← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 9906–9945 · переход к 9911.

стр. 9906

٨- واقترن باسم (المقتدر) مرة واحدة [٧٠] في قوله تعالى: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ (القمر آية ٤٢) ، واقترانه به يفيد أنه العزيز الغالب الذي أخذ المكذبين أخذ عزيز غالب في انتقامه قادر على إهلاكهم لا يعجزه شيء [٧١] . ٩- واقترن باسم (الوهاب) مرة واحدة [٧٢] . أي مع أنه سبحانه العزيز الغالب القاهر الذي لا يرام جنابه يعطي بغير حساب [٧٣] ، ويعطي ما يريد لمن يريد [٧٤] عطاء منه وتفضلا من خزائن رحمته التي لا تنفد. ١٠- واقترن باسم (الجبار) مرة واحدة [٧٥] في قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ﴾ (الحشر آية ٢٤) ، واقترانه به يفيد أنه سبحانه العزيز القاهر الغالب الذي لا يوجد له نظير، هو العظيم صاحب الجبروت وهي العظمة، والعرب تسمي الملك الجبار، ويجوز أن يكون من جبر إذا أغنى الفقير وأصلح الكسير. ويجوز أن يكون من أجبره على كذا إذا أكرهه على ما أراد، فهو سبحانه هو الذي جبر خلقه على ما أراد منهم، وبه قال السدي ومقاتل، واختاره الزجاج والفراء، قال: هو من أجبره على الأمر، أي: قهره، قال: ولم أسمع فعَّالا من أفعل إلا في جبار من أجبر. ودرَّاك من أدرك، وقيل: الجبّار: الذي لا تطاق سطوته [٧٦] وقيل: الجبار الذي لا يليق الجبروت إلا لجلاله. والجبار المصلح أمور خلقه المتصرف فيهم بما فيه صلاحهم [٧٧] وقيل: الجبار: الذي قهر جميع العباد وأذعن له سائر الخلق، الذي يجبر الكسير ويغني الفقير [٧٨] ، أو الرؤوف الجابر للقلوب المنكسرة، وللضعيف العاجز، ولمن لاذ به ولجأ إليه [٧٩] . وهكذا نرى اقتران اسم (العزيز) بعديد من أسماء الله تعالى، يدل على معان سامية، عرضنا بعضا منها فيما أسلفنا من بيان. الرءوف:

стр. 9907

هو اسم من أسماء الله تعالى على وزن (فعول) ، وهو صيغة مبالغة يدل على عظيم رأفته سبحانه بخلقه. وقد ورد في القرآن الكريم عشر مرات [٨٠] في مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (البقرة آية ١٤٣) ، وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ (البقرة آية ٢٠٧) . وقوله: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (التوبة آية ١١٧) ، وقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (الحديد آية ٩) . ومعنى الرءوف كثير الرأفة، وهى أشد من الرحمة. قال أبو عمرو بن العلاء: "الرأفة أكبر من الرحمة والمعنى متقارب" [٨١] فالرأفة هي المنزلة الثانية، فإذا اشتدت الرحمة كانت رأفة [٨٢] . وقد اقترن اسم (الرءوف) باسم (الرحيم) سبحانه في تسع آيات من العشر المشار إليها، وعدي بالباء إلى العباد في آيتين في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ (البقرة آية ٢٠٧، وآل عمران آية ٣٠) . ورأفة الله تعالى ورحمته بعباده لا يعدلها رأفة أو رحمة. في الصحيح أن رسول الله ﷺ رأى امرأة من السبي قد فرق بينها وبين ولدها، فجعلت كلما وجدت صبيا من السبي أخذته فألصقته بصدرها وهي تدور على ولدها، فلما وجدته ضمته إليها وألقمته ثديها. فقال رسول الله ﷺ : "أترون هذه طارحة ولدها في النار وهي تقدر على أن لا تطرحه" قالوا: "لا يا رسول الله". قال: "الله أرحم بعباده من هذه بولدها" [٨٣] . الشاكر، و (الشكور) :

