Полный текст (23 804 стр.). Показаны 9416–9455 · переход к 9421.
стр. 9416
وروى البخاري في صحيحه في كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم بسنده إلى عكرمة نحوه وفيه قال: "أُتي علي ﵁ بزنادقة فأحرقهم" [٥٦] .
ورواه كذلك أبو داود في سننه في كتاب الحدود / باب الحكم فيمن ارتد الحديث الأول بسنده إلى عكرمة بفلظ آخر وفي آخره فبلغ ذلك عليا فقال: "ويح ابن عباس"ورواه كذلك النسائي في سننه [٥٧] نحوه، ورواه الترمذي في الجامع في كتاب الله الحدود / باب ما جاء في المرتد وفي آخره، فبلغ ذلك عليا فقال: "صدق ابن عباس"، قال أبو عيسى: هذا حديث صحيح حسن، والعمل على هذا عند أهل العلم في المرتد [٥٨] .
وروى البخاري أيضا في صحيحه في كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم بسنده إلى عكرمة نحوه، وفيه قال: "أُتي علي ﵁ [٥٩] بزنادقة فأحرقهم".
وروى الطبراني في المعجم الأوسط من طريق سويد بن غفلة "أن عليا بلغه أن قوما ارتدوا عن الإسلام فبعث إليهم فأطعمهم ثم دعاهم إلى الإسلام فأبوا، فحفر حفيرة ثم أتى بهم فضرب أعناقهم ورماهم فيها ثم ألقى عليهم الحطب فأحرقهم ثم قال: "صدق الله ورسوله.." [٦٠] .
стр. 9417
وفي الجزء الثالث من حديث أبي طاهر المخلص من طريق عبد الله بن شريك العامري عن أبيه قال: قيل لعلي: "إن هنا قوما على باب المسجد يدعون أنك ربهم"فدعاهم فقال لهم: "ويلكم ما تقولون؟ "قالوا: "أنت ربنا وخالقنا ورازقنا"، فقال: "ويلكم إنما أنا عبد مثلكم آكل الطعام كما تأكلون وأشرب كما تشربون، إن أطعت الله أثابني إن شاء وإن عصيته خشيت أن يعذبني فاتقوا الله وارجعوا"فأبوا، فلما كان الغد غدوا عليه فجاء قنبر فقال: "قد والله رجعوا يقولون ذلك الكلام"، فقال: "أدخلهم" فقالوا كذلك فلما كان الثالث قال: "لئن قلتم ذلك لأقتلنكم بأخبث قتلة" فأبوا إلا ذلك، فقال: "يا قنبر ائتني بفعلة معهم مرورهم فخدّ لهم أخدودا بين باب المسجد والقصر"، وقال: احفروا فأبعدوا في الأرض"وجاء بالحطب فطرحه بالنار في الأخدود وقال: "إني طارحكم فيها أو ترجعوا"، فأبوا أن يرجعوا فقذف بهم حتى إذا احترقوا قال:
إني إذا رأيت أمرا منكرا أوقدت ناري ودعوت قنبرا
وقال ابن حجر: هذا سند حسن [٦١] .
إضافة إلى هذه الروايات، فقد روى الكليني في كتابه الكافي - الذي هو بمنزلة صحيح البخاري عند القوم - روى في كتاب الحدود في باب المرتد بسنده من طريقين عن أبي عبد الله أنه قال: أتى قوم أمير المؤمنين ﵇ فقالوا: "السلام عليك يا ربنا"فاستتابهم فلم يتوبوا فحفر لهم حفيرة وأوقد فيها نارا وحفر حفيرة أخرى إلى جانبها وأفضى ما بينهما فلما لم يتوبوا ألقاهم في الحفيرة وأوقد في الحفيرة الأخرى نارا حتى ماتوا" [٦٢] .ويبدو أن عليا ﵁ قد كرر عقابه لغير هؤلاء أيضا وهم الزط، فقد روى النسائي في سننه (المجتبى) عن أنس أن عليا أتي بناس من الزط يعبدون وثنا فأحرقهم، قال ابن عباس: "إنما قال رسول الله ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه" [٦٣] .
стр. 9418
وأخرج ابن أبي شيبة من طريق قتادة (أن عليا أتي بناس من الزط يعبدون وثنا فأحرقهم) وحكم ابن حجر على هذا الحديث بالانقطاع ثم قال: فإن ثبت حمل على قصة أخرى فقد أخرج ابن أبي شيبة أيضا من طريق أيوب بن النعمان أنه قال: "شهدت عليا في الرحبة فجاءه رجل فقال: "إن هنا أهل بيت لهم وثن في دار يعبدونه"فقام يمشي إلى الدار فأخرجوا بمثال رجل قال فألهب عليهم الدار" [٦٤] .
وروى الكشي في كتابه معرفة أخبار الرجال بعد ترجمة عبد الله بن سبأ تحت عنوان (في سبعين رجلا من الزط الذين ادعوا الربوبية في أمير المؤمنين ﵇ ، بسنده إلى أبي جعفر أنه قال: "إن عليا ﵇ لما فرغ من قتال أهل البصرة أتاه سبعون رجلا من الزط فسلموا عليه وكلموه بلسانهم فرد عليهم بلسانهم، وقال لهم: "إني لست كما قلتم أنا عبد الله مخلوق"، قال: فأبوا عليه وقالوا له: "أنت أنت هو"، فقال لهم: "لئن لم ترجعوا عما قلتم في وتتوبوا إلى الله تعالى لأقتلنكم"، قال: فأبوا أن يرجعوا أو يتوبوا، فأمر أن يحفر لهم آبار فحفرت ثم خرق بعضها إلى بعض ثم قذفهم فيها ثم طم رؤوسها ثم ألهب النار في بئر منها ليس فيها أحد فدخل الدخان عليهم فماتوا [٦٥] .
стр. 9419
ومن المناسب ما دمنا نتكلم عن تحريق علي بن أبي طالب لأصحاب ابن سبأ والزنادقة أن نذكر حادثة أخرى ذكرها ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة، يقول ابن أبي الحديد: "وروى أبو العباس أحمد بن عبيد بن عمار الثقفي عن محمد بن سليمان بن حبيب المصيصي المعروف بنوين، وروى أيضا عن علي بن محمد النوفلي عن مشيخته (أن عليا ﵇ مر بقوم وهم يأكلون في شهر رمضان نهارا فقال: "أسفر أم مرضى"، قالوا: "لا ولا واحدة منها"، قال: "فمن أهل الكتاب أنتم فتعصمكم الذمة والجزية"، قالوا: "لا"، قال: فما بال الأكل في نهار رمضان، فقاموا إليه فقالوا: "أنت أنت"يومئون إلى ربوبيته، فنزل ﵇ عن فرسه فألصق خده بالأرض، وقال: "ويلكم إنما أنا عبد من عبيد الله فاتقوا الله وارجعوا إلى الإسلام"فأبوا فدعاهم مرارا فأقاموا على كفرهم، فنهض إليهم وقال: "شدوهم وثاقا وعلي بالفعلة والنار والحطب"ثم أمر بحفر بئرين فحفرتا فجعل إحداهما سربا والأخرى مكشوفة وألقى الحطب في المكشوفة وفتح بينهما فتحا وألقى النار في الحطب فدخن عليهم وجعل يهتف بهم ويناشدهم ليرجعوا إلى الإسلام، فأبوا، فأمر بالحطب والنار فألقي عليهم فأحرقوا فقال الشاعر:
لترم بي المنية حيث شاءت
إذا لم ترمني في الحفرتين
إذا ما حشنا حطبا بنار ...
فذاك الموت نقدا غير دين
فلم يبرح ﵇ حتى صاروا حمما [٦٦] .
هذه الروايات التي وقفنا عليها في الأحاديث الصحيحة والحسنة والروايات التاريخية وكذلك من كتب القوم المتعلقة بالأصول والفقه والرجال والتاريخ التي تدل بكل وضوح على أن عليا ﵁ قد حرق الزنادقة ومن اعتقد فيه الربوبية ومنهم أصحاب ابن سبأ الملعون، أما هو فكما تذكر الروايات - سواء روايات أهل السنة والجماعة وروايات الشيعة - أن عليا ﵁ اكتفى بنفيه إلى المدائن بعد أن شفع له الرافضة.
стр. 9420
قال النوبختي في كتابه الشيعة في ترجمة ابن سبأ: "وكان ممن أظهر الطعن على أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة وتبرأ منهم، وقال إن عليا ﵇ أمره بذلك، فأخذه علي فسأله عن قوله هذا فأقر به، فأمر بقتله، فصاح الناس عليه "يا أمير المؤمنين أتقتل رجلا يدعو إلى حبكم أهل البيت وإلى ولايتك، والبراءة من أعدائك"فصيره إلى المدائن" [٦٧] .
ابن سبأ يدعو الناس في المدائن لدعوته
إن عبد الله بن سبأ وجد بعد نفيه مكانا مناسبا لبث أفكاره وضلالاته بعد أن ابتعد من سيف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فأخذ ينظم أتباعه وينشر أفكاره بين جيش الإمام المرابط في المدائن، ولما جاءهم خبر استشهاد علي ﵁ كذبه هو وأصحابه، ولنستمع للخبر كما يرويه الخطيب البغدادي بسنده إلى زحر بن قيس الجعفي الذي قال عنه علي ﵁: "من سره أن ينظر إلى الشهيد الحي فلينظر إلى هذا"- يقول زحر: "بعثني علي على أربعمائة من أهل العراق وأمرنا أن ننزل المدائن رابطة، قال: "فوالله إنا لجلوس عند غروب الشمس على الطريق إذا جاءنا رجل قد أعرق دابته قال فقلنا: "من أين أقبلت؟ "قال: "من الكوفة"، فقلنا: "متى خرجت؟ "قال: "اليوم"، قلنا: "فما الخبر؟ "، قال: "خرج أمير المؤمنين إلى الصلاة صلاة الفجر فابتدره ابن بجرة وابن ملجم فضربه أحدهما ضربة إن الرجل ليعيش مما هو أشد منها، ويموت مما هو أهون منها"، قال: "ثم ذهب"فقال عبد الله بن وهب السبائي ـ ورفع يده إلى السماء ـ: "الله أكبر، الله أكبر"قال: قلت له: "ما شأنك؟ "قال: "لو أخبرنا هذا أنه نظر إلى دماغه قد خرج عرفت أن أمير المؤمنين لا يموت حتى يسوق العرب بعصاه"ـ وفي رواية الجاحظ في البيان والتبيين: "لو جئتمونا بدماغه في مائة صرة لعلمنا أنه لا يموت حتى يذودكم بعصاه" [٦٨]ـ نعود لرواية الخطيب قال ـ أي زحر ـ: "فوالله ما مكثنا إلا تلك اليلة حتى جاءنا كتاب الحسن بن علي: من عبد الله حسن أمير
стр. 9421
المؤمنين إلى زحر بن قيس أما بعد: فخذ البيعة على من قبلك"، قال: فقلنا: "أين ما قلت؟ "قال: "ما كنت أراه يموت" [٦٩] .
وقال الحسن بن موسى النوبختي: "ولما بلغ عبد الله بن سبأ نعي علي بالمدائن قال للذي نعاه: كذبت لو جئتنا بدماغه في سبعين صرة وأقمت على قتله سبعين عدلا لعلمنا أنه لم يمت ولم يقتل ولا يموت حتى يملك الأرض" [٧٠] .
