← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

والمستترون من أبناء المسلمين هم العدو الأكبر لهذه الأمة لأنهم يقومون بدور العدو بمحاربة الإسلام وزيادة ويتفننون في ذلك بما لا يستطيع العدو الظاهر أن يفعله فجميع مظاهر الغزو الفكري تتمثل فيهم وجميع وسائله في أيديهم، بل حماة ذلك الغزو وحملته وطلائعه في بلاد المسلمين وعلى أيديهم يتوالى خروج المسلمين عن دينهم وارتداد أبنائهم، وتنشأ الأجيال الجديدة التي لا تعرف الإسلام إلا تاريخا مشوها. وينفذ مخطط الأعداء بحذافيره والذين درسوا في مدارس المبشرين والمستعمرين ونشأوا على مناهجهم، يضعون للمسلمين برامج ومناهج على غرار مدارس المبشرين والمستعمرين والحلقة متصلة هكذا. وانسلاخ المسلمين عن دينهم وخروجهم عن عقيدتهم وتنكرهم لحضارتهم مستمر هكذا أيضا.

стр. 982

وسائل الإعلام: ومما يلي برامج التعليم في كونها وسيلة من أكبر وسائل الغزو الفكري أجهزة الإعلام على اختلاف أنواعها من صحافة وإذاعة وتلفزة ودور عرض (السينما) . فإن الأيدي الخبيثة الأثيمة من أعداء الإسلام قد وضعت هذه الأجهزة في أيدي ربائبها وغلمانهما وصنايعها ممن لا يقلون حربا للإسلام عن أسيادهم، وهكذا أصبحت أجهزة الإعلام في معظم بلاد المسلمين كمخدر دائم يستعمل لصد الناس عن دينهم ولا دور لها إلا تحطيم المثل والقيم والأخلاق والتحريض المستمر ليلا نهارا على الفاحشة، وعلى مخالفة الآداب، وعلى ازدراء الفضائل والخروج على كل عرف صالح تعارفه الناس. والصنم الذي تعبده أجهزة الإعلام في معظم بلاد المسلمين وتدندن حوله وتسبحه وتقدسه، هو صنم الجنس فقلما تنشر كلمة أو تعرض صورة أو تذاع أغنية إلا وهي عن الجنس وللجنس وحول الجنس، والإلحاح المستمر حول هذا الموضوع في كل وقت ومناسبة وبكل وسيلة قد سد على الناس الطرق وألجأهم إلى الانغماس فيه إلجاء فإذا تناولت مجلة فصورها وأحاديثها تنطق بالفحشاء وتتحدث عن الحب وإذا فتحت المذياع فالأغاني الماجنة المائعة تصك آذانك بالعهر المذاب وتصلي للحب، وإذا نظرت إلى الرائي (التلفزيون) فهناك الحياة الحب والحب الحياة وكل شيء عن الحب شاخص أمامك وماثل بين يديك هذه هي الحقيقة والواقع بالنسبة لمعظم بلاد المسلمين التي وقعت فريسة في أيدي المرتدين من أبنائها والذين يستوردون المبادئ والعقائد والشرائع والتعليمات من الأعداء ثم ينفذونها بدقة وأمانة.

стр. 983

تنظيم القوى الكافرة والغازية والاهتمام بمراكز القوة: حتى يستمر تيار الغزو الفكري في اجتياحه لابد من الأخذ بالأسباب التي تبقي عليه وتضمن له النمو والازدهار وذلك باحتلال مراكز القوة كالجيش والحرص على أن لا تتسرب إليه روح مؤمنة والسهر الدائم على أن يكون حارسا أمينا للأفكار الدخيلة المناقضة للإسلام أو لثمار الغزو الفكري ثم تنظيم جنود الغزو عملائه في المنظمات حزبية تعمل على أسس مدروسة ومنسقة وتغزو جميع مرافق الدولة المهمة وتضمن بذلك الإشراف المباشر على سير الغزو وتطمئن على سلامة الخطة وحسن سير العمل وتنفذ تعاليمها بطريقة منظمة دقيقة يعرف فيها كل دوره في المعركة ومسؤوليته في العمل فلا تضيع التابعات ولا تفقد المسؤوليات. هذه باختصار أهم مظاهر الغزو الفكري ووسائله، وقد عملت هذه الوسائل مجتمعة على إيجاد جيل الردة الذي قدِّر لنا أن نشاهده. أجل لقد تضافرت جهود هذه الوسائل على اقتلاع الإسلام من قلب أبنائه وعلى قتل روح الجد والرجولة والعمل في جموع شباب هذا الجيل، الذي يشكو من تمزق في ضميره واضطراب في تفكيره وصراع في نفسه وقلق قاتل في حياته كلها. شباب هذا الجيل تربة خصبة ألقيت فيها بذرة خبيثة فكان هذا النبات النكد وكان هذا الفصام وهذا الإزدواج في الشخصية بين الآثار الإسلامية في النفس وفي البيئة وبين بريق الغزو الجديد وزخارفه ومغرياته ومعطياته للنفس والهوى والشباب.

стр. 984

إن روح الحضارة الجديدة الخبيثة قد تلوثت فطرة الشباب المسلم وطمست معلمها النظيفة وانتزعت من قلبه مثله العليا وتعشقه للتسامي وأشواقه للخلود لتعطيه الإخلاد إلى الأرض والنزوع إلى سفاسف الأمور والركون إلى الشهوات والملذات والإنكباب على مراتع الرذيلة ومباذل الأخلاق، إن هذا الأفيون الذي جاء به الغزاة والمغلف بغلاف المدنية والحضارة جرد شبابنا من كل مقوماته وبنى له معبدا ضخما هائلا في تنميقه وتزيينه أمهر المهرة من الخبراء والفنيين ألا وهو معبد الجنس ووضع في داخله صنم يعبد وهو الحب، وراح يدعو إلى الدخول في الدين الجديد بكل ما أوتي من قوة وبكل ما يملك من وسائل جبارة حتى جعل الجنس كل شيء في حياة شباب هذا الجيل، هذا الشباب الذي يعاني ظمأ روحيا وسغبا نفسيا واختلالا كبيرا في السلوك بين متطلبات روحه وجسده. وبإفساد هذا الجيل على هذه الشاكلة ووضع المخطط لإفساد الأجيال المقبلة نال العدو منا كل ما يريد. وأكبر دليل على ذلك أن هذا الشباب المنخور المهزوز المتهالك على الملذات والأسير للشهوات حينما وضعه موجهوه وأسياده في مراكز القيادة والتوجيه عبث بمقدرات البلاد والعباد وأهلك الحرث والنسل، وأهدر الكرامات وانتهك الأعراض وصادر الحريات، وكان وجوده وصمة على الإنسانية، والحيف الذي تعرضت له البلاد على أيدي هؤلاء كان أعظم مما تعرضت له أيدي الصليبين والتتار. تلك هي أهم مظاهر الغزو الفكري ووسائله، فعلى الذين لا يزالون على إيمانهم بالإسلام وولائهم له وانتمائهم الحقيقي إليه أن ينتزعوا هذه الوسائل من أيدي الغزاة الجدد ويجردوهم بذلك من سلاحهم الذي به يدمرون ويقضوا بالتالي على مظاهر هذا الغزو قبل أن تجتاحهم فلوله. موكب

стр. 985

لما قدم عمر بن الخطاب الشام قدم على حمار ومعه عبد الرحمن بن عوف، فتلقاهما معاوية في موكب عظيم فجاوز عمر حتى أخبر به فرجع إليه فلما قرب منه نزل إليه فأعرض عنه عمر، فجعل يمشي إلى جنبه راجلا، فقال عبد الرحمن بن عوف لعمر: "لقد اتبعت الرجل"، فأقبل عليه فقال: "يا معاوية أنت صاحب الموكب آنفا مع ما بلغني من وقوف ذوي الحاجات ببابك"، قال: "نعم يا أمير المؤمنين". قال: "ولم ذاك؟ "، قال: "لأننا في بلد لا نتمنع فيه من جواسيس العدو ولابد لهم مما يرهبهم من هيبة السلطان فإن أمرتني بذلك أقمت عليه وإن نهيتني عنه انتهيت". فقال: "لئن كان الذي تقول حقا إنه رأي أريب وإن كان باطلا فإنه خدعة أديب وما آمرك به ولا أنهاك عنه". فقال عبد الرحمن بن عوف: لحسن ما صدر هذا الفتى عما أوردته فيه". فقال: "لحسن موارده جشمناه". العقد الفريد/ ح١

