← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 9311–9350 · переход к 9316.

стр. 9311

ومن قال إن الاختلاط بين الرجال والنساء الأجنبيات- فضلا عن التصاقهم بهن في تمايلهم الفاجر- قد شرعه الله؟ ومن قال إن الذكر جماعة له سند من الشرع الحنيف؟ ومن قال إن الذكر بهذه الأصوات المنكرة المزعجة قد جاءت به النصوص؟ ومن ثم فإنني أوجز بيان الحق في هذا الموضع كما جاءت به الأدلة الصحيحة فيما يلي: أولا: أنه لم يشرع أن يذكر الله باسمه مفردا: فما ذكر الرسول ﷺ قط ربه باسمه مفردا، إذ لم يرد نص واحد يدل على أنه ذكر باسم (الله) أو (حي) أو (هو) أو (لطيف) أو (قدوس) ، بل إن كل ذكره ﷺ كان جملا تفيد معاني كاملة، ومما ثبت عنه قوله: "خير ما قلته أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير" بل ويعلمنا ﷺ الذكر المشروع في مثل ما يأتي: ١- قوله: "من قال لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمس، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء إلا رجل عمل أكثر منه" أخرجه البخاري ومسلم. ٢- وقوله: "من قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة، حطت عنه خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر" أخرجه البخاري ومسلم. ٣- وقوله: "كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم" أخرجه الصحيحان. ٤- وقوله: "لأن أقول سبحان الله، والحمد الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أحب إلي مما طلعت عليه الشمس"أخرجه مسلم. ٥- وقوله "أحب الكلام إلى الله تعالى أربع، لا يضرك بأيهن بدأت، سبحان الله، والحمد الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر" أخرجه مسلم.

стр. 9312

٦- وقوله: "من قال حين يصبح وحين يمسي: سبحان الله وبحمده، مائة مرة لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحد قال مثل ما قال، أو زاد عليه" أخرجه مسلم. ٧- وقوله: "سيد الاستغفار: اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بكَ من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي، فأغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. من قالها حين يمسي فمات من ليلته، دخل الجنة، ومن قالها حين يصبح فمات من يومه، دخل الجنة" أخرجه البخاري. ٨- وقوله: "ما من عبد يقول في صباح كل يوم، ومساء كل ليلة، بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو السميع العليم، ثلاث، لم يضره شيء" قال الترمذي: "حديث حسن صحيح". ٩- وقوله: "إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضجع على شقك الأيمن، وقل: اللهم أسلمت نفسي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت. فإن متَ من ليلتك مت على الفطرة، واجعلهن آخر ما تقول" متفق عليه. ١- وقوله: "دعوة ذي النون إذ دعا بها في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له" أخرجه الترمذي. هذه أمثلة الذكر المشروع الذي أمرنا به رسول الله ﷺ ، وكله جمل مفيدة، وليس هناك حديث واحد صحيح يفيد الذكر بالاسم المفرد. وإن لم يقبل الضائعون هدي رسول الله ﷺ ، فليأتوني بأثارة من علم تؤيد زعمهم إن كانوا صادقين. ثانيا:

стр. 9313

أما أن يكون هناك أسماء لله تعالى هي (أه) أو (حع) أو (هو) ، فذلك ما لا يعقل، فضلا عن أنه لم يرد بمثل هذا أي نص، ولا يقر إنسان في رأسه ذرة من عقل أن هذه أسماء لله تعالى، ذلك بأن أسماءه كلها حسنى، ليس منها اسم قبيح أو ناب في لفظه أو في معناه. والله تعالى يقول: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الأعراف آية ١٨٠) ثالثا: وأما الاختلاط بين الرجال والنساء الأجنبيات، فذلك ما لم يشرعه ديننا الإسلام، فالرسول ﷺ يقول: "ما خلا رجل وامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما" فضلا عن أن ما ينتج من الاختلاط المحرم من التصاق وتمايل وخلاعة ومجون، وطبل وزمر ورقص باسم ذكر الله، كلها من المنكرات الفاحشة التي حرمها الإسلام، واعتبرها وسائل مؤدية إلى الزنا، وهو قد سد كل ذريعة توصل إلى محرم، فقال تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ فعبر القرآن الكريم بقوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ ولم يقل: "ولا تزنوا". وذلك لأن التعبير الأول يحرم الاقتراب من كل ذريعة تؤدي إلى الزنا من: نظر، واختلاط، والتصاق، ومجالسة، وكل ما يفضي إلى الزنا، وجعل كل ذريعة تفضي إلى المحرم محرمة. رابعا: وأما الذكر جماعة، فلم يرد نص إطلاقا على مشروعيته، ولذلك فإن الذكر بصورة جماعية إنما هو بدعة غير مشروعة، لم يفعلها رسول الله ﷺ ، ولا صحابته الكرام رضوان الله عليهم، وما لم يشرعه رسول الله ﷺ فلا يكون بعده مشروعا، لذلك وضع لنا الأساس في ذلك في قوله: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" وفي قوله: "من أحدث في أمرنا ما هذا ما ليس منه فهو رد". خامسا:

стр. 9314

وأما رفع الصوت بالذكر فلم ترد بها النصوص، بل إنها وردت بخلافه، فقد قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (الأعراف آية ٥٥) ، وقال: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ (الأعراف آية ٢٠٥) . ولما رفع بعض الصحابة أصواتهم بالذكر- ولا شك أنهم ما عرفوا سوى الذكر المشروع- وسمعهم الرسول ﷺ قال لهم: "أيها الناس اربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنما تدعون سميعا بصيرا قريبا، إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته"- متفق عليه- ومن ثم فإن ما تعارف عليه أولئك الجاهلون من الذكر المفرد والجماعي والجهري، إنما هو وحي الشيطان الذي أوقعهم به في شركه، بل وألقى هذا الرجيم في روع أوليائه أن الذكر بالألفاظ الأعجمية مثل: آهيا، شراهيا، أصباؤت آل شداى، آج أهوج، جلجلوت، إنما هو ذكر شرعي كذلك بزعم أن هذه الألفاظ هي أسماء الله تعالى باللغة العبرانية أو السوريانية [١٥] . أليس في القران الكريم والسنة المشرفة وما ضماه من أسماء الله الحسنى وبيان الذكر المشروع بها غنية عما سواهما لأولئك الدجالين فيما يأفكون؟ ألا قتل الخراصون، الذين هم في غمرة ساهون، والذين يلحدون في أسماء الله تعالى، إنهم سيجزون ما كانوا يعملون. احتجاج الجاهلين بقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ على الذكر المفرد: وقد يحتج بعض الجاهلين بقول الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ في الآية رقم ٩١ من سورة الأنعام على مشروعية الذكر المفرد.

стр. 9315

وردا على هذا الاحتجاج أحيل أولئك الجاهلين على هذه الآية ليقرأوها كاملة، حتى يعلموا أن المراد بهذا الأمر من الله لرسوله ﷺ ليس أمرا بالذكر (بالاسم المفرد) كما يزعمون، وإنما هو جواب لمن أنكر أن الله لم ينزل وحيا على بشر. ولا أتركهم يبحثون عن الآية المذكورة، فلعلهم لا يهتدون إلى مكانها في المصحف فأضعها أمام ناظرهم ومن كان منهم يحمل في رأسه عقلا، فإنه سوف يدرك الحق فيها إن كان منصفا. أما الآية فهي قوله جل وعلا: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ؟ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ (الأنعام آية ٩١) . ويبين لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد أن الآية يوجز معناها فيما يلي:

стр. 9316

أن اليهود والمشركين نفوا الرسالة، وزعموا أن الله ما أنزل على بشر من شيء، أي من الرسالة، فمن قال هذا فما قدر الله حق قدره، ولا عظمه حق عظمته، إذ هذا قدح في حكمته، وزعم أنه يترك عباده هملا لا يأمرهم ولا ينهاهم، ونفي لأعظم منة امْتن الله بها على عباده وهي الرسالة التي لا طريق للعباد إلى نيل السعادة والكرامة والفلاح إلا بها، ولما بين الله حال هؤلاء المنكرين، أمر رسول الله ﷺ أن يقول لهم كلمتين: الأولى سؤال: وهي: ﴿قُلْ: مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ؟﴾ والثانية: جواب: وهي ﴿قُلِ: اللَّهُ﴾ أي أن الله جلت حكمته هو الذي أنزل الكتاب على موسى ﵇: ثم أمر الله تعالى رسوله ﷺ أن يترك أولئك المكذبين يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون [١٦] . فأين إذن هذا الذكر بالاسم المفرد؟ الذكر يزعمه أولئك الذين أغرقهم أئمة الضلال، وباعدوا بينهم وبين الحق كما تباعد المشرق عن المغرب، حتى صار هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا؟ الرب: هو اسم من أسماء الله تعالى، التي تضمنتها نصوص القرآن الكريم. ولا يقال في غيره إلا بالإضافة. وقد قالوه في الجاهلية للملك. وقال في الكشاف: "الرب المالك. ومنه قول صفوان لأبى سفيان: لأن يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن". وقال القرطبي في تفسيره: والرب السيد ومنه قوله تعالى: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّك﴾ وفي الحديث "أن تلد الأمة ربتها.." والرب: المصلح، والمدبر، والجابر، والقائم. قال: والرب المعبود- ومنه قول الشاعر: لقد هان من بالت عليه الثعالب [١٧] . أربَ يبول الثعلبان برأسه

