← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 9731–9770 · переход к 9736.

стр. 9731

آية العدد لفضيلة الشيخ: أبو بكر الجزائري رئيس قسم التفسير بالجامعة الإسلامية تفسير آية من سورة النحل قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ هذه الآية هي الموفية تسعين آية من سورة النحل والتي هي السورة السادسة عشرة في ترتيب المصحف الكريم. وهي مكية من العتاق الأول، وهذه الآية منها هي أجمع آية في كتاب الله لبيان الخير والشر. شرح ألفاظ الآية: إن: حرف توكيد يدخل على الجملة الاسمية فيؤكد صحة خبرها ويثبته. الله: هو اسم الجلالة وهو علم على ذات الرب ﵎؛ ولذا هو يوصف فيقال: الله العزيز الجبار، ولا يوصف به فلا يقال السميع الله. أو الرحيم الله. ومن أحكام هذا الاسم الكريم اللفظية أنه ينطق به مفخم اللام، إلا في حال جر المضاف إليه نحو بسم الله فإنه يرقّق. ومن أحكامه الشرعية: أنه يتبرك به فيقال بسم الله عند الشروع في الأعمال الصالحة. ويتوسل به فيقال: اللهم إني أسألك باسمك الأعظم الذي إذا سئلت به أعطيت. وإذا دعيت به أجبت، ويحرم ذكره أو حمله في مواضع القذر والنجاسات كالكنف والمراحيض. الباء: هنا للتعدية، إذ أن فعل (أَمَرَ) يتعدى إلى المفعول الثاني بواسطة الباء فيقال: أمر الإمام المسلمين بالجهاد، فالجهاد مجرور بالباء ظاهرا، وفي الباطن هو منصوب لأنه مفعول ثانٍ لأَمَرَ.

стр. 9732

العدل: لفظ واسع الإطلاق؛ إذ يفسر بمعان كثيرة، هي دائرة على التوسط بين شيئين بحيث لا يميل إلى أحدهما إفراطا في جانب أو تفريطا في آخر. وهو في كل مقام بحسبه، ففي مقام العقيدة: العدل وسط بين الشرك والإلحاد، وفي مقام الحكم: وسط بين المحاباة والإجحاف، وفي مقام الإنفاق: العدل وسط بين التقتير والإسراف. ولذا عرفه بعضهم فقال العدل: التوسط في الأمور وهو رأس الفضائل كلها. و: الواو حرف عطف لا يقتضي ترتيبا ولا تعقيبا فهو لمجرد عطف شيء على آخر، فعطف به هنا الإحسان على العدل. الإحسان: مصدر أحسن يحسن إحسانا؛ العمل أتقنه وجوَّده؛ ويطلق على معان منها؛ الفضل، والإخلاص، والزيادة في الخير. فيقال أحسن فلان في عمله أو قوله إذا أتقنه وأبعده عن النقص والفساد، كما يقال أحسن فلان إلى فلان أو به، إذا عامله بالحُسن ضد القبح والإساءة. ومن أحكامه: أنه واجب في العبادات، إذ هو إتقانها وتخليصها من شوائب الشرك لله تعالى كما هو واجب بالوالدين وبذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والجار مطلقا. إيتاء: الإيتاء مصدر آتى يؤتي فلانا إذا أعطاه إياه فهو بمعنى أعطى سواء بسواء غير أنه لم يستعمل غالبا في أداء الحقوق إلا بلفظ "أتى"ولعله إشارة إلى أن المرء إذا أراد أن يعطي حقا لصاحبه عليه أن يأتي هو بنفسه ويعطيه ذلك الحق، لما في ذلك من مزيد الاحترام والاعتراف، ويكون هذا كالإشارة في قوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ فإن الباء هنا بدل عن إلى؛ إذ يقال أحسن إلى فلان، وأما بفلان فإنه إشارة إلى إلصاق الإحسان به إذ في الإمكان أن يرسل الولد طعامه أو شرابه إلى والده مع خادم مثلا، ولكن الأولى به أن يأتي هو به ليضعه في يد والده أو حتى في فمه؛ إذ هذا أبلغ في البر وأكمل في الإحسان.

стр. 9733

ذي: إسم بمعنى صاحب وتعرب بالحروف فترفع بالواو، وتنصب بالألف، وتجر بالياء كما هي هنا وإذا ثنيت قيل فيها: ذوا رفعا، وذوَيْ نصبا وجرا، وإذا جمعت قيل فيها: ذوو رفعا وذوي بكسر الواو نصبا وجرا. وهي دائما بمعنى صاحب، وصاحبَيْ وأصحاب. القربى: في الأصل هو مصدر، وهي بمعنى القرابة، والقرابة هي الدنو في النسب، والقرب في الرحم فذي القربى هو صاحب القرابة التي هي دنو في النسب وقرب في الرحم. و: تقدم الكلام عليها. ينهى: فعل مضارع ماضيه: نهى عن الشيء إذا منع فاعله من فعله، وجيء به هنا مضارعا كما في قوله: إن الله يأمر، من أجل إفادة الحدوث والتجدد، إذ أمر الله بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى حقه كنهيه عن الفحشاء والمنكر والبغي، أمر يتجدد في كل آن ويحدث عند كل تقصير في ترك المأمور به، أو فعل المنهي عنه. عن: حرف جر ولها معان عدة؛ وهي هنا للمجاورة والتعدية؛ إذ إن فعل (نهى) يتعدى إلى مفعولين الأول بنفسه والثاني بواسطة حرف الجر "عن"يقال: نهى الله العباد عن الظلم، فالعباد المفعول الأول والثاني الظلم غير أن الظلم وإن كان مفعولا في الباطن فهو مجرور بحرف الجر في الظاهر. الفحشاء: الإسم من الفحش، ويطلق لفظ الفحشاء على كل خصلة قبيحة شديدة القبح حتى أطلق في لسان العرب على منع الغنيّ وهو الشح والبخل، وسؤاله وهو الامتهان والطمع، فالغني إذا سئل مالا فمنعه بخلا به قد ارتكب فاحشة شديدة وهي البخل قال الله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ وهو البخل. كما أن الغني إذا سأل غيره مالا كان قد ارتكب فاحشة بسؤاله وهو غني؛ لأن الناس يستعظمون سؤاله ويعجبون منه فكان سؤال الغني الفحشاء، يبد أن الفحشاء إذا أطلقت في القرآن تتناول أولا فاحشة الزنى واللواط ثم تعم كل خصلة قبيحة شديدة القبح. و: تقدم شرح هذا الحرف.

стр. 9734

المنكر: اسم مفعول من أنكر الشيء ينكره إذا لم يعرفه أو لم يعترف به جائزا أو صالحا نافعا مفيدا، وهو هنا: كل ما أنكره الشرع لفساده وضرره من كل المعتقدات والأقوال والأفعال. و: تقدم شرحها. البغي: ظلم الناس والاستطالة والتكبر عليهم، وكل مخالفة للحق فهي ظلم، والنهي واجب عنها. يعظكم: يأمركم وينهاكم ناصحا لكم، إذ الوعظ هو النصح والتذكير بما يحمل على التوبة، بفعل الواجب والمندوب، وترك المحرم والمكروه. لعلكم: لعل حرف مشبه بالفعل ينصب الاسم ويرفع الخبر، ولها معان منها الترجي كما هي هنا له، وقد تكون للتعليل وهي صالحة هنا له أيضا، والضمير في لعلكم للمخاطبين وهم المؤمنون الذين أمرهم الله ونهاهم إعدادا لهم للكمال والسعادة في الدنيا والأخرى. تذكرون: فعل مضارع مسند إلى واو الجماعة، ويقرأ بتشديد الذال وتخفيفها وهما قراءتان سبعيتان، فالتخفيف على إسقاط إحدى التاءين، إذ الأصل تتذكرون، والتشديد على إسكان التاء الثانية وإدغامها في الذال وهذا الحذف والإدغام إنما هو لأجل التخفيف لا غير. ومعنى تذكرون: تتعظون يقال ذكره إذا وعظه، والأصل تذكيره بما فرط فيه من الواجبات، وبما ارتكبه من المنهيات، مبيّنا له عواقب ذلك، حتى يذكر فإذا ذكر عزم على التوبة، وهو معنى اتعظ، يقال وعظه فاتعظ، أي أثر فيه تذكيره حتى عزم على التوبة وتاب. معنى الآية الكريمة يخبر الله تعالى أنه يأمر عباده في كتابه العزيز بفعل ثلاثة أمور، وترك ثلاثة أخرى؛ إذ كمالهم وسعادتهم متوقفان على ذلك، فالأمور التي أمر بفعلها هي العدل، والإحسان، وإيتاء ذي القربى، والتي نهى عن فعلها هي الفحشاء، والمنكر، والبغي. ولما كان الامتثال يتوقف على معرفة المأمور به، والمنهي عنه، وجب على المؤمنين معرفة ذلك، وهذا بيانه:

стр. 9735

أما العدل فهو أن يعبد الله وحده، ولا يشرك بعبادته أحدا، إذ عبادته تعالى وحده حق له على عباده وجب عليهم بخلقه إياهم، ورزقهم، وتربيتهم، وحفظهم، وتدبير حياتهم، فتضييع هذا الحق لله تعالى وإهداره ظلم عظيم يتنافى مع العدل الذي أمر الله به عباده في هذه الآية، كما أن إشراك بعض خلقه في عبادته التي وجبت له هضم لحق الله تعالى وظلم لا يتفق مع العدل الواجب القيام به. وبما أن العدل يشمل أمورا كثيرة كلها مرادة لله تعالى ومحبوبة له فلنبين طرفا منها لتعرف ويمتثل أمر الله تعالى فيها: ١- العدل في الأحكام: لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ . والحكم بالعدل: أن يعطى من حكم بين اثنين الحق لصاحبه، ويمنع منه الباغي عليه، فالحكم بالعدل في كل القضايا والأمور أمر محبوب لله تعالى مراد له، ولذلك أمر به وواعد خيرا عليه، فقد قال رسول الله ﷺ : "إن المقسطين عند الله يوم القيامة على منابر من نور على يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهلهم وما وَلُوا" (رواه مسلم) . ٢- العدل في القول؛ لأمر الله تعالى به في قوله: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ ، فواجب كل من قال مخبرا أو شاهدا أو آمرا أو ناهيا أن يعدل في قوله فلا يحيف ولا يجور، ولا يكذب، ولكن يعدل ويصدق، ولو كان المقول فيه أو له أقرب قريب من القائل. ٣- العدل في العطية للأولاد بحيث يسوي بينهم، ولا يفضّل أحدا على آخر لقوله ﷺ : "اتقوا الله واعدلوا في أولادكم" وقوله: "سَوُّوا بين أولادكم في العطية".

