Полный текст (23 804 стр.). Показаны 9101–9140 · переход к 9106.
стр. 9101
بل فلنعود أنفسنا أسلوب النقد النزيه.
فضيلة الدكتور: صلاح الدين عبد التواب.
الأستاذ المشارك في كلية اللغة العربية.
في العدد الصادر في يوم الثلاثاء الخامس والعشرين من صفر ١٣٩٩ هـ. الثالث والعشرين من يناير ١٩٧٩ م. نشرت صحيفة الرياض في صفحتها الأدبية (حروف وأفكار) مقالا أدبيا للدكتور/ أحمد محمد الضبيب، وكان عنوانه: فلنحرر أذواقنا من حافظ إبراهيم..
فلفت نظري هذا العنوان الجديد، وحسبت في نفسي أنني سأقف على نظرات جديدة في مجال النقد الأدبي لم نتعرف عليها من قبل، وأقبلت أقرأ المقال في شغف لأرى إلى أي مدى يمكن أن نحرر أذواقنا من حافظ إبراهيم، ولعل هذا المقال يكون نموذجا واضحا يجمع فيه صاحبه بين النقد الذاتي المعتمد أساسا على الذوق الشخصي السليم والنقد الموضوعي الذي يعتمد أساسا على الجانب المنهجي في عرض مقاييس النقد ومعاييره.
وبدأ الدكتور مقاله، وكانت مقدمته لا بأس بها وإن كانت لم تأت بجديد، فلا ينكر
أحد أن لغة من لغات العالم كله حظيت من العناية والاهتمام ما حظيت به العربية على امتداد القرون، وما ينكر أحد أن النظرة إليها قد اختلفت بين أعين المكبرين لها وأعين المشفقين عليها..
كذلك نحن مع صاحب المقال في أن ما كتب عن مشكلة اللغة العربية كثير وفير إلا أن معالجات الشعراء لهذا الموضوع قليلة إذا ما قيست بمعالجات الكتَاب..
نحن مع الدكتور صاحب المقال في كل هذا.. ولكنني أريد أن أقف معه بعض وقفات فيما تلا ذلك من كلام، عندما تعرض بالنقد لقصيدة الشاعر حافظ إبراهيم: (اللغة العربية تنعى حظها بين أهلها..)
стр. 9102
يقول الدكتور الضبيب: "فهي في تصوري نموذج ضعيف سيئ ويزيد من سوئه أنه يقدم إلى التلميذ العربي في المرحلة الابتدائية الإلزامية من التعليم على امتداد الوطن العربي، فما أن يبدأ التلميذ العربي تفتحه على ما حوله حتى يفاجأ بحافظ إبراهيم ينعى إليه لغته ويقدم إليه بطاقة سوداء تعزية (بهذه) اللغة التي أنهكت ضعفا ومرضا.. وهكذا يتربى التلميذ العربي لدينا وقد استقر في ذهنه منذ الأيام الأولى أن لغته لغة ضعيفة مهضومة الحقوق مهيضة الجناح، وتربى معه أيضا (احتقار) لهذه اللغة وازدراء لها.."
وحتى يكون الرد أولا بأول.. نقول: وهل يعاب الشاعر حافظ إبراهيم لمجرد أن قصيدته قد أسيء إليها لأنها قدمت لصغار لا يحسنون فهمها؟
ثم هل يعاب الشاعر حافظ إبراهيم عندما تعرض قصيدته على التلاميذ دون تقديم واع تبين فيه الظروف المحيطة بها والأحداث الداعية إليها؟..
ومع ذلك فليس لي أن أقف طويلا هنا، فقد تأتي السطور القادمة لتزيد الأمر أيضا في هذا الشأن، ويحسن أن نمضي مع الدكتور الضبيب في نقده وتذوقه لقصيدة الشاعر حافظ إبراهيم..
يقول الدكتور الناقد: "وقصيدة حافظ تصور فيها اللغة العربية بثلاث صور كلها منتزعة من بيئات النساء وربما بيئات بعض النساء من (بنات البلد) في مصر..
في الجزء الأول من قصيدة حافظ صورة (لأمرة نائحة) تتحسر على شباب الميت و (تعدّد) فضائله وميزاته وتكاد (تلطم خدها وتخمش وجهها وتشد شعرها) بل إنها تذكر رجالا سالفين كانوا فيما مضى من الزمان قد حفظوا لها الوداد، فهي لا تفتأ تذكرهم كما تفعل (النائحة المصرية) عندما ترفع ذراعيها وتشير بسبّابتيها قائلة (يا سبعي) .."
стр. 9103
تلك هي الصورة الأولى من قصيدة الشاعر حافظ إبراهيم كما وعاها فهم الناقد، ثم أباح له ذوقه من بعد ذلك أن يحللها بالأسلوب النقدي (الرفيع) على ذلك المستوى الذي رأيناه ... وهو بطبيعة الحال يشير بشرحه هذا إلى أبيات الشاعر حافظ إبراهيم التي لم يشأ أن يذكرها في مقاله حتى لا يرى القارئ هذه الصورة (الفاضحة) لتلك المرأة النائحة التي رسمها حافظ إبراهيم في قوله:
يعز عليها أن تلين قناتي
سقى الله في بطن الجزيرة أعظما
لهن بقلب دائم الحسرات
حفظن ودادي في البلى وحفظته
حياء بتلك الأعظم النخرات
وفاخرت أهل الغرب والشرق مطرق
هكذا كان ترحم الشاعر حافظ إبراهيم في حقيقته على أولئكم الرجال الذين عرفوا للغة حقها عليهم فما فرطوا فيه، بل حافظوا على لغتهم وتراثهم، وكانوا حملة العلم والحضارة، وعلموا الدنيا بأسرها فدان لهم شرقيها وغربيها، ومن حق العربية أن تفاخر بأولئكم العظام حتى بعد أن صاروا رفاتا- أهل الغرب طرا.. كيف لا وقد كانوا الهداة المرشدين والعلماء المصلحين الذين استطاعوا أن يبقوا آثارهم ويثبتوا وجودهم في كل ما تناولوه من شئون الحياة، بلغتهم العربية.. لغة القرآن الكريم.
لذلك لم يكن غريبا من الشاعر حافظ إبراهيم أن يصرخ- على لسان العربية- في بنيها مستثيرا نخوتهم حتى يدركوا لغتهم من الضياع، وقبل أن يغلبهم عدوهم على أمرهم وهم في غمرة ساهون..
ومنكم وإن عز الدواء أساتي
فيا ويحكم أبلى وتبلى محاسني
أخاف عليك أن تحين وفاتي
فلا تكلوني للزمان فإنني
وكم عز أقوام بعز لغات
أرى لرجال الغرب عزا ومنعة
فياليتكم تأتون بالكلمات
أتوا أهلهم بالمعجزات تفنناً
أيطربكم من جانب الغرب ناعب
ينادي بوأدي في ربيع حياتي؟
стр. 9104
هذه هي الصورة الأولى كما أوضحها الشاعر حافظ إبراهيم، وهي كما رأيتها- وأعتقد أن غيري رآها كذلك- خالية من النواح على طريقة النائحة المصرية التي تتحسر على شباب الميت وهي (تعدد) فضائله وتكاد تلطم خدها وتخمش وجهها وتشد شعرها وترفع ذراعيها وتشير بسبابتيْها قائلة بأعلى صوتها (يا سبعي) ..
(فإذا أتينا إلى الصورة الثانية له..) (والقول هنا للدكتور الضبيب) :
"وجدنا امرأة مهضومة الحقوق تتحدث عن المزالق التي ستؤدي بها إلى الموت وتنتهي إلى أن قومها قد آثروا عليها (ضرة) جديدة، تلك هي اللهجة العامية التي سرت فيها لوثة الإفرنج، وجاءت مشكلة الألوان كثوب ضم سبعين رقعة ونحو ذلك وهي أوصاف وأفكار منتزعة من بيئة (النساء الضرائر) وما يحدث بينهن من الغيرة (والسب والشتم والردح) .."
هكذا شاء الناقد الدكتور الضبيب أن يعطينا تصوره للصورة الثانية من قصيدة الشاعر حافظ إبراهيم..
ولكن.. هل كانت تلك الصورة الثانية حقا كما تذوقها وتصورها الدكتور الناقد؟ لنسمع اللغة العربية على لسان الشاعر حافظ إبراهيم وهي تقول:
إلى لغة لم تتصل برواة؟
أيهجرني قومي- عفا الله عنهمو
لعاب الأفاعي في مسيل فرات
سرت لوثة الإفرنج فيها كما سرى
مشكلة الألوان مختلفات
فجاءت كثوب ضم سبعين رقعة
стр. 9105
بهذا (السب والشتم والردح) وما إلى ذلك من أسلوب النساء الضرائر- على حد تذوق الدكتور الضبيب- جاء عتاب العربية لقومها واستنكارها لهم لأن هجروها وهي العريقة الأصيلة التي بذل فيها الأولون ما بذلوه من أجل الحفاظ عليها، والإبقاء على جمالها ورونقها، والعمل على غناها ووفرتها، حتى هجرها أبناؤها أو كادوا إلى أي شيء؟.. إلى عامية لا أصل لها ولا عراقة، فلم يأخذها الخلف عن السلف بطريق الرواية التي تحفظها من الغير كما هو الشأن في العربية الأصيلة لغة القرآن الكريم؛ وكأن اللغة تشير بذلك إلى تلك الأساليب المرقعة التي كانت مستعملة أيام نشر هذه القصيدة- وسيأتي تفصيل لذلك فيما بعد- حتى خرجت على الناس أو خرج الناس بها خلطا من العربية والأجنبية يثير التهكم والسخرية. فالعربية- في هذه الصورة أيضا- لم نرها كما رآها الدكتور الضبيب- تشتم وتسب وتردح كالنساء الضرائر، بل على العكس رأيناها كما عهدناها دائما.. الذوق كله، والرفق كله، والسمو كله.. فهي وسط عتابها الشديد واستنكارها لفعل بنيها معها تسأل الله لهم العفو:
إلى لغة لم تتصل برواة
أيهجرني قومي- عفا الله عنهم
ولكن لا يمنع ذلك من أن تنبه أبناءها إلى خطورة ما هم مقبلون عليه من استعمال تلك اللغة التي (سرت لوثة الإفرنج فيها..) فلا ينبغي أن ينخدعوا بها بل من الخطر أن تتسر إلى ألسنتهم.. وإلا فهي (لعاب الأفاعي في مسيل فرات) ..
