← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 9346–9385 · переход к 9351.

стр. 9346

٣- المسجد مكان القضاء والحكم والشورى ومجمع للوزارات الإسلامية فقد كان المسجد هو مكان الحاكم والمدرسة التي تربى فيها الرعيل الأول من الصحابة إيمانيا وروحيا وخلقيا واجتماعيا وتفاعلت أرواحهم ونفوسهم بتعاليم الرسول ﷺ وعطائه وقدوته، تعلموا فيه أمور الدين وعرفوا فيه الحلال والحرام كما تعلموا فيه علوم القرآن والسنة والشريعة واللغة وعلوم الحياة كلها، وتحققت فيه معاني الأخوة ممارسة وواقعا وتعاونوا على البر والتقوى واطمأنت فيه قلوبهم بذكر الله، وضربوا المثل النادر في التفاني والحب والإيثار والرحمة واختاروا فيه الخلفاء بعد الرسول ﷺ وكل خليفة يلقي بيان سياسته وأسس حكمه فيه ابتداء بأبي بكر الصديق، وفيه تقاضى المتنازعون ففيه أصدرت الأحكام بإقامة حدود الله، وفيه قاضى كعب بن مالك رجلا دينا كان له عليه في المسجد فارتفعت أصواتهما فنادى رسول الله ﷺ قائلا: "يا كعب ضع عن دينك هذا"فقال: قد فعلت يا رسول الله. فقال: "قم فاقضه" [١١] وفي المسجد أقيمت بعض ألعاب الفروسية فقد روت عائشة عن الرسول ﷺ قولها: "دعاني رسول الله والحبشة يلعبون بحرابهم في المسجد فقال: يا حميراء أتحبين أن تنظري إليهم فقلت: نعم فأقامني من ورائه فنظرت من وراء منكبيه"قالت عائشة قال رسول الله ﷺ لتعلم يهود أن في ديننا فسحة" [١٢] ، وكان المسجد في عهد رسول الله ﷺ مكانا لإيواء الفقراء والغرباء الذين عرفوا بأهل الصفة بالمكان الذي خصص لهم، وكان فيه سبعون من الفقراء منهم أبو هريرة ﵁ وفيه حبس بعض الأسرى وفيه كان الجرحى يداوون فقد روت عائشة فقالت: "أصيب سعد بن معاذ يوم الخندق في الأكحل فضرب رسول الله خيمة في المسجد ليعودوه من قريب" [١٣] ومن المسجد كان رسول الله ﷺ وخلفاؤه يدبرون شؤون الأمة والدولة والدعوة

стр. 9347

ويرسلون السفراء ويجهزون الجيوش ويضعون الاستراتيجيات ويخططون ويمارسون نظام الشورى وإذا جدّ أمر واستدعى قرارا سريعا ورأيا قاطعا نودي (الصلاة جامعة) فيجتمع الناس ويتشاورون، وفيها ينتخب العمال ويرسلون ويحاسبون وتوزع فيها أموال الزكاة والصدقات ويعقد فيها النكاح فالرسول ﷺ يقول: "أعلنوا هذا النكاح واجعلوه في المساجد واضربوا عليه الدفوف" [١٤] ومنه تعطى الشهادة بالنجاح مع الله للمسلم إذ يقول الرسول ﷺ : "بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة" [١٥] وبالتردد عليها يشهد للرجل بالإيمان فقد روى أبو سعيد الخدري عن النبي ﷺ قوله: "إذا رأيتم الرجل يرتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان" [١٦] ، وهذا تأكيد لقول الله تعالى: ﴿إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين﴾ . إن المسجد يمكن أن يؤدي دوره الأول في حياة المسلمين وتربية أبنائهم وتوجيههم في النواحي الروحية والأخلاقية والاجتماعية حيث يتعلم فيها ويستمع إلى الموعظة النافعة ويخطط فيها لرعاية الشباب وممارسة نشاطاته ويتعلم فيها النواحي الدينية وما يتعلق بمناهج الحياة وأمور التشريع، إن المسجد يمكنه ممارسة مهامه الأولى في التربية إذا كان للحاكم مكان فيه وإذا كان التخطيط للأمة المسلمة في ربوعه وإذا جعل المسجد مكانا لمناقشة الدراسات التي تقدمها اللجان المتخصصة في السياسة والتعليم والتربية والمال والشئون البلدية وما إليها.

стр. 9348

إننا نلحظ الآن لدى المسلمين اتجاهات إلى تحقيق رسالة المسجد الأولى ببناء المساجد والمدارس وقاعات المحاضرات والندوات والمستشفيات في مبنى واحد حتى يمكن للمسلمين أن يقضوا أمورهم كلها في ذلك المبنى، كما أننا نجد في كثير من البلاد اتجاه الشباب إلى جعل المسجد منارة للعلم ومكانا للمحاضرات ومجلسا شوريا للحي الواحد، وهذا يقضى أن يكون من يتولون الأمر على درجة من العلم والمعرفة بشؤون الدين والدنيا وأن يكون الخطباء في مستوى الإسلام وتعاليمه ومعارفه وفي مستوى الحياة ومشكلاتها وهمومها حتى يكون الخطيب إمام الناس حقا في أمور د ينهم ودنياهم. إن المسجد عامل مهم من عوامل التربية وبناء الأفراد والأمم فيه يعلَّم النشء الحلال والحرام وأمور الدين والدنيا وأحوال المسلمين وتاريخهم وهمومهم ومشاكلهم وفيه تتحقق معاني التعاطف والمودة والرحمة والتعارف والتعاون وفيه يتدارس الناس القرآن وعلوم الدين وتصقل فيه المواهب وتقوى النواحي الروحية والجسمية والعقلية والوجدانية ففي كل خطوة إلى المسجد تحط خطيئة وتكتب حسنة فالرسول ﷺ يقول: طمن تطهر في بيته ثم مضى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض الله كانت خطواته إحداها تحط خطيئة والأخرى ترفع درجة". ولا يمكن للناشئة أن يكونوا على صلة بالمساجد ما لم يكن الآباء قدوة لهم في ذلك ... يشجعونهم ويأخذونهم معهم ويربطونهم بدروسه ونشاطاته المختلفة حتى ينشأ الشباب في رحاب الله وفي بيت من بيوته. المسجد ودوره في محو الأمية وتعليم الكبار:

стр. 9349

يقول العبدري في كتابه المدخل: "أفضل مواضع التدريس هو المسجد؛ لأن الجلوس للتدريس إنما فائدته أن تظهر به سنة أو تخمد به بدعة أو يتعلم به حكم من أحكام الله تعالى والمسجد يحصل فيه هذا الغرض متوافرا، ولأنه موضع لاجتماع الناس رفيعهم ووضعيهم وعالمهم وجاهلهم" [١٧] وهو يقصد بهذا تعليم الكبار العلوم الدينية، ويرى الدكتور عبد الفتاح جلال: "أن المسجد كان على عهد الرسول ﷺ أول مدرسة لتعليم الكبار كان ﵊ المعلم والصحابة الكرام تلاميذها العباقرة الأفذاذ إذ تعلموا فيها كل أنواع العلم والمعرفة التي تفيد الإنسان في الدنيا والآخرة وتبني جميع جوانب شخصيته فيخرج منها متكامل الشخصية حقا" [١٨] ويرى هذا الباحث المتخصص في التعليم الوظيفي أن من احتياجات المجتمع المعاصر لبعض وظائف المسجد ما يلي: ١- إمكانية قيام المسجد بدوره في تعليم الأميين تعليما يربطهم بدينهم إذ بلغوا خمسين مليونا في البلاد العربية وحدها. ٢- تعاون المسجد مع المؤسسات الاجتماعية في تقديم التعليم المفيد لنسبة كبيرة وقف تعليمها في المرحلة الابتدائية وتعاني نقصا في مهارات الكتابة والقراءة والثقافة العامة أو الدينية. ٣- سد المسجد للثغرات الموجودة في مناهج التعليم فيما يخص التربية الدينية التي يغلب عليها في مدارسنا طابع التلقين والهامشية. ٤- الاستعانة في المسجد بذوي الخبرات والمعرفة لتقديم المحاضرات لكبار المتعلمين الذين يحتاجون إلى مزيد من العلم في جوانب متعددة ومتنوعة وتساعدهم على أداء أعمالهم. ٥- إقامة مكتبة مزودة بالكتب الدينية والعلمية والثقافية الهامة والمفيدة في المسجد لتحقيق الربط العضوي الفعلي بين العلم والدين. ٦- مشاركة المسجد في تنمية المجتمع وتطويره وتقدمه وانتشاله من مظاهر التخلف الاجتماعي والاقتصادي.