رواية عبد الجبار الهمداني في موقف ابن سبأ
قال عبد الجبار الهمداني المعتزلي المتوفى سنة ٤١٥هـ عند كلامه عن موقف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ من ابن سبأ والسبئية: "واستتابهم أمير المؤمنين فما تابوا فأحرقهم، وكانوا نفرا يسيرا، ونفى عبد الله بن سبأ عن الكوفة إلى المدائن، فلما قتل أمير المؤمنين ﵇ قيل لابن سبأ: "قد قتل ومات ودفن، فأين ما كنت تقول من مصيره إلى الشام؟ "فقال: "سمعته يقول: لا أموت حتى أركل برجلي من رحاب الكوفة فأستخرج منها السلاح وأصير إلى دمشق فأهدم مسجدها حجرا حجرا، وأفعل وأفعل فلو جئتمونا بدماغه مسرودا لما صدقنا أنه قد مات"، ولما افتضح بهت، وادعى على أمير المؤمنين ما لم يقله، والشيعة الذين يقولون بقوله الآن بالكوفة كثير، وفي سوادها والعراق كله يقولون: "أمير المؤمنين كان راضيا بقوله وبقول الذين حرقهم، وإنما أحرقهم لأنهم أظهروا السر، ثم أحياهم بعد ذلك"، قالوا: "وإلا فقولوا لنا لِمَ لَمْ يحرق عبد الله بن سبأ؟ "قلنا: عبد الله ما أقر عنده بما أقر أولئك، وإنما اتهمه فنفاه، ولو حرقه لما نفع ذلك معكم شيئا، ولقلتم إنما حرقه لأنه أظهر السر" [٧١] .
موقف أتباع عبد الله بن سبأ لما سمعوا بمقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
أما أتباع ابن سبأ فلم يكتفوا بالتكذيب بل ذهبوا إلى الكوفة معلنين ضلالات معلمهم وقائدهم ابن سبأ.
стр. 9422
فقد روى سعد بن عبد الله القمي صاحب المقالات والفرق وهو ثقة عند القوم: "أن السبئية قالوا للذي نعاه: "كذبت يا عدو الله لو جئتنا - والله - بدماغه ضربة فأقمت على قتله سبعين عدلا ما صدقناك ولعلمنا أنه لم يمت ولم يقتل وإنه لا يموت حتى يسوق العرب بعصاه ويملك الأرض". ثم مضوا من يومهم حتى أناخوا بباب علي فاستأذنوا عليه استئذان الواثق بحايته الطامع في الوصول إليه، فقال لهم من حضره من أهله وأصحابه وولده: "سبحان الله، ما علمتم أن أمير المؤمنين قد استشهد؟ " قالوا: "إنا لنعلم أنه لم يقتل ولا يموت حتى يسوق العرب بسيفه كما قادهم بحجته وبرهانه وإنه ليسمع النجوى ويعرف تحت الدثار القيل ويلمع في الظلام كما يلمع السيف الصقيل الحسام" [٧٢] .
وكان من هؤلاء رجل يقال له رشيد الهجري الذي صرح بمعتقده أمام عامر الشعبي قال الشعبي: "دخلت عليه يوما فقال: خرجت حاجا فقلت: لأعهدن بأمير المؤمنين عهدا فأتيت بيت علي ﵇ فقلت لإنسان: "استأذن لي على أمير المؤمنين"قال: "أوليس قد مات؟ "قلت: "قد مات فيكم والله إنه ليتنفس الآن تنفس الحي"، فقال: "أما إذ عرفت سر آل محمد فادخل"قال: "فدخلت على أمير المؤمنين وأنبأني بأشياء تكون"فقال له الشعبي: "إن كنت كاذبا فلعنك الله"، وبلغ الخبر زيادا ـ فبعث إلى رشيد الهجري فقطع لسانه وصلبه على باب دار عمرو بن حريث" [٧٣] .
وذكر الحافظ الذهبي هذا الخبر في تذكرة الحفاظ وفيه: "فقلت لإنسان: "استأذن لي على سيد المرسلين"، فقال: "هو نائم وهو يظن أني أعني الحسن"، فقلت: "لست أعني الحسن إنما أعني أمير المؤمنين وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين"، قال: "أوليس قد مات؟ "فقلت: "أما والله إنه ليتنفس الآن بنفس حي ويعرف من الدثار الثقيل" [٧٤] . ولذلك كان عامر الشعبي يقول: "ما كذب على أحد في هذه الأمة ما كذب على علي" [٧٥] ، ورشيد هذا قال عنه ابن حبان: كان يؤمن بالرجعة [٧٦] .
стр. 9423
وذكره الطوسي في ضمن أصحاب علي ﵁ وسماه رشيد الهجري الرياش بن عدي الطائي [٧٧] ، ويعتبر رشيد من أبواب الأئمة، كان بابا للحسين بن علي ﵄ [٧٨] .
موقف أهل بيت النبي الكريم من ابن سبأ
وتصدى أهل بيت النبي الكريم لعبد الله بن سبأ كما تصدى له أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فكذبوه وتبرؤوا من مقالاته وضلاله.
فقد روى الكشي بسنده عن محمد بن قولويه قال حدثني سعد بن عبد الله قال: حدثنا يعقوب بن يزيد ومحمد بن عيسى عن علي بن مهزيار عن فضالة بن أيوب الأزدي عن أبان بن عثمان قال سمعت أبا عبد الله ﵇ يقول: "لعن الله عبد الله بن سبأ إنه ادعى الربوبية في أمير المؤمنين وكان والله أمير المؤمنين عبد الله طائعا، الويل لمن كذب علينا وإن قوما يقولون فينا ما لا نقول في أنفسنا نبرأ إلى الله منهم" [٧٩] .
وروى الكشي بسنده أيضا عن محمد بن قولويه قال حدثني سعد بن عبد الله قال: حدثنا يعقوب بن يزيد عن ابن أبي عمير وأحمد بن محمد بن عيسى عن أبيه والحسين بن سعد عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم عن أبي حمزة الثمالي قال قال علي بن الحسين (ع) : "لعن الله من كذب علينا إني ذكرت عبد الله بن سبأ فقامت كل شعرة في جسدي لقد ادعى أمرا عظيما ماله لعنه الله كان علي عبدا لله صالحا، أخا رسول الله ﷺ ، وما نال الكرامة من الله إلا بطاعته لله ولرسوله، وما نال رسول الله ﷺ الكرامة إلا بطاعة الله" [٨٠] .
стр. 9424
وروى أيضا الكشي بسنده عن محمد بن خالد الطيالسي عن ابن أبي نجران عن عبد الله بن سنان قال قال أبو عبد الله (ع) : "إنا أهل بيت صديقون لا نخلوا من كذاب يكذب علينا ويسقط صدقنا بذكبه علينا عند الناس، كان رسول الله ﷺ أصدق الناس لهجة وأصدق البرية كلها، وكان مسيلمة يكذب عليه وكان أمير المؤمنين أصدق من برأ الله بعد رسول الله ﷺ وكان الذي يكذب عليه ويعمل في تكذيب صدقه ويفتري على الله الكذب عبد الله بن سبأ لعنه الله" [٨١] .
هذه روايات الكشي عن أئمة أهل البيت، ومن المعلوم أن كتاب الكشي المسمى بـ (معرفة الناقلين عن الأئمة الصادقين) عمد إليه إمام الشيعة الثقة الثبت عدهم (الطوسي) الذي يلقبونه بشيخ الطائفة المتوفى سنة ٤٦٠هـ عمد إلى كتاب الكشي فهذبه وجرده من الزيادات والأغلاط وسماه بـ (اختيار الرجال) وأملاه على تلاميذه في المشهد الغروي، وكان بدء إملائه يوم الثلاثاء ٢٦ صفر سنة ٤٥٦هـ، نص على ذلك السيد رضي الدين علي بن طاووس في (فرج المهموم) نقلا عن نسخة بخط الشيخ الطوسي المصرح فيها بأنها اختصار رجال كتاب الرجال لأبي عمرو محمد بن عمر بن عبد العزيز الكشي واختياره، فالموجود في هذه الأزمنة من المخطوط منه والمطبوع سنة ١٣١٧هـ في بمبئ بل وفي زمان العلامة الحلي إنما هو اختيار الشيخ الطوسي لا رجال الكشي الأصل فإنه لم يوجد له أي أثر حتى اليوم [٨٢] .
وبهذه النقول والنصوص الواضحة المنقولة من كتب القوم تتضح لنا حقيقة شخصية ابن سبأ اليهودي ومن طعن من الشيعة في ذلك فقد طعن في كتبهم التي نقلت لعنات الأئمة المعصومين عندهم في هذا اليهودي (ابن سبأ) ولا يجوز ولا يتصور أن تخرج اللعنات من المعصوم على مجهول، وكذلك لا يجوز في معتقد القوم تكذيب المعصوم.
стр. 9425
هذا ما تيسر لنا في إثبات هذه الشخصية، أما الكلام عن دوره في مقتل عثمان ﵁، ودوره في عهد علي ﵁، وأثره في فرق الشيعة، ورواة الأخبار فيحتاج إلى كتابة أخرى.
﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾
﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ .
--------------------------------------------------------------------------------
[١] انظر: أصول الإسماعيليين والإسماعيلية، تعريب خليل جلو وجاسم الرجب ص٨٦-٨٧.
[٢] انظر الخوارج والشيعة ترجمة الدكتور عبد الرحمن بدوي.
[٣] انظر: عبد الله بن سبأ والشيعة نشرة المجلة الأشورية ١٩٠٩-١٩١٠.
[٤] انظر: أصول الإسماعيلية لبرنارد لويس.
[٥] انظر: علي وبنوه ص٩٨-١٠٠ والفتنة الكبرى.
[٦] انظر: طه حسين للأستاذ أنور الجندي ص٤٣-٤٤.
[٧] انظر: المخططات التلمودية الصهيونية اليهودية في غزو الفكر الإسلامي للأستاذ أنور الجندي ص٨٠ ط٢/١٩٧٧م.
[٨] انظر: طه حسين للأستاذ أنور الجندي.
[٩] انظر: مع رجال الفكر في القاهرة لمرتضى العسكري ص١٦٦ ط الأولى / ١٣٩٤ هـ / ١٩٧٤ م القاهرة.
[١٠] انظر: علي وبنوه لطه حسين ص٩٨- ١٠٠.
[١١] انظر: المصدر السابق.
[١٢] انظر ترجمة أحمد بن يحيى بن جابر بن داود البلاذري المتوفى سنة ٢٧٩هـ في معجم الأدباء لياقوت الحموي ج٥/٩٢.
لسان الميزان ج١/٣٢٢- ٣٢٣، تهذيب تاريخ دمشق ج٢/١٠٩، البداية والنهاية لابن كثير ج١١/٦٥- ٦٦، النجوم الزاخرة ج٣/٨٣.
[١٣] أدب مصر الفاطمية ص٧.
стр. 9426
[١٤] انظر: التشيع ظاهرة طبيعية في إطار الدعوة الإسلامية ص١٨، وكتاب مع رجال الفكر في القاهرة لمرتضى العسكري ص٩٣.
[١٥] انظر التشيع ص١٨.
[١٦] انظر التشيع: ص١٨-١٩.
[١٧] انظر: وعاظ السلاطين للدكتور علي الوردي ص٢٧٤- ٢٧٨.
[١٨] انظر المصدر السابق ص١٥١.
[١٩] انظر: الصلة بين التصوف والتشيع ص٤١- ٤٥.