стр. 9736

٤- العدل بين الزوجات. فمن كان له زوجتان فأكثر وجب عليه أن يعدل بينهما في الغذاء، والكسوة، والسكن، والفراش، وإلا تعرض لوعيد شديد ينال أهل الحيف والجور من الناس، فقد روى الترمذي بسند صحيح عنه ﷺ : "من كانت له امرأتان يميل لإحداهما على الأخرى جاء يوم القيامة يجرّ أحد شقّيه ساقطا أو مائلا". العدل في الرعية فمن استرعاه الله تعالى أمّة فولاه عليها وجب عليه أن يسوسها بالعدل فيسوي بين أفرادها في الحقوق والواجبات طلبا للعدل وتحقيقا له بين أفرادها، ولا يتم لحاكم ذلك مهما كان، ما لم ينفذ أحكام الله برمّتها، فمن أعطاه الله أعطاه، ومن منعه الله منعه، ومن أكرمه الله بطاعته وتقواه أكرمه، ومن أهانه الله بفجوره أهانه. كل هذا داخل في الأمر بالعدل وهو مراد لله ومحبوب له، ولذا أمر به، ودعا إليه. أما الإحسان: وهو الأمر الثاني في الآية فإنه قوام أعمال القلوب والجوارح كلها فلا يتم عمل الإنسان ولا يصلح إلا عليه. أخبر رسول الله ﷺ بأن الله كتبه في كل شيء ففي حديث مسلم: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبحة وليُحِدَّ أحدكم شفرته وليرح ذبيحته". والإحسان ضد الإساءة والفساد، ولذا افتقرت كل الأعمال والأقوال إليه، وأعمال القلوب كأعمال الجوارح في الإحسان. وهو – أي الإحسان – في العبادات أن تؤدى كاملة صحيحة وذلك باستيفاء شروطها وأركانها واستيفاء سننها وآدابها مع الإخلاص لله تعالى فيها. وهو - أي الإحسان - في المعاملات؛ إن كان للوالدين، فهو برهما الذي هو طاعتهما في المعروف وإيصال الخير إليهما، وكف الأذى عنهما، والدعاء والاستغفار لهما في حياتهما وبعد موتهما، وإنفاذ عهدهما وإكرام صديقهما.

стр. 9737

وهو للأقارب برّهم، وصلتهم، ورحمتهم، والعطف عليهم، وفعل ما يحمد فعله معهم، وترك ما يسيء إليهم، أو يقبح قوله، أو فعله معهم. وهو - الإحسان - لليتامى: المحافظة على أموالهم، وحماية حقوقهم، وتربيتهم وتأديبهم وترك أذاهم، وعدم قهرهم، والهشّ في وجوههم، والبش عند مخاطبتهم. وهو - الإحسان – للمساكين سدّ جوعهم، وستر عورتهم، والحث على إطعامهم، وعدم المساس بكرامتهم، فلا يحتقرون، ولا يزدرون، ولا ينالون بسوء أو يمسون بمكروه. وهو لابن السبيل قضاء حاجته، وسدّ خلته، ورعاية ماله، وصيانة كرامته، وإرشاده إن استرشد، وهدايته إن ضل. وهو - الإحسان – للخادم: إعطاؤه أجره قبل أن يجف عرقه، وعدم إلزامه ما لا يلزمه، وعدم تكليفه ما لا يطيق، وصون كرامته، واحترام شخصيته. وهو - الإحسان - لعموم الناس، التلطف في القول لهم، ومجاملتهم في معاملتهم، ومخاطبتهم مع أمرهم بالمعروف إن تركوه، ونهيهم عن المنكر إن ارتكبوه، وإرشاد ضالهم، وتعليم جاهلهم وإنصافهم من النفس، والاعتراف بحقوقهم، وكف الأذى عنهم، بعدم ارتكاب ما يضرهم، أو فعل ما يؤذيهم. وهو – الإحسان - للحيوان إطعامه إذا جاع، ومداواته إن مرض، وعدم تكليفه ما لا يطيق، وعدم حمله على ما لا يقدر، بالرفق به إن عمل، وإراحته إن تعب. وهو - أي الإحسان - في الأعمال البدنية الدنيوية بإجادة العمل، وإتقان الصّنعة، وتخليص سائر الأعمال من الغش والفساد. هذا هو الإحسان المأمور به في الآية الكريمة، وهو مأمور به في كل شيء، لتوقف صلاح الأعمال عليه، ومما يساعد على تحقيق هذا المبدأ، أو تنفيذ هذا الأمر الإلهي العظيم، مراقبة الله تعالى عند القيام بأي فعل، وذلك لإرشاد النبي ﷺ إلى ذلك بقوله: "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك".

стр. 9738

وأما إيتاء ذي القربى: فإنه المطلب الثالث في هذه الآية الكريمة، وهو الاعتراف بحقوق ذوي القربى المالية كالإرث ونحوه، وغير المالية من البر والصلة، فهذا الحق يجب أن يعترف به ويسلم إلى أهله، طاعة لله تعالى في أمره به. إن في إيتاء ذي القربى حقه، وما يجب له على قريبه من أسباب كمال الأمة وقوتها وسعادتها، ما يوجد في إقامة العدل، وتعميم الإحسان. إن في إيتاء ذي القربى حقه من تماسك الأفراد، وترابط الأسر ما يجعل الأمة قادرة على إقامة العدل وبذل الإحسان، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبالجملة فإن هذا المطلب لا يقل أهمية عن المطلبين السابقين له وهما العدل والإحسان وبتحقيق هذه المطالب الثلاثة والتي هي جماع الخير كله يتم للأمة التي تنشد السعادة والكمال نصف بناء صرح سعادتها وكمالها، ويقى النصف الثاني متعلقا باجتناب المنهيات الثلاثة؛ الفحشاء، والمنكر، والبغي، فمتى حققت الأمة تلك المطالب واجتنبت هذه المناهي فقد أقامت صرح حضارتها، وعزتها وسعادتها، وكمالها، وتسنمت ذرى الشرف والمجد بين الأمم والشعوب. ومما ينبغي التنبيه إليه هنا هو أن السلب كالإيجاب في التأثير على كمال الأمة وسعادتها، فإن اجتناب المنهيات الثلاثة وهو سلب محض لا يقل خطورة وتأثيرا عن فعل المأرات الثلاثة والتي هي إيجاب حقيقي، إن المأمورات الثلاثة إذا كانت قد جمعت كل عناصر الخير، فإن المنهيات الثلاثة قد جمعت عناصر كل الشر ومن هنا وجب عدم التساهل في أيّ منها فعلا وتركا. أو سلبا وإيجابا، فإذا كان إقامة العدل، وتعميم الإحسان، وترابط الأفراد برباط الحب والولاء، دعائم صرح سعادة الأمة وكمالها فإن إشاعة الفحشاء، وظهور المنكر، وسيادة البغي، مقوّضات لصرح كمال الأمة، ومدمرات له.

стр. 9739

ومن هنا كان النهي عن المنكر ملازما للأمر بالمعروف، إذ الأمر بالمعروف أمر بالبناء، والنهي عن المنكر نهي عن التخريب والتدمير، ولذا كان لا غنى لأحدهما عن الآخر، إذ لا فائدة في بناء يقام اليوم ويهدم غدا. وبالتتبع للآيات القرآنية التي ذكر فيها الأمر بالمعروف نجد أن النهي عن المنكر مقرونا بها لا يفارقها بحال، فآية آل عمران يقول تعالى فيها: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ . وآية التوبة يقول تعالى فيها: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ . وآية الحج يقول سبحانه فيها: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ وكل الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية فإنها ما ذكرت الأمر بالمعروف إلا مقرونا بالنهي عن المنكر كقوله ﷺ : "لتأمرن بالمعروف ولتنهَوُنّ عن المنكر"... الحديث... وقوله: "مُر بالمعروف وانْهَ عن المنكر ... " الحديث، وذلك أن المعروف بناء، والمنكر هدم فمن أمر ببناء ولم ينه عن هدمه مع وجود مقتضيات الهدم، كان قد جانب الحكمة، وأخطأ الصواب، إن من أقام صرحا، أو غرس غرسا، وجب عليه حمايته من أيدي العوادي تعدو عليه، وإلا فقد أضاع جهده، وخسر عمله، وبالجملة فإن ترك المنهيات الثلاثة في الآية الكريمة وهي الفحشاء والمنكر والبغي، ضروري لبقاء العدل، والإحسان ودوام التماسك والترابط بين أفراد المجتمع، وإلا فسيزول العدل ويذهب الإحسان، وتتقطع روابط المودة والولاء، وتحلّ الكوارث وينزل البلاء، كما هو مشاهد في حياة الناس اليوم. والله المستعان، وعليه وحده التكلان.

стр. 9740

الرد على من كذب بالأحاديث الصحيحة الواردة في المهدي لفضيلة الشيخ عبد المحسن العباد عضو هيئة التدريس بالجامعة الإسلامية. ٢٤- قال الشيخ ابن محمود في ص٦٩: "ونحن في كلامنا عن السنة إنما نتكلم عن الأحاديث الصحيحة الصريحة التي قام جهابذة النقاد العلماء على تمحيصها وتصحيحها حتى جعلوها عمدة في العقائد والأحكام وأمور الحلال والحرام، وإلا فإنه من المعلوم أن الوضاعين الكذابين قد أدخلوا كثيرا من الأحاديث المكذوبة في عقائد المسلمين وأحكامهم حتى صار لها الأثر السيء في العقائد والأعمال لكن المحققين من علماء المسلمين قد قاموا بتحقيقها وبينوا بطلانها وأسقطوها عن درجة الاعتبار وحذروا الأمة منها من ذلك أحاديث المهدي المنتظر وأنه يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا ونحو ذلك مما يقولون".