стр. 9317

وقد ذكر ابن كثير: أن الرب: هو المالك المتصرف. ولا يقال (الرب) معرفا بالألف واللام إلا لله تعالى، ولا يجوز استعمال كلمة الرب لغير الله إلا بالإضافة فنقول: رب الدار، ورب السيف. وأما الرب. فلا يقال إلا لله [١٨] . ومعنى كلمة الرب لغة: هو السيد المربي واصطلاحا: هو المالك، الخالق، البارئ، المصور، المعطي المانع، النافع الضار، الرافع الخافض، الباسط القابض، المحيي المميت، المدبر لأمر هذا الكون. (وهذا على ما فصلت القول فيه في حلقات (مفهوم الربوبية) بهذه المجلة في سنتها الحادية عشرة) [١٩] فليرجع إليها من شاء. والرب هو المربي لجميع العالمين، وهم من سوى الله: بخلقه لهم، وتسخير ما يصلح لحياتهم، وإنعامه عليهم بالنعم العظيمة التي لو فقدوها لم يمكن لهم البقاء. فما بهم من نعمة فمنه تعالى. وتربيته سبحانه لخلقه نوعان: عامة وخاصة. فالعامة: هي خلقه للمخلوقين، ورزقهم وهدايتهم لما فيه مصالحهم التي فيها بقاؤهم في الدنيا. والخاصة: تربيته لأوليائه، فيربيهم بالإيمان، ويوفقهم له، ويكملهم، ويدفع عنهم الصوارف والعوائق الحائلة بينهم وبينه: وحقيقتها: تربية التوفيق لكل خير، والعصمة من كل شر، ولعل هذا المعنى هو السر في كون أكثر أدعية الأنبياء بلفظ الرب [٢٠] ، فإن مطالبهم كلها تحت ربوبيتة الخاصة [٢١] . وقد ورد ذكر هذا الاسم بصيغ مختلفة في القرآن الكريم تسعمائة مرة على النحو التالي: رب: ذكرت أربعا وثمانين مرة. ربا: ذكرت مرة واحدة. ربك: ذكرت أربعين ومائتي مرة. ربكم: ذكرت ثماني عشرة ومائة مرة. ربكما: ذكرت ثلاثا وثلاثين مرة. ربنا: ذكرت إحدى عشرة ومائة مرة. ربه: ذكرت ستا وسبعين مرة. ربها: ذكرت تسع مرات. ربهم: ذكرت خمسا وعشرين ومائة مرة. ربهما: ذكرت ثلاث مرات. ربي: ذكرت مائة مرة [٢٢] . وتكرار هذا الاسم على هذا النحو المتعدد بصيغ مختلفة يدل على مدى عظمة وأهميته.

стр. 9318

الرحمن: هو اسم الله تعالى مشتق من الرحمة على وجه المبالغة، وهو على وزن فعلان، (وفعلان تفيد الامتلاء) . والرحمن أشد مبالغة من الرحيم. والرحمن مشتق بخلاف من قال وزعم أنه غير مشتق: ودليل ذلك ما أخرجه الترمذي وصححه عن عبد الرحمن بن عوف ﵁، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "قال تعالى: أنا الرحمن، خلقت الرحم، شققت لها اسما من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته". قال: "هذا نص في الاشتقاق، فلا معنى للمخالفة والشقاق" [٢٣] . وهذا الاسم (الرحمن) يختص بالله ، ولا يجوز إطلاقه على غيره. وقال بعض أهل التفسير: "الرحمن الذي رحم كافة خلقه، بأن خلقهم وأوسع عليهم في رزقهم" [٢٤] . واسم الرحمن دال على الصفة القائمة به سبحانه، فهو دال على أن الرحمة صفة ذات له سبحانه [٢٥] . وروى ابن جرير بسنده عن العزرمي يقول: " (الرحمن الرحيم) قال (الرحمن) لجميع الخلق، و (الرحيم) قال بالمؤمنين. قالوا: ولهذا قال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَن﴾ (الفرقان آية ٥٩) ، وقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه آية ٥) ، فذكر الاستواء باسمه (الرحمن) ليعم جميع خلقه برحمته. وقال: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ (الأحزاب آية ٤٣) فخصهم باسمه (الرحيم) . قالوا: فدل على أن (الرحمن) أشد مبالغة في الرحمة لعمومها في الدارين" [٢٦] .

стр. 9319

وقد ذكر البعض: أن (الرحمن) يرحم أهل الدنيا والآخرة، و (الرحيم) خاص بالمؤمنين يوم القيامة، إذ أن الله يرحم المؤمنين والكافرين في الدنيا على السواء وذلك من نواحي أمورهم المعيشية، وأسباب حياتهم، وما يكفل لهم حياتهم الدنيا، فرحمته هنا (أي رحمة الرحمن) عامة، وإذا لم تكن الرحمة هذه عامة، لا تتكامل أسباب التكليف من الإنعام عليهم بنعمة العقل الذي بواسطته يعرفون الحق من الباطل، ونعمة تسخير ما في الكون ليستفيد منها أهل الأرض من الإنس والجن ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعا﴾ . فتكامل أسباب التكليف في الدنيا سيكون عليه في الآخرة مدار الحساب. وأما ما جاء في الدعاء المأثور "يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمها"فقوله: "رحيمها"محمول على معنى أنه يرحم المؤمنين في الدنيا فيما أطاعوه من الإيمان به، وتنفيذ أوامره، واجتناب نواهيه، وتسهيل سبل ذلك لهم؛ ويرحمهم في الآخرة بإدخالهم الجنة جزاء ما أسلفوا من إيمان وطاعة، فطاعتهم له في الدنيا رحمة منه تعالى، وجزاؤهم بالجنة رحمة منه تعالى، وهذا معنى قوله ورحيمها والله أعلم [٢٧] . واسم (الرحمن) يختص به الله ﷻ وحده، ولا ينبغي أن يتسمى به واحد من خلقه، شأن كل أسمائه الحسنى جميعا كما سبق أن أسلفنا، ولكن شخصا كان قد تسمى بالرحمن هو: مسيلمة بن حبيب الحنفي الكذاب أبو ثمامة، من أهل اليمامة، لذا عرف برحمن اليمامة، وكان قد قوي أمره في اليمامة وظهر جدا بعد وفاة الرسول ﷺ ، وقارعه خالد بن الوليد في خلافة أبي بكر الصديق وانتصر عليه. وقد زعم لقومه أنه أشرك في الأمر مع رسول الله ﷺ ، وجعل يسجع لهم الأساجيع، ويقول لهم فيما يقول مضاهاة للقرآن: (لقد أنعم الله على الحبلى، أخرج منها نسمة تسعى، من بين صفاق وحشا) وأحل لهم الخمر، والزنى ووضع عنهم الصلاة. واجتمعت معه حنيفة على ذلك.

стр. 9320

وقد كتب إلى رسول الله كتابا يقول فيه: "من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، سلام عليك، أما بعد، فإني قد أشركت في الأمر معك، وإن لنا نصف الأرض، ولقريش نصف الأرض، ولكن قريشا قوم يعتدون؛ وحمل رسولان هذا الكتاب إلى رسول الله ﷺ ، فقال لهما: "فما تقولان أنتما" قالا: "نقول كما قال"فقال: "أما والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما" ثم كتب إلى مسيلمة "بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، السلام على من اتبع الهدى أما بعد، فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين". وكان ذلك في آخر سنة عشر من الهجرة [٢٨] . وقد بين الله جهل العرب لاسم الرحمن في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا: وَمَا الرَّحْمَنُ؟ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا؟ وَزَادَهُمْ نُفُوراً﴾ (الفرقان آية ٦٠) وقال المفسرون: "إنهم قالوا: ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة؛ يعنون مسيلمة" [٢٩] . وقد ذكر مقاتل وغيره من المفسرين أن رجلا من المسلمين كان يقول في صلاته: "يا رحمن يا رحيم" فقال له رجل من المشركين: "أليس يزعم محمد وأصحابه أنهم يعبدون ربا واحدا، فما بال هذا يدعو ربين اثنين؟ "فأنزل الله تعالى ﴿وَلِلَّهِ الأََسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (الأعراف آية ١٨٠) . حكى ذلك القرطبي [٣٠] وقد ذكر اسم (الرحمن) في القرآن الكريم في مواضع مختلفة سبعا وخمسين مرة [٣١] . الرحيم:

стр. 9321

هو اسم لله مشتق من الرحمة كذلك، وهو على وزن فعيل وهو من صيغ المبالغة. وقد سبق أن ذكرنا أن اسم (الرحمن) لما يتضمنه من صفة الرحمة التي تعم كافة خلقه بأن خلقهم وأوسع عليهم في أرزاقهم، فإنه أشد مبالغة من اسم (الرحيم) الذي يتضمن صفة الرحمة التي تعم عباده المؤمنين فحسب بأن هداهم إلى الإيمان في الدنيا، وهو يثيبهم في الآخرة الثواب الدائم الذي لا ينقطع، إذ يقول سبحانه: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ (الأحزاب آية ٤٣) . وقد قال الإمام ابن القيم: وأما الجمع بين الرحمن والرحيم، ففيه معنى بديع، وهو أن (الرحمن) دال على الصفة القائمة به سبحانه، و (الرحيم) دال على تعلقها بالمرحوم، فكان الأول للوصف، والثاني للفعل، فالأول دال على أن الرحمة صفة (أي: صفة ذات له سبحانه، والثاني دال على أنه يرحم خلقه برحمته (أي: صفة فعل له سبحانه) وإذا أردت فهم هذا فتأمل قوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ (الأحزاب آية ٤٣) ، ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (التوبة آية ١١٧) ، ولم يجيء قط رحمة بهم، فعلم أن (رحمن) هو الموصوف بالرحمة، و (رحيم) هو الراحم برحمته [٣٢] . وقد نسب القرطبي إلى عبد الله بن عباس رضى الله عنهما قوله: "الرحمن الرحيم اسمان رقيقان وأحدهما أرق من الآخر". وقد استشكل الخطابي هذا القول، ونقله عنه القرطبي في الجزء الأول ص ١٠٦، إذ قال الخطابي في استشكاله المذكور: "وهذا مشكل، لأن الرقة لا مدخل لها في شيء من صفات الله سبحانه". وقال الحسين بن الفضل البجلي: "هذا وهم من الراوي لأن الرقة ليست من صفات الله تعالى في شيء، وإنما: هما اسمان رفيقات أحدهما أرفق من الآخر، والرفق من صفات الله . قال النبي ﷺ : "إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف" [٣٣] . والحقيقة أنني أعجبت كثيرا بهذا الاستشكال، ولذلك ألفت إخواني المؤمنين إليه.

стр. 9322

وأما قرن الرحمن بالرحيم مع أن كلا منهما مشتق من الرحمة، فإنه يجوز تكرير الاسمين إذا اختلف اشتقاقهما على جهة التوكيد، كما يقال: جاد ومجد [٣٤] . وقال القرطبي: "وصف نفسه تعالى بعد: رب العالمين بأنه: الرحمن الرحيم، لأنه لما كان في اتصافه: برب العالمين ترهيب، قرنه بالرحمن الرحيم لما تضمن من الترغيب، ليجمع في صفاته بين: الرهبة منه، والرغبة إليه، فيكون أعون على طاعته وأمنع، كما قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ﴾ (الحجر آية ٤٩، ٥٠) ، وقال: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ (غافر آية ٢) . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع في جنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد" [٣٥] . أسماء الله تعالى وصفاته منطلق لتوحيد ألهيته: وبمناسبة كلامي على اقتران (الرحمن الرحيم) يهمني أن ألفت إخواني المؤمنين إلى أن الله تعالى جعل أسماءه الحسنى وصفته العليا دليلاً على توحيد إلاهيته، بمعنى أنه يجعل أسماءه وصفاته منطلقا إلى توحيد إلاهيته، وذلك على نحو ما ذكرنا في توحيد الربوبية الذي يجعله سبيلا إلى توحيد إلالهية [٣٦] . مثال ذلك: قوله جل وعلا: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (البقرة آية ١٦٣) فجعل اسميه الرحمن والرحيم اللذين يتضمنان صفة الرحمة العامة والخاصة دليلا على أنه الإله الواحد الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده، فالعبادة لا ينبغي أن تجرد إلا لمن كان كاملا على الإطلاق في أسمائه وصفاته، ومنزها عن كل نقص أو عيب. ومثال ذلك أيضا: قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّوم﴾ (آل عمران آية ٢) .

стр. 9323

فالاسمان: الحي، والقيوم، تضمنا صفتين لله تعالى: الأولى صفة الحياة، وهي تشمل جميع صفات كماله الذاتية، والثانية صفة القيومية وهي تشمل جميع صفات كماله الفعلية، حتى ورد أن الحي القيوم هما اسم الله الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب هذان الاسمان جعلهما الله بما شملاه من هاتين الصفتين دليلا على توحيد الإلهيته، فقال قبلهما ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ . والذي يستقرئ القرآن الكريم، يجد من الآيات التي يستدل فيها بتوحيد الأسماء والصفات على توحيد الإلهية. وكذلك السنة المشرفة لا تخلوا من النصوص التي توضح ذلك. ولنا إن شاء الله تعالى في هذا المبحث فضل بيان في المكان الذي يناسبه. المالك (والملك والمليك) : وكلها أسماء الله جل وعلا. واسم (الملك) يدل على أن الله وحده يملك هذا الكون، إذ هو سبحانه الخالق له وحده. وإذا كان الناس يملكون في هذه الحياة شيئا من أعراضها، ثم هم ينسبون ملكيته إلى أنفسهم فيقول قائلهم: هذه داري، وهذا بستاني، وهؤلاء أولادي، وهذه أموالي، فما كل أولئك إلا ودائع استخلفهم الله تعالى مالكها الأصيل عليها فترة من الزمن لتعمر الأرض بذلك، ثم هم لا بد ملاقوا ربهم، وتاركوا كل ودائعهم التي استخلفهم الله تعالى عليها لمالكها الأصلي رب العالمين.

стр. 9324

لذا يقول ﵎: ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (آل عمران آية ١٨٠) ، ويقول تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾ (الحجر آية ٢٣) ، ويقول سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ (مريم آية ٤٠) ويقول جل شأنه: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ (القصص آية ٥٨) ، ويقول : ﴿وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ (الحديد آية ١٠) . فلا بد من أن ترد الودائع وأهلها حتما لخالقها وخالق كل شيء سبحانه، وفي هذا يصدق قول من قال: ولا بد يوما أن ترد الودائع وما المال والأهلون إلا ودائع والمالك: هو من اتصف بصفة الملك من آثارها أن يأمر، وينهى، ويثيب، ويعاقب، ويتصرف بمماليكه بجميع أنواع التصرفات، وأصناف الملك [٣٧] . وقد ورد اسم المالك سبحانه في سورة الفاتحة في قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (سورة الفاتحة آية ٣)

стр. 9325

وقد قرىء مالك، وقرىء ملك، وكلا القراءتين صحيح متواتر في السبع، وليس تخصيص الملْك بيوم الدين الإخبار بأنه تعالى رب العالمين، وذلك عام في الدنيا والآخرة، وإنما أضيف اسم (مالك) إلى يوم الدين لأنه لا يدعى هناك أحد غيره، ولا يتكلم أحد إلا بإذنه كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفّاً لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً﴾ (النبأ آية ٣٨) - قال الضحاك عن ابن عباس: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ يقول لا يملك من أحد في ذلك اليوم كملكهم في الدنيا بأن يقول أحد - تجوّزَا - هذا ملكي، هذا مالي، أما يوم القيامة فليس لأحد ملك ولا مال" [٣٨] . وقد اختلف العلماء في أي الاسمين أبلغ: مالك أو ملك؟ فقال أبو عبيد والمبرد ورجح قولهما الزمخشرى: "إن (ملك) أعم وأبلغ من (مالك) إذ كل ملك مالك، وليس كل مالك ملكاً" ولأن أمر الملك نافذ في ملكه، فلا يستطيع أن يتصرف إلا بتدبير الملك. وقال آخرون: إن (مالك) أبلغ من ملك، لأن (المالك) يكون مالكاً للناس وغيرهم، فالمالك أبلغ تصرفا وأعظم. وقال أبو حاتم: "إن (المالك) أبلغ في مدح الخالق من ملك، و (الملك) أبلغ في مدح المخلوقين من (المالك) ، لأن (المالك) من المخلوقين قد يكون غير ملك، وإذا كان الله تعالى مالكاً كان ملكاً". وقد اختار هذا القول أبو بكر بن العربي. وقال الإمام الشوكاني: "والحق: أن كل واحد من الوصفين نوع أخصية لا يوجد في الآخر، (فالمالك) يقدر على ما لا يقدر عليه الملك من التصرفات بما هو مالك له بالبيع، والهبة، والعتق، ونحوها؛ و (الملك) يقدر على ما لا يقدر عليه (المالك) من التصرفات العائدة إلى تدبير الملك وحياطته، ورعاية مصالح الرعية، (فالمالك) أقوى من (الملك) في بعض الأمور، و (الملك) أقوى من (المالك) في بعض الأمور.

стр. 9326

والفرق بين الوصفين بالنسبة إلى الرب سبحانه: أن (الملك) صفة لذاته، و (المالك) صفة لفعله.." [٣٩] وقد ورد اسم (المالك) في القرآن الكريم مرتين: في قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (الفاتحة آية ٤) ، وفي قوله: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ (آل عمران آية ٢٦) . وقد ورد اسم (الملك) في قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ﴾ (الحشر آية ٢٣) وقد جاء في معنى (الملك) : أنه المالك لجميع الأشياء المتصرف فيها بلا ممانعة [٤٠] . وقيل: إنه المالك لجميع الممالك، فالعالم العلوي والسفلي وأهله الجميع مماليك لله فقراء مدبرون [٤١] . وقيل: إنه الله ملك الملوك، وهو مالك يوم الدين [٤٢] . وقد ورد اسم (ملك) في القرآن الكريم خمس مرات: في قوله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ (طه آية ١١٤) . وفي قوله: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ (المؤمنون آيه١١٦) وفي قوله: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ (الحشر آية ٢٣) وفي قوله: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (الجمعة آية١) وفي قوله: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ، النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ﴾ [٤٣] (الناس آية ١، ٢) . كما ورد اسم (المليك) في القرآن الكريم مرة واحدة في قوله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ، فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [٤٤] (القمر آية٥٤، ٥٥) وقد قيل في معنى (المليك) أنه الملك العظيم الخالق [٤٥] .