стр. 9908

(الشاكر) اسم من أسماء الله تعالى على وزن (فاعل) ، وقد ورد في القرآن الكريم مرتين [٨٤] ؛ مرة بلفظ (شاكرٌ) بالرفع، في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة آية ١٥٨) ، ومرة بلفظ (شاكراً) بالنصب، في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً﴾ (النساء آية ١٤٧) . (والشكور) اسم من أسماء الله تعالى على وزن (فعول) بصيغة المبالغة، وقد ورد في القرآن الكريم أربع مرات [٨٥] ، في قوله تعالى: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ (فاطر آية ٣٠) ، وفي قوله: ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ (فاطر آية ٣٤) ، وفي قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ (الشورى آية ٢٣) ، وفي قوله: ﴿وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ (التغابن آية ١٧) . ومعنى (الشاكر والشكور) : الذي يشكر القليل من العمل ويغفر الكثير من الزلل. ويضاعف للمخلصين أعمالهم بغير حساب. ويشكر الشاكرين، ويذكر من ذكره، ومن تقرب إليه بشيء من الأعمال الصالحة تقرب الله منه أكثر [٨٦] . وقيل (الشكور) من أسماء الله وكذلك الشاكر- معناه: أنه يزكو عنده القليل من الأعمال، فيضاعف لهم به الجزاء وكأن الشكر من الله تعالى هو إثابته الشاكر على شكره، فجعل ثوابه للشكر وقبوله للطاعة شكرا على طريقة المقابلة كما قال عز اسمه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [٨٧] (البقرة آية ١٩٤) . ونلاحظ أن اسم (الشاكر) قد اقترن باسم (العليم) سبحانه واقترانه به يفيد أنه تعالى شاكر أي يثيب على القليل بالكثير، مع علمه التام المحيط بقدر الجزاء، فلا يبخس أحدا ثوابه [٨٨] .

стр. 9909

كما نلاحظ أن اسم (الشكور) قد اقترن ثلاث مرات باسم (الغفور) واقترانه به يفيد أنه غفور لمن عصاه، وشكور لمن أطاعه [٨٩] وقيل: إنه غفور لذنوبهم. شكور للقليل من أعمالهم وقال قتادة: كان مطرف ﵀ إذا قرأ هذه الآية (أي آية فاطر) يقول: "هذه آية القراء" [٩٠] أقول: وحُقَّ لمطرف ﵀ أن يقول هذه القولة. إذ ختم بها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ. لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ (فاطر آية ٢٩-٣٠) . وقال ابن عباس ﵄: في قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ : غفر لهم الكثير من السيئات، وشكر لهم اليسير من الحسنات [٩١] . وقيل (غفور شكور) : أي يغفر الكثير من السيئات، ويكثر القليل من الحسنات. فيستر ويغفر ويضاعف فيشكر [٩٢] . واقترن اسم (الشكور) باسم (الحليم) مرة واحدة [٩٣] في قوله تعالى ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ (التغابن آية ١٧) واقترانه به يفيد أنه (شكور) يثيب من أطاعه بأضعاف مضاعفة، (حليم) لا يعاجل من عصاه بالعقوبة [٩٤] ، بل يمهله ولا يهمله [٩٥] . وقيل (شكور) أي يجزي على القليل بالكثير، (حليم) أي يصفح ويتجاوز عن الذنوب والسيئات [٩٦] . الواحد و (الأَحد) :