стр. 9741

والجواب أن نقول: أفلح إن صدق في قوله: "ونحن في كلامنا عن السنة إنما نتكلم عن الأحاديث الصحيحة التي قام جهابذة النقاد العلماء على تمحيصها وتصحيحها حتى جعلوها عمدة في العقائد والأحكام وأمور الحلال والحرام"فإن الجهابذة النقاد من العلماء مثل العقيلي والبيهقي والخطابي والقرطبى والذهبي وابن تيمية وابن القيم وابن كثير والسخاوي وغيرهم من المتقدمين والمتأخرين قالوا بصحة كثير من الأحاديث الواردة في المهدي ومنهم من قال بأنها متواترة وهم أهل الخبرة في الحديث والاختصاص فيه وإليهم المرجع في معرفة صحيحه وضعيفه، أما ما ذكره الشيخ ابن محمود من أن الوضاعين الكذابين قاموا بوضع الأحاديث وأن المحققين من العلماء قاموا بتحقيقها وبينوا بطلانها وأسقطوها عن درجة الاعتبار وحذروا الأمة منها فهو كلام حق لكن تمثيله لهذه الأحاديث الموضوعة بأحاديث المهدي منكر من القول لأن الجهابذة النقاد الذين يعتمد على حكمهم لم يقل أحد منهم أنها ضعيفة كلها فضلا عن القول بأنها موضوعة والذي اشتهر عنه في القرون الماضية محاولة تضعيف أحاديث المهدي وهو ليس من أهل الاختصاص ابن خلدون ومع ذلك اعترف بسلامة بعضها من النقد كما سبق إيضاح ذلك.

стр. 9742

وبناء على هذا فما زعمه ابن محمود من أن أحاديث المهدي من قبيل الأحاديث الموضوعة التي قام المحققون من العلماء بتحقيقها وبينوا بطلانها وأسقطوها عن درجة الاعتبار وحذروا الأمة منها هو زعم باطل وكلام ساقط عن درجة الاعتبار ولا يستطيع أن يسمي واحدا من العلماء المحققين المعتد بهم قال بأن أحاديث المهدي موضوعة مبينا المصدر الذي استند إليه في ذلك أما مجرد الزعم الخاطئ العاري عن الصحة الخالي من الصدق فقد نسب إلى الإمامين الجليلين الدارقطني والذهبي أنهما يعتبران أحاديث المهدي مما لا يجوز النظر فيه وهما بريئان من هذه الفرية براءة الشمس من اللمس وبراءة الذئب من دم يوسف ﵊ وسبق أن أوضحت هذا في رقم (١٩) . ٢٥- وقال في ص٧٠: "ولست أنا أول من قال ببطلان دعوى المهدي وكونه لا حقيقة لها فقد سبقني من قال بذلك من العلماء المحققين"ومثل بالشيخ محمد بن عبد العزيز المانع والشيخ محمد رشيد رضا. وقال في ص ٦: "إننا لسنا بأول من كذب بهذه الأحاديث - يعني الأحاديث الواردة في المهدي - فقد أنكرها بعض العلماء قبلنا فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في المنهاج بعد ذكره لأحاديث المهدي، أن هذه الأحاديث في المهدي قد غلط فيها طوائف من العلماء فطائفة أنكروها، مما يدل على أنها موضع خلاف من قديم بين العلماء كما هو الواقع من اختلاف العلماء في هذا الزمان". يجاب على ذلك بما يلي:

стр. 9743

أولا: أن شيخ الإسلام ابن تيمية قال في منهاج السنة: "وهذه الأحاديث غلط فيها طوائف، طائفة أنكروها واحتجوا بحديث ابن ماجه أن النبي ﷺ قال: "لا مهدي إلا عيسى بن مريم" وهذا الحديث ضعيف وقد اعتمد أبو محمد الوليد البغدادي وغيره عليه وليس مما يعتمد عليه"، هذا ما قاله شيخ الإسلام عن هذه الطائفة التي أنكرت هذه الأحاديث فإنها قد عولت على حديث ضعيف لا يعول عليه ولم يسم شيخ الإسلام سوى أبي محمد بن الوليد البغدادي وقد بحثت عن هذا الرجل فلم أقف له على ترجمة، أما الشيخ محمد بن عبد العزيز المانع فلم يضعف الأحاديث الواردة في المهدي بل قال بتصحيح بعض هذه الأحاديث وقد بين ذلك في رسالة سماها: ((تحديق النظر بأخبار الإمام المنتظر)) وقد نقلت جملا من كلامه في ذلك في رقم (١٣) وأما الشيخ محمد رشيد رضا فقد أوضحت في رقم (١٥) أنه سقط وتردى في إنكار رفع عيسى ﵊ حيا ونزوله من السماء وأنه ليس بمستغرب عليه أن يسقط ويتردى في إنكار خروج المهدي في آخر الزمان ومن كانت هذه حاله يحصل من قلده في سقوطه وترديه الإضرار بنفسه.

стр. 9744

ثانيا: أنه قد عرف من قديم الزمان عن الشيخ ابن محمود أنه عندما يشذ في مسألة يشعر بالوحشة فيسلي نفسه بمثل هذه العبارات فيقول لست أنا أول من قال بكذا بل سبقني إليه فلان وفلان فقد ألف رسالة قبل ربع قرن من الزمان تخبط فيها في بعض مسائل الحج وقد رد عليه سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل إبراهيم مفتي الديار السعودية في زمانه رحمه الله تعالى في رسالة سماها: ((تحذير الناسك مما أحدثه ابن محمود في المناسك)) طبعت في عام ١٣٧٦هـ قال ﵀ في ص٥٠: "وقد أحس هذا الرجل - يعني الشيخ ابن محمود - أنه وقع في أسوء ورطة فقال: "وبالتأمل لما قلناه يعلم أن كلامنا ليس بأول مطر أصاب أرض الفلاة ولا هو أول آذان أقيمت له الصلاة"فوجد وحشة الوحدة وظلمة فقد الحجة فسلى نفسه بذكر من تصور أن قولهم بمثل مقاله ينفي الوحدة، ولعمري ما له في هذا الطريق من رفيق وهؤلاء الذين اعتمدهم في مسلكه لم يشاركوه في سوء صنيعه ومهلكه فهم إن صح النقل عنهم إنما هو القول بالجواز لا الرد على العلماء ولا السعي في أن يجمعوا على خلاف السنة والخروج عن طريق أهل الجنة جميع الورى ولم يرموا واحدا من الأمة بالجمود والتقيد بدين الآباء والجدود فضلا عن أن يرموا بذلك كافة العلماء وحينئذ تكون مقالته أول مطر سوء أصاب أرض الفلاة وأول بوق أذان برفض السنة أصغى إليه الجفاة فوالله ما دعا قبله إلى هذه المقالة من إنسان ولا جلب بخيله وبرجله في زلزلة مناسك الحج ذو إيمان"، هذا ما قاله سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل شيخ ﵀ في الشيخ ابن محمود وفقه الله قبل خمسة وعشرين عاما..

стр. 9745

وإذا تأمل القارئ قوله ﵀: "وحينئذ تكون مقالته أول مطر سوء أصاب أرض الفلاة وأول بوق أذان برفض السنة أصغى إليه الجفاة"يتبين له بوضوح صدق فراسة هذا الرجل العظيم عليه من الله الرحمة والمغفرة فإن الشيخ ابن محمود قد ألف بعد ذلك رسائل حاد في بعضها عن الصواب من ذلك رسالته التي أسماها ((الإيمان بالقضاء والقدر على طريقة أهل السنة والأثر)) ، ورسالته التي أسماها ((إتحاف الأحفياء برسالة الأنبياء)) فقد تخبط في هاتين الرسالتين وقد رد عليه في أخطائه فيهما فضيلة الشيخ حمود بن عبد الله التويجري وفقه الله في رسالة سماها: ((فتح المعبود في الرد على ابن محمود)) تقع في مائة وسبع وثمانين صفحة وقد قامت بطباعتها لتوزيعها رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد ومن ذلك رسالة أسماها ((الدلائل العقلية والنقلية في تفضيل الصدقة عن الميت على الضحية وهل الضحية عن الميت شرعية أو غير شرعية)) وقد رد عليه في أخطائه في هذه الرسالة سماحة الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد رئيس المجلس الأعلى للقضاء في رسالة سماها ((غاية المقصود في التنبيه على أوهام ابن محمود)) تقع في مائة واثنتي عشرة صفحة كما رد عليه في أخطائه في هذه الرسالة الشيخ علي بن عبد الله الحواس في كتاب سماه ((كتاب الحجج القوية والأدلة القطعية في الرد على من قال إن الأضحية عن الميت غير شرعية)) يقع قي مائتين وخمس وثمانين صفحة ومن ذلك رسالته التي أسماها: ((فصل الخطاب في إباحة ذبائح أهل الكتاب)) ، له فيها أخطاء منها إباحته ذبائح المشركين ورسالة له تقع في أربع ورقات سماها ((جواز الإحرام من جدة لركاب الطائرات والسفن البحرية)) وقد رد عليه في هاتين الرسالتين سماحة الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد في رسالة سماها ((حكم اللحوم المستوردة وذبائح أهل الكتاب وغيرهم)) يليه تنبيهات على أن جدة ليست ميقاتا وهي تقع في مائة واثنتي عشرة صفحة، وهذه الأخطاء