وزيادة في تحقير ذلك الخليط من (العامية العربية الأجنبية) جاء تشبيه تلك اللغة بذلك الثوب الخلق وقد جاوزت رقعة السبعين مختلفة الألوان والأشكال، وليتصور العقلاء مدى السخرية التي تلحق بكل من يرتديه..
فهل رأي أحد في كل ذلك (ضرة) تكيل لضرتها سبا وشتما و (ردحا) ؟
стр. 9106
أما الصورة الثالثة- حسب تصور وتذوق الدكتور الضبيب- فهي صورة امرأة (متسولة) تلبس ثياب المكدين، و (تمد يدها) إلى الكتاب والأدباء شاكية سوء حظها، شارحة واقع حالها طالبة منهم أن يهبوا إلى نجدتها وإلا فإنها على وشك الموت والهلاك.. ويشير الدكتور الناقد بشرحه هذا إلي أبيات الشاعر حافظ إبراهيم:
بسطت رجائي بعد بسط شكاتي
إلى معشر الكتاب والجمع حافل
وتنبت في تلك الرموس رفاتي
فإما حياة تبعث الميت في البلى
ممات لعمري لم يقس بممات
وإما ممات لا قيامة بعده
وهكذا أيضا لم ير الدكتور الضبيب في هذه الصورة سوى صورة (المرأة المتسولة الشاكية الباكية والتي تمد يدها تسأل العطاء..) ..
ويبدو أن الناقد قد نسي أن الخطاب هنا موجه إلى أهل العلم الذين يمكنهم أن يدركوا اللغة من سقطتها.. وأهل الدراية الذين يمكنهم أن يرفعوا من شأن لغتهم.. معشر الكتاب، فجعل الحديث إليهم تسولا!!
كما يبدو أن الناقد هنا نسي أن اللغة تشفق على أبنائها أن يكونوا هم الذين يتسولون عندما يتطلعون إلى غيرهم ويستعيرون أو يتسولون منهم الكلمات والعبارات.. فقلب الناقد الوضع، فوضع اللغة ورفع من شأن المتسولين..
فالشاعر حافظ إبراهيم لم يضع اللغة هنا موضع (المرأة المتسولة) كما فهم الدكتور الضبيب.. وإنما صورها في صورة الأم العطوف الشفوق الحنون التي لا تود أن ترى أبناءها يتسولون..
والشاعر حافظ إبراهيم لم يصور اللغة بالمرأة التي (تمد يدها) تتسول من لئام.. وإنما هي الأم الرؤم التي بسطت رجاءها إلى معشر كرام الكتاب.. أهل العلم والدراية والغيرة..
ثم إنها هي الأم عزيزة النفس كريمة المحتد.. الأم القدوة التي ترسم لبنيها طريق العزة والكرامة وتأبى لبنيها أن يعيشوا عالة على غيرهم، وإلا فلا كان ذلك اليوم الذي يعيش فيه أبناء العربية على فتات الآخرين:
وتنبت في تلك الرموس رفاتي
стр. 9107
فإما حياة تبعث الموت في البلى
ممات لعمري لم يقس بممات
وإما ممات لا قيامة بعده
والعجيب بعد كل هذا أن يختم الدكتور الضبيب هذه النظرات النقدية حول قصيدة الشاعر حافظ إبراهيم، بقوله: "تلك هي قصيدة حافظ التي نضعها بين أيدي أبنائنا في المدارس في مرحلة من أخطر مراحل حياتهم، فأي احترام نطالب هذا التلميذ به وقد رأى لغة تلبس هذه الأسمال (وتدور شاكية، تارة تنوح وتعدد، وتارة تسب وتشتم وثالثة تشكو وتتسول) .. إن خيال حافظ السطحي لم يستطع أن يجلو لنا اللغة العربية إلا في تلك الصورة المنتزعة من بيئة النساء في أحوال الضعف والهوان، وهي صورة لا تنمي في نفوس أبنائنا الاعتزاز بهذه اللغة ولا الإعجاب بها. وإن كانت تثير العطف والشفقة، وفرق بين الموقفين.."
ومما يثير العجب أكثر وأكثر أن الناقد المتذوق الدكتور الضبيب قد ساق في المقابل النموذج البديل الذي يمكن أن يحل محل ذلك النموذج السابق الذي حاول جاهداً أن يبرزه في صورة تافهة محقرة ولكنه لم يستطع أن ينكر أنها (ذائعة مشهورة) .
стр. 9108
فيقول في معرض تقديمه للنموذج البديل: "وإذا كانت قصيدة حافظ شائعة ذائعة، فبين يدي الآن قصيدة مغمورة مهجورة لشاعر لا يكاد يعرفه إلا مواطنوه من سكان الخليج العربي هو الشاعر الكويتي صقر بن سالم الشبيب (توفي سنة ١٩٦٣ م) "ودون أن يسائل الدكتور الضبيب نفسه على الأقل لماذا أقر بأن قصيدة الشاعر حافظ إبراهيم (مع هذا كله) شائعة ذائعة؟ ولماذا كانت تلك القصيدة التي سيقدمها لقراء العربية (مغمورة مهجورة) وهي على حد قوله: لشاعر لا يكاد يعرفه إلا مواطنوه، مع أن فيها من عناصر الجمال- على حد قوله أيضاً- ما يجعلها تتفوق على قصيدة حافظ إبراهيم؟.. دون أن يفعل ذلك.. أخذ الدكتور الناقد يتناول القصيدة الجديدة بالنقد والتحليل، وعلى غير العادة في أسلوب الدكتور الضبيب تحولت العبارات الأدبية والأساليب (الرفيعة) التي أهداها لقصيدة الشاعر حافظ إبراهيم.. عبارات النوح والتعدد والسب والشتم والتسول.. إلى العبارات التي تستحقها القصيدة الجديدة وصاحبها (على الرغم من بعض عيوبه الشاعرية) على حد قول الدكتور الضبيب نفسه.. ولكن على الرغم من هذه العيوب الشاعرية فإن أسلوب الدكتور الناقد لها شاء أن يتخير لها ما يناسبها من عبارات (الجودة، والصور الجميلة التي تبعث على الاحترام) والعبارات التي تبرز (مواطن الجمال) والفتنة، وأن الشاعر قد وفق إلى إبراز عنصر جديد استحق به مرتبة التفوق على الشاعر حافظ إبراهيم، هكذا في تغير مفاجئ في طريقة النقد..
ولننتقل مع الدكتور الضبيب إلى القصيدة الثانية التي بدأ في تقديمها بقوله:
стр. 9109
"هذا الشاعر على الرغم من بعض عيوبه الشاعرية إلا أنه تناول موضوع اللغة العربية تناولا جيدا وصورها بصورة جميلة تبعث على احترامها، وتجعلنا نستشعر خطأنا نحوها وتفريطنا في حقها.. وأخذ الدكتور الناقد يكشف النقاب عن السبب الذي حفز صاحب القصيدة الجديدة على قولها- الأمر الذي لم يحرص عليه، ولم يفكر فيه بالنسبة لقصيدة الشاعر حافظ إبراهيم- فيقول ومبعث قصيدة صقر أنه كان يزور المدرسة المباركية في الكويت، وحدث أن كان جالساً على كرسي قرب أحد الفصول فإذا به يسمع مدرس اللغة العربية في ذلك الفصل وقد امتلأ حديثه وشرحه بالأخطاء الفادحة فأثار ذلك الموقف شعور الشاعر، وكانت قصيدته التي بدأها بقوله:
حتى لكدت أذوب في أشجاني
ما زلت أسمع لحن ذا اللحان
إلا وشان البيت بالألحان
لم يلق من بيت على طلابه
شهدت له بالعلم والعرفان
خذلت بني قومي شهادته التي
فالجهل يدينه من الصبيان
إن تعل صبيان المدارس سنه
تدريسه ضرب من الهذيان
لهفي على الفصحى يدرسها أمرؤ
بهذا المطلع برزت لنا قصيدة صقر بن سالم الشبيب، التي شاء الناقد الدكتور الضبيب أن يقدمها لأبناء العربية بدلا من تلك القصيدة التي خرج علينا حافظ إبراهيم (بخياله السطحي) على حد تعبير الدكتور الناقد، فكانت، الحقيقة: أن أنبأت قصيدة صقر بنفسها عن الفارق الهائل الذي يبدو من أول وهلة بين قصيدته وقصيدة الشاعر حافظ إبراهيم، وإلا فأين قوة المطلع وبراعة الاستهلال في قصيدة صقر من براعة الاستهلال في قصيدة الشاعر حافظ إبراهيم- والتي لم يرد الدكتور الناقد أن يذكرها- وهي:
وناديت قومي فاحتسبت حياتي
رجعت لنفسي فاتهمت حصاتي
عقمت فلم أجزع عقمت لقول عداتي
رموني بعقم في الشباب وليتني
رجالا وأكفاءَ وأدت بناتي
ولدت ولما لم أجد لعرائسي
فهل في مثل مطلع:
حتى لكدت أذوب في أشجاني
стр. 9110
ما زلت أسمع لحن ذا اللحان
وما يليه من الأبيات (ويمكن الرجوع إليها ثانية) ، هل في مثل المطلع الأخير من حرارة المشاعر وتدفقها ما يمكن أن نلمسه مثلما لمسناه في قصيدة الشاعر حافظ إبراهيم؟
وهل يمكن أن نجد في مطلع صقر والأبيات التي تليه من الكلمات الشاعرة والعبارات الموحية مثلما نجده في مطلع الشاعر حافظ إبراهيم والأبيات التي تليه.. من مثل "رجعت لنفسي"- "اتهمت حصاتي"- "احتسبت حياتي"- "رموني بعقم"- "ليتني عقمت فلم أجزع لقول عداتي"..
رجالا وأكفاء وأدت لبناتي"؟!
"ولدت ولما لم أجد لعرائسي
هذا من ناحية حسن المطلع وبراعة الاستهلال وانتقاء الألفاظ والعبارات الشاعرة الموحية.. أما من ناحية أن الناقد قد قدم لقصيدة صقر مبينا الظروف التي أوحت إليه بقصيدته هذه فقد كان على الدكتور الضبيب- إنصافا للشاعر حافظ إبراهيم- أن يذكر شيئا عن الظروف التي أوحت إليه هو الآخر بقصيدته، بدلا من أن يتهمها وصاحبها (بالخيال السطحي) وبدلا من أن يرغم (العربية) من أن تقول مضطرة مكرهة (يا سبعي) وما قالتها..