[٢٠] الأركان الأربعة هم: عمار بن ياسر، وحذيفة بن اليمان، وسلمان الفارسي، وجندب بن جنادة (أبو ذر الغفاري) ، فرق الشيعة ص٣٦- ٣٧ و٤٠ ط١٩٦٩م الرابعة.
[٢١] انظر بعض كتبهم مثلا: رجال الطوسي ص٤٦، وص٥١، رجال الحلي ص٢٥٥ وص٤٦٩، أحوال الرجال للكشي، وقاموس الرجال للتستري، وتنقيح المقال للمامقاني وغير ذلك.
[٢٢] انظر: تاريخ الإمامية وأسلافهم من الشيعة ص٩٢- ١٠٠ ط ١٩٧٥مؤسسة الأعلمي.
[٢٣] انظر: التشيع ظاهرة طبيعية ص٢٠.
[٢٤] انظر خلاصة تهذيب الكمال ج١/٢٢٠ ط ١٣٩٢هـ/١٩٧٢م القاهرة.
[٢٥] انظر: تاريخ الإمامية ص١٥٨.
[٢٦] انظر: تاريخ الإمامية ص١٤٠.
[٢٧] انظر: تنقيح المقال ج١/١٧٧.
[٢٨] انظر: فرق الشيعة للنوبختي ص٤٤، ورجال الكشي ١٠١ ط مؤسسة الأعلمي بكربلاء، وتنقيح المقال في أحوال الرجال للمامقاني ط المرتضوية في النجف ١٣٥٠هـ، وقاموس الرجال ج٥/٤٦٢.
[٢٩] انظر: فرق الشيعة ص٤٤.
[٣٠] انظر: رجال الكشي ص٩٨ ط مؤسسة الأعلمي للمطبوعات كربلاء، وقاموس الرجال ج٥/٤٦١، وتنقيح المقال في أحوال الرجال للمامقاني ط المرتضوية في النجف ١٣٥٠هـ ج٢/١٨٣-١٨٤.
[٣١] انظر المصدر السابق ص٩٩-١٠٠ وج٢/١٨٣-١٨٤.
[٣٢] انظر: تاريخ دمشق مخطوط نسخة مصورة منه في معهد المخطوطات في جامعة الدول العربية رقم (٦٠٢تاريخ) في ترجمة عبد الله بن سبأ، وكذا في تهذيب تاريخ دمشق لابن بدران ج٧/٤٢٨ وهذا النص في تاريخ الطبري أيضا.
стр. 9427
[٣٣] انظر: المقالات والفرق لسعد بن عبد الله الأشعري القمي ت٣٠١هـ، ص٢١ ط طهران ١٩٦٣ تحقيق الدكتور محمد جواد مشكور.
[٣٤] انظر: فرق الشيعة للنوبختي ص٤٤ ط النجف، وانظر: قاموس الرجال ج٥/٤٦٣.
[٣٥] انظر: عقائد الإمامية لمحمد رضا المظفر ط٢ ١٣٨١هـ ص٦٧-٦٨، والآية رقم (١١) من سورة المؤمن.
[٣٦] انظر: الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي ج٥/٣٤٧.
وانظر كذلك: تفسير ابن كثير ج٤/٧٣ ط عيسى الحلبي، وروح المعاني للآلوسي ج٢٤/٥١ ط المنيرية.
[٣٧] انظر: الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي ج٥/٣٤٧.
وانظر كذلك: تفسير ابن كثير ج٤/٧٣ ط عيسى الحلبي، وروح المعاني للآلوسي ج٢٤/٥١ ط المنيرية.
[٣٨] انظر: تاريخ دمشق لابن عساكر مخطوط نسخة من مصورة في معهد المخطوطات في جامعة الدول العربية رقم (٦٠٢تاريخ) وتهذيب تاريخ دمشق ج٧/٤٣٠.
[٣٩] انظر الكافي في الأصول ج١/١٩٨ ط إيران.
[٤٠] انظر مجمع البيان في تفسير القرآن لأبي الفضل بن الحسن الطبرسي من علماء الإمامية في القرن السادس ج٤/٢٣٤ ط العرفان صيدا ١٣٥٥هـ/١٩١٦م.
[٤١] انظر: البدء والتاريخ ج٥/١٢٩ ط ١٩٦٩م.
[٤٢] انظر: رجال الطوسي ص٥١٥.
[٤٣] انظر: البدء والتاريخ ج٥/١٢٩ ط ١٩٦٩م.
[٤٤] انظر مقدمة فرق الشيعة للنوبختي ص١٧ من الطبعة ١٩٦٩م.
[٤٥] انظر: شرح ابن أبي الحديد ج٢/٣٠٩ الطبعة الميمنية ١٣٢٦هـ والآية ٥ من سورة التحريم.
[٤٦] ميزان الاعتدال ج٢/٦٢٤.
[٤٧] انظر: الفرق بين الفرق ص٢٣٤، وذكر هذا المعتقد ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ج٢/٣٠٩.
[٤٨] انظر: الفرق بين الفرق ص٢٣٤، والكامل في الأدب للمبرد ج٢/١٢٤.
[٤٩] انظر مقالات الإسلاميين ص٨٥.
[٥٠] انظر: شرح نهج البلاغة ج٢/٣٠٦.
[٥١] انظر القاموس المحيط ج١/١٥٢ ط ١٩٥٢ القاهرة.
стр. 9428
[٥٢] انظر: تاريخ دمشق النسخة المخطوطة المصورة في معهد المخطوطات رقم (٦٠٢ تاريخ) في ترجمة عبد الله بن سبأ وانظر تهذيب تاريخ ابن عساكر ٧/٤٣٠.
[٥٣] انظر المصدر السابق.
[٥٤] يشر إلى الآية الكريمة.
[٥٥] تاريخ دمشق لابن عساكر المخطوط وانظر: تهذيب تاريخ ابن عساكر ج٧/٤٣٠-٤٣١.
[٥٦] انظر صحيح البخاري مع فتح الباري ط السلفية ج٦/١٥١.
[٥٧] انظر: سنن النسائي (المجتبى) ج٧/٩٦.
[٥٨] انظر جامع الترمذي ج٤/٥٩ ط مصطفى الحلبي ١٣٩٥هـ/١٩٧٥م.
[٥٩] انظر صحيح البخاري مع فتح الباري ط السلفية ج١٢/٢٦٧.
[٦٠] انظر: فتح الباري ج١٢/٢٧٠.
[٦١] انظر: المصدر السابق.
[٦٢] انظر: الكافي للكليني ج٧/٢٥٧-٢٥٩.
[٦٣] انظر سنن النسائي (المجتبى) ج٧/٩٧.
[٦٤] انظر: فتح الباري ج١٢/٢٧٠.
[٦٥] انظر: معرفة أخبار الرجال لأبي عمرو الكشي ص٧١-٧٢ ط سنة ١٣١٧ هـ بمبى الهند.
وكذلك رواها الكيليني في الكافي ج٧/٢٥٩- ٢٦٠.
[٦٦] انظر: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج٢/٣٠٨- ٣٠٩.
[٦٧] انظر: فرق الشيعة للنوبختي ص٤٤ وقاموس الرجال ج٥/٤٦٣.
[٦٨] انظر البيان والتبيين للجاحظ ج٣/٨١ ط ٣/١٩٦٨ القاهرة.
[٦٩] انظر: تاريخ بغداد ج٨/٤٨٨.
[٧٠] انظر: فرق الشيعة للنوبختي ط النجف ص٤٣، وقاموس الرجال ج٥/٤٦٣.
[٧١] انظر: تثبيب دلائل النبوة ج٢/٥٣٩-٥٥٠.
[٧٢] انظر: المقالات والفرق لسعد بن عبد الله القمي ت ٣٠١هـ، ط طهران ١٩٦٣م تحقيق الدكتور محمد جواد مشكور.
[٧٣] انظر المجروحين لابن السبتي ج١/٢٩٨، وانظر: ميزان الاعتدال ج٢/٥٢.
[٧٤] انظر: تذكرة الحفاظ ج١/٨٤ ط إحياء التراث.
[٧٥] انظر: تذكرة الحفاظ ج١/٨٢.
[٧٦] انظر: المجروحين ج١/٢٩٨، وميزان الاعتدال ج٢/٥٣.
[٧٧] انظر: رجال الطوسي ص٤١.
стр. 9429
[٧٨] انظر: العلويون فدائيو الشيعة المجهولون لعلي عزيز العلوي ص٣١ الطبعة الأولى ١٩٧٢م، والباب هو حلقة الوصل بين الشيعة والإمام.
[٧٩] انظر: رجال كشي ص١٠٠ مؤسسة الأعلمي كربلاء، وتنقيح الرجال في أحوال الرجال للمامقاني ج٢/١٨٣-١٨٤ ط المرتضوية ١٣٥٠هـ، وقاموس الرجال ج٥/٤٦١.
[٨٠] انظر: المصادر السابقة.
[٨١] انظر: المصادر السابقة وقاموس الرجال ج٥/٤٦٢.
[٨٢] انظر: رجال الطوسي ص٦٢ /الأولى النجف ١٣٨١هـ/١٩٦١م.
стр. 9430
في المشارق والمغارب
فضيلة الشيخ/عبد الله بن أحمد قادري
عميد كلية اللغة العربية
إلى ديترويت:
وفي يوم الخميس ١/٨/١٣٩٨هـ سافرنا من إنديانا بلس إلى ديترويت إذ أقلعت بنا الطائرة في الساعة التاسعة والدقيقة الخامسة عشرة صباحا، وهبطت بنا في مطار ديترويت بعد ساعة تقريبا.
إلى فندق بلازا:
التقينا أنا والأخ الشيخ عبد الغفور البركاني في قاعة تسليم الأثاث، ويستطيع الصديق أو القريب في الغرب أن يستقبلك عندما تخرج من النفق الصناعي المتصل بالطائرة وقاعة المطار أو يودعك هناك.
ليس مثل مطارات البلدان الشرقية التي يحرم على الصديق أو القريب أن يودع أو يستقبل صديقه إلا في القاعات الخارجية في المطار، لذلك يراك صديقك وأنت تعاني من حمل أمتعتك الثقيلة أو الكثيرة فلا يقدر على مساعدتك حتى تخرج إليه والحكمة في نفس صاحبها.
نقلنا الأخ عبد الغفور بسيارته إلى فندق بلازا الذي يقع على النهر الصغير المتفرع عن بحيرة ديترويت الكبيرة، العذبة، وهذا النهر يفصل بين الولايات المتحدة الأمريكية وبين كندا وهذا الفندق يقع على شاطئ النهر الشمالي، والعمارات الكندية في المدينة المجاورة تقع على الشاطئ الجنوبي منه، وفي الجهة الغربية يربط أحد الجسور الحديدية بين البلدين، إذ تعبر عليه السيارات وبعد أن تم استقرارنا في الفندق المذكور في الدور (٢٩) ودعنا الأخ عبد الغفور على أن يعود إلينا بعد الساعة السابعة مساء قبل المغرب بساعتين ونصف تقريبا، وكان النهار في ديترويت في ذلك الوقت يبلغ طولع سبع عشرة ساعة من طلوع الشمس تقريبا.