стр. 9910

(الواحد) : هو اسم من أسماء الله تعالى على وزن (فاعل) ، وقد ورد في القرآن الكريم ست مرات [٩٧] في قوله تعالى: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ (يوسف آية ٣٩) ، وقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ (الرعد آية ١٦) . وقوله: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (إبراهيم آية ٤٨) ، وقوله: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ (ص آية ٦٥) ، وقوله: ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ (الزمر آية ٤) ، وقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (غافر آية ١٦) . وقد ورد موصوفا به الإله ثلاث عشرة مرة [٩٨] ، في مثل قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (البقرة آية ١٦٣) ، وقوله: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (المائدة آية ٧٣) ، وقوله: ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (الأنبياء آية ١٠٨) . و (الأحد) اسم من أسماء الله تعالى على وزن (فَعَل) . وقد ورد في القرآن الكريم مرة واحدة [٩٩] ، في قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (الإخلاص آية ١) . وقيل: إن الفرق بين الواحد وأحد: أن الواحد يفيد وحدة الذات فقط، والأحد: يفيده بالذات والمعاني [١٠٠] . قيل: وهمزة أحد بدل من الواو وأصله وحد، وقال أبو البقاء: همزة أحد أصل بنفسها غير مقلوبة، وذكر أن (أحد) يفيد العموم دون (واحد) . ومما يفيد الفرق بين (أحد) و (واحد) ما قاله الأزهري: أنه لا يوصف بالأحدية غير الله. تعالى، فلا يقال رجل أحد، ولا درهم أحد، بل يقال: رجل واحد، ودرهم واحد [١٠١] .

стр. 9911

وقيل: الأحد الذي لا نظير له، ولا وزير له، ولا نديد له، ولا شبيه، ولا عديل، ولا يطلق هذا اللفظ إلا على الله ، لأنه الكامل في جميع صفاته. وأفعاله [١٠٢] . وقيل (أحد) : أي انحصرت فيه تعالى الأحدية، فهو الأحد المنفرد بالكمال الذي به الأسماء الحسنى، والصفات الكاملة العليا. الذي لا نظير له، ولا مثيل. وقيل الواحد الأحد: هو الذي توحد بجميع الكمالات بحيث لا يشاركه فيها مشارك، ويجب على العبيد توحيده عقدا، وقولا، وعملا بأن يعترفوا بكماله المطلق. ويفردوه بالوحدانية. ويفردوه بأنواع العبادة. الغفور و (الغفّار- والغافر) : الغفور: هو اسم من أسماء الله تعالى على وزن (فعول) بصيغة المبالغة، بما يدل على، كثرة الغفر لذنوب عباده التائبين- وقد ورد في القرآن الكريم إحدى وتسعين مرة [١٠٣] منها إحدى وسبعون مرة [١٠٤] بصيغة (غفورٌ) بالرفع، في مثل قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (البقرة آية ١٧٣) ، وقوله: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (آل عمران آية ١٢٩) ، وقوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (المائدة آية ١٠١) وقوله: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ (سبأ آية ١٥) ، وقوله: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ (فاطر آية ٣٠) .

стр. 9912

ومنها عشرون مرة [١٠٥] بصيغة (غفوراً) بالنصب في مثل قوله تعالى: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ (النساء آية ٩٦) . وقوله: ﴿إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً﴾ (الإسراء آية ٢٥) ، وقوله: ﴿وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ (الأحزاب آية ٧٣) . وقوله: ﴿وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ (فاطر آية ٤١) ، ومعنى الغفور: العظيم الغفر لعباده الذين يرجعون إليه ويتوبون من ذنوبهم، ونلاحظ أن اسم (الغفور) سبحانه قد اقترن بأسماء أخرى له : فقد اقترن باسم (الرحيم) أربعا وسبعين مرة [١٠٦] ، واقترانه به يفيد أنه سبحانه يغفر للمستغفرين والتائبين لأنه واسع الرحمة. بمعنى أنه يغفر لمن تاب إليه وأناب رحمة منه لهذا العبد، لأنه لو لم يرحمه ويتداركه بمغفرته لهلك وخسر. ولهذا يشير قوله تعالى: ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (الأعراف آية ٢٣) وقوله: ﴿وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (هود آية ٤٧) . ومن ثم لما سأل الصديق أبو بكر ﵁ رسول الله ﷺ أن يعلمه دعاء يدعو به في صلاته دله على صيغة تتضمن طلب المغفرة والرحمة من الله الغفور الرحيم ففي الصحيحين عن عبد الله بن عمر ﵁ أن أبا بكر ﵁ قال: "يا رسول الله علمني دعاء أدعو به في صلاتي". فقال: "قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم".

