Полный текст (23 804 стр.). Показаны 9941–9980 · переход к 9946.
стр. 9941
الفرقان: لأنه فرق بين الحق والباطل ... ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ [٩] .
الكتاب: لأن الله كتب أحكامه وتكاليفه على عباده، أي أوجبها عليهم، قال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَك﴾ [١٠] .
والقرآن: أي البيان ومنه ... ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [١١] أي بيناه، لأن فيه بيانا للناس، فيما يحتاجون إليه في أمور دينهم.
والسورة معناها: الإبانة بأن الكلام مفصول عما قبله، وسميت في القرآن سورة، لشرفها وارتفاع قدرها، تماما كما يقال لما ارتفع من الأرض سور، أو لأنه يبنى قطعة قطعة، ويقال أيضا للدرجة الرفيعة من المجد والملك سورة، كقول النابغة الذبياني للنعمان بن المنذر:
ألم تر أن الله أْعطاك سورة ترى
كل ملك دونها يتذبذب.
والآية: جماعة الحروف وهو من قولهم: خرج القوم بآيتهم أي بجماعتهم... أو بمعنى العلامة؛ لأن الآية علامة للفصل بين ما قبلها وما بعدها، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُم﴾ [١٢] .
والحكمة في تقطيع القرآن سورا، والسور آيات معدودات، أن تكون كل سورة وكل آية وحدة مستقلة، وكيانا أصيلا، وقرآنا معتبرا، وفي تحديد السورة تأكيد لكونه معجزة وآية من آيات الله جل ثناؤه.
ومن السور ما يطول حتى يبلغ ٢٨٦ آية كسورة البقرة.
ومنها ما يقصر حتى لا يزيد على ثلاث آيات كسورة الكوثر، ليدل على أن الطول ليس شرط الإعجاز، كما أن القصر لا يخرج السورة عن الإعجاز، بل إن سورة الكوثر رغم قصرها معجزة إعجاز سورة البقرة على طولها ...
стр. 9942
يقول الزمخشري: "إن الفائدة في تقطيع القرآن سورا وآيات أن القارئ إذا ختم السورة وانتهى من آياتها كان ذلك أنشط له وأبعث على الجد والتحصيل منه لو استمر على الكتاب بطوله، كما أن الحافظ إذا حذف السورة اعتقد أنه أخذ من كتاب الله طائفة مستقلة فيعظم عنده ما حذفه" [١٣] .
والذي انعقد عليه إجماع الأمة، واتفق عليه المسلمون كافة أن عدد سور القرآن مائة وأربع عشرة سورة، وهي التي جمعها عثمان بن عفان ﵁، وكتب بها المصاحف، وبعث بكل مصحف إلى مدينة من مدن الإسلام.
ولا التفات إلى الرأي القائل بأن الأنفال وبراءة سورة واحدة، أو من جعل المعوذتين سورة واحدة.
وعدد السور التي نزلت بمكة خمس وثمانون سورة، وأول السور المكية: (العلق والقلم والمزمل والمدثر) .
أما السور التي نزلت بالمدينة فعددها ثمان وعشرون سورة، وأول ما نزل بالمدينة: البقرة والأنفال وآل عمران والأحزاب والممتحنة) .
أما الفاتحة فاختلفوا فيها: فقيل مكية وقيل مدنية.
وبذلك يكون مجموع عدد سور القرآن ١١٤ سورة.
وعدد آيات القرآن ٦٢٣٦ آية.
وعدد كلمات القرآن ٧٧٤٣٩ كلمة.
وعدد حروف القرآن ٣٢٣٠١٥ حرفا [١٤] .
القرآن المعجزة
القرآن الكريم هو المعجزة الباقية الخالدة، التي نصبها رب العزة تبارك وجل في علاه، شاهدا حيا ناطقا، بصدق الرسول العظيم ﵊، ولق تحدى الله العالم كله إنسا وجنا، فما ثبتوا لهذا التحدي، بل أظهروا عجزا صارخا، وعيا بليدا، وفهاهة فاضحة... وقد سجل الله عليهم نكوصهم عن مجاراة القرآن ومسايرته في آفاقه العالية... حيث قال تعالى:
﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ [١٥] .
стр. 9943
ومعاني القرآن على الرغم أنه نزل منجما إلا أنها تلاقت مقدماتها بنتائجها ومهدت أولاها لأخراها، ولن تجد في معاني القرآن ما تجده في غيره من كلام البشر من المعاني الساقطة أو التافهة، بل كل معانيه سامية قوية، آيات وسورا اشتملت على أمور الدين والدنيا، وانتظمت سعادة الأولى والآخرة، ونزلت هدى ونورا للبشرية كلها، فضت على الأوهام الباطلة، والأساطير الكاذبة، والعبادات الضالة والأديان المنحرفة، ونقلت الإنسانية الحائرة من عصر تسوده الفوضى وتذيع فيه مبادئ الطغيان والعبودية، إلى حياة فيها رضى وأمن وسلام.
إن هذا القرآن قبس من الهدى والنور نزل به جبريل من السماء إلى الأرض على سيد الخلق وأشرف الرسل محمد بن عبد الله صلوات الله عليه، فبلغه الناس، وأذاع أخلاقياته ومثالياته في كل مكان وبذلك نشرت صفحات جديدة مشرقة ناضرة في تاريخ الإنسانية، وكان لها من وراء ذلك ميلاد حضارة جديدة.
إنه ألفاظ إذا اشتدت فأمواج البحار الزاخرة، وإذا هي لانت فأنفاس الحياة الآخرة، تذكر الدنيا فمنها عمادها ونظامها، وتصف الآخرة فمنها جنتها وضرامها، ومتى وعدت من كرم الله جعلت الثغور تضحك في وجه الغيوب، وإن أوعدت بعذاب الله جعلت الألسنة ترعد من حمى القلوب.
ومعانٍ بَيْنا هي عذوبة ترويك من ماء البيان، ورقة تستروح منها نسيم الجنان، ونور تبصر به في مرآة الإيمان وجه الأمان، بينا هي تمثل للمذنب حقيقة الإنسانية حتى يظن أنه صنف آخر من الإنسان، إذ هي بعد ذلك إطباق السحاب انهارت قواعده والتمعت ناره وقصفت في الجو رواعده، وإذ هي السماء وقد أخذت على الأرض ذنبها، واستأذنت في صدمة الفزع ربها، فكادت ترجف الراجفة، تتبعها الرادفة: وإنما هي زجرة واحدة، فإذا الخلق طعام الفناء وإذا الأرض مائدة... [١٦] .
стр. 9944
ولقد كانت للرسول العظيم ﵊ معجزات كثيرة تدل على صدقه، وأنه مرسل من قبل الله تعالى، فالمعجزة مختصة بالنبي دائما، وتقترن بالتحدي، ومن ثم لا يمكن تحصيلها بالجهد أو الاكتساب.
وكذلك للأنبياء معجزات ظهرت على أيدي كثير منهم، بيد أن معجزة النبي محمد ﷺ تفوق معجزات غيره سواء من حيث العدد أو من حيث الأهمية.
فإذا كان الله أظهر معجزة لموسى هي أن يضرب البحر فانفلق في الأرض.
فكذلك أظهر لمحمد ﵊ فانشق له القمر في السماء.
وكما فجر لموسى ﵇ الماء من الحجر، فقد فجر لمحمد ﷺ من أصابعه عيونا.
وكما ظلل على موسى ﵇ بالغمام، فقد ظلل محمدا ﷺ كذلك بالغمام.
وكما جعل من معجزات موسى ﵇ اليد بيضاء، فقد جعل من معجزات محمد ﷺ القرآن.
وكما سبحت الجبال مع داود ﵇ فقد سبحت االأحجار في يد الرسول ﷺ .
وكما سخر الله لداود الطير المحشورة، سخر لمحمد البراق يطير في السماء.
وكما جعل من معجزات عيسى ﵇ إبراء الأكمه والأبرص..فقد جعل شبيها بذلك لمحمد ﷺ ، فقد سقطت حدقة رجل في غزوة أحد فرفعها وردها إلى مكانها.
وانقادت الجن لسليمان، وانقادت كذلك للرسول ﷺ .
ومعجزات النبي محمد ﷺ أكثر من أن تحصى، ويمكن أن نضيف إلى ما ذكرناه، حنين الجذع وانقياد الأغصان، وجعل قليل الطعام كثيرا، كل ذلك على مشهد من الناس وأسماعهم، فلم ينكر أحد شيئا مما رآه أو سمعه رغم أن ذلك ليس في طاقة البشر أو مقدرتهم [١٧] .
стр. 9945
وأفضل معجزات الرسول وأجلها شأنا هي معجزة القرآن الذي نزل بأفصح اللغات وأبلغها، فقد سحر القرآن العرب منذ استمعوا إليه في اللحظة الأولى، سواء من شرح الله صدره للإسلام وأنار بصيرته، أو من طبع الله على قلبه وجعل على بصره غشاوة، فالوليد بن المغيرة قال يصف القرآن:
"والله إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو ولا يعلى عليه".
والقساوسة والرهبان يحكي عنهم القرآن: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقّ﴾ [١٨] .
فالقرآن من شأنه إذا استمع إليه إنسان أن تتحرك مشاعره، ويهتز قلبه، ويقشعر بدنه خوفا.. ويعتصر فؤاده رجاء، لما فيه من جمال الأسلوب، وقوة في التعبير.
ولقد وصف الله كتابه عز من قائل:
﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [١٩] .
فروعة القرآن يحسها القلب الخاشع، ولكن العرب كما وصفهم القرآن: ﴿قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [٢٠] ، وأعداء ألداء: ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدّاً﴾ [٢١] ، فأخذوا يتناولون القرآن بالتشكيك، ويشنون عليه حملات شعواء، بغية التهوين من شأنه، والغض من قدره.
ولكن الله رد كيد الكافرين إلى نحورهم، فتحدى الرسول بلغاء العرب وفصحاءهم أن يأتوا بسورة من مثله، ولكنهم عجزوا وأعرضوا عن معارضته، فكان ذلك داعيا إلى الاعتراف بإعجاز القرآن، وقصورهم أمام بلاغته.
والقرآن ليس معجزا للعرب وحدهم، وإنما هو معجز للعربي وغير العربي، لأن دعوة الإسلام دعوة عالمية ليست مرتبطة بلغة معينة، ولا بوطن خاص، وإنما هي دعوة تحتوي العالم بأسره، ومن أجل ذلك كان القرآن معجزا لكل الأمم.