مناظرة ممتعة وأخرى مؤذية:
стр. 9431
جاءنا الأخ عبد الغفور في الموعد، وكان بجانب الفندق برج عال وفي أعلاه مظلة تدور بالزائرين ليتمكنوا من رؤية كل ما حول البرج من المدينة والنهر والمدينة الكندية وغير ذلك فصعدنا إلى ذلك المكان الذي لا بد أن يتناول فيه الزائر شيئا ما: طعاما أو شرابا حلالا أو حراما فتناولنا بعض المرطبات اللائقة بنا وقعدنا ننتظر دورة الأرض المصغرة التي لا خلاف في دورانها ونحن نتمتع بجمال تلك المناظر العجيبة: قصور عالية وشوارع مستقيمة، وأخرى ملتوية، ونهر جار، ومراكب بحرية كبيرة وصغيرة، وطائرات هليكوبتر تحلق فوق النهر حتى تكاد تلمس ماءه ولم يسؤنا إلا مناظر الحيوانات البشرية التي مهما حاولت أن تغض بصرك لا تقدر إلا إذا وضعت على عينيك ستارة مثل الستارة التي توضع على أعين أسرى الحرب في بعض الحالات ولكن الذي كان يهون الأمر علينا أننا كنا نحس أن أمامنا حيوانات منتنة، ونساء مترجلات لا توجد بهن إلا خشونة الرجال الوقحين، ثم لا بد من أن نختبر أنفسنا في هذا الجو السيء والله وحده الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وأن حلاوة الإيمان الحق لا يذوقها الإنسان إلا حيث يكره نفسه على ما لا تحب "حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات".
والذي جعل المنظر أمامنا جميلا هو ما ذكرت أولا يضاف إليه أننا ننظر إلى أراضي دولتين في وقت واحد.
وبعد ساعة تقريبا اصطحبنا الأخ عبد الغفور في جولة حول المدينة على ضفاف البحيرة، وكنا نريد أن ننزل في مكان لنتمتع بجمال البحيرة وجمال البساتين القريبة منها ولكن الأماكن التي مررنا بها كلها لا تليق بنا أن ننزل فيها لما فيها من العري الشديد والاختلاط الفاحش، فعدنا أدراجنا إلى الفندق.
وبعد تناول طعام العشاء ودعنا الأخ عبد الغفور على أن يأتينا غدا الجمعة حيث أصرّ على أن أقوم بخطبة الجمعة لأن الناس يجتمعون في المسجد أكثر من بقية أيام الأسبوع.
صلاة الجمعة:
стр. 9432
وفي ٢/٨/١٣٩٨هـ جاء الأخ عبد الغفور فنقلنا إلى المسجد الجامع الذي يقيم فيه الجمعة والجماعة ويدرس الناس فيه كما يدرس بعض الأولاد، فانتظرنا في مكتبه الذي بجانب المسجد واستقبلنا فيه بعض أعضاء الجمعية المشرفة على المسجد بتحيات حارة لمسنا فيها العاطفة المتطلعة إلى زيارات العلماء لتلك البلاد.
وعندما حان الوقت أذن المؤذن في مكبر الصوت، وهذا أمر غير مألوف في بقية المساجد في الغرب، وذكر عبد الغفور أن بعض الناس قد أبدوا استياءهم من ذلك ولكن التصميم الحاصل من أعضاء الجمعية جعلهم يرفعون اسم الله عاليا في بلاد الكفر وقد لا يسمح لهم بالاستمرار في ذلك إذا طلب الجيران تدخل السلطات الحكومية.
وهنا تذكرت أن بعض الناس في بعض البلدان الإسلامية يحاولون أن يحدوا من رفع كلمة لا إله إلا الله في مكبرات الصوت وقت الآذان استجابة لرغبات من يغيظهم صوت الحق فقلت للهم يسر سبل إعلاء كلمتك على أرضك كلها على رغم أعداء دينك من الكفرة وأذنابهم.
وكنت أفكر في موضوع الخطبة، ولم أهتد إلى ذلك إلا قبيل صعودي المنبر، إذا ارتسم في ذهني الكلام على سورة العصر، وكنت علمت أن المسجد يحضره العمال والمثقفون من أطباء وغيرهم، وعندما يكون الحاضرون خليطا من المثقفين والعوام فإن مهمة الخطيب تكون صعبة، لأنه لا بد أن براعي هؤلاء وهؤلاء في أسلوب واحد لا يحس أحد الصنفين بمطبات وقد حاولت ذلك ما استطعت.
كأننا في أحد مساجد بلادنا المعمورة:
ولقد ازدحم المسجد بالمصلين حتى صلى كثير منهم في قاعته السفلى، وما كنت أظن أن أجد إلا صفا واحدا، ومع ذلك فإني كنت أحس أن الكلمة التي تخرج تجد لها قلوبا مفتوحة، لاحظت ذلك في وجوه المصلين وكأن على رأسهم الطير.
لا بد أن أسير مع ركاب القطار:
стр. 9433
وبعد أن صلينا قدمت لنا جنازة أحد المسلمين للصلاة عليها، وقد وضع في صندوق كما يعمل أهل تلك البلاد، وعندما سألت لماذا يعمل المسلمون هذا ذكروا أنه لا يسمح بدفن أحد بدون ذلك فذكرني هذا بما يردده المجاهدون من أن المسلم لا يقدر أن يعيش حتى في حياته الشخصية ولا يطبق في أموره الخاصة أحكام دينه إلا إذا كان نظام دينه هو الحاكم وإلا فسيكون ترسا في عجلة دولاب النظام الذي يعيش تحت ظله.
وبعد ذلك أعلن الأخ عبد الغفور أننا سنلقي دروسا بعد المعرب من كل يوم ابتداء من مغرب هذا اليوم.
وطلبنا من الأخ عبد الغفور أن نتبع جنازة هذا الميت حتى يتم دفنه، وعندما خرجنا من المسجد وجدنا أن قافلة السيارات التي تتبعه إلى المقبرة تحمل كلها بيارق صغيرة عليها علامة الصليب، فاستكبرت ذلك فقالوا أيضا لا يسمح لسيارة بالدخول إلا بهذا الشعار فقلت وهذه أطم من التي قبلها، فركبنا في سيارة الأخ عبد الغفور وليس عيها ذلك البيرق فذهبنا قبل الموكب ودخلنا المقبرة دون أن يتعرض لنا أحد وهناك انتظرنا حتى جاء الموكب وقد غطى القبر بالقماش الجوخ وفرشت جوانبه بالسجاد، وقائد الحراسة الذي يهيل التراب في القبر ينتظر، وهناك وجدنا نصبا على القبور كتب عليها اسم الميت وتاريخ دفنه، وبعض القبور عليها قطعة من البلاط كتب عليها ذلك، وليست القبور مرتفعة عن الأرض، والمسلم هناك يدفن بجانب النصراني.
وذكر الأخ عبد الغفور أن الميت يلبس بدلة جديدة شبيهة ببدلة الزفاف وأن الناس يغالون في ذلك، والمسلمون يعملون نفس ما يعمله الكفار، طردا للميزان الغربي المادي عند الغربيين، ولو كان عندهم علم عن عذاب القبر ونعيمه وسؤال منكر ونكير، وأن الإنسان لا يبقى معه في قبره إلا عمله لما احتاجوا إلى هذا التكلف.
стр. 9434
وجاء الموكب وحمل التابوت الثقيل حتى وضع على فم القبر وقد ربطت على القبر حبال ربطا خاصا يوضع عليها التابوت ثم جاء المختصون وأخذوا يرخون الحبال شيئا فشيئا حتى نزل التابوت في مكانه وأهال الحاضرون شيئا من التراب عملا بالطريقة الإسلامية في الدفن ثم ابتعدوا وأخذ قائد الحراثة يجرف التراب في القبر حتى انتهى...
وقال الأخ عبد الغفور: الآن لا بد أن نتقدم للدعاء للميت حسب السنة، وإلا فسيتقدم بعض المخرفين لقراءة التلقين المعتاد وهو مخالف للسنة، فقلت له: تقدم وافعل ففعل وعزينا أقرباء الميت، وحاولوا معنا أن نذهب معهم لتناول طعام الغذاء إذ جرت عادتهم أن يفعلوا ذلك فاعتذرنا ورجعنا إلى الفندق.
جولة في الجزيرة:
وبعد العصر جاءنا الأخ عبد الغفور فذهب بنا إلى الجزيرة الواقعة شرق الفندق والتي ذكر أن الولايات المتحدة اشترتها من كندا (الظاهر أنها اشترت قسط كندا منها) وعندما وصلنا إلى الجزيرة وتجولنا فيها رجعنا إلى طرف النهر الشمالي فوجدنا مكانا خاليا من الناس فمكثنا هناك حتى جاء الوقت وذهبنا إلى المسجد حيث أدركنا الناس وهم يصلون فصلينا معهم.
الدرس الأول:
وبعد صلاة المغرب أعلن للناس الأخ عبد الغفور عن افتتاح الدروس فبدأنا الدرس الذي كان يدور حول الإيمان بالملائكة وأدلته والحكمة من خلق الجن والإنس، ثم فتح المجال للأسئلة الكثيرة إلى أن أذن لصلاة العشاء فصلينا وذهبنا إلى مطعم عربي لبناني تناولنا فيه طعام العشاء ولكن بعد فحص شديد كفحصنا لمطاعم الغربيين لعدم الفرق بينهما، لأن العرب المسؤولين عن المطعم نصارى أيضا، إلا أن صنع طعامهم شرقي.
стр. 9435
وعدنا إلى الفندق، وفي هذا اليوم قص لنا الأخ عبد الغفور مشاكله مع بعض الجاليات الإسلامية التي قد سمعنا عنها من قبل وكنا نود أن نصلح بينه وبينهم، بل كنت أقول لزميلي الدكتور محمد بيلو: لو لم يكن في رحلتنا هذه إلا الإصلاح بين هؤلاء القوم لكفانا.
حالقة الدين:
لذلك عرضنا على الأخ عبد الغفور استعدادنا للصلح بينه وبين خصومه وكان يائسا هو من ذلك. وحاول أن يدخل اليأس في نفوسنا، ولكننا ألححنا عليه، وذكرناه بالنصوص الواردة في الخلاف وذمه وفي مدح الاعتصام والاتفاق ووجوب تحقيق الأخوة الإسلامية، وبعد مناقشة طويلة وافق على تدخلنا في الموضوع قائلا سوف لا تجدون قبولا لذلك عند الآخرين وكنا اتصلنا بالأخ عمر الصوباني الأردني الذي يسكن في مدينة من مدن ولاية ديترويت وطلبنا منه الحضور ليشاركنا في الإصلاح، لأنه قد بلغنا أن القاضي يحيى بن لطف الغسيل اليمني رئيس مكتب التوجيه والإرشاد في صنعاء قد زار المنطقة وحاول الإصلاح كذلك، ومن ضمن ما عمله عندما لم ينجح في مهمته أن شكل لجنة للإصلاح من ضمنهم الأخ عمر المذكور، والأخ الليبي علي رمضان أبو زعكوك وهو طالب في إحدى الجامعات في الولاية أيضا، ولكن هذا الأخير لم نجده.
أما الأخ عمر فقد جاء جزاه الله خيرا وبقي معنا يومين في محاولة جادة مع الطرفين، وقد تلمسنا الأخبار أولا من بعيد فتأكد لنا عن عبد الغفور ما يلي: -
- عندما ابتعثته دار الإفتاء، جاء إلى ديترويت، وكان أول من أعانه ووقف بجانبه الحاج فوزي مرعي الفلسطيني ضد رئيس الجمعية السابق وهو فلسطيني أيضا ولكنه هو وجماعته كانوا يبيحون قاعة المسجد السفلى لاحتفالات الجاليات في الأعياد ومناسبة الزواج وغير ذلك، ويحصل في ذلك ما يحصل من المنكر، تكشف النساء واختلاط الرجال بهن، مع الرقص واستعمال آلات الملاهي، وأن المسجد لم يكن يفتح للصلاة إلا نادرا لعدم وجود إمام متفرغ فيه.
