي في احتياجه إلى بذل الجهد والمشقة حتى يمكن تحصيله والعثور عليه. والخطيب القزويني أطلق اسم التمثيل على ما كان الوجه فيه مركباً سواء أكان حسياً أم عقلياً، وأهمل ما كان الوجه فيه مفرداً عقلياً غير غرزي مع أن هذا الوجه لا يمكن تحصيله والوصول إليه إلا بعد كد الذهن وإرهاف الحس، لأنه يستلزم صرف اللفظ عن ظاهره وإرادة مقتضاه ولازمه كما أشرنا إلى ذلك فيما سبق.
стр. 8999
وإذا تأملنا حديث هؤلاء الفرسان عن التمثيل والتشبيه فإننا نراهم يعتمدون في إيضاح الفرق بينهِما على احتياج الوجه إلى بذل الجهد والمشقة وعدم احتياجه إلى ذلك.. فإذا كان الطريق إليه سهلاً ميسوراً لوضوحه وقربه سموا التشبيه المعقود عليه (تشبيهاً غير تمثيلي) وإذا كان الطريق إليه وعراً لدقته وبعده سموا التشبيه المعقود عليه (تشبيهاً تمثيلياً) وإذا كان الأمر كذلك فينبغي أن يكون الفرق بينهما على النحو التالي:
التمثيل: هو ما كان الوجه فيه دقيقاً لا يدركه ولا يفطن إليه إلا أصحاب الأذواق السليمة الذين ارتفعوا عن طبقة العامة.
وهذا يتحقق في:
(أ) ما كان وجه الشبه فيه مفرداً عقليا غير غرزي.
(ب) ما كان وجه الشبه فيه مركباً عقلياً.
(ج) ما كان وجه الشبه فيه مركباً حسياً.
التشبيه: ما كان وجه الشبه فيه واضحاً بيناً لا يحتاج إلى إعمال فكر وإلطاف روية. وهذا يتحقق في:
(أ) ما كان وجه الشبه فيه مفرداً حسياً.
(ب) ما كان وجه الشبه فيه عقلياً حقيقيا [١٦] .
من أسرار التمثيل..
إن من يمعن النظر في أسلوب التمثيل في لغة القران العظيم يتضح له أنه ينطوي على كثير من اللطائف والأسرار التي تحرك الأحاسيس والمشاعر وتهز العواطف، فهو أسلوب قد أحسن استخدامه على أتم وجه، ومن ثم فإنه يؤدي دوره وهو متمكن من نفسه ثم من نفوس السامعين فنجده يؤثر تأثيراً قوياً في النفوس، ويبرز المعقول في صورة مجسمة، ويلبس المعنوي ثوب المحسوس، ويفصل المجمل، ويوضح المبهم، ويصيب المعنى.
ولأجل هذا التف حوله الأدباء، فأصبح الميدان الفسيح الذي يتنافسون فيه لإظهار مواهبهم، والوسيلة المثلى التي ترنو إليها أبصارهم وحولها تهفو أمانيهم، ليستعينوا بها في إبراز صدورهم الأدبية منيرة موحية معبرة في قوة ووضوح عن المعنى الذي يسيطر على المقام.
стр. 9000
يقول العلامة أبو السعود في تفسيره: ".. والتمثيل ألطف ذريعة إلى تسخير الوهم للعقل، واستنزاله من مقام الاستعصاء عليه، وأقوى وسيلة إلى تفهيم الجاهل الغبي، وقمع سورة الجامح الأبي، كيف لا؟ وهو رفع الحجاب عن وجوه المعقولات الخفية، وإبراز لها في معرض المحسوسات الجلية، وإبداء للمنكر في صورة المعروف وإظهار للوحشي في هيئة المألوف".
ويقول الزمخشري: "التمثيل إنما يصار إليه لكشف المعاني وإدناء المتوهم من المشاهد، فإن كان المتمثل له عظيماً كان المتمثل به مثله، وإن كان صغيرا كان المتمثل به كذلك".
وقال الأصبهاني: لضرب العرب الأمثال واستحضار العلماء المثال والنظائر شيء ليس بالخفي في إبراز خفيات الدقائق ورفع الأستار عن الحقائق تريك به المتخيل في صورة المتحقق والمتوهم في معرض المتيقن والغائب كأنه مشاهد، وفي ضرب الأمثال تبكيت للخصم الشديد الخصومة، وقمع لسورة الجامح الأبي فإنه يؤثر في القلوب ما لا يؤثر وصف الشيء في نفسه..
ولذلك أكثر الله تعالى في كتابه وفي سائر كتبه الأمثال، ومن سور الإنجيل سورة تسمى سورة الأمثال، وفشت في كلام النبي ﷺ وفي كلام الأنبياء والحكماء.
وقال ابن المقفع: "إذا جعل الكلام مثلاً كان أوضح للمنطق، وآنق للسامع، وأوسع لشعوب الحديث.."
وقال إبراهيم النظام:
"يجتمع في المثل أربعة لا تجتمع في غيره من الكلام:
إيجاز اللفظ، وإصابة المعنى، وحسن التشبيه، وجودة الكناية، فهو نهاية البلاغة".
стр. 9001
وقال عبد القاهر الجرجاني [١٧] : "واعلم أن مما اتفق عليه العقلاء أن التمثيل إذا جاء في أعقاب المعاني أو برزت هي باختصار في معرضه ونقلت عن صورها الأصلية إلى صورته، كساها أبهة وكسبها منقبة، ورفع من أقدارها وشب من نارها، وضاعف قواها في تحريك النفوس لها، ودعا القلوب إليها، واستثار لها من أقاصي الأفئدة صبابة وكلفا، وقسر الطباع على أن تعطيها محبة وشغفا.
فإن كان مدحا كان أبهى وأفخم، وأنبل في النفوس وأعظم، وأهز للعطف وأسرع للإلف، وأجلب للفرح، وأغلب على الممتدح، وأوجب شفاعة للمادح، وأقضى له بغر المواهب والمنائح، وأسير على الألسن وأذكر، وأولى بأن تعلقه القلوب وأجدر.
وإن كان ذما كان مسه من أوجع وميسمه ألذع، ووقعه أشد، وحده أحد؛ وإن كان حجاجاً كان برهانه أنور، وسلطانه أقهر، وبيانه أبهر.
وإن كان افتخاراً كان شأوه أبعد وشرفه أجد ولسانه ألد.
وإن كان اعتذاراً كان إلى القبول أقرب، وللقبول أخلب، وللسخائم أسل، ولغرب الغضب أفل، وفي عقد العقود أنفث، وعلى حسن الرجوع أبعث وإن كان وعظا كان أشفى للصدر، وأدعى للفكر، وأبلغ في التنبيه والزجر وأجدر بأن يجلي الغيابة، ويبصر الغاية، ويبرئ العليل، ويشفى الغليل.."
وخلاصة القول أن التمثيل يشتمل على كثير من الأسرار منها:
١- قوة التأثير..
٢- إبراز المعقول في صورة مجسمة.
٢- إلباس المعنوي ثوب المحسوس.
٤- الإيجاز..
٥- الإيضاح..
٦- إصابة المعنى..
٧- رفع الأستار عن الحقائق..
٨- تقريب المراد للعقل وعرضه في صورة مشوقة.
وهاك بعض الأمثلة التي توضح هذه الأسرار وتجليها:
قال ابن الرومي يصور وعد رجل مخلاف بشجر الخلاف:
وأبى بعد ذلك بذل العطاء
بذل الوعد للأخاء سمحا
ـن ويأبى الإثمار كل الإباء [١٨]
فغدا كالخلاف يورق للعيـ
стр. 9002
مثل حال من يبذل الوعود السخية ثم لا يتبعها بالتنفيذ، بشجر الخلاف يورق الأوراق الكثيرة، ثم يأبى أن يجود بالثمر.
ووجه الشبه هو (الهيئة الحاصلة من حسن المنظر مع سوء المخبر)
قال ابن التلميذ:
تسعفه النفس وهو يعسفها
أشكو إلى الله صاحبا شكا
تكسبه النور وهو يكسفها [١٩]
فنحن كالشمس والهلال معا
مثل حاله يحسن إليه فيقابل إحسانه بالإساءة بحال الشمس مع الهلال تمده بالنور وهو يكسفها، ووجه الشبه هو (الهيئة الحاصلة من مقابلة الإحسان بالإساءة) .
قال الطغرائي:
لي أسوة بانحطاط الشمس عن زحل [٢٠]
وإن علاني من دوني فلا عجب
مثل حاله وقد علاه من دونه في الفضل والمنزلة بحال الشمس مع زحل يعلوها وهي أسمى منه منزلة، وأرفع مكانة.
ووجه الشبه هو (الهيئة الحاصلة من شيء يعلوه شيء آخر أقل منه نفعا وأدنى مرتبة) .
وقال ابن لنكك:
رأيت صورته من أقبح الصور
إذا أخو الحسن أضحى فعله سمجا
نفر منها إذا مالت إلى الضرر
وهبك كالشمس في حسن ألم ترنا
مثل حال الإنسان البهي الطلعة إذا قبح فعله، فنفر منه الناس وتجنبوه، بحال الشمس إذا اشتد حرها فنفر منها الناس وتقوها.