стр. 986

الإسلام والحياة بقلم أحمد عبد الرحيم السايح من علماء الأزهر ٢ - القرآن والعقل: من أوضح سمات القرآن الكريم، التي لفتت نظر الباحثين في القرآن من المسلمين وغير المسلمين، إشادة القرآن بالعقل وتوجيه النظر إلى استخدامه للوصول إلى الحقيقة، فقد دعا القرآن بطريق مباشر وغير مباشر، وصراحة وضمنا، وجملة وتفصيلا، إلى تعظيم العقل والرجوع إليه. ويحرص القرآن على تأكيد هذا المعنى، حتى أنه ليكرر هذه الدعوة بشكل يلفت النظر ويثير الاهتمام. ويشير القرآن إلى العقل بمعانيه المختلفة، مستخدما لذلك كل الألفاظ التي تدل عليه أو تشير إليه من قريب أو بعيد، من التفكر والقلب والفؤاد واللب والنظر والعلم والتذكر والرشد والحكمة والفقه والرأي، إلى غير ذلك من الألفاظ التي تدور حول الوظائف العقلية على اختلاف معانيها وخصائصها وظلالها، مما يعتبر إيحاءات قوية بدور العقل الإنساني وأهميته في الحياة. وهذه الألفاظ في مجموعها تكوّن دائرة واحدة يتصل معناها جميعا بالعقل ووظائفه في أوسع معانيه. هذا وكلمة العلم التي وردت في القرآن في أربعين وخمسمائة آية ليس المقصود بها في القرآن علم الدين وحسب، وإنما يقصد بها كل علم نافع يرفع من قدر الإنسان وينمي مواهبه العقلية، ويجعله أكثر خبرة ومعرفة بأمور الدنيا واستفادة منها وإفادة بها. أثر القرآن في تنمية القوى العقلية: نزل القرآن بين العرب وباللغة العربية، وكان العرب عند نزول القرآن مختلفين في عقائدهم ومعتقداتهم اختلافا كبيرا، منهم المشركون عبدة الأصنام، ومنهم من كان يعتنق النصرانية أو اليهودية، ومنهم الأحناف الذين ترجع عقيدتهم إلى ملة سيدنا إبراهيم ﵇، ومن هؤلاء وأولئك من كان يتطلع إلى دين جديد ونبي جديد، ولكن لا يدرون من أي قبيلة سيكون ذلك النبي وبأي دين سيأتي.

стр. 987

غير أن رأيا عاما كان منتشرا بينهم وهو قرب مقدم النبي الذي تحدثت عنه الكتب السماوية وملأ خبره أرجاء الجزيرة العربية. وقد حدثنا القرآن عن هذه الأنماط المختلفة من العرب وذوي العقائد المتباينة وخاطبهم جميعا ومنهم من كان ينكر الخالق ويقول: ﴿مَا هِيَ إلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾ . ومنهم من كان يعترف بوجود الخالق ولكنه ينكر البعث ويقول: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ . وكان معتنقو الأديان الكتابية على خلاف فيما بينهم ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ . وعلى الرغم من وجود هذه المعتقدات والآراء، إلا أن التاريخ لم يثبت أن هذه المعتقدات والآراء كانت تقوم على منهج عقلي أو فلسفي واضح ولم يتح للعرب أن يبلوروا هذه المعتقدات في فلسفة فكرية ذات قواعد ومنهج محددين، بل كانت قاعدتهم الفكرية هي قولهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ . وهذه القاعدة من شأنها أن تحجر على الفكر: النظر والبحث والتأمل، وبالتالي توقف النمو العقلي عن الوصول إلى الحقائق المتصلة بالإنسان والكون والحياة ماديا وروحيا.

стр. 988

ويمكن أن نقول: إن العالم الإنساني كان مغمورا بموجة طاغية من فساد الاعتقاد. بعضه يهيم في عماء الجهل والتقليد الأعمى، وعبادة الأهواء؛ لأن الوثنية التي كانت من مواريث الجهل والتبعية العمياء استحوذت على العقول والأفهام وبعضه يرسف في أغلال الحجر العقلي ومضلته، ويقي هذا الفساد مستحكما في هؤلاء وهؤلاء، حتى جاء الإسلام لإصلاح هذه الأوضاع الفاسدة، وتحرير الإنسان من هذه الأغلال الجاثمة على عقله وفكره. كانت مهمة القرآن هي العمل على إبطال القاعدة الخاطئة ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ . وتحرير الإنسان من أغلال الحجر العقلي، وسيطرة التبعية العمياء، وتربيته على حرية الفكر واستقلال الإرادة، ليكمل بذلك عقله ويستقيم تفكيره وتتهذب قواه. فوجَّه القرآن الفكر إلى كل ما من شأنه أن يدعو إلى استعمال العقل والتدبر والتأمل حتى تزول تلك الحجب الكثيفة التي تحول بين العقل والرؤيا الصحيحة للأشياء، وليخلق أمة جديدة هي أمة القرآن العاقلة المفكرة الباحثة الدارسة التي تعلي من شأن العقل وتستخدمه في مختلف شؤونها، وتفتح أمامه آفاقا غير محدودة لاستكناه حقائق الوجود في هذا العالم الكبير. ولقد اشتملت توجيهات القرآن العقلية على أصول ومبادئ عامة صلحت لأن تكون منهجا فكريا سليما حدد المسلمون موقفهم من مشاكل الكون والحياة، وبالتالي مكنت هذه المبادئ والتوجيهات المسلمين من الاستفادة من تلك الدرة الإلهية التي منحها الله للإنسان وهي: (العقل) فنمته وجعلته يمارس الوظيفة الأساسية التي خلق من أجلها.

стр. 989

طالَب القرآن كل ذي عقل بالنظر في عوالم السموات والأرض وما فيهما من الدلائل الواضحة كما في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَ رْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّه﴾ ، ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْض﴾ ، ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ ، ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ ، ﴿وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون﴾ . واستنهض العقول، ووجه الأفهام، وأيقظ الحواس، ونبه المشاعر، بالتعقيب على بيان الآيات الكونية والتشريعية بمثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لأُولِي النُّهَى﴾ ، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ ، ﴿وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ ، ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ ، وبشر الذين يستمعون القول فينظرون إليه نظر البصير ويتبعون منه ما يدل على الحق ويرشد إلى طريق العلم والقوة.

стр. 990

ولم يكتف القرآن بهذا، بل ذم الغافلين، ونعى عليهم غفلتهم وإعراضهم عن الآيات الكونية التي يشاهدونها في كل لحظة وتطالعهم بدلائلها في كل آونة كما في قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ ، ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأََنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ ، ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ . وعاب القرآن على أسرى التقليد إعراضهم عن الحق وجمودهم على ما وجدوا عليه آباءهم كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ﴾ . فالتقليد الأعمى من شر ما تبتلى به الأفراد والجماعات لأنه يميت مواهب الفكر والنظر ويوجب ركودها وجمودها. والقرآن الكريم فوق هذا وذاك قرر حق الإنسان في حرية الفكر واستقلال الإرادة، وحرية الفكر التي جعلها الإسلام رائد للتفكير ونبراسا للعقول والأفهام؛ هي الحرية التي تطلق العقول الأفهام من أغلال الحجر العقلي والكبت الفكري، وتحررها من سيطرة التقليد والتبعية العمياء، وتجلي لها معالم الحقائق، وتجعل قيادة التوجيه قيادة بناء وإصلاح.

стр. 991

وزاد الإنسان ذلك بأن قرر تحرير الإنسان من أصفاد الجهل وظلمته؛ لأن الجهل يقتل مواهب الفكر والنظر، ويطفئ نور القلوب، ويعمي البصائر، ويميت عناصر الحياة والحركة والقوة في الأمم، ويفسد على الناس مناهج حياتهم. فذم الجهل والجاهلين في مواطن كثيرة كما في قوله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّة﴾ ، ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ، ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ ، ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ ، ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ . وعاب الذين يتبعون الظنون والأوهام كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنّاً إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ ، ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ ، ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ . وعظم شأن العلم وحثَّ على طلبه والسعي إليه كما في قوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ ، ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ ، وقول الرسول ﷺ : "من سلك طرقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة"، "طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة".

стр. 992

ونوه بفضل الحكمة وما فيها من السمو والتألق والارتفاع كما في قوله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ ، وقول الرسول ﷺ : "لا حسد إلا في اثنتين: رجل أتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل أتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها الناس". ورفع منزلة العلماء وجعلهم أهل خشيته وقرن شهادتهم بشهادته تعالى وشهادة الملائكة كما في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ ، ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ ، ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ . وجعلهم ينابيع العلم وموارد المعرفة ورواد الحق كما في قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ، ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إلاَّ الْعَالِمُونَ﴾ .