стр. 9436
أمر بالمعروف فحورب:
وكان الأخ عبد الغفور ينكر عليهم ذلك بشدة ويقول لهم إن المساجد لله، وبنيت لذكره، فلا يجوز استعمالها فيما هو محرم في غيرها، ولكن القوم ألفوا ذلك ودأبوا عليه فلم يسمعوا له قولا، فوقف فوزي بجانب عبد الغفور، وانتهى الأمر بانتخاب جديد لأعضاء الجمعية فكان فوزي هو الرئيس في هذه الدورة، ومضى الأخوان في تعاون ووفاق.
واعتزل الجمعية من لم يرض بما حصل، وكان المسجد يفتح في جميع الأوقات وذكر بعض أعضاء اتحاد الطلبة المسلمين أنه حضر المسجد في بعض الأوقات العادية التي هي في أيام عطل وليست في أيام إجازة فوجد وراء الإمام ثلاثة صفوف وذلك نادر في مساجد الولايات المتحدة الأمريكية، فضلا عن هذا المسجد الذي كان يعتبر مهجورا.
أما في أيام الجمع فإن المسجد لا يتسع للمصلين، لذلك وسعوه من جهة القبلة وهذا خير كثير إذا ما قورن بالمساجد التي تعتبر معمورة ولها من يقوم عليها وينفق الأموال الكثيرة.
ثم دب الخلاف بعد ذلك بين الأخ عبد الغفور والأخ فوزي واتسع الخرق على الراقع، فبلغ الأمر إلى أن دعا عبد الغفور إلى انتخابات جديدة حضرها بعض الأعضاء وغاب عنها بعضهم، ولما كان اليمنيون هم الأغلب وقد رأوا في عبد الغفور ما يجمعهم ويبصرهم فقد تم انتخابه رئيسا للجمعية المذكورة عند ذلك طلب من فوزي تسليم الأموال التي بيده، بل التي أودعها في البنك باسم رئيس الجمعية وأن يحاسب المسؤولون الجدد بما تم في الأموال المصروفة، فرفض ذلك، واشتد النزاع وتفاقم أمره.
стр. 9437
ودخل الشيطان بين الإخوة فتفخ في كل واحد منهم ليسد الباب أمام الصلح، بل زاد أمره حتى كذب بعض الخصوم على خصمه واتهمه بتهم كاذبة، إذ كتب خصوم عبد الغفور للمسؤولين في المملكة العربية السعودية - بسبب أنه مبعوث من قبل بعض مؤسساتها - بأن عبد الغفور يتعاون مع الشيوعيين ولعلهم اتهموه بأنه شيوعي هو نفسه، ويقال إن راتبه قد أوقف وشكلت لجنة لتقصي الحقيقة فوجدوا أن الدعوى كانت كاذبة باعتراف خصومه، وذكر الأخ عبد الغفور أن راتبه أعيد بعد ذلك.
الدرس الثاني:
وقد دخلنا مع كل من الطرفين في نقاش طويل نحن والأخ عمر الصوباني أما عبد الغفور فكنا معه باستمرار في سيارته، وفي الفندق وفي المسجد، لأنه هو الذي تولى مرافقتنا من أول وصولنا.
وأما فوزي مرعي فقد سهرنا معه ليلة كاملة، كما سيأتي الكلام عنها وبعد مغرب يوم السبت الموافق ٣/٨/١٣٩٨هـ تم إلقاء الدرس الثاني وكان كله يدورحول جواب على سؤال بعض الحاضرين الذي وجهه على الوجه التالي: ما سبب عدم التزام المسلمين بواجبات دينهم، وترك ما حرم الله عليهم مع علمهم بذلك، ثم فتح المجال كالمعتاد لأسئلة أخرى للإجابة عليها شارك في بعضها زميلي الدكتور بيلو.
صلح المسلم رفض وحكم الكافر طلب:
وبعد صلاة العشاء من هذا اليوم جاءنا الأخ فوزي مرعي إلى الفندق واستمرت محاولتنا معه من أول ما دخل إلى أن صلينا الفجر ليرضى بالصلح بينه وبين عبد الغفور ولكن دون جدوى إذ صمم أنه لا صلح مع عبد الغفور إلا تسفيره من أمريكا، والرجل حاد الطبع سريع الغضب بطيء الفيء أيضا يطلق لسانه دون أن يفكر فيما يقول، فقد نال من خصمه مما لا يجوز له كما حرض عليه آخرين وأغراهم بالاتصال بنا شخصيا أو عن طريق الهاتف ليؤكدوا ذم عبد الغفور والشكوى منه، ظنا منهم أننا جئنا للتحقيق في القضية ونحن قد نفينا ذلك في المسجد.
стр. 9438
ولو كانوا شكوا شكوى عادية لهان الأمر ولبقينا من أجل المصلحة ولكن كلامهم كله كان كلام سب وشتم ودعاوى واضحة البطلان فقد اتصل بعضهم بي شخصيا في الهاتف وأخذ يحدثني عن عبد الغفور الشيوعي وأخذ يسبه لمدة لا تقل عن ساعة، وأنا لا أزيد على السماع إلا إذا خشيت ظنه أني قفلت الهاتف فأقول له: نعم. وكان ذلك ثقيلا على نفسي، وجاء آخر بنفسه وأخذ يفتح ملفات الإجرام الصادرة من عبد الغفور التي لم أر فيها إلا وقوفه ضد المنكر الذي ألفه الناس واستنكروا وجود المعروف كما قال من قبلهم: ﴿يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ ، وبقي هذا الرجل عندنا أكثر من ثلاث ساعات ونحن لا نزيد على السماع منه، ثم نصحناه في الأخير بتقوى الله وودعنا غير راضي بذلك الزمن فيما يبدو.
وقد حضر الخصمان وبعض أعوانهما ومحامي كل منهما إلى أحد قضاة البلدة وعندما عرف القاضي - وهو نصراني - أنهما مسلمان قال لهما: ألا تشعران بالخجل إذ تخرجان من بيت من بيوت الله دون أن تحكماه بينكما وتصطلحا بالحق لصاحبه، وتأتيا إليّ أنا العبد الضعيف لأحكم بينكما، وقد أخبرنا كل الخصمين بهذا عبد الغفور أخبرنا مباشرة وفوزي أخبرنا عن طريق الهاتف فكانت موعظة من عدو للإسلام ولكنها لم تقبل ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وخشينا أن تحدث فتنة، فتشاورنا أنا وزميلي وقررنا السفر يوم الثلاثاء فحجزنا واتصلنا بأخينا في الله الشيخ محمد نور السوداني الذي يعمل مع البلاليين على نفقة وزارة الأوقاف الكويتية ليرتب لنا منهج زيارة نافع في شيكاغو كما سيأتي.
دفاع المنتصر:
стр. 9439
وفي يوم الإثنين ٥/٨/١٣٩٨هـ تجولنا في بعض أسواق المدينة وفي طريقنا إلى بعض العمائر الضخمة التي يوجد فيها كل الأغراض المطلوبة، كل صنف من البضاعة يوجد في طابق منها تناولنا طعام الغذاء في أحد الفنادق الفخمة وهنا حصلت قصة طريفة، لا زلت كلما تذكرتها أضحك من أجلها: كنت لابسا لباسي العربي، وكان الناس يكثرون الالتفات نحوي لغرابة اللباس هناك ولكن التفاتهم - في الغالب - يكون خلسة ومسارقة، وسمعت من الأخ عبد الغفور أن الالتفات إلى شخص ما يعتبر غير لائق عند الأمريكيين، فإذا صوب أحد نظره إليك والتفت أنت نحوه فإنه يشعر بالخجل ويعتبر التفاتك إليه نوعا من الاحتجاج والعقاب، ولقد أخذت هذا السلاح فكنت إذا رأيت من يلتفت إلي التفت نحوه فيصرف نظره بسرعة، وكأنه لم يكن ينظر إلي وفي هذه المرة كنا على طاولة الطعام فمر شيخ عجوز فنظر إلي فنظرت أنا إليه ومن شدة محاولته إخفاء التفاته صرف نظره بسرعة وهو يمشي فتعرقلت رجله بأحد المقاعد فوقع على الأرض ثم تجلد فوثب قائما وأخذ يسعى بعيدا عنا، فأخبرت الأخوين: زميلي الدكتور بيلو والأخ عبد الغفور فأخذا يشاركانني الضحك.
الآلة والبطالة:
ثم صعدنا إلى الطابق الأول في الفندق فوقفنا في قاعة صغيرة نسبيا لنرى القطار - أو المترو - واقفا، فخرج الركاب منه، ودخلنا نحن، وعندما أخذنا مقاعدنا نظرنا إلى مقدمة هذا المركب المعلق جسره في الهواء بين الفندق وبين العمارة التجارية التي نريد الذهاب إليها، نظرنا لنرى القائد فلم نر أحدا، وعندما سألنا عن ذلك - وكنا نظنه يختفي في مكان ما منه - قال الأخ عبد الغفور أنه يسير ذهابا وإيابا بنفسه عن طريق الكهرباء، ويتقابل هو وزميله في منتصف لبطريق دائما، هذا ذاهب وهذا عائد.
стр. 9440
قلنا في نفوسنا: نركب مع الناس، وهذا المركب قد جرب، وقد آمنه الناس على أنفسهم لمدة طويلة، فما يظن به أنه يخرج عن طريقه، أو يتجاوز موقفه وذكرنا اسم الله الذي سخره لنا وسخر عقول بعض خلقه كذلك.
وهنا استحضرت ثلاث ملحوظات:
الملحوظة الأولى: أن أهل الغرب اتعبوا أنفسهم وكدوا عقولهم لاستخدام ما سخره الله تعالى لهم في هذا الكون، وسلكوا السبيل المطلوب لهذه الاستفادة فكانت النتيجة أن تحقق لهم كثير مما أرادوا.
لذلك ترى صاحب الآلة نائما وهي تخدمه طول الوقت، هذا في الأمور المادية البحتة.
الملحوظة الثانية: أن الآلة حلت محل الإنسان في كثير من الأعمال فتعطل كثير من الناس عن العمل، ولذلك ارتفعت الشكاوي من البطالة لأن هناك مجالات أخرى غير هذا المركب كالمصانع التي يكفي شخص واحد ليدير ألفا عن طريق جهاز الكمبيوتر والمراقبة ويكفي أن يضغط شاب على زر لتشغيل المصنع بكامله، بل إنك تستطيع أن تتعامل مع الآلات في صرف نقودك، فتدخل النقود الورقية في الآلة فتضغط على أحد الأزرة فتخرج لك عدد القروش المماثلة دون زيادة أو نقص، تصور لو كان ذلك عن طريق الناس كم كان يحتاج من الوقت ليعد لك ولغيرك تلك النقود المعدنية، وكم يحتاج من البشر ليكفي عشرات الناس في الدقيقة الواحدة؟.
وتتعامل مع الآلة في شراء بطاقات دخول القطار فتذهب إلى الآلة وترمي لها النقد المعدني ثم تضغط على الزر فإن كان النقد هو المطلوب رمت لك البطاقة في محفظة سفلى، وإن كان أكثر من المطلوب ردت لك الباقي وأعطتك البطاقة، وإن كان أقل منه انتظرت حتى تكمل.