стр. 9946
وحجة القرآن على العرب الفصحاء كحجته على غير العرب من الأعاجم، كما أن حجة موسى ﵇ في قلب العصا حيّة كانت حجة لأمهر السحرة، وحجة عيسى ﵇ في إحياء الموتى لم تكن لأعظم الأطباء وحدهم، وإنما كانت للطبيب الماهر والخامل، وغير الطبيب على السواء.. وإذا عجز أمهر السحرة وأعظم الأطباء عن الإتيان بمثل ما أتى به موسى وعيسى ﵉ كان ذلك أدعى إلى عجز غيرهم...كذلك الشأن في معجزة القرآن، أتى به محمد ﷺ لأفصح الناس وأقدرهم على نظم الكلام العربي، ورغم حرصهم على تكذيب الرسول، وإفساد دعوته، لم يفلحوا في مجاراته، ولم يستطيعوا تكذيبه.
وإذا كان العرب الفصحاء عاجزين عن مجاراة أسلوب القرآن في فصاحته وبلاغته، فغيرهم من الأعاجم أعجز.
وقد يقول قائل: إن الأعجمي الذي لا يفهم العربية لا يدرك ما في أسلوب القرآن من نظم معجز، وبلاغة عجيبة، ولا يدري من أين يكون إعجازه، وكيف تكون بلاغته، وعندئذ تسقط الحجة في الإعجاز.
والإجابة على هذا التساؤل سهلة ميسورة، فإن الإعجاز لغير العربي قد بدا واضحا في أشياء أخرى، وجوانب مثيرة متعددة غير البلاغة والفصاحة التي لا يدرك مراميها... فكل يوم تطلع فيه علينا أشياء جديدة، ومكتشفات حديثة، وتبرز إلى الوجود قضايا تحدث عنها القرآن قديما ولم تبد سافرة إلا الآن.
ومع ذلك كله لا نلقى أي تناقض أو تصادم بين هذه الجوانب وتلك النواحي وما في القرآن من نهج اتبعه في التعبير عنها تناسق تام لا نفرة فيه، بحيث يدرك الأعجمي من هذا التناسق في التعبير، والدقة في الأداء القرآني الذي يتفق وما يكتشفه العلم حديثا، سرا من أسرار الإعجاز في الأسلوب البياني للقرآن المجيد.
ترى مثلا القرآن في تعبيره يسلك هذا المسلك ويلتزم بهذا الترتيب البديع حين يقول:
﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [٢٢] .
стр. 9947
فيقدم السمع أولا، ويثني بالأبصار، وينتهي بالفؤاد، والحقائق العلمية تثبت أن حاسة السمع تؤدي مهمتها أولا منذ اللحظة الأولى من ولادة الإنسان.
وحاسة الإبصار تؤدي وظيفتها خلال عشرة أيام، فالبصر يؤدي مهمته ثانيا، ثم يأتي بعد ذلك ما يتعلق بالفؤاد من المعلومات العقلية والقلبية [٢٣] .
فالترتيب الذي ورد في الآية القرآنية تلمح من خلاله أن اللفظ المقدم أهم من الألفاظ التي ترد بعد ذلك، وهذا هو التعبير القرآني الدقيق، فإذا جاء هذا التعبير على وفق ما قرره العلم، كان التزاوج بين أسلوب القرآن في بلاغته وفصاحته، وأسلوب العلم في اكتشافه وتقريره... فالأعجمي حين يرى هذا التماثل والانسجام بين التعبير القرآني والاكتشاف العلمي، يتحقق من إعجاز القرآن في بلاغته.
على أن علماء النحو قد يكون لهم توجيه خاص في نظم الآية وأمثالها، فيقولون مثلا: إن واو العطف تأتي لمطلق الجمع، بمعنى أنه يجوز في الآية أن تقدم السمع على البصر وتؤخره دون أن يختل المعنى... غير أنه أصبح من الواضح هنا أن الترتيب فيه نوع من الالتزام، نظرا لأهمية المتقدم عما جاء بعده... ونلمح مثل هذا التوافق العجيب بين التعبير القرآني والتقرير العلمي حين يذكر القرآن السمع مفردا، والبصر جمعا في آياته مثل قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ﴾ [٢٤] ، ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ﴾ [٢٥] .
стр. 9948
لأن الصوت لا مفر لك من سماعه ما دمت لا تسعين بشيء خارجي يمنعك من السماع كوضع شيء في الأذن، بخلاف الصورة فيمكنك أن تراها فتدع عينك مفتوحة، ويمكنك ألا تراها فتغلق عينيك دون أن تستعين على عدم الرؤية بشيء من الخارج كما في حالة الامتناع عن السمع، فالإبصار متعدد حيث يراه بعض الناس، ويغمض الآخرون عيونهم عنه فلا يرونه، وحيث إنك ترى حين تريد، أو حين لا تريد، أما السمع فواحد لا يمكنك إلا أن تسمع أنت ويسمع الآخرون جميعا إذا انفجر صوت، فالسمع واحد والأبصار متعددة [٢٦] .
وإذا كان هذا هو الشيء المسلم به والمقبول...كان تعبير القرآن بالإفراد عن السمع، وبالجمع عن البصر موافقا لما نعرفه ونسلم به... وبهذا يتحقق الإعجاز القرآني للعربي وغير العربي على السواء.
ولكن المفسرين لا يرون في مجيء السمع مفردا والأبصار جمعا إعجازا علميا، ولكن يجيء لأسباب لغوية ترتبط بقواعد اللغة، ففي قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [٢٧] .
جاء السمع مفردا بين القلوب والأبصار وكلاهما جمع، والزمخشري يعلل هذه الظاهرة الأسلوبية فيقول: "ووحد السمع كما وحد البطن في قوله: كلوا في بعض بطونكم تعفوا، يفعلون ذلك إذا أمن اللبس... فإذا لم يؤمن كقولك: فرسهم وثوبهم رفضوه، إذا أردت الجمع؛ ولك أن تقول: السمع في أصله مصدر، والمصادر لا تجمع فتقدر محذوفا، أي وعلى حواس أسماعهم... وقرأ ابن عبله: ﴿وعلى أسماعهم﴾ [٢٨] ...فذكر الزمخشري لمجيء السمع مفردا عللا ثلاثا: أمن اللبس حيث لا نرتاب في أن المقصود بالسمع هنا الجمع وليس المفرد، ثانيا: أن السمع مصدر والمصادر لا تجمع، ثالثا: ورد في إحدى القراءات ﴿وعلى أسماعهم﴾ بالجمع...
стр. 9949
ومن خصائص الأسلوب القرآني الفذ: أنه يجمع بين الجزالة والسلاسة، والقوة والعذوبة، وحرارة الإيمان، وتدفق البلاغة، فهو السحر والنور الباهر والحق الساطع والصدق المبين... ولما سمعه فصحاؤهم وبلغاؤهم وأرباب البيان فيهم سجدوا لله خاشعين... وما إيمان "عمر"حين سمع "طه"وما فزع "عتبة"حين سمع "فصلت"... وما تردد بلغاء العرب على الأماكن التي يتعبد فيها النبي الأمين ﷺ ليلا، إلا ليسمعوا هذه البلاغة خفية، وما عجزهم بعد التحدي إلا دليل الإعجاز، وعظمة البيان وجلال الأسلوب...
ومن هذا المنطلق العجيب، كان القرآن الكريم وحده، هو كتاب الهداية، ولغة الحياة وقصة الكون الصادقة من بدايته إلى نهايته، بل هو تجديد لميلاد الإنسان على اختلاف الحقب وتوالي الأجيال، ومرور الدهور والعصور، نزل لمخاطبة النفس البشرية والأخذ بيدها، فهو معها آمرا وناهيا، مرشدا وواعظا، مبشرا ومنذرا، حارسا ومدافعا، مصبرا ومسليا، معلما وموجها، سميرا وجليسا، صديقا وأنيسا، فهو الحياة في سموها، والسعادة في أوجها، والكمال في أسمى معانيه، فلقد بلغ الغاية التي لا تدانيها غاية، في الرفعة والعلو، والخلود والسمو، فما أبدع تراكيبه وأروع أساليبه، وأسمى من معانيه.
الله أكبر إن دين محمد
وكتابه أهدى وأقوم قيلا
لا تذكر الكتب السوالف عنده
طلع الصباح فأطفئ القنديلا
ولو ذهبنا نستقصي وجوه الإعجاز للقرآن الخالد، ونستعرض صفحات جلاله، لأعيانا الأمر، وانقطعت نفوسنا من شدة البهر، لأنه الكتاب الذي لا تنفد عجائبه، ولا تنتهي غرائبه، ولا يخلق على كثرة الرد.
وإن ما نذكره الآن من وجوه خلوده وإعجازه، لهو قل من كثر، ووشل من فيض، وقبس من روح، وقطرة من بحر، فمن هذه الوجوه:
١- قوة أسلوبه في كل ما تناول، فهو قوي في التعبير عن الأحكام، والأخبار والربوبيات، كقوته في القصص وغيره، فليس هناك تفاوت في الأسلوب لاختلاف الموضوعات.
стр. 9950
٢- اشتماله على قصص وأخبار الأمم الماضية، وموقف كل أمة من نبيها، كل هذا يسوقه القرآن في دقة بالغة، حتى كأننا نعيش في نفس الحوادث التي يعرضها، والذي بلغنا كل هذا إنما هو رجل أمي لا يعرف القراءة أو الكتابة.
٣- اشتماله على نظام في الأخذ به سعادة الأمم وفي البعد عنه تعاستها وشقاؤها ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ .
٤- بلاغة القرآن النادرة، التي لا يحيط بها وصف، ولا يستطيع أن يكشف عن خصائصها باحث، ولقد وضعت علوم البلاغة والنقد والإعجاز للكشف عن مظاهر هذه البلاغة وأسرارها، ثم هي للآن وبعد مضي ما يربو على ثلاثة عشر قرنا من الزمان، لا تزال على أول الدرب، وفي بداية الشوط، وسوف تظل هكذا كليلة قاصرة، لأنها أمام بحر خضم لا ساحل له.
٥- سمو الروح، ونبل الهدف في القرآن: فهو ليس كتاب قصص أو تسلية، أو أدب أو حكمة أو فلسفة أو تاريخ أو اجتماع وإنما هو منهج متكامل للحياة الصحيحة في كل جوانبها.
٦- جلال أثره الأدبي في لغة العرب، وحياتهم وأدبهم، وفي حياة المسلمين والعالم كله.
٧- خلوده على مر الأيام، والعصور والأمكنة، مع عجز الناس عن معارضته، رغم أنه تحدى ولا يزال... وتاريخ العالم مشتمل على الأفذاذ من الأدباء والبلغاء.
٨- بساطة القرآن في أسلوبه، ووضوحه وجماله وجزالته.