стр. 9350

٧- أن يشمل تعليم الكبار الرجال والنساء بدءا بالكتابة والقراءة إلى أعقد أمور التخصص وأرفع درجات المعرفة. إن المسجد لا يمكن أن يقوم بدوره في المجتمع الحديث المعقد ما لم يستفد من الإمكانات المتاحة وما لم يتفاعل مع الناس ومشكلاتهم وحياتهم يقدم لهم الحلول والعلوم ويستفيد من العلماء الصالحين والمتخصصين في صفوف المعرفة ويزود بالمكتبات العلمية الضخمة والوسائل العلمية الحديثة في مجال التعليم والتربية. ثالثا: المدرسة: إن المدرسة مؤسسة اجتماعية حديثة العهد في العالم فكما ذكرنا فإن الأسرة ثم القبيلة هي الوسائل التي عرفتها البشرية لتربية الأولاد وإكسابهم المهارات التي يراد لهم تعلمها وبتطور الحياة أصبحت الحاجة ماسة إلى اتخاذ مكان يتعلم فيه الصغار وإلى أشخاص ينوبون عن المجتمع في أداء هذه المهمة، ولم يعرف المسلمون المدرسة بالصورة التي نعرفها إلا في القرن الخامس الهجري نسبة إلى ارتباط التربية والتعليم في الإسلام بالمسجد وكان للمسجد دوره الذي ذكرناه في تحمل مسؤولية نشر الثقافة الإسلامية والمعارف الإسلامية وكان كثير من العلماء يرون عدم تدريس الأولاد في المساجد لتزايد أعدادهم وما يحدثه وجودهم في المسجد من حركة وضجيج زيادة على كثرة المواد التي تدرس وما يترتب عليها من نقاش وحوار وجدل ومناظرة مما جعلهم ينشؤون المدارس مرتبطة بالمساجد ويخصصون فيها ما عرف بـ (الإيوان) قاعة المحاضرات وأمكنة لإيواء الطلاب والمدرسين وما يتبع ذلك من مرافق كالمطبخ وحجرة الطعام وغيرها [١٩] . ومع ذلك ظل المسجد الجامع في حياة المسلمين منارة العلم وإشعاع النور.

стр. 9351

وقد اختلفت نشأة المدرسة في تاريخ الإسلام عن نشأتها عند الأمم الأخرى لارتباط التعليم بتعاليم الإسلام ونظرته في اعتبار التعليم حقا وفريضة على كل مسلم وهو ما يسمونه الآن بديمقراطية التعليم فلم يكن التعليم في الإسلام مقتصرا على ما يسمى برجال الدين أو أبناء الحكام والطبقات الراقية. إن المسلمين كان لهم الفضل باتصال الغرب بهم عن طريق الأندلس والمغرب والقسطنطينية وعن طريق إيطاليا والحروب الصليببية في توجيه الغرب إلى نقل التراث الإسلامي العربي وإنشاء الجامعات والمدارس التي اتخذت صفات كثيرة، ولكن المسلمين بعد نكستهم وتخليهم عن مناهج تربيتهم وتعليمهم اقتبسوا نظام المدارس في صورتها الراهنة من الغرب عن طريق الإرساليات وغيرها بعد أن جرد الغرب التعليم من الصفة الدينية وصبغه بصبغة علمانية بعيدة عن الدين. إن المدرسة الإسلامية كما ذكرنا تجعل التعليم والتربية حقا لكل مسلم وليست امتيازا لطبقة أو فئة من الناس وإنَّ اتجاه الناس إلى التعليم يجعل المسؤوليات التربوية للمدرسة أكبر من المسجد إذ إن المدرسة قد انفصلت الآن كبيئة تربوية لا تكتفي بإعطاء المعلومات والمعارف بل هي أداة للتربية المتكاملة عقلية وجسدية وعاطفية ووجدانية ويمكننا أن نشير إلى بعض الوظائف التي يمكن للمدرسة بها أن تكون وسطا صالحا للتربية الإسلامية. ١- اختيار المنهج الدراسي الإسلامي:

стр. 9352

إذ إن المناهج الدراسية لدى المسلمين كانت تراعي عدة أمور من أهمها مراعاة ميول الأطفال ورغباتهم ومراعاة الفروق الفردية إذ إن الطفل يفهم ما بإمكانه أن يفهمه والاختلافات الفردية قد ترجع إلى طبيعة التربية أو البيئة أو السن أو مستوى الذكاء ولذلك طلب الرسول ﷺ من سيدنا عبد الله بن عباس أن لا يحدث الناس بما لا تحتمله عقولهم والشريعة الإسلامية تراعي الاستعداد الشخصي حتى في العبادات فالرسول ﷺ يقول لأصحابه: "إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم فانتهوا" ويقول الغزالي في ذلك: "وكما أن الطبيب لو عالج جميع المرضى بعلاج واحد قتل أكثرهم، كذلك المربي لو أشار على المريدين بنمط واحد من الرياضة أهلكهم وأمات قلوبهم وإنما ينبغي أن ينظر في مرض المريض وفي حاله وسنه ومزاجه وما تحتمله نفسه من الرياضة ويبني على ذلك رياضته" [٢٠] .

стр. 9353

والقرآن الكريم يقول مبينا هذه الفوارق في الاستعدادات: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [٢١] ، ويقول عليه أفضل الصلاة والتسليم: "مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصابت طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به" [٢٢] ، وفي أحاديث كثيرة يطلب الرسول ﷺ من المسلم ألا يذل نفسه بتعريضها لما لا تطيق من البلايا كما يطالب بالقصد في كل شيء. ٢- مراعاة الطبيعة النفسية للبشر: وهذا يتطلب من المدرسة أن تكون بعيدة عن العنف والقسوة ومكانا للرحمة والرفق والتوجيه بالوسائل الحسنة فالرسول ﷺ يقول لعائشة: "عليك بالرفق فإن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه" [٢٣] ، والإسلام يهدف إلى إيجاد المسلم اللطيف الرقيق الرفيق الذي يكره العنف والقسوة والفظاظة والغلظة إذ أن العنف لا يلد إلا العنف ولذلك يقول الرسول ﷺ : "يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا" [٢٤] . ٣- الاستفادة من الخبرات الإنسانية:

стр. 9354

من المهام الأساسية للمدرسة نقل خبرات الأجيال السابقة لما بعدها وهذه الخبرات تراث إنساني يستفيد به المسلمون بالنافع منه والمتفق مع عقيدتهم ويتركون ما لا يتفق معهم بعد التعرف على جوانب السوء فيه، والإسلام دين متطور يدعو إلى التحرر من ربقة التقاليد والأفكار البالية لأن الحرص على المعتقدات الفاسدة بحجة المحافظة على التراث قد يقود إلى الضلال والكفر: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [٢٥] ، فالحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها. ٤- الحب للفضيلة والكراهية للرذيلة لذاتهما:

стр. 9355

إن التربية تهدف إلى جعل الأخلاق عادة في سلوك الإنسان وأن يكون اتجاه المسلم إلى الخير نابعا من الحب للخير واجتناب الشر نابعا من كراهية للشر لأنه شر في السر والعلانية وتحت كل الظروف والأحوال فالله يقول: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً وَيَدْرَأُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [٢٦] ... فمحك الفضيلة والكمال الخلقي أن يصدر العمل عن طبيعة ثابتة في حب الخير سرا وعلنا ولذلك وسع الإسلام في دائرة الخير فجعل كل فعل خير صادر من المسلم نحو المسلم صدقة حتى الإمساك عن الشر صدقة لمن لم يجد ما يفعله إيجابا بل إن فعل الخير نحو الحيوان صدقة لا تصدر إلا من طبع فطر على حب الخير وجبل عليه، وقد وصف القرآن الطبائع التي مارست حب الفضيلة في واقع الحياة فقال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [٢٧] ، كما وصفهم بقوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [٢٨] ، فالذي صبغ نفسه على حب الفضيلة يكره بداهة الرذيلة والرسول ﷺ يقول: "أعينوا أولادكم على البر".

стр. 9356

إن المدرسة تستطيع تحقيق التربية الأخلاقية الكاملة كما ذكرنا عن طريقين: الأولى: الطريقة غير المباشرة بأن تكون المؤسسات الاجتماعية والمواد المدرسية وسلوك المعلمين ومن لهم صلة بالتعليم متمشية مع الأخلاق والسلوك الإسلامي والثانية تدريس علم الأخلاق كعلم مستقل بذاته. إن المدرسة هي البيئة التي يتعلم فيها الطفل ويعبر فيها عن رغباته وميوله ويظهر فيها إمكاناته وقدراته وعلى المدرسة أن ترى ذلك كله وتوجه وتكمل رسالة البيت والمسجد لأن عمل كل واحد مكمل لعمل الآخر في تنمية شخصية الطفل وإعداده لحياته المقبلة ليكون على صلة بالله طيبة وبالمجتمع مفيدة وبالوطن مصدرا للخير والعطاء. المعلم هو حجر الزاوية في العملية التربوية كما يقولون فالمدرسة تقوم بدورها بواسطة المعلم لذلك كان لا بد من إعداده لمهمته واختياره من النخبة الطيبة لذلك ركز علماء التربية قديما وحديثا على صفات لابد أن تتوفر في المعلم وقد حصر القدماء هذه الصفات في كلمات، فابن سينا يقول: "ينبغي أن يكون مؤدب الصبي عاقلا ذا دين، بصيرا برياضة الأخلاق، حاذقا بتخريج الصبيان، وقورا رزينا، غير كز ولا جامد، حلوا لبيبا ذا مروءة ونظافة ونزاهة" [٢٩] ، ومن خلال تلك الآراء نستطيع أن نحدد الصفات الواجب توفرها في المعلم المسلم فيما يلي: ١- الورع وتقوى الله: وذلك بمراقبة الله في السلوك والأقوال فالرسول ﷺ يقول: "اتقوا الله واعدلوا في أولادكم" والمعلم أب لأولاده يوجههم إلى الخير ويلتزم به في سلوكه والرسول ﷺ يخبرنا أن أكرم الناس أتقاهم وأن أكثر ما يدخل الجنة تقوى الله وحسن الخلق، ولا بد أن يكون المعلم ورعا يشعر بأن الله معه أينما كان، وأن مراقبة الله الدائمة هي الموجهة للسلوك والإرادة فإذا لم يكن المعلم تقيا ورعا نشأ أولاده على الفساد والتحلل وانعدام الضمير والرادع.