ووجه الشبه هو (الهيئة الحاصلة من الشيء الحسن إذا اقترن به الأذى والضرر) .
وقال عمر بن لجا التميمي في مدح آل المهلب بن أبي صفرة:
ما حازه عربي لا، ولا كادا
آل المهلب قوم خولوا شرفا
بما احتكمت من الدنيا لما حادا
لو قيل للمجد حد عنهم وخلهم
مثل المكارم تحل في آل المهلب لا تعدل عنهم بالأرواح تحل في الأجساد، لا غنى لها عنها. ووجه الشبه هو (الهيئة الحاصلة من حلول شيء في شيء لا غنى له عنه)
وقال النابغة من قصيدة له يعتذر فيها للنعمان بن المنذر:
إذا طلعت لم يبد منهن كوكب
فإنك شمس والنجوم كواكب
стр. 9003
مثل حاله مع الملوك في تفوقه عليهم في القوة وسعة الملك والسلطان وتغطيته عليهم بحال الشمس مع الكواكب، وأنها إذا طلعت لا يبدو من الكواكب شيء لشدة ضيائها.
ووجه الشبه هو (الهيئة الحاصلة من التفوق الظاهر للشيء على غيره) .
قال أبو إسحاق الغزي:
ما لهذا المنحني الظهر ومالي
لست أنسى قول سلمى ذات يوم
وكسوف الشمس من قرب الهلال
أنا شمس في الضحى وهو هلال
فقد مثلت حالها مع هذا المنحني الظهر يسيء إليها إذا اقترب منها بحال الشمس مع الهلال إذا اقترب منها أصابها بالكسوف..
ووجه الشبه هو (الهيئة الحاصلة من شيء إذا اقترب من شيء آخر أساء إليه) .
قال مروان بن سليمان بن يحي بن أبى حفصة يهجو قوماً من رواة الشعر بأنهم لا يميزون جيده من رديئه على كثرة استكثارهم من روايته:
بجيدها إلا كعلم الأباعر
زوامل للأشعار لا علم عندهم
بأوساقه أرواح ما في الغرائر [٢١] .
لعمرك ما يدرى البعير إذا غدا
مثل رواة الشعر الذين يستكثرون من حفظه، ثم لا يميزون بين الجيد منه والرديء بالأباعر التي تحمل الأوثاق والغرائر غادية ورائحة، وهي لا تدري ما في داخلها.
ووجه الشبه هو (الهيئة الحاملة من تحمل التعب في استصحاب الشيء مع جهله) .
قال بعض الشعراء:
ولا ندري متى يرد الحمام [٢٢]
يجد بنا الزمان ونحن نلهو
يمر بنا.. كما مر الغمام
ويخدعنا الهوى في ظل عيش
تسير بهم وهم فيها نيام
كركب سفينة في لج بحر
مثل حال الناس في الدنيا يخدعهم الهوى ويلهيهم الأمل، وتغرهم الدنيا بزخرفها ومتاعها، فيعيشون في غفلة، فلا يحسون بالأيام وهي تسرع بهم إلى نهايتهم التي يجهلونها بحال أناس ركبوا سفينة، ثم ناموا فهي تسير بهم وهم لا يحسون بها.
ووجه الشبه هو (الهيئة الحاصلة من الغفلة وعدم الإحساس والجهل بالنهاية) .
стр. 9004
قال التهامي:
سيل طغى فطغى على النوار [٢٣]
والصبح قد عمر النجوم كأنه
مثل هيئة الصبح وقد غطى النجوم بضيائه بهيئة سيل طغى على أزهار بيضاء فسترها وغطاها.
ووجه الشبه هو (الهيئة الحاصلة من شيء يغطي شيئا آخر ويستره) ..
قال عبد المطلب مفتخرا:
كالنوم ليس مأوى سوى المقل
لا ينزل المجد إلا في منازلنا
مثل المجد يحل في منازل قومه، لا يعدل عنها بالنوم يحل في المقل لا غنى له عنها. ووجه الشبه هو (الهيئة الحاصلة من حلول شيء في شيء لا غنى له عنه) .
قال الشاعر:
فالطير يرقص مذبوحا من الألم
لا تحسبوا أن رقصي بينكم طربا
مثل حاله يظهر السرور ويخفي الألم بحال الطير المذبوح يرقص من شدة الألم.
ووجه الشبه هو (الهيئة الحاصلة من الشيء يخالف ظاهره باطنه)
قال الشاعر:
ولا يمنع الأسلاب منكم مقاتل
رأيتكم تبدون للحرب عدة
ولا يمنع الخراف ما هو حامل [٢٤]
فأنتم كمثل النخل يشرع شوكه
مثل حالهم وقد أعدوا العدة للحرب، ولم يمنعوا العدو من السلب بحال النخل تشرع شوكها ولا تمنع الخراف من جني ثمارها.
ووجه الشبه هو (الهيئة الحاصلة من الشيء يملك وسائل الدفاع، ولا يستعملها) .
قال الحسن بن هانئ:
له عن عدو في ثياب صديق
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت
مثل حال الدنيا تغر وتخدع بزينتها، وتؤلم وتفجع بفعلها بحال عدو يرتدي ثياب صديق فيظهر المودة ويضمر السوء.
ووجه الشبه هو (الهيئة الحاصلة من الشيء يخالف ظاهره باطنه..) .
قال ابن طبا طبا:
نجاة من البأساء بعد وقوع
كأن انتضاء البدر من تحت غيمه
مثل هيئة البدر وهو يخرج من تحت الغيم بهيئة إنسان يخرج من شدة وقع فيها.
ووجه الشبه هو (الهيئة الحاصلة من الخروج من حالة سيئة إلى حالة حسنة) .
стр. 9005
إذا أمعنا النظر في التشبيهات التمثيلية التي مضت نجدها قد رفعت الأستار عن الحقائق فأرتنا المتوهم متيقنا والمتخيل متحققا، وألبست المعنوي ثوب المحسوس، وأبرزت المعقولات في صدور مجسمة، فقربتها من العقول، وجعلتها مشاهدة ملموسة، ليست موضع شك ولا ارتياب، وقد كشفت عن ملامح الخبيئات، وعبرت بكلمات قليلات عما لا يمكن التعبير عنه إلا بآلاف الكلمات، وصورت فأجادت وأبدعت، وأكسبت المعاني النبل والشرف، وفعلت في النفوس فعل السحر.
مع التمثيل في القرآن الكريم
لقد تعرضنا فيما سبق لبعض صور التمثيل في الشعر، ووضحنا ما تنطوي عليه من اللطائف والأسرا ر.
ولكننا إذا جئنا إلى التمثيل في القرآن وجدنا أسلوبا فوق طاقة البشر، ووجدنا تصويرا فنياً عجيباً يعجز عن إدراك شأوه أساطين البيان، وتسجد له البلاغة في أسمى معانيها، وإنما كان التمثيل بهذه المثابة وتلك المنزلة لاشتماله على خصائص فنية لا توجد في غيره.
خصائص التمثيل في القرآن:
من هذه الخصائص الفنية:
١- تماسك الصور التمثيلية في القرآن تماسكاً شديداً يجعلها بحيث لو حاولنا فصل أحد الأجزاء لا نفرط عقد الصورة، وانتثرت معالم الجمال فيها، ومن هنا نرى القوة البيانية متمثلة في إعطاء الفكرة عن طريق الصورة التمثيلية مركبة الأجزاء، والعجيب في ذلك أن التمثيل نفسه لم يأت عبثاً، ولكننا نراه يجيء عقب فكرة يراد توضيحها، وتمكينها في ذهن السامع، هذا لما نعلمه من أن الحجة لا تقام إلا بعد طرح الدعوى وبسط الفكرة.
تأمل قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [٢٥] .
فقد يتوهم أن المعنى يفهم لو اقتصر في التشبيه على قوله: مثلهم كمثل الحمار الذي لا يعقل.
стр. 9006
ولكن الصورة تزداد قوة والتصاقاً حين يقرن بقية أجزائها إليها من حمل الأسفار، وعدم الفقه بما فيها، واعتقاد أنها كبقية الأحمال التي تثقل الكاهل وتجهد القوي، وذلك في جميع أبعاده يطابق حال اليهود وقد منحوا التوراة لتكون لهم نبعا يستقون منه الحكمة والهداية، ولكنهم يحملونها بإثقال سواعدهم بها دون أن يتدبروها، كأن على قلوبهم الأقفال [٢٦] ..
فتمام الصورة لا يحصل إلا بتجميع كل هذه الأجزاء، وإلصاق كل تلك القيود ومن هنا تبرز الصورة قوية التعبير صادقة الأداء.