٩-وأخيرا وليس آخرا: ما جاء به القرآن من إعجاز علمي مبدع، جعل العلماء يخشعون لجلال هذا الكتاب وسبقه في هذه الميادين... ومن هذا اللون العلمي قول الله:
﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [٢٩] ... ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [٣٠] ... ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [٣١] ... ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ﴾ [٣٢] .
стр. 9951
هذا هو القرآن في سموه وجلاله، وسحره وجماله وخلوده وكماله، ولقد وقفت الإنسانية صاغرة أمامه، على الرغم مما يزخر به تاريخها من عباقرة وأساطين في الفكر والأدب والاجتماع، وما يحفل به من نوابغ لسن وخطباء مصاقع... وصدق الله: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [٣٣] .
موطن الإعجاز في القرآن
إن أهم معجزة للرسول العظيم: هو القرآن الكريم، وقد حمل دعوة التحدي به إلى الناس عامة، وإلى العرب خاصة، في أكثر من موضوع منه، ومع ثبوت هذا، فإن الوقوف على الجهة التي كان منها الإعجاز القرآني، أمر لم تلتق عنده الآراء، ولم يكن محل اتفاق بين الباحثين والناظرين في وجوه الإعجاز، في كل زمان ومكان.
فهناك أكثر من رأي، وأكثر من مذهب في الجهة أو الجهات التي كان بها القرآن مفحما، على ما سنرى في موضعه، وليس كذلك الشأن في معجزات الأنبياء... إذ كل معجزة كانت تنادي معلنة في وضوح عن صفتها التي أعجزت بها، وتشير في صراحة إلى الجهة التي جاء منها الإعجاز، فيعلم الناي لوقتهم ماذا في المعجزة من دلائل الإعجاز، وماذا فيها من القوة القاهرة المعجزة التي لا يستطيعون القيام لها، والجري معها.
وماذا يبحث الناس في عصا موسى ﵇ مثلا؟ إنها مجرد عصا... لا تختلف في مرأى العين عن أي عصا أخرى... ليس فيها أجهزة، ولا عدد، ولا أي خروج عن صفات العصي التي في أدي الناس... ولكنها في يد موسى تنقلب إلى ثعبان مبين يلقف ما يأفكون.
وليس في يد موسى غير ما في أيدي الناس... لحم ودم وعظم وعصب وعروق، لا تختلف في شيء أبدا عن الأيدي التي تحيا في أجساد الناس وتعمل لهم.
إذن فهناك قدرة لا ترى... هي قوة الله... التي تمد موسى بهذه المعجزات، وليست يده أو عصاه إلا أداة تحمل هذه المعجزة أو تلك.
стр. 9952
كذلك معجزة عيسى ﵇ ... يدعو الميت فيحيا، ويمس الأكمه والأبرص فيبرأ... وليس في صوته الذي يدعو به شيء يخالف مألوف الأصوات المعروفة للناس... إنه مجرد كلمة تنطلق من فم، فإذا هي حياة، وإذا روح تسري في موات فتبعثه من مرقده.
إذن فليس الشأن في هذا الصوت، أو في تلك الدعوة، وإنما هي قوة قادرة... لا ترى... قد جعلت لهذه الكلمة ولتلك الدعوة هذا الأمر المعجز! هي قوة الله تعالى.
أما القرآن فشأنه غير هذا الشأن وأمره على خلاف هذا الأمر!
فهو كلمات، وألفاظ، وعبارات، لا تختلف عما ألف الناس، مما يجري على ألسنتهم من كلام ... إنه كلمات مألوفة معروفة... تعامل بها الناس، فأخذوا بها وأعطوا... وقلبوها على جميع وجوهها ... في مختلف الأساليب، وشتى التراكيب.
إن كل ما في القرآن من كلام هو مما كان يدور على ألسنة العرب، ومما يصاغ منه نثرهم، ونظمهم.. من خطب، وحكم ومساجلات، ومن قصيد ورجز... وفي هذا يقول الله:
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [٣٤] .
ثم إن هذه الكلمات التي عرفت -بعد- باسم القرآن، والتي تحدى بها الرسول الكريم ﷺ العرب جميعا، ثم الإنس والجن قاطبة، هذه الكلمات لها ما كان لكلمة عيسى حين كان ينطق بها فتتجسد معجزة قاهرة يشهدها الناس، ويرونها رأي العين.
إن هذا الكلام المألوف المعروف حين ضمه القرآن إليه، ونظم منه آياته، وصور منه أحكامه وقصصه، وجدله، ومواعظه، وزواجره، هذا الكلام قد أصبح منذ ذلك اليوم معجزة قاهرة، تتحدى الناس جيلا بعد جيل... وأمة بعد أمة... فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين.
ولكن ... أين هي المعجزة في هذا الكلام؟ وماذا يبدوا للناس منها؟ وماذا يشهدون من إعجازها؟ وكيف يضع الناس أيديهم على المعجزة، ويرفعون أبصارهم إليها؟.
إنها معجزة لا ترى بالعين، ولا تلمس باليد!
стр. 9953
وعلى الناس أن يسمعوا لهذا الكلام، وأن يتدبروا آياته... وعندئذ يرون ببصائرهم -لا بأبصارهم- في كل آية معجزة قاهرة... تعنو لها الجباه، وتخضع لها الرقاب.
إن على الناس أنفسهم... أن يفتحوا قلوبهم وعقولهم لهذه الكلمات، فإنهم إن فعلوا تكشف لهم منها ما كان يتكشف من عصا موسى ﵇ ويده، ومن كلمة عيسى ﵇... وهذا مفهوم قول النبي ﷺ :
"وإنما كان هذا الذي أوتيته وحيا أوحي إلي" [٣٥] .
إنها آيات... معجزات... وما يعقلها، ويعرف وجه الإعجاز فيها إلا العالمون الذين يلقون أسماعهم لها، ويفتحون قلوبهم وعقولهم للحق الذي فيها، وللنور الذي معها.
ومن ثم كانت أنظار المسلمين دائما معلقة بهذا الكتاب، يدرسونه، ويتدارسونه، ويلقونه بكل ما تسعفهم به الحياة من علوم ومعارف، فيجدون كل شيء دون ما في كتاب الله من علوم ومعارف، فيزداد لذلك تعلقهم بكتاب الله، وتتوثق صلتهم به، ويشتد إقبالهم عليه، ومدارستهم له.
وفي كل يوم من أيام المسلمين تظهر دراسات وبحوث في القرآن وعلوم القرآن، حتى لقد اجتمع من ذلك ما لا يحصى عدا.
ولقد كان نصيب "الإعجاز"في مباحث القرآن نصيبا موفورا، وقد أفرده بعضهم بدراسة خاصة، كما فعل عبد القاهر الجرجاني والرماني والخطابي والباقلاني ... إلا أن أكثر مباحث الإعجاز هي التي كانت تجيء ضمن مباحث التفسير أو القراءات... فمعظم الذين فسروا القرآن حاولوا أن يجعلوا في صدور تفاسيرهم إشارات تتضمن آراءهم في فضل القرآن وفي إعجازه.
ولعل! "الزمخشري"أشهر هؤلاء المفسرين وأولاهم بالذكر في هذا المقام، إذ كان تفسيره "الكشاف"يبحث عن مناط الإعجاز في كتاب الله... في آياته، آية آية، وفي كلماته، كلمة، كلمة.
وقد آن لنا أن نلتقي بعد هذا مع بعض هؤلاء العلماء والمفسرين، الذين يتسع المجال للقائهم والتحدث إليهم.
١- الجاحظ ورأيه في الإعجاز
стр. 9954
في رسالة للجاحظ بعنوان "حجج النبوة" [٣٦] يتحدث الجاحظ عن معجزة الرسول ﷺ ، وأنها قائمة في القرآن الكريم، الذي هو معجزته الكبرى... الخالدة، ويقيم الدليل على هذا بما عرف من تحدي القرآن للعرب، وعدولهم عن لقاء هذا التحدي، والنزول في ميدان القول ... فهربوا من هذا الميدان... وأوقدوا نار الحرب بينهم وبين النبي ﷺ ... فقتلوا وقتلوا...ولو كان في مستطاعهم أن يصمدوا لهذا التحدي لما فروا هذا الفرار المشين، ولما رضوا أن يعرضوا أنفسهم للموت، وخاصة بعد أن ظهر عليهم النبي ﷺ في هذا الميدان أيضا، وقتل كثير من فرسانهم ومشيختهم.
يقول الجاحظ:
"إن محمدا ﵊ مخصوص بعلامة، لها في العقل موقع كموقع فلق البحر من العين ... وذلك قوله لقريش خاصة، وللعرب عامة -مع ما فيها من الشعراء والخطباء والبلغاء- والدهاة، والحلماء، وأصحاب الرأي والمكيدة، والتجارب، والنظر في العاقبة: "إن عارضتموني بسورة واحدة فقد كذبت في دعواي، وصدقتم في تكذيبي" [٣٧] .
ثم يتحدث عن معجزة النبي "محمد ﷺ "فيقول:
"وكذلك دهر "محمد" ﷺ ، كان أغلب الأمور عليهم وأحسنها عندهم وأجلها في صدورهم حسن البيان ونظم ضروب الكلام، مع علمهم له، وانفرادهم به، فحين استحكمت لغتهم، وشاعت البلاغة فيهم، وكثر شعراؤهم، وفاق الناس خطباؤهم، بعثه الله فتحداهم بما كانوا لا يشكون أنهم يقدرون على أكثر منه، فلم يقرعهم بعجزهم، وينقصهم على نقصهم حتى تبين ذلك لضعفائهم وعوامهم، كما تبين لأقويائهم وخواصهم، وكان ذلك من أعجب ما آتاه الله نبيا قط، مع سائر ما جاء به من الآيات ومن ضروب البرهانات [٣٨] .
стр. 9955
ذلك هو رأي الجاحظ في إقامة الحجة على وقوع الإعجاز بالقرآن... وهو رأي -كما ترى- تقوم بين يديه أدلة قاطعة... وإن أكثر الذين أقاموا الحجة على إعجاز القرآن من هذه الوجه، إنما نظروا إلى رأي الجاحظ هذا، واعتمدوا عليه، وداروا حوله ... ومنهم "الباقلاني" في كتابه "إعجاز القرآن"... والزركشي في كتابه "البرهان في علوم القرآن"... وغيرهما ممن كان لهم رأي في إعجاز القرآن!! .
