Полный текст (23 804 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
قال جوزيف مكيب في كتابه (مدنية العرب في الأندلس) وقد ترجمته وعلقت عليه وطبع في بغداد سنة ١٣٦٩ هـ ١٩٥٠ م وسبب ترجمتي له أني كنت في غرناطة أثناء الحرب العالمية الأخيرة لأن الفرنسين نفوني من الأراضي التي كانت تحت أيديهم وهي القسم الأكبر, والقسم الذي كان بيد الأسبانيين كان ممتدا على شاطئ البحر الأبيض لا يزيد عرضه على (٥٠ميلا) وكنت ولا أزال مصابا بداء الربو أحتاج إلى البعد عن البحر.
وكان الطلبة المغاربة الذين يدرسون في جامعة غرناطة ملتفين حولي, مترددين على زيارتي وكان الأساتذة الإسبانيون الذين يعلمونهم لا ذمة لهم ولا أمانة وذلك شأن أكثر الأساتذة في البلاد التي تنعدم فيها الحرية ويسود فيها الاستبداد, فكانوا يفترون على التاريخ ويزعمون أن المسلمين الفاتحين للأندلس من الشرقيين والمغربيين كانوا سيئ الأخلاق جهالا عتاة وكان حكمهم جائرا قاسيا, فمحوا كل خلق كريم من الشعب الإسباني وعلموه مساوئ الأخلاق فكل خلق سيء مرذول يوجد في الشعب الإسباني هو من آثار الحكام المسلمين, وكنت قد اطلعت على كتابين ألفهما في تاريخ المسلمين في إسبانيا المؤلف الإنكليزي الشهير الذائع الصيب (جوزيف مكيب) أحدهما كبير والآخر صغير فعمدت إلى الصغير فترجمته بالعربية ليكون سلاحا بيد الطلبة المغاربة وغيرهم من المسلمين يواجهون به كل عدو جاحد مكابر.
стр. 947
وهذا المؤلف عدو للأديان كلها وقد ذكرت له ترجمة واسعة في أول الكتاب إلا أن طعنه في الإسلام أقل وأخف من طعنه في النصرانية, لأن علماء شعبه الذين يرد عليهم من الإنكليزيين وسائر الأوروبيين كلهم نصارى وقد أستثقل تفاحش قوله وشتائمه للنصارى ولكني أضطر إلى نقلها إذا كانت ممزوجة مع اعترافه بفضل المسلمين وسبب هذا الاستثقال حب الإقتداء بنبينا محمد ﷺ فإنه لم يكن طعانا ولا لعانا ولا فاحشا ولا متفحشا ولما طبع هذا الكتاب ووصلت نسخ منه إلى تطوان في زمن الاستعمار الإسباني صادر الحكام الإسبانيون تلك النسخ وزجوا بالكتبي الذي كان يبيعها في السجن وليس ذلك بعيدا من أخلاقهم وقد حبسوني أنا بنفسي قبل أن ينشر الكتاب وقبل أن يعلموا بوجوده وكان ذلك تهورا منهم وطغيانا لوساوس كان شيطانهم يوسوس لهم بها ولمقالات كنت بعثتها في البريد الإنكليزي بتطوان إلى الأستاذ المجاهد الشهيد الشيخ حسن البنا رحمة الله عليه فقد اطلعوا عليها بواسطة بعض الموظفين المغاربة في البريد الإنكليزي ثم أنقذني الله منهم وأنقذ ذلك الجزء من المغرب من حكمهم ونسأله سبحانه أن ينقذ الباقي وهو (سبتة, ومليلية ووادي الذهب والصحراء المغربية والساقية الحمراء) ويوفق المغاربة لغسل هذا العار إنه على كل شيء قدير.
قال جوزيف مكيب في كتابه مدنية العرب في الأندلس:
الفصل الأول
لقد أطلقت لفظ العصور المظلمة كسائر المؤرخين في (تويليفي) هذا على أكثر عصور الممالك النصرانية انحطاطا على العموم وخصوصا القرن العاشر المسيحي تنصرت الممالك الأوروبية قبل ذلك بخمس قرون أو ستة قرون تقريبا مضت من يوم تغلب البوابي - جمع بابا - والأساقفة على إرادة الملوك وحثوهم على إبادة كل مصدر من مصادر الإلهام يخالفهم فأغلقوا المدارس والمعاهد وقضوا على العلم والأدب.
стр. 948
وإذا استثنينا بعض المواضع في أوروبا كالبندقية إذ كان فيها بقية تافهة إصطلاحية من علم اليونانيين تخفف من شرهم وهمجيتهم فإن أوروبا كلها كانت في تباب وخراب اقتصاديا واجتماعيا وعقليا وكان ذلك العهد أشد سواد وظلمة وانحطاطا من سائر العصور البابوية وفي ذلك الزمان أطلق الأساقفة والقسيسون والرهبان والراهبات الأعنة في الدعارة والشهوات البهيمية ولم يكونوا في ذلك الزمان يستترون حتى بجلباب النفاق ولو أن غنيا مليونيا من أهل هذا العصر كان في ذلك الزمان لقدر أن يشتري مملكة بأسرها وكان تسعة وتسعون في المائة خدما يعاملون بأقسى ما يعامل به العبيد ولم يكن ولا واحد في المائة من الرجال ولا واحد في الألف من النساء تقدر على القراءة وكان الضعيف مضطهدا مقهورا مسحوقا تحت الأقدام مغموسا في الطين والدم بل حتى القوي كان مهددا بالأوبئة الوافدة والسيوف اللامعة على الدوام والنجوم ذوات الأذناب في السماء وجنود العفاريت الهائلة في الهواء كذلك إن أردت أن تعرف أفكار النصرانية الاجتماعية فادرس القرن العاشر فلا زخارف أقوال الواعظين ولا كذب المعتذرين ولا الإذعان السياسي من المؤرخين يقدر أن يخفي عن ذوي الألباب عظم تبعة الكنيسة ولا سيما البابوية في ذلك الزمان الذي بلغ فيه الانحطاط إلى دركة لا نظير لها وإنه لفصل من أشد فصول البشرية شقاء وحزنا من الفصول التي استشهدت فيها الإنسانية وأنه لأفضع فصول من فصول غضب الله. حقا لقد حطم "بولوس"من ناحية و"أوكستين"من ناحية أخرى مدنية الإنسان فهل هذا الذي سمياه - بعيدين عن اتباع الهوى - (مدينة الله) .
يقصد المؤلف بهذا الكلام رجلين على يديهما انتشرت النصرانية المحرفة التي يعزو إليها المؤلف كل ما أصاب الناس من الشقاء وينبغي أن أذكر للمستمعين الكرام ترجمتي هذين الرجلين باختصار:
стр. 949
أما "بولوس"ويسميه الأوروبيون (بول الرسول) وتعده الكنيسة من الرسل الإثني عشر من أصحاب عيسى ﵇ وكان "بولس"يهوديا يونانيا ولد في "طرسوس"ولا يعرف بالتحقيق تاريخ ولادته وقد خمن المؤرخون أن يكون قد ولد سنة عشر للميلاد وكان عالما بعلوم اليهود واليونان وكان يعد من فقهاء اليهود وكان شديد العداوة لكل من آمن بالمسيح محرضا على قتلهم ولما كان في نحو الثلاثين من عمره ادعى أنه رأى رؤيا تدل على أن النصرانية حق فصار نصرانيا متعصبا وبعد ما قضى "بولوس"بقية عمره أي خمسا وثلاثين سنة في حل وترحال مطوفا في أقطار آسيا الصغرى وأوروبا في البر والبحر يدعو الناس إلى النصرانية ويخبرهم بأن الله أمره بذلك ويبني الكنائس ويؤسس الجماعات ويركب الأخطار وأعداؤه من اليهود الحاقدين عليه والنصارى الحاسدين له ينصبون له الشباك ويكيدون له المكائد وقد سجن مرارا وقتل في رومية سنة ٦٥بتاريخ النصارى وله مؤلفات كثيرة معروفة مقدسة عند النصارى.
стр. 950
وأما "أوكستين"ويسمى باللاتينية (أغسطونيوس) فقد ولد في "تاغستة"وهي بليدة من توميديا في إفريقيا غير بعيدة عن قرطجنة وهي في هذه الأيام من أعمال تونس في ١٣من تشرين الثاني سنة ٣٥٤وتوفي في ١٨ آب سنة ٤٣٠ بتاريخ النصارى وكان أبوه وثنيا وأمه نصرانية متعصبة وكان في أول أمره بعيد على التدين والصلاح ثم اشتغل بدراسة الفلسفة ولما بلغ من عمره ٢٩ سنة انتقل إلى إيطاليا فاجتمع بالعلماء ثم دخل في النصرانية بإلحاح من أمه وألف كتاب سماه (الاعترافات) ذكر فيه سيرته قبل التدين بالنصرانية وبعده ثم رجع إلى بلده "تاغستة"ثم أخذ يعظ في الكنيسة إلى أن صار أسقفا وبقي فيها ٣٥ سنة وألف تآليف كثيرة في الديانة النصرانية منها تفسير الزبور ومنها حواش على الأناجيل الأربعة وله كتابان آخران أحدهما كتاب (الاعترافات) وقد تقدم ذكره والثاني (مدينة الله) وإليه أشار "جوزيف مكيب"الذي ترجمت كتابه وسميته "مدنية العرب في الأندلس"ومقصوده بهذا الكتاب الرد على الوثانيين الذين يعبدون الأوثان والأصنام ودعوتهم إلى الدخول في مدينة الله بإيمانهم بدين النصارى الذي يقصر العبادة على ثلاث أقانيم فقط أولها الأب وثانيها الإبن وهو عيسى ﵇ وثالثها روح القدس وهو قد يظهر في بعض الأحيان على شكل حمامة أو غيرها يقول كاتب هذه المحاضرة وليت شعري ما الفرق بين عبادة الأوثان والأصنام وبين عبادة الأقانيم الثلاثة؟ صدق الله العظيم ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انْظُرْ
стр. 951
كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ سورة المائدة.