стр. 9746

التي وقع فيها في رسائله المتعددة متفاوتة فإن بعضها من الأمور الفرعية التي يكون للاجتهاد فيها مجال لكن في حق من يكون أهلا للاجتهاد وبعضها من الأمور التي لا مجال فيها للاجتهاد مثل مسائل القضاء والقدر ومسألة خروج المهدي في آخر الزمان فإنه لا مجال للاجتهاد في مثل ذلك. وعملا بقوله ﷺ : "الدين النصيحة" فإن نصيحتي لفضيلة الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود أن يعمل على أن تكون رسالته في المهدي هذه آخر رسالة من هذا النوع من الرسائل التي شغل طلاب العلم في الرد عليها وأن يجتهد - وقد دخل في العقد الثامن من عمره - في عمارة ما بقى من حياته فيما يعود عليه وعلى المسلمين بالخير والعاقبة الحميدة في الدنيا والآخرة. ٢٦- قال الشيخ ابن محمود في ص (٧٠) : "وأنه بمقتضى التأمل للأحاديث الواردة في المهدي نجدها من الضعاف التي لا يعتمد عليها وأكثرها من رواية أبى نعيم في حلية الأولياء وكلها متعارضة ومتخالفة ليست بصحيحة ولا صريحة ولا متواترة لا باللفظ ولا بالمعنى". والجواب: أن هذا الكلام واضح في أن الشيخ ابن محمود يعتبر كتاب حلية الأولياء لأبي نعيم أوسع مصدر اشتمل على أحاديث المهدي وليس الأمر كذلك فقد جمع الشيخ عبد العزيز بن محمد بن الصديق الغماري أطراف أحاديث الحلية كتاب مطبوع سماه ((البغية فى ترتيب أحاديث الحلية)) يشتمل على أكثر من أربعة آلاف حديث وليس فيها حديث طرفه المهدي إلا حديث "المهدي منا أهل البيت يصلحه الله في ليلة" وهذا دليل واضح من كلام ابن محمود على قلة معرفته بأحاديث المهدي وأنه لا يعرف أين تقل وأين تكثر وبالتالي فحكمه عليها أنها من الضعاف التي لا يعتمد عليها وأنها كلها متعارضة متخالفة ليست بصحيحة ولا صريحة ولا متواترة باللفظ ولا بالمعنى حكم على غير بينة وهدى بل على ظن لا يغني من الحق شيئا ورحم الله من قال خيرا فغنم أو سكت فسلم.

стр. 9747

٢٧- وقال في ص (٢٩) : "والمهدي متى قلنا بتصديق الأحاديث الواردة فيه ليس بملك معصوم ولا نبي مرسل ما هو إلا رجل عادي كأحد أفراد الناس إلا أنه عادل يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا وكل الأحاديث الواردة فيه ضعيفة ويترجح بأنها موضوعة على لسان رسول الله ولم يحدث بها". والجواب: أن أهل السنة والجماعة يقولون بتصديق الأحاديث الصحيحة الواردة في المهدي لثبوتها عن الرسول ﷺ وهو عندهم غير معصوم وما هو إلا رجل كأحد الناس إلا أنه عادل يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا ولو قال بذلك الشيخ ابن محمود لكان على منهج أهل السنة والجماعة المتبعين لما صحت به الأحاديث عن الرسول ﷺ لكنه قلد بعض كتاب القرن الرابع عشر الذين حكَّموا العقول في النقول فحادوا عن جادة الصواب أمثال أحمد أمين ومحمد فريد وجدي ومن على شاكلتهما أما قوله: "وكل الأحاديث الواردة فيه ضعيفة ويترجح بأنها موضوعة على لسان رسول الله ﷺ ولم يحدث بها" فليس له فيه سلف في الماضين حتى ابن خلدون فإنه لم يقل بتضعيفها كلها كما سبق إيضاح ذلك في رقم (١٠) ولكن مثل هذا الكلام من مجازفات وتخرصات بعض كتاب القرن الرابع عشر نعوذ بالله من الخذلان. ٢٨ – وقال الشيخ بن محمود في ص (٩) : لكن المتعصبين لخروجه - يعني المهدي - لما طال عليهم الأمد ومضى من الزمان أربعة عشر قرنا وما يشعرني أن يأتي من الزمان أكثر مما مضى بدون أن يروه حتى تقوم الساعة لهذا أخذوا يمدون في الأجل ليثبتوا بذلك استقامة قولهم عن السقوط، فأخذوا يبثون في الناس بأنه لن يخرج إلا زمن عيسى بن مريم مع العلم أن الأحاديث التي بأيديهم والتي يزعمونها صحيحة ومتواترة والتي رواها الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وردت مطلقة لم تقيد بزمن عيسى إلا حديث صلاة عيسى خلف المهدي قال الذهبي وعلي القارئ: "إنه موضوع أي مكذوب فسقط الاحتجاج به"انتهى.

стр. 9748

أقول: أبرز الأخطاء التي اشتمل عليها كلام ابن محمود هذا خطآن أحدهما زعمه أن أهل السنة القائلين بصحة خروج المهدي لما مضى من الزمان أربعة عشر قرنا دون أن يخرج المهدي أخذوا يمدون في الأجل ليثبتوا بذلك سلامة قولهم من السقوط فأخذوا يبثون في الناس بأنه لن يخرج إلا زمن عيسى ابن مريم وكأن القول بخروجه زمن عيسى بن مريم نشأ في القرن الرابع عشر، والثاني زعمه أن حديث صلاة عيسى خلف المهدي موضوع وعزوه ذلك إلى الذهبي وعلي القارئ، والجواب عن الخطأ الأول أن القول بتحديد وقت خروج المهدي في الزمن الذي يكون فيها عيسى ﵊ هو قول أهل السنة والجماعة في القديم والحديث وقد بدأ ذلك من حين تكلم به الذي لا ينطق عن الهوى ﷺ حيث تلقى الأحاديث في ذلك عنه صحابته الكرام وتلقاه عنهم التابعون وسار على نهجهم في ذلك التابعون لهم بإحسان ولم يكن القول به بدأ في القرن الرابع عشر كما يقتضيه كلام ابن محمود وقد قال الإمام أبو الحسين محمد بن الحسين الأبري المتوفى سنة (٣٦٣ هـ) في كتابه مناقب الشافعي: "وقد تواترت الأخبار واستفاضت عن رسول الله ﷺ بذكر المهدي وأنه من أهل بيته وأنه يملك سبع سنين وأنه يملأ الأرض عدلا وأن عيسى يخرج فيساعده على قتله الدجال وأنه يؤم هذه الأمة ويصلي عيسى خلفه"وكلام أبي الحسين الأبري هذا نقله عنه الإمام ابن القيم في كتابه المنار المنيف في الصحيح والضعيف ونقله قبله عنه القرطبي في التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة وأبو الحجاج المزي في كتابه تهذيب الكمال ونقله بعدهم الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابيه تهذيب التهذيب وفتح الباري ونقله السيوطي في العرف الوردي في أخبار المهدي ونقله غير هؤلاء من الأئمة.

стр. 9749

وكلام أبي الحسين الأبري هذا يوجد في كتاب ابن القيم المنار المنيف قبل الكلام الذي نقله ابن محمود في ص٥٣ من رسالته عن ابن القيم في المنار المنيف يوجد قبله بورقة واحدة ومع ذلك يزعم ابن محمود في كلامه هذا أن القائلين بخروج المهدي لما مضى أربعة عشر قرنا دون أن يخرج أخذوا يمدون في الأجل لثيبتوا بذلك سلامة قولهم من السقوط فأخذوا يبثون في الناس بأنه لن يخرج إلا زمن عيسى بن مريم وليس بمستغرب أن يعمى الشيخ ابن محمود أو يتعامى عن كلام أبي الحسين الأبري المتوفى سنة ٣٦٣ هـ هذا فقد عمي أو تعامى عن كل ما أورده ابن القيم في المنار المنيف من تصحيح لأحاديث المهدي وعزا إلى ابن القيم أنه يضعف أحاديث المهدي وينتقدها وهو خلاف الواقع كما سبق أن أوضحته في رقم (١١) وكما في قوله في ص٥٥: "فهذا كلام ابن القيم قد انحى فيه بالملام وتوجيه المذام على سائر الفرق التي تدعي بالمهدي ولم يستثن فرقة عن فرقة لكونها دعوى باطلة من أصلها" انتهى، قال ابن محمود هذا الكلام وغيره عن ابن القيم مع أن كلام ابن القيم في المنار المنيف في إثبات خروج المهدي آخر الزمان وفي تصحيحه لكثير من الأحاديث الوادرة فيه واضح وضوح الشمس في رابعة النهار كما مر إيضاح كلامه ﵀ في ذلك.

стр. 9750

والجواب عن خطئه الثاني وهو زعمه أن حديث صلاة عيسى خلف المهدي موضوع وعزوه ذلك إلى الذهبي وعلي القارئ أن يقال لم يذكر ابن محمود لفظ الحديث الذي زعم أنه موضوع وقد ذكره في ص٥١ حيث قال: "وهنا حديث كثيرا ما يحتج به المتعصبون للمهدي وهو أن المهدي مع المؤمنين يتحصنون به من الدجال وأن عيسى ﵇ ينزل من منارة مسجد الشام فيأتي فيقتل الدجال ويدخل المسجد وقد أقيمت الصلاة فيقول المهدي تقدم يا روح الله فيقول إنما هذه الصلاة أقيمت لك فيتقدم المهدي ويقتدي به عيسى ﵇ إشعارا بأنه من جملة الأمة ثم يصلي عيسى ﵇ في سائر الأيام قال علي بن محمد القارئ في كتابه الموضوعات الكبير بأنه حديث موضوع"انتهى، هكذا عزا الشيخ ابن محمود إلى الشيخ علي القارئ في كتابه الموضوعات الكبير أنه يقول عن هذا الحديث إنه موضوع مع أن الذي قاله الشيخ علي القارئ عنه أنه ثابت وذلك في ص١٦٤ من كتاب الموضوعات الكبير وقد أوضحت هذا في رقم (٢٢) وبينت أن نزول عيسى ﵊ عند المنارة البيضاء شرقي دمشق وقتله الدجال بباب لد وصلاته خلف إمام المسلمين في ذلك الزمان ثابت في صحيح مسلم وغيره وكون ذلك الإمام الذي يصلي عيسى بن مريم خلفه يقال له المهدي ثابت في مسند الحارث بن أبي أسامة وبهذا يتضح أن عزو ابن محمود إلى الشيخ علي القارئ القول بأن حديث صلاة عيسى خلف المهدي موضوع خلاف الواقع وقد أضاف هنا أن الذهبي قال إن حديث صلاة عيسى خلف المهدي موضوع وهذا أيضا بلا شك خلاف الواقع. ٢٩ – وقال الشيخ ابن محمود في ص٣١: "لم يكن من هدي رسول الله ﷺ ولا من شرعه أن يحيل أمته على التصديق برجل في عالم الغيب وهو من أهل الدنيا ومن بني آدم فيخبر عنه أنه يفعل كذا وكذا مما يوجب الاختلاف والاضطراب بين الأمة".