وتأمل قوله تعالى: في تصوير نفرة الكفار من الدعوة الإسلامية:
﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ [٢٧]
فقد يظن أيضا قصير النظر أنه كان يمكن الاكتفاء في تصوير حالتهم بوصفهم بالحمر، ولكن المراد غير ذلك، فالمشركون لا يريدون إعمال عقولهم في خلق السماوات والأرض ليهتدوا إلى الخالق، وهم - في الوقت نفسه - لا يستجيبون إلى الداعي، بل كلما عرض عليهم من دعوته ابتعدوا عنه مسرعين، وكأن في أعماقهم شيئا يحثهم على الهرب منه والابتعاد الخاطف من طريق دعوته.
هذه الحالة لا تكفي لها حالة الحمر، وإنما تقتضي كون هذه الحمر مستنفرة مدفوعة- من نفسها أو من غيرها- إلى العدو الجبان، ثم تزداد الصورة وضوحاً، وتمكنا من النفس عندما يلحق بها جزئية الفرار من أسد هصور يطلبها طعاما لأنيابه ومخالبه، فنجدها تتفرق في كل مكان هائمة على وجهها، والخوف الشديد يملأ صدورها.. فهذا أبلغ تصوير لإعراض الكافرين عن الدعوة، وهو في الوقت نفسه بعث للنفس العاقلة على السخرية منهم [٢٨] .
٢- انتقاء ألفاظ التمثيل في القرآن، واختيارها اختياراً مناسباً للمعنى، معطياً كل ما يتطلبه المقام ومن هنا كان التمثيل في القرآن موحياً مشعاً لا يكاد ينقر حبات القلوب حتى يؤثر فيها بطريقة فنية ونفسية عجيبة.
стр. 9007
أنظر إلى القرآن العظيم حينما يستخدم أسلوب التمثيل في تصوير فناء هذا العالم، ودمار تلك الحياة التي يظن أصحابها أنها باقية خالدة لا شيء بعدها.
﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأََمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [٢٩] .
﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً﴾ [٣٠] .
﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً﴾ [٣١] .
فهذه آيات ثلاث ترمي إلى هدف واحد، وهو عدم الثقة في الحياة الدنيا إلى حد اعتبارها خالدة، وأنه لا حياة بعدها، ولكن الأسلوب تجده قد اختلف بعضه عن بعض في درجات متفاوتة ولكنها تمثل جميعاً قمة التعبير الأدبي عن هذا المعنى الخالد.
يقول الدكتور أحمد بدوي عن بلاغة هذه الآيات الثلاث: [٣٢] .
стр. 9008
"ولجأ القرآن إلى التشبيه يصور به فناء هذا العالم الذي نراه مزدهراً أمامنا عامراً بألوان الجمال، فيخيل إلينا استمراره وخلوده، فيجد القرآن في الزرع يرتوي من الماء، فيصبح بهيجاً نضراً يعجب رائيه، ولكنه لا يلبث أن يذبل ويصفر، ويصبح هشيماًَ تذروه الرياح - يجد القرآن في ذلك شبهاً لهذه الحياة، ولقد أوجز القرآن مرة في هذا التشبيه، وأطنب أخرى ليستقر معناه في النفس، ويحدث أثره في القلب فقال مرة: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً..﴾ وقال مرة أخرى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً﴾ وقال مرة ثالثة: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ .
стр. 9009
وانظر إلى القرآن العظيم حينما يتخذ أسلوب التمثيل وسيلة إلى التغلغل في أعماق المنافقين فيكشف عن منازعهم ونوازعهم، ويبين خوالجهم ونبضاتهم، ويميط اللثام عن أدق حالاتهم وأحوالهم، ويلون سلوكهم ومشاربهم فها هو ذا- في أول سوره الطوال سورة البقرة- يحلل اتجاهاتهم، ويرسم بأسلوبه المشرق الأخاذ صورة تنبض بما يجيش في أعماقهم، وتومي إلى ما حاولوا الحفاظ عليه، وتفضح ما خفي من نقائصهم ونقائضهم.
﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ. اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ. أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ. مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ. صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [٣٣] .
стр. 9010
هذا لون من المنافقين آتاهم الله دينا فيه هداية، وشريعة فيها صلاح وفلاح، فآمنوا إيمان ظاهريا، وعطلوا عقولهم، وألغوا تفكيرهم، ولم ينتفعوا بما جاءهم، ولم يقتفوا نهج من سلفهم، وكانوا أمة وحدهم، فابتكروا لأنفسهم منازع واتجاهات انحرفت بهم عن السنن الظاهر والحجة الواضحة، ولم يكتشفوا أنفسهم والهدي القائم بينهم والخير السائد فيهم، والنور الغامر لمن حولهم من المؤمنين الخالصين، فعموا عن ذلك كله وصموا، وضربوا صفحات عن هدي الله، وجعلوا بينهم وبين النور حجابا منيعا وسدا صلبا، فعاشوا بمعزل عن الحق وبمنأى عن الضياء، يهيمون في ديجور من الضلال وفي صلبا، فعاشوا بمعزل عن الحق وبمنأى عن الضياء، يهيمون في ديجور من الضلال وفي متاهة الباطل، لم ينعموا بما نعم له مخلصو المؤمنين من خير ونور وهدى.. مثل هؤلاء الصم البكم العمي في نفاقهم كمثل الذي استوقد نارا لينتفع بها في ليله الحالك فلما أضاءت النار ما حوله فرأى الضياء والسناء، سرعان ما أطفأها مطر شديد ذو ريح عاصف أخمد أوارها، وبدد لهيبها، فتحير وتخبط في الظلمات لا يدري ما يتجنبه ولا ما يتقيه.
﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ. يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [٣٤] .
стр. 9011
وهذا صنف آخر من المنافقين كان فيهم بقية من رجاء ورمق من حياة أصاخوا بحواسهم ومشاعرهم إلى صوت الإيمان الحق، فاستجابوا له وآمنوا به.. ثم ساروا في طريق الله، يقتبسون أحيانا من نور التعاليم الإلهية، وتضيء سبيلهم معالم الشريعة ونور الحقيقة، ويسيرون خطوات ثم تتهاوى أقدامهم وتتعثر خطاهم، وتغشى بصائرهم، وتزيغ أبصارهم وينتكسون عندما يحكمون عقولهم، وتطغى عليهم تقاليد موروثة، وتعتلج في نفوسهم رواسب عفنة، فتهيج وتحيد بهم عن الجادة، وتنحرف بهم عن الصراط المستقيم.
يمثل القرآن حالة هذا الصنف الذي آمن ثم نكص، والذي انتفع آونة بإسلامه ثم آض إلى ما كان عليه بحال قوم كانوا يسيرون في مهمة متسع، وفي فلاة فسيحة، يلفهم فيها ظلام الليل الحالك، فوقفوا حيث يلتمسون النجاة ولا سبيل إليها.. ثم نزل بهم مطر غزير فيه رعد وبرق وصواعق، وقصف الرعد ولمع البرق، ودوت الصواعق.. وبين دفقات الخوف، ودفعات الرجاء يمشون خطوات في ضوء البرق الخاطف، ثم يذهب البرق ويذهب معه الضوء ويطبق عليهم الظلام وتحيط بهم العتمة، فيقفون في مكانهم، ويقيمون على حيرتهم ومخاوفهم مجترين أوهامهم وضلالاتهم..
ويقيمون على حيرتهم ومخاوفهم مجتردين أوهامهم وضلالاتهم..
وبهذا التمثيل الرائع أظهر القرآن للمؤمنين أن المنافقين في كل عصر وآن متفاوتون، ليسوا على شاكلة واحدة في الزيغ والمروق والخروج على المحجة والتعاليم، منهم من استقى من منبع الإيمان الصافي، ثم ارتد إلى الوحل يعب من الماء الراكد الآسن.. ومنهم من ظل هيمان صاديا يسدر في غوايته، ويهيم في ضلاله بعد أن ازور عن المنهل العذب وهو منه جد قريب.
стр. 9012
وإلى هذا يشير الأستاذ الإمام محمد عبده في تفسيره فيقول: "ضرب الله تعالى لهذا الصنف في مجموعه.. (يقصد المنافقين في كل عصر وزمان) مثلين ينبئان بانقسامه إلى فريقين خلافا لما عليه أكثر التفاسير في أن المثلين لفريق واحد، وأن معناهما وموضوعهما واحد.
الأول: من آتاهم الله دينا وهداية عمل بها سلفهم فجنوا ثمارها، وصلح حالهم بها، أيام كانوا مستقيمين على الطريقة آخذين بإرشاد الوحي، واقفين عند حدود الشريعة، ولكنهم انحرفوا عن سنن سلفهم في الأخذ بها ظاهرا وباطناً، ولم ينظروا في حقائق ما جاءهم بل ظنوا أن ما كان عند سلفهم من نعمة وسعادة إنما كان أمراً خصوا به، أو خيراً سيق إليهم لظاهر قول أو عمل امتازوا به عن غيرهم ممن لم يأخذ بدينهم، وإن كان ذلك العمل لم يخالط سرائرهم، ولم تصلح به ضمائرهم، فأخذوا بتقاليد وعادات لم تدع في أنفسهم مجالا لغيرها، ولذلك لم يتفكروا قط في كونهم أحرى بالتمتع بتلك السعادة والسيادة من سلفهم لأن حفظ الموجود أيسر من إيجاد المفقود، بل لم يبيحوا لأنفسهم فهم الكتاب الذي اقتدى من قبلهم بما فيه من شموس العرفان ونجوم الفرقان، لزعمهم أن فهمه لا يرتقي إليه إلا أفراد من رؤساء الدين يؤخذ بأقوالهم ما وجدوا، وبكتبهم إذا فقدوا، فمثل هذا الفريق من الصنف المخذول في فقده لما كان عنده من نور الهداية الدينية وحرمانه من الاهتداء بها بالمرة وانطماس الآثار دونها عنده مثل من استوقد نارا.