ثم قال "جوزيف مكيب"في وصف انحطاط الأوروبيين قبل فتح المسلمين الأندلس وبعده بزمن طويل:
"اعلم أن أمهات المدن الأوروبية لم توجد فيها قنوات لصرف المياه القذرة حتى بعد مضي ستمائة سنة من ذلك التاريخ أي من سنة ٧٥٦-١٣٥٦م فكانت المياه المنتنة النجسة تجري في طول شوارع باريس ولندن ويضاف إلى ذلك أنها لم تكن مبلطة أو تجتمع فيتكون منها برك حتى بعدما علمت النهضة في أوروبا عملها قرونا طوالا أما في مدن المور فكانت الشوارع مبلطة منورة قد سويت فيها مجاري المياه أحسن تسوية في أواسط القرن العاشر قال "سكوت": بعض القنوات التي كانت تحت الشوارع لصرف المياه القذرة في "بلنسية"تقدر أن تكتسح سيارة وأصغر قناة منهن تقدر أن تكتسح حمار وكانت الشوارع مجهزة أحسن تجهيز بالشرطة وهذا النظام الصحي السامي كانت تعضده النظافة العامة التي يراها الأمريكيون في هذه العصور شيئا واجبا ولكنها في ذلك الزمن كانت في نظر الأوروبيين أعجوبة من أعاجيب الرقي التام فكان في قرطبة وحدها تسعمائة حمام عام وكانت الحمامات الخاصة كثيرة في كل مكان أما في بقية بلاد أوروبا فلم يكن فيها ولا حمام واحد وكان أشراف أوروبا ورؤساء الإقطاع منهمكين في الرذائل إلى حد يحجم الإنسان عن وصفه ولم يكن لبس الكتان معروفا في أوروبا حتى أخذت (موضة) - أي طراز - لبس الكتان النظيف من المحمديين ولم تكن الزاربي أيضا تصنع هناك وكان الحشيش يغطي قصور الأمراء ومصطبات الخطابة في المدارس وكان الناس والكلاب ينجسون المحلات إلى حد يعجز عنه الوصف ولم يكن لأحد منهم منديل في جيبه وفي ذلك الوقت لم تكن الحدائق تخطر ببال أحد من أهل الممالك النصرانية ولكن في إسبانيا
стр. 952
العربية كان الناس من جميع الطبقات يبذلون الجهود والأموال في تجميل حدائقهم العطرة البهية وكانت الفسقيات تترقرق مياهها صعودا في صحون الدور والقصور والأماكن العامة ولا يزال في صحن الجامع الكبير في قرطبة حوضان كبيران جميلان من مرمر يزينان ذلك الصحن حيث كان كل مصلي يتوضأ قبل أن يدخل إلى المسجد ووصفهما "سكوت"في هذا الزمان فقال هذان الحوضان اللذان كانا من قبل متوضأ للمسلمين الغيورين من جميع الآفاق والآن يمدان بالماء سكان قرطبة النصارى ذوي المناظر القذرة والأخلاق السبعية والجهل العظيم بمزايا الشعب الطاهر العاقل المهذب الذي تنتمي إليه الذكريات الفاخرة من الفن والصناعة هذان الحوضان يشهدان شهادة مرضية بأن لا دوام للمدنية العليا وأن الإنسان دائما يميل بطبعه إلى التقهقر والرجوع إلى أحوال الهمجية ويشهدان بما لسلطة القسيسين من المقدرة على فعل الشر وأن سياستهم التي لن تجد لها تبديلا أسست على قاعدة احتقار مواهب عبيدهم العقلية وهذه العدد التي أعدها الخلفاء بفرط ذكائهم ظهر أثرها في زيادة خارقة للعادة في السكان على حين كانت جميع بلاد أوروبا لا يتضاعف سكانها إلا بعد مضي أربعة أو خمسة قرون ولم تنحصر عنايتهم الأبوية في حفظ الصحة والحياة فقط فمع كثرة النفوس المفرطة كانوا لا يرون أحد يصاب بمصيبة إلا نفسوا عنه الكرب وواسوه وهذا فيما لم يمكن اتقاؤه منها.
стр. 953
وكان يساعدهم على اتقاء النكبات اتخاذهم نظاما حسنا في استخدام البطالين في إصلاح الطرق والأشغال العامة وكان "عبد الرحمن الثاني"قد أعلن أن كل من يريد العمل يمنحه ودوائر العدل التي خلفتها محاكم التفتيش وغرف التعذيب كما أثبته المحققون كانت منزهة عن كل ريبة أو فساد وكانت المعارف والتعليم أحسن مما كانت فيه ممالك الروم ولم يكن يضاهيها إلا ما بلغه اليونانيون من المعارف العلية في أرقى أيامهم والخلفاء أنفسهم شيدوا المشافي (جمع مستشفى) ودور الأيتام كما كان يفعل ملوك اليونانيين ومنذ زال ملكهم زالت هذه المؤسسات في أوروبا وكان الأعيان والتجار لا يألون جهدا ما اقتفوا آثار الخلفاء في العمل بهدي القرآن في مثل هذه الخيرات وكان الخلفاء أنفسهم يعودون المرضى ويبحثون عن المكروبين لينفسوا كربهم والنساء اللائي كن نزلنا إلى دركة الخدم في بلاد أوروبا لكراهية القسيسين للزواج وإيثارهم العزوبة كن على خلاف ذلك عند المور مكرمات مالكات حريتهن والكرم إن لم نقل البذخ والسرف اللذان حلا محل التقشف والتعصب في دمشق انتقلا إلى الأندلس فكانا كافيين لحفظ مركز المرأة والعشرة الخشنة التي يعشر بها المسلمون المرأة كما هو مشهور عندنا لم توجد في الأندلس والنساء في القصر الملكي بقرطبة كن يساعدن الخلفاء في تدبير الأمور وكان طلب العلم مباحا لهن بكل حرية وكثير منهن كان لهن ولع شديد بالعلوم الرائجة في ذلك الزمن من فلك وفلسفة وطب وغيرها وكانت النساء يتبرقعن في خارج بيوتهن ولكنهن كن مكرمات وفي منازلهن كن مشرفات ومحترمات ولا حاجة إلى أن أتكلم في ظرف المور ولطفهم وشهامتهم لأنهم هم الذين طبعوا الشعب الإسباني طبعا لا يمحى أبدا على الاحترام الشخصي واللطف الذي لا يزال من خواصه المستميلة حتى في الصناع والفلاحين وهناك مزية أخرى يمتاز بها المور وهي التسامح الديني.
стр. 954
في أول الأمر كان هناك بلا شك شهداء يعني مقتولين لمخالفتهم الدين ولكن لا مناسبة بين ذلك وبين المذبحة التي عملها الإسبانيون أخيرا في ذرية المور.
وأما بعد استقلال المملكة العربية في الأندلس فإذا استثنينا معاملتهم لطوائف الثوار من النصارى كأهل طليطلة الذين كانوا على الدوام ينتظرون الخلاص من ناحية الشمال فقد كان أهل الأديان جميعا يعاملون بالحسنى وكانت على اليهود والنصارى فريضة مالية قليلة تخصم وكانوا يتمتعون بحماية حقوقهم فكثر عددهم وعظم بذلك الخرج الذي يؤخذ منهم.
وقد رخصوا لنصارى طليطلة في المحافظة على كنائسهم الكبرى ورخص لهم أن يبنوا عددا كثيرا من الكنائس وكانت لهم في طليطلة ست كنائس وكانوا مستمسكين بالعلاقات الودية مع جيرانهم حتى أثار فيهم القسيسون الضغينة الدينية وأما ما يخص اليهود الذين كانوا يتمتعون بعصرهم الذهبي حينئذ وارتقوا إلى أعلى درجة في العلوم ونالوا أعلى المناصب في دولة مور فسأتكلم عليه في فصل آخر.
وهذه النبذة المجملة في ذكر مدينة المور ستزداد وضوحا وتفصيلا عند الكلام على وصف حياة قرطبة وغرناطة ولا بد أن القارئ علم مما ذكرناه آنفا تفوق المدنية التي يزعمون أنها وثنية تفوقا خارقا للعادة ولا بد رأى أثرها في أوروبا المتوحشة وهذا صحيح لا يمتري فيه أحد من المؤرخين.
والمؤرخون لا يقابلون بين المور والنصارى لأنهم لو فعلوا ذلك لكانوا كالذي يقيس أهل "بوستون"- مدينة في إمريكا - بقبائل "إسكيمو"وذلك عجب عجيب.
قال "ستنلي لين بول"في شأن النصارى الذين فتحوا شمال إسبانيا كانت غزوات النصارى لعنة عظيمة على من يكون لهم فريسة وكانوا خشنا جاهلين أميين لا يقدر على القراءة إلا قليل منهم جدا ولم يكن لهم من الأخلاق إلا مثل ما لهم من المعارف يعني لم يكن لهم منها شيء وأما تعصبهم وقسوتهم فهو ما يمكن نتوقعه من الهمج البرابرة" ا-هـ.