الجاحظ ووجوه الإعجاز:
أما عن رأيه في وجوه الإعجاز التي كان بها القرآن معجزا، فهو الرأي الذي ذهب إليه "الباقلاني"من بعده، و"الجرجاني"كذلك... وهو "النظم"، الذي انفرد به القرآن، في صياغة أساليبه، صياغة تنتظم بها المعاني انتظام الروح في الجسد.
والجاحظ كما نعرف، إمام من أئمة البلاغة، وعلم مفرد في أساليب البيان، وذواقة لم تعرف العربية مثيلا له في التعرف على طعوم الكلام، واختلاف مذاقاته! وما تعرف اللغة العربية أديبا طاوعه قلمه فتحرك في كل اتجاه، وجال في كل حلبة، ونازل في كل ميدان، مثل هذا القلم الذي اشتملت عليه يد الجاحظ.
وإذا كان رأي الجاحظ، في وجه الإعجاز في القرآن، هو ذلك النظم الذي انفرد به القرآن في تصوير معانيه وإخراجها على تلك الصورة العجيبة من النظم، فإن ذلك لم يكن رأيا صريحا للجاحظ، وإنما كان عن طريق الاستدلال، والاستنتاج، لمقولاته التي حملناها هذه المحاميل، وفهمناها على هذا الوجه من الفهم، وإلا فإن الجاحظ لم يقل قولا صريحا مواجها، في الجهة أو الجهات التي جاء منها الإعجاز في القرآن!!
كان الجاحظ ممن يحفلون بالصياغة اللفظة، وممن يجعلون لصفاء العبارة ونضارتها شأنا في البلاغة، وتمكين المعنى من أن يعرض أروع عرض، وأبرعه، وأكمله.
стр. 9956
وكانت الظاهرة الغالبة في تلك الفترة المعاصرة للجاحظ، هي الاحتفال بالمعنى، وكدّ الذهن له، والجري وراءه... إذ كانت آثار العقل اليوناني في الفلسفة، والعقل الهندي والفارسي في الحكمة، وضرب الأمثال، قد أخذت تنتقل إلى اللغة العربية، وتؤثر في النفس هذا التأثير الذي أقام المذاهب الكلامية والفلسفية عند كثير من الجماعات والأفراد... وكان من ذلك أن جرى الناس وراء المعاني يلتقطونها في أي محمل من محامل اللفظ، وعلى أية صورة من صوره... حتى لقد كاد ذلك يذهب بكثير منهم إلى الخروج على الأساليب العربية والذوق العربي [٣٩] .
لهذا وقف الجاحظ في بوجه هذا التيار، وتصدى له، ودفع به إلى الوراء بعيدا... فانحسر شيئا فشيئا، وجعل أولئك الذين كانوا قد ركبوا هذا المركب لاصطياد المعاني، يعودون رويدا إلى الساحل، حيث يأخذون من المعاني ما تنال أيديهم، وما تبلغ أفكارهم.
رأي الجاحظ
والرأي الذي دعا إليه الجاحظ، هو أن البلاغة نظم وصياغة... فمن أخطأه حسن النظم، وحبكة الصياغة، فقد أخطأت كلامه عناصر الحياة، وجمدت فيه عروق البلاغة والبيان... وذلك أن المعنى الذي يخرج في صورة من النظم المضطرب ومن الصياغة المختلطة، هو معنى شأنه ذميم.
ويشهد عبد القاهر الجرجاني آثار هذه المعركة التي كانت دائرة بين اللفظ والمعنى، ويراها في مخلفات الجاحظ الذي كان ينتصر للفظ، من جهة، وفي مخلفات من كانوا يقفون ضده... في الجهة الأخرى.
ويقف "عبد القاهر"إلى جانب رأي الجاحظ، ويقفو أثره، ويتخذ من هذا الرأي حجته على وجه الإعجاز في القرآن.
ولا تحسبن أن "الجاحظ"يهون من شأن المعنى، أو يغمض من قدره... وكيف وهو رجل راجح العقل ... وفير العلم والحكمة والأدب؟
стр. 9957
فالجاحظ لم ينتصر للفظ، ولم يقف إلى جانب الأسلوب، إلا لمواجهة هذا الخطر الداهم على اللغة، والذي أشرنا إليه آنفا، وإلا فإنه حفي بالمعنى مؤثر له، حريص عليه ما دام لم يجر على الأسلوب، ولم يفسد كيانه، ولم يشوه بنيانه.
وللجاحظ في هذا المقام عبارة مشهورة يقول فيها:
"والمعاني مطروحة في الطريق، يعرفها العجمي والعربي، والقروي والبدوي، وإنما الشأن في إقامة الوزن، وتخير اللفظ، وسهولة المخرج، وصحة الطبع، وكثرة الماء، وجودة السبك"
"وإنما الشعر صياغة وضرب من التصوير" [٤٠] .
وأنت ترى أن "الجاحظ"ليس له هنا حديث عن الإعجاز في القرآن، وإنما هو يتحدث عن صفة الكلام البليغ، وعن مأتى البلاغة فيه، ومجال التفاضل بين الكلام والكلام.
وإنه بهذا الميزان الذي يوزن به الكلام، وتعرف به منازله، يمكن أن يعرف فضل القرآن على غيره من الكلام، ويمكن أن يستدل على وجه الإعجاز فيه.
وهذا ما كان من "عبد القاهر"في كتابيه: "دلائل الإعجاز"و"أسرار البلاغة" ... حيث أقام مذهبه في الإعجاز على هذا الميزان، وهو "النظم" ... كما سنرى ذلك في موضعه من هذا البحث.
هذا "والجاحظ"إذ يرى الإعجاز في "النظم"لا يرى النظم نظما إلا إذا كان على شيء من السعة والامتداد، بحيث يحمل معنى مؤلفا من حقائق مترابطة، يسند بعضها بعضا، فتتشكل منها صورة سوية.
أما النظم الذي يقوم على جملة أو جملتين، أو كلمة أو كلمتين، فلا يدخل في هذا الباب، ولا يعد نظما ينكشف به معدن الكلام وتبين روعته.
يقول الجاحظ في هذا:
"ولأن رجلا من العرب لو قرأ على رجل منهم أي من خطبائهم وبلغائهم سورة واحدة طويلة أو قصيرة، لتبين له في نظامها ومخرجها، وفي لفظها وطبعها، أنه عاجز عن مثلها، ولو تحدى بها أبلغ العرب لظهر عجزه عنها".
ثم يقول:
стр. 9958
"وليس ذلك -أي الإعجاز- في الحرف والحرفين، والكلمة والكلمتين، ألا ترى أن الناس قد يتهيأ في طباعهم، ويجري على ألسنتهم أن يقول رجل منهم: "الحمد لله "و"على الله توكلنا"... وهذا كله في القرآن، غير أنه متفرق غير مجتمع".
"ولو أراد أَنطَقُ الناس أن يؤلف من هذا الضرب سورة واحدة طويلة أو قصيرة على نظم القرآن وطبعه، وتأليفه، ومخرجه لما قدر عليه، ولو استعان بجميع "قحطان"و "معد بن عدنان" [٤١] .
فالنظم على صورة مخصوصة، وفي امتداد رحب هو المعرض الذي تتجلى فيه روعة القرآن وتخايل ملامح إعجازه.
وعلى هذا فالجاحظ هو إمام هذا المذهب في إعجاز القرآن، وعمدة الرأي فيه... ما أن كشف عنه في حديثه عن الأدب، وبيان معادنه حتى كان مذهبا غالبا من مذاهب الرأي في الإعجاز، وحتى دفع إليه العلماء دفعا، إذ جعلوا قوله هذا في الفصاحة والبيان، هو مجال النظر في الإعجاز، لا يكادون يتجاوزونه، ولا ينظرون إلى شيء وراءه.
الجاحظ...والقول بالصرفة:
لاتعجب إذا رأيت الجاحظ يقول بالصرفة في وجه الإعجاز في القرآن.. فالجاحظ كما نعلم "معتزلي"... وجه من وجوه المعتزلة ورأس من رءوسهم، والنظام وهو من شيوخ المعتزلة كان أول من جاهر بهذا الرأي وفتح للناس باب الكلام فيه.
ولا يذهبن بك الرأي إلى أن تحسب الجاحظ متابعا أو مقلدا لإمام مذهبه "النظام"في هذا الرأي... فالجاحظ وإن أخذ بقول "النظام" ... فليس ذلك عن تقليد ومتابعة، وإنما عن نظر وموازنة ومراجعة ... ثم اقتناع.
стр. 9959
ومن ثم كان رأي الجاحظ في القول بالصرفة هو الذي جعل لرأي "النظام"بعد هذا مكانا بين الآراء التي دارت حول إعجاز القرآن، ولولا هذا لما التفت الناس إلى رأي النظام هذا الالتفات، ولما عاش هذا الرأي في الناس، ينقضونه حينا، ويقبلونه أحيانا... وأمر آخر، وهو أن الجاحظ إنما قال بالصرفة بعد أن أعياه الوقوع على الضوابط الدقيقة التي يضبط بها وجه الإعجاز في القرآن، ويكشف عن أسرار هذا الإعجاز ... فذلك أمر إن أعجز الجاحظ فقد أعجز الإنس والجن جميعا! فلو أن الإعجاز قد انكشف –وهيهات- لعرفه الناس، ومن ثم لم يعد بعيدا عن متناول أيديهم... وكان في مستطاعهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن... والله سبحانه يقول:
﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ [٤٢] .
إن سر الإعجاز مضمر في كلمات القرآن، كلمة كلمة، وآية آية، إنه أمر من أمر الله...كالروح ترى آثارها، وتشاهد أفعالها، دون أن ينكشف للناس شيء منها.
﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [٤٣] .
والقرآن "روح"تتجلى آثاره في هذه الكلمات المنظومة في آياته...
ولعل في قوله تعالى للنبي الكريم ﷺ :
﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا﴾ [٤٤] .
لعل في هذا ما يعين على الفهم الذي فهمناه من أن القرآن "روح"من روح الحق جل وعلا ... ونقول: لا تعجب إذا عجز الجاحظ عن الكشف عن هذا السر المضمر، أو هذا الروح الساري في القرآن فلم يعرف وجه الإعجاز فألجأه هذا العجز إلى القول بالصرفة ... فالجاحظ أستاذ في نقد الكلام، فلا عجب أن عرف قدر القرآن، ولزم حده معه.
(يتبع)
стр. 9960
--------------------------------------------------------------------------------
[١] النجم /٤.
[٢] القيامة /١٧.
[٣] الإسراء /٧٨.
[٤] انظر تفسير غريب القرآن لابن قتيبة ص٣٣.
[٥] الإنسان /٢٣.
[٦] تفسير الفخر الرازي ١/١٦١-١٦٣.
[٧] البصائر ١/٨٨.