стр. 9013
والوجه في التمثيل: أن من يدعي الإيمان بكتاب نزل من عند ربه وقد طلب بذلك الإيمان أن توقد له نار يهتدي بها في الشبهات، ويستضيء بها في ظلمات الريب والمشكلات ويبصر ضوءها ما قد يهجم عليه من مفترسة الأهواء والشبهات فلما أضاءت ما حوله بما أودعته من الهدى والرشاد وكان بالنظر فيها يمشي على هداية وسداد، وهجمت عليه من نفسه ظلمة التقليد الخبيث وعصب عينيه شيطان الغرور، فذهب عنه ذلك النور وأطبق عليه جو الضلالة بل طفئ فيه نور الفطرة، وتعطلت قوى الشعور بما بين يديه فهم بمنزلة الأعمى الأصم الذي لا يبصر ولا يسمع.
وأما الفريق الثاني: فقد ضرب الله له المثل في قوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ وهو الذي بقي له بصيص من النور، فله نظرات ترمي إلى ما بين يديه من الهداية أحيانا، ولمعاني التنزيل لمعان يسطع على نفسه الفينة بعد الفينة، ويأتلق من نظره الحين بعد الحين، عندما تحركه الفطرة أو تدفعه الحوادث لنظر فيما بين يديه ولكنه من التقاليد والبدع في ظلمات حوالك ومن الخبط فيها على حال لا تخلو من الهوالك وهو في تخبطه يسمع قوارع الإنذار الإلهي، ويبرق في عينيه نور الهداية، فإذا أضاء له ذلك البرق السماوي سار، وإذا انصرف عنه بشبه الضلالات الغرارة قام وتحير.. لا يدري أين يذهب؟ ثم إنه ليعرض عن سماع نذر الكتاب ودعاة الحق كمن يضع إصبعيه في أذنيه حتى لا يسمع إرشاد المرشد ولا نصح الناصح، يخاف من تلك القوارع أن تقتله، ومن صواعق النذر أن تهلكه.. هذا هو شأن فريقي هذا الصنف بما يشير إليه المثلان إجمالا.."
стр. 9014
ويبلغ القرآن قمة التأثير ونهاية الإبداع حينما يصور حال المعوقين عن الجهاد وما يدور في قلوبهم من الفزع والقلق والاضطراب فيقول: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً. أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً..﴾ [٣٥] .
فالصورة الأولى في الآيات صورة المعوقين عن الجهاد الفزعين من المضي إليه، الذين لا يريدون أن يتحملوا نصيبا من أعبائه فهم ذو نفوس قلقة مضطربة يتنازعها عاملان أساسيان، أولهما هو الخوف الذي يسيطر عليهم من المآل الفظيع المحدق بهم لو انكشف أمرهم، وبانت سرائرهم، ومن هنا فهم يرتعدون في حركاتهم.. وثانيهما هو الوصول إلى غاية التثبيط عن واجب الجهاد وهو عامل أقل شأناً في واقعهم من العامل الأول لأنهم حينما ينادون حقيقة إلى الجهاد تترجرج أحداقهم في محاجرها دليلاً على تقلصات نفوسهم من شدة الخوف..
والصورة الثانية هي صورة من يعالج سكرات الموت، يتنازع نفسه المال المظلم والخوف العميق من الجزاء المحتوم، دون أن تكون عنده القوة أو الإرادة التي يعتمد عليها في موقفه. أليست صورة المشبه به موحية كل الإيحاء بما كان عليه أولئك المعوقون للجهاد من ضعف في الإرادة وخيبة في المآل؟
стр. 9015
٣- إن عناصر التمثيل في القرآن الكريم مستمدة من الطبيعة، تلك الطبيعة التي ما زالت تشهد مرور الأجيال البشرية وهي ثابتة على حالتها المتغيرة، ومن هنا نلحظ ارتباط الإنسان- في أي جيل- بهذه الطبيعة التي تمثل الميدان الفسيح الذي يؤدي عليه الجنس الآدمي دوره في الحياة وكلما امتزجت عناصر هذا الاختلاط بين الإنسان والطبيعة ازدادت القرابة بينهما، وبرزت الألفة القائمة على معرفة الإنسان بأدق مظاهر الطبيعة، ومن هنا فإن التمثيل في القرآن مستمر استمرار الطبيعة نفسها وعام يدركه الناس جميعاً فنحن لا نكاد نجد في القرآن تمثيلا واحداً يدرك جماله شخص دون آخر، أو يتأثر به إنسان دون إنسان فالتمثيل في القرآن يختلف عن التمثيل عند العرب في الجاهلية مثلاً، لأن هذا الأخير مستمد من بيئة خاصة لا يدركه إلا من عاش في هذه البيئة وعاشر أشياءها على اختلاف طبقاتها من نبات وحيوان وجماد.
- فالطبيعة هي ميدان التمثيلات القرآنية منها استمدت حيويتها وتجددها الدائمين دوام الإنسان والطبيعة..
والتمثيل عند ما يستمد عناصره من الطبيعة التي تختلف من مكان إلى مكان وفي زمان عن زمان يهدف إلى أن يكون مؤثراً في كل وجدان مسيطراً على كل تفكير فالقرآن عندما يوضح أعمال الكفار في هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً﴾ [٣٦] .. ندرك لأول وهلة أن أعمال الكفار لا قيمة لها ولا غناء فيها مهما كلفت أصحابها من جهد ومشقة ومهما بلغت من الخير، فمثلها كمثل السراب وهو ظاهرة من ظواهر الطبيعة، يغري منظرها الظامئ فيسرع نحوها متكلفا في ذلك جهداً حتى يصل إلى مرمى البصر لاهث الأنفاس خائر القوى.. ثم لا يجد شيئا، فتصور هنا كيف تكون نفسه بعد أن قطع مرحلة من المسير ولم يبل صداه، وكذلك الكافر.
стр. 9016
ثم انظر إلى الآية الثانية ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ..﴾ [٣٧] ..
كلما هالك تمثيل في موقف وانتقلت إلى غيره وجدت الموقف أشد هولا ًوهل هناك أشد رهبة وظلمة من أمواج بحر لجي بعضها فوق بعض يكتنفها سحاب مظلم؟ إن موقف الكفار الذين لم يؤمنوا بالله ورسوله رهيب أرهب من أي شيء، وأعمالهم مظلمة بل أشد ظلاماً من الليل، وليس أمامهم بصيص من النور يهتدون به إلى سواء السبيل.
وهذا الانسجام في التنسيق بين الكلمات ظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب، ظلمات بعضها فوق بعض..
ينتقل بك إلى خضم لا تكاد تدرك فيه نفسك فتغمرك الخشية من جانب، وتمثل هؤلاء الضالين متخبطين في عالم أسود لا ينبلج له صبح ولا تطلع فيه الشمس، كما أن كلمات المشبه به المتسقة المترابطة توحي بالنهاية المحتومة التي تحيط بهؤلاء، وبقلوبهم الكالحة التي لا تنبض بالرحمة، ولا تلين للحق.
ثم تأمل هذه الآية ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ﴾ [٣٨] ..
إنها تمثل أعمال الكفار في ضياعها وذهابها إلى غير عودة بالرماد الهش الذي تذروه الرياح وتذهب به بددا إلى حيث لا يتجمع أبداً.
стр. 9017
إن القرآن يتخذ من الرماد وهو عنصر من عناصر الطبيعة مثلاً لأعمال الكفار الضائعة، ثم يبلغ قمة التأثير حينما يضم إلى الرماد الريح الشديدة العاتية، إن الرماد لا يقوى على الصمود أمام قوى الرياح العاتية العارمة، إنه يتحلل وتتفتت ذراته، ويصبح لا شيء في دنيا العدم وأعمال الكفار مهما جلت وكثرت كهذا الرماد الذي انعدم وتلاشى في جوف الريح الهادرة.
أرأيت أجمل من هذا التصوير الخالد ولا أعجب من هذا التمثيل المعجز؟..
إن في هذا التمثيل من قوة التأثير وجمال التعبير ما يعجز عن إدراكه أساطين البيان.
وعن بلاغة التمثيل في الآية الكريمة يقول الأستاذ سيد قطب ﵀: "ومشهد الرماد تشد به الريح في يوم عاصف مشهود معهود، يجسم به السياق معنى ضياع الأعمال سدى، لا يقدر أصحابها على الإمساك بشيء منها، ولا الانتفاع به أصلا، يجسمه في هذا المشهد العاصف المتحرك؛ فيبلغ في تحريك المشاعر له ما لا يبلغه التعبير الذهني المجرد عن ضياع الأعمال وذهابها بددا.