стр. 955
ونكتفي بهذا القدر من صفة حال أهل أوروبا قبل فتح المسلمين لجنوب بلادهم وإقامة مدنية عظيمة أدهشت العالم وفتحت لأهله بابا ليخرجوا من ظلمات الهمجية والجهل إلى نور المدنية والعلم وقد اقتبس الأوروبيون من المسلمين الفاتحين المعلمين المهذبين قبسة من علومهم وآدابهم وكانت أساسا لنهضتهم ولا شك أن العلم والمدنية اللذين سبق إليهما المسلمون في الحجاز أولا حيث نزل القرآن وأشرق نور الإسلام ثم في دمشق والأندلس وبغداد ثانيا هما أعظم تقدم شهده العالم قبل نهضة الأوروبيين فالمسلمون أئمة العلم والحضارة والأخلاق لو تركوا ذلك التقدم ورجعوا إلى ما كانوا عليه قبل الإسلام لكانوا رجعيين مذمومين منتكسين خاسرين وكذلك الأوروبيون لو رجعوا من نهضتهم وتقدمهم إلى ما كانوا عليه في زمن نهضة المسلمين لكانوا رجعيين أشقياء مخذولين خاسرين ولكن الأوروبيين استمروا في نهضتهم من الوجهة المادية وقلت عنايتهم بالوجه الخلقية وقد بلغوا اليوم أوج المدنية والسعادة المادية ولا يزالون دائبين في طلب الكمال وإذا التفتوا إلى الوراء وشهدوا ما كانوا فيه من الجهل والظلمة اغتبطوا واستعاذوا بالله من ذلك العهد ولهم الحق في ذلك ولو أراد بعضهم الرجوع إلى تلك العصور المظلمة كما يسمونها هم أنفسهم لحكم عليه عقلاؤهم بالجنون وسفهوا رأيه واحتقروه وهو بذلك جدير أما المسلمون ومنهم العرب فإن معظمهم مسلمون وغير المسلمين منهم قليلون والحكم للغالب فقد أخذت علومهم ومدنيتهم في الجزر بعد ذلك المد العظيم منذ مئات السنين ولم يزالوا يرجعون إلى الوراء وينحطون من عليائهم حتى بلغوا أسفل سافلين وكانوا بالنسبة للأوروبيين كدلوين اختلفا صعودا وهبوطا فكلما تقدم الأوروبيون في العلم والمدنية اللذين اقتبسوها من المسلمين ازداد المسلمون توغلا وهبوطا في الجهل والتأخر اللذين اقتبسوهما من الأوروبيين ولا شك أن استمرارهم في هذه الحال لا يزيدهم إلا خبالا فماذا ينبغي لهم
стр. 956
أن يعلموا لاستعادة علمهم ونورهم ومجدهم؟ أيعودون إلى جهاليتهم الأولى يطلبون منها الخلاص ولا خلاص فيها؟ أم يعودون إلى جاهلية الأوربيين؟.
قال قائل لا هذا ولا هذا ولكن يقتبسون من الأوروبيين مدنيتهم الحاضرة ويعتبرون أنفسهم كأنهم خلقوا خلقا جديدا ويقطعون النظر عن الماضي خيره وشره قلنا لهم هذا تقليد ومحاكاة لا ثمرة لهما أبدا ولابد لكل بناء من أساس ولو أرادوا أن يفعلوا ذلك ما استطاعوا إليه سبيلا فإن الأوروبيين حين اقتبسوا العلم والمدنية من المسلمين لم ينسلخوا من تاريخهم وعاداتهم وعقائدهم ولو فعلوا ذلك لصاروا مسلمين وإنما أخذوا من أساتذتهم المسلمين ما كانوا في حاجة إليه حسبما بدا لهم ولم يتركوا شخصيتهم ولا جنسيتهم وبذلك بلغوا من الرقي ما هم فيه إلا أنهم أغفلوا جانبا من علوم الإسلام وهو ما يتعلق بالنفس وتزكيتها والصعود بها من دركات المادة الصماء إلى أوج السعادة الروحية.
стр. 957
وهذا الجانب الذي أغفلوه هو الذي سبب لهم ما هم فيه اليوم من الشقاء بالتخاصم والتنازع والتحاسد والتحارب وسعى كل فريق منهم إلى الاستئثار بأطايب الحياة وشهواتها وملذاتها وحرمان من سواهم من البشر وإذا كان آباؤنا قد سبقوا إلى العلم والنور والمدنية والأخلاق الفاضلة ورجعنا حن إلى اقتفاء آثارهم وإحياء علومهم لم نكن راجعين وإنما نحن متقدمون أحسن التقدم إلا إذا قلنا إن العلوم المدنية والحضارة قد وقفت في الحد الذي وصل إليه أسلافنا فيجب أن نقف عندما وصلوا إليه ولا نقتبس شيئا جديدا نافعا أبدا وحينئذ نكون جامدين ولا نستحق الحياة فبعض الكتاب من المسلمين المتهورين الذين لا يَزِنُونَ أفكارهم بل يهرفون بما لا يعرفون إذا سمعوا الأوروبيين يستنكرون عصورهم المظلمة ويسمونها رجعية ويستعذون بالله منها يقلدونهم في أقوالهم كالببغاءات ويحاكونهم في أفعالهم كالقردة ولا يعلمون الفرق بين ماضينا وماضيهم فإن ماضيهم كما قال علماؤهم ظلمات مدلهمة لا نور فيها أما نحن فبالعكس ماضينا علم ونور وحضارة مزدهرة وقوة وعز وسعادة فرجوعنا إليه هو عين التقدم ولا يتنافى ذلك مع اقتباس ما جد من العلوم والأعمال النافعة.
والحكمة ضالة المؤمن أما حاضرنا فهو كماضيهم ظلمات بعضها فوق بعض ولنا مثال آخر مع فرق سننبه عليه وهو الشعب الياباني فإنه اقتبس الحضارة الأوروبية وبلغ فيها شأوى يفوق أساتذته أو فاقهم مع المحافظة على مقوماته ومعنوياته ولا يتنازل عن شيء منها فماذا نقول في هذا الشعب أهو تقدمي أم رجعي؟ لا يستطيع أحد أن يقول هو رجعي فإنه في طليعة الشعوب المتقدمة وقد أصيب بهزيمة عظيمة في الحرب العالمية الأخيرة فلم تقضي عليه ولم توقف تقدمه ولا يزال هذا الشعب يقدس ملكه ويعتقد أنه ابن الشمس ويقوم بخدمته بطقوس لا تعقل ولم يضره ذلك ولا نقص تقدمه لأنه لا يخطو خطوة في طلب التقدم إلا بعقل ووعي ولا يحب التقليد أبدا.
стр. 958
لما كنت مقيما في برلين كنت أتردد على مطعم صيني أحيانا وكنت أراه مع اختلاف أطعمته عن المطاعم الجرمانية يشابهها في التأنق والزخرفة ويؤمه دائما الأغنياء من الأوروبيين الذين عاشوا مدة في الشرق وألفوا أطعمته بنسائهم وبناتهم وأولادهم وكثير منهم كانوا يأكلون الرز بالعيدان كعادة الصينيين إلا أنهم يشربون الحساء بدون صوت سواء منهم الشرقيون والغربيون كعادة الأوروبيين فإنهم يستنكرون الشرب بصوت وكان في ذلك الوقت في برلين ثلاثة مطاعم صينية وسمعت بمطعم ياباني فذهبت إليه لأوازن بينه وبين المطاعم الصينية فلم أر فيه شيئا من التأنق وكان صغيرا رأيت فيه نحو خمسة وعشرين آكلا كلهم رجال يابانيون ولا يوجد فيه إلا امرأتان اثنتان عجوز في المطبخ وأخرى توزع الطعام والذي استرعى نظري فيه وتعجبت منه هو شرب الحساء بأصوات منكرة تتجاوب أصداؤها فقلت في نفسي هؤلاء اليابانيون كلهم يقيمون في بلاد الجرمانية ويعرفون عادات الجرمانيين حق المعرفة وأنهم يستقبحون الشرب بصوت فقد رغبوا عن عاداتهم وتباروا في الشرب بأصوات عالية فما مقصودهم بذلك؟ أظن أن مقصودهم بذلك الاعتزاز بعادتهم مهما كانت لأنهم لم يسافروا إلى أوروبا بقصد تعلم آداب الأكل وأدب الشرب وأدب الرقص وأدب الغناء وما أشبه ذلك لأنهم يرون آدابهم أكمل الآداب ولا يبغون بها بديلا ولكنهم جاءوا لأغراض لا يمكن أن تحصل في بلادهم وفي ذلك عبرة للمقلدين.
стр. 959
هذا اليابانيون وثنيون يعبدون غير الله وهو نقص كبير في معنوياتهم وإهمال لتزكية أنفسهم وتوجيهها لما خلقت له ولما يرفعها ويسمو بها إلى الملأ الأعلى ويبلغ بها أعلى مراتب الكمال الإنساني ولكنهم لما تجنبوا التقليد في اقتباسهم علوم الأوروبيين وأخذوا منهم العلم على بصيرة واستقلال وبعقل وروية كما فعل الأوروبيون مع المسلمين أدركوا الثمرة نفسها التي أدركها الأوروبيين وهي السعادة المادية المنغصة بسبب إهمال النفس ولو أن اليابانيين هموا بالرجوع إلى ما كانوا عليه قبل مائة عام لكانوا سفهاء رجعيين ولزيادة الإيضاح أقول كيف كان العرب وسائر الشعوب التي أسلمت وحسن إسلامها قبل الإسلام وكيف صاروا بعد الإسلام؟.