أجل.. كان على الدكتور الناقد- إحقاقا للحق ووضعا للأمور في نصابها أن يذكر شيئا ولو عن طريق التلميح عن (مناسبة النص) مراعاة للتاريخ الأدبي حتى يمكن للقارئ العربي وللقارئ المسلم على وجه العموم أن يربط بين النص والظروف المحيطة به ومن ثم يصدق الحكم ويسلم القول..
أما وأن الدكتور الضبيب لم يذكر شيئا من ذلك فإني أراني مضطرا إلى ذكر طرف من الظروف التي أحاطت بالشاعر حافظ إبراهيم حتى اضطر إلى قصيدته (اللغة العربية تنعى حظها بين أهلها) ..
стр. 9111
ولد حافظ إبراهيم سنة ١٨٧٢ م (أي منذ أكثر من مائة عام) .. ومعلوم أن تلك الفترة كانت من أحلك الفترات التي مر بها تاريخ مصر وهي ترزح تحت الحكم الأجنبي وسيطرة المستعمر الدخيل.. وشب حافظ ليرى أمته مهيضة الجناح مغلوبة على أمرها، والمستعمر يدس بأنفه في كل شيء، لا يعبأ بمقدسات ولا يرعى حرمات، ولم يكن من مصلحة المستعمر أن يستشعر المسلمون كرامتهم أو أن يحسوا بمقومات حياتهم أو مقدساتهم. ومن ثم سلّط همه على أبرز ما يمكن أن يجتمع المسلمون تحت لوائه.. القرآن الكريم.. ولم يكن المستعمر من الغباء بحيث يهيّج مشاعر المسلمين بالتهجم على كتاب الله فجاءه من ناحية لغته.. العربية.. والتي عن طريقها كذلك كانت حضارة الإسلام والمسلمين..
وجاء أمثال (وليم ويلكوكس) ذلك المهندس الإنجليزي.. جاء إلى مصر سنة ١٨٨٣م ليثبط من عزم المصريين، وليثنيهم عن محاولة التقدم العلمي، بحجة أن (الفصحى) لا يمكن لها أن تقوم بهذا الدور الحضاري [١] . ثم يجيء مستر (ويلمور) سنة ١٩٠١ م ليدعو أحد قضاة محاكم الاستئناف بالقاهرة إلى استعمال العامية بدلا من الفصحى، ودعا إلى ما أسماه (لغة القاهرة) وأن يوضع لها قواعد.. واقترح اتخاذها لغة للعلم والأدب، كما اقترح كتابتها بالحروف اللاتينية [٢] ..
وكثر المقترحون من أهل اللغات الأجنبية (لشدة حرصهم على العربية) !!!
وكان من سوء حظ العربية بين أهلها أن وجدت هذه الدعاوى وتلك المقترحات آذانا مصغية من مثل (الخورى غصن) في سوريا سنة ١٩٢٥، ثم تبعه (سلامه موسى) في مصر سنة ١٩٢٦ م.. ومعلوم أن (حافظ إبراهيم) توفى سنة ١٩٣٢ م.
وكان من أقوال (الخوري غصن) في كتابه (درس ومطالعة) وتحت عنوان (حياة اللغة وموتها) : "أن كل لغة على وجه الأرض ماشية إلى الفناء مهما بلغت من المجد والكمال وذلك لأن كل حي يولد فينمو فيبلغ أشده، فشبابه، ثم يضعف ويهرم ويموت ... "
стр. 9112
"إن اللغة العامية يسهل عليها اقتباس الكلمات أيا كان مصدرها، ولو أجنبيا، أما الفصحى فلا وجه لها إلى الاغتناء إلا في أن يتواطأ أرباب اللغة فيها على وضع ألفاظ جديدة..".
"إن اللغة الفصحى تزول وإن اللغة العامية هي التي ترتقي إلى درجة لغة فصيحة وإن اللغة الفصحى قد تترقي بترقي التمدن ولكنها لا تستطيعْ مجاراة اللغة العامية".- "إن الآلاف من أبناء لبنان يتضورون جوعا إلى آداب راقية قريبة المنال عذبة اللفظ مكتوبة بلغتهم، وجميع هذه الشروط لا تجتمع إلا في العامية.." [٣] .
ثم يأتي سلامه موسى في مصر- ولم يكن أقل هدما للعربية من سابقيه- ليلخص سبب حملته على العربية في قوله: "لست أحمل على الفصحى إلا لسببين: الأول صعوبة تعلمها، والثاني عجزها عن تأدية أغراضنا الأدبية والعلمية" (وطبعا نسي كل هؤلاء كيف وصلت أساب الحضارة والتقدم العلمي إلى دول الغرب والشرق عن طريق العربية على أيدي العلماء المسلمين منذ القدم) ثم يخلص سلامه موسى إلى إعلان آرائه ومقترحاته (الهامة) في سبيل اصطلاح اللغة وتعديل الفصحى على الوجه الآتي:
١ - إلغاء الألف والنون من المثنى والواو والنون من جمع المذكر السالم.
٢- إلغاء التصغير.
٣ - إلغاء جمع التكسير كله والاكتفاء بالألف والتاء لغير المذكر السالم.
٤- إلغاء الإعراب والاكتفاء بتسكين أواخر الكلمات.
٥- إيجاد حرف كبير عند ابتداء الجمل (أسوة باللغة الإنجليزية مثلا) .
٦- استعمال الألفاظ العامية.
٧- عدم ترجمة الألفاظ الأوروبية والاكتفاء بتعريبها كأن نقول (بسكليت) بدل (دراجة) .. وهكذا [٤] ...
стр. 9113
فهل عرف الدكتور الضبيب هذه الظروف التي أحاطت بالشاعر حافظ إبراهيم وأطلقت شاعريته بهذه القصيدة، وأظهرت غضبته العارمة على ذلك الوجه الذي لم يعجب الدكتور الناقد؟ وهل تصور الناقد مدى الحزن الذي أقام الشاعر وأقعده خوفا على العربية التي هوجمت في عقر دارها، فأطلقها نفثة مصدور علّ هناك من يسمع ومن يجيب؟..
على أية حال.. لقد كان موقف حافظ إبراهيم وقتذاك هو موقف كل غيور على لغة القرآن.. واستطاع هو وأمثاله من أهل اللسن والبيان أن يخرسوا ألسنة الباطل، وأن يعلو بفضل الله كلمة الحق.. وأقر العالم كله بسيادة العربية لغة القرآن- ولكن بعد جهاد طويل وعمر طويل كان نموذجا رائعا من نماذج الكفاح- وأصبحت العربية الآن بفضل الله أولا، ثم بوقفة هؤلاء الصامدين دفاعا عنها- أصبحت من لغات التخاطب في المحافل الدولية وأقيمت لها المجامع، وعقدت بها ومن أجلها المؤتمرات هنا وهناك، وأنشئت باسمها المعاهد والكليات في كثير من بقاع العالم الإسلامي، وإذن فقد تغيرت الظروف إلى حد كبير بين فترة كفاح مرير عاشها الشاعر حافظ إبراهيم، وفترة تعتبر من ثمار هذا الكفاح عاشها صقر ابن سالم الشبيب، ومن ثم لم يكن غريبا أن تكون القصيدة الأولى مفعمة بالأحزان وإن كانت لم تخل من أمل ومن حفز للهمم، خاصة وأن العربية فيها تتحدث عن مقومات نجاحها كما عبر عنها الشاعر حافظ إبراهيم:
وما ضقت عن آي به وعظات
وسعت كتاب الله لفظا وغاية
وتنسيق أسماء لمخترعات
فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة
فهل ساءلوا الغواص عن صدفاتي؟
أنا البحر في أحشائه الدر كامن
ومنكم وإن عز الدواء أساتي؟
فيا ويحكم أبلى وتبلى محاسني
стр. 9114
كما أنه لم يكن غريبا أن يتفاءل صقر بن سالم الشبيب فيما قاله من شعره، وإن كان تفاؤلا لا يغري بإقدام أو إغراء وكيف يكون هناك إقدام أو إغراء لأبناء العربية بالعودة إلى لغتهم الأم، وهم يتصورن أنفسهم كالأنعام السائمة تعود إلى مرعاها، على حد تصوير الشاعر صقر بن الشبيب:
يمضي ولو حين من الأحيان
فتوقعي أن يرجعوا من قبل أن
(مرعى ولكن ليس كاسعدان) ؟
متمثلين لدى الرجوع بقولهم
وإذا كان الشاعر حافظ إبراهيم في قصيدته (الحزينة) قد استطاع أن يبرز لنا صوراً محددة تعبر عن سعة العربية وعمقها، وقوتها وتدفقها، وجمالها وطيب عنصرها، كل ذلك من خلال ثلاثة أبيات من قصيدته:
وما ضقت عن آي به وعظات
وسعت كتاب لفظاً وغاية
وتنسيق أسماء لمخترعات
فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة
فهل ساءلوا الغواص عن صدفاتي؟
أنا البحر في أحشائه الدر كامن
فهل استطاع صقر بن سالم أن يعبر عن مثل تلك المعاني في ستة أبيات من قصيدته (المتفائلة) هي كل ما قاله في هذا المجال، مجال الحديث عن العربية وما تتحلى به من مظاهر الحسن والجمال؟.. يقول الشاعر صقر:
وهم من الفصحى بخير مكان
إنا لنأمل في بنينا أن يروا
ما أضمرته حوادث الأزمان
كي يظهروا من حسنها وجمالهما
مغرى الفؤاد بحسنك الفتان
يا أيها اللغة الجميلة إنني
سر الجمال لديك عين جناني
ألقى جناني حب غيرك مذ رأت
فهواك سد منافذ السلوان
الحسن والإحسان فيك تكاملا
فهل زاد صقر في هذه الأبيات عن ذكر عبارات الإطراء المتراصة في وصف العربية بالحسن والجمال وأنه مغرى بحسنها الفتان، وأنه ما كادت عين جنانه ترق سر جمالها حتى ألقى حب غيرها وراءه ظهريا، وأنه سيظل أسير حبها بعد أن سد هواها عليه كل منافذ السلوان.. أما وقد تكامل فيها الحسن والإحسان، فالحر عبد الحسن والإحسان ...
стр. 9115
بتلك الألفاظ والكلمات المتراصة، وهذه العبارات العامة التي أطلقها الشاعر ليكشف عن إحساسه بجمال العربية كانت أبياته في قصيدة، دون أن يشعرنا معه ولو في بيت واحد، أو حتى في صورة واحدة بما يمكن أن يكون في الحيية نفسها من مظاهر الحسن والجمال من مثل ما قالته العربية على لسان حافظ في البيت:
وما ضقت عن آي به وعظات
وسعت كتاب الله لفظا وغاية
أو في البيت:
فهل ساءلوا الغواص عن صدفاتي؟
أنا البحر في أحشائه الدر كامن
ومع ذلك كله نرى ونسمع الرأي الأخير للدكتور الضبيب وهو يحكم بالتفوق لصقر وقصيدته ورسوب حافظ إبراهيم.. بل وأكثر من ذلك.. حثنا جميعا أن نتحاشى الشاعر حافظ إبراهيم وذوقه.. تحت ذلك العنوان الكبير: (فلنحرر أذواقنا من حافظ إبراهيم) ..