стр. 9327

هذه الأسماء الخمسة السالف ذكرها - سوى الملك والمليك - هي أسماء الله تعالى التي وردت في سورة الفاتحة. تعظيم شأن المساجد يقول الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ . ويقول: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ . ويقول: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ . -------------------------------------------------------------------------------- [١] تيسير الكريم الرحمن الجزء الأول ص ١٠،١١ بتصرف [٢] الجامع لأحكام القرآن للقرطبي جزء ٧ ص ٣٢٥ [٣] الاسم الذي يدل على صفة تنقسم إلى مدح وقدح (أي ذم) مثل الماكر والخادع والكايد لهذا لم يسم الله تعالى نفسه بمثل هذه الأسماء ولم يجعلها وأمثالها من أسمائه الحسنى . [٤] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للسعدي جزء ٣ ص ٥٩،٦٠. [٥] الجامع لأحكام القرآن للقرطبي جزء ٧ ص ٣٢٥. [٦] تيسير العلي القدير المجلد الثاني ص ١٥١، ١٥٢.

стр. 9328

(وأقول في استطرادة مفيد إن شاء الله، بهذه المناسبة ألفت أخوتي المسلمين إلى قول الرسول ﷺ الرؤوف الرحيم بأمته حين سئل عن تعلم هذه التضرعات في دعاء إذهاب الحزن والهم: "بلى ينبغي لكل من سمعها أن يتعلمها" فما أكثر ما يصيب الإنسان في حياته بين حين وآخر من الهم والحزن ما يملك عليه نفسه ويتمنى عجلا أن يزال ويبدل فرجا. فما أحوجنا جميعا إلى تعلم هذا الدعاء العظيم ودعاء الله تعالى به في ضراعة وإخلاص ليفرج الله عنا ما يلم بنا من أحزان وهموم) .. [٧] مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة للإمام ابن القيم الجزء الثاني ص ٣٢ وما بعدها [٨] مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة الجزء الثاني ص ٣٤ [٩] المرجع السابق ص ٣٢،٣٣ [١٠] المرجع السابق ص ٣٣ [١١] المرجع السابق ص ٣٢،٣١ [١٢] تفسير أسماء الله الحسنى لأبي إسحاق الزجاج ص ١٠ وما بعدها بتصرف [١٣] التيسير السابق ذكره المجلد الأول ص ١٢ [١٤] المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم لمحمد فؤاد عبد الباقي. [١٥] صيحة الحق للشيخ أبي الوفاء محمد درويش الطبعة السادسة ص ٢٨٧،٢٨٦ بتصرف [١٦] تيسير الكريم الرحمن الجزء الثاني ص ٢٠١ تصرف. [١٧] فتح القدير للشوكاني الجزء الأول ص ٢١. [١٨] تيسير العلي القدير المذكور المجلد الأول ص ١٢. [١٩] مجلة الجامعة الإسلامية السنة الحادية عشرة العدد الأول (حلقات مفهوم الربوبية لكاتبها: سعد ندا) . [٢٠] مجلة الجامعة المذكورة العدد الثاني. [٢١] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للسعدي الجزء الأول ص ١٥،١٤ [٢٢] المعجم المفهرس السابق ذكره. [٢٣] تيسير العلي القدير المذكور المجلد الأول ص ١٣. [٢٤] مرجع الزجاج السابق ذكره ص ٢٨, [٢٥] بدائع الفوائد لابن القيم الجزء الأول ص ٢٤.

стр. 9329

[٢٦] تيسير العلي القدير السابق ذكره المجلد الأول ص ١٣. [٢٧] المرجع السابق المجلد الأول هامش ص ١٣. [٢٨] تهذيب سيرة ابن هشام طبعة ثالثة ص ٦٧، ٣٧١،٣٥١،ومرجع الزجاج ص ٢٩. [٢٩] فتح القدير الجزء الرابع ص ٨٤. [٣٠] المرجع السابق الجزء الثاني ص ٢٦٨. [٣١] المعجم المفهرس السابق ذكره. [٣٢] مرجع الزجاج ص ٢٨ وبدائع الفوائد لابن القيم الجزء الأول ص ٢٤. [٣٣] مرجع الزجاج ص ٢٨ [٣٤] نفس المرجع السابق ص ٢٨ [٣٥] تيسير العلي القدير المجلد الأول ص ١٤ وفتح القدير الجزء الأول ٢١. [٣٦] راجع حلقات (مفهوم الربوبية) في أعداد هذه المجلة لسنتها الحادية عشرة لكاتبها سعد ندا. [٣٧] تيسير الكريم الرحمن الجزء الأول ص ١٥. [٣٨] تيسير العلي القدير المجلد الأول ص ١٤ بتصرف [٣٩] فتح القدير الجزء الأول ص ٢٢ بتصرف قلت:"و (الملك) ليس صفة وإنما هو اسم الله تعالى يدل على صفة الملكية التي هي صفة لذاته سبحانه و (المالك) ليس صفة كذلك، وإنما هو اسم الله تعالى يدل على صفة الملكية التي هي صفة لفعله سبحانه". [٤٠] تيسير العلي القدير المجلد الرابع ص ٢١٥. [٤١] تيسير الكريم الرحمن الجزء الثامن ص ١٠٧ [٤٢] مرجع الزجاج ص ٣٠. [٤٣] المعجم المفهرس المذكور. [٤٤] المرجع السابق [٤٥] تيسير العلي القدير المجلد الرابع ص ١٤٩

стр. 9330

العدد ٤٦ فهرس المحتويات ١- افتتاحية العدد: بقلم الدكتور عبد الله بن عبد الله الزايد ٢- كلمة التحرير - الفكر الشيوعي وكيف نقاومه؟ : د. عباس محجوب ٣- آية العدد: لفضيلة الشيخ: أبو بكر الجزائري ٤- وجوب العمل بسنة الرسول ﷺ وكفر من أنكرها: لفضيلة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٥- إنما الأعمال بالنيات: بقلم: أحمد محمد جمال ٦- الحركة السلفية ودورها في إحياء السنة: بقلم عبد الرحمن عبد الجبار الفريوائي ٧- مفهوم الأسماء والصفات (الحلقة الثانية) : فضيلة الشيخ سعد ندا ٨- تصديق القرآن الكريم للكتب السماوية وهيمنته عليها: د. إبراهيم عبد الحميد سلامة ٩- أَضواء على القرآن الكريم - بلاغته وإعجازه: دكتور عبد الفتاح محمد سلامة ١٠- بيئات التربية الإسلامية: للدكتور عباس محجوب ١١- تجارب حية في عملية التربية والتعليم: بقلم الشيخ محمد المجذوب ١٢- موجز البيان في زكاة الأطيان والبنيان: لفضيلة الشيخ عطية محمد سالم ١٣- ابن سبأ حقيقة لا خيال: للدكتور سعدي الهاشمي ١٤- في المشارق والمغارب: فضيلة الشيخ عبد الله بن أحمد قادري ١٥- سنن الفطرة بين المحدثين والفقهاء (الحلقة الثالثة) : لفضيلة الدكتور أحمد ريّان ١٦ - تعدد الزوجات وحكمته في الإسلام: الدكتور جمعة الخولي ١٧- التشبه بالنساء والرجال: لفضيلة الدكتور محمد محمد الشريف ١٨- فيمن تكون ... أسوة المسلم؟ : بقلم الشيخ محمد المهدي محمود ١٩- حقوق الإنسان في الإسلام: بقلم الشيخ: عبد الفتاح عشماوي ٢٠- دراسة في أصول الفقه: د. علي أحمد محمد با بكر ٢١- نظام الضرائب في الإسلام: د. أحمد حاج علي الأزرق ٢٢- الدولة الإسلامية الأولى تأسيسها وعوامل نجاحها: د. محمد السيد الوكيل ٢٣- كيف نجا المسلمون من عاصفة المغول والتتار المدمِّرة؟ : د. جاد محمد رمضان ٢٤- نماذج أخرى من الدعاة الصالحين (الحلقة الثالثة) : لفضيلة الشيخ أبو بكر الجزائري ٢٥- الأدب والحياة: د. شوقي عبد الحليم حمادة ٢٦- رسائل لم يحملها البريد: بقلم الشيخ عبد الرؤوف اللبدي ٢٧- الطريقة المثلى لتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها: الدكتور محي الدين الألوائي ٢٨- مختارات من التراث - نكبة دمشق: لأمير الشعراء أحمد شوقي ٢٩- كيف يتفرق أهل الحق! : يوسف الهمذاني الشافعي ٣٠- الرد على من كذب بالأحاديث الصحيحة الواردة في المهدي: لفضيلة الشيخ عبد المحسن العباد ٣١- قرار مجلس هيئة كبار العلماء بالمملكة بشأن منع الحمل وتحديد النسل أو تنظيمه: عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٣٢- خطورة سوء استعمال الأدوية: للدكتور حسين كامل طه ٣٣- وقفة مع كرات الدم الحمراء: للدكتور فكري السيد عوض ٣٤- من أعماق الكتب: محمد أمان بن علي الجامي ٣٥- مختارات من الصحف ٣٦-كيف دخلت الشيوعية في أفغانستان؟ : للأستاذ جلال الدين أحمد النوري ٣٧- ماذا تعرف عن شعب أورومو؟ (الحلقة الثانية) : لفضيلة الشيخ محمد أمان بن علي الجامي ٣٨- إخوة فيليبنيون يهتدون إلى الإسلام: صحيفة المدينة المنورة ٣٩- هل تعلم أن الكهرباء ثمرة؟ : أحمد حسن بركات / فني كهرباء بالجامعة ٤٠- أخبار الجامعة عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة ١٤٢٣ هـ / ٢٠٠٢ م