стр. 960
الجواب أنهم كانوا قبل الإسلام من الوجهة الخلقية في أسفل الدركات يقتلون أولادهم من الفقر أو خوف الفقر والمراد من قتلهم من الفقر أن يكونوا فقراء فيقتلون من يولد لهم لعجزهم عن إعاشته بالتغذية وسائر ما يحتاج إليه والمراد بقتلهم خوف الإملاق أن يقتلوا الولد مخافة أن تفضي بهم حياته إلى الفقر في المستقبل ولذلك جاء في القرآن الكريم في سورة الأنعام١٥١ ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ﴾ وفي سورة الإسراء ٣١ ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ وكانوا يئدون بناتهم أي يدفنونهم حيات وكانوا يعبدون التماثيل من الحجارة كما يعبدها كثير من البشر في هذا الزمان وكانوا يعتقدون أن الملائكة بنات الله وكانوا يستقسمون بالأزلام يضعون عيدانا في كيس قد كتب على بعضها أمرني ربي أن أفعل وعلى بعضها نهاني ربي أن أفعل وبعضها غفل لا كتابة عليه فيدخل الواحد منهم يده فإذا صادفت العود الذي فيه الأمر أقدم على عمله وإذا صادفت العود الذي فيه النهي أحجم عن عمله وإذا صادفت العود المهمل أعاد الاستقسام وكانوا يتيمنون ويتشاءمون بالطير يزجرون الطائر فإن طار إلى اليمين استبشروا وإن طار إلى الشمال تطيروا وخافوا.
стр. 961
وكانوا يخافون من الجن ويعوذون برؤسائهم أي يطلبوا الحماية منهم وكانوا يأكلون الميتة والدم ولا يورثون امرأة ولا صبيا بل كانوا يرثون النساء أنفسهن باعتبارهن أموالا وكان بعضهم يقتل بعضا على أتفه الأمور ويضيعون أموالهم في القمار والمنافرة وهي أن يتنافر اثنان للتفاخر فيعقر هذا بعيرا من إبله وينحر ويعقر الآخر مثله حتى تفنى إبل كل منهما وكانوا أشتاتا كل قبيلة لوحدها لا كلمة تجمعهم ولا عقيدة ولا دين ولا شريعة وكانوا أذلاء سكان القسم الشرقي تحت حكم الفرس وسكان القسم الغربي تحت حكم اليونان وسكان وسط الجزيرة كانوا فوضى ولم يحفظ التاريخ لوسط الجزيرة وغربها وشرقها حضارة تذكر أما أهل الجنوب فقد كانت لهم حضارة قضى عليها جيرانهم من الحبشة وأهل فارس فكيف صارت حالهم بعد الإسلام؟.
كل أهل العلم يعلمون أنهم صاروا أسعد الناس صاروا أئمة أهل الدنيا في الدين والدنيا وصاروا حكام العلم وقد رأيتم في هذا المقال شهادة العلماء الأوروبيين المنصفين لطائفة منهم وهذا أمر واضح لا يحتاج إلى إقامة دليل فهل الاعتزاز بهذا المجد والبناء عليه والتمسك به يعد رجعية؟ إن كان الأمر كذلك عند هؤلاء السفهاء فحيا الله الرجعية وحي عليها وأهلا وسهلا بها ألا ساء ما يحكمون.
ويقال لهؤلاء التقدميين المخدوعين أين تذهبون؟ أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير؟ اهبطوا فقرا وذلة وشتاتا وجهلا وحزنا وشقاء فإن لكم ما سألتم وستضرب عليكم الذلة والمسكنة وتبوءون بغضب من الله زيادة على ما أنتم عليه ذلكم بأنكم تقتلون المصلين في المساجد وتشردون علماء الإسلام المصلحين فريقا حبستم وفريقا تقتلون والله عزيز ذو انتقام.
وما ظالم إلا سيبلى بأظلم
وما من يد إلا يد الله فوقها
الرجعية والتقدم في نظر الإسلام:
стр. 962
تقدم أن العقل الصحيح يرى التقدم في العلم والعدل وسائر الأخلاق الكريمة فكل أمة اتصفت بالعلم والأخلاق فهي متقدمة وإن كان قبل مليون سنة وكل أمة اتصفت بالجهل ومساوئ الأخلاق فهي متأخرة ساقطة مذمومة ملعونة وإن كانت ستجيء بعد خمسمائة سنة والإسلام دين العقل يوافق هذا ولا يخالفه أبدا فلا عبرة بالزمان ولا بالمكان قال الله تعالى في سورة النساء ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً﴾ .
تتمة التقدم والرجعية
قال الحافظ بن كثير: روى العوفي عن ابن عباس أنه قال: في هذه الآية تخاصم أهل الأديان فقال أهل التوراة: كتابنا خير الكتب ونبينا خير الأنبياء، وقال أهل الإنجيل مثل ذلك، وقال أهل الإسلام لا دين إلا الإسلام وكتابنا ينسخ كل كتاب ونبينا خاتم النبيين وأمرتم وأمرنا أن نؤمن بكتابكم ونعمل بكتابنا، فقضى الله بينهم وقال: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ وخير بين الأديان فقال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِن﴾ إلى قوله: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ .
стр. 963
وقد تبين لك أن الإسلام الصحيح الذي لم تخالطه العصبية والعقائد الخرافية يبني التقدم كله - روحيا كان أم ماديا - على أساس العمل النافع والاعتقاد الصحيح وإذا سمعت القرآن يقول: ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً﴾ ويقول: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً﴾ .
ومثل ذلك فيه كثير فإنه لا يريد البتة أن تكون أمة متمسكة بالإسلام شقية في هذه الدنيا محرومة من جميع حقوقها مدوسة تحت الأقدام مخذولة في جميع تصرفاتها مهزومة في جميع حروبها مكبلة مخذولة خاضعة ذليلة تتكفف غيرها من الأمم طول حياتها ثم هي في الدار الآخرة سعيدة عالية الدرجة عند الله وافرة الحظ في دار الكرامة تدخل الجنة وتسعد برضوان الله فإن ذلك وهم وخيال قال تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ قال القاسمي في تفسيره:
стр. 964
"ومن كان في هذه الحياة الدنيا أعمى عن الإهتداء إلى الحق فهو في الآخرة أعمى لا يرى طريق النجاة وأضل سبيله في الدنيا لأن له في هذه الحياة آلات وأدوات وأسبابا يمكنه الإهتداء بها وهو في مكان الكسب باقي الاستعداد ولم يبق هناك شيء من ذلك. قيل الأعمى حقيقة فيمن لا يدرك المبصرات لفساد حاسته ومجاز في أعمى البصيرة وهو عدم الإهتداء إلى طريق النجاة وقيل حقيقة فيهما فالأمة العمياء التي لا تبصر طريق النجاة والسعادة في الدنيا مع إمكان رؤيتها بالعقل الذي أعطيته وبإرشاد الله لها بالآيات البينات التي تدلها وتهديها طريق السعادة وتحذرها من طريق الشقاء فهي في الآخرة التي لا تملك وسائل للتوبة والتبصر والرجوع إلى الحق أشد عمى وأضل سبيلا لأنها في دار الجزاء وكانت من قبل في دار العمل فلم تزرع شيئا نافعا يمكنها أن تحصده في آخرتها وإنما زرعت أسباب الشقاء والشر فهي في الآخرة تحصد الندامة وبعبارة أخرى قد وعدها الله السعادة في الداريين إن أطاعته وعملت ما أمرت به وتركت ما نهيت عنه واتبعت رضوانه وأوعدها بالشقاء في الدارين إن عصت أمره وفعلت ما نهاها عنه واتبعت ما أسخطه والواقع في هذا الزمن أنها عصت الله وارتكبت ما نهيت عنه وعميت عن أسباب النجاة مع وضوحها فعاقبها الله في هذه الدنيا بالحرمان والخذلان والذلة والهوان وسيعاقبها في الآخرة عقابا أشد وستكون في الآخرة أشد أعمى وأبعد عن النجاة كما قال الله تعالى في سورة الرعد: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ . وقال تعالى في سورة الطلاق: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُكْراً فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فَاتَّقُوا اللَّهَ
стр. 965
يَا أُولِي الأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رسولا يتلوا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً﴾ .
المراد بالقرية هنا الأمة قال الحافظ بن كثير: "يقول تعالى متوعدا لمن خالف أمره وكذب رسله وسلك غير ما شرع مخبرا عما حل بالأمم السالفة بسبب ذلك فقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِه﴾ .أي تمردت وطغت واستكبرت عن اتباع أمر الله ومتابعة رسله ﴿فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُكْراً﴾ . أي منكرا فظيعا ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا﴾ . أي غب مخالفتها وندموا حيث لا ينفع الندم ﴿وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً﴾ . أي أعد لهم عذابا شديدا أي في الدار الآخرة مع ما عجل لهم من العذاب في الدنيا.
стр. 966
ثم قال تعالى بعد ما قص من خبر هؤلاء: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الأَلْبَاب﴾ . أي الأفاهام المستقيمة لا تكونوا مثلهم فيصيبكم ما أصابهم ﴿يَا أُولِي الأَلْبَاب﴾ ، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ . أي صدقوا بالله ورسله قد أنزل إليكم ذكرا يعني القرآن كقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ . وقوله تعالى: ﴿رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ﴾ قال بعضهم: ﴿رَسُولاً﴾ منصوب على أنه بدل اشتمال وملابسة لأن الرسول هو الذي بلغ الذكر، وقال بن جرير: الصواب أن الرسول ترجمة عن الذكر يعني تفسيرا له ولهذا قال: ﴿رسولا يتلو عليكم آيات الله مبينات﴾ أي في حال كونها بيِّنة واضحة جلية ﴿لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ كقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ .وقال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ . أي من ظلمات الكفر والجهل إلى نور الإيمان والعلم.