стр. 993

القرآن ومعركة المصطلحات بقلم الشيخ أحمد حسن المدرس بالعهد الثانوي تخوض أمتنا معركة حاسمة في جميع مجالات الحياة، ولا سيما في ميدان الفكر والثقافة، حيث تستعمل في هذه المعركة كل أنواع الأسلحة الفتاكة، التي تهدف إلى بلبلة الأفكار، وإشاعة الفوضى والانحلال، والانسلاخ من العقيدة والتراث والتاريخ، والإتيان على بنيان هذه الأمة من القواعد.. ومن أخطر هذه الأسلحة، سلاح المصطلحات والشعارات، الذي طرحه الغرب [١] للتداول في عالمنا الإسلامي مع بدء الغزو الفكري، ولم يمضي كبير وقت، حتى شاعت هذه المصطلحات وذاعت بعد أن رددتها وسائل الإعلام، وعممتها الصحف والمجلات، وأقحمت في صلب المناهج والكتب الدراسية وأصبحت اليوم عملة دارجة، تطالعك بها الأغاني الشعبية، وأحاديث الدهماء، فضلا عن أنصاف المتعلمين والمثقفين، الذين يلهجون بذكرها - حين يستريحون وحين يسرحون - ليثبتوا للناس أنهم بلغوا الحلم، وآنسوا من أنفسهم الرشد! وتأتي خطورة هذه المصطلحات والشعارات، من أن كل مصطلح أو شعار، مرتبط ارتباطا وثيقا بشجرته الفكرية التي يمثلها، ويتغذى منها، ويعيش عليها، وبالتالي فهو حينما يطرح للتداول في مجتمع جديد، لا بد أن يحمل معه رصيده وفلسفته وتاريخه ولا بد أن يلقي بظلاله وإيحاءاته وقيمه في هذا المجتمع الذي يحسن استقبال الوافد الجديد - بحكم تقاليد الضيافة العربية - ويخلي له البيت، ويرفع من طريقه العقبات، وإيثارا لمبدأ التسامح الديني الذي عرفنا به!! ونتنازل - بسماحة حاتم - عن مصطلحاتنا وشعاراتنا، ليخلوا الجو لضيف الثقيل، الذي يبيض ويفرخ، ويستوطن ويستعرب، وعلى المصطلح الإسلامي أن يغادر أرضه وبلاده، ليعيش لاجئا ذميا في بلد آخر، أو يكتفي أن يعيش في زاوية ميتة من زوايا التاريخ علما بأنهم يلاحقونه حتى في مثل هذه الزاوية، ويلبسونه لباسا جديدا، ويفسرونه تفسيرا مشوها حتى

стр. 994

يفقد حرارته، ويخبو ضوءه، وتسكن إشعاعاته، ثم يضربون حوله ستارا حديديا يمنع الناس من الوصول إليه ويمنعه من أن يلقي إليهم بشهاب قبس أو جذوة من نار.. وتقوم المعركة داخل المجتمع، إذا شعر العقلاء بخطورة هذا المصطلح، حيث ينبهون الناس إلى حقيقته وأهدافه وأنه ليس صديقا زائرا، وإنما هو غازٍ، فاتح وعدو فاتك.. ويستنجد بالمصطلح بالطابور الفكري الخامس، الذي يهب للوقوف إلى جانبه، ويشهر سلاحا آخر من المصطلحات والشعارات، فهؤلاء الذين يحاربون المصطلح الجديد: رجعيون!! برجوازيون!! خونة!! عملاء!! رأسماليون!! ديمانموجيون!! ثيوقراطيون!! إمبرياليون!! ..إلى هذا المسلسل الأجنبي..!! ويحفظ العوام والدهماء، و (البروليتاريا) هذه المصطلحات، من كثرة ترديدها، على مسامعهم، ويظنون أنهم إذا ما رددوها، قد صاروا في عداد العلماء، واجتازوا بذلك مرحلة الأمية، وأصبح بإمكانهم أن يتحدثوا للناس ويخطبوا في المجالس والاحتفالات، ويناقشوا في المراكز والمنتديات، ويقدموا لنا نظريات في بناء الدولة والمجتمع، ويقدوا الأمة بمفكريها وعقلائها إلى هذا الدرك الهابط والمستنقع الآسن، حيث يسود الجهل وينزوي العلم، وتنقلب القيم، وتختلط المفاهيم، فتضيع الحقائق وتنتشر الفوضى وينحل المجتمع، فيقتل الناس بعضهم بعضا، وتسود شريعة الغاب، فتطل الذئاب، وتنبح الكلاب وينعق البوم، ويسود الوجوم، ويسجل التاريخ نهاية أمة..

стр. 995

.. ومن هنا كان علينا أن ننتبه لخطر هذه المصطلحات فهي بمثابة الجسم الغريب الذي يدخل جسم الإنسان، فإما أن يطرحه على هذا الجسم، وإما أن يقتل هذا الجسم، أو يضعفه ويمرضه، وليس هناك حل وسط، ولا نستطيع نحن أن نقف في وجه هذه المصطلحات موقفا سلبيا فقط بل لابد من موقف إيجابي أيضا، بل هو الأصل الذي نعوِّل عليه، وهذا الموقف الإيجابي يعني أن نطرح مصطلحاتنا الإسلامية بقوة للتداول، ويفضل أن تكون المصطلحات مصطلحات قرآنية أولا قبل كل شيء، ذلك أن المصطلح القرآني، هو المصطلح الرباني الذي لا يوازيه أي مصطلح آخر من حيث الصياغة والمحتوى، أو من حيث الدقة والتحديد، أو من حيث الشيوع والذيوع، والاقتصار على المصطلح القرآني - إن وجد - يوفر علينا كثيرا من المشاكل التي تنتج عن المصطلحات الاجتهادية التي تختلف باختلاف المجتهدين والتي تؤدي إلى تعدد المصطلحات لمفهوم واحد، مما يضعف هذه المصطلحات، ويسلبها القوة والقدرة على الصمود في وجه المصطلحات الغربية، كما يؤدي إلى نوع من بلبلة في الأفكار واختلاط المفاهيم بين المسلمين أنفسهم.. ولا تزال أمتنا تعاني من كثير من المصطلحات - التاريخية - التي دخلت إلى تراثنا، ولم تكن مصطلحات قرآنية، مما أثار الخصومات والمعارك الكلامية التي قتلت وقت المسلمين، وشغلتهم عن الجهاد، وفرقتهم شيعا وطوائف، ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ .

стр. 996

وإذا أخذنا على سبيل المثال مصطلح (التصوف) .. هذا المصطلح الذي ليس قرآنيا والذي بدأ في العصر العباسي حينما أطلق على جماعة من الناس قاموا يحاربون الترف والنعيم الذي ساد الدولة العباسية، ويدعون إلى الزهد في هذه الدنيا الفانية.. ثم تطور ليعني طريقة في السلوك والتربية والأخلاق، ثم دخلته مفاهيم وأفكار هندية ونصرانية وأعجمية تخالف عقيدة الإسلام وأفكاره، ثم ليصبح بعد ذلك نظريات فلسفية تقول بالحلول والاتحاد ووحدة الوجود.. ثم ليصبح طرقا متعددة لها أول وليس لها آخر، تملأ العالم الإسلامي، وكل واحدة منها تعتقد أنها الفرقة الناجية، وأن الحق لا يجاوزها، وتتهم غيرها بالانحراف والفسوق.. وعاش المسلمون فترة طويلة من تاريخها يتنابزون بالألقاب، ويأكل بعضهم لحم بعض وما تزال أثار هذه الحياة تلوِّن بعض أنحاء العالم الإسلامي.. فلو أننا عمدنا إلى مصطلح قرآني، لنطلقه على الحالة الأولى التي بدأت في العصر العباسي، وهي دعوة الناس إلى إيثار الآخرة على الدنيا، وتحذيرهم من الترف والنعيم، لم نصل إلى ما وصلنا إليه من نتائج وآثار، ما نزال نعاني منها حتى يومنا هذا.. ولو فتشنا في القرآن الكريم عن مصطلح لمثل هذه الحالة لوجدنا - مثلا - كلمة (الإحسان) يمكن أن تؤدي هذا المدلول، دون أن تدخل تلك الأفكار الغربية التي دخلت تحت كلمة (تصوف) .. ذلك أن الكلمات القرآنية يحدد معناها اللغة ويعطيها مفهومها القرآن، فلا مجال في ذلك للزيادة والنقصان، ولو حاولنا أن نتبيَّن مفهوم القرآن لهذا المصطلح (الإحسان) لوجدناه كما يلي:

стр. 997

﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ. آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ، كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ. وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ. وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ..﴾ كما فسره الرسول ﷺ في حديث جبريل، حين سئل عن الإحسان فقال: "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك". وفي مواجهة المصطلحات الغربية الوافدة، لابد لنا من أن نعيد طرح مصطلحاتنا القرآنية بقوة - والتي تمتاز بالإضافة لما قدمنا - بأنها تحمل طابع العقيدة دائما، حيث تعطيها الأولوية في كل شيء مما يجعلها منسجمة مع نظرتنا العامة إلى الحياة، والتي نستمدها من القرآن نفسه، فلا نقع في تناقض بين عقيدتنا ومصطلحاتنا - كما هو حادث اليوم بعد فشو المصطلحات الغربية - حيث نشاهد الاضطراب الذي يعم المسلمين جميعا بعد أن أصبحت هذه المصطلحات بدهيات مسلمة، وحقائق مقررة، عند العوام والخوص، مما حدا ببعض المفكرين إلى استعمال هذه المصطلحات، وإعطائها مفهوم إسلاميا، وقطعها عن جذورها التاريخية والفكرية، إرضاء لهذه الجماهير التي سحرتها هذه المصطلحات والشعارات، وبدلا من أن تكون هذه المصطلحات جسرا يعبره المنادون بها إلى الإسلام - كما كان يظن - غدت جسرا يعبره المسلمون إلى تلك الأفكار والقيم التي تمثلها هذه الشعارات، لأن الجسر الذي يكون صالحا للذهاب، فهو صالح للإياب أيضا، خاصة وقد جاءت هذه الدعوة في ظروف غير مناسبة، حيث كانت تلك الشعارات والمصطلحات قد وصلت إلى الحكم وأخذت طريقها للتنفيذ، وعبرت بالمسلمين ذلك الجسر إلى الجاهلية.

стр. 998

وبعد خفت حدة المعركة قليلا، بانتصار موقوت للمصطلحات الجاهلية الحديثة، فعلى رجال الفكر الإسلامي أن يراجعوا أنفسهم، وينظروا فيما قدموا، ويتأملوا كثيرا فيما حدث ويدفعوا بالمصطلحات القرآنية للناس من جديد، محددة واضحة متميزة، مقارنة مع مصطلحات الجاهلية مع بيان الفروق الكبيرة، وتحطيم الجسور المقامة، ووضع الناس أمام احتمالين لا ثالث لهما: إما الإسلام وإما الجاهلية، ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ ومن ثم.. تستبين سبيل المؤمنين. وإذا ما حاولنا تبيّن بعض هذه المصطلحات التي اقتحمت علينا أسوارنا وغدت مدار حياتنا وحاولنا تفهمها وإدراكها، وعقدنا مقارنة بينها وبين مصطلحاتنا القرآنية، فإننا نجد الفروق الشاسعة التي ليست هي في الواقع إلا فروقا بين ثقافتين ودينين، وحضارتين أي بين إسلام وجاهلية. مصطلح الوطنية: نأخذ على سبيل المثال: مصطلح (الوطنية) و (الوطن) و (المواطن) و (الوطني) ، والذي لم يفطن له أحد فيما أعلم.

стр. 999

هذا المصطلح لم يكن معروفا في تاريخنا، وكلمة (مواطن) لا مدلول لها في المعجم الإسلامي، لأن الولاء في الإسلام للعقيدة، لا للأرض ولا للقوم، ولا لغيرها من الاعتبارات الأخرى التي دخلت ثقافتنا حديثا بتأثير الغزو الفكري الأوروبي حيث استلهمت من أوروبا الغربية خصوصا فرنسا وإنكلترا [٢] ولو أننا رجعنا إلى القرآن الكريم لاستخلاص المصطلح الإسلامي لم نجد ذكرا للوطن ولا للمواطن، وإنما يستعمل القرآن كلمة أخرى وهي (الدار) - معرفة بالألف واللام تارة، وبالإضافة تارة أخرى - فمن الأول قوله تعالى في مدينة الرسول ﷺ في معرض حديثه عن الأنصار: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالإيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ . ومن الثاني حدثه عن المهاجرين حيث يقول: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ... ﴾ ومن ذلك قوله مخاطبا بني إسرائيل: ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ .. فالعقيدة في الإسلام قبل (الوطن) أو (الدار) وفي حالة التعارض على المسلم أن يهاجر من بلده ويترك داره ﴿الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا..﴾ ومن هنا كان المصطلح الإسلامي (دار الإسلام) مصطلحا قرآنيا - بالمعنى لا باللفظ - تبرز فيه العقيدة قبل الأرض، وتستمد الأرض فيه قيمتها من العقيدة التي فوقها، والناس في دار الإسلام لا ينسبون إلى الأرض (مواطنون) وإنما ينسبون إلى عقائدهم (مسلمون) .

стр. 1000

وكذلك الأمر بالنسبة إلى غير دار الإسلام، فهناك دار العهد، ودار الحرب؛ ودار العهد هي التي ترتبط بدار الإسلام بمعاهدة أو ميثاق، ودار الحرب هي التي لا ترتبط بدار الإسلام بعهد ولا ميثاق، ورعايا هذه الدُّور يسمون معاهدين أو محاربين.. وهكذا نجد المصطلح الإسلامي مصطلحا محددا يرتبط بالعقيدة، ويمنع من اختلاط المفاهيم الجديدة التي جاءتنا بها المصطلحات الجاهلية، ويحدد سلوك المسلم على أساس العقيدة لا على أساس الوطن، الذي يطلب منه في بعض الأحيان أن يتخلى عن عقيدته لمصلحة وطنية!! وخوفا من أن يؤدي ذلك تفرقة طائفية!! بين أبناء الوطن الواحد.. حيث أصبحت الدعوة إلى الإسلام في دار الإسلام أمرا مستنكرا.. والمناداة بالعودة إلى الإسلام الذي يشكل أبناءه ٩٩% من سكان العالم العربي.. دعوة طائفية!! تحارب بكل وسيلة وذلك لأن هناك ١% من غير المسلمين يسكنون العالم العربي، وعلى المسلمين إذن أن يتخلوا عن عقيدتهم وشريعتهم وأخلاقهم وحضارتهم إرضاء لهذا الواحد بالمائة من غير المسلمين!! وهذا هو آخر ما وصلت إليه النظم والنظريات الديمقراطية الحديثة التي تقوم على أساس حكم الأكثرية!!. مصطلح القومية:

стр. 1001

ولو أخذنا مصطلحا آخر (القومية) الذي انتشر حديثا في بلادنا، وأصبح يدل على مذهب واتجاه، ويحمل مفهوما فكريا، هذا المصطلح لا وجود له في تاريخنا وثقافتنا، وإن كانت كلمة ((قوم)) موجدة في ثقافتنا وتراثنا، ولكنها لا تعني أكثر من مجموعة من الناس يرجعون إلى أصل واحد، ويعيشون حياة مشتركة، و (القومية) كمفهوم لم تظهر إلا مؤخرا وقد ظهرت في ألمانيا أولا وأخذت طابعا عرقيا معينا متميزا، عن بقية الأجناس البشرية، وصنفت القومية الألمانية القوميات الأخرى ووضعت لها سلما يتميز الناس على هذا الأساس العرقي، ثم انتشرت في أنحاء العالم، ويلاحظ بأن هذه الدعوة تركز على العرق والجنس دون العقيدة والاتجاه ومن هنا لا نجد لهذه الدعوة مجالا في الإسلام، وإنما نجد جذورها التاريخية تعود إلى الشيطان الذي امتنع من السجود لآدم لأنه خلق من طين بينما خلق هو من نار ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ وإذا كانت دعوى الشيطان صحيحة في الخلق دون الخيرية فدعوة هؤلاء ليست صحيحة في الخيرية ولا في الخلق لأن الناس خلقوا من أب واحد وأم واحدة ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً﴾ ، وكونهم شعوبا وقبائل لا يغير من الواقع شيئا ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ وهكذا يبرز ميزان التفاضل الذي يقوم على التقوى والعمل الصالح، ويكون اختلاف الناس شعوبا وقبائل سبيل لتعارف والتقارب، ولا شك أن التميز العنصري الذي يسود العالم اليوم إنما هو نتيجة من نتائج الدعوات القومية، غير أن (القومية) في ذاتها لا تحمل مضمونا فكريا حقيقيا ولا مذهبا اجتماعيا معينا، وإنما هو وعاء