стр. 9116
أما لماذا تفوق صقر في نظر الناقد؟.. فالجواب ما قاله هو حرفيا في معرض تفضيل صقر على حافظ.. يقول الدكتور: "ولكنه- أي صقر- مع ذلك وفق إلى إبراز عنصر جديد يدل عليه مجرى التطور للغة العربية وهو إمكانية عودة العرب إلى لغتهم والتفافهم حولها بعد أن بعدوا عنها زمنا ليس بالقليل. وهو بهذا الموقف المتفائل يجعل اللغة منتصرة دائما عزيزة دائما ثم يقول: "هذا العنصر المتفائل وذلك الموقف الشامخ الصامد للغة العربية أمران يميزان قصيدة صقر ويجعلانها تتفوق على قصيدة حافظ إبراهيم، لأن اللغة العربية باقية بقاء الدهر وكيف تموت؟.."وإني لأعتقد أن الدكتور الضبيب لو وضع كل الظروف المحيطة بالشاعر حافظ إبراهيم وقصيدته وقت أن قالها لما حمل عليه تلك الحملة، ولما تقول عليه بما لا يقال، ولما جعل عنصر التفاؤل أو التشاؤم هنا مقياسا للجودة أو الرداءة.. فلقد كان لكل ظاهرة ما يدعو إليها ولكل مقام مقال.. وماذا كان يمكن أن يقوله حافظ إبراهيم في أقوام أعلنوها نهارا بأن العربية يجب أن تنتهي وقد عفا عليها الزمان، ويجب أن يبحث الناس عن البديل، إلى آخر ما قالوه في ذلك الوقت من آراء ومقترحات؟ هل كان ينتظر منه والحالة هذه أن يملأ حياة الناس بالأحلام السعيدة والأماني العذبة البراقة؟ أم أن الأولى من ذلك أن يوقظ الواهمين الغافلين من إغفاء قبل فوات الأوان؟ ثم إن حافظ إبراهيم لم يغفل نهائيا عنصر الأمل أو التفاؤل في قصيدته، لأنه لم يفقد ثقته في العربية لحظة واحدة، ولم ير هناك استحالة قط في أن يعود القوم إلى لغتهم أصل حضارتهم وتراثهم، ومن ثم كانت صرخة العربية المدوية في بنيها في قصيدة حافظ:
ومنكم وان عز الدواء أساتي؟
فيا ويحكم أبلى وتبلى محاسني
أخاف عليكم أن تحين وفاتي
فلا تكلوني للزمان فإنني
стр. 9117
فليس ثمة عنصر جديد في قصيدة صقر تفضل به على قصيدة حافظ من هذه الناحية، وغاية الأمر أن يقال: إن لكل من الشاعرين طريقته في دعوته حسبما أملته عليه الظروف التي عاشها.
بقى أن أشير إلى بعض الأخطاء التي وقعت في مقال الدكتور الضبيب ولعلها كانت من قبيل السهو وجل من لا يسهو..
من هذه الأخطاء ما يقوله عن عدم وجود إحساس داخلي بأهمية اللغة لا (كوسيلة) من وسائل التعبير فحسب، وإنما (كأداة) لصياغة الفكر (وكخصيصة) خالدة من خصائصنا المميزة و (كلسان) مقدس حمل إلينا كلام الله العزيز والمعروف أن (الكاف) تأتي إذا كان في الكلام ما يشعر بالتشبيه ولا تشبيه هنا، ومن ثم فالتعبير الصحيح أن يقال: (لا باعتبارها وسيلة.. وإنما باعتبارها أداة لصياغة الفكر، وباعتبارها.. الخ.. كذلك يقول الدكتور: "ويقدم إليه بطاقة سوداء تعزية بهذه اللغة"والأصح أن يقول: "تعزية في هذه اللغة"فالميت لا يعزى به وإنما يعزى فيه..
ثم إن أخشى ما أخشاه من قبل ومن بعد أن تضيق علينا لغتنا العربية على اتساعها، فلا نجد ما يساعفنا في التعبير عنها وبها، ونظل كذلك حتى يأتي اليوم الذي يصدق علينا فيه قول العربية على لسان حافظ إبراهيم:
رجالا وأكفان وأدت بناتي!!
ولدت ولما لم أجد لعرائسي
وخلاصة القول.. هي أننا إذا حاولنا النظر في المقال وفيما جاء فيه من نقد لحافظ إبراهيم وقصيدته، فإننا نجده نقدا شخصيا خالصا، يصدر فيه الناقد عن رأيه الشخصي وحده، ولا أعتقد أن هناك واحدا من قراء العربية الآن يجهل حافظ إبراهيم ولا الناقد بمستطيع أن ينتزع منه انتزاعا تذوقنا لشعر حافظ إبراهيم..
стр. 9118
وهو نقد شخصي متحامل.. جائر.. غير منصف.. ودليل ذلك أنه كان كلاما يميل فيه صاحبه إلى جانب دون الآخر بغير حق ولا إنصاف.. فينقد بما يريده في الوقت الذي يريده والمكان الذي يريده.. ثم يغفل ما يريده.. ثم يغفل ما يريد عندما يشاء. يغفل التمهيد لقصيدة حافظ لإشعار القارئ بمدى الخطأ الفاحش والذوق الممجوج في شعره- والقارئ أوعى من أن يتلقى أوامره في استقباله لشعر حافظ تحت شعار: (فلنحرر أذواقنا من حافظ إبراهيم) .. بينما نجد الناقد قد حرص على أن يقدم لقصيدة صقر ليبين للقارئ مدى الترابط (الجيد) بين النص والمناسبة التي قاله فيها.. والعجيب في الأمر أن الناقد لقصيدة حافظ مع إغفاله المناسبة التي قيلت فيها.. قد حرص بإلحاح- على أن يعرض ببيئة حافظ ذلك التعريض المزري، مع أنها هي البيئة التي ربت حافظا وشوقيا وغيرهما ممن لم ينجب الزمان بعدهم..
وبالطبع لم يشر الناقد إلى شيء مما يتعلق ببيئة صقر، فليس هناك ما يدعو إلى ذلك من
وجهة نظره..
هو نقد شخصي.. لأن عباراته تنبئ بذلك، فما في قاموس النقد كلمات (خاصة) صالحة للاستعمال في جانب الشاعر حافظ إبراهيم وبيئته حتى إذا أفرغ الناقد ما في جعبته، تحول بكل الرفق واللين وعبارات الثناء والإطراء إلى الجانب الآخر فيتأنق في اختيار ما يناسب صقرا وقصيدته، لأنه الشاعر الجدير بكل إطراء.
أما النقد الموضوعي فلم يعرف سبيله إلى الدكتور الضبيب، وإلا فعلى أي مقياس من مقاييس النقد ومعاييره كان هذا الكلام؟
وعلى أي وجه من أوجه الموازنة وضع كلا من القصيدتين في الميزان؟
ثم.. متى كان للناقد حق التدخل في أذواقنا نحن بهذا الأمر الجازم: (فلنحرر أذواقنا من حافظ إبراهيم) ، دون أن يعطينا القدوة المتمثلة في طريقة النقد الصحيح؟!!
لا.. بل فلنعود أنفسنا أسلوب النقد النزيه..
د. صلاح الدين محمد عبد التواب
стр. 9119
١ اللغة العربية بين حماتها وخصومها للأستاذ أنور الجندي ص ٥٤ مطبعة الرسالة بمصر.
٢ المرجع السابق ص ٦٠
٣ المرجع السابق ص ٨٩.
٤ اللغة العربية بين حماتها وخصومها ص ٩٩.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] اللغة العربية بين حماتها وخصومها للأستاذ أنور الجندي ص ٥٤ مطبعة الرسالة بمصر.
[٢] المرجع السابق ص ٦٠.
[٣] المرجع السابق ص ٨٩.
[٤] اللغة العربية بين حماتها وخصومها ص ٩٩.
стр. 9120
كيس المرارة
المجاري الصفراوية
للدكتور: سيد أحمد عبد البر/ مدير الإدارة الطبية بالجامعة.
إن أمراض كيس المرارة Gall Bladder والمجاري الصفراوية من الأمراض المنتشرة انتشارا كثيرا في وطننا العربي.
كيس المرارة يشبه حبة الكمثري طوله من ٧-١٠ سم وسعتها حوالى ٣٠ سم وتقع في السطح الأسفل للكبد- وهي المخزن الذي يتم فيه تخزين السائل المراري وتركيزه بين الوجبات.
يفرز السائل المراري بمعرفة الكبد ليلا ونهارا وبصفة مستمرة وتبلغ كميته حوالي لتر إلى لتر ونصف يوميا في ضغط ١٥-٣٠ سم / ماء - لونه أصفر ذهبي داكن ـ متعادل أو أقلوي التفاعل ويحتوي على ملونات الصفراء Bile pigmemts ٥٠ ملجم %-وأملاح الصفراء ١ مجلم % Bile salt وكوسترول cholesterol ٦٠ ملجم % - والمواد التي تزيد من تكوينه تسمى Choleretics مثل أملاح الصفراء وسكرتين ٍ Secretin - وفي كيس المرارة السليم يتغير تفاعل السائل المراري ويصبح حمصينا.
- جسم الإنسان لا يحتاج إلى السائل المراري إلا أثناء عملية الهضم فقط فيتم تخزينه في كيس المرارة إلى حين الحاجة إليه - وحجم السائل المراري المفرز بين الوجبات يبلغ حوالي ٦٠٠ سم ويتم تركيزه في كيس المرارة حوالى ٢٠ مرة ليصبح حجمه حوالى ٣٠ سم تقريبا وهو حجم الكيس - ويتم التركيز بامتصاص الماء وملح الطعام Sodium Chloride والبيكربونات Sodium Bicarbornate
- كيس المرارة السليم يفرز Mucus فقط - أما كيس المرارة المريض فيفرز كذلك كالسيوم وكولسترول ويمتص أملاح الصفراء بكثرة.
- يساعد السائل المراري في عملية هضم وامتصاص المواد الدهنية التي نأكلها في الطعام.