وقد سمَّى الله تعالى الوحي الذي أنزله نورا لما يحصل به من الهدى كما سماه روحا لما يحصل به من حياة القلوب فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً﴾ . قد تقدم تفسير مثل هذا غير مرة بما أغنى عن إعادته هاهنا ولله الحمد والمنة.
стр. 967
وقال تعالى في سورة النحل: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . فأنت ترى أن الله تعالى وعد الذين يعملون الصالحات ويتمسكون بالإيمان أن يحيهم حياة طيبة في الدنيا ويجزيهم جزاء حسنا في الآخرة فإذا أحياهم حياة سيئة بالشقاء والحرمان فذلك دليل قاطع على أنهم عملوا السيئات وأن الله سيعذبهم أكثر مما عذبهم في الدنيا إذا عرف المسلمون ومنهم العرب هذه الحقيقة وجب عليهم أن يكونوا على يقين أن كل حركاتهم في هذه الأزمنة الأخيرة لا يزيدهم إلا خبالا ولا تكون عليهم إلا وبالا فيجب عليهم أن يبحثوا عن طريق جديد وجهة جديدة ولن يجدوها إلا في الرجوع إلى القرآن وقد تحديناهم نحن وأساتذتنا مئة سنة أن يجدوا سبيلا أخرى للخلاص فلم يجدها ولن يجدوها أبدا.
ومن ذلك تعلم علم اليقين أن السفهاء الذين يسمون الرجوع إلى القرآن والتمسك بالإسلام رجعية. هم شر رجعيين في العالم ولا تجد لرجعيتهم نظرا بين الرجعيات في هذه الدنيا وإذا تجرؤا وزعموا أنهم تقدميون فإن جميع أهل الأرض يلعنونهم ويسخرون منهم وذلتهم وفقرهم وجهلهم وحقارتهم شهودا عدول على كذبهم، أضف إلى ذلك طيشهم واستبدادهم وفقدان العدل والمساواة بينهم وإنهم فوضى يخبطون خبط عشواء في ليلة ظلماء، لا استقرار عندهم ولا أمن يثور بعضهم على بعض ويفني بعضهم بعضا كل ثائر يريد أن ينعم بالاستبداد والطغيان ولو مدة قصيرة ومع ذلك يمدحون الثورة ويجعلونها من القواعد المرغوب فيها لذاتها وإن لم يترتب إلا زيادة الشقاء والشتات والدموع والدماء لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون.
مقصود الأوروبيين والنصارى بالرجعية:
стр. 968
يرى الأوربيون النصارى أن التمسك بالأساليب التي أكل عليها الدهر وشرب وأقام الدليل على أنها خطأ رجعية مذمومة محالفة للشقاء الذي يزول حتى تزول تلك الأساليب، فمن ذلك الاستمرار على الجهر بما ينفع الناس في دينهم وأخلاقهم ومعاشهم وأرزاقهم، ومن ذلك التعصب للعقائد والأنظمة، فكل أمة تكون متفرقة فرقا عديدة لكل فرقة عقيدتها وكل فرقة تبغض من يخالفها في العقيدة من مواطنيها بغضا يحملها على عداوتهم والكيد لهم وآذاهم فهي فرقة رجعية، وإن كانت فرق الأمة كلها كذلك فالأمة كلها رجعية بعيدة عن التقدم والسير في طريق الفلاح لأنه ثبت بالبرهان القاطع عندهم أن الأمة لا تستطيع التعاون على ما فيه خيرها وسعادتها إلا إذا نبذت التعصب وساد فيها التسامح بين الفرق.
ومن ذلك التعصب للنظام كالجمهورية والملكية مثلا فكل شعب يتعصب لنظامه ويبغض كل من خالفه ولا يكفيه ذلك حتى يعاديه ويكيد له ولا يتعاون معه ولا يتبادل معه المصالح فهو شعب رجعي مذموم عندهم ولذلك تجد الشعوب المتقدمة الملكية كبريطانيا والدانمارك والسويد والنرويج وبلجيكا ولوكسمبورج وهولندا لا تبغض الدول الجمهورية لكونها جمهورية كالولايات المتحدة الأمريكية أو فرنسة أو سويسرة وجرمانية وإيطالية بل تتواد معها وتتعاون معها وتتبادل معها المصالح وكل فريق يترك للفريق الآخر الحرية فيما اختره لنفسه، ومن الأمثلة العجيبة في ذلك أن إيرلندة المستقلة اختارت النظام الجمهوري وخرجت على أمتها البريطانية، وكلهم يسكنون بلادا متصلة وينتسبون نسبا واحدا ولوشاءت بريطانية أن تتعصب وتكيد لإيرلندة كما يفعل الرجعيون لسحقتها في يوم واحد وأجبرتها على الانضمام لها ولكنهما تعيشان في سلام.
стр. 969
ومن ذلك التعصب للأساليب القديمة في الفلاحة والملاحة والصناعات، فلو وجد شعب يحرث على الدواب وعرضت عليه الجرارات العصرية فمنعه التعصب من قبولها لكان رجعيا مذموما محروما، ولو وجدت قرية تستضيء بالقناديل والزيت والفتل وعرضت عليها الكهرباء فرفضتها لكان أهلها رجعيين مذمومين.
وهكذا يقال في قرية يطحن أهلها بالأيدي فعرضت عليهم طاحونة بالكهرباء فرفضوها، وفي قوم يسافرون في البحر بسفن شراعية فعرضت عليهم البواخر التي تمخر البحار كأنها الأعلام وقس على ذلك فهذا هو الفرق بين الرجعية والتقدم عند نصارى أوروبا.
أما دراسة الدين في الجامعات وتخصيص كل جامعة عظيمة كلية عظيمة محترمة مكرمة لتعلم اللاهوت (ثيولوجي) وإقامة الصلوات في كنيسة الكلية وإيجاد أعمال دينية محترمة لهم في شعبهم وامتلاء الكنائس يوم الأحد بالمصلين والمصليات من التلاميذ والطلبة والأساتذة وعامة الشعب وحضور أساتذة الجامعة ومشاركتهم في الصلوات والاحتفال بتخرج عدد كبير من الأطباء كل سنة في تلك الكليات، وتبرع بملاين من الدولارات والجنيه لنشر النصرانية خارج أوروبا وأمريكا وبناء المستشفيات والمدارس والكنائس والإرساليات في آسيا وإفريقيا فلا يعدون شيئا من ذلك رجعية، ومن ذلك الحكم الاستبدادي الذي لا يستند إلى انتخاب ولا برلمان ولا مجلس شيوخ فإنهم يعدونه رجعية ولذلك ترى أكثر دول أوروبا وأمريكا تبغض نظام الحكم في إسبانيا وتشمئز منه، على أنهم ليسوا سالمين من التعصب الديني وإن كانوا يذمونه وقد عاشرتهم وخبرتهم فرأيت فيهم من التعصب الديني أشد التعصب حتى فيما بينهم كالبرتستانين والكاثوليكين وفيهم من يبغض الإسلام بلا سبب تعصبا للنصرانية، ولي على ذلك أدلة لو ذكرتها لطال الكلام.
(البقية في العدد القادم)
مثل قرآني
стр. 970
﴿ ... أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأََمْثَالَ﴾ .
الرعد /١٩
فدائيون
كان كعب بن الأشرف رجلا من طي وأمه من بني النفير وهو من زعماء اليهود بالمدينة آذى المسلمين وشبَّب بنسائهم وحاك المؤامرات لحربهم والقضاء عليهم، حتى قال رسول الله ﷺ : "اللهم اكفيني ابن الأشرف بما شئت"ثم قال: "من لي بابن الأشرف فقد آذاني"، فقال محمد بن مسلمة ﵁: "أنا لك به يا رسول الله". وفي ليلة الرابع عشر من ربيع الأول من السنة الثالثة من الهجرة توجهت السرية بقيادته واشتراك أبي نائلة سلكان بن سلامة وعباد بن بشر إلى قلعة بن الأشرف في ديار بني النضير حسب اتفاق سابق معه على رهن بعض السلاح عنده مقابل كمية من الطعام وكان قد طالبهم عدو الله برهن نسائهم وأبنائهم فرفضوا.
وعند القلعة استنزلوه إلى شعب العجوز (ويقع في غرب منها) وقتلوه فصاح صيحة سمعها أهل الحصون المجاورة من اليهود فأوقدوا المشاعل ليكشفوا عن العملية دون جدوى، ورجعت السرية من ديار بني أمية وحرة العريض ولما بلغوا بقيع الغرقد كبروا فسمع رسول الله ﷺ تكبيرهم وعرف أنهم قتلوا عدو الله فلما انتهوا إليه قال: "أفلحت الوجوه". قالوا: "ووجهك يا رسول الله". ورموا برأس كعب بين يديه.