[٨] الأنبياء /٥٠.
[٩] الفرقان /١.
[١٠] الأنعام /٩٢.
[١١] القيامة /١٨.
[١٢] البقرة /٢٤٨.
[١٣] البرهان للزركشي ١/٢٦٥ ط. الحلبي.
[١٤] القرطبي ١/٥٦-٦٧.
[١٥] الإسراء /٨٨.
[١٦] إعجاز القرآن ص٢٦ للرافعي.
[١٧] مفاتيح الغيب ٣٠/١٢٥- ١٢٦ - الرازي.
[١٨] المائدة /٨٣.
[١٩] الزمر /٢٣.
[٢٠] الزخرف /٥٨.
[٢١] مريم /٩٧.
[٢٢] الإسراء /٣٦.
[٢٣] القضاء والقدر ص١٢٧- ١٣٠ متولي الشعراوي.
[٢٤] النحل /٧٨.
[٢٥] فصلت /٢٢.
[٢٦] القضاء والقدر ص١٣١.
[٢٧] البقرة /٧.
[٢٨] الكشاف ١/٤١.
[٢٩] الحجر /٢٢.
[٣٠] الأنعام /١٢٥.
[٣١] النازعات /٣٠.
[٣٢] الزمر /٦.
[٣٣] الإسراء /٨٥.
[٣٤] يوسف /٢.
[٣٥] البخاري.
[٣٦] ضمن مجموعة رسائل الجاحظ ... نشرها السندوبي.
[٣٧] لم يحفظ التاريخ للجاحظ رسالة في إعجاز القرآن، وهذا يعد أمر غريبا، ولكن يبدو أن البلى والإهمال عصفا بهذه الرسالة وأمثالها.
[٣٨] من رسالة "حجج النبوة"ص١٤٤ وما بعدها.
[٣٩] إن نقل الفلسفات اليونانية والهندية والفارسية إلى اللغة العربية كانت له آثاره المعروفة في ظهور النزعات الكلامية والاعتزالية وكذلك ظهور الفرق التي أدخلت حشدا من البدع إلى الإسلام، أما العلماء الذين استمسكوا بهدي الكتاب والسنة فقد حماهم الله تعالى وكانوا بمنجاة من تلك الآثار السيئة، بل أظهروا عوارها وحذروا الناس منها (المجلة) .
[٤٠] دلائل الإعجاز ص١٩٧.
стр. 9961
[٤١] حجج النبوة ص١٢٠.
[٤٢] الإسراء /٨٨.
[٤٣] الإسراء /٨٥.
[٤٤] الشورى /٥٢.
стр. 9962
العدد ٤٧-٤٨
فهرس المحتويات
١-كلمة التحرير - مؤتمر القمة الإسلامي وآمال المسلمين: د. عباس محجوب
٢- من وحي رمضان - أكبر مسابقة وأعظم جائزة: لفضيلة الشيخ أبو بكر الجزائري
٣- دراسة حول قول أبي زرعة في سنن ابن ماجه: للدكتور سعدي الهاشمي
٤- مفهوم الأسماء والصفات (الحلقة الثالثة) : د. سعد ندا
٥- وحدة المسلمين في مواجهة الأخطار سبيلها وغايتها: فضيلة الشيخ محمد عبد الرحمن الراوي
٦- التربية في عصور ما قبل الإسلام وبعده: فضيلة الدكتور عباس محجوب
٧- الرشوة: لفضيلة الشيخ عطية محمد سالم
٨- أكذوبة شعب الله المختار: بقلم الأستاذ معالي عبد الحميد حمودة
٩ - المعجزات والغيبيات بين بصائر التنزيل ودياجير الإنكار والتأويل: لفضيلة الدكتور عبد الفتاح إبراهيم سلامه
١٠- مدرسة الدعوة: فضيلة الدكتور محمد السيد الوكيل
١١- حبيب الروم: لفضيلة الشيخ محمد شريف الزيبق
١٢- من أعلام الدعوة الإسلامية في الهند - صديق حسن خان (١٢٤٨- ١٣٠٧هـ) القرن التاسع عشر الميلادي: بقلم الدكتور محي الدين الألوائي
١٣- في المشارق والمغارب: فضيلة الشيخ عبد الله بن أحمد قادري
١٤- البديع عند الحريري: فضيلة الدكتور بيلو أحمد أبو بكر
١٥- رسائل لم يحملها البريد: فضيلة الشيخ عبد الرؤوف اللبدي
١٦- المرأة المسلمة: فضيلة الشيخ يوسف الهَمَذاني
١٧- ما أضاع الحق إلا من بكاه: للدكتور إبراهيم حسن إبراهيم
١٨- حوار مع الدكتور مصطفى محمود: بقلم الشيخ محمد المجذوب
١٩- من عقائد السلف - الرد على الجهمية للإمام الحافظ ابن منده (٣١٠- ٣٩٥هـ) (الحلقة الأولى) : تحقيق وتعليق الدكتور علي بن محمد بن ناصر الفقيهي
٢٠- التعريف بكتاب محنة الإمام أحمد بن حنبل: للدكتور محمد نغش
٢١- الاعتماد على الحساب الفلكي في إثبات دخول شهر رمضان وخروجه وتحديد الأعياد: لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز
٢٢- طب الأسنان في الإسلام: للدكتور أحمد كرات / طبيب الأسنان بمستوصف الجامعة
٢٣- مع الخلية العصبية وبديع صنع الله: للدكتور فكري السيد عوض
٢٤- من أعماق الكتب: سعد ندا
٢٥- مختارات من الصحف
٢٦- أحداث العالم الإسلامي
٢٧- أخبار الجامعة
عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة ١٤٢٣ هـ / ٢٠٠٢ م
стр. 9963
كلمة التحرير
مؤتمر القمة الإسلامي وآمال المسلمين
د. عباس محجوب: أستاذ مساعد بكلية الدعوة
نأمل أن يكون مؤتمر القمة الإسلامي المقام في مكة من أهم أحداث هذا القرن الجديد وبداية الخطوات الجادة في سبيل عودة المسلمين إلا ربهم وإلى منهج الله وكتابه وشريعته، بعد أن جربوا طوال السنوات الماضية شرائع البشر ومناهجهم، وأهمية هذا المؤتمر الذي يرفع شعار التضامن الإسلامي أنه يعقد في مكة المكرمة مهبط الوحي ومنبع النور وقبلة المسلمين في الأرض، مكة التي اختارها الله مكانا لبيته الذي يتجه إليه المسلمون كل يوم خمس مرات؛ سائلين الله وحده عابدين له دون سواه.
ولقاءات القمة هي أحدث أساليب الاتصال والتفاهم والترابط بين أمم الأرض، فضلا عن أمة الإسلام التي يربط بعضها ببعض أقوى الروابط وأمتن الصلات، وهي رابطة العقيدة ثم اللغة والنسب، والهموم المشتركة، والأهداف الإلهية الواحدة، والرسالة الخالدة، والتاريخ المشرق النابض في الماضي الخالد، والحاضر الحي والمستقبل المليء والموعود بجد العمل وإخلاص العبادة، وجمال العودة إلى منهج السماء وشريعة الله الخالدة وكتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
إن عقيدة التوحيد هي التي حققت أول وحدة في تاريخ البشرية؛ قامت على أسس سليمة، وهي الوحدة القائمة على إفراد الله بالربوبية والألوهية والحاكمية والولاء والقبلة.
стр. 9964
ويأتي هذا المؤتمر والعالم يعيش في ظلام دامس، وتخبّط وضلال وكفر وابتعاد عن الله، وافتقاد للقيادة الرشيدة التي تخلى المسلمون عن القيام بأعباءها وتحمل مسؤولياتها، وقد وصفهم الله بقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ ، ولأن الأمم الإسلامية لم تستخدم مقدراتها ولم تستفد من مقومات القيادة في دينها وعلمها وتاريخها، تخلت عن مكانها في قيادة البشرية وأصبحوا أتباعا يسيرون في ذيل التاريخ ويأكلون من فتات المعرفة، وانتقلت القيادة إلى الغرب تقود البشرية كما تريد، وأصبح العالم يعاني فقرا في القيادة وإفلاسا في التوجيه، وانقسمت نفسها إلى شرقية في الدول الشيوعية وغربية في دول الغرب.
أما المجتمع الاشتراكي فهو يعاني من عدم سلامة المنهج وثبات المبدأ؛ إذ تهدمت مبادئ الشيوعية كلها تحت معاول الهدم والتطبيق والتغيير، وواجه الفكر الشيوعي زعزعة في المبادئ فلم يعد العالم الاشتراكي يؤمن بدكتاتورية الطبقة العاملة؛ أساس النظام الماركسي، وتعددت المدارس الاشتراكية في العالم متمردة على تعاليم ماركس وانجلز ولينين، وأصبحت المقولات الشيوعية المحفوظة مثار سخرية وتندر، وأصبح الاستعمار الشيوعي أكثر شراسة مما عرف البشر من أنواع الاستعمار، وانتشرت جيوش الشيوعية المفلسة تحتل البلدان عنوة في المجر وبلغاريا والحبشة وأفغانستان.
أما الاستعمار الأمريكي فهو ناعم الملمس خبيث المقصد؛ يحتل البلدان حسب أنظمة الحكم فيها، ويستعمل أنواعا من التهديدات والعقوبات الاقتصادية، والضغوط السياسية، مع أنه يعاني من ضعف قيادته للمجتمع الأمريكي الذي يعاني من مشكلات الجنس والمخدرات وهوس الشباب وتمرده.
стр. 9965
إن العالم الغربي يستغل معطيات الحضارة في نشر البغي والاعتداء واستنزاف مقدرات الشعوب، ولا مخرج للعالم من غياب القيادة المؤمنة الرشيدة إلا بالرجوع إلى الله، واتخاذ الشريعة منهجا للحياة وعبادة الله وحده، ولا يتم ذلك إلا بالدعوة الصادقة لزعماء المسلمين وقادتهم؛ وأغلبهم لا يطبقون شريعة الله ولا يتبعون منهجه، ولا يأخذون بالإسلام كنظام صالح لقيادة البشرية وتوحيدها وتحكيم شريعتها؛ حتى يمكن أن تقدم نماذج للحكم الإسلامي والاستقرار النفسي والمادي والأمن والطمأنينة ونحوها من ألوان السعادة التي تتم باتخاذ القرآن والسنة دستورا للحياة.