وتتعامل مع الآلة في شراء أنواع الأشربة، إذ توجد بها العلب وعلى كل نوع كتبت قيمته، فما عليك إلا أن ترمي النقد المطلوب ثم تضغط على الزر المختص فيرمي لك العلبة التي أردت.
وهكذا إن شئت قهوة بسكر أو بغير سكر قليل ساخنة أو بادرة فإن الآلة تتعامل معك في أسرع وقت وبدون خصام.
стр. 9441
بل ذكرنا، وهذا لم نره، أن بعض الآلات تتعامل عك في الطعام الساخن والبارد وهكذا.
بل إن البنوك تتعامل معك في أيام العمل وأيام الإجازات في الليل والنهار إذ تأتي إلى فتحة صغيرة فترمي فيها بطاقتك وتذهب الآلة تسأل أخواتها إن كان بقي لك شيء يكفي للمبلغ المطلوب فإن كان موجودا فإنه يأتيك في أسرع وقت وإلا رجعت لك بطاقتك بعد الاعتذار لها.
إنني عندما رأيت بعض هذه الأمور وعلمت عن بعضها وسمعت غير ذلك مما يدهش العقل ورأيت الناس كيف يعملون في الحسابات وغيرها خرجت بنتيجة أن هؤلاء الذين يستخدمون هذه الآلات قد أصبحت عقولهم آلات عدا أولئك الذين يفكرون بعقولهم ويبتكرون ويخترعون فإن أمرهم مختلف، قل لي بربك ألا تكون النتيجة هي الشكوى من البطاقة.
الملحوظة الثالثة: إن مجال هؤلاء العاطلين هو الدول المتأخرة، والتي يسمونها بالنامية. لذلك ترى الآلاف من الغربيين يؤمون هذه البلدان بطلب منها في مجالات مختلفة منها الخطير ومنها الحقير.
وهكذا كان صاحبنا القطار الصغير، إلا أنه لم يعلم أخذ النقود، بل يتقدم دون مقابل، ولكن لا يخدمك إلا لإيصالك إلى المتجر وإعادتك وهناك في هذا المتجر الضخم لا يرجع هذا الراكب إلا بعد أن يشتري شيئا ما، ليس عن طريق الإجبار والترهيب ولكن عن طريق الإغراء فلكل واحد ما يعجبه في هذا المتجر إن لم يكن في هذا الطابق ففي الذي يليه، لهذا فلا حاجة لهم إلى دفع قرش أو قرشين فستدفع ما يكفي وزيادة.
ومن فوائده لهم أن المتجر لا يدخله الناس إلا عن هذا الطريق الذي يسهل عليهم المراقبة، وهناك أجهزة مراقبة في المتاجر الكبيرة يكون الإنسان فيها مكشوفا في شاشة التلفزيون الخاص تصوره الكمرة على ما هو عليه.
стр. 9442
ومما لوحظ في هذا المتجر وغيره أن الأجهزة السلكية واللاسلكية الموجودة في أمريكا أغلبها من صنع اليابان، وذكر الأخ عبد الغفور وغيره كذلك أن أجهزة الراديو المصنوعة بأمريكا لا يسمع فيها إلا الإذاعات المحلية ما عدا أجهزة قليلة جدا ليس في استطاعة كل واحد اقتناؤها لغلائها تسمع بها الإذاعات الخارجية، أما الأجهزة المصنوعة في اليابان فإن أكثرها تسمع منها الإذاعات الخارجية، وهكذا وجد أن المسجلات الجيدة يابانية ...
وسيأتي، الحديث عن اليابان في حينه إن شاء الله.
وبعد تجول طويل في المتجر وأخذ بعض الأشياء الخفيفة تسلية للقطار الذي لا نريد أن يرانا خالي الوفاض من داره، رجعنا إليه فنقلنا إلى مكاننا الأول، وتركناه يتعامل مع غيرنا، وذهبنا إلى سيارة الأخ عبد الغفور وطلبنا منه أن يقودها، ولا يتركها تسير بنفسها، لأنها لم تدخل المدرسة التي تخرج فيها ذلك القطار.
رجعنا إلى الفندق لنرتاح لأنا غدا مسافرون إلى شيكاغو ولقد كنا في غاية من الرغبة في البقاء في ديترويت من أجل الجمع الغفير الذي يجتمع في المسجد ومن أجل الرغبة التي كنا نلمسها في الحاضرين، حتى لقد بكى بعضهم وناشدونا البقاء لمدة أطول وأن نبلغ المسئولين في المملكة العربية السعودية بأن يتعهدوهم بالمرشدين وأن يبعثوا لهم عددا من المدرسين لتدريس أولادهم مبادئ اللغة العربية والمبادئ الإسلامية حتى لا يضيعوا في المجتمع الأمريكي، غير أن الوضع الذي شرحته سالفا رجح لنا السفر ...
إلى شيكاغو
من ديترويت إلى شيكاغو:
وفي يوم الثلاثاء ٦/٨/١٣٩٨ هـ أقلعت بنا الطائرة من مطار ديترويت في تمام الساعة العاشرة صباحا ووصلنا إلى مطار شيكاغو.
حنين وتسلية:
стр. 9443
قابلنا الأخ محمد نور السوداني الذي تخرج في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة وكنت أيامها مسئولا عن شئون الطلاب وكان محمد نورمن الطاقات العاملة في النشاط الطلابي إذ شارك في الرحلات والندوات والجماعات المختلفة، لذلك كان لقاؤنا معيدا لتلك الذكريات الطيبة وكان قد سجل في جامعة الملك عبد العزيز بجدة في الدراسات العليا - الماجستير- ولكن لظروف طارئة غادر مكة المكرمة إلى الكويت، وابتعثته وزارة الأوقاف الكويتية إلى الولايات المتحدة الأمريكية ليعمل مع البلاليين هناك، ولا يزال يحن إلى الكعبة الشريفة التي جاورها لمدة سنتين حنين الأم إلى ولدها، وكذلك المسجد النبوي الذي لم يغادره طيلة أربع سنوات عندما كان في الجامعة الإسلامية إلا نادرا ولكن ينبغي أن يتسلى هو وغيره بالعمل والدعوة إلى الله في أي مكان بقول عبد الله بن المبارك:
يا عباد الحرمين لو أبصرتنا
لعلمت أنك في العبادة تعلب
من كان يخضب خده بدموعه
فنحورنا بدمائنا تتخضب
أو كان يتعب خيله في باطل
فخيولنا يوم الصبيحة تتعب
ريح العبير لكم ونحن عبيرنا
رهج السنابك والغبار الأطيب
ولقد أتانا من مقال نبينا
قول صحيح صادق لا يكذب
لا يستوي غبار خيل الله في
أنف امرئ ودخان نار تلهب
هذا كتاب الله ينطق بيننا
ليس الشهيد بميت لا يكذب
سائق مخيف:
стр. 9444
استأجرنا سيارة صغيرة لتوصلنا إلى الفندق الذي تم الحجز فيه عن طريق الأخ محمد نور في وسط المدينة، وكان السائق زنجيا عنيفا في قيادته، إنه يكاد ثيب بسيارته على سيارات الناس التي أمامه، على خلاف عادات السائقين في الغرب ويخاتل السائقين فيسبق هذا ثم يستعد لسبق الآخر، لقد كدت أطلب من الأخ محمد نور أن يوقفه ولكن خشينا إن علم أننا متضايقون من قيادته أن ترتفع درجة الحرارة عنده، لقد كان شبه مجنون ولا أستبعد أيكون ثملا من آثار الشرب أو الحشيش ولكن الله سلم فوصلنا بسلامة الله وحفظه إلى الفندق الثاني في رحلتنا، تذكر أن الفندق الأول هو فندق "لندن".
فندق روزفليت
فرق بعيد أما أول فندق نزلنا به في مدينة شيكاغو فهو فندق روزفيلت ولهذا الفندق قصة أخرى مغايرة تماما لقصة فندق لندن من – وجهين -:
الوجه الأول: أن اختيار فندق لندن كان من قبل قوم غشاشين.
الوجه الثاني: أن هدفهم أن يحتالوا على أكبر عدد ممكن لسرقة أموالهم بأسلوب ظاهره شرعي أما فندق روزفليت فقد اختاره لنا أخ حبيب وصديق حميم لا نشك في أنه يحب لنا ما يحب لنفسه وما أراد إلا راحتنا، ولكن ما قصة الفندق وكيف كان؟.
الأخ محمد نور قريب العهد بسكنى مدينة شيكاغو، ورجل حيي قنوع ليس عنده وسيلة للمواصلات، وفي نفس الوقت مشغول بأداء عمله الذي نرجو أن يكون يؤديه بإخلاص وتفان في سبيل الله وحده، لهذا لم يتمكن من معرفة البلدة، لأنه لم يتجول فيها ونحن عندما اتصلنا به كان تصورنا غير ذلك، كنا نظن أنه على علم بالبلدة وعنده وسيلة مواصلات، وأخطأ ظننا، كما أنه لحيائه وعفته لم يستعن بأحد من الذين لهم خبرة في البلد، فقابلنا وحده في المطار.
خداع العناوين:
وعندما أراد الحجز لنا في فندق أخذ يقلب دليل الفنادق ويستعرض الأسماء فعثر على هذا الكنز الثمين: فندق روزفليت وهل يمكن أن يكون فندق سمي باسم هذا الزعيم الكبير غير مريح؟.
стр. 9445
لذلك اتصل بمدير الفندق وطلب منه حجز غرفة بسريرين كما طلبنا وعندما وصلنا إلى الفندق ودخلنا مكان الاستقبال همست لزميلي خلسة من الأخ محمد نور: ألا تظن أن هذا الفندق هو الثاني؟ فرد هامسا أيضا: سننظر.
ودخل علينا زنجي كبير السن يتخبط في مشيه، فاغرا فاه، ولسانه شبه معول، وهو يمد يده على أكتاف الناس فاتضح أنه سكران ورأينا أشباهه في الشارع أمام الفندق، وكنت أقول في نفسي اللهم سلمنا من هذا الفندق كما سلمتنا من فندق لندن.
المصعد والعصا:
وبعد الإجراءات اللازمة دخل معنا الفرَّاش في المصعد الذي يفتح ويقفل بيد شبيهة بيد الباب. وبيد الفراش عصا لا ندري لماذا يحملها ولكن قلت في نفسي: إما أن يكون بعض نزلاء الفندق يفقدون وعيهم من السكر ويعتدون عليه أو على النزلاء الآخرين فيحاول أن يدافع بعصاه، أو يكون في الفندق ثعابين وعقارب لكثرة أوساخه ومداخله القديمة المتداعية، وكلا الأمرين بلاء، وإذا أراد أن يوقف المصعد فإنه يبدأ بمعالجته في الدور السابق للدور الذي يريد إيقافه فيه.
أسف وتسلية:
أوقفنا عند باب حجرتنا المطلة على الشارع وأخذ يدفع الباب الخشبي القوي فانفتح ودخلنا الحجرة وأخذنا ننظر في أرجائها نظرة نفور واشمئزاز وأحس ذلك أخونا محمد نور الذي أبدى أسفه لنا وذكر قصة الاختيار وسببه فطمأناه بأن الأمر سهل وأن فندق لندن قد سبق فندق روزفليت، ويمكننا أن ننتقل منه غدا بإذن الله وهذا فندق تاريخي يحمل اسم زعيم كبير.