стр. 9357

٢- الإخلاص في العمل: لأن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا لوجهه وكل عمل يبتغي به المرء وجه الله فهو عبادة، ولذلك يقول الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [٣٠] ، ويقتضي الإخلاص أن يكون المعلم واسع العلم عالما بأمور الدين وتعاليم الإسلام وآرائه في الحياة والموت والكون ونظامه الاقتصادي والسياسي والتربوي والتشريعي زيادة على ما في الحياة من مبادئ ونظم وأفكار ثم التمكن من مادته التي تخصص فيها والتعرف على الجديد في العلم عن طريق البحث والاطلاع والصلة بالعلماء وما إلى ذلك، وقد أوصى هشام بن عبد الملك معلم ابنه بقوله: "إن ابني هذا هو جلدة ما بين عيني وقد وليتك تأديبه فعليك بتقوى الله وأداء الأمانة وأول ما أوصيك به أن تأخذه بكتاب الله إلخ" [٣١] . ٣- الالتزام بالإسلام والعمل له: إن المسلم المعلم في حقيقة الأمر داعية إلى الله على بصيرة وإدراك وعليه أن ينقل هذا المفهوم لطلابه قولا وعملا وسلوكا وممارسة ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ فالربط بين الأقوال والأعمال دليل على الالتزام الأخلاقي بالإسلام وليس الالتزام الفكري فقط، وهذا يقتضي أن تتمثل الفضائل الأخلاقية كلها في سلوك المعلم لأنها مراقبة ومحسوبة عليه مثل الالتزام بالصدق والأمانة والتواضع والعفة في اللسان والجوارح والشجاعة والكرم والمروءة والحب والبغض في الله والرفعة والرقة واللين ودماثة الخلق وما إلى ذلك. إن المدرسة تمثل نافذة الحياة بالنسبة للأطفال يعيش فيها الطفل وقتا كبيرا من يومه ليتزود بالمعارف والتعاليم والخبرات التي تجعله قادرا على اقتحام الحياة والتكيف معها وأداء رسالته فيها وتحقيق سر وجوده في الأرض وهو معرفة الله وعبادته.

стр. 9358

رابعا: المجتمع: يقول الله : ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً﴾ [٣٢] ، وهذه الآية توضح لنا أن التربية لا تتم إلا في إطار اجتماعي وداخل مجتمع مسلم نظيف لأن الطفل لا يمكن تربيته بعيدا عن المؤسسات الاجتماعية مثل البيت والمسجد والمدرسة ووسائل الإعلام وغيرها لما لهذه المؤسسات من أثر تربوي فعال ولما للعادات والتقاليد والأخلاقيات الاجتماعية من تأثير على الطفل والسلوك الإنساني عبارة عن التفاعل بين الظروف الاجتماعية البيئية والطبيعة الإنسانية. إن المجتمع المسلم يتميز عن المجتمعات الأخرى كما يتميز الفرد عن الأفراد غير المسلمين في عقيدته التي ينشأ منها سلوكه والمصدر الذي يلتقى منه سلوكه والأخلاق التي يتميز بها عن غيره والطرق التي يسلكها في حياته وفي تحقيق أهدافه والعبادة التي يمارسها والمؤسسات التي ينشأ فيها والقيم التي يوزن بها البشر. وإن المجتمع المسلم قائم على نبذ العنصرية والوطنية الإقليمية وعلى الحرية المبنية على العبودية الكاملة لله وحده والتي تحقق له المحافظة على ماله وعرضه ونفسه وتطلب منه الالتزام بالحق والعدل، كما أنه مجتمع الأخوة والمساواة والكفاية والعدل بين المسلمين الذين يتساوون في الواجبات والحقوق: "المسلمون عدول يسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم..." فالمجتمع عامل تربوي فعال يحتاج إلى تضافر المؤسسات في تحقيقه لمسؤلياته التربوية التي يمكن الإشارة إلى بعضها فيما يلي: ١- التعاون على البر والتقوى:

стр. 9359

والله يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [٣٣] ، لأن التعاون على البر والتقوى هما وسيلتا المجتمع لنشر الفضية والخير ومحاربة الرذيلة والشر فوسائل التربية الحديثة من صحافة وإذاعة وتلفزيون وغيرها من وسائل الإعلام كل منها معلم يملك أذواق البشر وأسماعهم وأبصارهم فإذا وجهت وجهتها الصحيحة كانت وسائل خير ورحمة وتعليم وتثقيف وإذا تركت على ما هي عليه من نشر السموم والأغاني المائعة والتمثيليات الهابطة والكذب الدائم والسخافات والأباطيل كانت وسائل دمار وهدم لجهود مؤسسات التربية الأخرى كالبيت والمدرسة والمسجد، فواجب الدول أن تطهر مؤسساتها من كل ما يعوق تربية أجيالها على الحق والفضيلة والبر والتقوى وأن تحارب هذه الأجهزة وتجعلها تتكيف مع طبيعة المجتمع وعقائده ونظمه، ولا يتم التعاون على محاربة الإثم والعدوان إلا بإغلاق مظاهر الفساد الاجتماعي وتوجيه الثقافة التي يتأثر بها الأطفال والكبار إلى الثقافة التي يبني المجتمع عليها وحماية الشباب من المؤثرات الثقافية الدافعة للفساد، والإسلام يوجه توجيهات كثيرة في هذه الناحية فالله سبحانه يقول: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ﴾ [٣٤] .

стр. 9360

والرسول ﷺ يحذر الرجل يرتكب عملا بالليل وينشره بالنهار وقد ستره الله لأن عمل الشر إثم ونشره عن طريق إذاعته إثم آخر لا يفعل ذلك إلا الماجن الذي لا يستحي وإذاعة الفاحشة مضر للمجتمع من الناحية التربوية فكيف به إذا تولته أجهزة في الدولة وبأموال المسلمين والله لا يحب الجهر بالسوء من القول أو الفعل فواجب المجتمع التعاون على إزالة الإثم الفواحش إلى درجة قتال المفسدين في الأرض وقتلهم ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [٣٥] ، كما يحث الإسلام الفرد في النيابة عن المجتمع في القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر "من رأى منكم منكرا فليغره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" [٣٦] . والمجتمع المسلم هو الذي يقوم على التقوى ويطالب أفراده بذلك والحض على التقوى كثير في القرآن باعتبار التقوى مصدرا لسلوك المسلم فردا وجماعة فالمتقون هم الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة وينفقون مما رزقهم الله ويؤمنون بالآخرة وبالكتب المنزلة والموفون بعدهم إذا عاهدوا والصابرون في البأساء والضراء والمنفقون فيهما والكاظمون الغيظ والعافون عن الناس المحسنون الذين يذكرون الله ليلا وسحرا والمستغفرون، فالتقوى هي وصية الله الدائمة لكل أمة على لسان الأنبياء وهي خير زاد للمسلم وخير لباس له والمتقون هم أولياء الله وهم سبب سعادة المجتمع وأساس بنائه وسبب الرزق والانفتاح الاقتصادي وسبب النجاة من كل ضعف والوصول إلى الجنة التي أعدت للمتقين.

стр. 9361

والمجتمع هو الذي تتعمق فيه بالممارسة معاني الود والرحمة والإيثار والتضحية فالمسلمون في توادهم وتراحمهم جسد واحد ألف الله بين أعضائه بنعمته بعد أن كانوا أعداء وقد ضرب المسلمون الأوائل أروع الأمثلة في ممارسة التكافل الاجتماعي والإيثار مع الحاجة والتضحية في سبيل الغير فقد كان أصحاب رسول الله ﷺ ترسل إليهم الأموال الكثيرة فيوزعونها على المحتاجين وينسون أنفسهم وهم أحوج ما يكونون إليها وكانوا رحماء فيما بينهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا. إن المجتمع المسلم هو الذي يقوم بدوره في مساعدة الآباء على تربية أبنائهم على أخلاق الإسلام وتقاليده بحيث أنهم إن خرجوا إليه وجدوا فيه ما تعلموه من الوالدين فلا يسمع كلمة نابية أو لفظا جارحا ولا يرى مظهرا للغش أو الخداع وهو يبتاع ويتعامل في الخارج ويجد مدرسيه في حرص أبويه على المثل الإسلامية فلا يسمح له بالغش في الامتحان أو يعطى ما لا يستحقه إرضاء للمدير أو جنسيته. المجتمع الذي لا يعج بمظاهر الفساد والتحلل والعري ويطلب من المراهق أن يكون عفيفا طاهرا...إن النشء المسلم يجب ألا يجد نوعا من التناقض بين تربية والديه والأخلاقيات الممارسة في المجتمع، فالمجتمع المسلم مجتمع متحرر من الانقياد لغير الله ونظيف طاهر تبنى فيه العلاقات على القاعدة القرآنية ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ . إننا لا نستطيع تربية أطفال صالحين في بيئة اجتماعية فاسدة كما لا نستطيع أن نزرع أرضا دون تهيئة هذه الأرض لأن أدواء المجتمع كلها معدية تنتقل إليهم شاءوا أم أبوا.