إن المسلمين يواجهون مشكلات عصيبة وتحديات خطيرة نتيجة عدم تحكيمهم لكتاب الله، وعلى رأس هذه المشكلات التي أخذت السنوات من عمر المسلمين معركتنا الدائمة مع اليهود، والتي أخبرنا الله أنها معركة دائمة ومستمرة، واليهود لم يحققوا أهدافهم إلا في ظروف غياب الخلافة الإسلامية ووحدة المسلمين وتجريد أهم قضاياهم من الصبغة الإسلامية، وأقرب مثال لذلك قضية فلسطين التي استطاع أعداء الله في الشرق والغرب جعلها قضية عربية؛ حتى وصل الأمر إلى اقتناع (منظمة التحرير الفلسطينية) بذلك؛ فاعتنقت الدعوة إلى قيام دولة علمانية في أرض فلسطين، وشردت القضية في ذلك في متاهات القومية والمذهبية والعنصرية، وأبعد عنها دول إسلامية لها ثقلها المادي والمعنوي، والمعركة في الحقيقة معركة بين العقيدة الإسلامية والدعاوى اليهودية، وما لم يجدد قادة المسلمين هوية هذه القضية الدينية ويعودوا إلى الله يطلبون العون ويأخذون بأسباب النصر؛ فسوف تتحقق مطامع اليهود في إسرائيل الكبرى، وسيرنو اليهود إلى مقدسات الإسلام الأخرى بعد أن التهموا المسجد الأقصى وعاثوا فيه فسادا وأحرقوه بالنيران عام ١٩٦٩م.
стр. 9966
إن على قادة المسلمين أن يوجهوا الشعوب الإسلامية إلى تنفيذ أمر الله الدائم ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ، وإلا فسوف يتحقق فيهم قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ ، أو ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ .
إن الاتجاه إلى الاعتراف بإسرائيل ضمن حدود ١٩٦٧م وتدويل مدينة القدس اتجاه خطير، على قادة الشعوب الإسلامية ألا يقبلوه، والبديل لذلك رفع راية الجهاد وفتح باب التطوع للشباب المسلم، وإطلاق الحريات العامة للشعوب المسلمة، وإيقاف المجازر والتقتيل للمسلمين، وإغلاق السجون المفتوحة للدعاة إلى الله.
أما قضية أفغانستان فيجب ألا تكون المواقف المتصلبة للغرب هي الدافعة لمواقفنا، بل علينا اتخاذ المواقف التي يمليها علينا ديننا وحق إخواننا المسلمين في مؤازرتهم وإعدادهم وتزويدهم بالمال والسلاح والرجال؛ إعلاء لكلمة الله وتلبية لداعي الجهاد للكفر والإلحاد.
إن الحرب الإيرانية العراقية حرب بين المسلمين تستنزف دماءهم، وتدمر قوتهم، وتثير الضغائن وتلهب العصبية؛ وكل ذلك ليس في سبيل الله ولا نصرة لدينه، والخاسرة هي الشعوب الإسلامية التي تقاد إلى طرق لا تريد أن تسلكها، وعلى قادة المسلمين أن يؤازروا المساعي التي بدأتها المملكة في سبيل اجتماع قطبي البلدين لوضع حد للحرب الدائرة بينهما ضمن إطار إسلامي.
стр. 9967
إن علينا أن نضع الحلول للمشكلة اللبنانية، ومشكلات المسلمين الذين يبادون في الفلبين وتشاد والحبشة وسوريا ونيجيريا وغيرها من البلاد؛ حتى تشعر الأمم الإسلامية أن قادتها يجتمعون على مصالحها ويرعون الله في أماناتها.
إن قوة المسلمين في قيام منظمة وحدة إسلامية على أسس إسلامية ونوايا صادقة وإخلاص لله، وعلى تحقيق صور التعاون الاقتصادية والتكامل واستثمار أموال المسلمين في الدول الإسلامية، وعلى الاعتصام بحبل الله المتين ونوره المبين والتمسك بكتاب الله تنفيذا له وعملا بما جاء به والعمل بسنة رسول الله ﷺ والتقيد بها؛ ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ .
د. عباس محجوب
стр. 9968
مدرسة الدعوة
فضيلة الدكتور محمد السيد الوكيل
وكيل كلية الحديث الشريف
نشأت الدعوة في مكة المكرمة، وكانت أول مدرسة لها هي دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي، حيث كان الرسول ﷺ يلتقي بالرعيل الأول هناك، فيعلمهم العقيدة الصحيحة، وينتزع ما بقي في قلوبهم من آثار الوثنية، ويقتلع من نفوسهم قدسية الأصنام ومنزلتها، ويغرس فيها الإيمان باليوم الآخر، وما فيه من البعث والحساب والجنة والنار إلى غير ذلك من أصول العقيدة.
وقد تميزت مدرسة الدعوة بخصائص لم تتوفر لغيرها، كان لها أكبر الأثر على الدعاة، فخرّجت جيلا ضحى في سبيل الدعوة بما يملك من النفس والمال والولد، ولم يضن عليها بشيء تحتاج إليه، كما كان للجهد العظيم الذي بذله الدعاة نتائج هائلة وثمرات جيدة، وبذلك أصبحت مدرسة الدعوة في تلك الآونة مدرسة فريدة في موضوعها، فريدة في منهاجها، فريدة في نتائجها.
خصائص مدرسة الدعوة:
أول هذه الخصائص ربانية المنهج:
لقد كان منهج هذه المدرسة من صنع الله ﵎ جاء به جبريل من عنده سبحانه وحيا يوحى؛ لهذا كان منهجا متكاملا، لم يترك مما يصلح به البشرية في دينها ودنياها إلا حث عليه وأمر به.
وكان أول ما اهتم به المنهج هو تصحيح العقيدة من الانحراف الذي طرأ عليها، لأن الغاية من خلق آدم وذريته هو تحقيق معنى العبودية لله في الأرض، باتباع المنهج القويم الذي جاء به الأنبياء والمرسلون، وذلك بعبادة الله - تعالى - وإخلاص الطاعة له - سبحانه -.
وكان الناس في تلك الآونة من الزمان قد نسوا البعث، بل أنكروه، كما هو حالهم في فترات الزمان المتباعدة، فكانت الدعوة الإسلامية عاملا مهما من عوامل إيقاظ هذا المعنى في النفوس، وركزت عليه تركيزا بحيث لم يعد هناك مجال للشك فيه.
стр. 9969
وقد ثبَّت المنهج هذه العقيدة بأساليب مختلفة، فضرب الأمثلة، وانتقل من المعقول إلى المحسوس، ولفت أنظار الناس إلى قدرة الله فيما حولهم وفيما يجري بينهم؛ حتى تكون الوقائع الماثلة شاهدة على ما يخبرهم به الله في كتابه على لسان نبيه.
وحيث كان المنهج ربانيا فإنه جاء مناسبا لكل زمان ومكان، لا يعتريه نقص، ولا يطرأ عليه تغيير، لأن صفة الربانية لهذا المنهج تكسبه معنى الصلاحية والثبات، وكونه منهجا لآخر رسالة في هذه الحياة يكسبه معنى الخلود إلى آخر هذه الحياة، فلسنا إذا في حاجة إلى تغيير من فترة إلى فترة، ولا في حاجة إلى التعديل فيه من حين إلى حين.
وأما ثانية الخصائص فهي جمعها بين مصالح الدنيا والآخرة:
قد يخطر بالبال أن ربانية المنهج في تلك المدرسة يدل على أنها تتناول أمور الدين فقط، ولا تلتفت إلى الدنيا في قليل أو كثير، والواقع خلاف ذلك؛ فإن تلك المدرسة قد جمعت بين مصالح الدنيا والآخرة، في تناسق تام وتوازن عجيب، فلم تترك أحد الجانبين يطغى عل الآخر، ولم تهمل شيئا منهما على حساب الآخر، ذلك لأن الإسلام ينظر إلى الدنيا على أنها هي المزرعة التي يحصد منها الإنسان زاده للآخرة، بل هي الجسر الذي يعبر عليه ليصل إلى مقره الذي يسعى جاهدا لبلوغه.
ومن جانب آخر فإن الأعمال الدنيوية كلها تتحول إلى أعمال دينية إذا حسنت فيها النية، فأنت تأكل لتعيش فقط هذا عمل دنيوي صرف، وأنت تأكل لتستعين على طاعة الله، وتقوم بواجبك، بهذه النية ينقلب العمل الدنيوي إلى عمل ديني لك أجره ومثوبته، وأنت تتزوج لتكون رب أسرة وتنجب البنين والبنات، وأنت نفسك تتزوج لتعف نفسك وتغض بصرك وتحفظ فرجك، أما الزواج الأول فدنيوي صرف، وأما الثاني فديني صرف، وكلاهما زواج ستكون فيه رب أسرة، وأبا للبنين والبنات.
стр. 9970
وهكذا كل الأعمال تستطيع أن تحولها إلى أعمال دينية مهما كانت درجتها الدنيوية، ويكون لك عليها من الأجر والثواب مثل بقية الأعمال العبادية أو الدينية الصرفة.
وبذلك تكون مدرسة الدعوة الإسلامية قد مزجت مزجا تاما بين أعمال الدنيا والدين، ونهجت في سبيل توحيد الأعمال نهجا قويما عبر عنه القرآن فقال: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [١] .
ألم تر أن الآية الكريمة جمعت بين ابتغاء الآخرة، وتذكير الإنسان بنصيبه من الدنيا حتى لا يكون في شغله بطلب الآخرة ما ينسيه نصيبه من الدنيا؟
ونحن نلاحظ في الآية أيضا أنها أمرت بالإحسان، وهو من أعمال الآخرة، وحذرت من الفساد في الأرض وهو من أعمال الدنيا.
إن الآية الكريمة قد مزجت بين العمل الدائب للآخرة بكل أنواعه، وبين العمل الدنيوي الذي يعود على الناس بالنفع والخير، وإنك مهما حاولت التأمل في الآية لن تشعر بفاصل بين العمل للدنيا والعمل للآخرة، ومهما أرهفت حسك الأدبي فلن تدرك - مهما بالغت - ثقلا أو صعوبة في الانتقال من أعمال الآخرة إلى أعمال الدنيا، لأن الآية الكريمة قد ساقتهما في نسق واحد، وتأليف فريد.
стр. 9971
إنك بحسك الأدبي وذوقك الفني تدرك أن موسيقى الألفاظ واحدة في الآية من أولها إلى آخرها، وتقسيم الفواصل لا يختلف فيها، ونلاحظ أن أعمال الآخرة وردت في الآية بصيغة الأمر وأعمال الدنيا جاءت بصيغة النهي، ولعل ذلك لكثرة ما يقع الناس في المحظورات؛ فجاءت صيغة النهي للتحذير من الوقوع في مخالب الدنيا ومفاتنها التي تشغل الناس عن أعمال الآخرة؛ فناسب أن تأتي بصيغة الأمر لأعمال الآخرة ﴿وَابْتَغِ﴾ .. ﴿وَأَحْسِنْ﴾ ، وناسب أن تأتي أعمال الدنيا بصيغة النهي ﴿وَلا تَنْسَ﴾ .. ﴿وَلا تَبْغِ﴾ .