стр. 1002

فارغ يمكن ملأه بأي فكرة أخرى، ومن هنا نرى أن مصطلح (القومية العربية) الآن أصبح وعاءً للاشتراكية، ومازال بعض المسلمين والمحسوبون على الفكر الإسلامي يستعملون هذا المصطلح ويريدون أن يقولوا: إن محتواه هو الإسلام، ويظنون أن المصطلح مازال فارغا ويمكن ملؤه بالفكرة الإسلامية، وهؤلاء ولا شك واهمون لأنهم يستعملون (القومية) بمعنها اللغوي، بينما يستعملها الآخرون بمفهومها الغربي الذي يناقض الإسلام مناقضة كلية، والعوام الذين أصبحت الكلمة على أفواههم وفي متناول ألسنتهم لا يفرقون بين المدلولين، ويسقوهم (الطابور) الخامس الفكري لخدمة القومية العنصرية ومحتواها الاشتراكي، وهم يظنون أنهم ينصرون الإسلام ويجاهدون في سبيل الله، ويزيدهم خداعًا وتضليلاً موقف هؤلاء المحسوبين على الفكر الإسلامي، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا. ولو رجعنا إلى القرآن الكريم لوجدنا أن هذا التقسيم القومي لا أساس له، وأن القرآن قسّم الناس إلى قسمين على أساس العقيدة لا أساس الجنس فهناك (الذين آمنوا) (والذين كفروا) وهناك (المسلمون) و (الكافرون) وتحت كل من النوعين يمكن أن يكون أقوام وأجناس مختلفة، ولكن العقيدة هي التي تجمعهم في كل الحالتين، وهكذا بدأت هذه الاصطلاحات تختفي من مجتمعنا بعد أن نعق غراب القومية في دار الإسلامي، وكان من نتائج هذه الدعوة الخبيثة أن تفتت دار الإسلام إلى قوميات متصارعة يقتل فيها المسلمون بعضهم بعضا خدمة للجاهلية وانتصارا للعصبية المنتنة.

стр. 1003

ويتفرع عن هذه الدعوة إلى القومية دعوة إلى الوحدة، وقد أصبحت الوحدة شعارا رائجا في حياتنا المعاصرة، ولو رجعنا إلى ثقافتنا وتراثنا لم نجد مثل هذه الدعوة، وإنما هي بضاعة استوردناها مع مفهوم القومية الغربي، وبما أن الوحدة عندهم كانت تابعة لمفهوم القومية، فهكذا صارت عندنا وأصبحنا ندور في فلك الفكر الغربي حيث نستعمل اصطلاحاته وننتظر أن تحل بنا حتمياته وحتى لكأن خط التاريخ الغربي هو الخط الذي لابد أن تسلكه كل أمة وليس لها من دونه بديل! ويلاحظ أن شعار الوحدة أضحى شعارا خاليا من مضمون الإسلام بل أصبح يحمل محتوى القومية لأن الوحدة المقصودة إنما هي الوحدة القومية العربية، ولما كان مفهوم القومية بطبيعته فارغا فقد ملأه بالاشتراكية مما اضطرهم في النهاية إلى القول بوحدة الهدف بدلا من وحدة الصف، وهكذا سلكوا هذا الطريق الوعر الشاق لإبعاد مفهوم الإسلام بحجة الطائفية والأقليات والوطنية والقومية لينتهوا أخيرا إلى مفهوم فكري مستورد بديل من المفهوم الإسلامي، ولو رجعنا إلى القرآن الكريم لم نجد دعوة للوحدة العربية ولا لغيرها، وإنما نجد دعوة إلى الاعتصام بحبل الله والاستمساك بعروته الوثقى ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ ولا شك أن مفهوم هذه الآية يحقق الوحدة الإسلامية التي لا يمكن أبدا أن تتحقق بالجهد البشري. وهكذا كانت الدعوة إلى الوحدة دعوة إلى الفرقة أثارت النعرات والعصبيات والصراع الطبقي والقومي الذي مهد لإسرائيل أن تضرب ضربتها في الوقت المناسب دون أن تلقى مقاومة تذكر. بينما كانت الدعوة إلى الإسلام في الظاهر دعوة إلى تفريق القوم الواحد إلى قسمين مؤمنين وكافرين، كما كانوا يتحدثون عن القرآن فيقولون: (سحر يؤثر، يفرق بين المرء وأهله ومواليه) ، ولكنها في الحقيقة كانت دعوة للاستمساك والاعتصام بحبل الله والتي نتج عنها أعظم وحدة حقيقية عرفها التاريخ لأنها كانت وحدة قلوب قبل

стр. 1004

أن تكون وحدة بلاد ووحدة قرآن قبل أن تكون وحدة معلقات!! ووحدة إسلام قبل أن تكون وحدة جاهلية، وصدق الله العظيم إذ يصف هذه الوحدة ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ ، ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾ . قيادة متلاشية: إن قيادة الرجل الغربي للبشرية قد أوشكت على الزوال لا لأن الحضارة الغربية قد أفلست ماديا أو ضعفت من ناحية القوة الاقتصادية والعسكرية ولكن لأن النظام الغربي قد انتهى دوره لأنه لم يعد يملك رصيدا من القيم يسمح له بالقيادة. المعالم: سيد قطب -------------------------------------------------------------------------------- ١ المقصود بالغرب هنا ليس الاصطلاح السياسي الذي يشمل دول أوروبا الغربية وإنما المقصود به المصطلح الحضاري الذي يشمل الكتلة الشرقية والغربية باعتبار أن الفكر الاشتراكي غربي في أصوله وجذوره وأن الشيوعية لم يكن إلا رد فعل للرأسمالية الغربية وكلاهما تسيران في خط تاريخي واحد. ٢ انظر في هذا كتاب (برناردلويس) : الغرب والشرق والأوسط الفصل الرابع ص ١٠٥-١٤٦

стр. 1005

المدلسون (٣) بقلم الشيخ حماد الأنصاري المدرس بكلية الدعوة (ع) سعيد بن عبد العزيز الدمشقي ثقة من كبار الشاميين من الطبقة الأوزاعي روى عن زياد بن أبي سودة عن ميمونة صلاة النبي ﷺ فقال أبو الحسن ابن القطان: "لا ندري أسمعه منه أو دلسه". من الثانية توفي سنة ١٩٧هـ. (ع. ب. س) سعيد بن أبي عروبة البصري: رأى أنس ﵁ وأكثر عن قتادة وهو ممن اختلط. وصفه النسائي وغيره بالتدليس. من الطبقة الثانية من طبقات المدلسين ذكرته في الثقات المختلطين توفي سنة ١٥٦هـ. (ع. ب.س) سفيان بن سعيد الثوري الإمام المشهور الفقيه العابد الحافظ الكبير وصفه النسائي وغيره بالتدليس وقال البخاري: "ما أقل تدليسه". من الثانية مات سنة ١٦١هـ عن أربعة وستين سنة. (ع) سفيان بن عيينة الهلالي الكوفي ثم المكي: الإمام المشهور بقية الحجاز في زمنه. كان يدلس لكن لا يدلس إلا عن ثقة كثقته. وحكى بن عبد البر عن أئمة الحديث أنهم قالوا: يقبل تدليس بن عيينة؛ لأنه إن وقف أحال على ابن جريج ومعمر ونظرائهما. وهذا عين ما رجحه ابن حبان وقال: "هذا شيء ليس في الدنيا إلا لابن عيينة فإنه كان يدلس ولا يدلس إلا عن ثقة متقن ولا يكاد يوجد لابن عيينة خبر دلس فيه إلا وقد بين سماعه عن ثقة مثل ثقته". ثم مثل لذلك بمراسيل كبار الصحابة فإنهم لا يرسلون إلا عن صحابي. وقد سبق ابن عبد البر إلى هذا الكلام أبو بكر البزار وأبو الفتح الأزدي ولفظهما: "أن من كان هذه صفته وجب قبول حديثه". وكذا قال أبو بكر الصيرفي في دلائله: "كل من ظهر تدليسه عن غير الثقات لم يقبل خبره حتى يقول حدثني أو سمعت". من الطبقة الثانية توفي ١٩٨هـ عن إحدى وسبعين سنة.

стр. 1006

(ع. ب) سفيان بن عيينة آخر: سمع عمر وجابرا، يدلس ليس بشيء، وهو مولى مسعر بن كدام من أسفل. قاله البرهان الحلبي في تبينه انتهى لفظ العجلي في ثقاته. ثم قال البرهان: "فإن صحت الكتابة فقد ذكره تمييزا رأيته كذلك في الثقات التي رتبها شيخنا الحافظ نور الدين الهيثمي وأثبت أنها صحيحة". قال الحافظ في طبقاته: "ليس الأمر كما ظن البرهان من أن سفيان بن عيينة شخصان وذلك لأن بن عيينة مولى بني هلال. وقد ذكر الذهبي في فوائد رحلته أنه لما اجتمع بابن دقيق العيد سأله من أبو محمد الهلالي؟ فقال: سفيان بن عيينة. فأعجبه استحضاره وإنما نسب لمسعر لأن مسعرا من بني هلال صليبة ولعل العجلي إنما قال فيه ليس بشيء لأمر آخر وهو علة الاختلاط."ثم راجعت أصل الثقات للعجلي فوجدته قال ما نصه: "سفيان بن عيينة وقال ولد البرهان موفق الدين أبو ذر لم يظن والدي بل حقق ذلك بقول والدي غير الأول". وقد قال العجلي: "سمع عمر وجابرا". وأين الأول منهما من السماع. نعم فالأول يروي عن عمرو بن دينار والزهري وزيد بن أسلم وسفيان ابن سليم وعنه شعبة ومسعر من شيوخه وابن المبارك من أقرانه وأحمد وإسحاق وابن معين وابن المديني وطبقتهم وتبين من هذا أنهما شخصان كما قال البرهان في التبين. من الثانية لم أجد وفاته. (ع. س) سلمة بن تمام الشقري: من أتباع التابعين. ذكره بن حبان في ثقات التابعين. وذكر بن أبي حاتم ما يدل على أنه كان يدلس. ولذلك قال العلائي في كتابه التحصيل في المراسيل: "كأنه يدلس". من الطبقة الأولى لم يذكر الحافظ ولا الخزرجي وفاته.