стр. 9751

والجواب أن من هدي رسول الله ﷺ وشرعه أنه يخبر أمته عما شاء الله أن يخبرهم به من أمور الغيب سواء كان ذلك عن الماضي أو المستقبل أو عما هو موجود غير مشاهد ولا معاين ومن ذلك إخباره ﷺ عن أمور مستقبلة منها ما هو قبل قيام الساعة ومنها ما هو بعدها ومنها ما في زمن قريب من زمن النبوة ومنها ما هو بعيد عن زمنها وسأمثل فيما يلي لأخباره ﷺ عن أشخاص يأتون بعد زمنه وهم من أهل الدنيا ومن بني آدم منهم من أتى وفقا لما أخبر به ﷺ ومنهم من لم يأت بعد زمانه وسيأتي في حينه طبقا لما أخبر به ﷺ وأهل السنة والجماعة لا يترددون في تصديق ما صح عنه من أخبار ويعتقدون أن ما صح إخباره به لا بد أن يقع على النحو الذي أخبر به الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 9752

فمن ذلك إخباره ﷺ بمجيء أويس القرني من اليمن وذكره ﷺ له باسمه وبيان بعض صفاته وقد حصل مصداق خبره ﷺ بذلك على النحو الذي جاء عنه ﷺ ففي صحيح مسلم بسنده عن أسير بن جابر قال: "كان عمر بن الخطاب إذا أتى عليه إمداد أهل اليمن سألهم: أفيكم أويس بن عامر؟ حتى أتى عليه أويس فقال: أنت أويس بن عامر؟ قال: نعم، قال: من مراد ثم من قرن، قال: نعم، قال: فكان بك برص فبرأت منه إلا موضع درهم، قال: نعم، قال: لك والدة؟ قال: نعم، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يأتي عليكم أويس بن عامر مع إمداد أهل اليمن من مراد ثم من قرن كان به برص فبرأ إلا موضع درهم، له والدة هو بها بر لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل" فاستغفر لي، فاستغفر له، قال له عمر: أين تريد؟ قال: الكوفة، قال: ألا أكتب لك إلى عاملها؟ قال: أكون في غبراء الناس أحب إلي، وفي صحيح مسلم أيضا عن ابن عمر ﵁ قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن خير التابعين رجل يقال له أويس وله والدة وكان به بياض، فمروه فليستغفر لكم". ومن ذلك إخباره ﷺ عن اثنين من ثقيف بوصفهما أحدهما كذاب والثاني مبير وقد وقع ما أخبر به ﷺ فالكذاب هو المختار بن أبي عبيد الثقفي والمبير أي المهلك الحجاج بن يوسف الثقفي وقد قالت ذلك للحجاج أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵂ كما في صحيح مسلم: "أما أن رسول الله ﷺ حدثنا أن في ثقيف كذابا ومبيرا، فأما الكذاب فرأيناه وأما المبير فلا إخالك إلا إياه". قال النووي في شرحه صحيح مسلم: "واتفق العلماء على أن المراد بالكذاب هنا المختار بن أبي عبيد وبالمبير الحجاج بن يوسف والله أعلم"انتهى.

стр. 9753

هذان مثالان لما أخبر به ﷺ عن أشخاص في زمن قريب من زمن النبوة أحدهما في جانب المدح والثاني في جانب الذم وقد صدق خبره ﷺ فيهما على النحو الذي أخبر به ﷺ ، أما في الزمن البعيد عن زمن النبوة فقد صحت الأحاديث عن رسول الله ﷺ وتواترت عنه في خروج المهدي وخروج الدجال ونزول عيسى ﵊ من السماء وذلك في آخر الزمان ولا بد من وقوع ما أخبر به ﷺ طبقا لما جاء عنه ﵊ وتصديق الرسول ﷺ فيما يخبر به عن أمور مغيبة هو من الإيمان بالغيب الذي امتدح الله أهله، وأما الدعاوى الكاذبة التي تحصل من متمهدين دجالين في بعض الأزمان وما ينتج عنها من فتن فإن ذلك لا يقدح بالحقيقة الثابتة عن الرسول ﷺ وقد أوضحت ذلك في رقم (٤) . ٣٠ – وقال الشيخ ابن محمود في ص٢٥: "ففكرة المهدي وسيرته وصفته لا تتفق مع سيرة رسول الله ﷺ وسنته بحال فقد أثبتت التاريخ الصحيحة حياة رسول الله ﷺ من بداية مولده إلى حين وفاته كما أثبتها القرآن وليس فيها شيء من ذكر المهدي كما لا يوجد في القرآن شيء من ذلك فكيف يسوغ لمسلم أن يصدق به والقرائن والشواهد تكذب به.

стр. 9754

والجواب: أن هذا الكلام من النوع الذي لا ينتهي عجب الواقف عليه لاسيما قوله فيه: "فقد أثبتت التاريخ الصحيحة حياة رسول الله ﷺ من بداية مولده إلى حين وفاته كما أثبتها القرآن وليس فيها شيء من ذكر المهدي كما لا يوجد في القرآن شيء من ذلك". فإن كان الكاتب يقصد الحياة العملية فلا وجه للبحث عن خروج المهدي في آخر الزمان ضمن السيرة النبوية العملية، وإن كان يقصد بحياته ﷺ ما صدر عنه ﷺ من أقوال وأفعال وتقريرات فلا وجه لقوله: "وليس فيها شيء من ذكر المهدي"ومعلوم أن حد الحديث النبوي الشريف عند أهل الحديث ما أضيف إلى النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو وصف خلقي أو خلقي وكتب الحديث الشريف مليئة بالنصوص الواردة في المهدي وفيها كما قال أهل العلم بالحديث الصحيح والحسن والضعيف والموضوع. وعلى هذا فقوله: "ففكرة المهدي وسيرته وصفته لا تتفق مع سيرة رسول الله ﷺ وسنته بحال"من قبيل الكلام البارد الذي لم يفكر في معناه عند تسطيره وإلا فإن خروج المهدي في آخر الزمان لم يعرفه أهل السنة والجماعة المتبعين للنصوص الشرعية إلا بثبوته في السنة النبوية ولا يقل عن قوله ذلك قوله: "فكيف يسوغ لمسلم أن يصدق به والقرائن والشواهد تكذب به"فإن المسلم الناصح لنفسه لا يصدق ويكذب تبعا للهوى وإنما يكون تصديقه أو تكذيبه متمشيا مع النصوص الشرعية فيجعل النقل حكما على العقل لا أن يجعل العقول محكمة في النقول فيقع في فضول القول وردئ الكلام.

стр. 9755

٣١ - وقال الشيخ ابن محمود في ص١٧: "ولقد عاش الخلفاء الراشدون والصحابة والتابعون ثم عاش من بعدهم العلماء والسلف الصالحون ممن كانوا في القرون الثلاثة المفضلة ثم عاش من بعدهم جميع العلماء والحكام ومنهم عماد الدين زنكي ونور الدين محمود الشهيد وصلاح الدين الأيوبي وجميع الناس بعدهم وفي مقدمتهم شيخ الإسلام ابن تيمية والعلامة ابن القيم فلم ينقص إيمانهم وتقواهم عدم وجود المهدي من بينهم لعلمهم واعتقادهم أن الدين كامل بدونه فلا حاجة لهم به خرج أو لم يخرج". والجواب أن يقال أولا: هذا الكلام من النوع الذي يصلح أن يوصف بأنه ليس له معنى مستقيم. وثانيا: أن الزمن الذي يخرج فيه المهدي أوضحته النصوص الصحيحة وهو آخر الزمان حيث يخرج الدجال في زمنه، وينزل عيسى بن مريم ﵊ من السماء ويصلي خلفه. وثالثا: إن عدم وجوده بين الناس في أزمنة قبل زمانه لا ينقص الإيمان والتقوى وإنما الذي ينقص الإيمان والتقوى عدم تصديق الرسول ﷺ فيما يخبر به والقدح بالنصوص الشرعية استنادا إلى الشبه العقلية كما هو مسلك بعض الكتاب في القرن الرابع عشر. ٣٢- ذكر الشيخ ابن محمود في مواضع متعددة من رسالته أن القول بخروج المهدي على فرض صحته ليس من عقائد المسلمين فقال في ص٥٦: "وأنه على فرض صحة هذه الأحاديث أو بعضها أو تواترها بالمعنى حسب ما يدعون فإنها لا تعلق لها بالعقيدة الدينية ولم يدخلها علماء السنة في عقائدهم". ثم مَثَّل بشيخ الإسلام ابن تيمية والطحاوي وشارح عقيدته وابن قدامة والأشعري في الإبانة ثم قال: "فعدم إدخالها في عقائدهم مما يدل على أنهم لم يعتبروها من عقائد الإسلام والمسلمين". والجواب عن ذلك من وجوه:

стр. 9756

الأول: أن مذهب أهل السنة والجماعة التصديق بكل ما صح عن رسول الله ﷺ من أخبار سواء كانت عن أمور ماضية أو مستقبلة أو موجودة غائبة عنا ومن ذلك التصديق بخروج المهدي كما صحت بذلك الأحاديث عن رسول الله ﷺ والتصديق بما صحت به الأخبار عن رسول الله ﷺ مما تقتضيه شهادة المسلم بأن محمدا رسوله الله ﷺ وقد قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في بيان معنى شهادة أن محمدا رسوله الله: "طاعته فيما أمر وتصديقه فيما أخبر واجتناب ما نهى عنه وزجر وأن لا يعبد الله إلا بما شرع"، وقال أبو محمد بن قدامة المقدسي في كتابه لمعة الاعتقاد: "ويجب الإيمان بكل ما أخبر به رسول الله ﷺ وصح به النقل عنه فيما شاهدناه أو غاب عنا نعلم أنه حق وصدق وسواء في ذلك ما عقلناه وجهلناه ولم نطلع على حقيقة معناه مثل حديث الإسراء والمعراج ومن ذلك أشراط الساعة مثل خروج الدجال ونزول عيسى بن مريم ﵇ فيقتله وخروج يأجوج ومأجوج وخروج الدابة وطلوع الشمس من مغربها وأشباه ذلك مما صح به النقل". فكلام ابن قدامة هذا يدخل فيه التصديق بخروج المهدي في أوله وآخره، فأوله قوله: "ويجب الإيمان بكل ما أخبر به رسول الله ﷺ وصح به النقل عنه"، وآخره قوله بعد أن ذكر أمثلة من أشراط الساعة: "وأشباه ذلك مما صح به النقل".