وإنك لتلاحظ هذا المزج في كثير من آيات القرآن الكريم، وتلمسه واضحا في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ﴾ [٢] .
فإن الآية الكريمة جمعت بين العبادة ورمزت لها بالصلاة، وبين الأعمال العادية وأشارت إليها بالنسك وهو الذبيحة، ثم أجلات فجعلت حياة المؤمن ومماته لله، وذكرت التوحيد بنفي الشرك.
وهكذا تتناول الآية أعمال الدين الخالصة، والأعمال التي هي في الأصل عمل دنيوي حولها الإسلام إلى عبادة، ثم ذكر التوحيد صراحة وهو العقيدة التي لا يقبل من الإنسان سواها.
وآية أخرى يقول ﵎: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [٣] ، والآية كما ترى تجمع بين الصلاة التي هي أهم أركان الإيمان بعد الشهادتين، وبين الذبح الذي هو أمر لا حرج على من لم يفعله ولا إثم، والصلاة في الآية وإن كان المقصود بها صلاة العيد إلا أنها من جنس الفريضة التي فرضها الله على المؤمنين، وهي في الأصل عمل ديني لا يشوبه شائبة من شوائب الدنيا.
والخصية الثالثة هي تساوي الناس جميعا أمام نظمها: فليس هناك عبيد وأحرار، ولا سادة وعوام، ولا نبلاء ودهماء، بل الكل في ذات الله سواء، يجمعهم الإيمان بالله، ويفاضل بينهم العمل الصالح، ويتنافسون في ميدان التقوى الرحب الفسيح.
стр. 9972
وكان الرسول ﷺ يقول لهم: "كلكم بنو آدم، وآدم خلق من تراب؛ لينتهين قوم يفتخرون بآبائهم أو ليكونن أهون على الله من الجعلان" [٤] .
والله يقول في القرآن الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [٥] .
وما دام الناس كلهم أولاد آدم ﵇ فكيف يفرق بينهم في النسب؟ وكيف يفخر بعضهم على بعض؟
وما دام الناس جميعا من أب واحد وأم واحدة فكيف يسوغ التخاصم والنزاع؟
إن الأولى للناس جميعا أن يتعارفوا وأن يأتلفوا، وأن يكونوا جميعا في منزلة واحدة أمام قوانين النظام الذي ردهم على أصلهم، ونهاهم أن يفتخروا بآبائهم.
قال الشاعر:
الناس من جهة التمثيل أكفاء
أبوهم آدم والأم حواء
فإن يكن لهم في أصلهم شرف
يفاخرون به فالطين والماء
ومن أجل تحقيق تلك المساواة كانت التكليف عامة لم يكلف بها جنس دون جنس، وكانت الواجبات عل الجميع سواء بسواء لم يعف منها أحد مهما كان.
كذلك كانت المحظورات محظورات على كل المسلمين لم يستثن منها أحد مهما كان شريفا، والمنهيات محرمة على الجميع لم يعف مها مسلم قط.
وهكذا كانت المساواة في الحقوق والواجبات من خصائص تلك المدرسة ومميزاتها.
وباجتماع تلك الخصائص في مدرسة الدعوة تفوقت الدعوة على كل ما عداها، وأصبحت مدرستها فريدة في نهجها، فذة في تربيتها، وحيدة في تفوق نتائجها.
ولقد أصبحت هذه الخصائص شعارات لتلك المدرسة عرفت بها، وغرستها في قلوب طلابها، فآمنوا بها إيمانا أصبح واقعا عمليا في حياتهم، وكانوا النماذج الحية التي يراها الناس لتلك الدعوة بسلوكهم قبل كلامهم، وبواقعهم قبل دعايتهم.
стр. 9973
وانتظم الصحابة - رضوان الله عليهم – في تلك المدرسة، وحرصوا على أن يتلقوا فيها علومهم، حتى كان الرجلان المشتركان في تجارة أو نحوها يتناوبان مجالس العلم، ويخبر الحاضر منهم الغائب بما سمعه من العلوم في نوبته فيتعلمه منه [٦] .
واستطاع هؤلاء الأصحاب أن يتحملوا الأمانة، وأن يبلغوها كما حملوها، وكان ﷺ يحثهم عل التبليغ ويرغبهم فيه ويعلمهم أن المبلغ قد يكون أوعى من السامع، وأن حامل الفقه قد يكون غير فقيه، ويخلص من هذا إلى وجوب التبليغ على المسلمين فيقول ﷺ : "بلغوا عني ولو آية" [٧] .
كما كان ﷺ يبين للمسلمين الأسباب الداعية إلى التبليغ الموجبة للقيام به فيقول: "نضر الله امرأ سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه غيره، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه" [٨] .
وهكذا يوضح الرسول ﷺ منزلة تبليغ الدعوة ونقلها إلى من لم يسمعها، لأن الدعوة قد تصل عن طريق البلاغ إلى من يقدرها قدرها ويدرك منها ما لم يدركه غيره ولو كان سمعها من فم الداعي إليها، وقد يكون حماس المبلغ للدعوة ودأبه على نشرها وحرصه على القيام بحقها أعظم ممن سمعها، وذلك لأن فقهه لأهدافها، وإدراكه لمراميها يشعره بعظم حقها عليه، فيبذل من وقته ليبلغها ومن ماله لنشرها، ومن فقهه ليرغب فيه.
وليس أدعى للتضحية في سبيل المبدأ من فقهه والإيمان به، وليس أقوى للنفس وأجرأ للقلب في سبيل نشر الفكرة من عقيدة تسيطر على صاحبها فتحوله إلى حركة لا تهدأ، وعمل لا يفتر حتى يصل إلى غايته.
ولن يتأتى ذلك إلا لرجل فهم دعوته وأدرك عظمتها؛ فدفعه ذلك إلى العمل الدائب من أجل تبليغها وإيجاد القلوب التي تحملها وتضحي في سبيلها.
стр. 9974
ولهذا كان حرص رسول الله ﷺ – على تبليغ الدعوة إلى من لم تبلغه، وحملها إلى كل مكان لعلها تصادف من يعيها، ويفهم حقيقتها، ويدرك عظمتها، فيهب لحملها ويتولى الدفاع عنها حتى ينصرها الله .
الصحابة في ميدان الدعوة:
شحن الصحابة ﵃ تلك الشحنة الإيمانية العميقة، وخالطت بشاشة الإيمان سويداء قلوبهم، وعلموا أن من حقها عليهم تبليغها لكل من يلقونه، وحملها إلى كل مكان يذهبون إليه.
لم يغب عن الصحابة أن الطريق لن يخلو من عقبات، وأن تبليغ الدعوة سيحملهم الكثير من المشقات، وأنهم سيواجهون أصحاب عقائد فاسدة يذعنون لها ويدافعون عنها، ولم يثنهم ذلك عن حمل العبء الثقيل مضحين بأنفسهم وأموالهم، وجهدهم وأوقاتهم.
خرج أبو بكر ﵁ بعد أن التقى برسول الله ﷺ وتلقى عنه أصول الدعوة، فبشر بها ودعا إليها كل من يثق فيه، وعرضها على أصدقائه في أسلوب أخاذ، فاستجاب له جماعة من وجهاء مكة، وآمن على يديه كبار الصحابة: عثمان بن عفان، الزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله.
ولم يكد هؤلاء الأفاضل يعلنون إسلامهم، ويذعنون للحق الذي دعاهم إليه أبو بكر حتى ذهب بهم إلى رسول الله فأسلموا [٩] .
ويجلس أصحاب رسول الله يوما فيتذاكرون قريشا وموقفها من الإسلام، ويتمنون لو أن أحدا يسمعهم القرآن ما قد يكون سببا في هدايتهم أو يغيظهم ويقلقهم، فيقولون: من رجل يسمعهم القرآن؟ ويتطوع عبد الله ابن مسعود ﵁ – ويخاف عليه أن يؤذيه القوم، وليس له عشيرة تمنعه إن أرادوه بسوء.
قال ابن مسعود: دعوني! فإن الله سيمنعني.
وغدا الداعية إلى حيث يجتمع القوم في أنديتهم حول الكعبة وقام عند المقام، وأخذ يتلو سورة الرحمن.
стр. 9975
وأنصت أعداء الله إلى ما يردد ابن مسعود، وتساءلوا في دهشة ماذا قال ابن أم عبد؟
وأجاب بعضهم: إنه يتلو بعض ما جاء به محمد، فانهالوا عليها ضربا في وجهه، وهو يتلو غير مبال بما يفعلون به، حتى بلغ منها ما شاء الله أن يبلغ.
وانصرف الداعية الجريء إلى أصحابه، وقد أثر الضرب في وجهه، فرق له المسلمون، وقالوا: هذا الذي خشينا عليك، فقال: ما كان أعداء الله أهون علي منهم الآن، ولئن شئتم لأغادينهم بمثلها غدا، قالوا: حسبك قد أسمعتم ما يكرهون [١٠] .
ويتوالى الدعاة، وتختلف أساليب التبليغ، فتارة تكون بنشر الدعوة بالكلمة والتفصيل، وتارة تكون بالتمسك بها والإصرار عليها، وتارة تكون بالصبر على الأذى في سبيلها، وتحمل المشقات من أجلها.
والأسلوب الأخير وإن كلف الدعاة كثيرا من الدماء، وكثيرا من الجهد، وكثيرا من العناء إلا أنه أثبت أن للدعوة رجالا قد آمنوا بها إيمانا ملك عليهم حواسهم ومشاعرهم، وتغلغل في قلوبهم تغلغلا أنساهم آلامهم، وما يلقون في سبيلها من المتاعب والصعاب.
وكثيرا ما يكون الصبر والثبات أبلغ في التأثير من الكلمة مهما كانت بليغة مقنعة، وكثيرا ما يذل الصبر والثبات كبرياء الجبارين؛ فيستسلمون أمام هذا الصمود صاغرين.
لقد أذل بلال العبد الضعيف كبرياء أمية بن خلف، وأرغمه بصبره وثباته على الحق على أن يطلب من أبي بكر شراءه ليخلصه منه.
يقول ابن هشام: إن أبا بكر مرّ بأمية بن خلف وهو يعذب بلالا؛ فقال له: ألا تتقي الله في هذا المسكين؟ حتى متى؟ [١١] .