هذا المشهد ينطوي على حقيقة ذاتية في أعمال الكفار فالأعمال التي لا تقوم على قاعدة من الإيمان، ولا تمسكها العروة الوثقى التي تصل العمل بالباعث، وتصل الباعث بالله مفككة كالهباء والرماد لا قوام لها ولا نظام فليس المعول عليه هو العمل، ولكن باعث العمل، فالعمل حركة آلية لا يفترق فيها الإنسان عن الآلة إلا بالباعث والقصد والغاية.. وهكذا يلتقي المشهد المصور مع الحقيقة العميقة، وهو يؤدي المعنى في أسلوب مشوق موح مؤثر" [٣٩] .
стр. 9018
وتأمل هذه الآية الكريمة ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ [٤٠] فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ [٤١] فَآزَرَهُ [٤٢] فَاسْتَغْلَظ [٤٣] َ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ [٤٤] يُعْجِبُ الزُّرَّاع..﴾ [٤٥] .
إن الآية الكريمة تمثل حال الرسول ﷺ وأصحابه- ﵃ في ترقيهم في الزيادة إلى أن قووا واستحكموا بزرع أثمر وأينع ثم قوى وغلظ ثم استوى واستقام حتى أعجب الخاصة من الزراع والعامة من الناظرين.
إنه تمثيل عجيب، وتصوير فني بديع، يستمد عناصره من الطبيعة فيصل إلى نهاية الإبداع وقوة التأثير إنه يجعلك كأنك أمام مشهد يفيض بالحركة والحياة يجعل الغائب مشاهدا والخفي واضحا جليا، ويقرب المراد من العقل ويرفع الأستار عن الحقائق، ويعرض المعنى في أسلوب مشوق موح مؤثر.
يقول المحقق الألوسي [٤٦] : "وهو مثل ضربه للصحابة ﵃ قلوا في بدء الإسلام، ثم كثروا واستحكموا، فترقى أمرهم يوماً فيوما بحيث أعجب الناس.
ثم يتابع الألوسي كلامه فيقول: "وفي الكشاف: وهو مثل ضربه الله تعالى لبدء ملة الإسلام، وترقية في الزيادة إلى أن قوي واستحكم، لأن النبي- ﷺ قام وحده، ثم قواه الله تعالى بمن معه كما يقوي الطاقة الأولى ما يحتف بها مما يتولد منها.. وظاهره أن الزرع هو النبي ﷺ والشطء أصحابه- ﵃ فيكون مثلاً له ﵇ وأصحابه لا لأصحابه فقط.."
стр. 9019
والتمثيل القرآني بهذه الخصائص الفنية التي لا توجد في غيره يعد من مظاهر الإعجاز في القرآن الكريم، فأسلوبه يعجز أساطين البيان عن محاكاته، ونظمه فوق طاقة البشر، وتركيبه لا يقدر عليه إلا خالق الأرض والسموات ... [٤٧] .
--------------------------------------------------------------------------------
[١] انظر القاموس المحيط مادة (مثل) جـ ٤ ص ٤٨،٤٩.
[٢] انظر نقد الشعر ص ٨٥.
[٣] انظر الصناعتين ص ٣٥٣-٣٥٦.
[٤] انظر العمدة جـ اص ١٨٧-١٨٩.
[٥] راجع كتاب أسرار البلاغة ص ٦٨ وما بعدها، الطبعة السادسة بمطبعة محمد على صبيح في سنة ١٣٧٩ هـ، ١٩٥٩م.
[٦] الأدهم: الفرس.
[٧] أي غير غرزي بألا يكون من الغرائز والطباع.
[٨] راجع مفتاح العلوم ص ١٤٢ المطبعة الميمنية.
[٩] راجع ص ١٣٣ وما بعدها من الإيضاح ط القاهرة ١٩٦٦م.
[١٠] سورة يونس آية ٢٤.
[١١] سورة الجمعة آية ٥.
[١٢] انظر ص ٨١ من كتاب أسرار البلاغة للشيخ عبد القاهر الجرجاني.
[١٣] طويت: أخفيت: أتاح:هيأ، العرف: الرائحة.
[١٤] التبيان لأبي البقاء العكبري جـ ٣ ص ٢٧١.
[١٥] الهرم: الكبر والعجز.
[١٦] الشأن في مثل هذا الوجه أن يكون مفردا.
[١٧] راجع أسرار البلاغة ص ٨٤ - ٨٧ الطبعة السادسة بمطبعة محمد على صبيح في سنة ١٣٧٩ هـ ١٩٥٩م.
[١٨] الخلاف بكسر الخاء: صنف من الصفصاف وليس به ويسمى خلافا لأن السيل يجيء به سبيا فينبت من خلاف أصله.
[١٩] الشكس بوزن فلس صعب الخلق، أسعفه بحاجته: قضاها له والمساعفة: المؤاتاة والمساعدة، العسف: الأخذ على غير الطريق ومثله التعسف والاعتساف والعسوف: الظلوم.
[٢٠] زحل: نجم من الخنس لا ينصرف مثل عمر.
стр. 9020
[٢١] الزوامل: هي ما يحمل عليها من الإبل وغيرها واحدها زاملة، الأباعر: جمع بعير، أوساقه: أحماله، الغرائر: جمع غرارة بكسر الغين.
[٢٢] الحمام: قدر الموت.
[٢٣] النوار: أزهار الشجر: يقال نورت الشجر تنويرا وأنارت: أخرجت نورها والنوار مشددا مضموما: نور الشجرة الواحدة.
[٢٤] الأسلاب جمع سلب وهو الشيء المسلوب، الخاف بالخاء المعجمة وتشديد الراء مبالغة من خرف الثمار إذا جناها.
[٢٥] سورة الجمعة آية ٥.
[٢٦] راحة اسرار البلأغة ص ٧٣- ٧٤ الطبعة السادسة مطبعة صبيح.
[٢٧] المدثر آيه ٥١,٥٠.
[٢٨] أنظر هامش ص ٢٠٠ من بلاغه قران للدكتور أحمد بدوي طبعة القاهرة سنة ١٩٥٠ م.
[٢٩] يونس آيه ٢٤.
[٣٠] الكهف آية ٤٥.
[٣١] الحديد آية ٢٠.
[٣٢] انظر ص ٢٠٩ من كتاب بلاغة القرآن طبعة القاهرة سنة ١٩٥٠ م.
[٣٣] سورة البقرة الآيات من ١٥- ١٩.
[٣٤] سورة البقرة آية ٢٠، ٢١.
[٣٥] سورة الأحزاب آية ١٨،١٩.
[٣٦] سورة النور آية ٣٩.
[٣٧] سورة النور آية ٤٠.
[٣٨] سورة إبراهيم آية ١٨.
[٣٩] انظر ص ٧٥ جـ ١٣ من ظلال القرآن.
[٤٠] سيماهم: علامتهم.
[٤١] شطأة: فروعه في الجانبين.
[٤٢] آزره: أعانه.
[٤٣] استغلظ: تحول من الدقة إلى الغلظة.
[٤٤] استوى على سوقه: استقام على ساقه.
[٤٥] سورة الفتح آية ٢٩.
[٤٦]- انظر ص ١٢٧ جـ ٢٦ من تفسير (روح المعاني) .
[٤٧]- انظر ص ٩٣ وما بعدها من كتابنا (الإعجاز في نظم القرآن) طبعة القاهرة سنة ١٣٩٧هـ.
стр. 9021
سهام طائشة
فضيلة الدكتور/ مصطفى يونس
هناك في رحاب الحرم الآمن، وفي ربوعه الطاهرة المقدسة، انطلقت سهام طائشة، واندلعت فتنة محمومة، روعت القائم الذاكر، وأخافت الراكع الساجد، ونشرت الرعب والفزع في قلوب الآمنين.