ابن إسحاق| طبقات بن سعد |نهاية الأدب باختصار
стр. 971
الغزو الفكري
بقلم الشيخ ممدوح فخري
المدرس بكلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة الإسلامية
لقد كان سقوط الخلافة الإسلامية وزوال الدولة العثمانية من أكبر الكوارث التي تعرض لها المسلمون في العصر الحديث وذلك أن هذه الدولة كانت تمثل المظهر الأخير من مظاهر قوة المسلمين وسيادتهم، وقد تضافر لذلك السقوط أسباب عديدة وعوامل شتى منها ما هو خارجي ومنها ما هو داخلي ومنها ما هو ذاتي، ولسنا بصدد تعداد هذه العوامل أو مناقشتها ولكنا نركز على عاملين مهمين منها كان لهما الدور الأكبر في انهيار الخلافة والنصيب الأوفر من تركتها وهما الكيد اليهودي من الداخل والغزو الصليبي من الخارج. أجل لقد التقى الدس اليهودي مع المكر الصليبي على تحطيم القوة السياسية والعسكرية للمسلمين والتي كانت متمثلة في الدولة العثمانية. ونحن نستدرك قبل كل شيء ونقول:
стр. 972
إن الخلافة العثمانية لم تكن خلافة راشدة بل لها عيوبها الكثير ولكن مع ذلك فإن إصلاح الخلافة خير من إسقاطها. وعلى أية حال فقد زالت الخلافة واختفى هذا المنصب من حياة المسلمين للمرة الأولى، وزال بذلك رأس هذه الأمة عن جسدها وبقيت بعده جثة هامدة لا تبدي حراكا وهان بالتالي على الكلاب أن تنهشها وعلى الأفاعي أن تنفث سمومها فيها. ولقد كان دور اليهود في هذا الصراع دور دابة الأرض التي أكلت منسأة سليمان وذلك باندساسهم في مراكز الدولة الحساسة بواسطة منظماتهم السرية وخلاياهم الماسونية ففتوا في عضدها ونخروا في عودها إلى أن أقوت، فلما جوبهت بعد ذلك بالغزو الصليبي لم تلبث أن انهارت وخرت. وفرح المجرمون يومئذ بنصرهم وفازوا بأمنية من أعز أمانيهم ألا وهو قطع الخيط الذي كان ينتظم المسلمين على اختلاف أجناسهم وألوانهم كما ينتظم الخيط حبات العقد وألسنتهم كما ينتظم الخيط حبات العقد ألا وهو خيط الخلافة المنسوج من روح الإيمان والأخوة الإسلامية. وبانقطاع ذلك الخيط تناثرت فرائد العقد وانتهبتها اللصوص وبترت أوصال الأمة الواحدة فأصبحت أمما، وقسمت أجزاء الوطن الواحد فأصبح أوطانا وتقاسيم القتلة تركة المقتول. وكان هذا كما قلنا من أكبر الكوارث التي ألمت بالمسلمين وذلك لما ترتب عليه من آثار بعيدة المدى كما سنرى شيئا منه في هذه الكلمة. وأما التخطيط والإحكام اللذين عمل على أساسهما أعداء الإسلام بعد هدم الخلافة فقد أعظم خطرا مما قبله وذلك ما أن دالت دولة الإسلام وزالت شوكته حتى سارع الأعداء إلى الأخذ بالأسباب البعيدة التي تحول دون عودة الإسلام إلى الحياة من جديد، هذا الدين العملاق الذي كان ظهوره خطر على الكافرين على اختلاف أنواعهم والذي أجلاهم عن الجزيرة العربية كلها واستخلص من أيديهم أجزاء شاسعة من آسيا وإفريقيا واقتحم عليهم ديارهم في أوروبا وراحت خيوله تنطلق برسالة التوحيد من المحيط إلى المحيط في فترة لا تزيد
стр. 973
على ربع قرن.
أجل لقد سارع أعداء هذا الدين إلى الأخذ بجميع الأسباب التي تبقيه صريعا وتضمن لهم السيطرة الدائمة على المسلمين وعلى بلادهم، ووضعوا لذلك مخططا رهيبا وسهروا على تنفيذه بدقة وإحكام إلى أن أتى جميع الثمار المرجوة منه. وسنحاول في هذه العجالة أن نلم بأبرز خطوط تلك المؤامرة الرهيبة التي استهدفت وجود المسلمين باعتبارهم أمة وأرضا وحضارة.
أولا: فكرة فصل الدين عن الدولة:
وهذا يعني باختصار إقصاء الدين عن الحياة والحيلولة بينه وبين أداء مهمته التي جاء لأجلها وسجنه في المعابد والأديرة والكهوف مع منعه من التدخل في شؤون الحكم والسياسة والاقتصاد والتعليم وسائر مرافق الحياة الحية وتفويض كل ذلك إلى مردة من الطواغيت الذين يتألهون على العباد ويستكبرون في الأرض ويسعون فيها فسادا ويستذلون الرقاب ويقيمون للناس شريعة الهوى والشيطان بدلا من شريعة الرحمن وهداية القرآن وينصبون من أنفسهم سدنة للدين الجديد الذي أتوا به. وقد كانت هذه الفكرة من أخطر ما جلبه الغزو الفكري إلى بلاد المسلمين فقد جاء الغزاة إلى الشرق المسلم وهم حديثو عهد بالتحرير من الطغيان البابوي الذي رزحوا تحت نيره زمنا طويلا وعانوا منه ما عانوا باسم الدين، واستطاعوا بعد صراع مرير إقصاء البابا ودينه من حياتهم ثم انطلقوا في الأرض وهم يحملون فكرة فصل الدين عن الدولة بمعنى أن الدولة سلوكها كله وفي جميع شؤونها الخاصة والعامة لا تسترشد بمبادئ الدين ومعتقداته ورجال الحكم والسياسة أحرار في تصرفاتهم بغير وازع أو رقيب من الدين والدين بحد ذاته لا يعدو أن يكون علاقة خاصة بين العبد وربه. وجاءوا إلى الشرق مزودين بهذه الفكرة ليجدوا في الشرق دينا عظيما يلبي جميع حاجات الإنسان في حياته الخاصة والعامة وينظم علاقته بربه وعلاقته بأخيه الإنسان. فكان هذا الدين بشموله وواقعيته وتكامل نظرته إلى الوجود أعظم عدو جابهوه لذلك
стр. 974
ولتستقر أقدامهم في أرض الإسلام لا بد من الحيلولة بين الإسلام والحياة وذلك بتشويه فكرة أبنائه عنه ومسخ مفهوم الدين في نفوس المسلمين وجعله رهبانية سجين الصوامع. وقد أشار إلى هذا المعنى رئيس وزراء بريطانيا (غلاديستون) في مجلس العموم البريطاني حيث قال وهو يشير إلى القرآن الكريم: "لا قرار لكم في مصر ما دام هذا الكتاب في أيدي المصريين". وفعلا نجحت مخططاتهم واستطاعوا أن يزيحوا الإسلام تلك العقبة العظيمة عن طريقهم وذلك بإيجاد أجيال من المسلمين يؤمنون كما أراد لهم أسيادهم بضرورة فصل الدين عن الدولة، ويطلقون بين الحين والآخر تلك الكلمة الخبيثة: "الدين لله والوطن للجميع"، والواقع أن الدين لله والوطن لله والكون كله لله فلا يجوز أن يكون فيه ما لا يرضي الله وهكذا أصبح أبناء المسلمين عونا على دينهم مع أعدائهم وحملوا عن الأعداء عبئا كبيرا في محاربة الدين حتى يتفرغ الأعداء للإفساد في مجالات أخر.
فكرة القوميات والعصبيات الجاهلية:
стр. 975
لقد أدرك أعداء الإسلام بأن قوة المسلمين تكمن في هذا الدين وفي اجتماعهم حول مبادئ هذا الدين وتمسكهم برابطة الأخوة الإسلامية التي تنتظمهم على اختلاف أجناسهم وألوانهم ولذلك كان لابد من فصم عُرى هذه الأخوة التي تشد المسلم إلى أخيه وتكون منهم قوة رهيبة يحسب لها الأعداء ألف حساب على ما جاء في الحديث الشريف "مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر". وكانت فكرة القوميات هي البديل الجديد للأخوة الإسلامية، فانطلق أعداء الإسلام مع أُجَرَائِهم لإحياء العصبيات النتنة من قبورها وجمع رفاتها وبعث الحياة فيها من جديد بعد أن أماتها الإسلام من قرون. واستطاعوا أن يذكِّروا الناس بماضيهم الذي كانوا عليه قبل الإسلام وعملوا على بعث الحضارات الجاهلية البائدة وإحياء مظاهرها وتعظيم تلك المظاهر وعرضها عرضا مغريا يوحي بأصالتها وعراقتها، ونفخوا في الناس روح التقديس لتلك الرسوم البالية فانتسب الناس لآبائهم بدلا من الانتساب لدينهم ونسوا مفهوم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ونسوا قوله تعالى في الحديث القدسي المأثور: "جعلت نسبا وجعلتم نسبا فقلت إن أكرمكم عند الله أتقاكم وقلتم فلان بن فلان، فاليوم أرفع نسبي وأضع نسبكم". ونسوا قوله ﷺ : "الناس لآدم وآدم من تراب، لا فضل لعربي على عجمي ولا أبيض على أحمر إلا بالتقوى".
стр. 976
وهكذا وبهذه القوميات النتنة تفتت وحدة المسلمين وعادت الأمة الواحدة أمما شتى لا تربطها بأخواتها رابطة سوى الانتماء الاسمي إلى الإسلام، وفَقَدَ المسلمون بذلك أعظم سلاح في أيديهم بعد إيمانهم بالله، وهان على عدوِّهم بعد ذلك أن يفترس كل جماعة على حدة دون أن تنتصر لها الجماعة الأخرى.