стр. 9976
وكأن ابن خلف كان ينتظر أن يقول أبو بكر ذلك، وكأنه قد نفد صبره، ووهنت عزيمته، ولم يعد له قدرة على التعذيب، لقد صبر بلال صبرا أتعب ابن خلف وافقده لأمل في أن يستجيب بلال لما يعرضه عليه من العودة إلى الكفر، فاستسلم، وقد صادفت كلمة الصديق هوى في نفسه لم يكن ليفصح عنه مخافة أن يرمى بالضعف - وهو السيد المطاع - أمام صبر هذا العبد الضعيف، ولهذا لم يكد الصديق يلقي عليه كلمته حتى قال: أنت الذي أفسدته، فأنقذه مما ترى [١٢] .
وإننا لنفهم من كلمة أمية بن خلف أمرين هامين جديرين بالتأمل:
أما الأول: فهو أن الصديق- ﵁ كان لا يكف عن تبليغ الدعوة ونشرها في كل الأوساط، السادة والعبيد، والأغنياء والفقراء؛ ولهذا يرميه ابن خلف بأنه هو الذي أفسد بلالا.
وأما الثاني: فهو إفلاس ابن خلف أمام صبر بلال، وعجزه عن الاستمرار في التعذيب، ورغبته في التخلص من هذا المأزق الذي انحدر إليه، ولم يعد قادرا على التخلص منه، نلمس ذلك في قوله لأبي بكر: فأنقذه مما ترى.
إن ابن خلف لو بقي لديه شيء من الأمل في عودة بلال إلى الكفر لما ضحى به، ولظل يعذبه حتى يحقق ذلك الأمل، لأنه يعلم تمام العلم أن انتقال بلال إلى بيت أبي بكر يضمن له الحياة الهادئة في ظل العقيدة التي يحاربها، ويعذبه من أجل تركها والعدول عنها.
وهكذا يكون بلال ﵁ قد أذل كبرياء ابن خلف بصبره، وأرغمه على الاستسلام لما يريد بثباته.
ولندع هذا المشهد المثير لنقف أمام مشهد أكثر إثارة وأعجب منه دهشة، إنه مشهد امرأة ضعيفة تقهر كبرياء رجل قاس عنيد، أما المرأة فهي جارية بني مؤمل، وأما الرجل فهو عمر بن الخطاب.
لقد ظل عمر يعذب تلك الجارية المسكينة ليصرفها عن دينها ويردها إلى الشرك والوثنية، ولكن الجارية أبت العودة إلى الكفر وأصرت على الإيمان بالله وحده، ويستمر عمر في تعذيب المرأة وتزداد ثباتا وتمسكا.
стр. 9977
وها نحن نرى عمر يكل ويتعب، ولكن صبر امرأة وثباتها لم يضعفا ولم يهنا.
والمشهد يصور لنا ابن الخطاب وهو لا يزال على الشرك جالسا ليستريح مما أصابه من التعب والإرهاق، يلتقط أنفاسه التقاطا كأنه عائد من معركة مع خصم ذي بأس شديد.
وفي الجانب الآخر نشاهد الجارية وقد لاذت بإيمانها، واعتصمت بعقيدتها واقفة كالطود لم ينل منها الأذى إلا كما ينال من الصخرة حين يقرعها الوعل بقرنه.
ويعتذر عمر بن الخطاب لجارية آسفا لعدم قدرته على التعذيب أكثر من ذلك؛ فيقول: إني أعتذر إليك، إني لم أتركك إلا ملالة [١٣] .
وترد عليه الجارية في استعلاء المؤمن بإيمانه: واعتزازه بعقيدته فتقول: كذلك فعل الله بك [١٤] .
لا شك أنه مشهد يثير العجب، ويبعث على الدهشة؛ عمر بن الخطاب يضعف أمام امرأة!، المعذب يصيبه الملل والتعب، والمعذبة لا تسترحمه ولا تستعطفه!، المعذب يعتذر لعدم قدرته على التعذيب أكثر من ذلك، والمعذبة مستعدة لتحمل أكثر من ذلك في سبيل عقيدتها ومن أجل إيمانها!.
ويستسلم عمر ابن لخطاب القوي الجبار أمام صمود الجارية الضعيفة.
والحق أن المسألة ليست مسألة عمر والجارية، ولا هي مسألة قوة وضعف، ولكنها في حقيقتها مسألة الإيمان والكفر، وقصة الإيمان والكفر بعيدة الأغوار في أعماق التاريخ، لا يخلو منها جيل من الأجيال منذ خلق الله الإنسان.
стр. 9978
نرى صور تلك القصة، تتكرر متماثلة مع اختلاف الزمان والأجيال يبدؤها ولدا آدم ﵇ وتتكرر مع نوح وقومه، ثم مع إبراهيم والنمرود، وتتضح معالمها في قصة موسى مع فرعون؛ حيث يتحدّى السحرة العزل فرعون، ويصرون على إيمانهم بعد أن هداهم الله إليه، وذاقوا لذته، يهددهم فرعون بعذاب تقشعر منه الأبدان؛ ﴿فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى﴾ [١٥] .
ويظن فرعون أنهم سينزعجون من هذا التهديد، وأنهم سيخرون بين يديه ساجدين خوفا من العذاب، ونسي أن الإيمان قد استقر في قلوبهم فأصبحوا بفضله قادرين على الصمود في وجه الكفر، وأصبحت عقيدتهم أعز عليهم من حياتهم، فأجابوا على التهديد بالصمود، وعلى الوعيد بالتحدي ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [١٦] .
ويفاجأ فرعون المتغطرس بهذا التحدي ممن كانوا بالأمس عبيدا له؛ فينخلع قلبه، ويطيش صوابه، ولكنه لم يستطع أن يمضي وعيده، ولا أن ينفذ تهديده، وكان كعادته يتوعد ويقف عند هذا الحد ولا يتعداه.
وسياق الآيات الكريمات لا يعطي مدلولا واضحا لنتيجة هذا التهديد، هل نفذ فرعون وعيده، أم تراجع أمام هذا التحدي، وبلع ريقه أمام هذا الصمود، وزعم أن أتباعه هم حالوا بينه وبين التنفيذ، كما حكى عنه القرآن حين قال: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [١٧] .
стр. 9979
إن فرعون يزعم أن أتباعه هم الذين يحولون بينه وبين قتل موسى، ولولاهم لقتله، فهو يقول لهم: ﴿ذَرُونِي﴾ أي اتركوني؛ والحق أن أحدا لم يمنعه، ولم يكن في رعيته من يستطيع أن يمنعه أو أن يحول بينه وبين تنفيذ ما يريد، ولكن بهت أمام تحدي الإيمان وصمود المؤمنين.
والذي يبدو من سياق الآيات أن فرعون هدد ولم ينفذ، وتوعد وتوقف، حيث لم تشر الآيات إلى مصير السحرة الذين آمنوا برب هارون موسى.
والذي يظهر كذلك أن فرعون انهزم نفسيا أمام تحدي السحرة واستهانتهم بما توعدهم به، فلم يقدر على أكثر من القول.
وهكذا تتكرر الصورة، ولا تزال تتكرر حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
وهكذا يقف الدعاة في وجه الظلم والطغيان، ويعلنون في ميدان الدعوة إيمانهم الحق، وتحديهم للباطل، وصبرهم على الأذى في سبيل الله حتى يتحقق لهم النصر.
الدعوة تواجه التيارات المضادة:
دأبت مدرسة الدعوة على تخريج دعاة مسلحين بسلاحين مهمين في حياة الدعاة وهما: الإيمان والعلم.
والإيمان سلاح لا يغني عنه سلاح مهما كان، إذ هو الدرع الواقي من هجمات الأعداء، وكنز لا ينفد في إمداد الدعاة بالصبر على الأذى، والثقة في الله، والصمود في وجه الطغاة.
أما العلم فهو الفقه الدقيق في أهداف الدعوة ووسائلها، وكيفية تبليغها والحرص على نشرها، والفقه في الدعوة بهذا المفهوم أمر واجب على الدعاة.
فالدعاة مهما كانت جرأتهم في الحق، وقدرتهم على المواجهة، وصبرهم على الأذى، وصمودهم في ميدان الدعوة؛ فإن ذلك لا يسد مسد الفقه في الدعوة والعلم بدقائقها وطرق تبليغها، ولئن كانت هذه الأمور ضرورية للدعاة فإن الفقه في الدعوة من أهم الضروريات.
стр. 9980
إن فهم الداعية لحقيقة دعوته هو الذي يمكنه من تبليغها، ويجعله قادرا على رد الشبهات عنها، وتفنيد افتراءات المبطلين الذين لا يكفون عن إثارة الشبهات، وإشعال الفتن، وإلصاق التهم، وتجريح الأبرياء.
وليكن معلوما لدى الدعاة إلى الله أن الحماس للحق لا يغني غناء الفقه، وأن الجرأة في التبليغ لا تسد مسد الفهم، وأن الصبر على الأذى لا يقوم مقام العلم، ولهذا وجدنا الدعاة في ميدان الدعوة يواجهون أعداءهم بالحجج التي تدحض باطلهم، والأدلة التي تدعم دعوتهم، في مواجهة خصومهم، والبراهين التي تمكنهم من كشف زيف الباطل الذي يقف في طريق دعوتهم.
ولقد كان هذا الفقه للدعاة أمضى من الأسلحة في أيدي المحاربين؛ اقتحموا به العقول فأذعنت للحق، وطرقوا به القلوب فلانت لذكر الله.
إن أي دعوة لا تمد دعاتها بالفقه في مبادئها، والفهم لغايتها ووسائلها لهي دعوة محكوم عليها بالفشل، لأن مشكلات الدعاة لا تحل عن طريق السيف بقدر ما تحل عن طريق الإقناع والفهم، ولأن الدعوة إذا استقرت في القلب يعجز السيف عن إخراجها منه، وهذا هو المفهوم الحقيقي لقوله ﵎: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [١٨] .
إن الفقه الدقيق لأسرار الدعوة وأهدافها، والذي يستطيع الداعية عن طريق إقناع خصمه، وإزالة الأباطيل من رأسه؛ لهو السلاح الحقيقي الذي يجب أن يتسلح به الدعاة؛ لأن الدعوة لابد أن تواجهها تيارات مضادة وأفكار معادية، ومن المعلوم أن الفكرة لا تحارب بالسيف مهما كانت باطلة، وأن العقيدة لا تقاوم بالقهر ولو كانت فاسدة؛ ومن أجل هذا كان الفقه ومعرفة كيفية إقناع الخصم أجدى على الدعوة من السيف والمدفع.
следующие страницы →