стр. 9121
- تشترك القناة المرارية Bile Auct مع قناة البنكرياس Pancreatic Duct وتكون قناة واحدة تفتح في الإثنى عشر بواسطة فتحة تهيمن عليها عضلة تسمى عضلة أودى sphimcter of oddi عندما يكون الإثنى عشر Ruo denum خاليا من الطعام تتقلص هذه العضلة وتمنع السائل المراري من الانسكاب فيه وينتح عن ذلك تجمع السائل المراري في القنوات الصفراوية وفي كيس المرارة.
ينظم عملية امتلاء وتفريغ كيس المرارة عوامل كثيرة:
١- كان الاعتقاد السائد بأن الأعصاب اللاشعورية هي التي تهيمن على هذا التوزيع ولكن أثبتت الأبحاث الحديثة بأن هناك هرمون يسمى كوليسستوكينين Cholecystokinin هو الذي يهيمن على امتلاء وتفريغ الكيس المراري- وهذا الهرمون يتكون في الإثنى عشر ويمتص بدرجة كبيرة عند وجود مواد دهنية في الإثنى عشر- يسبب هذا الهرمون انقباض كيس المرارة ويرفع من ضغطها إلى ٢٥ سم/ ماء وهذا أعلى من ضغط عضلة أودي الذي يؤدي بدوره إلى انبساطها- وفي الوقت نفسه أقل من الضغط في القنوات الكبدية وبذلك يمنع رجوع سائل الصفراء إلى الكبد.
- في حالة المريض الصائم فان كيس المرارة ينقبض.. Slow spontaneous contraction من خلال تأثير عصبي.. Nervous Reflex
٢- هناك مواد تسبب انقباض كيس المرارة تسمى Cholasosus مثل الدهنيات- زيت الزيتون olive oil المورفين- المهدئات- سلسلات الصوديوم - الملح الإنجليزي Mag sulphate الخ
٤- امتلاء كيس المرارة يؤدي إلى انبساط عضلة أودي ويسمح لسائل الصفراء من الكبد للمرور للإثنى عشر وهذا يحدث غالباً في الصباح قبل تناول الإفطار.
٥- هناك عوامل أخرى تتدخل في تنظيم وانقباض أو استرخاء المجاري الصفراوية وأهمها ازدياد ضغط التجويف البريتوني كما يحدث في حالات الحمل عند النساء أو عند وجود أورام كبيرة أو استسقاء في البطن.
стр. 9122
٦- كما أن العوامل النفسية من حزن واكتئاب وكذا الميكروبات المختلفة لها تأثير هام لقلب هذا التوازن.
إن تركيز السائل المراري لدرجة كبيرة من أهم العوامل المساعدة لتكوين الحصوات المرارية GALL STONES يؤدي تركيز السائل المراري إلى ازدياد نسبة أملاح المرارة والكولسترول والمواد الملونة للسائل المراري الذي يتحول لونه إلى سائل أخضر داكن عسلي القوام- وإذا استمر السائل المراري مختزنا في الكيس المراري مدة غير عادية فإنه يزداد تركيز المواد الملونة.. وهذا يؤدي إلى اتحاد هذه الملونات بعنصر الكالسيوم فترسب وتكون حصوات المرارة.
كما أن زيادة تركيز السائل المراري وبطء تفريغ كيس المرارة يؤدي إلى حدوث الالتهاب الذي بدوره يساعد في تكوين حصوات المرارة.. وهناك ارتباط متبادل بين حصوات المرارة والتهاب المرارة..
فإن التهاب المرارة Infection حصوات المرارة Stonex
فمثلاً في حالة المرارة المريضة يزداد امتصاص أملاح الصفراء- وهي في نسبتها الطبيعية تحافظ على سيولة الكولسترول.
والنسبة الطبيعية بين أملاح الصفراء
الكولسترول
فإذا نقصت هذه النسبة إلى ١/١٣ أو أقل يترسب الكولسترول على شكل حصوة واحدة كبيرة قد يغلفها عنصر الكالسيوم من الخارج وهذه الحصوات لونها أبيض شاحب.
كما أن عنصر الكالسيوم والكولسترول وملونات الصفراء قد تتحد مع بعضها وتكون حصوات مختلفة الأشكال والأحجام.
والتهاب المرارة بدوره يؤدي إلى تغيير تفاعل السائل المراري إلى القلوية.. Alkalinity وهذا يسبب ترسيب كربونات الكالسيوم كنواة للحصوة.
وحصوات المرارة تؤدي إلى مضاعفات عديدة وهي:
١- التهاب حاد بالمرارة قد يؤدي إلى غرغريِنا gagrenous أو حدوث ثقب Perforation أو التهاب بريتوني موضعي local biliary
٢- التهاب مزمن بالمرارة.. ch. Cholecystitis
стр. 9123
٢- التهاب مزمن بالبنكرياس ch. Pancreatitis
٤- سرطان بكيس المرارة carcinoma of gall bladder وهذا يحدث في حوالي ٥ %من الحالات..
٥- مرض بوفرت Bouvert,s syndrome وهو انسداد بالإثنى عشر ناتج من الحصوات المرارية..
٦- تكوين قناة داخلية بين كيس المرارة والأعضاء المجاورة nternal biliary firtula مثل الإثنى عشر والقولون المستعرض وغالباً يحدث هذا بعد حدوث التصاقات بين المرارة وهذه الأعضاء وبدون أي أعراض وقد يؤدي هذا إلى خروج الحصوات مع البراز ويحدث الشفاء تلقائيا وقد يؤدي إلى حدوث انسداد بالأمعاء.. gall stone Ileus
٧ - أمراض الشريان التاجي للقلب:
كيس المرارة والقنوات المرارية يكونان وحده واحدة لا تتجزأ- وعلى ذلك عند حدوث التهاب مرض يشملها جميعاً- كما أن التهاب كيس المرارة الحاد والمزمن يشمل أيضا الكبد وفي كثير من الأحوال غدة البنكرياس بدرجات متفاوتة في الشدة..
وهذه حقائق هامة يجب أن توضع موضع الاعتبار في علاج أمراض المرارة والمجاري الصفراوية وإلا كان الفشل في العلاج نتيجة محققة لهذا الجهل بالحقائق الحديثة..
ومن المهم أن نقرر أن أمراض المجاري الصفراوية حتى إذا صاحبها وجود حصوات بالمرارة قد لا تؤدى إلى الشعور بأي أعراض مرضية تجعل المريض أو الطبيب يتنبه إلى ذلك أو قد تكون الأعراض المرضية من الضآلة بدرجة يهملها المريض.
وهناك أعراض موضعية يشعر بها المريض في منطقة المرارة أو الكبد تتفاوت في شدتها وفي نوعها- فقد يشعر المريض وكأن حجراً أو ثقلاً موجود بالجهة اليمنى من أعلى البطن- أو قد يشعر بالآم تتفاوت في الشدة قد يكون موضعها محصوراً في منطقة كيس المرارة في الجهة اليمنى من أعلى البطن أو قد يمتد الألم إلى لوحة الظهر من الخلف- أو قد ينحصر الألم على منطقة القلب أو الجهة اليسرى من أعلى البطن؛ أو أسفل البطن فقط..
стр. 9124
والألم البسيط قد يكون منشوءه تقلصات بالمرارة - أما إذا صاحب الألم شعور بالبرد أو قشعريرة مع ارتفاع ولو بسيط في درجة الحرارة فهذا يدل على وجود التهاب ميكروبي بالكيس المراري والقنوات الصفراوية..
أما الأعراض الانعكاسية: أي التي يشعر بها المريض في مواضع أخرى من الجسم فكثيرة الحدوث ومتعددة النواحي- وأهم هذه الأعراض ناتج من تهيج منطقة الإثنى عشر والمعدة وكذا القولون أو المصارين الغليظة - ويسبب كل هذا شعور بالثقل والامتلاء في منطقة فم المعدة epigustrium وكذا الغثيان أو إخراج غازات بكثرة أو تجشؤ وحموضة وتكريع- وقد يكون القيء أحد الأعراض الهامة - وجميع هذه الأعراض تحدث بعد الأكل مباشرة - كما أن تهيج القولون يسبب في بعض الأحوال أدوار إسهال أو مغص وانتفاخ في البطن، والمغص المراري؛ Biliary Colic هو أشد أنواع الآلام التي يعانيها مريض المجاري الصفراوية ويتسبب من وجود حصوة بالكيس تحاول الخروج من عنق كيس المرارة- ويبدأ المغص فجأة وبشدة في الجانب الأيمن من أعلى البطن مع امتداد الألم لمكان فم المعدة.. والظهر والكتف الأيمن كما أنه قد يتقيأ المريض وقد تظهر أعراض الصفراء ويختفي الألم فجأة كما ظهر فجأة- ووجود الحصوات ساكنة في الكيس أو المجاري الصفراوية لا يسبب هذه الآلام مطلقاً..
أما حدوث اليرقان وفيه يتلون بياض العين باللون الأصفر وكذا الجلد كما يتغير لون البول ويشبه في لونه سائل العرقسوس أو الشاي الثقيل فيتسبب من وجود حصوة في القناة الرئيسية الموصولة للإثنى عشرة والهرش الذي يصاحب مثل هذه الحالة قد يسبق ظهور اليرقان في المريض.. وهنا يجدر الإشارة بأن اليرقان يحدث في أمراض أخرى سنتكلم عنها في مقالات قادمة إن شاء الله.
стр. 9125
ومن الحقائق الهامة أن التهاب الكيس المراري قد يسبب تغيرات جوهرية في رسم القلب الكهربائي ومع وجود ألم في منطقة القلب قد يشتبه في نسبة الأعراض إلى مرض بشرايين القلب كالذبحة الصدرية.. وهذا يؤدي إلى هلع المريض وتحمله مشاق ومتاعب لا يعلم إلا الله متى ينتهي منها- وعلى ذلك فإنه من المهم للطبيب المعالج أن يقطع الشك باليقين وذلك بالاستعانة برسام القلب الكهربائي ممن له دراية حقيقية بهذا النوع من الفحص.
ومما يضاعف الصعوبة في بعض الأحوال أن أمراض القلب بالذات قد تصاحب أمراض المجاري الصفراوية.. وعلى ذلك أعود فأؤكد أنه من المهم في جميع هذه الحالات الصعبة أن تتأكد من سلامة القلب وشرايينه منذ البداية وذلك بعمل رسم كهربائي للقلب..