عشت مع هذه الأحداث المروعة كما عاشها كل مسلم، وانطلقت بهذه الأبيات:
فاجر آثم يفيض انتقاما
روع الأمن واستباح الحراما
أن يرّد الضياء فينا ظلاما
عابث ينشر الفساد ويبغي
ويشيع الضلال والإجراما
راح يرمي بعدة وعتاد
لم يوقر محرما أو حراما
رووَّع المسجد الحرام بفتك
ينشر الخوف والأذى والسقاما
عاث بالمسجد الحرام فسادا
وأذاق الحجيج كأساً زؤاما
روَّع الآمنين من كل فج
وأصابت بطيشها الإسلاما
فتنة حيرت عقول البرايا
خانت الله والحمى والذماما
أيقظتها مع الصباح ذئاب
تبعث الرعب والردى والحماما
أشعلتها على السلام حرابا
بين قومي ومن أراد انفصاما
لا رعى الله من دعا لشرور
أنه جاء مرشدا وإماما
يا لهذا الدعيّ يزعم زورا
وانتصارا وعزة ووئاما
يبتغي للوجود أمنا وخيرا
في رحاب الإله باتوا كراما؟
أمن الأمن أن يروّع خلق
صانه الله قبلة ومقاما؟
أمن الخير أن يلوث بيت
دون ذنب لحتفها أو تضاما؟
أمن النصر أن تساق جموع
تعبد الله سجدا وقياما؟
أمن العز أن تذل جباه
أن تثيروا على رباها انقساما؟
أمن الحب والوئام بأرض
أو عداء يقطع الأرحاما
دعوة الله ليس فيها خصام
أو رصاص يمزق الأجساما
أو قتال لمسلم وبرئ
يجعل الدين مدية وحساما
أو ضلال وفتنة ومروق
واقتناع يخاطب الأفهاما
دعوة الله حكمة ورشاد
стр. 9022
واتباع يوحد الأقساما
وامتثال لكل معنى نبيل
جاء بالحق شرعة ونظاما
قادها للهدى نبي كريم
فاستقر البناء صلبا وداما
قاد بالخير أمة وبناها
ووقاها الشرور والآلاما
يا رعى الله أمتي وحماها
فتناست صراعها والخصاما
جمع الرزء شملها من جديد
يرخصون الفداء مهما تسامى
وقف الخلق في رباها جميعا
ومشى الأرز يحضن الأهراما
صافح النيل بالعزاء فراتا
فوق هام الزمان كانت وساما
أمة الخير هكذا من قديم
تحمل الرزء أو ترد السهاما
إن دهاها البلاء هبت جميعا
بارك الله في حماكم دواما
يا ربوع الحجاز يا بطن نجد
وافتديتم بروحكم أقواما
قد حملتم عن البرية عبئا
إن هذا البلاء عم الأناما
ليس هذا المصاب وقفا عليكم
واسمعوها من الورى أنغاما
فاقبلوها من الأنام تحايا
تحمل الشكر ناصعا بساما
وارفعوها إلى المليك المفدى
ورعى الفهد قائدا مقداما
يا رعى الله خالدا وذويه
في مجال القتال كانوا عظاما
ورعى الله للعروبة جندا
стр. 9023
الرد على من كذَّب بالأحاديث الصحيحة الواردة في المهدي.
لفضيلة الشيخ: عبد المحسن بن حمد العباد
عضوية هيئة التدريس بالجامعة الإسلامية
الحمد لله رب العالمين وصلوات الله وسلامه وبركاته على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين أما بعد:
ففي فجر يوم الثلاثاء الموافق الأول من شهر المحرم من عام ألف وأربعمائة من الهجرة تسللت إلى بيت الله الحرام شرذمة آثمة ظالمة من الهمج السذج ممن عميت بصائرهم وساءت أفهامهم وانحط تفكيرهم ومعهم الأسلحة مقدمين شخصاً زعموه المهدي المنتظر الذي جاء ذكره في الأحاديث عن رسول الله ﷺ وجرى بسبب إجرامهم واعتدائهم فتنة عظيمة ومصيبة كبيرة ذهب ضحيتها كثيرون من الأبرياء من الحجاج وغيرهم، وقد رد الله كيدهم في نحورهم وكان تدميرهم في تدبيرهم. وإنما قلت أنهم ممن عميت بصائرهم وساءت أفهامهم وانحط تفكيرهم للأمور التالية:
أولا: أن عملهم الإجرامي حصل في أقدس مكان على وجه الأرض في بلد من دخله حتى الصيد فإن يأمن فيه فلا يزعج ولا ينفر.
ثانيا: أنه ورد في بعض الأحاديث الواردة في خروج المهدي في آخر الزمان أنه يبعث على اختلاف من الناس وزلازل وهؤلاء خرجوا على المسلمين بالبلاء والفتنة في بلاد تتمتع بالأمن والاستقرار على وجه لا مثيل له في أنحاء الأرض وذلك بسبب تطبيق الشريعة الإسلامية فيها.
ثالثا: أن متمهديهم الذي زعموه المهدي الذي جاء ذكره في الأحاديث مشتهر بنسبة القحطاني وذكر بعد ذلك أن والده قال أنه من أصل تركي وقد ذكرني ذلك أبياتا أوردها ياقوت الحموي في معجم الأدباء منها البيت التالي:
واختلط الناس اختلاط الحيس
وادعت الروم أباً في قيس
يعني ادعت الروم أنها من سلالة قيس عيلان فهو تركي ثم قحطاني ثم القرشي هاشمي ثم هالك.
стр. 9024
رابعا: أنهم خرجوا عن طاعة ولي الأمر في هذه البلاد الإسلامية التي هي قلب العالم وحكومتها هي الحكومة التي تحكم بشريعة الإسلام في هذا العصر وقد نشأ السعوديون من هذه الفئة المعتدية ونشأ آباؤهم من قبلهم كما نشأ غيرهم في ولايتها في أمن وطمأنينة لكن هكذا شأن اللئام إنكار الفضل والإحسان.
ومن الذي يجحد فضل الملك عبد العزيز ﵀ وما ساقه الله على يديه من الخير العظيم والنفع العميم في توحيد الجزيرة العربية وحكمها بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وإحلال الأمن والاستقرار فيها محل الذعر والخوف والسلب والنهب ومن بعده الملك سعود ﵀ الذي فتح الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة في عام ١٣٨١هـ لأبناء المسلمين من كل مكان يتعلمون فيها العلوم الشرعية ويتثقفون بالثقافة الإسلامية الخالصة النقية ثم يعودون إلى بلادهم دعاة إلى الخير وهداة إلى الصراط المستقيم. ومن الذي يجحد فضل الملك فيصل ﵀ الذي قاد السفينة أكثر من عشر سنوات وسار فيها بجد وحزم وقوة ويقظة ومواصلة العمل في المصالح العامة في الليل والنهار حتى وافته المنية وهو مكب على عمله في مكتبه ومن بعده خلفه في السير على درب الخير أخواه جلالة الملك خالد وسمو ولي العهد الأمير فهد. ونسأل الله أن يثبت حكومتهما السنية على دينه والاستمساك بهدية والالتزام بأمره ونهيه إذ أن ذلك هو السبب الحقيقي لاستمرار النصر والتأييد.
خامسا: أنهم فيما ذكر عنهم أقدموا على عملهم الشنيع معتمدين على أحلام منام أصبحوا نتيجة لها في خبر كان ودخلوا التاريخ أسوأ دخول وأعادوا إلى الأذهان حادثة اعتداء القرامطة في المسجد الحرام وقتل الحجاج فيه سنة سبع عشرة بعد الثلاثمائة من الهجرة.
стр. 9025
سادسا: أن الزمان الذي ينزل فيه عيسى بن مريم ﵊ من السماء ويخرج فيه المهدي والدجال يختلف عن الزمان الذي نعيش فيه كما ترشد إلى ذلك الأحاديث الثابتة عن رسول الله ﷺ ، من ذلك ما في صحيح مسلم من أن عيسى ﵊ يقتل الدجال ويرى أصحابه دمه في حربته ومنها الحديث الدال على أن مركوب الدجال حمار عرض ما بين أذنيه أربعون ذراعاً وهو حديث صحيح أخرجه الإمام أحمد في مسنده والحاكم في مستدركه ومنها حديث أبي هريرة في صحيح مسلم أن المسلمين يغزون الروم وفيه فبينما هم يقتسمون الغنائم قد علقوا سيوفهم بالزيتون إذ صاح فيهم الشيطان إن المسيح خلفكم في أهليكم فيخرجون وذلك باطل فإذا وصلوا الشام خرج ومنها حديث ابن مسعود في صحيح مسلم في غزو المسلمين الروم أيضا وفيه فبينما هم كذلك إذ سمعوا ببأس هو أكبر من ذلك فجاءهم الصريخ أن الدجال قد خلفهم في ذراريهم فيرفضون ما في أيديهم ويقبلون فيبعثون عشرة فوارس طليعة قال رسول الله ﷺ : "إني لأعرف أسماءهم وأسماء آبائهم وألوان خيولهم هم خير فوارس على ظهر الأرض يومئذ أو من خير فوارس على ظهر الأرض يومئذ"، ومنها الحديث الذي أخرجه أحمد في مسنده عن عكرمة بن خالد قال حدثني فلان من أصحاب النبي ﷺ قال: "نال رجل من بني تميم عند رسول الله ﷺ فقال: لا تقل فيهم إلا خيرا فإنهم أطول الناس رماحا على الدجال".
فهذه الأحاديث تشعر بأن من السلاح المستعمل في ذلك الزمان الحراب والسيوف والرماح وأن من الدواب التي تركب الحمر والخيل وأن المسلمين يغزون الروم عند خروج الدجال مجاهدين في سبيل الله مستخدمين الخيل ويدل لبقاء الخيل وجهاد المسلمين عليها في سبيل الله في المستقبل قوله ﷺ في الحديث المتفق على صحته: "الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة".