стр. 9362

إن الدولة تستطيع توجيه الوسائل الاجتماعية كلها بدءا بالأسرة والمدرسة وأجهزة الإعلام في خدمة التربية وقد وجه الإسلام إلى تكوين جماعة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مزودة بالخبرات والأساليب التربوية الصحيحة توجه المجتمع من داخله وتراقب ما يجد من انحراف في السلوك للأفراد أو المؤسسات أو الدولة نفسها ثم تعالج الأمور بحكمة وموعظة حسنة متعاونين مع أفراد المجتمع في ذلك ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون﴾ . إن الدول تشرع كثيرا من القوانين لحماية ما يسمى بالنظم الاشتراكية والمكتسبات الثورية وما إلى ذلك فما الذي يمنع المجتمع المسلم من سن القوانين والنظم التي تكفل حماية المجتمع ونظمه وتقاليده ويوقف مظاهر الفساد والانحلال ويحمي النشء والأمة من كل ما يدنس أخلاقها أو ينحرف بها عن التوجيهات التربوية للإسلام وبالتالي تشجع الناس على الفضائل، ويزيل هذا الصراع المستمر بين التعاليم التربوية والإغراءات الخارجية، إن الإسلام يطالب الأسر بالتعاون فيما بينها بتعليم الأسر المتعلمة للأخرى حتى يتحقق التعاون على البر في واقع الحياة يقول الرسول ﷺ فيما رواه علقمة عن أبيه قال: "خطب رسول الله ﷺ ذات يوم فأثنى على طوائف من المسلمين خيرا ثم قال: "ما بال أقوام لا يفقهون جيرانهم، ولا يعلمونهم ولا يعظونهم ولا يأمرونهم ولا ينهونهم، وما بال أقوام لا يتعلمون من جيرانهم ولا يتفقهون ولا يتعظون، والله ليعلمن قوم جيرانهم ويفقهونهم ويعظونهم ويأمرونهم وينهونهم وليتعلمن قوم من جيرانهم ويتفقهون ويتعظون أو لأعاجلنهم العقوبة".

стр. 9363

فالرسول ﷺ يبين لنا أن المجتمع يمكن أن يتخذ سلطته عن طريق القوانين التي تكفل سلامة المجتمع وتربيته وتعليمه حتى تتحقق الأهداف التربوية للمجتمع المسلم. خامسا: الوراثة والبيئة: أثبت العلم حديثا أن الأطفال يرثون الصفات الثابتة فيهم من أبويهم كما يرثون الصفات الشكلية فيهم، وأن الأطفال يحملون خصائص أصولهم وإن بعدت المسافة الزمنية بينهم وبين أصولهم وأثبتت قوانين الله في الكون أن الفرع يشبه أصله في الكائنات كلها، إن انتقال خصائص الآباء والأجداد للأبناء الذين يمثلون الفروع هو الذي يعرف بعلم الوراثة وهو علم لا يوجد من ينكره، ولكن الخلاف بين العلماء في الشيء الذي يورثه الآباء ومقداره ونوعه. فالبشرية كلها تشترك في الصفات التي تميز الإنسان عن غيره من المخلوقات وتورث هذه الصفات جيلا بعد آخر، ولكن هناك صفات خاصة إلى جانب الصفات العامة تتميز بها أمة ما في مكان ما عن الأمم الأخرى وهي التي تميز بها الإفريقي عن الآسيوي والشرقي عن الغربي ثم يتدرج هذا التمايز في الصفات إلى مستوى الأبوين اللذين يورثان ألوانهما وأشكال قامتهما وطبائعهما لأبنائهما وتختلف نسبة الصفات المورثة من الأب والأم والمقدار الذي يرثه من كل منهما، وقد لا يرث الأبناء صفات آبائهم الأقرباء ولكن تظهر هذه الصفات في الأجيال التالية ولذلك نجد الطب الحديث يبحث في الأمراض عما إذا كان المرض موجودا في العائلة أو قد وجد في جيل سابق كما أن العلم يقول إن الأبناء يرثون الاستعداد للشيء كالاستعداد للنبوغ أو الغباء أو الإصابة بأمراض معينة أو الانحرافات الخلقية وما إلى ذلك وهنا يظهر دور البيئة في نمو تلك الاستعدادات.

стр. 9364

والبيئة تطلق على ما يحيط بالإنسان من أناس وبحار وبلاد وأرض وأجواء، وكما أن النبات لا يعيش وينمو ويثمر إلا إذا وجد التربة الصالحة والماء والهواء والضوء فكذلك الإنسان في جانبه المادي يتأثر بالناحية الجغرافية في البيئة من بحار وأنهار وأجواء وطبيعة وجبال وهضاب وغيره ذلك كما يتأثر بذلك في جانبه العقلي أما بيئة الإنسان الخاصة فهي المنزل والمسجد والمدرسة ودينه ومعتقداته ولغته وتراثه وما إلى ذلك. ما أثر ذلك كله في التربية بعامة والتربية الإسلامية بخاصة؟. إن الإنسان إذا نشأ في بيئة صالحة، وأسرة متدينة ومدرسة راقية ورفقة صالحة وأمة خيرة ونظام سياسي عادل وتربية ممتازة كان الشخص المثالي الذي تهدف التربية إلى إيجاده، أما إذا وجد في بيئة سيئة، أسرة منحلة ورفقة سيئة وأمة شريرة ونظام سياسي جائر وحاكم طاغ متجبر وأنظمة بشرية فاشلة وتربية لا تقوم على أساس فإن النتائج أفراد فاشلون وذلك مصداق لقول الله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً﴾ [٣٧] .

стр. 9365

وقد أثبت علماء الوراثة أن الصفات الجسمية والخلقية والعقلية والنفسية لدى الآباء تكون استعدادا لدى الأبناء بما في آبائهم والقرآن يحدثنا أن أبناء الزناة يحملون استعدادا وراثيا للزنا من آبائهم ولذلك عبر عنه القرآن بقوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ [٣٨] ، كما أن الأمراض الناشئة عن الزنا مثل السيلان والزهري قد تنتقل كاستعدادات وراثية لدى الأطفال، والرسول ﷺ يقول محذرا المهاجرين من خمس خصال ذكر منها "ولم تظهر الفاحشة في قوم قط يعمل بها علانية إلا فشا فيهم الطاعون الأوجاع التي لم تكن في أسلافهم" [٣٩] ، وقد أثبتت الدراسات لحالات المجرمين في جرائم مختلفة علاقة بين المجرم ومن مارس في قرابته نفس الجريمة التي ارتكبها فلذلك يرى بعض العلماء أن الزواج بين أبناء السكيرين أو المصابين بالأمراض جريمة لأن الأبناء يرثون الاستعداد لذلك، وقد سبق أن ذكرنا استنكار بني إسرائيل للسيدة مريم ذات السلالة الطاهرة النقية كيف أنجبت سيدنا عيسى من الزنا بدعواهم ﴿يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً﴾ [٤٠] ، وبعض العلماء يرى أن الإجرام ليس وراثيا إنما هو أثر من آثار البيئة على الإنسان فإذا أخذ الأولاد من الآباء السيئين ونشأوا في بيئة طيبة نشأوا عكس آبائهم.

стр. 9366

إن أهمية البيئة والوراثة كوسائل تربوية وإن دراستهما ومعرفة حدودهما ومدى تأثيرهما في الإنسان يجعل التربية مبنية على أسس علمية باعتبار كل منهما عاملا مكونا للعقل والجسم والخلق مع الآخر بدرجة تجعل من الصعب إعطاء دور كل منهما كما يفعل البعض نسبة معينة ثابتة فإذا لم توجد البيئة الصالحة للعبقري فإن عبقريته تموت وتندثر، كما أن البيئة الراقية لا تلد العباقرة والفلاسفة وإنما يوجد العبقري في البيئة الصالحة يكون انتفاع الأمة بأبنائها والأبناء بإمكاناتهم ومواهبهم. -------------------------------------------------------------------------------- [١] الروم ٢١. [٢] رواه أبو داود. [٣] رواه البخاري. [٤] رواه الترمذي. [٥] النور ٣٧. [٦] النور ٣٧. [٧] التوبة ١٠٩. [٨] رواه مسلم. [٩] رياض الصالحين ص٤٢٤ عن رواية مسلم. [١٠] رواه مسلم / رياض الصالحين ٦٤٤. [١١] فتح الباري ج٥ ص٧٣. [١٢] مسند الإمام أحمد. [١٣] رواه البخاري ومسلم. [١٤] رواه الترمذي. [١٥] رواه أبو داود والترمذي. [١٦] رواه الترمذي. [١٧] نقلا عن الأبراشي عن التربية الإسلامية وفلاسفتها ص٧٨-٧٩. [١٨] مجلة الفيصل العدد الثامن السنة الثانية ص٨٠. [١٩] راجع أحمد شلبي ـ تاريخ التربية الإسلامية ص١١٤. [٢٠] الغزالي ـ إحياء علوم الدين ج أول. [٢١] البقرة. [٢٢] رواه البخاري في كتاب العلم. [٢٣] رواه مسلم. [٢٤] رواه البخاري في كتاب العلم. [٢٥] الأعراف. [٢٦] الرعد ٢٢. [٢٧] الحشر ٩. [٢٨] الحجرات ٧. [٢٩] الأبراشي ـ التربية الإسلامية وفلاسفتها ص٢٢٥. [٣٠] البينة ٥. [٣١] راجع الأبراشي ـ التربية الإسلامية ص١٤٦. [٣٢] البقرة آية ٢٨٦. [٣٣] المائدة ٣.