стр. 9757

الثاني: أن من العلماء الذين كتبوا في عقائد أهل السنة والجماعة من نص على خروج المهدي في آخر الزمان ومنهم الحسن بن علي البربهاري والسفاريني وسبقت الإشارة إلى ذلك في رقم (١٤) ثم إن عدم ذكر بعض الأئمة لخروج المهدي في آخر الزمان في كتبهم لا يدل على عدم اعتبارهم ذلك من عقائد المسلمين لأنهم لم يلتزموا التنصيص على كل شيء يعتقد ولأن منهم من يأتي بعموم يدخل فيه وجوب التصديق بكل ما أخبره به الرسول ﷺ وصح به النقل عنه كما فعل ابن قدامة المقدسي.. الثالث: قول ابن محمود: "وأنه على فرض صحة هذه الأحاديث أو بعضها أو تواترها بالمعنى حسبما يدعون فإنها لا علاقة لها بالعقيدة الدينية". يجاب عنه بأنه كلام غير مستقيم وإلا فكيف يقال بصحة النقل ثم لا يصدق به ولا يعتقد مقتضاه وسبق في رقم (١٦) ما نقله السيوطي عن الشافعي ﵀ أنه روى يوما حديثا، وقال إنه صحيح فقال له قائل: "أتقول به يا أبا عبد الله؟ "فاضطرب وقال: "يا هذا أرأيتني نصرانيا؟ أرأيتني خارجا من كنيسة؟ أرأيت في وسطي زنارا؟ أروي حديثا عن رسول الله ﷺ ولا أقول به". وسبق أيضا في رقم ٦ ما رواه البيهقي بإسناده إلى عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدتني أبي قال لنا الشافعي: "أنتم أعلم بالحديث والرجال مني إذا كان الحديث الصحيح فأعلموني إن شاء يكون كوفيا أو بصريا أو شاميا حتى أذهب إليه إذا كان صحيحا". والحاصل أن صحة الحديث في خبر تقتضي التصديق به وأن كلام ابن محمود هذا متناقض وغير مستقيم المعنى.

стр. 9758

٣٣- وصف الشيخ ابن محمود القول بصحة خروج المهدي بأنه اعتقاد سيء وأنه بدعة وأنه من محدثات الأمور فقال في ص١٢: "وكنت في بداية نشأتي أعتقد اعتقاد شيخ الإسلام حيث تأثرت بقوله - يعني في صحة خروج المهدي - حتى بلغت سن الأربعين من العمر وبعد أن توسعت في العلوم والفنون ومعرفة أحاديث المهدي وعللها وتعارضها واختلافها فبعد ذلك زال عني الاعتقاد السيء والحمد الله وعرفت تمام المعرفة بأنه لا مهدي بعد رسول الله ﷺ وبعد كتاب الله". وقال في ص١٩: "ومنهم - يعني الذين ردوا الأحاديث الواردة في المهدي - الإمام الشاطبي صاحب الاعتصام فقد ألحق المهدية والإمامية بأهل البدع ويعني بالمهدية الذين يعتقدون صحة خروج المهدي"، وقال في ص٣٠: "فبسبب مجاورتهم - يعني بعض أهل السنة والجماعة - للشيعة واختلاطهم بهم اقتبسوها منهم وإلا فإنها ليست من عقيدة أهل السنةط، وقال في ص٣١: "فهما - يعني الشيعة وأهل السنة الذين يصدقون بخروج المهدي - في فساد الاعتقاد به - يعني المهدي – سيان"، وقال في ص٥٨: "ودعوى المهدي في مبدئها ومنتهاها مبنية على الكذب الصريح والاعتقاد السيء القبيح"، وقال في ص ٥٨ أيضا: "وقال ﷺ : "إياكم ومحدثات الأمور"، والمهدي واعتقاده هو من محدثات الأمور". ويجاب على ذلك بما يلي:

стр. 9759

أولا: ما ذكره من أنه في بداية نشأته كان يعتقد اعتقاد شيخ الإسلام ابن تيمية في صحة خروج المهدي وأنه بعد أن تجاوز الأربعين من العمر وبعد أن توسع في العلوم والفنون ومعرفة أحاديث المهدي وعللها وتناقضها زال عنه الاعتقاد السيء جوابه أن اعتقاد خروج المهدي آخر الزمان هو مذهب أهل السنة والجماعة قبل شيخ الإسلام ابن تيمية وبعده وسلوك ابن محمود بعد تجاوزه سن الأربعين من العمر مسلكا غير سبيلهم انتقال من اعتقاد مبني على التصديق بالنصوص الشرعية الصحيحة إلى اعتقاد سيء مبني على الشبه العقلية الواهية وليس للشيخ ابن محمود في معتقده الجديد سلف من أهل العلم المعتد بهم أما حمده الله على زوال الاعتقاد السيء عنه - على حد تعبيره - فإنه لا يحمد على مكروه سوى الله تعالى، وقد أحسن من قال: يقضى على المرء في أيام محنته حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن ثانيا: ما نقله عن الشاطبي في الاعتصام من أنه ألحق المهدية بأهل البدع وأن المهدية في رأي الشاطبي هم الذين يعتقدون في صحة خروج المهدي جوابه: أن ما نسب إلى الشاطبي غير صحيح ومقصود الشاطبي بالمهدية اتباع المتمهدي المغربي وقد فسر مراده بالمهدية بأنهم الذين يجعلون أفعال مهديهم حجة وافقت حكم الشريعة أو خالفت وسبق إيضاح ذلك في رقم ١٢. ثالثا: ما ذكره من أن عقيدة أهل السنة في المهدي مقتبسة من عقيدة الشيعة وأن الشيعة وأهل السنة في فساد الاعتقاد بالمهدي سيان، جوابه أن عقيدة أهل السنة في المهدي مستقاة من الأحاديث الصحيحة في الأصول المعتمدة عندهم ولا علاقة لها بعقيدة الشيعة وسبق إيضاح ذلك في رقم ٣ ورقم ١٥. رابعا: قوله: "ودعوى المهدي في مبدئها ومنتهاها مبنية على الكذب الصريح والاعتقاد السيء القبيح". جوابه أن عقيدة أهل السنة والجماعة في المهدي مبنية على نصوص صحيحة قال بصحتها أهل العلم المعتقد بهم وسبق إيضاح ذلك في رقم ١٨.

стр. 9760

خامسا: قوله: "والمهدي واعتقاده من محدثات الأمور". جوابه: أن ذلك يقال لو كان القول بخروجه في آخر الزمان ليس فيه حديث صحيح عن رسول الله ﷺ أما وقد صحت الأحاديث بذلك عن رسول الله ﷺ فإن القول بأنه من محدثات الأمور يعتبر من الزعم الباطل والقول الخاطئ وإنما الذي يعتبر من محدثات الأمور أن يأتي بعض الكتاب في القرن الرابع عشر فيسلكوا مسلكا خطيرا حادثا هو رد النصوص الشرعية بناء على شبه عقلية فيرخون لعقولهم العنان ثم يتركونها بدون خطام أو زمام. ٢٤- وقال ص ٢٤: "والذي جعل أمر المهدي يستفحل بين أهل السنة من المسلمين وكان بعيدا عن عقيدتهم هو عجز العلماء المتقدمين وكذا العلماء الموجودين على قيد الحياة فلم نسمع بأحد منهم رفع قلمه ولا نطق ببنت شفة في التحذير من هذا الاعتقاد السيء وكونه لا صحة له اللهم قد بلغت بل إنهم ينكرون على من يقول بإنكاره فيزيدون الحديث علة والطين بلة". والجواب على هذا أن نقول: هكذا ينحى ابن محمود باللائمة على علماء الأمة متقدميهم والموجودين على قيد الحياة منهم لعدم قيام أحد منهم بإنكار خروج المهدي وذلك دليل واضح من كلام ابن محمود على شذوذه في هذا الأمر وأنه وحده في واد وعلماء الأمة الإسلامية سابقهم ولاحقهم في واد آخر. هذا وليس له رفيق في الطريق الموحش الذي سلكه إلا أمثال محمد فريد وجدي وأحمد أمين ممن حكّموا العقل في النقل وردوا النصوص الصحيحة لشبه عقلية واهية، وقد صان الله العلماء المحققين المعتد بهم من الإصابة بأمراض الشبهات العقدية ووفقهم لتعظيم السنة النبوية والتصديق بأخبارها الثابتة عن الذي لا ينطق عن الهوى ﷺ .