стр. 1007

سليمان بن داود أبو داود الطيالسي: الحافظ المشهور بكتبه من الثقات المكثرين. قال محمد بن المنهال: "حدثنا يزيد بن زريع حدثنا شعبة فذكر حديثين، قال يزيد: حدثت بهما أبا داود فكتبهما عني ثم حدث بهما عن شعبة". قال الذهبي: "دلسهما وكان ماذا". قال الحافظ: "قال يزيد بن زريع سألته يعني أبا داود عن حديثين لشعبة فقال: لم أسمعهما منه. ثم حدث بهما عن شعبة ويحتمل أن يكون تذكرهما وإن كان دلسهما". نظر فإن صيغة محتملة فهو تدليس الإسناد وإن ذكر صيغة صريحة فهو تدليس الإجازة. من الطبقة الثانية توفي سنة ٢٠٤هـ. (تنبيه) تقدم في المقدمة أن الإمام الشافعي قال: "إن الشخص إذا دلس مرة واحدة كان مدلسا". (ع) سليمان بن طرخان التيمي: تابعي مشهور من صغار تابعي أهل البصرة وكان فاضلا. وصفه النسائي وغيره بالتدليس. من الطبقة الثانية. (ع. ب.س) سليمان بن مهران - بكسر الميم - الملقب بالأعمش: مشهور بالتدليس. وفي الميزان: كان يدلس على الحسن البصري وغيره ما لم يسمعه. وفيه أيضا: يدلس وربما دلس عن ضعيف ولا يدري به. فمتى قال: حدثنا فلا كلام ومتى قال عن تطرق إليه احتمال التدليس إلا في شيوخ أكثر عنهم كإبراهيم النخعي وأبي وائل وأبي صالح السمان فإن روايته عن هذا الصنف محمولة على الاتصال. ذكرته في فتح الوهاب في الألقاب. من الثانية توفي سنة ١٤٨ هـ. (ع. ب) سويد بن سعيد الحدثاني: بفتح المهملة والمثلثة نسبة إلى حديثة بلد على الفرات مشهور. وهو من الموصوفين بالتدليس، وصفه به الدارقطني والإسماعيلي وغيرهما. وقد تغير في آخر عمره بسبب العمى فضعف بسبب ذلك. وكان سماع الإمام مسلم منه قبل ذاك في صحته. من الرابعة توفي سنة ٢٤٠ هـ. (ع. ب) شياك الضبي: صاحب إبراهيم النخعي من أهل الكوفة. ثقة له ذكر في صحيح مسلم ذكره الحاكم في علومه فيمن كان يدلس. من الطبقة الأولى.

стр. 1008

(ع. ب) شريك بن عبد الله النخعي القاضي: مشهور وكان من الأثبات فلما ولي القضاء تغير حفظه وكان يتبرء من التدليس. ونسبه عبد الحق في الأحكام إلى التدليس وسبقه إلى وصفه به الدارقطني. من الطبقة الثانية توفي ستة ١٧٧ هـ. (ب) شعيب بن أيوب الصريفني: قال فيه ابن حبان: "كان يدلس". من الثالثة مات سنة ٢٦١ هـ ولأبي داود عنه فرد حديث. (ع) شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص: يروي عن جده روى عنه ابنه عمرو مشهور. وروى عنه أيضا ولد له آخر عمر وثابت البناني وعطاء الخراساني وغيرهم. وجل ما يروي عنه عن ولده عمرو وستأتي ترجمته إن شاء الله في العين. واختلفوا في سماعه منه فجزم بأنه سمع منه ابن المديني والبخاري والدارقطني وأحمد ابن سعيد الدارمي وأبو بكر بن زياد النيسابوري وقال أحمد بن حنبل: "أراه سمع منه". وجزم بأنه لم يسمع منه ابن معين وقال إنه وجد كتاب عبد الله بن عمرو فحدث منه وقال ابن حبان: "من قال إنه سمع من جده فليس بصحيح". وقال الحافظ: "وقد صرح بسماعه من جده في أحاديث قليلة فإن كان الجميع صحيحا وجدت صورة التدليس". من الثانية. (ع) شعيب بن عبد الله: قال علي بن المديني: "حدثني حسين بن الحسن الأشقر عن شعيب بن عبد الله عن أبي عبد الله عن نوف عن علي ﵁ فذكر حديثا قال: "فقلت لحسين ممن سمعته قال من شعيب فقلت لشعيب من حدثك قال: أبو عبد الله الجصاص عن حماد القصاب فقلت لحماد القصاب من حدثك قال: بلغني عن فرقد عن نوف", فإذا هو قد دلس عن ثلاثة, أي أسقطهم. من الثالثة. الصاد: (ع) صالح بن أبي الأخضر: ذكر روح بن عبادة أنه سئل عن حديث عن الزهري فقال: "سمعت بعضا وقرأت بعضا وذكر روح بن عبادة ووجدت بعضا ولست أفصل ذا من ذا. من الطبقة الخامسة توفي سنة بضع وخمسين ومائة..

стр. 1009

(ع) صقران بن صالح بن دينار الدمشقي أبو عبد الله المؤذن: وثقه أبو داود وغيره. ينسب إلى تدليس التسوية يأتي خبره في ذلك في ترجمة محمد بن المصطفى الحمصي. من الثالثة توفي سنة ٢٣٧ هـ. (ع. ب) طاوس بن كيسان الفقيه اليماني: التابعي المشهور أحد الأعلام ذكر حسين الكرابيسي في أثناء كلام له أنه أخذ عن عكرمة كثيرا من علم ابن عباس ﵁. قال بن معين: "لا أراه سمع عنهما". وقال أبو داود: "لا أعلمه سمع منهما". وقال الحافظ العلائي: "لم أر أحدا وصفه بذلك". من الأولى مات سنة ١٠٦ هـ. (ع.) طلحة ابن نافع الواسطي أبو سفيان الراوي عن جابر: صدوق مشهور بكنيته معروف بالتدليس. وصفه بذلك الدارقطني والحاكم. من الثالثة لم أجد له وفاة. العين: (ب) عاصم بن عمرو بن قتادة الظفري العلاّمة في المغازي: ذكر له الحاكم في سند حديثا في الزكاة عن قيس بن سعد بن عبادة في بعثه ساعيا، ثم قال: "على شرط مسلم". وقال الذهبي عقيبه: "بل منقطع عاصم لم يدرك قيسا". وإذا كان كذلك فقد تقدم إن هذا إرسال خفي وليس بتدليس على الأصح فلا ينبغي أن يعد عاصم من المدلسين. (ع) عبادة بن منصور الناجي البصري قال مهنا: "سألت الإمام أحمد عنه فقال: "كان قد رأوا أحاديثه منكرة وكان يدلس". وقال الساجي: "ضعيف مدلس". وقال البخاري: "ربما يدلس عبادة عن عكرمة". من الرابعة توفي سنة ١٥٢هـ. (ع) عبد الله بن زياد بن سمعان المدني: ضعفه الجمهور، ويكنى بأبي عبد الرحمن. قال البخاري: "سكتوا عنه". وقال بن معين: "ليس بثقة". وكان أحمد بن إبراهيم بن سعد يحلف أن ابن سمعان يكذب. وقال الجوزجاني: "ذاهب الحديث". وروى ابن قاسم عن مالك كذاب. ووصفه ابن حبان بالتدليس. من الخامسة.