стр. 9331

افتتاحية العدد بقلم الدكتور عبد الله بن عبد الله الزايد نائب رئيس الجامعة الإسلامية إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد: فإن لي معك أيها القارئ الكريم كلمتين أما الأولى: فإن العالمَ مر به أحداث لا ينبغي أنْ تمر دون أن يستفيد منها الناس عبرة لحاضرهم ومستقبلهم. وذلك أن ما يحدث من كروب وبلاء إنما هو بإرادة وحكمة من ربنا سببه الإنسان فحدث تأديبا له وتنبيها للآخرين، قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ ، وقال عز من قائل: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ . ولنذكر هنا بعضا النماذج فمن ذلك ما حدث من الزلازل الماحقة في كل من الجزائر - مدينة الأصنام- تم في جنوب إيطاليا ذهبت به ضحايا كثيرة من البشر وشرد به كثير من ديارهم وأموالهم. ويتمت أطفال وترملت نساء. كذلك الحروب المدمرة التي تحدث بين الناس هنا وهناك وتأخذ الكثير من المحاربين ومن الأبرياء. كذلك تزايد صلف اليهود وعدوانهم في فلسطين وفي القدس وتجرؤهم على الآمنين والعزل وانتهاب أموالهم وأراضيهم بين حين وحين كذلك ما يحدث من مجازر بين المسلمين بأيدي الشيوعيين في أفغانستان،.... وإراقة الدماء في لبنان وما حول لبنان. كل ذلك وغيره مما لم نذكره كثير هو من قبيل ما أشرنا إليه إلا أنني أحسب أن أكثر الناس لم يتعظوا ويأخذوا منه درسا يستفاد منه.

стр. 9332

ولعل مرد ذلك إلى الغفلة الجاثمة على النفوس الآبقة غفلة عن الله والدار الآخرة التي جرت إلى الغفلة عن مصالح الناس حتى في أمور معاشهم وصدق الله القائل: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُم﴾ . هذا الأمر أردت الإلماح إليه في مطلع حديثي مع القراء الكرام لما له من أهمية بالغة في واقع الناسك ومستقبلهم ولعل الله يهدي قلوبنا ويصلح أعمالنا جميعا. والكلمة الثانية فيما يخص هذه الجامعة فلعل من المفيد أن أنقل القارئ الكريم إلى رحابها ليعيش لحظات بين جنباتها لأنها مؤسسة تهمه باعتبارها جامعة لكل المسلمين كما قال صاحب السمو الملكي الأمير فهد بن عبد العزيز ولي العهد ونائب رئيس مجلس الوزراء والرئيس الأعلى لهذه الجامعة وكما هو واقعها بالفعل. إن للجامعة حاضرا هو ما تضمه من كلياتها الخمس ومعهد ثانوي ومعهد متوسط وشعبة لتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها ودارين للحديث إحداهما بمكة المكرمة والثانية بالمدينة المنورة هذا إلى جانب قسم الدراسات العليا لكل التخصصات الموجودة في الكليات. ويوجد فيها زيادة على ذلك المرافق المساندة كالمكتبة العامة والمكتبات الفرعية لكل وحدة والمطبعة المجهزة بأحدث ما وصل إليه علم الإنسان مما علمه الله إياه في هذا الفن، لطباعة الكتب والمراجع والدوريات إلى غير ذلك. وكذلك يوجد مجلس لشئون الدعوة، يهتم بكل ما يتصل بالدعوة إلى الله في حدود إمكاناته واختصاصاته المحددة في لائحته المقرة من المجلس الأعلى للجامعة؛ مما يهتم به توزيع الكتب لشتى أنحاء العالم وهناك مجلس علمي ملحق به مركز للبحث. ويوجد أيضا عمادة لشئون الطلاب تهتم بخدمة الطالب والقيام على راحته، وعمادة لشئون القبول والتسجيل تبدأ مع الطالب أكاديميا من أول ورقة تقدم منه إلى آخر ورقة يأخذها من الجامعة.

стр. 9333

وقد بلغت ميزانية الجامعة لهذا العام ١٤٠٠-١٤٠١هـ قرابة ثلثمائة مليون ريال وقد بدأت ميزانيتها بثلاثة ملايين عام ١٣٨١ هـ. أما طلاب الجامعة في هذا العام فهم أكثر من ستة آلاف طالب كلهم يتلقى من الرعاية ما يمكنه من التحصيل العلمي والتربوي بيسر وسهولة؛ إذ يتقاضى الطالب مكافأة شهرية تبدأ بثلاثمائة ونيف وتنتهي بحوالي ألف ريال في الدراسات العليا إلى جانب البدلات للملابس والمراجع والترحيل من تأمين الوجبات الغذائية، والمواصلات من الجامعة إلى وسط المدينة والعكس يوميا والسكن المجهز بوسائل الراحة والرعاية الصحية المتواصلة؛ مع منح كل طالب تذكرة سفر جوية ذهابا وإيابا إلى بلده كل سنة خلال الإجازة الصيفية.. إلى غير ذلك من التسهيلات التي تقدمها الجامعة لطلابها. هذا ما يخص حاضر الجامعة باختصار. أما ما يتعلق بمستقبلها من الخير إن شاء الله فيشتمل على: ١- إقامة مشروعها العام وهو ما يسمى بالمدينة الجامعية المتكاملة بكلياتها ومعاهدها ومدارسها ومساكنها للأساتذة والطلاب والموظفين مع المرافق اللازمة لهذه المدينة. والجامعة تتخذ الخطوات اللازمة للبدء في هذا المشروع، وأول هذه الخطوات العملية التصاميم والاتفاق مع المشرفين على التنفيذ. وهذه الخطوة تمضي بالجامعة الآن إلى الأمام للالنزام بها قريبا إن شاء الله تعالى. ٢- إنشاء كليات جديدة تتطلبها حاجة المسلمين وسيعلن عنها في حينها وقد أنشئ في كلية الدعوة وأصول الدين هذا العام قسم للإعلام ستبدأ الدراسة فيه فور ما تستكمل متطلباته إن شاء الله تعالى. ٣- ستسهم الجامعة بحول الله في تعليم الفتاة المسلمة في الدراسات الجامعية والأبحاث ماضية الآن في دراسة هذا المشروع ومتى أخذ حظّه من الدراسة رفع إلى المجلس ا! لأعلى للنظر في إقراره. ٤- إنشاء الحاسب الآلي ليخدم أجهزة الجامعة فنيا وإداريا.

стр. 9334

٥- وهناك تفكير جاد في دراسة إنشاء بعض التخصصات العملية كالطب والهندسة استجابة لحاجة الأقليات المسلمة ليجد الطالب المتخرج من الجامعة الإسلامية وسيلة عيش كريم وهو يسهم في أداء الدعوة إلى الله تعالى. ونسأل الله أن يقدر الذي هو خير. وإذا ذكرنا الجامعة الإسلامية، فإنا نذكر الذي وراء تأسيس هذه الجامعة في ظروف كان المسلمون أشد ما يكونون حاجة إلى مثلها ففي نفس الوقت الذي صدر فيه الأمر بتأسيس الجامعة يصدر قرار من خارج المملكة بإضعاف مؤسسة ضخمة مماثلة فكأن الله ﵎ أراد أن يكون البديل الصالح هذه الجامعة في مدينة رسول الله ﷺ فأمر جلالة الملك سعود ﵀ بتأسيس الجامعة وتولى رعايتها جلالة الملك فيصل عليهما رحمة الله ومغفرته. وخلف بخير خلف والحمد لله جلالة الملك خالد وتوالى تعاهدهم لها بالرعاية والدعم وأكد هذه الرعاية الكريمة بأن أسند الرئاسة العليا فيها لصاحب السمو الملكي الأمير فهد ولي عهده حفظهما الله وبارك في جهودهما. وما زالت هذه الرعاية تتنامى وتزداد. ثم تكرم جلالته بتشريف أسرة الجامعة بالزيارة الكريمة الموعود بها يوم الأحد ٢٩/١/١٤٠١ هـ على إثر تفضله بافتتاح مشروع التحلية الذي سيمد المدينة بالماء العذب بالرغم من كثرة مشاغله العديدة لفتة من جلالته إلى بالغ العناية بأهم مرفق تعليمي أسسته المملكة لأبناء العالم الإسلامي. أسأله تعالى أن يبارك في جهوده وجهود إخوانه وأعوانه. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه بدأ ونهايةَْ.