ثم قلت له بعد ذلك: أن إبليس هو قدوة هؤلاء القوم فقد وصف العصيان وثماره السيئة بأوصاف مغرية فقال لآدم: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى﴾ وإضافة إلى ذلك فإن زعماء الكفر لا يمكن أن يأتينا منهم خير، فأراد الله أن يثبت ذلك حتى في أسمائهم لئلا نركن إليهم أي ركون، كانت نكات لطيفة.
стр. 9446
ودخلنا بيت الماء فإذا بابه لا يغلق، وإنما يرد فقط فظننت أنه يحتاج إلى دفع كما دفع الفراش باب الغرفة فدفعته قليلا خشية إزعاج الآخرين الزميل والصديق، وإذا هو مثل مرحاض فندق لندن ولكن زميلي اكتشف شيئا آخر فيه ظهر أنه فاق مرحاض فندق لندن في السوء.
ولماذا السلالم؟ !
ونظرنا إلى الشارع فوجدنا النافذة فرأينا أن سلالم من الخشب مبنية في جدار الفندق متصلة من أسفله إلى حجرتنا، فقلنا: وهذه مصيبة أخرى، ماذا يجري لو صعد إلينا سرب من السكارى؟ فأغلقنا النافذة وتوكلنا على الله.
إلى زعيم البلاليين:
كان الأخ محمد نور قد أخبر زعيم البلاليين، وهو ابن اليجا محمد ذي الأفكار الهدامة التي أخذها من المسيحية واليهودية والقاديانية، ونسبها إلى الإسلام، بل إنه ادعى الرسالة، ولكن ابنه المدعو عند قومه ولس دين، ويدعوه العرب، وارث الدين أظهر بعد وفاة أبيه بمدة محاولة إصلاحية في مفاهيم أبيه، فبدأ يقيم بأتباعه الصلاة ويصحح بعض الأفكار كما قرأنا ذلك قبل أن نلتقي به في بعض المجلات الإسلامية، فطلب من الأخ محمد نور أن يحضرنا إليه ليلتقي بنا فذهبا إلى المسجد الذي فيه جميع مكاتبه الإدارية، وعندما أردنا الدخول طلب منا أن نمر في الممر الذي وضع به جهاز كشف السلاح مثل الأجهزة التي توضع في المطار، والأماكن التي يخشى فيها من المسلحين فدخلنا، وكان غائبا عن المسجد فانتظرنا قليلا، وعندما أذن المؤذن وأقيمت الصلاة صلى بنا الأخ السوري: محمد مازن علوان الذي يدرس في نفس المسجد مع محمد نور وهو على نفقة رابطة العالم الإسلامي، واختصاصه في الطب، ولكن له اطلاع جيد ودرس على بعض العلماء في سوريا في صغره، وفي وقت طلبه للعلم في المدارس النظامية وهو شاب صالح أيضا.
وبعد الصلاة قابلنا الأخ محمد مازن وتعرف علينا وحدثنا عن عمله مع البلاليين وبصرنا ببعض الأمور التي تهمنا.
ترحيب وشكر:
стр. 9447
وبعد نصف ساعة تقريبا جاء ولس دين الذي يدعوه أتباعه بالإمام، فرحب بنا وقدم لنا بعض المرطبات وتعارفنا، وأبدينا له سرورنا بما سمعناه عنه من أنه بدأ يصحح المفاهيم التي كان والده يعتقدها ويلقيها لأتباعه، وطلبنا منه أن يستمر في هذا التصحيح، لأن الإسلام يجب فهمه من كتاب الله وسنة رسوله لا من بنيات أفكار الناس.
طلب لا يرد:
وطلب مني أن ألقي حديثا في اتباعه بعد عصر هذا اليوم الثلاثاء الذي اعتاد أن يجتمع فيه أتباعه في قاعة المحاضرات العامة بجوار المسجد فلبينا رغبته، وكانت الكلمة تدور حول المعاني التالية:
- الهدف الذي خلق الله الخلق للسعي إليه، وهو رضا الله بعبادته.
- والوسيلة إلى ذلك، وهي العلم والعمل الصالح المبني على الإخلاص لله ومتابعة رسوله ﷺ .
- وبيان أن الناس انقسموا تجاه هذا الهدف وتلك الوسيلة إلى قسمين: كفار أو منافقون، وهم الذين خرجوا عن القانون الإلهي ويعيشون معيشة ضنك في الدنيا والآخرة، ومسلمون وهم الذين استقاموا على دين الله ودعوة الناس إليه وصبروا على أذاهم وأن يجازى كل قسم يوم القيامة بما قدم.
- أن الناس لا يتفاضلون إلا بالتقوى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ فلا فرق بين عربي وعجمي ولا بين صاحب لون وصاحب لون آخر.
- إيضاح أنه لا يوجد اليوم في الأرض دين حق سوى دين الإسلام وأن على جميع الناس أن يدخلوا في هذا الدين وكان الزميل الدكتور محمد بيلو قد عرف الحاضرين بمهمتنا والبلدان التي زرناها وسنزورها بعد.
стр. 9448
ثم ألقى إمام البلاليين كلمة رحب بنا فيها وأشاد بالدعوة الإسلامية التي انطلقت في مكة المكرمة وقويت شوكتها في المدينة المنورة التي أصبحت عاصمة الإسلام الأولى والتي كان لأهلها السبق في نصرة الرسول ﷺ وإيواء أصحابه أي المهاجرين، وكانت عواطف الحاضرين ملتهبة عبروا عنها بالتكبير الذي ارتجت به جنبات القاعة وقد اعتادوا الاجتماع لسماع الدرس الذي يطلقون عليه درس الثلاثاء، حقق الله لهم من يقودهم بدرس الثلاثاء إلى الإسلام الذي ارتضاه الله لعباده، واستأذنا لنذهب مع الأخ محمد نور الذي دعانا لتناول طعام الغذاء في بيته، ونحن لبينا الدعوة لنرتاح من معارك الطعام التي استمرت معنا من وقت نزولنا في أول دولة غربية وهي بريطانيا إلى هذا اليوم فقد كان زميلي في نقاش دائم مع المضيفين في الطائرات، ومع الخدم في المطاعم في كل وجبة من وجبات طعامنا، وقد تمر ثلاثون دقيقة أو أكثر وهو يتفاهم معهم عن نوع الزيوت، واللحوم والسوائل [١] ، وقد يبدون أنهم فهموا المراد ثم يأتون بما يدل على عدم فهمهم، على الرغم من أنهم يصغون إلى لكنته الإنجليزية بعناية، بل ويستعذبونها حتى يكادوا يتركون خدمتهم ويجلسون بجانبه ليمتعوا بلهجته، وهو يستفسر عن كثير من كلماتهم السريعة الدارجة، وفي إجابة دعوة الأخ محمد إرضاء له وراحة لنفوسنا من الشكوك في أطعمة المطاعم، وأجازة لزميلي محمد بيلو من عناء الأخذ والرد مع المضيفين.
ولقد كان الطعام لذيذا غاية اللذة، لأنه قدم لنا في بلد ما كنا نظن أن نراه فيها فجزى الله الأخ محمد نور خيرا هو وأهله.
وبعد الغذاء شربنا الشاهي السوداني الذي انتشى بشربه زميلي أكثر منا وأخذ فيه النسبة التي يريد من السكر دون أن يقال له: أغلق المطعم؟ كما قال له المضيف في رحلتنا من لندن إلى نيويورك.
стр. 9449
وفرش لنا الأخ محمد نور في غرفة الاستقبال فاستلقينا ونمنا نومة مريحة إلى أن حان وقت صلاة العصر فصلينا وعدنا إلى مسجد البلاليين حيث ألقيت الكلمة في قاعة المحاضرات التي غصت بالحاضرين ثم عدنا إلى فندق روزفليت لنكمل المشوار الطويل معه.
صحبنا الأخ محمد نور إلى الفندق ورجع بعد ذلك إلى أهله فأخذنا نقارن بين الفندق لندن وفندق روزفليت في الأسباب والأهداف والمرافق.
انقلاب ومصالحة:
ولقد نزعت الغطاء الذي كان على سريري والمخدة ـ ورميتها بعيدا لعدم قدرتي على النوم عليهما، وأخذت بعض ثيابي ففرشتها وبعضها جعلتها بدل المخدة، ونمت متقززا، كأن تحت جنبي شوك السعدان، وقلت لزميلي ما رأيك لو صعد إلينا بهذه السلالم الموجودة بجانب الفندق أحد السكرى أو طائفة منهم؟. فقال: سنعمل جهدنا إن شاء الله فلا تخف وأغلقنا الشباك الذي يخشى من دخول أحد منه.
وبسط زميلي عمامته السودانية الطويلة على فراشه ومخدته ونام عليها دون أن ينزع فراشا أو مخدة تحديا لفندق روزفليت وكنت أن حظه أحسن حالا من حظي، فربما كان فراشه نظيفا وكذلك أكياس وسائده ولكنه فضل المصالحة وفضلت الثورة.
ليل طويل:
وعندما استيقظنا لصلاة الفجر، وكان هو الذي أيقظني بدا على وجهه علامة الاشمئزاز والتضجر، وهو يحك في جسمه وسألته ما بك يا دكتور؟ فقال: لقد كانت هذه الليلة طويلة عليّ، وكنت أظن أنه سيتمثل ببيت امرئ القيس:
أيها الليل الطويل ألا انجلي بصبح وما الإصباح عنك بأمثل
ولكنه كاد ولم يفعل.
стр. 9450
قلت ماذا جرى؟ قال: لقد باتت الروائح الكريهة الموجودة في هذه البسط والوسائد تقلقني، كما باتت بعض الحشرات الصغيرة تأكل جسمي ولم أذق طعم النوم طول الليل، ثم أخذ يقلب الوسائد والفرش ففوجئ بأسباب الروائح في الوسائد، فرجوته أن يغطي ذلك وسليته بأن وقت خروجنا من هذا الفندق قد اقترب، كما اكتشف الدكتور في جدران بيت الماء ما هو أسوأ من ذلك.
ولقد ظهر لنا بعد ذلك أنه لا ينزل في هذا الفندق إلا المعدومون الذين لا يفيقون من السكر إلا نادرا، كما ظهر لنا سبب وجود العصا بيد الفراش وهو خوفه من النزلاء المشار إليهم.
استعجال لا بد منه:
وبعد أن صلينا مباشرة حزمنا حقائبنا لنغادر مكان القلق الذي كان المفروض أن يكون مكان راحة، كان ذلك في يوم الأربعاء ٨/٨/١٣٩٨هـ.
ضغطنا على زر المصعد وانتظرنا حتى جاء حاملا صاحب العصا وأدخلنا حقائبنا فيه ونزلنا إلى قاعة إدارة الفندق ننتظر أخانا محمد نور الذي كان قد حجز لنا في فندق على جانب الشارع الآخر من جهة الشرق ولكن موعد تسلم الحجرة كان متأخرا ونحن لا زلنا مبكرين وانتظرنا طويلا في القاعة ونحن نرى النزلاء يدخلون ويخرجون أشباه مجانين ومنهم القاعدون على الكراسي يتحدثون ويضحكون وأغلبهم من كبار السن، وعندما طال الانتظار قال لي زميلي: أليس من الأفضل أن نشرب شيئا؟ فقلت له: اشرب ما تشاء أما أنا فلا أريد شيئا وحقا ما كنت أقدر على تناول طعام أو شراب في هذا المكان القذر وهذه عادتي: أصبر على الجوع والعطش إذا رأيت مناظر قذرة مؤذية أو شممت روائح سيئة إلا عند الاضطرار الذي لا أقدر على تجاوزه وفي جوانب الشارع المقابل كنا نرى أسرابا من الزنوج المتسكعين الذين يميل بعضهم على بعض أو يبادل بعضهم بعضا الصياح والضحك والبؤس باد على وجوههم ويظهر من تسكعهم أنهم بدون عمل مثل إخوانهم في هارلم.