стр. 9913

وروى البخاري عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله صلى عليه وسلم: "سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليّ وأبوء بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. من قالها في ليلة فمات في ليلته دخل الجنة، ومن قالها في يومه فمات دخل الجنة". واقترن اسم (الغفور) كذلك باسم (الحليم) ست مرات [١٠٧] ، واقترانه به يفيد أن الله سبحانه لا يعاجل بالعقوبة عبده الذي يعصيه، بل يمهله، فإن استمر على كفره وعناده أخذه أخذ عزيز مقتدر. وقد جاء في الصحيحين: أن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (هود آية ١٠٢) . وأما إذا أقلع العبد عما هو فيه من كفر وعصيان، ورجع إلى الله وتاب، فإن الله تعالى يتوب عليه، لذا يقول تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ (النساء آية ١١٠) . واقترن اسم (الغفور) كذلك باسم (الشكور) ثلاث مرات [١٠٨] واقترانه به يفيد - كما أسلفت في بيان اسم (الشكور) سبحانه أنه جل وعلا يغفر لعباده الكثير من السيئات، ويشكر لهم اليسير من الحسنات، وهذا من أعظم الفضل وأوسع الرحمة لعباده، إنه بهم رءووف رحيم.

стр. 9914

واقترن اسم (الغفور) كذلك باسم (العفوّ) أربع مرات [١٠٩] واقترانه به يفيد أنه سبحانه يعفو كثيرا عما قصر فيه عباده من أوامره وما ارتكبوه من المعاصي إذا رجعوا إليه - سبحانه وأنابوا، وتابوا مما وقعوا فيه، ويغفر لهم ذنوبهم حسبما قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (الزمر آية ٥٣) . واقترن اسم (الغفور) كذلك باسم (العزيز) مرة واحدة [١١٠] هي قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ (الملك آية ٢) . واقترانه به يفيد أنه سبحانه العزيز الذي بعزته يستطيع أن ينتقم من العاصي آن عصيانه، فهو العزيز المنيع الجناب ، ومع ذلك هو- سبحانه- غفور لمن تاب إليه وأناب بعد أن عصاه وخالف أمره. واقترن اسم (الغفور) كذلك باسم (الودود) مرة واحدة [١١١] هي قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ (البروج آية ١٤) . واقترانه به يفيد أنه جل وعلا عظيم الغفر لمن تاب إليه وأناب. فيستر ذنوبهم ولا يفضحهم بها، كما أنه سبحانه ودود أي يحب عباده المؤمنين أبلغ المحبة، لإنابتهم إليه دائما. ورد كل أمورهم إليه في كل حال، وكذلك هو سبحانه ودود بمعنى أنه محبوب يحبه عباده المؤمنون لدوام تفضله وإنعامه عليهم في كل آن. والغفار:

стр. 9915

اسم من أسماء، الله تعالى على وزن (فعَّال) بصيغة المبالغة، بما يدل على كثرة غفره لعباده التائبين، وقد ورد في القرآن الكريم خمس مرات [١١٢] ، منها أربع مرات بالرفع [١١٣] ، في قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى﴾ (طه آية ٨٢) ، وقوله: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ (ص آية ٦٦) . وقوله: ﴿كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمّىً أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ (الزمر آية ٥) ، وقوله: ﴿وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾ (غافر آية ٤٢) . وورد مرة واحدة [١١٤] بالنصب في قوله تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً﴾ (نوح آية ١٠) . وقد اقترن اسم (الغفار) سبحانه باسم (العزيز) ثلاث مرات [١١٥] ، ويفيد اقترانه به أنه تعالى الغالب الذي يقوى بلا ممانع على معاقبة مخالف أمره، لكنه تعالى يمهله، فإذا تاب ستر ذنوبه وغفر سيئاته، وإن لم يتب واستمر في عصيانه أخذه أخذ عزيز مقتدر. والغا فر: اسم من أسماء الله تعالى على وزن (فاعل) ، وقد ورد في القرآن الكريم مرة واحدة [١١٦] . مضافا إلى التوب، ومعطوفا عليها (قابل التوب) في قوله سبحانه: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ (غافر آية ٣) ومعنى هذا أنه يغفر ما سلف من الذنب. ويقبل التوبة في المستقبل لمن تاب إليه وخضع له. ثم يأتي بعد قوله تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ قوله سبحانه: ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ أي لمن تمرد وطغى. كقوله تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (الحجر آية٤٩،٥٠) وكثيرا ما يقرن سبحانه هذين الوصفين في مواضع عديدة من القرآن الكريم وسبب ذلك أن يبقى العبد دائما بين الرجاء والخوف.

стр. 9916

وقد روى ابن أبي حاتم عن يزيد بن الأصم قال: كان رجل من أهل الشام ذو بأس وكان يفد إلى عمر بن الخطاب ﵁، ففقده عمر، فقال: "ما فعل فلان بن فلان؟ "فقالوا: "يا أمير المؤمنين تتابع في هذا الشراب"، قال: فدعا عمر ﵁ كاتبه، فقال: "اكتب: من عمر بن الخطاب إلى فلان بن فلان ... سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو غافر الذنب، وقابل التوب، شديد العقاب، ذي الطول، لا إله إلا هو إليه المصير"ثم قال لأصحابه: "ادع الله لأخيكم أن يقبل بقلبه ويتوب الله عليه"، فلما بلغ الرجل كتاب عمر ﵁ جعل يقرؤه ويردده، ويقول: "غافر الذنب، قابل التوب، شديد العقاب، قد حذرني عقوبته، ووعدني أن يغفر لي". وفي رواية أبي نعيم قال: فلم يزل يرددها على نفسه ثم بكى، ثم نزع فأحسن النزع، فلما بلغ عمر خبره. قال: "هكذا فاصنعوا إذا رأيتم أخا لكم زل زلّة فسددوه ووثقوه، وادعوا الله أن يتوب عليه. ولا تكونوا أعوان الشيطان عليه" [١١٧] . وهذا يدلنا على أن الإنسان حين يستشعر معنى اسمه تعالى (الغفور والغفار والغافر) وما يقترن به من أسماء فإن ذلك يجعله دائم الرقابة لربه فإذا أخطأ كان سريع الرجوع ودائم الاستغفار. القريب: هو اسم من أسماء الله تعالى ورد في القرآن ثلاث مرات [١١٨] ، في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ (البقرة آية ١٨٦) ، وقوله: ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ (هود آية ٦١) . وقوله: ﴿وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ (سبأ آية.٥) .