стр. 9761

ولذلك لم يحصل ابن محمود على واحد منهم يرفع قلمه أو ينطق ببنت شفة في إنكار خروج المهدي سواء في ذلك سابقهم ولاحقهم، وكيف يطمع ابن محمود أن يجد عالما ناصحا لنفسه يتجرأ على رد النصوص الصحيحة ودعوة الناس إلى التكذيب بالسنة الثابتة عن رسول الله ﷺ ، ثم بماذا بلغ ابن محمود في قوله: "اللهم قد بلغت؟ " إن من الواضح للمتعلم فضلا عن العالم أنه بلغ عن عدم معرفته بالحديث النبوي الشريف وعدم تمييز صحيحه من سقيمه وبلغ عن تمكن شبه بعض كتاب القرن الرابع عشر العقلية من فكره بحيث قدمها على النقل وبلغ عن شذوذه وسلوكه مسلكا مخالفا لمسلك أهل السنة والجماعة، وسواء كان صدور ذلك منه عن جهل أو علم هو بلية ومصيبة. إذا كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم ٣٥- قال الشيخ ابن محمود في ص ٣٤: "إن العلماء كأبي داود في سننه وابن كثير في نهايته والسفاريني في لوامع أنواره وغيرهم قد أدخلوا أحاديث المهدي في جملة أشراط الساعة مع أحاديث الدجال والدابة ويأجوج ومأجوج وأحاديث الفتن، فكل هذه لا يتعرض لها نقاد الحديث بتصحيح ولا تمحيص لعلمهم أنها أحاديث مبنية على التساهل ويدخل فيها الكذب والزيادات والمدرجات والتحريفات وليست بالشيء الواقع في زمانهم ولا من أحاديث أحكامهم وأمور حلالهم وحرامهم". ثم ذكر أنه: "في القرن التاسع لما كثر المدعون للمهدي وثارت الفتن بسببه اضطر بعض المحققين من العلماء أن ينقدوا أحاديث المهدي ليعرفوا قويها من ضعيفها وصحيحها من سقيمها فتصدى ابن خلدون في مقدمته لتدقيق التحقيق فيها فنخلها ثم نثرها حديثا حديثا وبين عللها كلها وأن من رواتها الكذوب ومنهم المتهم بالتشيع والغلو ومنهم من يرفع الحديث إلى الرسول بدون أن يتكلم به الرسول ومنهم من لا يحتج به وخلاصته أنه حكم على أحاديث المهدي بالضعف". وتعليقي على كلام ابن محمود هذا أقول:

стр. 9762

ما ذكره من أن أحاديث المهدي وغيرها من أحاديث أشراط الساعة لا يتعرض لها نقاد الحديث بتصحيح ولا تمحيص، وأنه في القرن التاسع لما كثر المدعون للمهدي اضطر بعض المحققين من العلماء أن ينقدوا أحاديث المهدي ليعرفوا قويها من ضعيفها وصحيحها من سقيمها فتصدى ابن خلدون في مقدمته لتدقيق التحقيق فيها وأنه حكم عليها بالضعف أقول هذا الذي ذكره الشيخ ابن محمود مردود بأن العلماء في مختلف العصور قبل القرن التاسع تكلموا في أحاديث المهدي وبينوا أن فيها الصحيح والحسن والضعيف والموضوع واحتجوا بالثابت منها، واعتقدوا موجبه وهم أهل الاختصاص الذين يعول على قولهم في هذا الشأن يعرف كلامهم في ذلك تصحيحا وتضعيفا من يطالع الكتب التي صنفوها ويقف على الجهود العظيمة التي بذلوها في خدمة السنة وتمييز صحيحها من ضعيفها ومن النقاد الذين تعرضوا لأحاديث المهدي الحافظ أبو جعفر العقيلي المتوفى سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة فقد قال الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب في ترجمة علي بن نفيل النهدي: "قلت ذكره العقيلي في كتابه وقال: لا يتابع على حديثه في المهدي ولا يعرف إلا به قال وفي المهدي أحاديث جياد من غير هذا الوجه"، ومنهم ابن حبان المتوفى سنة (٣٥٤ هـ) فقد قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري في شرح حديث أنس بن مالك ﵁ الذي أخرجه البخاري في صحيحه: "لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم"، قال: "واستدل ابن حبان في صحيحه -بأن حديث أنس ليس على عمومه - بالأحاديث الواردة في المهدي وأنه يملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت جورا"، وقال البيهقي المتوفى سنة ٤٣٨ هـ بعد كلامه على تضعيف حديث "لا مهدي إلا عيسى بن مريم" قال: "والأحاديث في التنصيص على خروج المهدي أصح ألبتة إسنادا"، ومنهم الحافظ أبو الحسين محمد بن الحسين الأبري صاحب كتاب مناقب الشافعي المتوفى سنة ثلاث وستين وثلاثمائة، قال ﵀ في محمد بن خالد الجندي

стр. 9763

راوي حديث "لا مهدي إلا عيسى بن مريم": "محمد ابن خالد هذا غير معروف عند أهل الصناعة من أهل العلم والنقل وقد تواترت الأخبار واستفاضت عن رسول الله ﷺ بذكر المهدي وأنه من أهل بيته وأنه يملك سبع سنين وأنه يملأ الأرض عدلا وأن عيسى ﵇ يخرج فيساعده على قتل الدجال وأنه يؤم هذه الأمة ويصلي عيسى خلفه"نقل ذلك عنه ابن القيم في كتابه المنار المنيف وسكت عليه ونقله أيضا الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب في ترجمة محمد بن خالد الجندي وسكت عليه ونقله عنه أيضا وسكت عليه في كتابه فتح الباري في باب نزول عيسى بن مريم ﵊ ونقله أيضا غير ابن حجر وابن القيم من أهل العلم، وممن صحح بعض الأحاديث الواردة في المهدي الإمام الترمذي في جامعه، ومنهم الحاكم في المستدرك ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه في تصحيح جملة منها، ومنهم الإمام محمد بن أحمد بن أبي بكر القرطبي صاحب التفسير المشهور المتوفى سنة ٦٧١ هـ فقد قال في كتابه التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة بعد ذكر حديث "ولا مهدي إلا عيسى بن مريم" وبيان ضعفه قال: "والأحاديث عن النبي ﷺ في التنصيص على خروج المهدى من عترته من ولد فاطمة ثابتة أصح من هذا الحديث فالحكم بها دونه"، ومنهم الإمام ابن تيمية المتوفى سنة ٧٣٨ هـ فقد صحح بعض الأحاديث الواردة في المهدي وذلك في كتابه منهاج السنة ومنهم الإمام ابن القيم المتوفى سنة ٧٥١ هـ فقد صحح في كتابه المنار المنيف جملة من الأحاديث الواردة في المهدي وأشار إلى ضعف بعض ما ورد في ذلك، ومنهم الإمام ابن كثير المتوفى سنة ٧٧٤ هـ فقد تكلم في كتابه النهاية على كثير من الأحاديث الواردة في المهدي مبينا الصحيح والضعيف في ذلك، وهؤلاء العلماء النقاد كلهم قبل القرن التاسع، وقد تكلموا في أحاديث المهدي مبينين صحة بعض الأحاديث الواردة في ذلك وهم قليل من كثيرين تكلموا في ذلك ويتضح

стр. 9764

بهذا بطلان ما ذكره الشيخ ابن محمود من أن أحاديث المهدي وغيرها من أشراط الساعة لا يتعرض لها نقاد الحديث بتصحيح ولا تمحيص، أما ما ذكره من أنه: "في القرن التاسع لما كثر المدعون للمهدي اضطر بعض المحققين من العلماء أن ينقدوا أحاديث المهدي ليعرفوا قويها من ضعيفها وصحيحها من سقيمها فتصدى ابن خلدون في مقدمته لتدقيق التحقيق فيها"فيجاب عنه بأن العلماء النقاد تكلموا في أحاديث المهدي لمعرفة صحيحها من ضعيفها قبل القرن التاسع ومنهم الذين أسلفت ذكرهم قريبا وبأن ابن خلدون ليس من المحققين في علم الحديث الذين يعول على كلامهم في التصحيح والتضعيف وسبق أن أوضحت وجه ذلك في رقم ١٠ وأيضا فإن ابن خلدون كانت وفاته سنة ٨٠٨ هـ فلم يدرك من القرن التاسع إلا ثمان سنوات وكان كلامه على أحاديث المهدي في مقدمة تاريخه التي فرغ من وضعها وتأليفها، قبل التنقيح والتهذيب في منتصف عام ٧٧٩ هـ كما ذكر ذلك في آخر المقدمة أي قبل عشرين سنة من انتهاء القرن الثامن وهذا يوضح عدم استقامة ما ذكره الشيخ ابن محمود من أنه في القرن التاسع لما كثر المدعون للمهدي وثارت الفتن بسببه اضطر بعض المحققين من العلماء بأن ينقدوا أحاديث المهدي ليعرفوا قويها من ضعيفها وصحيحها من سقيمها فتصدى ابن خلدون في مقدمته لتدقيق التحقيق فيها إلخ.

стр. 9765

٣٦- وقال الشيخ ابن محمود في ص ٢٣ تحت عنوان المقارنة بين أقوال العلماء المتقدمين والمتأخرين: "إننا متى قابلنا بين العلماء المتقدمين والمتأخرين نجد الفرق واسعا فلا مداناة فضلا عن المساواة إذ العلماء المتقدمون قد جمعوا بين العلم والعمل فهم أحق وأتقى وأقرب للتقوى، ولكن العلماء المتقدمين يغلب عليهم حسن الظن بمن يحدثهم ويستبعدون تعمد الكذب على رسول الله ﷺ من مؤمن بالله ولهذا أكثروا من أحاديث المهدي المتنوعة والمتضاربة والمختلفة حتى بلغت خمسين حديثا في قول الشوكاني كما نقلها عنه السفاريني في لوائح الأنوار وأورد ابن كثير في نهايته الكثير منها وفي كتب الشيعة أنها بلغت ألفا ومائتي حديث، والسبب أن من عادة علماء السنة المتقدمين (عمل) ؟ التساهل فيما يرد من أحاديث أشراط الساعة، كأحاديث المهدي والدجال ويأجوج ومأجوج وما كان من قبيل ذلك فلا يتكلمون في نقدها ولا إخضاعها للتصحيح ولا للتمحيص لعلمهم أنها أخبار آخرة متأخرة بخلاف أحاديث الأحكام وأمور الحلال والحرام وما يحتاجه الناس في عبادتهم ربهم والتعامل فيما بينهم في أمور دنياهم فقد بالغوا في تحقيقها بمعرفة رواتها وما يجوز فيها فهم بعلم صحيح نطقوا وببصر ناقد كفوا". وتعليقي على هذا الكلام ما يلي: أولا: ما ذكره عن العلماء المتقدمين من أنهم جمعوا بين العلم والعمل وأنهم أحق وأتقى وأقرب للتقوى وأن المتأخرين لا يدانونهم فضلا عن أن يساووهم هو كلام حق لكن الشيخ ابن محمود عقبه بما يكدر صفوه وهو لمزه للعلماء المتقدمين بالتغفيل إذ وصفهم بأنه "يغلب عليهم حسن الظن بمن يحدثهم ويستبعدون تعمد الكذب على رسول الله ﷺ من مؤمن بالله وأنهم لذلك أكثروا من أحاديث المهدي المتنوعة والمتضاربة والمختلفة". والواجب إحسان الظن بسلف هذه الأمة والثناء عليهم بما هم أهله دون تعرض لهم بلمز أو حط من شأنهم.