стр. 9026
وهذه الأنواع من الأسلحة توجد في هذا العصر في المتاحف للفرجة أما الخيول فمنذ أمد لم يجاهد عليها في سبيل الله وتستخدم في السباق وجر الأثقال ونحو ذلك، ولا شك أن الخيل والحمير وهذه الأسلحة ستستعمل في آخر الزمان لدلالة هذه الأحاديث الصحيحة على ذلك أما مركوب هذا الزمان من الطائرات والسيارات وأسلحته الفتاكة فهل سيبقى نوعها حتى ذلك الزمان أو تنتهي قبله؟ علم ذلك عند الله تعالى.
لكن جهاد المسلمين في آخر الزمان على الخيل وسلاحهم السيوف والحراب والرماح مع ما جبل الله عليه النفوس البشرية من تفضيل المركوب المريح السريع واستعمال السلاح الأنكى في جهاد الأعداء قد يفهم منه انتهاء هذه المركوبات المريحة والأسلحة الفتاكة قبل ذلك الزمان والله تعالى أعلم، أما حمار الدجال وضخامته فهو من جملة فتنته التي هي أعظم فتنة في الحياة الدنيا كما ثبتت بذلك الأحاديث عن رسول الله ﷺ .
وعلى أثر وقوع هذا الحادث المؤلم لقلب كل مسلم حصلت بعض التساؤلات عن خروج المهدي في آخر الزمان وهل صح فيه شيء من الأحاديث عن رسول الله ﷺ فأوضح بعض العلماء في الإذاعة والصحف صحة كثير من الأحاديث الواردة في ذلك عن رسول الله ﷺ ومنهم سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رئيس إدارات البحوث العلمية والدعوة والإرشاد فقد تحدث في الإذاعة وكتب في بعض الصحف مبينا ثبوت ذلك بالأحاديث المستفيضة الصحيحة عن رسول الله ﷺ ومستنكرا ما قام به هؤلاء المبطلون من الاعتداء في بيت الله الحرام ومنهم فضيلة الشيخ عبد العزيز بن صالح إمام وخطيب المسجد النبوي الشريف فقد ندد في إحدى خطب الجمعة باعتداء هذه الفئة الآثمة الظالمة وبين أنهم ومن زعموه المهدي في واد والمهدي الذي جاء ذكره في الأحاديث في واد آخر.
стр. 9027
وحصل في مقابل ذلك أن أصدر فضيلة الشيخ عبد الله بن زيد المحمود رئيس المحاكم الشرعية في دولة قطر رسالة سماها (لا مهدي ينتظر بعد الرسول خير البشر) نحا فيها منحى بعض الكتاب في القرن الرابع عشر ممن ليست لهم خبرة بحديث رسول الله ﷺ ومعرفة صحيحه وسقيمه وفيه من تعويله على الشبهات العقلية وكذب بكل ما ورد في المهدي وقال كما قالوا إنها أحاديث خرافة وأنها وأنها ... الخ.
وقد رأيت كتابة هذه السطور مبينا أخطاءه وأوهامه في هذه الرسالة وموضحا أن القول بخروج المهدي في آخر الزمان هو الذي تدل عليه الأحاديث الصحيحة وهو ما عليه العلماء من أهل السنة والأثر في القديم والحديث إلا من شذ.
ومن المناسب أن أشير هنا إلى أنني سبق أن كتبت بحثا بعنوان (عقيدة أهل السنة والأثر في المهدي المنتظر) وقد نشر هذا البحث في العدد الثالث من السنة الأولى من مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة الصادر في شهر ذي القعدة عام ١٣٨٨ هـ يشتمل هذا البحث على عشرة أمور:
الأول: في ذكر أسماء الصحابة الذين رووا أحاديث المهدي عن رسول الله ﷺ .
الثاني: في ذكر أسماء الأئمة الذين خرجوا الأحاديث والآثار الواردة في المهدي في كتبهم.
الثالث: في ذكر العلماء الذين أفردوا مسألة المهدي بالتأليف.
الرابع: في ذكر العلماء الذين حكوا تواتر أحاديث المهدي وحكاية كلامهم في ذلك.
الخامس: في ذكر بعض ما ورد في الصحيحين من الأحاديث التي لها تعلق بشأن المهدي.
السادس: في ذكر بعض الأحاديث في شأن المهدي الواردة في غير الصحيحين مع الكلام على أسانيد بعضها.
السابع: في ذكر بعض العلماء الذين احتجوا بأحاديث المهدي واعتقدوا موجبها وحكاية كلامهم في ذلك.
الثامن: في ذكر من وقفت عليه ممن حكى عنه إنكار الأحاديث في المهدي أو التردد فيها مع مناقشة كلامه باختصار.
стр. 9028
التاسع: في ذكر بعض ما يظن تعارضه مع الأحاديث الواردة في المهدي والجواب عن ذلك.
العاشر: كلمة ختامية في بيان أن التصديق بخروج المهدي في آخر الزمان من الإيمان بالغيب، وأن لا علاقة لعقيدة أهل السنة في المهدي بعقيدة الشيعة.
١- سمى الشيخ ابن محمود رسالته (لا مهدي ينتظر بعد الرسول خير البشر) وقال في ص ١٤:
"يا معشر العلماء والمتعلمين والناس أجمعين إنه يجب علينا بأن يكون تعليمنا واعتقادنا قائما على أنه لا مهدي بعد رسول الله ﷺ كما لا نبي بعده".
وقال في ص ٢٩:
"والحق الذي نعتقده وندعو الناس إلى العلم به والعمل بموجبه هو أنه لا مهدي بعد رسول الله ﷺ كما لا نبي بعده".
أقول: أولا: هذه التسمية وهي قوله: (لا مهدي ينتظر بعد الرسول خير البشر) فيها إطلاق يدخل فيه إنكار خروج المهدي في آخر الزمان ويفهم من جملة (بعد الرسول خير البشر) إنكار نزول عيسى عليه الصلاة السلام في آخر الزمان ولو كانت هذه العبارات فيها تقييد لا يفهم منه احتمال إنكار نزول عيسى ﵊ لكان بعض الشر أهون من بعض.
ثم إن الرسالة لم تشتمل على التصريح بنزول عيسى ﵊ إلا ضمن كلام أهل السنة الذين ألفت الرسالة للإنكار عليهم بل اشتملت في ص ١٥ على إيراد حديث فيه نزول عيسى ﵊ وقتله الدجال وصلاته خلف المهدي قال فيه الشيخ ابن محمود نقلا عن الشيخ على القاري في كتابه الموضوعات الكبير أنه موضوع مع أن الشيخ علي القاري لم يقل فيه أنه موضوع بل قال عنه في كتابه المذكور أنه ثابت عن رسول الله ﷺ كما سيأتي نقل كلامه بلفظه.
стр. 9029
ثانيا: هذه الدعوة إلى إنكار خروج المهدي في آخر الزمان دعوة إلى إنكار ما صح عن رسول الله ﷺ من الأحاديث في ذلك ودعوة إلى سلوك مسلك يخالف ما درج عليه العلماء من أهل السنة مثل البيهقي والعقيلي والخطابي والقاضي عياض والقرطبي والذهبي وابن تيمية وابن القيم وابن كثير وغيرهم.
٢ـ وقال الشيخ عبد الله بن محمود في ص ٣:
"وإن فكرة المهدي ليست في أصلها من عقائد أهل السنة القدماء فلم يقع لها ذكر بين الصحابة في القرن الأول ولا بين التابعين"انتهى.
والجواب أن الأحاديث الكثيرة الثابتة عن رسول الله ﷺ وفي خروج المهدي في آخر الزمان قد تلقاها عنه الصحابة ﵃ وتلقاها عنهم التابعون فكيف يقال أنه لم يكن لذلك ذكر بين الصحابة في القرن الأول ولا بين التابعين، وقد قال الشوكاني في كتابه التوضيح في تواتر ما جاء في المهدي والدجال والمسيح كما في كتاب الإذاعة لصديق حسن خان: "والأحاديث الواردة في المهدي التي أمكن الوقوف عليها منها خمسون حديثا فيها الصحيح والحسن والضعيف المنجبر وهي متواترة بلا شك ولا شبهة بل يصدق وصف المتواتر على ما هو دونها في جميع الاصطلاحات المحررة في الأصول وأما الآثار عن الصحابة المصرحة بالمهدي فهي كثيرة جدا لها حكم الرفع إذ لا مجال للاجتهاد في مثل ذلك". انتهى.
٣ـ قال الشيخ ابن محمود في ص ٣:
"وإن أصل من تبنى هذه الفكرة - يعني فكرة المهدي - والعقيدة هم الشيعة الذين من عقائدهم الإيمان بالإمام الغائب المنتظر يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا وهو الإمام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري فسرت هذه الفكرة وهذا الاعتقاد بطريق المجالسة والمؤانسة والاختلاط إلى أهل السنة فدخلت معتقدهم وهي ليست من أصل عقيدتهم". انتهى.