стр. 9367

[٣٤] الأعراف ٣٣. [٣٥] المائدة ٣٢. [٣٦] رواه مسلم في كتاب الإيمان. [٣٧] الأعراف ٥٨. [٣٨] الإسراء ٣٢. [٣٩] رواه ابن ماجه والبزار والبيهقي. [٤٠] مريم ٢٨.

стр. 9368

تجارب حية في عملية التربية والتعليم بقلم الشيخ محمد المجذوب المدرس في كلية الدعوة وأصول الدين ١- الطرق التي يقررها علماء التربية للتدريس كلها مستنبطة من التجارب العملية التي مارسها بعض المدرسين، ولا سيما أولئك الذين يمتازون بدقة الملاحظة والرغبة في الإفادة، والشعور بأهمية الرسالة، التي يحملونها ... هؤلاء لخصوا لنا خبراتهم وتجاربهم فصيغت منها القواعد التي يدرسها المؤهلون للتعليم، ليعملوا بها وليسيروا على ضوئها. ولكن على المدرس اللبيب أن يتذكر أن هذه التجارب لم تبلغ بعد المرحلة النهائية بحيث يُظن إنها جامعة مانعة لا تقبل إضافة ولا تعديلا، بل الأمر على الضد من ذلك فليست هذه التجارب العملية سوى عينة محدودة لما يمكن للمدرس الحاذق أن يستخلصه من خلال تجاربه الشخصية اليومية. فالمدرس الذي يستعمل عقله في أداء عمله يستطيع أن يستنبط كل يوم جديدا من الأساليب والطرق الأكثر فائدة ... وعليه أن يتذكر أن لكل بيئة خصائصها المميزة، فرب طريقة ناجحة في وسط تعجز عن النجاح في وسط آخر.. ولهذا كان للتجارب اليومية الحيّة في عمل المدرس النابه قيمتها المعتبرة. ٢- ولنذكر على ذلك بعض الأمثلة:

стр. 9369

في إحدى المدارس وزعت الإدارة بالاتفاق مع مدرسي المواد المختلفة حصص النشاط فكان لكل مدرس مادةٍ حصصٌ معينة للقيام بالنشاط المتصل بها، كالجغرافية والتاريخ والحساب والعلوم وما إليها... إلا مادة التربية الإسلامية فلم تخصص بأية حصة، إذ كان مدرسها غائبا عن ذلك الاجتماع ولم يخطر في بال المدرسين الآخرين أن في مادة الدين أي مجال لنشاط ما، فلما حضر مدرسها وعلم بإغفال مادته من حصص النشاط أبدى استغرابه، وبدلا من أن يستريح إلى إعفائه من تلك الحصص التي ستشغل بعض أوقات راحته خارج مواعيد الدوام، أعلن احتجاجه على ذلك الإغفال، وأكد للإدارة أن مادة الدين أخصب مجال للنشاط المدرسي..وبالفعل لم يلبث أن برهن على صواب ما ذهب إليه، إذ استحدث لحلقته الدينية ألوانا من النشاط أدهشت زملاءه، واجتذبت الموجهين والمدرسين الآخرين لمشاهدتها...وهكذا أثبت هذا المدرس الكفء أن المدرس الصالح جدير بأن يبتدع من أساليب التربية ما يستحق أن يحتذى في سائر المدارس. لقد أدرك هذا المدرس أن دروس الدين الإسلامي ليست قواعد جافة تقف عند تعريف المصطلحات وبيان الشروط والأركان، واستنباط الأحكام، ودراسة الألفاظ والمعاني...ولكنها إلى جانب هذا كله تربية خلقية تتحول إلى أعمال تتجلى في سلوك أصحابها. ورأى أن أفضل الوسائل لإبراز هذه الحقائق أن يستعين بالتمثيل والخطابة والمحاورات..فراح يتخير من تاريخ الإسلام بعض المشاهد المؤثرة فيصوغها في تمثيليات قصيرة، يوزع أدوارها على عدد من التلاميذ، ويدربهم على أدائها أمام الجمهور...حتى إذا تمت الاستعدادات لذلك قام التلاميذ المدربون بعرض تمثيليتهم على مسرح المدرسة...فشاهد النظارة تلك الأخبار التاريخية، التي كانوا يقرؤونها في الكتب، أو يسمعون بها من الرواة، أحداثا متحركة أما أعينهم، فيتأثرون بها أكثر من قراءتها.

стр. 9370

فتمثيلية عن الزكاة، وأخرى عن الحج، وثالثة عن الوفاء، ورابعة عن الأمانة..وما إلى ذلك من الفضائل الإسلامية، التي من شأنها، إذا أدرك المسلمون معانيها وحققوها في سلوكهم، أن تجعل منهم كما جعلت من أسلافهم خير أمة أخرجت للناس... وهكذا استفاد من الخطابة والحوار...يعرض بهما المعاني الإسلامية عرضا مؤثرا جعل الناظرين واثقين من أن مادة الدين أخصب مجالات النشاط المدرسي بالفعل. وهذا المدرس الناجح إنما عمد إلى تلوين أساليبه من تمثيل إلى خطابة إلى حوار وغيره ابتعادا عن الجمود الممل، لأنه لو اكتفى بالتمثيل وحده لانتهى بتلاميذه ومشاهديهم إلى السأم، وكذلك الوقوف على لون واحد من الأساليب يفقده الحيوية والتشويق. إذن فعلى المدرس أن يطور أساليبه في إعطاء الدرس، وفي النشاط المدرسي حتى لا تبعث على الملل...وبذلك يضمن انتباه تلاميذه وحبهم للدرس وتفاعلهم معه. ولنستفد في هذا الصدد من حكمة أبي تمام القائلة: لا يصلح النفس إن كانت مدبرة إلا التنقل من حال إلى حال ٣- والمدرس المسلم أحق المدرسين بالانتفاع من مثل هذا التجديد لأساليب التدريس والنشاط...ومراعاة الوسيلة الأنجع في إفادة التلاميذ وتربيتهم على روح الإسلام، ولينظر هذا المدرس إلى أساليب القرآن العظيم، والألوان المختلفة التي حملت معانيه يعلم أن التزام الصورة الواحدة، في التعبير والتعليم والسلوك، مخالف للأصلح والأنفع.

стр. 9371

فالتعبير القرآني قد سلك كل ألوان الأساليب العربية في إبلاغ مقاصده، فهناك الأسلوب القائم على السجع، والفواصل، هناك الأسلوب المرسل، وفيه الآية القصيرة التي لا تزيد على الكلمة، وفيه الطويلة التي تستوعب الصفحة...وفيه التمثيل والتشبيه والإيجاز والإطناب، والاستفهام والتقرير...إلى غير ذلك من الأساليب التي يستولي بها القرآن العظيم على الألباب، ويثير العواطف ويحرك الضمائر ويطلق الخيال، ويشغل كل ما تنطوي عليه النفس من الطاقات... وكذلك القول في العبادات...ولنمثل كذلك بالصلوات المكتوبة فهي ما بين ركعتين وثلاث وأربع وبين جهري وسري...وقد اختلفت المسافة بين أوقاتها...ولعل بعض الحكم العجيبة في ذلك هو إبعاد هيئة العبادة عن تكرار الصورة الواحدة، الذي قد يؤدي بها إلى أن تصير عادة آلية فتفقد بذلك روح الجدة...والله أعلم. ٤- ونظرة مماثلة إلى أساليب الرسول في التعليم...وهو المعلم الأعظم صلوات الله وسلامه عليه، الذي أوتي الحكمة وجوامع الكلم والخلق العظيم. لم يلتزم ﷺ في تعليمه أسلوبا واحدا ولا هيئة واحدة...بل كان يعطي لكل مقام ما يناسبه من المقال والهيئة. لقد أمر ونهى...وخطب...وقصّ...ومثّل...واستعمل وسائل الإيضاح، سأل مرة أصحابه ـ تلاميذه ـ: أتدرون من المفلس؟ ... وكان السؤال محركا لتفكيرهم، فأجابوا بما يعلمون من صفة الإفلاس، وهناك فاجأهم بما يقصد إليه من الإفلاس المعنوي، الذي يحشر صاحبه يوم القيامة وليس معه ما يفي بما عليه...ومن هذا وأمثاله من الأسئلة النبوية نتعلم كيف نستثير انتباه تلاميذنا وننشط أفكارهم للبحث...وفي حديث جبريل ﵇ أسلوب تعليمي عجيب، ما أجدر المدرس المسلم أن يستنبط منه الحكم البالغة...