стр. 9335

بيئات التربية الإسلامية للدكتور عباس محجوب يقصد بالبيئات الأمكنة التي تتم فيها العملية التربوية لما لتلك البيئات من وظائف تربوية تقوم بها مع التركيز على الصفة التربوية لهذه البيئات وتشمل هذه البيئات الأسرة والمسجد والمدرسة والمجتمع. أولا: الأسرة تعتبر الأسرة المكونة من الأبوين أقدم مؤسسة اجتماعية للتربية عرفها الإنسان إذ إنها كانت ولا تزال المؤسسة الوحيدة التي تعلم وتهذب الطفل وتنقل إليه عن طريق الأب خبرات الحياة ومهارتها المحدودة ومعارفها البسيطة وكانت القبيلة هي التي تساعد الآباء في عملية التربية وكثيرا ما كان الإبن وارثا لمهنة والده التي تعلمها ومارسها معه ولا زالت الأسرة في المجتمعات المختلفة هي مصادر التربية والمعرفة بالنسبة لأبنائها، وقد أدى تطور الحياة البشرية واستقرار الإنسان وبناء المجتمعات المدنية والقروية وزيادة الخبرات البشرية وتعدد أنواع المعرفة البشرية إلى إن تشارك مؤسسات أخرى الأسرة في واجب الرعاية والاهتمام والتربية والتوجيه وتخلت الأسرة عن بعض ما كانت تقوم به بالرغم من أنها ظلت المؤسسة الأولى في حياة المجتمع الحديث أيضا في التربية. كانت الأسرة تقوم بواجب التربية من الناحية الصحية والجسمية فيوفر الأبوان لطفلهما الطعام والشراب والكساء والمأوى ثم تعليمه المهنة التي يعيش بها في المستقبل وغالبا ما تكون مهنة الوالد على حين تتعلم البنت أمور البيت وقد تساعد في أعمال الزراعة مع أمها، ولكن تطور الحياة جعل الأسرة تسعى إلى تعليم أبنائها وأصبحت المدرسة المؤسسة الثانية بعد الأسرة.

стр. 9336

وقد سبق أن تحدثنا عن بعض المهام التربوية التي تقع على عاتق الأسرة المسلمة وأهمها إيجاد الأم الصالحة للأبناء ورعاية الأمهات ثم اختيار الاسم الصالح للأبناء وتعهدهم بالرعاية والتربية الدينة والتوجيه إلى المثل العليا والتمسك بالفضائل وغيرها مما لا نود تكراره. وأول الحاجات الضرورية التي يجب أن توفرها الأسرة هو حاجة الطفل إلى الحب والعطف والحنان ولا يمكن توفر ذلك في أسرة لا تقوم أساسا على المودة كما يقول الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [١] لأن هذه المودة بين الوالدين تنتقل إلى الأولاد فتسود المحبة جو العائلة وقد أثبتت الدراسات النفسية أن الطفل إذا أحس بفقد العطف والحنان والرعاية ترجم ذلك في تصرفات يريد بها إثارة الانتباه واستدرار عطف والديه ثم تنعكس هذه الآثار في مستقبل الطفل فيصبح قاسيا في سلوكه ساخطا على المجتمع.

стр. 9337

ولذلك كان الرسول ﵊ أرحم الناس بالأطفال وقد كان الرسول ﷺ نموذجا لما يجب أن تكون عليه العلاقة الأسرية بين الأبناء والآباء فقد كان يحنو على الحسن والحسين... يمتطيان ظهره الشريف فيحبو بهما ويخاطبهما وقد أطال الرسول ﷺ السجود مرة فسئل عن ذلك فقال: "إن ابني ارتحلني فكرهت أن اعجل حتى يقضي حاجته" [٢] وقد حدث أن كان ﵊ يقبل الحسن وعنده أعرابي يتعجب من ذلك ويقول للرسول ﷺ : "إن لي عشرة الأولاد ما قبلت أحدا منهم قط"فأجابه النبي ﷺ : "من لا يرحم لا يرحم" [٣] وفي رواية: "أو أملك لك أن نزع الله الرحمة من قلبك؟ "، وفي هذا المعنى يقول الرسول ﷺ : "ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر" [٤] ، وكان ﷺ رحيما بالصبيان عامة يسلم عليهم إن رآهم ويتسابق معهم إن رآهم يتسابقون ويلتقي بصبيان أسرته إذا عاد من سفر ويركب على ناقته من يلقاه منهم. وهذا النوع من التربية للأطفال يؤدي إلى نتيجتين أولاهما إشباع حاجة الطفل الغريزية للحب والعطف والحنان والرعاية وثانيهما انتقال هذه الصفات منه إلى الآخرين كبارا كانوا أم أطفالا. إن الإسلام عندما وضع على عاتق الأم أعظم مهام الحياة وهي التربية للأجيال وبناء الإنسان كان ذلك من معرفة الإسلام بأن التربية الصحيحة لا تتوفر إلا في الأسرة التي تستطيع المرأة فيها أن تعطي وقتها لبيتها وزوجها وأطفالها وأن توفر لهم جميعا المأوى الدافئ والجو المليء بمعاني العطف والمودة والرحمة.

стр. 9338

إن المجتمعات الحديثة وقد خرجت فيها المرأة مع الرجل إلى العمل جعلت الأبوين منصرفين عن العناية والرعاية لأطفالهما لأنهما يعودان من العمل منهكين متعبين محتاجين إلى الراحة الجسدية مما يفقد أبناءهما عواطف المحبة والرحمة والنظر في مشاكلهم التربوية والتعليمية وحاجتهم إلى الحنان والرعاية ومثل هذه الأسرة لا تفقد أبناءها ما تقدم بل تجعلهم يتعلمون كثيرا من أنواع السلوك السيء والعادات الضارة من الشارع أو صحبة الأشرار أو الخدم في البيوت.

стр. 9339

إن واجب الأسرة في الإسلام توجيه الأطفال إلى الصلاة وعبادة الله ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ ومراقبة تنفيذ هذا الأمر وأخذهم بشدة في سن العاشرة والتفريق بينهم في المضاجع والاستئذان في الأوقات التي حددها القرآن لأن الطفل لا بد أن ينشأ على السلوك الإسلامي الذي يخضع النظام الأسري فيها لتعاليم الإسلام ونظمه في المأكل والملبس والسلوك وكل شأن من شؤون الحياة، وعن دور الأسرة في تربية الأولاد يقول الغزالي: "اعلم أن الطريق في رياضة الصبيان من أهم الأمور وأوكدها، والصبي أمانة عند والديه وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة فإن عود الخير وعلمه نشأ عليه، وسعد في الدنيا والآخرة ... وإن عود الشر وأهمل إهمال البهائم شقي وهلك... ورياضته بأن يؤدبه ويهذبه ويعلمه محاسن الأخلاق، ويحفظه من قرناء السوء.. ومهما رأى فيه مخايل التمييز فإنه ينبغي أن يحسن مراقبته، وأول ذلك ظهور أوائل الحياء، فإنه إذا كان يحتشم ويستحي ويترك بعض الأفعال فليس ذلك إلا لإشراق نور العقل عليه، حتى يرى بعض الأشياء قبيحا ومخالفا للبعض فصار يستحي من شيء دون شيء، وهذه هدية من الله تعالى إليه، وبشارة تدل على الأخلاق، وصفاء القلب، وهو مبشر بكمال العقل عند البلوغ فالصبي المستحي لا ينبغي أن يهمل، بل يستعان على تأديبه بحيائه وتمييزه، وإن الصبي إذا أهمل في بدء نشأته خرج في الأغلب رديء الأخلاق، كذابا حسودا، سروقا، نماما لحوحا، ذا فضول وضحك، وكيد ومجانة، وإنما يحفظ عن جميع ذلك بحسن التأديب ثم يشغل في المكتب فيتعلم القرآن وأحاديث الأخبار، وحكايات الأبرار وأحوالهم ليغرس في نفسه حب الصالحين ويحفظ (بضم الياء وسكون الحاء وفتح الفاء) من الأخبار التى فيها ذكر العشق وأهله ... ثم مهما ظهر من الصبي خلق جميل وفعل محمود فإنه ينبغي أن يكرم عليه ويجازى عليه بما يفرح ويمدح بين أظهر الناس فإن خالف ذلك في بعض الأحوال مرة واحدة ينبغي

стр. 9340

أن يتغافل عنه وألا يهتك ستره ولا يكاشفه، ولا سيما إذا ستره الصبي واجتهد في إخفائه وإن عاد ثانية ينبغي أن يعاتب سرا ويقال له: إياك أن تعود بعد ذلك لمثل هذا فتفضح بين الناس، ولا تكثر القول عليه بالعتاب في كل حين، فإنه يهون عليه سماع الملامة، وركوب النتائج ويسقط وقع الكلام من قلبه، وليكن حافظا هيبة الكلام معه، فلا يوبخه إلا أحيانا، والأم تخوفه بالأب وتزجره عن القبائح"ويقول أيضا: "وينبغي أن يعود ألا يبصق في مجلسه ولا يتمخط، ولا يتثاءب بحضرة غيره، ولا يستدبر غيره، ولا يضع رجلا على رجل، ولا يضع كفه تحت ذقنه، ولا يعمد رأسه بساعده فإن ذلك دليل الكسل، ويعلم كيفية الجلوس، ويمنع كثرة الكلام، ويبين له أن ذلك يدل على الوقاحة، ويمنع الحلف رأسا، صادقا كان أو كاذبا حتى لا يعتاد على ذلك من الصغر. ويمنع أن يبتدئ بالكلام، ويعود ألا يتكلم إلا جوابا وبقدر السؤال، وأن يحسن الاستماع مهما تكلم غيره ممن هو أكبر منه سنا وأن يقوم لمن فوقه، ويوسع له المكان، ويجلس بين يديه، ويمنع من لغو الكلام وفحشه، ومن اللعن والسب ومن مخالطة من يجري على لسانه شيء من ذلك، فإن ذلك يسري لا محالة من قرناء السوء وأصل تأديب الصبيان الحفظ من قرناء السوء ... وينبغي أن يعلم طاعة والديه ومعلمه ومؤدبه وكل من هو أَكبر منه سنا من قريب وأجنبي ومهما بلغ من التمييز ألا يسامح في ترك الطهارة والصلاة، ويؤمر بالصوم في بعض أيام رمضان.