فكرة الوطنية:
لا شك أن وحدة الوطن من عوامل وحدة الأمة وتماسكها ومن عناصر قوتها لذلك خطط الأعداء لتجزئة الوطن الإسلامي الواحد ولجعله أوطانا تفصل بينها الحدود والسدود المنيعة التي تحول دون التقاء الإخوة على غاية واحدة وتحت لواء واحد. وكان لهم ذلك، ووجدت دويلات وممالك وإمارات زائفة أراد لها الأعداء أن تكون فكانت. ولكن الأمر لم ينته عند التجزئة بل لا بد من التبرير والإبقاء على هذه التجزئة وذلك بربط الناس وشدهم إلى الأرض بعد أن قطعوا صلتهم بالسماء فكان لذلك هذا التغني بالأوطان وكان هذا التمجيد للأوطان وكان هذا التفاني في سبيل الأوطان، وغدا حب الوطن وسيلة لمرضاة الشيطان فالمسلم يحب وطنه ولا شك ويعتبر الدفاع عنه جزء من الدفاع عن دينه وكيانه وسيادته على أساس أن الوطن هو الأرض التي تقام عليها شعائر دينه ولا بد للدين من أرض ليستقر عليها وتطبق أحكامه ومبادئه فيها لهذا المعنى كان المسلم الذي يموت دون أرضه شهيدا وكان الدفاع عن الوطن حتما لازما. فالوطن لا يحب لذاته وإنما لأنه قد يكون وسيلة لمرضاة الله وذلك بإقامة الدين فوق أرضه، وأما إذا كان الدين غريبا في الوطن ما فالتعلق بذلك الوطن لمجرد كونه وطنا مظهر من مظاهر الوثنية والعصبية فالوطن بغير دين وثن. ولا يفهم من هذا بأن المسلم يتنازل عن وطنه بيسر وسهولة، بل يفهم منه أن المسلم لا يتمسك بوطنه إلا ليعبد الله على أرضه، وأنه يجاهد ليكون الدين كله لله في كل أرض الله في وطنه وغير وطنه.
فكرة العلمانية:
стр. 977
جاء الغزاة إلى الشرق المسلم ولما ينفضوا أيديهم بعد من ركام الكنيسة التي دمروها في أوروبا لتوهم وتحرروا بذلك من سلطان رجال الدين وأباطيلهم وأضاليلهم وخرافاتهم التي كانت تفرض عليهم باسم الدين والدين منها بريء فلما أثبتت التجارب والتقدم الفكري الهائل مناقضة آراء الكنيسة وأهوائها لحقائق العلم، وانجلى ذلك الصراع المرير بين الدين والعلم بهزيمة مروعة لدين الكنيسة صنف رواد النهضة العلمية أن الكنيسة في عداد الخرافات والخزعبلات والأوهام والأساطير التي لا تمت إلا الحقائق العلمية بصلة أخرجوها بذلك من مجال اليقينيات إلى مجال الشك والظنيات والتخيلات, وأفقدوها بذلك قداستها وجدارتها ومكانتها وهذا كله حق لا ريب فيه بالنسبة لجل آراء الكنيسة وأهواء رجالها، ولكنه بالنسبة للإسلام وهو وحده الدين الحق المحفوظ بحفظ الله باطل كله. وهذه مبادئ الإسلام جملة تثبت أمام التحدي العلمي الهائل مدى أربعة عشر قرنا ثبوتا رائعا مذهلا، بل لا يزيد التحدي والتقدم العلميان إلا رسوخا في قلوب المؤمنين به ولا تكون الكشوف العلمية إلا من جملة البراهين على عظمة هذا الدين. ولكن الغزاة وهم في غمرة انتصارهم على دين الكنيسة لم يكن لديهم استعداد للتمييز بين دين ودين, بل التهموا جملة الأديان وحاربوها جميعا، وكان على الإسلام الذي بارك العلم وأكبر العلماء وتعهد أكبر حركة علمية في التاريخ القديم ووضع أسس الحركة العلمية الحديثة, كان على الإسلام هذا أن يتحمل خرق رجال الدين لا من أبنائه أو في بلاده بل في أوروبا. ويتهم بما اتهمت به الكنيسة من محاربة العلم ومصادمة العقل. وكما أن النهضة العلمية والفكرية نشأت في أوروبا في ظلال الإلحاد فكذلك امتدت جذورها وفروعها إلى سائر البلاد وهي تحمل سمة الإلحاد والتنكر القاطع لكل ما لا يقع تحت التجربة ويخضع للحواس، ولا مجال هنا لمناقشة الملاحدة في تنكرهم لحقائق الدين الكبرى، ولكنها الإشارة إلى أن
стр. 978
الإلحاد هو السمة البارزة لحضارة اليوم وهو مظهر من أكبر مظاهر الغزو الفكري لبلادنا.
شعارات المدنية والحضارة والتقدم:
وكذلك من مظاهر الغزو الفكري لبلادنا وشبابنا التغني بالشعارات الجوفاء التي لا مدلول لها، وإطلاق الاصطلاحات الضبابية الفارغة والكلمات القاتمة الموهمة وجعل ذلك كله مبررا للتخلص من كل قديم مهما كان ذلك القديم خيرا نافعا. فكل قديم مناف للمدنية والتقدم وكل جديد هو الحضارة, وبناء على هذا المقياس فقد ترك الدين وهجرت الأخلاق ونبذت الفضائل، وتخلى الناس عن الأعراف والتقاليد الأصلية لأمتنا واستغني عن كل ذلك لأنه قديم وكل قديم ينافي المدنية والرقى، ولله در الرافعي حيث كتب على غلاف كتابه: ((تحت راية القرآن)) وهو كتاب يبحث في المعركة بين القديم والحديث: إلى الذين يريدون تجديد اللغة والدين والتاريخ والشمس والقمر. يريد الرافعي أن يقول: لا يمكن التخلص من كل قديم. وليس كل قديم ضارا بدليل أن الشمس والقمر قديمان ولا يمكن الاستغناء عنهما وغيرهما كثير جدا. فإيجاد هذا النوع من التعرض بين القديم والمدنية والرقى ودون تمييز بين الضار والنافع أصبح مفهوما مركوزا في نفوس الخاضعين للغزو الجديد كمظهر من مظاهر هذا الغزو. مع أن جميع الفضائل قديمة.
الحركة النسائية وفكرة تحرير المرأة:
стр. 979
لم يكن يخفى على الغزاة ومريديهم أمر المرأة ودورها في الهدم والتدمير لذلك أولوها اهتمامهم الزائد وعنايتهم البالغة وبحّت حناجرهم وهم ينادون بتحريرها واسودت صحفهم وهم يطالبون بحقوقها وكأن الديانات ما جاءت إلا لترشد الناس إلى ظلم المرأة وهضم حقوقها، وجاءوا هم ليرفعوا عنها هذا الحيف الذي عانت منه أجيالا طوالا. وإذا أردت أن تكون موضوعيا ومحددا في مناقشة أحدهم ترى أن خلاصة شغبهم وصراخهم وعويلهم حول هذا الأمر لا يتجاوز تجريد المرأة من دينها وخلقها ثم من حجابها وثيابها. فالظلم كله هو أن تبقى المرأة متمسكة بدينها وخلقها وعفتها وطهارتها، مسبغة عليها حجاب الصون والعفة، والعدل كله أن تتحرر من كل ذلك. وكنتيجة طبيعية لانهزام المسلمين انهزموا أيضا في هذا الميدان وحقق الغزاة انتصارا مذهلا مروعا، وجردت المرأة من حليها في الظاهر والباطن فأبدت عورتها للناس وتبرجت تبرجا أشد من تبرج الجاهلية الأولى وانطلقت في الشوارع كاسية عارية مائلة مميلة تغري الناس بزينتها وتحرضهم على الرذيلة وتدمر كل شيء بإذن أسيادها وأساتذتها من الغزاة وعملائهم. فتحطمت الأسر وهدمت البيوت وشاعت الفاحشة في الذين آمنوا وقوضت أركان المجتمع الإسلامي وسرى الانحلال والانهيار في كل جوانبه، وكان للأعداء ما أرادوا.