стр. 9372

وأذكر أن مدرسا فطنا استفاد من هذا الحديث في أحد الدروس إذ درّب فرَّاش المدرسة على أداء دور معيّن، وفي أثناء الدرس جاء هذا الفراش واستأذن المدرس ليسمح له بالاستماع إلى درسه، ثم أخذ يطرح عليه بعض الأسئلة المتصلة بصميم الدرس...فلم ينته الحوار حتى كان التلاميذ قد أحاطوا علما بكل تفاصيله... وفي حديث "ما فعل النغير يا أبا عمير" إرشادات حكيمة توجه المدرس إلى أنجح الطرق في تعليم تلاميذه، إذ تحببهم، بمدرسهم لما يرونه من رعايته إياهم واهتمامه بمشكلاتهم. أراد ﷺ ذات مرة أن يعمق ارتباط تلاميذه ﵃ بالآخرة فصور لهم حياة الإنسان وما يحيط به من أحداث الدنيا أعجب تصوير، إذ رسم مربعا صغيرا رمز به إلى الأجل وجعل في وسطه خطا رمز به إلى الإنسان، ثم مدّ من هذا خطا خارجا من المربع وجعل خطوطا صغارا إلى الذي في الوسط، ثم فسر ذلك بأنه الإنسان يحيط به الأجل وينطلق منه الأمل، وفسر الخطوط الصغار بالأعراض ـ المصائب ـ تنهشه من هنا وهناك. ومثل هذا التمثيل يعتبر من أرقى أساليب التعليم لاعتماده الرسم الإيضاحي المثبت للفكرة. وكثيرا ما كان ﷺ يعمد إلى القصة لإبلاغ ما يريد من الأفكار والإرشادات فتأتي غاية في البلاغة والتأثير...إذ تعرض الفكرة ممثلة في أشخاص بأعيانهم، فتستهوي القلوب والعقول، وتثير المخيلة لاستخلاص العبرة. من ذلك قصة الملك والساحر والراهب ـ في صحيح مسلم ـ ثم قصة الثلاثة الذين تكلموا في المهد ـ للشيخين ـ ثم قصة أصحاب الغار الذين نجاهم الله بحسناتهم ـ لرزين والترمذي ـ وكذلك قصة الأبرص والأقرع والأعمى من بني إسرائيل ـ للشيخين ـ. ومن شأن أمثال هذه القصص أن تعلم المدرس كيف يستفيد من أسلوب القصة في إمتاع تلاميذه وإفادتهم.

стр. 9373

٥- وجدير بالمدرس أن يتفطن إلى أسلوب رسول الله ﷺ في الكلام، وكيف كان يؤدي معانيه في أناة تمكن السامع من الاستيعاب، حتى لو شاء لعد ألفاظه، وكذلك تكراره لعباراته حتى لا تغمض على السامعين. والفائدة التي نقتبسها من هذه الطريقة ألا نعجل في خطاب تلاميذنا عند الشرح...وأن نتخذ كل الوسائل التي من شأنها تمكينهم من الفهم والاستيعاب والحفظ. وطبيعي أن نهوض المدرس بمثل هذه الأعمال تقتضيه أن يكون ذا ثقافة حية واسعة، وهذا يعني أن عليه أن يكثر من الاطلاع على العلوم قديمها وحديثها، ولا يتوافر له ذلك إلا بالإكثار من المطالعة لتجديد عقله بالكتب النافعة، فإن معلومات الإنسان كالماء، إن لم يكن على اتصال دائم بالمنابع الصالحة انتهى إلى الفساد، وسعة معلومات المدرس تساعده على إفادة تلاميذه في كل ما يشكل عليهم، فلا يشعرون بعجزه، لأن عجز المدرس وقصور إدراكه يعرضانه لسخرية طلابه، وعليه أن يتعهد تغذية عقول تلاميذه بإرشادهم إلى الكتب الملائمة لمداركهم والنافعة لهم في دينهم ودنياهم، ولا يتأتى له هذا ما لم يكن على صلة بما ينشر ويكتب. درس نموذجي في الحديث الشريف على السبورة (وما ينطق على الهوى) مقرر اليوم من الحديث النبوي ٦/٧/١٤٠٠هـ عن النعمان بن بشير ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، إذا ستقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا" رواه البخاري. عمل المدرس في هذا النص: ١- تعريف موجز بالصحابي راوي الحديث، وبالبخاري مخرجه ومنزلة كتابه الجامع. ٢- قراءته للحديث في أناة وتفصيل.

стр. 9374

٣- تكليف بعض التلاميذ قراءته على طريقته. ٤- تدريب التلاميذ على تحديد معاني المفردات بدعوة بعضهم إلى شرحها ثم الوصول إلى مرادها. ٥- تكليف التلاميذ كتابة معاني هذه المفردات في كراسة خاصة ضمن الجدول ـ لزيادة معلوماتهم اللغوية ـ وذلك بعد كتابتها على جوانب السبورة أو على السبورة الإضافية. مثلا على ذلك: القائم: الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر حدود الله: أوامره ونواهيه الواقع فيها: المتجرئ عليها استهموا: اقترعوا أي تقاسموا أمكنتهم بطريقة الاقتراع الخرق: النقب والكسر، ومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا﴾ هلكوا: تعرضوا للهلاك نجّوا: بالتشديد: سببوا النجاة لغيرهم ٦- تطبيقات إعرابية: أين تعلق الجار والمجرور (كمثل) وما علاقته بأول الحديث (مثل القائم) ؟ كيف تعرب (أعلاها، وأسفلها) ؟ وأين تعلقهما) ؟. كيف تعرب (وما أرادوا) ؟ ومن أي نوه هذه الواو السابقة (ما) . ٧- شرح بعض العبارات: استهموا على سفينة ـ لو خرقنا في نصينا خرقا ـ وما معنى (لو) هنا؟ فإن تركوهم وما أرادوا ـ أخذوا على أيديهم... ٨- أسئلة حول النص: ١- ما الموضوع الذي يدور الحديث حوله؟ وما مراد رسول الله ﷺ منه؟. ٢- هل للحديث علاقة بمبدأ (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) ؟ وكيف؟. ٣- ما العنوان الذي يناسب هذا الحديث؟. ٤- كيف توزّع القوم أمكنتهم في السفينة؟. ٥- من الذي اقترح خرق السفينة؟، القوم كلهم أم بعضهم؟ وما دليلك؟. ٦- بأي دافع حاول هؤلاء خرق السفينة؟ هل كان في نيتهم الإضرار؟ وما دليلك؟. ٧- هل تم الخرق أو منعوا منه؟، وكيف علمت؟ مع العلم أن الحديث لم يشر إلى النتيجة؟. ٨- لماذا ترك الرسول ﷺ الكلام على النتيجة التي انتهوا إليها؟.

стр. 9375

٩- كم صنفا كان هؤلاء الركب؟..أغبياء..طيبون..سيئون؟..أجب بالتفصيل. ١٠- على أي شيء يحضنا هذا الحديث؟. خلاصة الحديث من خلال الأجوبة: تكتب على السبورة ويطلب إليهم إثباتها في كراساتهم مقرونة بعنوانها ومختومة بتاريخها. أسئلة حول الأسلوب: ١- لقد عرض الرسول ﷺ الفكرة التي أرادها بأسلوب التمثيل والقصة، وكان بالإمكان عرضها بأسلوب آخر، فلماذا اختار هذا الأسلوب دون سواه؟. ٢- تحدث عن جمال التشبيه بين الفريق بين الأول ـ القائم في الحدود والواقع فيها ـ والفريق الثاني القوم الذين استهموا على السفينة... ٣- التشبيه في الحديث من النوع المركب، فمن يقابل القائمين في الحدود، ومن يقابل الواقعين فيها؟. ٤- هل تجد في ألفاظ الحديث ما يمكن الاستغناء عنه؟، وهل ترى لفظة يحسن استبدالها؟. ٥- كان رسول الله خير معلم للناس...وخير دال على الخير...فهل في الحديث دليل على هاتين الصفتين؟. ٦- يقول رسول الله ﷺ في حديث آخر: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"ـ رواه مسلم ـ فهل ترى من تشابه يسن موضوع هذا الحديث والحديث الآخر؟ ... وكيف؟.. وكذلك يصف الله المؤمنين بقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ فهل هذا للحديث علاقة بهذا الوصف؟..أوضح ذلك. ملاحظة: روعي في هذا التحضير مستوى السنة النهائية من القسم المتوسط، وإذا أردنا تخصيصه بما دون ذلك سهلنا من الأسئلة وخففناها، كذلك إذا شئنا توجيهه إلى القسم الثانوي زدنا عليه العناية بالكلام عن المجتمع وما ينبغي أن يقوم فيه من التعاون، وأشرنا إلى بعض الصور البيانية والتحاسين البديعية الواردة في الحديث بصورة موسعة. أيها المعلمون

стр. 9376

ربوا على الإنصاف فتيان الحمى تجدوهم كهف الحقوق كهولا وإذا المعلم ساء لحظ بصيرة جاءت على يده البصائر حولا وإذا المعلم لم يكن عدلا مشى روح العدالة في الشباب ضئيلا وإذا أاتى الإرشاد من سبب الهوى ومن الغرور فسمِّه التضليلا أحمد شوقي