стр. 9341

إن الأسرة التي تقوم بالواجبات التي سبق ذكرها والتي هي جماع لما يسمى الآن بالتربية الخلقية والجسمية والعقلية والاجتماعية، لهي أسرة مثالية قادرة على تخريج رجال نافعين لأنفسهم ولأمتهم، وقد بين الرسول ﷺ واجبات الأسرة نحو أبنائها فيما ذكرنا من الرحمة والشفقة والعطف عليهم لأن تلك الأمور تعطي الأطفال الاطمئنان النفسي والثقة بالذات... والنشأة السوية والاهتمام بالواجب كما دعا الإسلام إلى التعويد على الصلاة باعتبارها عماد الدين كما أن على الأسرة أن تملأ فراغ الأطفال باللعب وتعلم فنون القتال وما يقوي الأجسام والقراءة النافعة الموجهة وقفل أبواب الفساد والانحراف وذلك بالتوجيه لهم إلى الصحبة الطيبة وإبعادهم عن رفاق السوء ومراقبتهم الدائمة من غير مضايقة لهم أو إشعارهم بذلك، كما أن حسن معاملة الوالدين لبعضهما ولأولادهما هو خير طريقة لتربيتهما لأن المعاملة القاسية والإحباط الدائم بالتوبيخ والضرب والإهانة والسخرية تؤدي إلى نتائج سيئة أهمها فقدان الثقة بالنفس وحب العزلة عن الناس والخوف وعدم تحمل أي مسئولية في الحياة والاعتماد على الغير، وربما الاتجاه نحو الجريمة والانحراف والشذوذ، ولذلك دعا الرسول ﷺ إلى الرحمة والرفق ولين الجانب وعذوبة الألفاظ والتوجيه الحسن والعقوبة المعقولة فالرسول ﷺ يخبر بأن الراحمين يرحمهم الرحمن وأن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق مالا يعطي على سواه ويقول: "إن أراد الله تعالى بأهل بيت خيرا أدخل عليهم الرفق، وإن الرفق لو كان خلقا لما رأى الناس خلقا (بفتح الخاء) أحسن منه وإن العنف لو كان خلقا لما رأى الناس خلقا أقبح منه".

стр. 9342

وأهم واجبات التربية الأسرية أيضا التربية الإيمانية للطفل وذلك بتوجيه عواطف الطفل نحو حب الله وحب رسوله وإخباره بأن الله يجب أن يكون أحب إليه من أمه وأبيه ونفسه التي بين جنبيه وإلى جانب عاطفة الحب تكون عاطفة الخوف من الله لأن العاطفة الأولى تؤدي إلى طاعة الله والعمل بما أمر والثانية تؤدي إلى البعد عن المعاصي قولية أو فعلية ظاهرة أو باطنة والأطفال يستهويهم الحديث عن الله وحبه والجنة والنار ووسائل الوصول إليهما، وعلى الآباء إشعار أبنائهم بأن حبهم له ينشأ من حاجتهم الدائمة إليه هم وآباؤهم لأن كل شيء بيد الله، الإحياء والإماتة والشقاء والسعادة، والرزق والنعمة والهداية والضلال وهذه الحاجة هي التي جعلتنا نحبه أولا ونقوم بواجب الشكر ثانيا من اتباع ما أمر واجتناب ما نهى، ويمكن غرس هذه المعاني في الطفل ساعة وصوله إلى مرحلة الاستغناء عن أمه ونمو قواه الجسمية والعقلية بحيث يستطيع فهم التوجيهات القرآنية والنبوية في ذلك وبحيث يستقر في قلبه أن مصدر كل شيء في الوجود هو الله، وتوجيهه إلى بعض الأحاديث مثل الحديث القدسي: "يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجال واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه"وكما روي الحديث.

стр. 9343

إن غرس الإيمان الحقيقي في نفوس الناشئة والإيمان المطلق بالله بصفاته الثابتة له وحبه والخضوع له والخوف منه والالتجاء إليه في كل أمر هو سر السعادة للأبناء والأسرة خاصة إذا أثبتت العقيدة بالطرق التربوية السليمة التي تقوم على العاطفة والعقل والعلم والحكمة حتى يكون الإيمان هو مصدر السلوك وموجه الإنسان في الحياة، والرسول ﷺ يعلمنا التدرج في تربية الأولاد فيقول فيما رواه ابن عباس: "افتحوا على صبيانكم أول كلمة بلا إله إلا الله" ثم أمرهم بالصلاة في السابعة ثم تأديبهم على حب النبي وآل بيته وتلاوة القرآن وتعريفهم بالحلال والحرام ممارسة أمامهم وتلقينا وتوجيها لهم بامتثال الأوامر واجتناب النواهي ووعظا بتوصيلهم إلى بعض الأمور كما كان يفعل الرسول ﷺ مع ابن عباس. إن الأسرة هي البيئة الأولى التي يتعلم فيها الطفل فإذا وجد الأبوين الصالحين اللذين يرعيان ويوجهان ويحسنان التربية نشأ الأطفال نافعين لأنفسهم ولأمتهم ومطيعين لربهم منجين لأنفسهم وأهليهم من عقاب الله وسخطه. ثانيا: المسجد:

стр. 9344

أخذت الكلمة من أصلها الاشتقاقي وهو السجود لله فكان المكان الذي يخضع فيه الإنسان ويخشع لله هو المسجد، ومسجد قباء هو أول مسجد في الإسلام أسس على التقوى من أول يوم مما جعل المسجد على مر العصور رمزا لحضارة الإسلام وأماكن التربية والعبادة للمسلمين، وقد ذكر الله المهام التربوية التعبدية للمسجد فقال: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ [٥] .. وقد وردت لفظة "مسجد"بالمفرد والجمع ثمان وعشرين مرة في القرآن كما وردت اللفظة كثيرا في السنة المطهرة مرتبطة بالبناء والتربية ورسالة المسجد، فالمسجد في الإسلام من أهم الأسس التي يقوم عليها تربية الفرد وبناء المجتمع ويمكننا أن نحدد المهام التربوية الوظيفية للمسجد من خلال القرآن والسنة فيما يلي: ١- المسجد مكان الصلاة والذكر والعبادة ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ [٦] ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ ويقول: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً﴾ [٧] والمسجد هو مكان العبادة الجماعية وصلاة الجماعة التي يحسن بالمسلم أن يحرص عليها ففي الحديث يقول ﵊: "ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطى إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط، فذلكم الرباط" [٨] .

стр. 9345

والمساجد مكان الاعتكاف ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ . ٢- المسجد مكان العلم والتعلم وأول ذلك دراسة القرآن الكريم يقول ﵊: فيما رواه أبو هريرة "... وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده" [٩] . ويقول ﵊: "أفلا يغدو أحدكم كل يوم إلى المسجد يتعلم أويقرأ آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين وثلاث خير له من ثلاث، وأربع خير من أربع ومن أعدادهن من الإبل"، وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر إنما هي لذكر الله تعالى وقراءة القرآن" أو كما قال رسول الله ﷺ [١٠] .

стр. 9346

٣- المسجد مكان القضاء والحكم والشورى ومجمع للوزارات الإسلامية فقد كان المسجد هو مكان الحاكم والمدرسة التي تربى فيها الرعيل الأول من الصحابة إيمانيا وروحيا وخلقيا واجتماعيا وتفاعلت أرواحهم ونفوسهم بتعاليم الرسول ﷺ وعطائه وقدوته، تعلموا فيه أمور الدين وعرفوا فيه الحلال والحرام كما تعلموا فيه علوم القرآن والسنة والشريعة واللغة وعلوم الحياة كلها، وتحققت فيه معاني الأخوة ممارسة وواقعا وتعاونوا على البر والتقوى واطمأنت فيه قلوبهم بذكر الله، وضربوا المثل النادر في التفاني والحب والإيثار والرحمة واختاروا فيه الخلفاء بعد الرسول ﷺ وكل خليفة يلقي بيان سياسته وأسس حكمه فيه ابتداء بأبي بكر الصديق، وفيه تقاضى المتنازعون ففيه أصدرت الأحكام بإقامة حدود الله، وفيه قاضى كعب بن مالك رجلا دينا كان له عليه في المسجد فارتفعت أصواتهما فنادى رسول الله ﷺ قائلا: "يا كعب ضع عن دينك هذا"فقال: قد فعلت يا رسول الله. فقال: "قم فاقضه" [١١] وفي المسجد أقيمت بعض ألعاب الفروسية فقد روت عائشة عن الرسول ﷺ قولها: "دعاني رسول الله والحبشة يلعبون بحرابهم في المسجد فقال: يا حميراء أتحبين أن تنظري إليهم فقلت: نعم فأقامني من ورائه فنظرت من وراء منكبيه"قالت عائشة قال رسول الله ﷺ لتعلم يهود أن في ديننا فسحة" [١٢] ، وكان المسجد في عهد رسول الله ﷺ مكانا لإيواء الفقراء والغرباء الذين عرفوا بأهل الصفة بالمكان الذي خصص لهم، وكان فيه سبعون من الفقراء منهم أبو هريرة ﵁ وفيه حبس بعض الأسرى وفيه كان الجرحى يداوون فقد روت عائشة فقالت: "أصيب سعد بن معاذ يوم الخندق في الأكحل فضرب رسول الله خيمة في المسجد ليعودوه من قريب" [١٣] ومن المسجد كان رسول الله ﷺ وخلفاؤه يدبرون شؤون الأمة والدولة والدعوة