وكثيراً ما يشبه المغص المراري آلام قرحة المعدة أو الإثنى عشر أو المغص الكلوي أو المغص المتسبب من حصوات غدة البنكرياس والإسهال وكما سبق أن قلت قد يكون أحد الأعراض الرئيسية في أمراض المجاري الصفراوية وهو في العادة إسهال دوري يحدث على فترات متقطعة ولمدة طويلة.
كما أن تضخم الكبد يصاحب دائماً أمراض المجاري الصفراوية والكيس المراري.. وقد يتضخم الطحال هو الآخر وإن كان ذلك نادراً أو بدرجات متفاوتة ومع وجود أدوار الحمى والقشعريرة قد يشخص المرض بأنه حمى ملاريا ويعالج مدة طويلة دون جدوى.
стр. 9126
وعلى ذلك ولتشابه أعراض أمراض كيس المرارة والمجاري الصفراوية بعديد من الأمراض فإنه يلزم الاستعانة بالفحوصات الطبية اللازمة لتشخيص الحالة والتفريق بينها وبين هذه الأمراض- فينصح بالفحص بالأشعة العادية وكذا الفحص بالأشعة بعد حقن مادة ملونة للمجاري الصفراوية وكيس المرارة- وكذا الفحوص المختلفة للكبد.. وعمل رسم القلب الكهربائي إذا لزم الأمر- وإنني أرى أن هذه الفحوص لازمة وضرورية للوصول إلي التشخيص الصحيح والسليم في بقية الأحوال حتى يتم علاج المريض بالطريقة السليمة وبسرعة قبل أن يستفحل المرض.
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:
"بادروا بالأعمال الصالحة فستكون فتن كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً يبيع دينه بعرض الدنيا".
(رواه مسلم)
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله".
(رواه مسلم)
عن ثوبان وغيره أن رسول الله ﷺ ، قال:
"من قال حين يمسي وحين يصبح: "رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد ﷺ ، نبياً ورسولاً كان على الله أن يرضيه يوم القيامة".
(قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح)
стр. 9127
الخمر والإدمان الكحولي
خطر يجتاح العالم - فاحذروه
الدكتور: أبو الوفاء عبد الآخر
صيدلي الجامعة الإسلامية
الحمد لله خلق الإنسان وأحسن خلقه، وأنعم عليه بنعمة الإسلام وجمل خلقه، وأكرمه بالعقل وأحسن عمله.. والصلاة والسلام على سيد الأنام، بلغ الرسالة وأدى الأمانة، وترك الأمة على المحجة البيضاء، وبصرها بالخير والشر.. صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.. أما بعد:
فإن أخطر الأفعال على الكيان الإنساني، وأشدها ضررا بالكيان الاجتماعي، لهي المعاصي، التي نهى عنها رب العالمين ، وحذر منها سيد الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليه. ومن أشد هذه المعاصي فتكا بالإنسان، وعصفا بالعقل والقيم والوجدان: الخمر.. المفسد للعقول والأبدان، والربا.. الآكل للثروات والأموال، والزنا الذي يجعل النسل والأنساب مجهولين.
стр. 9128
ودراستنا لمشكلة (الكحول، والخمر، والإدمان الكحولي) ، والتركيز على هذه المعصية التي تسمى بحق (أم الكبائر) ، لا تعني أننا نقلل من شأن باقي المعاصي، فكلها في ميزان السيئات ثقيلة، وعلى حياة الإنسان خطيرة، غير أننا أقدر على دراسة هذه المشكلة، حيث أنها ترتبط بالعلوم التي درسناها، وتقع في مجال تخصصاتنا المهنية التي نمارسها. ونحن معاشر الأطباء والصيادلة من أبناء الأمة الإسلامية، تقع علينا- أكثر من غيرنا- مسئولية التصدي لمشاكل الإدمان، ولاستعمال الكحول في الصيدلة والعلاج، والتوصل بعون الله وتوفيقه إلى الحلول الحاسمة وهي مسئولية دينية في المقام الأول، ومسئولية إنسانية في المقام الثاني. وفي مقال سابق [١] كانت الدراسة الخاصة بموضوع (التخلص من الكحول في الصيدلة والطب) قاصرة على (مقدمة ونبذة تاريخية) كمدخل للموضوع، ولقد اكتفينا بذلك القدر المختصر من الدراسة على أن يتم نشر الدراسات التفصيلية ذات الطابع التخصصي في مظانها المخصصة لمثل هذه الدراسات العلمية، وسوف نتحدث في هذا المقال وباختصار أيضاً عن النقاط التالية:
أولاً: الإدمان ودوافعه.
ثانياً: مواد الإدمان.
ثالثاً: أثار الكحول وأضراره الصحية.
رابعاً: الوقاية والعلاج.
أولا: الإدمان ودوافعه
تعريف: (الإدمان) : Addiction
هو حالة التعود على تعاطي عقار مع تولد الاعتماد البدني والاعتماد النفسي وظهور الحاجة إلى زيادة الجرعة tolerance مع احتياج الجسم بشدة إلى العقار ليصبح في حالته الطبيعية، نتيجة لعمل بعض أنسجة الجسم وأجهزته تحت تأثير مادة الإدمان، ولما يحدث من بعض التكييف في كيمياء الأعصاب وفي الوظائف المرتبطة بالتشريح العصبي بالمخ في مواجهة التواجد المستمر أو الغالب لمادة الإدمان، ولهذا يتولد بمجرد البدء في الإقلاع عن تعاطي العقار (أعراض سحب withdrawal symptoms شديدة قد تؤدي إلى أخطر الحالات) .
стр. 9129
ومن أهم العقاقير التي تسبب حالات الإدمان: الكحول، والأفيون. وإلى جانب (الإدمان) وهو الإدمان الحقيقي، توجد حالة أخرى يتعرض لها الإنسان، تسمى (التعود) Habit form: وهو الارتباط بتعاطي عقار بحيث يتولد عنه حالة اعتماد تكون أساساً ذات طابع نفسي، ويمكن تركه ببعض المشقة ولكن بدون حدوث أعراض سحب خطيرة. ونطلق على (التعود) الإدمان الكاذب، تمييزاً له عن (الإدمان) أو (الإدمان الحقيقي) ، ومن أهم المواد التي تسبب (التعود) السجائر، والقهوة، والحشيش.
الدوافع المؤدية إلى التعود والإدمان:
أولاً: علاج الأمراض وبصفة خاصة تخفيف الآلام، أو جلب النوم، وأبرز المجموعات الدوائية المرتبطة بهذا الدافع: المخدرات Narcotics والمنومات، ويشترك معهما (الكحول) كوسيلة للهروب من الحالة المرضية التي يعاني منها المريض أو كعلاج شعبي، أو كمادة صيدلانية تدخل في كثير من التركيبات الدوائية المطروحة بالأسواق.
ثانيا: الرغبة في رفع الضغوط النفسية، أو الهروب من الواقع بمشاكله ومسئولياته وأبرز
المواد المرتبطة بهذا الدافع: (الكحول) ممثلاً في المشروبات الكحولية، وكذلك المطمئنات Minor Tranquilizers والحشيش.
ثالثاً: المحاكاة والتقليد والعرف الاجتماعي، وأبرز المواد المرتبطة بهذا الدافع المجموعة المسماة بالعقاقير الاجتماعية، وأهمها (الكافيين) ممثلاً في القهوة والشاي (والنيكوتين) ممثلاً في السجائر (التبغ) ، ويشرك معهما (الكحول) ممثلاً في الخمور التي أصبح شرابها من سمات المجتمعات المعاصرة ...
стр. 9130
ومن هذا نرى أن (الكحول) هو المادة التي تتحرك بكل الدوافع: فالعامة يستعملونه كعلاج شعبي لمجموعة من الأمراض، وهم يفضلونه عن الأدوية التي تفوقه في المفعول والتي تعززها الدراسات العلمية والتجارب الطبية؛ والجبناء وضعاف الهمم والعزائم يهربون من الواقع بشرابهم (للخمور) التي تستمد شهرتها وأهميتها لكونها تمنح شاربها إحساساً نفسياً معيناً، وتقوده إلى حالة مزاجية تخرجه من واقع حياته، وذلك بجانب البقاء فترة من الوقت في حالة اللاوعي؛ وهي من المشروبات التي أصبحت من أهم المتطلبات لكثير من المجتمعات المعاصرة في حياتهم ومناسباتهم المختلفة: أفراحهم، مناسباتهم القومية، أعيادهم، حفلاتهم الرسمية، وصار الناس يقلدون بعضهم البعض في شرابهم للخمر في تلك المناسبات، فليس عجبا أن يصبح (الخمر) أكثر مواد الإدمان انتشارا، ويصبح (الإدمان الكحولي) أعم وأخطرْ أنواع الإدمان.
ويزيد من فاعلية الدوافع التي ذكرناها بعض العوامل المساعدة ومنها:
(١) المبالغة في تقييم الكحول، كعقار ومادة صيدلانية، واستعماله بكثرة في تجهيز المستحضرات الصيدلانية والتركيبات الدوائية، واعتباره من أهم المواد التي تدخل في صناعة الدواء كمذيب ومادة حافظة، حتى أنه توجد بالسوق الدوائي آلاف التركيبات الدوائية المحتوية على كحول بنسب متفاوتة، وأكثرها أدوية لعلاج السعال، ومقويات، وفاتحات للشهية ومن أشهرها مشروبات الكينا؛ ويقال أحيانا عن هذه الأدوية الكحولية بأنها مشروبات كحولية متنكرة، أو مشروبات كحولية خفية.
стр. 9131
(٢) أمراض العصر الحديث وأسلوب علاجها؛ والعقاقير المستعملة للعلاج من أكثر العوامل المساعدة للدوافع التي تسبب الإدمان؛ فقد كثرت في العصر الحديث الاضطرابات النفسية لتصاعد الصراع في النفس البشرية بين الخير المفطور عليه الإنسان، والشر الذي يوسوس به الشيطان، كما كثرت الضغوط الفكرية، والاضطرابات الوظيفية الجسدية، وكلها تعالج بأدوية مسكنة أو مهدئة أو مطمئنة أو منومة، وهي تحتوي على عقاقير تؤدي سريعاً إلى سوء الاستعمال وإلى التعود والإدمان. ومما يساعد على انتشار هذه العقاقير وإلى سهوله استعمالها، رغبة المريض المتعجلة في التخلص من أعراض المرض الذي يعاني منه، وتعجل الطبيب في علاج الحالة، وقناعته المبدئية واستحسانه لإخفاء أعراض المرض تمشياً مع رغبة المريض، لذلك فهو يسرع إلى وصف الأدوية التي تسكن الأعراض وتخفيها سواء كانت مسكنات أو مهدئات أو منومات.