تلك أبرز مظاهر الغزو الفكري في نظرنا وأما أهم وسائل هذا الغزو فهي ما يلي:
стр. 980
برامج التعليم: بعد أن استقر الغزاة في بلادنا رأوا أنهم لا قرار لهم في أرضنا ما لم يتبعوا غزوهم هذا بانقلاب فكري وغزو ثقافي فإن سيوف الغزو الثقافي أمضى بكثير من سيوف الغزو العسكري ولتحقيق هذه الغاية أحدثوا انقلابا جذريا في برامج التعليم ومناهج دور العلم ووضعوا مخططا جديدا يكفل لهم إيجاد أجيال من المسلمين تدين بدينهم وتقول بقولهم وتفعل بفعلهم ولا تَمُتُّ إلى الإسلام إلا بصلة الانتماء الاسمي في الوقت الذي تتنكر فيه للإسلام في العقيدة والسلوك. وكانت المدارس التي طبقت هذه المناهج نوعين: مدارس المبشرين التي تدار بواسطة الغزاة مباشرة ومدارس تدار بواسطة أذناب الغزاة تحت ألقاب إسلامية خادعة. وآتت هذه المدارس أكلها وأنبتت نابتة من المسلمين على أعين الغزاة وتحت سمعهم وبصرهم, فكانت كما أريد لها أن تكون متنكرة لكل تراثها الفكري والروحي والحضاري مكبرة ومجلة للغازي وحضارته وتراثه ورسالته. وبعبارة أخرى كانت هذه الأجيال الجديدة هي الهجين الذي أدخل على الأمة الإسلامية وليس منها. أجيال هي غربية عن هذه الأمة وعن عقيدتها وعن حضارتها وعن فكرتها وعن نظرتها للحياة والكون والإنسان. وزيادة في إحكام الخطة وحرصا على استمرار الحرب ضد الإسلام، فقد عهد المستعمرون الغزاة إلى هذا الجيل الذي رُبِّي في محاضنهم وغذي بلبانهم وأشرب قلبه حبهم وتقديسهم عهدوا إليه بإدارة البلاد ووضعوا مقدرات المسلمين وبلادهم تحت تصرف هؤلاء فكان منهم القادة والسادة ومنهم الوزير والأمير وتسرب الغزاة إلى دماء هؤلاء وعقولهم وأفكارهم وأصبحوا يحاربون المسلمين بهم ومن خلفهم، وتكفل هؤلاء المستعمرون الجدد من أبناء البلاد بتنفيذ مخطط أسيادهم وآبائهم الروحيين والسهر على تعاليمهم وأفكارهم في بلاد المسلمين وأصبحوا وسيلة لكل شر يريد الأعداء إلحاقه بالمسلمين وبعد خروج الغزاة الظاهرين المكشوفين من أكثر بلاد المسلمين أصبح هؤلاء الغزاة المقنعون
стр. 981
والمستترون من أبناء المسلمين هم العدو الأكبر لهذه الأمة لأنهم يقومون بدور العدو بمحاربة الإسلام وزيادة ويتفننون في ذلك بما لا يستطيع العدو الظاهر أن يفعله فجميع مظاهر الغزو الفكري تتمثل فيهم وجميع وسائله في أيديهم، بل حماة ذلك الغزو وحملته وطلائعه في بلاد المسلمين وعلى أيديهم يتوالى خروج المسلمين عن دينهم وارتداد أبنائهم، وتنشأ الأجيال الجديدة التي لا تعرف الإسلام إلا تاريخا مشوها. وينفذ مخطط الأعداء بحذافيره والذين درسوا في مدارس المبشرين والمستعمرين ونشأوا على مناهجهم، يضعون للمسلمين برامج ومناهج على غرار مدارس المبشرين والمستعمرين والحلقة متصلة هكذا. وانسلاخ المسلمين عن دينهم وخروجهم عن عقيدتهم وتنكرهم لحضارتهم مستمر هكذا أيضا.
стр. 982
وسائل الإعلام: ومما يلي برامج التعليم في كونها وسيلة من أكبر وسائل الغزو الفكري أجهزة الإعلام على اختلاف أنواعها من صحافة وإذاعة وتلفزة ودور عرض (السينما) . فإن الأيدي الخبيثة الأثيمة من أعداء الإسلام قد وضعت هذه الأجهزة في أيدي ربائبها وغلمانهما وصنايعها ممن لا يقلون حربا للإسلام عن أسيادهم، وهكذا أصبحت أجهزة الإعلام في معظم بلاد المسلمين كمخدر دائم يستعمل لصد الناس عن دينهم ولا دور لها إلا تحطيم المثل والقيم والأخلاق والتحريض المستمر ليلا نهارا على الفاحشة، وعلى مخالفة الآداب، وعلى ازدراء الفضائل والخروج على كل عرف صالح تعارفه الناس. والصنم الذي تعبده أجهزة الإعلام في معظم بلاد المسلمين وتدندن حوله وتسبحه وتقدسه، هو صنم الجنس فقلما تنشر كلمة أو تعرض صورة أو تذاع أغنية إلا وهي عن الجنس وللجنس وحول الجنس، والإلحاح المستمر حول هذا الموضوع في كل وقت ومناسبة وبكل وسيلة قد سد على الناس الطرق وألجأهم إلى الانغماس فيه إلجاء فإذا تناولت مجلة فصورها وأحاديثها تنطق بالفحشاء وتتحدث عن الحب وإذا فتحت المذياع فالأغاني الماجنة المائعة تصك آذانك بالعهر المذاب وتصلي للحب، وإذا نظرت إلى الرائي (التلفزيون) فهناك الحياة الحب والحب الحياة وكل شيء عن الحب شاخص أمامك وماثل بين يديك هذه هي الحقيقة والواقع بالنسبة لمعظم بلاد المسلمين التي وقعت فريسة في أيدي المرتدين من أبنائها والذين يستوردون المبادئ والعقائد والشرائع والتعليمات من الأعداء ثم ينفذونها بدقة وأمانة.
стр. 983
تنظيم القوى الكافرة والغازية والاهتمام بمراكز القوة: حتى يستمر تيار الغزو الفكري في اجتياحه لابد من الأخذ بالأسباب التي تبقي عليه وتضمن له النمو والازدهار وذلك باحتلال مراكز القوة كالجيش والحرص على أن لا تتسرب إليه روح مؤمنة والسهر الدائم على أن يكون حارسا أمينا للأفكار الدخيلة المناقضة للإسلام أو لثمار الغزو الفكري ثم تنظيم جنود الغزو عملائه في المنظمات حزبية تعمل على أسس مدروسة ومنسقة وتغزو جميع مرافق الدولة المهمة وتضمن بذلك الإشراف المباشر على سير الغزو وتطمئن على سلامة الخطة وحسن سير العمل وتنفذ تعاليمها بطريقة منظمة دقيقة يعرف فيها كل دوره في المعركة ومسؤوليته في العمل فلا تضيع التابعات ولا تفقد المسؤوليات.
هذه باختصار أهم مظاهر الغزو الفكري ووسائله، وقد عملت هذه الوسائل مجتمعة على إيجاد جيل الردة الذي قدِّر لنا أن نشاهده. أجل لقد تضافرت جهود هذه الوسائل على اقتلاع الإسلام من قلب أبنائه وعلى قتل روح الجد والرجولة والعمل في جموع شباب هذا الجيل، الذي يشكو من تمزق في ضميره واضطراب في تفكيره وصراع في نفسه وقلق قاتل في حياته كلها. شباب هذا الجيل تربة خصبة ألقيت فيها بذرة خبيثة فكان هذا النبات النكد وكان هذا الفصام وهذا الإزدواج في الشخصية بين الآثار الإسلامية في النفس وفي البيئة وبين بريق الغزو الجديد وزخارفه ومغرياته ومعطياته للنفس والهوى والشباب.
стр. 984
إن روح الحضارة الجديدة الخبيثة قد تلوثت فطرة الشباب المسلم وطمست معلمها النظيفة وانتزعت من قلبه مثله العليا وتعشقه للتسامي وأشواقه للخلود لتعطيه الإخلاد إلى الأرض والنزوع إلى سفاسف الأمور والركون إلى الشهوات والملذات والإنكباب على مراتع الرذيلة ومباذل الأخلاق، إن هذا الأفيون الذي جاء به الغزاة والمغلف بغلاف المدنية والحضارة جرد شبابنا من كل مقوماته وبنى له معبدا ضخما هائلا في تنميقه وتزيينه أمهر المهرة من الخبراء والفنيين ألا وهو معبد الجنس ووضع في داخله صنم يعبد وهو الحب، وراح يدعو إلى الدخول في الدين الجديد بكل ما أوتي من قوة وبكل ما يملك من وسائل جبارة حتى جعل الجنس كل شيء في حياة شباب هذا الجيل، هذا الشباب الذي يعاني ظمأ روحيا وسغبا نفسيا واختلالا كبيرا في السلوك بين متطلبات روحه وجسده. وبإفساد هذا الجيل على هذه الشاكلة ووضع المخطط لإفساد الأجيال المقبلة نال العدو منا كل ما يريد. وأكبر دليل على ذلك أن هذا الشباب المنخور المهزوز المتهالك على الملذات والأسير للشهوات حينما وضعه موجهوه وأسياده في مراكز القيادة والتوجيه عبث بمقدرات البلاد والعباد وأهلك الحرث والنسل، وأهدر الكرامات وانتهك الأعراض وصادر الحريات، وكان وجوده وصمة على الإنسانية، والحيف الذي تعرضت له البلاد على أيدي هؤلاء كان أعظم مما تعرضت له أيدي الصليبين والتتار.
تلك هي أهم مظاهر الغزو الفكري ووسائله، فعلى الذين لا يزالون على إيمانهم بالإسلام وولائهم له وانتمائهم الحقيقي إليه أن ينتزعوا هذه الوسائل من أيدي الغزاة الجدد ويجردوهم بذلك من سلاحهم الذي به يدمرون ويقضوا بالتالي على مظاهر هذا الغزو قبل أن تجتاحهم فلوله.
موكب
стр. 985
لما قدم عمر بن الخطاب الشام قدم على حمار ومعه عبد الرحمن بن عوف، فتلقاهما معاوية في موكب عظيم فجاوز عمر حتى أخبر به فرجع إليه فلما قرب منه نزل إليه فأعرض عنه عمر، فجعل يمشي إلى جنبه راجلا، فقال عبد الرحمن بن عوف لعمر: "لقد اتبعت الرجل"، فأقبل عليه فقال: "يا معاوية أنت صاحب الموكب آنفا مع ما بلغني من وقوف ذوي الحاجات ببابك"، قال: "نعم يا أمير المؤمنين". قال: "ولم ذاك؟ "، قال: "لأننا في بلد لا نتمنع فيه من جواسيس العدو ولابد لهم مما يرهبهم من هيبة السلطان فإن أمرتني بذلك أقمت عليه وإن نهيتني عنه انتهيت". فقال: "لئن كان الذي تقول حقا إنه رأي أريب وإن كان باطلا فإنه خدعة أديب وما آمرك به ولا أنهاك عنه". فقال عبد الرحمن بن عوف: لحسن ما صدر هذا الفتى عما أوردته فيه". فقال: "لحسن موارده جشمناه". العقد الفريد/ ح١
следующие страницы →