стр. 9347

ويرسلون السفراء ويجهزون الجيوش ويضعون الاستراتيجيات ويخططون ويمارسون نظام الشورى وإذا جدّ أمر واستدعى قرارا سريعا ورأيا قاطعا نودي (الصلاة جامعة) فيجتمع الناس ويتشاورون، وفيها ينتخب العمال ويرسلون ويحاسبون وتوزع فيها أموال الزكاة والصدقات ويعقد فيها النكاح فالرسول ﷺ يقول: "أعلنوا هذا النكاح واجعلوه في المساجد واضربوا عليه الدفوف" [١٤] ومنه تعطى الشهادة بالنجاح مع الله للمسلم إذ يقول الرسول ﷺ : "بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة" [١٥] وبالتردد عليها يشهد للرجل بالإيمان فقد روى أبو سعيد الخدري عن النبي ﷺ قوله: "إذا رأيتم الرجل يرتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان" [١٦] ، وهذا تأكيد لقول الله تعالى: ﴿إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين﴾ . إن المسجد يمكن أن يؤدي دوره الأول في حياة المسلمين وتربية أبنائهم وتوجيههم في النواحي الروحية والأخلاقية والاجتماعية حيث يتعلم فيها ويستمع إلى الموعظة النافعة ويخطط فيها لرعاية الشباب وممارسة نشاطاته ويتعلم فيها النواحي الدينية وما يتعلق بمناهج الحياة وأمور التشريع، إن المسجد يمكنه ممارسة مهامه الأولى في التربية إذا كان للحاكم مكان فيه وإذا كان التخطيط للأمة المسلمة في ربوعه وإذا جعل المسجد مكانا لمناقشة الدراسات التي تقدمها اللجان المتخصصة في السياسة والتعليم والتربية والمال والشئون البلدية وما إليها.

стр. 9348

إننا نلحظ الآن لدى المسلمين اتجاهات إلى تحقيق رسالة المسجد الأولى ببناء المساجد والمدارس وقاعات المحاضرات والندوات والمستشفيات في مبنى واحد حتى يمكن للمسلمين أن يقضوا أمورهم كلها في ذلك المبنى، كما أننا نجد في كثير من البلاد اتجاه الشباب إلى جعل المسجد منارة للعلم ومكانا للمحاضرات ومجلسا شوريا للحي الواحد، وهذا يقضى أن يكون من يتولون الأمر على درجة من العلم والمعرفة بشؤون الدين والدنيا وأن يكون الخطباء في مستوى الإسلام وتعاليمه ومعارفه وفي مستوى الحياة ومشكلاتها وهمومها حتى يكون الخطيب إمام الناس حقا في أمور د ينهم ودنياهم. إن المسجد عامل مهم من عوامل التربية وبناء الأفراد والأمم فيه يعلَّم النشء الحلال والحرام وأمور الدين والدنيا وأحوال المسلمين وتاريخهم وهمومهم ومشاكلهم وفيه تتحقق معاني التعاطف والمودة والرحمة والتعارف والتعاون وفيه يتدارس الناس القرآن وعلوم الدين وتصقل فيه المواهب وتقوى النواحي الروحية والجسمية والعقلية والوجدانية ففي كل خطوة إلى المسجد تحط خطيئة وتكتب حسنة فالرسول ﷺ يقول: طمن تطهر في بيته ثم مضى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض الله كانت خطواته إحداها تحط خطيئة والأخرى ترفع درجة". ولا يمكن للناشئة أن يكونوا على صلة بالمساجد ما لم يكن الآباء قدوة لهم في ذلك ... يشجعونهم ويأخذونهم معهم ويربطونهم بدروسه ونشاطاته المختلفة حتى ينشأ الشباب في رحاب الله وفي بيت من بيوته. المسجد ودوره في محو الأمية وتعليم الكبار:

стр. 9349

يقول العبدري في كتابه المدخل: "أفضل مواضع التدريس هو المسجد؛ لأن الجلوس للتدريس إنما فائدته أن تظهر به سنة أو تخمد به بدعة أو يتعلم به حكم من أحكام الله تعالى والمسجد يحصل فيه هذا الغرض متوافرا، ولأنه موضع لاجتماع الناس رفيعهم ووضعيهم وعالمهم وجاهلهم" [١٧] وهو يقصد بهذا تعليم الكبار العلوم الدينية، ويرى الدكتور عبد الفتاح جلال: "أن المسجد كان على عهد الرسول ﷺ أول مدرسة لتعليم الكبار كان ﵊ المعلم والصحابة الكرام تلاميذها العباقرة الأفذاذ إذ تعلموا فيها كل أنواع العلم والمعرفة التي تفيد الإنسان في الدنيا والآخرة وتبني جميع جوانب شخصيته فيخرج منها متكامل الشخصية حقا" [١٨] ويرى هذا الباحث المتخصص في التعليم الوظيفي أن من احتياجات المجتمع المعاصر لبعض وظائف المسجد ما يلي: ١- إمكانية قيام المسجد بدوره في تعليم الأميين تعليما يربطهم بدينهم إذ بلغوا خمسين مليونا في البلاد العربية وحدها. ٢- تعاون المسجد مع المؤسسات الاجتماعية في تقديم التعليم المفيد لنسبة كبيرة وقف تعليمها في المرحلة الابتدائية وتعاني نقصا في مهارات الكتابة والقراءة والثقافة العامة أو الدينية. ٣- سد المسجد للثغرات الموجودة في مناهج التعليم فيما يخص التربية الدينية التي يغلب عليها في مدارسنا طابع التلقين والهامشية. ٤- الاستعانة في المسجد بذوي الخبرات والمعرفة لتقديم المحاضرات لكبار المتعلمين الذين يحتاجون إلى مزيد من العلم في جوانب متعددة ومتنوعة وتساعدهم على أداء أعمالهم. ٥- إقامة مكتبة مزودة بالكتب الدينية والعلمية والثقافية الهامة والمفيدة في المسجد لتحقيق الربط العضوي الفعلي بين العلم والدين. ٦- مشاركة المسجد في تنمية المجتمع وتطويره وتقدمه وانتشاله من مظاهر التخلف الاجتماعي والاقتصادي.

стр. 9350

٧- أن يشمل تعليم الكبار الرجال والنساء بدءا بالكتابة والقراءة إلى أعقد أمور التخصص وأرفع درجات المعرفة. إن المسجد لا يمكن أن يقوم بدوره في المجتمع الحديث المعقد ما لم يستفد من الإمكانات المتاحة وما لم يتفاعل مع الناس ومشكلاتهم وحياتهم يقدم لهم الحلول والعلوم ويستفيد من العلماء الصالحين والمتخصصين في صفوف المعرفة ويزود بالمكتبات العلمية الضخمة والوسائل العلمية الحديثة في مجال التعليم والتربية. ثالثا: المدرسة: إن المدرسة مؤسسة اجتماعية حديثة العهد في العالم فكما ذكرنا فإن الأسرة ثم القبيلة هي الوسائل التي عرفتها البشرية لتربية الأولاد وإكسابهم المهارات التي يراد لهم تعلمها وبتطور الحياة أصبحت الحاجة ماسة إلى اتخاذ مكان يتعلم فيه الصغار وإلى أشخاص ينوبون عن المجتمع في أداء هذه المهمة، ولم يعرف المسلمون المدرسة بالصورة التي نعرفها إلا في القرن الخامس الهجري نسبة إلى ارتباط التربية والتعليم في الإسلام بالمسجد وكان للمسجد دوره الذي ذكرناه في تحمل مسؤولية نشر الثقافة الإسلامية والمعارف الإسلامية وكان كثير من العلماء يرون عدم تدريس الأولاد في المساجد لتزايد أعدادهم وما يحدثه وجودهم في المسجد من حركة وضجيج زيادة على كثرة المواد التي تدرس وما يترتب عليها من نقاش وحوار وجدل ومناظرة مما جعلهم ينشؤون المدارس مرتبطة بالمساجد ويخصصون فيها ما عرف بـ (الإيوان) قاعة المحاضرات وأمكنة لإيواء الطلاب والمدرسين وما يتبع ذلك من مرافق كالمطبخ وحجرة الطعام وغيرها [١٩] . ومع ذلك ظل المسجد الجامع في حياة المسلمين منارة العلم وإشعاع النور.
следующие страницы →