стр. 1010

(ع) عبد بن عطاء الطائفي نزيل مكة: من صغار التابعين. قضيته في التدليس مشهورة رواها شعبة عن أبي إسحاق السبيعي قال شعبة: "سألت أبا إسحاق السبيعي عن عبد الله بن عطاء الذي روى عن عقبة وكان تناوب رعية الإبل؟ قال: شيخ من أهل الطائف. فلقيت بن عطاء فسألته أسمعته من عقبة بن عامر فقال: لا حدثنيه سعد ابن إبراهيم. فلقيت سعدا فقال: حدثنيه زياد بن محمد المحدق. فلقيت زياد فقال: حدثني رجل عن شهر بن حوشب". رواه أبو داود الطيالسي عن شعبة وقد رواه نصر بن عواد عن شعبة بقصة أطول من هذا من الطبقة الأولى. (ع. ب) عبد الله بن أبي نجيح المكي: أكثر عن مجاهد وكان يدلس عنه وصفه بذلك النسائي روى عنه ابن الحداد الإمام أبو بكر الفقيه المصري الشافعي. من الثالثة توفي سنة ١٣١هـ. (ع. ب) عبد الله بن لهيعة الحضرمي قاضي مصر: اختلط في آخر عمره وكثرت عنه المناكير في روايته قال بن حبان: "كان صالحا ولكنه كان يدلس عن الضعفاء". من الخامسة توفي سنة ١٧٤هـ. (ب) عبد الله بن مروان أبو الشيخ الحراني: يروي عن زهير عن معاوية وغيره روى عنه حسين بن منصور وإبراهيم الهيثم. قال عنه بن حبان في ثقاته: "يعتبر حديثه إذا بيّن السماع في خبره". ومقتضى هذا أنه يدلس. من الطبقة الثالثة. (ع) عبد الله بن وهب المصري: الفقيه المشهور، وصفه بالتدليس محمد بن سعد في طبقاته. من الأولى مات سنة ١٩٩هـ عن أربع وسبعين سنة. (ع) عبد الله بن واقد أبو قتادة الحراني: متفق على ضعفه قال الحافظ: "متروك وكان أحمد يثني عليه وقال يعني أحمد لعله كبر واختلط وكان يدلس". من الخامسة توفي سنة ٢١٠هـ.

стр. 1011

(ع. ب) عبد الجليل بن عطية القيسي أبو صالح المصري: عن شهر بن حوشب وغيره. صدوق، وثقه ابن معين وروى عنه أبو نعيم. قال البخاري: "ربما وهم". وقد ذكره ابن حبان في ثقاته وقال: "ويعتبر حديثه عند بيان السماع في خبره إذا روى عن الثقات وكان دونه ثبت". ومعنى هذا أنه يدلس. من الطبقة الثالثة من طبقات المدلسين الخمسة. (ع) عبد ربه بن نافع أبو شهاب الحناط بالمهملة والنون نزيل المدائن: وثقه بن معين ولينه النسائي وأشار الخطيب في مقدمة تاريخه إلى أنه دلس حديثا. من الأولى توفي سنة ١٧١هـ. (ع. ب) عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي: ذكر بن حبان في الضعفاء أنه كان يدلس. وكذا وصفه به الدارقطني. قال أبو العرب: "سمع الإفريقي من جلة التابعين وكان قد ولي قضاء إفريقيا وكان عدلا صلبا في قضائه، وأنكروا عليه أحاديث ذكرها البهلول بن راشد قال: سمعت سفيان الثوري يقول جاءنا الإفريقي بستة أحاديث يرفعها إلى النبي ﷺ لم أسمع أحدا يرفعها: أولا: حديث أمهات الأولاد. ثانيا: حديث الصدائي: حين أذن قبل بلال فأراد بلال أن يقيم فقال ﷺ : "إن أخا صداء قد أذن، ومن أذن فهو يقيم". ثالثا: "إذا رفع الرجل رأسه من آخر سجدة واستوى جاسا فقد تمت صلاته وإن أحدث". رابعا: حديث: قال النبي ﷺ : "لا خير في من لم يكن عالما أو متعلما". خامسا: حديث: قال النبي ﷺ : "اغد عالما أو متعلما ولا تكن الثالث فتهلك". سادسا: قول النبي ﷺ : "العلم ثلاثة وما سوى ذلك فضل؛ آية محكمة أو سنة قائمة أو فريضة عادلة".

стр. 1012

قال أبو العرب فهذه الغرائب التي لم يرويها غيره ضعف ابن معين حديثه. قال عيسى بن سكين قال محمد بن سحنون قلت لسحنون: "إن أبا حفص الفلاس قال ما سمعت يحي بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي يحدثان عن الإفريقي". فقال سحنون: "لم يصنعا شيئا فإن عبد الرحمن ثقة". من الخامسة توفي سنة ١٥٦هـ. (ع) عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود: ثقة. قال بن معين: "لم يسمع من أبيه". وقال بن مديني: "لقي أباه وسمع منه حديثين حديث الضب وحديث تأخير الوليد الصلاة". وقال العجلى: "يقال إنه لم يسمع من أبيه إلا حرفا واحدا محرم الحلال كمستحل الحرام". وذكر البخاري في التاريخ الأوسط من طريق بن خثيم عن القاسم ابن عبد الرحمن عن أبيه أني مع أبني فذكر الحديث في تأخير الوليد الصلاة". قال البخاري: "سمعته يقول: "لم يسمع من أبيه"وحديث ابن خثيم أولى عندي". وقال أحمد: "كان له عند موت أبيه ست سنين"، والثوري وشريك يقولان: "سمع من أبيه"وإسرائيل يقول في حديث الضب عنه: "سمعت". وأخرج البخاري في التاريخ الصغير من طريق القاسم ابن عبد الرحمن عن أبيه: "لما حضرت عبد الله الوفاة قلت له: "أوصني". قال: "إياك من خطيئتك". وسنده لا بأس به. قال الحافظ: "فعلى هذا يكون الذي صرح فيه بالسماع من أبيه أربعة، أحدها موقوف وحديثه عنه كثير ففي السنن خمسة عشر وفي المسند زيادة على ذلك سبعة أحاديث معظمها بالعنعنة وهذا هو التدليس". من الثالثة. توفي سنة ٧٧هجرية. (ع) عبد الرحمن بن محمد بن زياد المحاربي: محدث مشهور من طبقة عبد الله بن نمير تكلم فيه بالتدليس: قال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه: "بلغنا أنه كان يدلس". من الثالثة.توفي سنة ١٩٥هجرية.

стр. 1013

المسجون عبد العزيز القارئ المساجين كثيرون لا يحصى لهم عدد!! في العالم يبني السجون قبل أي شيء آخر، لكني رأيت منهم مسجونين؛ لا أدري أيهما أعظم وزورا من صاحبه.. وأشنع حالا وأكبر ضررا.. البائسُ المَسْجُونُ هَلْ يَنْبَجِسُ أمْ هل تُفيقُ من الغِوايةِ أنفسُ هذا يَسِيرُ بِدِينهِ مُتَأرْجِحاً والآخرُ المسكينُ أصبحَ يَنعُسُ والحقُ أمْسَى حائراً في أمرِهم ما بينَ أحمقَ بالرّدى يَتَلَبَّسُ ومُغَفِّلٍ طمستْ حقيقةَ دينِهِ أكمامُه فهو الغَنِيُ المُفْلِسُ قد أعجبتْني في الغُوَاةِ عِمَارةٌ لكنها بُنِيَتْ بِغَيْرِ أَسَاسِ وضحكْتُ من قومٍ تكدَّسَ عِنْدَهُمْ ذاك الأساسُ وهمْ بلا إحساسِ لا هؤلاءِ بقادرينَ على البِنَا والآخرونَ مَهَالِكٌ للناسِ فبأيّهمْ ترضى الحيَاةُ وكلّهُمْ يمشي ولا يدري إلى الإفلاسِ يا قومُ هل يكفي لنهضةِ أمةٍ سُبُحاتُ درويشٍ وفَتْوَى عالمِ وتَرَاكمُ الصُلَحاءِ في أنحائِنا من غير ما صوتٍ لهمْ في العَالَمِ من غيرِ ما يدرونَ ما هو يومُهُمْ فضلاً عن الأمرِ الخفيِّ القادِمِ ما بينَ مُنْعَزلٍ إلى أحلامِهِ ومُجَنْدَلٍ في القيدِ ليسَ بقَائِمِ يا قومُ أيُّ طرقةٍ هَذِي التي جَمَدَتْ بكمْ في الدَّهرِ أيَّ جُمود هلاّ انطلقتمْ بالقلوبِ وبالحِجى وخرَجْتُمُ من ظلمةِ (التقليدِ) هلاّ كما فَعَلَ (النَّبِيُّ) وصحبُهُ بعثوا الوَرَى (بحضارةِ التوحيدِ) يا قومُ لا يرجَى لأيِّ عزيمةٍ قلبٌ يُصَفِدُهُ الهَوَى بِقيودِ العقاب