(٣) الترويج والإغراء والتحريض المدعومة بوسائل الإعلام وبالتيارات الفكرية المعاصرة، وخاصة بالنسبة للخمور.
(٤) المناخ الاجتماعي الذي يسبب الظروف النفسية المؤدية إلى الإدمان، كالاختلاط والترف والتطلع، والصراع الطبقي، والمجتمع المعاصر الذي يعيش في حالة من اللامبالاة والذي لا يعترض بل ويستحسن استعمال بعض مواد الإدمان وعلى رأسها (الخمور) ، وذلك بكل مستويات المجتمع، سواء كان مجتمع الأسرة الصغير، أو مجتمع الأصدقاء والمعارف الأكبر قليلاً، أو المجتمع العام العالمي، ولا يستثنى من ذلك إلا قلة من الدول التي تطبق الشريعة الإسلامية وقلة من المجتمعات التي يسود فيها العرف والتقاليد الإسلامية.
(٥) عدم وجود عوامل المقاومة التي تعارض أو تمنع أو تعالج بجدية تلك الدوافع المؤدية
стр. 9132
إلى الإدمان (فالدين الإسلامي) - أقوى العوامل وهو الذي يتميز عن باقي الأديان بأسلوبه الإيجابي في حل المشاكل- لا يأخذ دوره المناسب بأكثر الدول الإسلامية، كأداة للحكم والتشريع والتربية. ولا يخفى على كل منصف أن تعطيل دور الوازع الديني الإسلامي الذي يبصر الناس بعواقب الأمور أو يصرفهم عن الأفعال السيئة بقناعة وحماس، قد أدى بدوره إلى انحراف الضمير العالمي فأصبح لا يرى أدنى غضاضة في احتساء (الخمر) بل ويشجع عليه بعمل المسابقات في بعض الدول بين شاربي الخمر؛ وهو يجعله رمزاً للصداقة في المؤتمرات الرسمية عندما يقرع رؤساء الدول كؤوسهم بعضها مع بعض.. كما يجعله إعلاناً عن نجاح المشروعات ويباركها به وذلك عندما يقوم كبار المسئولين في دولة ما (بتدشين) مشروعاتهم بإراقة الخمر عليها.. وبذلك وغيره لم يعد احتساء الخمر من الأفعال المعيبة التي يخجل منها الإنسان، بل أصبحت من الأفعال التي يتباهى بها ويحرص عليها.
- "وعامل العرف"الذي يولد الإحساس بالخجل، قد تضاءل أثره.
"والقوانين الوضعية"قد احتوتها شعارات الحرية الشخصية الزائفة، وشغلتها المشاكل الاقتصادية، والثورات الاجتماعية الطاحنة، وكادت أن تنظر إلى المشاكل الأخلاقية بعامة وإلى مشاكل الإدمان بخاصة، على أنها مشاكل شخصية بحتة، يتولى كل فرد من أفراد المجتمع حلها بطريقته الخاصة، ولا يليق بالدولة أن تشغل نفسها بهذه الأمور الهينة وتلك المشاكل التافهة. بل إن مشكلة (البترول والطاقة) في نظر المجتمع العالمي أفراد وحكومات أخطر على الإنسانية من مشاكل (الخمر والربا والزنا) مجتمعة ... والعامل الذي يشرب الخمر في موقع العمل لا يوجد في قوانين العمل ما يعاقبه طالما أنه يؤدي عمله، أما العامل الذي يتهاون في عمله بعض التهاون، فإن قوانين العمل تلاحقه بالعقوبات حتى تجهز عليه أو يحسن أداء عمله.
ثانياً: المواد المسببة للتعود والإدمان:
стр. 9133
إننا نقرر- وبكل الفزع والحسرة - أن المواد المسببة لسوء الاستعمال والتعود والإدمان قد تعددت مصادرها، وتضاعفت أعدادها، وتزايد استعمالها وتنوعت آثارها واستفحل ضررها، وأصبحت تهدد المجتمع الإنساني بدرجة خطيرة، في صحة أفراده الجسدية والعقلية والنفسية، كما أصبحت تهدده اجتماعيا واقتصادياً؛ وما زال (شراب الخمر والإدمان الكحولي) ، أكبر مشاكل الإدمان في العالم، وكما تقول عنه بعض المراجع العلمية "مشكلة الإدمان التي تتضاءل بجانبها مشاكل الإدمان لباقي المواد مجتمعة".
وبعد أن كانت المواد التي تسبب الإدمان ذات مصادر طبيعية محدودة وكانت قليلة العدد فقد أصبحت تعد بالمئات، وذلك بعد أن تدخل علم الكيمياء في تجهيز مواد جديدة عن طريق البناء الكيميائي، وذلك بالإضافة إلى الاهتمام المتزايد بإنتاج كميات ضخمة من مواد الإدمان التقليدية وعلى رأسها الخمر والسجائر.
ونقدم مواد الإدمان الشائعة في المجموعات التالية:
(١) الكحول: وتوجد منه أشكال متعددة، منها:
- المشروبات الكحولية (الخمور) : وهي المتعارف عليها - بين العصاة - كمشروبات مقبولة للسكر. وينضم إليها الخمر المعروف (بالبيرة) .
- الكحول الصافي: وله استعمالات متعددة، ومنها استعماله في تركيبات خاصة كمسكر، ويشربها العصاة تارة لرخصها، وتارة لقوة مفعولها المسكر.
стр. 9134
- كثير من التركيبات الدوائية، ذات الأغراض العلاجية المختلفة، وهي تحتوي على نسب متفاوتة من الكحول الذي يوصف بأنه (كحول متنكر) أو (كحول متخفي) وبعض هذه التركيبات الدوائية يستعمل بديلاً للخمر، خاصة في الدول التي مازال شراب الخمر فيها، لا يقره القانون أو (العرف المتدين) ومن هذه التركيبات الشائعة: أنواع الكينا المختلفة (كينا بسليري-كينا لايس- كينا روماني، فتالشوف) ؛ وبعض التركيبات التي تطرح في الأسواق كمقويات: تونيك باير، ب. ج. فوس، ستيم ... الخ، وبعض التركيبات ذات الأغراض العلاجية البحتة كبعض شرابات السعال.
- ماء الكولونيا: وإن شئت فقل (خمر كولونيا) فهي تحتوي على كحول تصل نسبته إلى ٩٠%، واستعمالها العادي معروف للجميع، غير أن البعض يشربها بديلا عن الخمور.
(٢) المخدرات Narcotics: ومن أشهرها الأفيون وعناصره الفعالة.
(٣) المنومات والمهدئات Sedative – hypnotics: ومن أشهرها (مجموعة البربيتورات) .
(٤) المطمئنات Minor Tranquilizers: وتسمى أيضا (مزيلات القلق) ومن أشهرها (مركب مبروبامات) .
(٥) مواد الهلوسة: وعلى رأسها المادة المعروفة (بالحشيش) أو (القنب الهندي) .
(٦) العقاقير الاجتماعية Social drugs: وعلى رأسها (مادة النيكوتين) الممثلة في (السجائر) أو (التبغ) .
ولا تدخل كل المواد المسببة للتعود والإدمان في نطاق هذه المجموعات، فهناك (مجموعة مضادات الحساسية) كما أن هناك مجموعات خارج نطاق العقاقير الدوائية مثل الهيدروكربون الطيار Volatile Hydrocarbons ... الخ، ولقد اكتفينا بذكر تلك المجموعات الستة التي تشتمل على معقم مواد الإدمان، المألوفة والأكثر انتشارا.
ثالثا: آثار الكحول وأضراره الصحية
стр. 9135
لقد أصبحت الأضرار المتسببة عن تعاطي مواد الإدمان - بعد أن استفحل خطرها- موضع الاهتمام المتزايد من جانب كثير من العلماء خاصة العاملين منهم بحقل الأمراض العصبية والنفسية، كما ارتفعت صيحات العلماء المخلصين ورجال الأخلاق والاجتماع تطالب بإيجاد الحلول الحاسمة، واتخاذ الإجراءات الحازمة لإيقاف موجة الإدمان التي تجتاح العالم.
أما بالنسبة (للإدمان الكحولي) ، وهو موضوع بحثنا، فلقد تمت الدراسات المستفيضة الخاصة بالتعرف على آثار الكحول الضارة في الإنسان، سواء كان كحولاً صافياً، أو كان في أية صورة من الصور، خمرا كانت أو مستحضراً دوائياً. وتم التعرف على آثار الكحول وأضراره بأية كمية يتعاطاها الإنسان. وأجريت التجارب، وتحققت المشاهدات، ورصدت حالات الإدمان، والسكر ودون السكر، وكادت أن تتوحد المعلومات العلمية وكذلك الفكر العلمي تجاه مفعول الكحول في الإنسان وآثاره الضارة بأية كميات يتعاطاها الإنسان، ولم تعد تلك المعلومات موضع جدل بين العلماء، وهي الآن موضع استقصاء وتعرف على مزيد من التفاصيل.
وفيما يلي تقدم بعض المعلومات العلمية المقتضبة:
أولا: يثبط الكحول الجهاز العصبي المركزي من البداية إلى النهاية، وهو مثبط أيضاً للمراكز العليا بالمخ التي تميز الشخصية الإنسانية عن الحيوانات، والتي اكتسبت أدائها بالتعاليم الدينية والتهذيب والثقافة، والتي تقوم بكبح جماح الغرائز الإنسانية؛ ولذلك فإن الكحول يطلق العنان لهذه الغرائز بمفعوله المثبط لعمل المراكز العليا الضابطة لها والمهيمنة عليها، ويترتب على ذلك بالضرورة بعض مظاهر الانطلاق العضلي والذهني مما يظنها البعض نشاطا، وهي في حقيقتها حالات انفلات من سيطرة المراكز العليا، لهذا فهي نشاط كاذب ومؤقت.
стр. 9136
والكحول بهذا الجمع بين الأثر المثبط للجهاز العصبي المركزي وبين التنشيط الكاذب يسبب قوة مع لا إرادة، وطاقة ذهنية مع ثرثرة كلامية بلا منطق، واندفاع مع خوف وجبن.. وهذه الصفات والصفات المضادة تلازم شارب الخمر ابتداء إلى أن يصل إلى مرحلة اللاوعي:
- وهذه إحدى الدراسات التي تصف الحال الذي يكون عليه شارب الخمر نتيجة لما يحدثه الكحول من آثار على الجهاز العصبي المركزي، والمراكز العليا.. تقول الدراسة (تختلف حدة مفعول الكحول باختلاف الأشخاص، كما أنها تختلف في الشخص الواحد بين حين وآخر. والجرعات الصغيرة تغري بالمزيد، وتظهر على شارب الخمر تغييرات ذهنية من البداية وبأقل كمية، ويمكن الكشف عنها باختبارات خاصة، كما تظهر عليه- مع زيادة الجرعات- أعراض الإثارة وعدم الاتزان.