стр. 9766

ثانيا: علل الشيخ ابن محمود لإكثار العلماء المتقدمين من أحاديث المهدي المتنوعة والمتضاربة والمختلفة على حد قوله بتعليلين أحدهما ما وصفهم به من أنهم يغلب عليهم حسن الظن بمن يحدثهم وأنهم يستبعدون تعمد الكذب على رسول الله ﷺ من مؤمن بالله. والثاني أن من عادتهم التساهل فيما يرد من أحاديث أشراط الساعة كأحاديث المهدي والدجال ويأجوج ومأجوج وأن ما كان من هذا القبيل لا يتكلفون في نقدها ولا إخضاعها للتصحيح ولا للتمحيص لعلمهم أنها أخبار آخرة متأخرة، وقد أجبت عما تضمنه التعليل الأخير من أن العلماء لا يتكلفون في نقد الأخبار المتعلقة بأشراط الساعة ولا إخضاعها للتصحيح ولا للتمحيص وذلك في رقم ٣٥ إذ نقلت على سبيل التمثيل كلام جماعة من العلماء النقاد في تصحيح بعض الأحاديث الواردة في المهدي. أما وصف الشيخ ابن محمود العلماء المتقدمين بأنه يغلب عليهم حسن الظن بمن يحدثهم وأنهم يستبعدون تعمد الكذب على رسول الله ﷺ من مؤمن بالله وأنهم لذلك أكثروا من أحاديث المهدي المتنوعة والمتضاربة والمختلفة فهو وصف لامز لا يليق بسلف الأمة ونقلة السنة الذين حمى الله بهم دينه وأقام شريعته فإن الله قد منحهم من الذكاء والفطنة والتثبت واليقظة ما جعلهم به أهلا لحفظ هذا الدين وأوعية لسنة رسوله الكريم ﷺ فقد روى ابن أبي حاتم في كتابه الجرح والتعديل عن أحمد بن سنان قال: "سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: "خصلتان لا يستقيم فيهما حسن الظن الحكم والحديث"يعني لا يستعمل حسن الظن في قبول الرواية عمن ليس بمرضي"انتهى، وروى أيضا عن أبيه عن أبي بكر المعيطي عبيد الله بن أبي وهب قال: سمعت يزيد بن هارون يقول: "لا يجوز حديث الرجل حتى تجوز شهادته".

стр. 9767

وروى بسنده إلى عمرو بن قيس قال: "ينبغي لصاحب الحديث أن يكون مثل الصيرفي الذي ينتقد الدراهم فإن الدراهم فيها الزائف والبهرج وكذلك الحديث". وروى عن أبيه عن عبدة بن سليمان قال: "قيل لابن المبارك هذه الأحاديث الموضوعة؟ قال: يعيش لها الجهابذة". وروى عن أبيه عن نعيم ابن حماد قال: "قلت لعبد الرحمن بن مهدي: كيف يعرف الكذاب؟ قال: كما يعرف الطبيب المجنون". وروى بسنده إلى ابن سيرين قال: "كان يقال إنما هذه الأحاديث دين فانظروا عمن تأخذونها". وروى بسنده إلى يعقوب بن محمد بن عيسى قال: "كان ابن شهاب إذا حدث أتى بالإسناد ويقول لا يصلح أن يرقى السطح إلا بدرجة". وروى عن محمد بن يحيى عن زنيج قال: "سمعت بهز بن أسد يقول إذا ذكر له الإسناد الصحيح: هذه شهادات العدول المرضيين بعضهم على بعض وإذا ذكر له الإسناد فيه شيء قال: هذا فيه عهدة ويقول: لو أن لرجل على رجل عشرة دراهم ثم جحده لم يستطع أخذها منه ألا بشاهدين عدلين فدين الله أحق أن يؤخذ فيه بالعدول". هذه بعض نقول عن نقلة الآثار تبين مدى تيقظهم وتثبتهم وبعدهم عن التغفيل وإنها لإحدى الكبر أن يأتي آت في السنة المتممة للقرن الرابع عشر فيقول: "لكن العلماء المتقدمين يغلب عليهم حسن الظن بمن يحدثهم ويستبعدون تعمد الكذب على رسول الله ﷺ من مؤمن بالله، ولهذا أكثروا من أحاديث المهدي المتنوعة والمختلفة والمتضاربة حتى بلغت خمسين حديثا في قول الشوكاني كما نقلها عنه السفاريني في لوائح الأنوار وأورد ابن كثير في نهايته الكثير منها". ثم إن هذا الناقد للعلماء المتقدمين الذي جاء في نهاية القرن الرابع عشر قد جاء في كلامه هذا بالذات ما يوضح عدم تمييزه بين من هو متقدم ومن هو متأخر إذ نسب إلى السفاريني أنه نقل في كتابه لوائح الأنوار عن الشوكاني أحاديث المهدي وكانت ولادة السفاريني في عام ١١١٤ هـ ووفاته في عام ١١٨٨هـ أما الشوكاني فكانت ولادته في

стр. 9768

عام ١١٧٣ هـ ووفاته في عام ١٢٥٠ هـ وقد ذكر السفاريني في أول كتابه لوامع الأنوار البهية أنه في سنة ثلاث وسبعين بعد المائة والألف طلب منه بعض أصحابه نظم أمهات مسائل اعتقاد أهل الأثر فنظمها في مائتي بيت وبضعة عشر بيتا وسماها الدرة المضية في عقد أهل الفرقة المرضية ثم بعد ذلك طلب منه هؤلاء الأصحاب شرح هذا النظم فشرحه بكتابه لوامع الأنوار البهية وهو واضح أن السفاريني بدأ بنظم الدرة المضية في السنة التي ولد فيها الشوكاني ثم بعد فراغه من النظم شرحه بكتابه لوامع الأنوار البهية الذي يقول الشيخ ابن محمود أنه نقل فيه عن الشوكاني أحاديث المهدي أن الوقت الذي كان السفاريني يؤلف فيه كتابه لوامع الأنوار البهية كان الشوكاني قبل سن الخامسة عشرة، وأحدهما في أرض الشام والثاني في أرض اليمن، والحاصل أن من العجب أن يجعل الشيخ ابن محمود السفاريني في الزمن بعد الشوكاني وأعجب منه أن يزعم أن السفاريني نقل في كتاب الأنوار البهية عن الشوكاني أحاديث المهدي وأما ما أشار إليه من رواية العلماء المتقدمين الأحاديث الكثيرة في المهدي المتناقضة والمتضاربة فسبق أن أوضحت أن ما كان منها ضعيفا لا يلتفت إليه وما كان منها صحيحا فهو مؤتلف غير مختلف ومتفق غير مفترق وذلك في رقم ٧.

стр. 9769

٣٧- أثنى الشيخ ابن محمود في ص ٢٦ على من وصفهم بعلماء الأمصار فقال: "إن علماء الأمصار - والحق يقال - متى طرقوا بحثا من البحوث العلمية التي يقع فيها الجدال وكثرة القيل والقال فإنهم يتبعون البحث تحقيقا وتدقيقا وتمحيصا وتصحيحا حتى يجعلوه جليا للعيان وصحيحا بالدلائل والبرهان وليس من شأن الباحث أن يفهم من لا يريد أن يفهم وقد قرروا قائلين: إن أساس دعوى المهدي مبني على أحاديث محقق ضعفها وكونها لا صحة لها الخ"، وقال في ص ٢٨: "إن بعض علمائنا عندما يرى أحدهم شيئا من الرسائل والبحوث الصادرة من علماء الأمصار المتأخرين وهي تعالج شيئا من المشاكل الهامة التي يمتد الخلاف فيها ويهتم كل الناس بأمرها كمسألة المهدي ونحوها فلا يعطي هذه الرسالة شيئا من الاهتمام والنظر خصوصا عندما يعرف أنها تخالف رأيه واعتقاده الخ". وأقول تعليقا على هذا القول: إن من يطلع على هذا الكلام وهو خال الذهن قد يظن أن علماء الأمصار هؤلاء الذين يشبعون البحث تحقيقا وتدقيقا وتمحيصا وتصحيحا حتى يجعلوه جليا للعيان وصحيحا بالدلائل والبرهان هم من الجهابذة المتضلعين في علمي الرواية والدراية ولم يدر أنه ليس لدى الشيخ ابن محمود من هؤلاء المدققين المحققين الممحصين المصححين إلا أمثال أحمد أمين ومحمد فريد وجدي، ثم إن رسالة الشيخ ابن محمود في المهدي هذه هي من بحوث علماء الأمصار المتأخرين ويتضح للقارئ من خلال وقوفه على أخطائه الكثيرة التي لا يعذر في مثل بعضها طلاب العلم المبتدئون وخاصة ما أشرت إليه في أرقام ٨ و ١١ و ١٢ و ١٩ و ٢٢، يتضح للقارئ أن هذا البحث لم يتبع تدقيقا وتحقيقا وتمحيصا وتصحيحا بل لم يشم رائحة هذه الصفات.

стр. 9770

٣٨- وقال الشيخ ابن محمود في ص ٧: "وقد أعرض أكثر العلماء المحدثين عن إثبات أحاديث كثيرة في كتبهم عن أهل البيت لتسلط الغلاة على إدخال الشيء الكثير من الكذب في فضائلهم كما تحاشى عنها البخاري ومسلم والنسائي والدارقطني والدارمي فلم يذكروها في كتبهم المعتمدة وما ذاك إلا لعلمهم بضعفها مع العلم أن الدارمي هو شيخ أبي داود والترمذي وقد نزه مسنده عن أحاديث المهدي فلا ذكر لها فيه". ويجاب عن ذلك بأن العلماء المحدثين الذين قاموا بتدوين الحديث الشريف في مصنفاتهم منهم من لا يلتزم بإخراج الصحيح ومنهم من يلتزم بإخراج الحديث الصحيح دون غيره كالبخاري ومسلم في صحيحيهما لكن لم يقل أحد من أهل العلم أن الأحاديث التي لا يخرجها الشيخان في الصحيحين غير صحيحة فإن الصحيح كما أنه موجود في الصحيحين فهو موجود في غيرهما وقد أوضحت ذلك في رقم ٥.
следующие страницы →