стр. 9377

موجز البيان في زكاة الأطيان والبنيان لفضيلة الشيخ عطية محمد سالم القاضي بالمحكمة الكبرى بالمدينة المنورة هذه أسطر سطرتها إجابة على سؤال حول ما يتعلق بموضوع زكاة الأراضي الزراعية والعمارات السكنية سميتها "موجز البيان في زكاة الأطيان والبنيان"فأقول وبالله التوفيق. الحمد لله الذي أكمل لنا الدين وأتم علينا النعمة، والشكر له على ما هدانا للإسلام وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين الهادي إلى صراط مستقيم وعلى آله وصحبه الذين حفظوا لنا الكتاب والسنة نقلوا لنا معالم الطريق القويم ورضي الله عن التابعين الذي بينوا لنا ما كان خافيا وجمعوا لنا أطراف ما كان نائيا من تقييد مطلق وتخصيص عام وقعدوا قواعد وفرعوا فروعا كانت المنهج لمن جاء بعدهم، ونهج منهجهم، فسعد بسعادتهم. أما بعد: لقد شاءت حكمة العليم أن تكون قسمة المال بحسب مقتضيات الحال، وتسيير نظام الكون بمقتضيات اختلاف الأحوال، قال تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ . ولكي يربطهم في المال جعل تعالى الزكاة طهرة لمال الغني، وطعمة لجوعة المسكين، فقال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ . فهذه طهرة لمال الغني مما عساه خالطه من شبه خفية ولنفسه من الشح البغيض، وطهرة أيضا لنفس الفقير من حقد على الغني لغناه. جاء في مستهل رسالة السائل أن المال مال الله يستخلف فيه من يشاء من عباده بالقدر الذي يتناسب وقابلياتهم وما وهبهم من أهليات وكفاءات.

стр. 9378

ولم ينس -وهو الرحيم العادل- أولئك الذين خلقهم معدومي القابليات أو ضعاف الأهلية، بل اقتضى عدله ورحمته أن يجعل لهم حصة معلومة في الأموال تغطي ضروراتهم وتسد نفقاتهم، وشرع ذلك بقوله: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ الآية. إن هذه المقدمة وإن كانت ليست من صلب الموضوع إلا أنه يدعوني أن أبدي رأيا عارضا وهو أن الاستخلاف في المال منه سبحانه ليس على قانون الأهليات وإنما على شرعة الابتلاء، فلم يعط الأذكياء لذكائهم، ولم يترك البلهاء لبلههم وعلى صدقات غيرهم كما قال تعالى لسيد الخلق ﷺ : ﴿وَلا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ﴾ . كما أنه أيضا ليس على مقياس الإيمان والكفر كما قال تعالى: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ . وقد قيل في المعنى الأول: ولو كانت الأرزاق تجري على الحجا هلكن إذا من جهلهن البهائم ولا بالقوة والضعف أيضا قال الأديب الشنقيطي: قد تجوع الأسد في آجامها والذئاب الفبس تعتام القتب أي بعد قوله: لا يزهدك أخي في العلم أن غمر الجهال أرباب الأدب إن تر العالم نضوا مرملا صفر كف لم يساعده سبب وتر الجاهل قد حاز الغنى محرز المأمول من كل أرب قد تجوع الأسد... ... .... ... ... ... ... .... ... .... وقد جعل الله تعالى الغنى والفقر فتنة ليرى الغني أيشكر أم يبطر ويرى الفقير أيصبر أم يضجر.

стр. 9379

وعلى كل فقد أنزل لعباده من الأرزاق ما يكفيهم كما قال علي ﵁: "لقد جعل الله في مال الأغنياء ما يكفي حاجة الفقراء وما اشتكى فقير قط إلا بقدر ما أمسك غني من زكاة"وهذا كله مسلم به والحمد لله. وقد عقب السائل بما جاء عن الرسول ﷺ شرحا وبيانا وتأكيدا للزكاة في الأموال: "أدوا زكاة أموالكم"، وذكر أن القرآن رغب وكذلك السنة في التصدق بكل ما زاد عن الحاجة الأصلية والشخصية: "من كان له فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له" وذكر من أصناف المال ما ذكر حتى إن الصحابة رأوا أن لا حق لأحدهم في فضل... وحبب إليهم الإيثار على النفس، ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية. أما ما كان من الترغيب والحث على الإيثار ونحو ذلك فهو باب واسع لتهذيب النفوس وترابط وتعاطف الأمة وقد خرج الصديق من كل ماله، وهذا مجال المنافسة الحميدة والنفوس الكريمة. أما العود بفضل الظهر والزاد... الخ فهذا كان في السفر وفي أمس ما يكون للمواساة... بل قد تفرض بعض الظروف عند نقص التموين وإعلان الطوارئ في المجموعات التي تتعرض لمثل ذلك كالمعسكرات والجيوش... الخ. ولكن ما نحن بصدده وهو فرضية الزكاة فإن نصوصها قطعية الدلالة والثبوت ولكن جاءت النصوص لها بمقادير وحدود معلومة كما في قوله تعالى: ﴿حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ ، والمعلوم لا يكون مجهولا ولا مبهما ولا متروكا لعواطف الأغنياء وسجاياهم. وكل فرض في الزكاة فهو معلوم المقدار من جانب المالك ومن جانب المسكين. وقد جاء هذا ضمن رسالة السائل بما نصه: وقد وضحت السنة النبوية الشريفة كيفية تأدية الزكاة وحددت نسبا معينة تؤخذ من الأموال المختلفة، وعلى اختلاف هذه النسب فقد فرضت جميعها على الأموال عينا أو مقومة بنقدها وهذا مبدأ قويم سديد واضح.

стр. 9380

أما أنهم لم يستجيبوا لأبي ذر ﵁ فلأنه رأي شخصي انفرد به عن جماعة أصحاب رسول الله ﷺ ، وكيف بأموال عثمان التي مول منها جيشا كاملا وغيره كثيرون ويكفي أننا وقفنا على أن الزكاة حق معلوم وليس كل المال وقد نوه جميع المفسرين على ذلك عند قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ ومما وصفهم به ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ أن "من" للتبعيض أي من بعض ما رزقناهم، ولا يخفى أن البعض يتذرع بأبي ذر ﵁ إلى الاشتراكية. ثم قال السائل: فإذا كنا نفهم من لغتنا أن كلمة - أموالهم - وأموالكم - تعني جميع أموالهم وأموالكم فإننا نستطيع القول مستندين إلى الكتاب والسنة أن الإسلام لم يكتف بفرض الزكاة على جميع الأموال فحسب، بل إنه رغب المسلم في بذلها كلها في سبيل الله. وهنا نقول كما أسلفنا إن كان المجال للترغيب فالمجال فسيح من شق التمرة إلى كل ما يملك كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ وكما فعل الصديق. أما الفرض والإلزام فكما قدمنا أيضا لا بد فيه من معلوم، والمعلوم لا بد أن يكون مقدرا، وهو ما عرف بالنصاب وبالنسبة المعينة. ثم قال السائل: والأموال منقولة وغير منقولة كلها أموال قابلة للنماء ويتحقق فيها الربح، سواء عن طريق مبادلة عروضها أو منافعها ويجب والحالة هذه فرض الزكاة عليها جميعا إلا ما استثني منها بنص. أما القول بأن الأموال منقولة وغير منقولة كلها أموال قابلة للنماء ... إلا ما استثني منها بنص فإنه يرد عليه بيت السكنى ودكان المبيع وعبد الخدمة وفرس الحاجة ولعله ما أراده بالاستثناء. أما الحكم بوجوب فرض الزكاة عليها جميعها إلا ما استثني بنص فإن لقائل أن يقلب المدعى ويقول لا زكاة عليها جميعها إلا ما استثني بنص والذي جاءت فيه النصوص معلوم.

стр. 9381

والنص جاء عاما في الكتاب، والسنة جاءت وخصصت وبينت الأموال المزكاة وكم مقدار الزكاة فلزم الالتزام بالنص، كما أنها بينت الفرض من التطوع. وأما قول السائل: فليس من العدل - والإسلام كله عدل - أن تفرض الزكاة على مال ويعفى منها قسم آخر معرضين عن النص إلى الاجتهاد والقياس. إذا كنا قد نفذنا نص الشريعة فيما بينت لنا في خصوص الأموال المزكاة فهذا غاية العدل ولا يصح لنا أن نتخطاها باجتهاد ولا بقياس. والذي يريد أن يجعل نوعا من المال زكويا لم تجعله نصوص السنة التي فصلت الأموال وبينتها لم تجعلها زكوية لا يمكن أن يصل إلى ذلك إلا بالاجتهاد أو بالقياس، وهذا الذي ينهى السائل عنه علما بأن القياس نوع من الاجتهاد في تحقيق العلة كما لا يخفى وهي مجال واسع. ولكن قسمة الأموال في مجالات متعددة لم تترك لاجتهاد يقع فيه اختلاف وجهات نظر لا لقياس تختلف فيه العلة كما قسم الزكاة نفسها ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ ...﴾ الآية، والميراث، وكذلك الأموال المزكاة لما كانت الأموال متنوعة، جاءت السنة محددة. ومعلوم أن القاعدة العامة في الزكاة في الإرفاق فمن جهة المزكي حين يمتلك النصاب ويحول عليه الحول إلا الزرع، ومن جهة آخذها فلسد حاجته. وقول السائل - الافتراضي - عندما نقول بفرض الزكاة على الريع أو الربح فإننا نكون قد أخرجنا أصل المال من وعائها، وفتحنا بابا للتهرب منها وألزمنا بعض أصحاب الأموال من المسلمين بدفع الزكاة عن أموالهم حتى عند تعرضهم للخسارة، وأعفينا أموال البعض الآخر لا نأخذ الزكاة إلا من أرباحها. وهنا السؤال: هل من العلماء المعلومين من قال لا زكاة إلا على الريع أو الربح؟. إني لا أعلم أحدا قال بذلك، وإن قاله أحد فهو محجوج بالنصوص ولا يكون قوله حجة على النصوص. ومعلوم للجميع أن الأموال المزكاة عند فقهاء الأمة وفي المذاهب الأربعة هي كالآتي:

стр. 9382

النقدان - أعمالها أو خزنها: بهيمة الأنعام - نمت أو لم تنم ما دام النصاب موجودا. الحبوب والثمار ـ ما دام قد حصل على نصاب. عروض التجارة - في نهاية الحول ربحت أم لم تربح ما دام تقويمها بلغ النصاب ولو أنها ربحت فإن ربحها يضم إلى رأس المال ويعتبر الجميع مالا زكويا دون ما فرق بين أصل وربح. حتى ذهب الفقهاء إلى أبعد من هذا وهو لو كان الربح في السلعة الواحدة بسبب غلاء السعر، وقد نص النووي في المجموع على أنه لو اشترى سلعة بمائتين للتجارة ومكثت إلى تمام الحول ولم تبع وأصبحت تساوي ثلاثمائة فإنه يزكي الثلاثمائة كاملة وهكذا في كل ربح متصل أو منفصل ناض أو غير ناض إذ العبرة على التقويم في نهاية الحول وتقوم بما هو أصلح للمساكين. وعند الحنابلة نص في المغني على أن من اشترى أرضا للتجارة وفيها نخيل فأطلع وأبّره وبقيت الأرض حولا ولم يبعها واجتمع له من النخيل نصاب فإنه يزكي الأرض زكاة عروض ويزكي الثمار زكاة معشر كالثمار. ورأي آخر يقول يقوم الجميع الأرض والثمار ويزكي زكاة عروض. وبهذا يظهر أن الفقهاء لا يقصرون الزكاة على الريع أو الربح فقط إذا كان الأصل فيها التجارة. أما إذا كان الأصل للقنية وحصل منه ريع أو ربح فهو كالآتي: ١- أرض زراعية. ٢- عمارات سكنية. ٣- مصانع إنتاجية. وكلها إما لشخص وإما لشركاء كشركة مساهمة فعلا. أما الأرض الزراعية ولشخص فإن النصوص جاءت في زكاة الزروع والثمار وفي مسميات الأجناس مخصوصة هي من الثمار التمر والزبيب والخلاف فيما عداهما من الثمار المجففة وكذلك في الزيتون أي فيما يعصر من زيته...الخ.

стр. 9383

وفي الحبوب كالبر والشعير والخلاف فيما لا يقتات من بقية الحبوب أما ما لا يجفف من الفواكه كالتفاح والسفرجل ونحوهما كذلك من الخضروات كالخيار والقثاء والبطيخ والقضب ونحوها فلا زكاة عليها عند الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد، ولكن على أثمانها إذا حال عليها الحول وكانت نصابا كما روى مالك في الموطأ قوله: "والسنة التي لا خلاف فيها عندنا، والتي سمعت من أهل العلم: أنه ليس في شيء من الفواكه كلها صدقة: الرمان والفرسك والتين وما أشبه ذلك وما لم يشبهه إذا كان من الفواكه"، قال: "ولا في القضب ولا في البقول كلها صدقة ولا في أثمانها إذا بيعت حتى يحول على أثمانها الحول من يوم بيعها ويقبض صاحبها ثمنها وهو نصاب". ولم يقل أحد قط إن الأرض الزراعية تزكى عينها كما تزكى ثمرتها. ومن المعلوم أن الأرض بذاتها ليست قابلة للنماء في نفسها وإنما نماؤها في ثمرتها اللهم إلا أن تكون للتجارة فإن نماءها قد يكون في ارتفاع سعرها، وهذا الارتفاع في السعر لا يعود على المقتني بشيء فسواء غلت الأرض أو رخصت فإن العائد عليه منها هو بيعها ما دام لن يبيعها، فليس من الإرفاق بالمالك أن يزكي عن الأرض بتقويمها كل سنة ويزكي غلتها من ثمار وزروع. وقد نص أبو عبيد المتوفى سنة ٢٢٤ على الإجماع على أن لا زكاة في الخضر عند علماء الحجاز والعراق والشام. أما العمارات السكنية: فإن كانت لسكنى صاحبها فلا زكاة فيها إجماعا، ولو كانت فسيحة أو تزيد على حاجته لأن له حق التوسع والتوسعة على نفسه وعياله، وقد كان للصحابة الدور الكبار مثل قصر سعد بالعقيق وغيره ولم ينقل أنه كان يؤمر بتقويم مسكنه ويزكيه. فإن كان للكراء: فقد نص مالك أيضا في الموطأ بقوله: "الأمر المجتمع عليه عندنا في إجارة العبيد وخراجهم وكراء المساكن وكتابة المكاتب أنه لا تجب في شيء من ذلك الزكاة قل أو كثرت حتى يحول عليه الحول من يوم قبض صاحبه".

стр. 9384

فهو ينص على أن السكن إذا كان للكراء أي للالستغلال والنماء فإن الزكاة في كرائه فقط وحتى يحول عليه الحول. وكذلك نص غيره قال في المغني ما نصه: "ولو أجر داره سنتين بأربعين دينارا ملك الأجرة من حين العقد وعليه زكاة جميعها إذا حال عليه الحول"إلى أن قال: "ثم إن كان قد قبض الأجرة أخرج الزكاة منها وإن كانت دينا فهي كالدين معجلا كان أو مؤجلا، وقال مالك وأبو حنيفة لا يزكيها حتى يقبضها ويحول عليها الحول بناء على أن الأجرة لا تستحق بالعقد وإنما تستحق بانقضاء مدة الإجارة". ثم قال: "وعن أحمد ﵀ رواية أخرى: فيمن قبض من أجر عقاره نصابا يزكيه في الحال فقد ذكرناه في غير هذا الموضع وحملناه على أنه حال الحول قبل قبضه". فهذه نصوص الفقهاء على كراء المساكن ومعلوم أن عين المسكن صغيرا كان أو كبيرا إنما هو مال مكتسب ومختص بمالكه ولا يحل لنا أن نأخذ منه شيئا بدون وجه مشروع، فمن ادعى المشروعية فيه فليبين دليل المشروعية وإلا بقي المال معصوما كعصمة دم صاحبه، كما في الحديث. أما المصانع: فمعلوم أن كل مصنع أيا كان نوعه أنه لم ينشأ إلا لعمل تجاري وبقصد الاستفادة من إنتاجه وعليه فهو من أول وهلة مؤسس بمال للتجارة ويلزم اعتبار كل شيء فيه من عروض التجارة، إلا أنه ومواد صناعته وإنتاجه الصناعي يقوّم جميعه وتزكى القيمة، كل هذا في العمارات السكنية وفي المصانع الإنتاجية إذا كانت لشخص. فإن كانت لشركاء كشركة مساهمة نظرنا: إن كانت الأراضي الزراعية أو العمارات السكنية أو المصانع اشتريت أو أنشئت لتباع فهي عروض تجارة لحساب المساهمين فإما أن تتولى إدارة تلك الشركة الزكاة عن الجميع: رأس المال والربح سواء في نهاية كل حول وإما أن يتولى المساهمون بأنفسهم زكاة أجزاء مشاركتهم أي أسهم مشاركتهم لمن بلغت أسهمه نصابا على ما هو معلوم.

стр. 9385

وإن كانت ابتنيت المساكن للقنية ولكل مساهم حصة مشاعة ولكن للتأجير لا للتجارة كانت أعيانها على أملاك المشتركين وكان ما حصل من أجرة يزكى إذا حال عليه الحول على الوجه المتقدم. لبقاء أعيان ذلك في ملكهم وإنما العائد عليهم منها هو الأجرة المتحصلة ومن كان عنده مال آخر يزكيه فإنه يضم حصته من الربح أو من الأجرة إلى رأس ماله الآخر ويزكيه مع سائر أمواله ولا يكون له حول مستقل. وهذا أعتقد أنه وضح لا لبس فيه، وما كان عليه السلف فهو الذي ينبغي أن يسير عليه الخلف. وما تجدد من شركات نقل أو أعمال سياحية فكلها على قاعدة التملك للقنية أو للتجارة فمن يوجد عنده سيارة كمن يوجد عنده بعير في السابق في أصل الاستخدام ومن عنده عشر سيارات كمن عنده عشر من الإبل. ولم يقل أحد إن أصحاب الإبل التي كانت تنقل عروض التجارة على إبلهم في ذاتها زكاة، فكذلك اليوم وسائل النقل على اختلاف أنواعها لا زكاة في أعيانها وإنما الزكاة في أجورها. وهذا أيضا أعتقد أنه واضح لا لبس فيه. أما السببان اللذان ذكرهما السائل للالتباس على الرأي وهما في قوله: أولا: أننا نواجه أموالا لم تكن في عهد النبي ﷺ كالعمارات والمصانع والشركات.
следующие страницы →