ومن مظاهرها الضحك لأتفه الأسباب، وظهور نوبات من الغضب المفاجىء أو الرقة والوداعة:
كما أنه يتحدث في موضوع أو في غير موضوع، ويصبح حديثه أكثر فكاهة وأبعد ما يكون عن الوقار. وتصبح حركات شارب الخمر- قبل أن ينتقل إلى مرحلة اللاوعي والغيبوبة- أكثر حيوية، ولكنها لا تبعث على الاحترام في كثير من الأحيان ويضيع الشعور بالمسئولية فلا يميز بين التافه والمهم) .
- وهذه دراسة تبين الأعراض التي تطرأ على شارب الخمر، نتيجة لتأثير الكحول على الجهاز العصبي المركزي، وحسب تركيز الكحول بالدم، تختلف الأعراض باختلاف نسبة تركيز الكحول في الدم على النحو التالي:
أقل من٠.١ % يمكن الكشف عن تغييرات بإجراء اختبارات خاصة.
أقل من ٠.١%-٠.٢ % عدم اتزان
أقل من ٠.٢ %-٠.٣٥ % التخبط- ترنح الخطي- ثقل الكلام
أقل من٠.٣ %-٠.٤ % نوم عميق
أقل من٠.٣٥ %-٠.٥٥ % غيبوبة
أكثر من٥.٥ % وفاة
وتوجد الرغبة إلى أعمال العنف وارتكاب الجرائم، والانتحار، والحزن والبكاء في بعض الأحيان.
стр. 9137
ثانياً: يهيج الكحول الغشاء المخاطي بالمعدة، وإذا زاد تركيزه بالمعدة عن ٣% عطل مفعول الأنزيمات الهاضمة، ويترتب على ذلك سوء الهضم وضعف الشهية للطعام مما يؤدي إلى سوء التغذية والضعف العام، وما يصاحب ذلك من ضعف للمقاومة واستهداف لكثير من الأمراض الميكروبية كالدرن، وغير الميكروبية كأمراض نقص الفيتامينات والتهاب الأعصاب، وأمراض الكبد.
ثالثاً: يزيد الكحول- ولو بكميات قليلة من حدة ومضاعفات وخطورة الكثير من الأمراض، مثل أمراض الكلى، وقرحة المعدة، والإثنى عشر وقرحة القولون، والتشنج العصبي، ومرض السكر.
رابعاً: الكحول من أقوى الأسباب المعروفة التي تسبب (التليف الكبدي) ، وهو يؤدى إلى المرض الكبدي الخطير (كهبة الكبد) والذي يسمى بالإنجليزية Liver Cirrhosis
خامساً: يؤثر الكحول مباشرة على الألياف العصبية البصرية، فيحدث تلفاً بالأعصاب البصرية، مما يؤدي إلى (الغطش التسممي) الذي يتميز بأنه يكون مركزياً مما يؤدي إلى عدم القدرة على القراءة أو الرؤيا القريبة، وينتهي بفقد الإبصار المركزي.
سادسا: ومن أهم الأضرار التي تنتج عن الكحول والتي بدأت الدراسات العلمية الاهتمام بها، ما يحدث داخل الجسم من تعارض بين الكحول وأدوية العلاج التي يتعاطاها المرضى، وذلك في إطار (التفاعلات بعين الأدوية المشتركة في الإنسان) Drug - Drug Interactions:
- فقد ينتج عن التفاعل بين الكحول وبعض العلاجات، نقص ضار في مفعول الدواء، ومثال ذلك: نقص مفعول علاج الدرن المشهور (ا. ن. هـ) إذا عولج به من يشربون الكحول.
- وقد ينتج عن التفاعل بين الكحول وبعض العلاجات، زيادة خطيرة في مفعول الدواء، ومثال ذلك: زيادة مفعول مضادات التجلط إذا عولج بها من يشربون الكحول.
стр. 9138
- وقد ينتج عن التفاعل بين الكحول وبعض العلاجات، تفاعلات تسممية تؤدي إلى أخطر النتائج وقد تؤدي إلى الوفاة، ومثال ذلك: ما يحدث من تفاعلات (المنع الدوائي) Antabuse reaction في جسم الإنسان بين علاجات مرض السكر والكحول. ومنها: اضطرابات في ضربات القلب، وسرعة في النبض وانخفاض حاد في الضغط، وضيق في التنفس، وهبوط شديد.
- بل إن الكحول المستعمل من الخارج على شكل معاجين الحلاقة، أو ماء الكولونيا، قد يحدث تفاعلات خطيرة وقاتلة مع بعض العقاقير التي يتناولها المريض، ومن هذه العقاقير دواء ديسولفيرام Disuefiram لهذا يحذر الباحثون بشدة من استعمال الكحول موضعياً بأية صورة من الصور وبأية كمية في حالة تعاطي ذلك العقار..
ولا زالت الدراسة الخاصة بالتفاعلات بين الأدوية المشتركة في الإنسان في أولها، خاصة فيما يختص (بالكحول) ، ولهذا كان لزاماً على علماء الأمة الإسلامية المتخصصين في هذا المجال أن يشاركوا في الدراسات المتعلقة بالكحول ويهتموا بها كثيرا.
سابعا: ولا يقتصر الضرر على شارب الخمر فحسب، بل في حالة (الحوامل) يمتد أثر الكحول إلى الأجنة، فيكونوا دون التكوين الطبيعي، ويكون نموهم بعد الولادة بطيئاً وتوجد انحرافات في الجهاز الدوري، وتشوهات بالجمجمة والوجه ... الخ.
ثامناً: يعتبر الكحول من أسرع المواد المسببة لسوء الاستعمال والتعود، والإدمان، وهذا يضاعف من خطره (وبعد) ... فقد ذكرنا- وباختصار- الآثار والأضرار الصحية التي يسببها الكحول للإنسان، وهناك أضرار أخرى كثيرة وخطيرة، تتعلق بالنواحي الأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية، نترك لعلماء الأمة الإسلامية الأفاضل -كل في مجال تخصصاته- القيام بتقديم الدراسات عنها.
رابعا: الوقاية والعلاج:
стр. 9139
لقد أصبح سوء الاستعمال والتعود والإدمان، لكثير من المواد بعامة وللكحول بخاصة من أضخم وأخطر المشاكل التي تواجه المجتمع المعاصر، وكادت هذه المشاكل أن تكون مستعصية على العلاج، سواء من حيث صرف الناس عن تلك الأفعال السيئة، أو من حيث انتشال الذين وقعوا فريسة لها، ليعودوا مرة أخرى إلى مجتمع الأصحاء. وتتزايد أعداد أولئك المنحرفين عاما بعد عام في أرقى الدول رغم النصائح والتحذيرات والإجراءات وذلك على حد قول المهتمين بهذه المشاكل. ونرى صيحات الفزع ترتفع، ودلائل اليأس تظهر على دراساتهم وتقاريرهم. وتقول إحدى الدراسات (بالرغم من شيوع المخاطر عن تعاطي الكحول، وتدخين السجائر، فقد أصبحتا متمكنتين على كل المستويات وفي جميع أنحاء العالم وهما في تزايد مستمر. ولقد فشلت بشكل واضح طرق التوعية والتثقيف، وكذلك الحظر والتحريم المسبقان في التقليل من المشكلة، ومن الضروري إيجاد اتجاهات أخرى إذا أريد حلا للمشكلة. ولقد تصور أولئك الذين يئسوا من حل المشكلة أن الإعلانات المضادة، والأساليب الإعلامية الحديثة كفيلة بالقضاء على هذه المشكلة تماما، ثم تعجبوا من نتائج محاولاتهم في علاج المشكلة، حيث يرون أن التحذيرات والدعايات المضادة يصاحبها تزايد مستمر في استعمال هذه المواد الضارة، وأخيراً أعلنوا يأسهم من حل مشاكل الإدمان بما اتخذوه من وسائل.
стр. 9140
وحقيقة الأمر أنه ليس هناك ما يدعو إلى الدهشة من النتائج الفاشلة، التي انتهى إليها أولئك العاملون على محاربة الإدمان، فالإباحة (للخمر) مهما كانت مفيدة، فلابد أن تنتهي بشارب الخمر إلى سوء الاستعمال والتعود والإدمان، وذلك تمشيا مع ملابسات شرب الخمر وطبيعة الإدمان فيه؛ والتحذيرات من شراب الخمر، والدعايات المضادة له، يقابلها على الطرف الآخر وبقوة شديدة واقع معارض ممثلاً في صناعة الخمور ومصانعها التي تعد بالآلاف، وتجارة الخمور ومكاسبها التي تعد بالبلايين من الدولارات، وقوة نفوذ العاملين في صناعة وتجارة الخمور والمستهلكين لها من الحكام والساسة ورجال الأعمال ورجال الفكر ومشاهير الفنانين والفنانات، وهم جميعاً يشكلون القدوة والقيادة للمجتمعات البشرية المعاصرة بكل طبقاتها وثقافاتها ومعتقداتها وأجناسها وأقاليمها ودولها وتنظيماتها..
فأين قوة التحذير من قوة التحريض؟!! وأين قوة المنع والمعارضة من قوة النشر والمؤازرة. ثم يبرز بعد ذلك السؤال الحائر الذي يردده بانزعاج بعض دعاة الإصلاح: ما السبب في صمود مشاكل الإدمان، لا بل واستفحالها عاماً بعد عام رغم جود الإصلاح والعلاج؟!.
ويأتي الجواب سريعا: ليست هناك جدية أو صدق نية لحل هذه المشاكل؛ كما أن تعارض أسلوب الحياة المعاصرة بكل انحرافاته مع وسائل العلاج والإصلاح يجهض كل محاولات المصلحين، والنفسانيين والأطباء المعالجين، ويجهض قوانين الدول مهما بلغت من الصرامة. ولا يعقل ولا يتوقع أن يتم القضاء على مشكلة الإدمان الكحولي، وشراب الخمور، بينما قادة الأمم ورجال السياسة والفكر ورجال المال والصناعة واقتصاديات كثير من الدول ووسائل الإعلام، وقوى الشر والفساد- في معظم أنحاء العالم- تعمل- وبضراوة- على الترويج لهذه المواد الضارة..
следующие страницы →