стр. 9451
ولشدة تضايقنا من الجلوس في هذا المكان وسوء المناظر البشرية المؤذية اتصلنا بالأخ محمد نور نطلب منه سرعة التوجه إلينا، وفعلا جاء الأخ محمد نور ومعه السيارة التي كنا طلبنا اسئجارها لتبقى معنا مدة بقائنا في شيكاغو يقودها أحد الشاب البلاليين، لا أذكر اسمه الآن ولكنه طبيب.
يطبق النظام بدون خصام:
نقلنا أثاثنا إلى الفندق الجديد وتركناه لنذهب إلى إدارة المرور لنأخذ تصريحا بالقيادة في مدينة شيكاغو، وفي الطريق إلى مسجد البلاليين الذي كنا نريد أن نلتقي فيه بالأخ صلاح الدين الذي يتولى قيادة السيارة بدلا من أخينا الطبيب، وقبل أن نصل إلى المسجد حصل مخالفة مرورية غير مقصودة من قائدنا فقد كانت الإشارة خضراء وهو بعيد فأسرع ليسبق الإشارة الحمراء، ولكنها سبقته هي فناداه ضابط المرور عن طريق مكبر الصوت فوقف.
ونزل القائد والضابط ولم يدر بينهما حوار كما يدور بين ضابط المرور والسائقين في بلدان الشرق، بل يسأل الضابط تعترف بأنك أخطأت؟ فإن اعترف فعليه أن يدفع الغرامة الجزائية وإن قال له لا لم يكلمه وإنما يعطيه قسيمة فيها نوع المخالفة وموعد المحاكمة ويذهب كل منهما في سبيله، وإذا جاء يوم المحاكمة حضر محامي السائق، وفي الغالب يكون محامي جمعية أو شركة ينتمي إليها السائق، وحضر محامي إدارة المرور مع السائق والضابط وهناك يبت في الأمر في صالح أحدهما وينتهي الأمر.
وأنا عندما أذكر مثل هذه الحادثة أريد من ورائها التنبيه على احترام الإنسان لأخيه الإنسان، ولا سيما إذا كانا مسلمين.
стр. 9452
فإن جندي المرور في بعض البلدان في الشرق يشتم السائق ويهدده وسرعان ما يرافقه إذا خالف ليسلمه إلى المسئولين في المرور للتحقيق والتوقيف أو السجن، وما الداعي لهذا، وفي الإمكان أن يسجل المخالفة مع رقم السيارة ورقم الرخصة، والاستمارة وعندما تجدد الرخصة أو في أي وقت يحدد الجزاء المناسب ماليا كان أو سحب رخصة القيادة إذا كان الأمر يستدعي ذلك.
وليس في هذا الأمر صعوبة وقد وجدت أجهزة الخازن الكاشف (الكمبيوتر) الذي يمكن من جمع المعلومات عن كل شخص وإظهارها في وقتها المناسب دون تحيز.
أخذ قائدنا البطاقة ومضينا إلى المسجد وهناك تسلم الأخ صلاح الدين الشاب المرح السيارة وذهب إلى إدارة المرور للاستفسار عن إمكان حملنا ترخيصا بالقيادة على ضوء رخصنا المحلية.
في إدارة المرور:
وصلنا إلى إدارة المرور، وبدأ الأخ صلاح يسأل الموظفين الذين لا يجيبون بنعم أولا إلا إذا كانوا على علم بذلك، فترددوا في الأمر بين من يظن الإمكان ومن يظن عدمه، فاستدعوا امرأة تعتبر مستشارة قانونية فسألوها فأجابتهم: إن في إمكانهم ذلك لو كانت الرخصة مترجمة باللغة الإنجليزية مختوما عليها بختم جهة معتمدة.
نتائج:
وخرجنا من مقر الدورة بثلاث نتائج:
- النتيجة الأولى: أن أبواب الدعوة إلى الله مفتوحة على مصراعيها في بلاد الغرب بحرية كاملة قد لا توجد في كثير من بلدان المسلمين، فالكلية المستأجرة للدورة مسيحية، والمسئولون عنها مثقفون لا يخفى عليهم مفارقة الدين الإسلامي للدين المسيحي المحرف الذي يدينون به، ومع ذلك فقد أجروا مباني كليتهم بعقد رسمي من مسئولين رسميين لإقامة دورة لأئمة مساجد المسلمين وخطبائها في الولايات المتحدة الأمريكية، وهذه النتيجة بديهية جدا في كل المواقف المشابهة ولا تحتاج إلى تدليل.
стр. 9453
- النتيجة الثانية: أن هؤلاء الأئمة والخطباء الذين يعتبرون أحسن شيء في الباب، كما يقال لا يعرفون من الإسلام إلا اسمه لأن المسئولين في الدورة عندما عرفوا ذلك بدؤا يعلمونهم مبادئ الإسلام الأولية وسورة الفاتحة وقصار السور التي ما كانوا يستطيعون نطق كلماتها، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على الجهل المطبق بدين الإسلام.
والمؤسف أن رخصنا ملئ جانبها العربي وأهمل جانبها الإنجليزي والذي خرجنا به من هذه الإدارة أمران: الأول: اهتمام الموظفين بأداء الخدمة على وجه يرضي صاحب المعاملة، وإظهار الأسف له إذا لم يمكن ذلك نظاما، والثاني: حسن سير العمل والنظام الذي مهما كثر فيه المراجعون لا تجد فيه الصياح والمدافعة اللذين يوجدان في أغلب إداراتنا ومؤسساتنا، ولذلك تتسهل المعاملات وتنتهي مع كثرة المراجعين.
وبعد أن اعتذروا لنا وخرجنا قال الأخ صلاح الدين: (نوبروبلم) أي ليس في الأمر إشكال فأنا سأقود لكم السيارة حتى تغادروا شيكاغو فشكرناه على ذلك وعدنا مرة أخرى لتناول طعام الغذاء في بيت الأخ محمد نور وبعد ذلك عدنا إلى الفندق لنرتاح وعاد كل من الأخوين إلى منزله، ولقد ارتحنا فعلا في فندقنا الجديد إذ كان بمنزلة الصحة بعد المرض فالحمد لله رب العالمين.
دورة تدريب الأئمة:
وفي يوم الخميس ٩/٨/١٣٩٨هـ صباحا كنا مع موعد مع الأخوين محمد نور وصلاح الدين لزيارة دورة تدريب الأئمة والخطباء التي قامت بها بعض المؤسسات في المملكة العربية السعودية، وعلى رأسها الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد ومقرها يبعد سبعين ميلا تقريبا من مدينة شيكاغو حيث تم استئجار مباني كلية هناك بمرافقها.
стр. 9454
وهناك التقينا بالإخوة د. محمد العروسي عميد شئون الطلبة بشطر جامعة الملك عبد العزيز في مكة، وهو رئيس الدورة والأخ الشيخ إسماعيل بن عتيق والدكتور علي جريشة أحد أعضاء هيئة التدريس بالجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، والمنتدب من قبل الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، والأخ الشيخ صهيب بن حسن زميلي في الدراسة ومبعوث الرئاسة العامة للدعوة في لندن والمشترك في الدورة وغيرهم من الأساتذة وبعد جلسة قصيرة مع المذكورين صلينا الظهر والعصر جمع تقديم واستأذنا للعودة إلى شيكاغو.
- النتيجة الثالثة: أن إقامة مثل هذه الدورة أنفع من بعث وعاظ ومرشدين يمرون بالمساجد والتجمعات لإلقاء محاضرات ثم العودة بتقارير مفصلة عما قاموا به وعن حالة الناس وتقديم الاقتراحات، إلا إذا كان الهدف منها جمع المعلومات للاستفادة منها في التخطيط للدعوة مستقبلا فذاك أمر مهم جدا.
أحب العمل إلى الله أدومه:
وأنفع من ذلك كله فتح مدارس في المدن التي يوجد بها تجمعات إسلامية لتعليم المسلمين أمور دينهم ضمن مناهج معدة لأهداف محددة، وعلى المؤسسات الإسلامية التي نصبت نفسها للدعوة إلى الله أن تفكر في هذا الأمر، ولست أغض من بعض الدعاة والمرشدين وإقامة دورات مماثلة لإقامة الحجة وأداء المستطاع ولكني أذكر ما هو أنفع وأدوم، وأحب لعمل الله أدومه وإن قل، عدنا إلى الفندق وعاد الأخوان إلى منزليهما.
صلاة الجمعة في مسجد السلام:
стр. 9455
وفي صباح يوم الجمعة الموافق ١٠/٨/١٣٩٨هـ ذهبنا إلى مسجد السلام في شيكاغو الذي يجتمع فيه السوريون والفلسطنيون لأداء الصلوات جماعة، لا سيما يوم الجمعة ويومي الإجازة الرسمية: السبت والأحد، وهو عبارة عن قاعة واسعة نسبيا في الدور الثاني من العمارة يوجد في مؤخرتها ستارة يصلي وراءها النساء وعندما دخلنا المسجد وجدنا شيخا مصريا أزهريا يتحدث إلى الحاضرين أحاديث دينية قبل صلاة الجمعة فجلسنا نسمع حديثه وكان باللغة العربية.
وعندما حان وقت الصلاة أذن المؤذن وخطب أخونا الأزهر باللغة الإنجليزية وصلى بنا، وبعد الصلاة طلب منا أن نقدم أنفسنا للمصلين وأن نقدم لهم نصيحة فقام زميلي الدكتور بيلو وعرف الناس بنا وبمهمتنا ثم طلب الأخ الأزهري مني أن ألقي كلمة في الحاضرين، فقلت إذا أمكن أن يحصل اجتماع بعد المغرب هنا لإلقاء درس فقد يكون أفضل حتى لا يمل الناس إذ قد سمعوا درسا قبل الصلاة ثم خطبتي الجمعة والوقت وقت غداء وراحة فألح أخونا الأزهري على إلقاء نصيحة الآن فاستعنت بالله وألقيت كلمة مختصرة تضمنت تهنئة المصلين بحرصهم على أداء الواجبات والفرائض والحث على الاستمرار في ذلك والابتعاد عن المفاسد والمحرمات وأن الجنة حفت بالمكاره والنار حفت بالشهوات، وأن هذه المكاره وهذه الشهوات ماثلة في هذا البلد أكثر من بلادنا ولذلك فعلينا أن نضاعف جهودنا للتمسك بديننا في هذه الأجواء الخانقة بالنسبة للمسلم.
وبعد الفراغ من ذلك تعارفنا مع الإخوة الحاضرين وعرفنا الأخ الأزهري بنفسه واسمه أحمد زكي حماد وهو مبعوث من وزارة الأوقاف المصرية للعمل مع مسلمي شيكاغو.
وكان يعمل مع الشيخ محمد الغزالي في وزارة الأوقاف المصرية قبل ذلك، ولقد وجدنا في الأخ أحمد زكي الرجل المؤمن الصادق ذا العلم والخلق الفاضل والتحمس للدعوة إلى الله.
следующие страницы →