وقال أيضا في ص ٣٠:
стр. 9030
"والمهدي في مبدأ دعوته واحد وليس باثنين فلم يقل أحد أنهما مهديان وإنما هو مهدي واحد تنازعته أفكار الشيعة وأفكار بعض أهل السنة فكل لوم أو ذم ينحى به على الشيعة لإيمانهم بإمامهم محمد بن الحسن الذي هو في السرداب فإنه ينطبق بطريق التطابق والموافقة على أهل السنة الذين يصدقون بالمهدي المجهول في عالم الغيب فهما في فساد الاعتقاد به سيان". انتهى.
والجواب أن هناك فرقا كبيرا وبونا شاسعا بين الشيعة وأهل السنة فالمهدي عند أهل السنة لا يعدو كونه إماما من أئمة المسلمين الذين ينشرون العدل ويطبقون شريعة الإسلام يولد في آخر الزمان ويتولى أمرة المسلمين ويكون خروج الدجال ونزول عيسى بن مريم ﵊ من السماء في زمانه وهو غير معصوم ومستندهم في ذلك أحاديث ثابتة عن رسول الله ﷺ مدونة في دواوين أهل السنة، قال بصحتها وثبوتها جهابذة أهل العلم والمعتد بهم مثل البيهقي والعقيلي والذهبي وابن تيمية وابن القيم وابن كثير وغيرهم.
стр. 9031
أما المهدي عند الشيعة فهو محمد بن الحسن العسكري ولد في منتصف القرن الثالث تقريبا دخل سردابا في سامرا وهو صغير ولا يزال في ذلك السرداب وهو الإمام الثاني عشر من أئمتهم الاثني عشر الذين يعتقدون فيهم أنهم معصومون ويصفونهم بصفات تجاوزوا فيها الحدود وأذكر منها على سبيل المثال كلام شخصين كبيرين منهم أولهما الكليني مؤلف كتاب الكافي وهو أجل كتاب عندهم إذا هو بمنزلة صحيح البخاري عند أهل السنة فقد عقد عدة أبواب في كتابه أصول الكافي أورد فيها أحاديث من أحاديثهم اكتفي هنا بذكر أسماء بعض هذه الأبواب وهي: باب أن الأئمة يعلمون جميع العلوم التي خرجت إلى الملائكة والأنبياء والرسل، وباب أن الأئمة يعلمون متى يموتون، وأنهم لا يموتون إلا باختيارهم، وباب أن الأئمة يعلمون علم ما كان وما يكون، وأنه لا يخفى عليهم شيء وباب أن الأئمة عندهم يعرفون جميع الكتب التي أنزلت من عند الله وأنهم يعرفونها على اختلاف ألسنتها وباب أنه لم يجمع القرآن كله إلا الأئمة وأنهم يعلمون علمه كله، وباب أنه ليس شيء من الحق في أيدي الناس إلا ما خرج من عند الأئمة وأن كل شيء لم يخرج من عندهم فهو باطل.
стр. 9032
والثاني منهما زعيم الشيعة في هذا العصر والمرجع الأعلى لهم آية الله الخميني فقد قال في كتاب الحكومة الإسلامية الذي هو عبارة عن دروس فقهية ألقاها على طلاب علوم الدين في النجف تحت عنوان: (ولاية الفقهية) قال في الصفحة الثانية والخمسين من هذا الكتاب طبعة بيروت: "وإن من ضروريات مذهبنا أن لأئمتنا مقاما لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل وبموجب ما لدينا من الروايات والأحاديث فإن الرسول الأعظم ﷺ والأئمة (ع) كانوا قبل هذا العالم أنوارا فجعلهم الله بعرشه محدقين وجعل لهم من المنزلة والزلفى ما لا يعلمه إلا الله وقد قال جبريل كما ورد في روايات المعراج: لو دنوت أنملة لاحترقت، وقد ورد عنهم (ع) أن لنا مع الله حالات لا يسعها ملك مقرب ولا نبي مرسل". انتهى كلام الخميني.
قال الشيخ ابن محمد في ص ٥:
"ومن المعلوم أن اعتقاد المهدي والقول بصحة خروجه يترتب عليه من المضار والمفاسد الكبار ومن إثارة الفتن وسفك دماء الأبرياء ما يشهد بعظمته التاريخ المدروس والواقع المحسوس"، وقال في ص ٣٧: "وأما اعتقاد بطلانه وعدم التصديق به فإنه يعطي القلوب الراحة والفرح والأمان والاطمئنان والسلامة من الزعازع والافتتان".
والجواب على ذلك من وجوه:
الأول: أن خروج المهدي في آخر الزمان من الأمور الغيبية التي يتوقف التصديق بها على ثبوت النص بها عن رسول الله ﷺ وقد ثبتت النصوص في خروج المهدي عن رسول الله ﷺ في آخر الزمان وأن عيسى بن مريم ﵊ يصلي خلفه والذين قالوا بثبوتها هم العلماء المحققون وجهابذة النقاد من أهل الحديث والواجب تصديق الرسول ﷺ فيما يخبر به من أخبار سواء كانت عن أمور ماضية أو مستقبلة أو موجودة غائبة عنا.
стр. 9033
الثاني: أن إنكار خروج المهدي في آخر الزمان ليس هو الذي يمنع من وقوع الفتن ويحصل به الأمن والاطمنئان بدليل أن الله تعالى قال في كتابه العزيز: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ وقال ﷺ : "وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي" ومع ذلك وجد كثيرون ممن ادعى النبوة وحصل بذلك للمسلمين أضرار كبيرة وإنما الذي يعصم حقيقة من الفتن والمصائب ويكفل السلامة والأمن والنجاة الاستمساك بشرع الله والاعتصام بحبله كما قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ . وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ .
стр. 9034
وقال : ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ . وقال سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ وقال ﷺ : "احفظ الله يحفظك" إلى غير ذلك من أدلة الكتاب والسنة.
الثالث: أن وجود متمهدين من المجانين وأشباه المجانين يخرجون في بعض الأزمان ويحصل بسببهم على المسلمين أضرار كبيرة لا يؤثر في التصديق بمن عناه الرسول ﷺ في الأحاديث الصحيحة وهو المهدي الذي يصلي عيسى بن مريم ﷺ خلفه، فما ثبت عن رسول الله ﷺ وجب التصديق به، ويجب القضاء على كل متمهد أو غير متمهد يريد أن يشق عصا المسلمين ويفرق جماعتهم، والواجب قبول الحق ورد الباطل لا أن يرد الحق ويكذب بالنصوص من أجل أنه ادعى مقتضاها مدعون مبطلون دجالون.
٥- ذكر الشيخ ابن محمود في الصفحات ٦ و ٨ و ٢٦ و ٣١ و ٣٩ أن من أسباب ضعف الأحاديث الواردة في المهدي عدم ورودها في صحيح البخاري وصحيح مسلم، وأن عدم إيرادها في الصحيحين يدل على ضعفها عند الشيخين البخاري ومسلم.
والجواب أن يقال:
стр. 9035
أولا: ليس عدم إيراد الحديث في الصحيحين دليلا على ضعفه عند الشيخين البخاري ومسلم رحمهما الله لأنه لم ينقل عنهما أنهما استوعبا الصحيح في صحيحيهما أو قصدا استيعابه حتى يمكن أن يقال بضعف ما لم يخرجاه فيهما عندهما وإنما جاء عنهما التصريح بخلاف ذلك قال أبو عمرو في كتابه (علوم الحديث) : "لم يستوعبا- يعني البخاري ومسلم- الصحيح في صحيحيهما ولا التزما ذلك فقد روينا عن البخاري أنه قال: "ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صح وتركت من الصحيح لحال الطول"وروينا عن مسلم أنه قال: "ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ههنا- يعنى في كتاب الصحيح- إنما وضعت هنا ما أجمعوا عليه"، وقال الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح الباري: "روى الإسماعيلي عنه- يعني البخاري- قال: "لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحا وما تركت من الصحيح أكثر"، وقال النووي في مقدمة شرحه صحيح مسلم بعد أن ذكر إلزام جماعة لهما إخراج أحاديث على شرطهما ولم يخرجاها في كتابيهما قال: "وهذا الإلزام ليس بلازم في الحقيقة فإنهما لم يلتزما استيعاب الصحيح بل صح عنهما تصريحهما بأنهما لم يستوعباه وإنما قصدا جمع جمل من الصحيح كما يقصد المصنف في الفقه جمع جمل من مسائله لا أنه يحصر جميع مسائله"انتهى كلام النووي.
ومما يوضح عدم استيعاب البخاري الصحيح وعدم التزامه بذلك أيضا أنه جاء عن البخاري أنه قال: "أحفظ مائة ألف حديث صحيح ومائي ألف حديث غير صحيح"مع أن جملة ما في صحيحه من الأحاديث المسندة إلى رسول الله ﷺ بما في ذلك الأحاديث المعلقة لا تبلغ عشرة آلاف حديث وأيضا استدراك الحاكم على البخاري ومسلم أحاديث على شرطيهما وشرط واحد منهما لم يخرجاها وهي كثيرة جدا أوردها في كتابه المستدرك على الصحيحين وقد صححها الحاكم ووافقه الذهبي في التلخيص على تصحيح الكثير منها.
следующие страницы →