стр. 1014

"ما نقض قوم العهد إلا كان القتل بينهم، ولا ظهرت فاحشة في قوم إلا سلط الله عليهم الموت ولا منع قوم الزكاة إلا حبس الله عنهم القطر". (البزار ورجاله رجال الصحيح)

стр. 1015

الوصول إلى القمر لفضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز نائب رئيس الجامعة الإسلامية "ليس في الأدلة النقلية - فيما نعلم - ما يدل على امتناع الوصول إلى الكواكب " الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه، أما بعد: فقد تكرر السؤال هذه الأيام عما يدعيه بعض رواد الفضاء من الوصول إلى سطح القمر وعما يحاولونه من الوصول إلى غيره من الكواكب، ولكثرة التساؤل والخوض في ذلك رأيت أن أكتب كلمة في الموضوع تنير السبيل وترشد إلى الحق في هذا الباب - إن شاء الله - فأقول: إن الله حرم على عباده القول بغير علم وحذرهم من ذلك في كتابه المبين فقال : ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ . وأخبر سبحانه أن الشيطان يأمر بالقول عليه بغير علم فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ . وأمر سبحانه عباده المؤمنين بالتثبت في أخبار الفاسقين فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ . فالواجب على المسلمين عموما وعلى طلبة العلم خصوصا الحذر من القول على الله بغير علم.

стр. 1016

فلا يجوز لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقول هذا حلال وهذا حرام أو هذا جائز وهذا ممتنع إلا بحجة يحسن الاعتماد عليها وإلا فليسعه ما وسع أهل العلم قبله وهو الإمساك عن الخوض فيما لا يعلم وأن يقول: الله أعلم أو لا أدري. وما أحسن قول الملائكة ﵈ لربهم : ﴿سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ . وكان أصحاب رسول الله ﷺ ورضي الله عنهم إذا سألهم الرسول صلى الله عليم وسلم عن شيء لا يعلمونه قالوا: "الله ورسوله أعلم". وما ذاك إلا لكمال علمهم وإيمانهم وتعظيمهم لله وبعدهم عن التكلف ومن هذا الباب وجوب التثبت فيما يقوله الكفار والفساق وغيرهم عن الكواكب وخواصها وإمكان الوصول إليها وما يلتحق بذلك, فالواجب على المسلمين في هذا الباب كغيره من الأبواب التثبت وعدم المبادرة بالتصديق أو التكذيب إلا بعد حصول المعلومات الكافية التي يستطيع المسلم أن يعتمد عليها ويطمئن إليها في التصديق أو التكذيب, وهذا هو معنى قوله في الآية السابقة من سورة الحجرات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآية والتبين هو التثبت حتى توجد معلومات أوقرائن تشهد لخبر الفاسق بما يصدقه أو يكذبه ولم يقل سبحانه: "إن جاءكم فاسق بنبإ فردوا خبره". بل قال: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ لأن الفاسق سواء كان كافرا أو مسلما عاصيا قد يصدق في خبره فوجب الثبت في أمره وقد أنكر الله سبحانه على الكفار تكذيبهم بالقرآن بغير علم فقال جل وعلا: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ وما أحسن ما قاله العلامة ابن القيم ﵀ في قصيدته الكافية الشافية:

стр. 1017

إن البدار برد شيء لم تحط علما به سبب إلى الحرمان وأعظم من ذلك وأخطر الإقدام على التكفير أو التفسيق بغير حجة يعتمد عليها من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ ولا شك أن هذا من الجرأة على الله وعلى دينه ومن القول عليه بغير علم وهو خلاف طريقة أهل العلم والإيمان من السلف الصالح ﵃ وجعلنا من أتباعهم بإحسان وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من قال لأخيه كافر فقد باء بها أحدهما". وقال ﷺ : "من دعا رجلا بالكفر أو قال يا عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه" أي رجع عليه ما قال وهذا وعيد شديد يوجب الحذر من التكفير والتفسيق إلا عن علم وبصيرة كما أن ذلك ما ورد في معناه يوجب الحذر من ورطات اللسان والحرص على حفظه إلا من الخير - إذا علم هذا-.

стр. 1018

فلنرجع إلى موضوع البحث المقصود فنقول قد تأملنا ما ورد في الكتاب العزيز من الآيات المشتملة على ذكر الشمس والقمر والكواكب فلم نجد فيها ما يدل دلالة صريحة على عدم إمكان الوصول إلى القمر أو غيره من الكواكب وهكذا السنة المطهرة لم نجد فيها ما يدل على عدم إمكان ذلك وقصارى ما يتعلق به من أنكر ذلك أو كفر من قاله ما ذكره الله في كتابه الكريم في سورة الحجر حيث يقول سبحانه: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ . وقال تعالى في سورة الفرقان: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُنِيراً﴾ . وقال في سورة الصافات: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلأِ الأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ دُحُوراً وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ . وقال سبحانه في سورة الملك: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِلشَّيَاطِينِ﴾ . وقال في سورة نوح: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً﴾ . وظنوا أن ما ذكره الله في هذه الآيات الكريمات وما جاء قي معناها يدل على أن الكواكب في داخل السماء أو ملصقة بها فكيف يمكن الوصول إلى سطحها وتعلقوا أيضا بما قاله بعض علماء الفلك من أن القمر في السماء الدنيا وعطارد في الثانية والزهرة في الثالثة والشمس في الرابعة والمريخ في الخامسة والمشتري في السادسة وزحل في السابعة وقد نقل ذلك كثير من المفسرين وسكتوا والجواب أن

стр. 1019

يقال ليس في الآيات المذكورات ما يدل على أن الشمس والقمر وغيرهما من الكواكب في داخل السماء ولا أنها ملصقة بها وإنما تدل الآيات على أن هذه الكواكب في السماء وأنها زينة لها ولفظ السماء يطلق في اللغة العربية على كل ما علا وارتفع كما في قوله سبحانه: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ . قال جماعة من المفسرين هاتين الآيتين: إن ﴿في﴾ للظرفية وأن ﴿السماء﴾ المراد بها العلو واحتجوا بذلك على أن الله في جهة العلو فوق العرش وما ذاك إلا لأن إطلاق السماء على العلو أمر معروف في اللغة العربية وقال آخرون من أهل التفسير إن ﴿في﴾ هنا بمعنى على وأن المراد بـ ﴿السماء﴾ هنا السماء المبنية كما قال سبحانه: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ﴾ أي على الأرض وعلى هذا المعنى يكون المعنى أن الله سبحانه فوق السماء فيوافق ذلك بقية الآيات الدالة على أنه سبحانه فوق العرش وأنه استوى عليه استواء يليق بجلاله ولا يشابهه فيه استواء خلقه كما قال : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ . وقال سبحانه: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ وقال تعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ . ومن أنكر هذا المعنى ووصف الله سبحانه بخلافه فقد خالف الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة الدالة على علو الله سبحانه واستوائه على عرشه استواء يليق بجلاله من غير تكييف ولا تمثيل ولا تحريف ولا تعطيل كما خالف إجماع سلف الأمة ومن هذا الباب قوله سبحانه في سورة البقرة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً

стр. 1020

وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ . ذكر جماعة من المفسرين أن مراد الله سبحانه في هذه الآية: ﴿وأنزل من السماء ماء﴾ أن المراد بـ ﴿السماء﴾ هنا هو السحاب سمي بذلك لعلوه وارتفاعه فوق الناس ومن هذا الباب أيضا قوله في سورة الحج: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ . الآية.. قال المفسرون معناه فليمدد بسبب إلى ما فوقه من سقف ونحوه فسماه سماء لعلوه بالنسبة إلى من تحته ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ . الآية.. فقوله هنا في ﴿السماء﴾ أي في العلو وقال صاحب القاموس: "سما سموا ارتفع وبه أعلاه كأسماه"إلى أن قال: "والسماء معروفة وتذكر وسقف كل شيء"انتهى. والأدلة في هذا الباب في كلام الله وكلام رسوله محمد ﷺ وكلام المفسرين وأئمة اللغة على إطلاق لفظ السماء على الشيء المرتفع كثيرة إذا عرف هذا فيحتمل أن يكون معنى الآيات أن الله سبحانه جعل هذه الكواكب في مدار بين السماء الدنيا والأرض وسماه سماء لعلوه وليس فيما علمنا من الأدلة ما يمنع ذلك وقد ذكر الله سبحانه أن الشمس والقمر يجريان في فلك في آيتين من كتابه الكريم وهما قوله في سورة الأنبياء: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ . وقوله سبحانه في سورة يس: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ . ولو كانا ملصقين بالسماء لم يوصفا بالسبح لأن السبح هو الجري في الماء
следующие страницы →