стр. 9917

ومعنى القريب أنه سبحانه ليس قريبا من عبده قرب ذات وإنما قرب صفات، فهو قريب جدا من عبده قرب سمع وبصر وعلم وإحاطة وقهر ونصر وغير ذلك من صفات كماله تعالى، ويشير إلى هذا القرب قوله سبحانه: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (ق آية ١٦) . وحبل الوريد هو حبل العاتق، وهو ممتد من ناحية الحلق إلى العاتق، وهما وريدان عن يمين وشمال، وقال الحسن: الوريد الوتين، وهو عرق معلق بالقلب، وهو تمثيل للقرب بقرب ذلك العرق من الإنسان: أي نحن أقرب إليه من حبل وريده، والإضافة بيانية: أي حبل هو الوريد- وقيل الحبل هو نفس الوريد [١١٩] كما يشير تعالى إلى قربه من عبده بقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ (الواقعة آية ٨٥) أي أقرب سبحانه من خلقه إلى عبده بعلمه وقدرته ورؤيته، ولكن عباده لا يدركون ذلك لجهلهم فإن الله تعالى أقرب إلى عبده من حبل الوريد [١٢٠] . وقد اقترن اسمه (القريب) سبحانه باسمه "المجيب"مرة [١٢١] ، كما اقترن باسمه (السميع) مرة واحدة [١٢٢] ، واقترانه بالمجيب مرة ثم بالسميع مرة أخرى يفيد أنه يسمع وهو فوق عرشه كل شيء من خلقه سواء أعلن أم أخفى، جهر به أم أسر، لأنه قريب جدا منهم قرب سمع ورؤية وعلم وإحاطة وقدرة وقهر ونصر، قريب بصفاته تعالى من خلقه، وهو سبحانه قريب الإجابة لمن دعاه.

стр. 9918

وقد قال ابن أبي حاتم بسنده عن معاوية بن حيدة القشيري أن أعرابيا قال: "يا رسول الله أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه"، فسكت النبي ﷺ ، فأنزل الله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ الآية (البقرة آية ١٨٦) ، إذا أمرتهم أن يدعوني فدعوني استجيب، وروى الإمام أحمد عن أبي موسى الأشعري قال: "كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة، فجعلنا لا نصعد شرفا، ولا نعلو شرفا، ولا نهبط واديا إلا رفعنا صوتنا بالتكبير"، قال: "فدنا منا"، فقال: "يا أيها الناس، أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصما ولا غائبا، إنما تدعون سميعا بصيرا، إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته، يا عبد الله بن قيس، ألا أعلمك كلمة من كنوز الجنة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله" أخرجاه في الصحيحين وبقية الجماعة. وروى مالك عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي" أخرجاه في الصحيحين. من حديث مالك به. وعن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "لا يزال العبد بخير ما لم يستعجل"قالوا: "وكيف يستعجل؟ "قال: "يقول قد دعوت ربي فلم يستجب لي" رواه الإمام أحمد.

стр. 9919

وروى ابن مردويه عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس حدثني جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قرأ: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ الآية، فقال رسول الله ﷺ : "اللهم أمرت بالدعاء، وتوكلت بالإجابة، لبيك اللهم لبيك، لا شريك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، أشهد أنك فرد، أحد، صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، وأشهد أن وعدك حق، ولقاءك حق، والجنة حق، والنار حق، والساعة آتية لا ريب فيها، وأنت تبعث من في القبور" [١٢٣] . وقد ثبت في الصحيح من حديث أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: "ما من مسلم يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث خصال: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخر له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها". وثبت في الصحيح أيضا من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي". وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل، "قيل يا رسول الله ما الاستعجال؟ " قال: "يقول: قد دعوت فلم أر يستجب لي، فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء" رواه مسلم، وقد ورد في الأحاديث الصحيحة بيان بعض الأشخاص الذين تستجاب دعوتهم، من ذلك ما يأتي: ١- دعوة المظلوم: فعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "اتقوا دعوة المظلوم فإنها تصعد إلى السماء كأنها شرار" حديث صحيح أخرجه الحاكم، وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "اتقوا دعوة المظلوم وإن كان كافرا فإنه ليس دونها حجاب" حديث حسن رواه أحمد.

стр. 9920

٢- دعوة المسافر: إذا كان سفر طاعة وخير كالسفر في سبيل الله للدعوة أو للعبادة أو لطلب العلم الذي يتقرب به إلى الله، ولعل سرَّ استجابة دعوة المسافر كونه غريبا، وبعيدا عن أهله وأحبائه، فيشمله الله تعالى برحمته ورعايته، وتكون استجابة دعوته من آثار رحمة الله به، وفضله عليه. فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن، دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده"حديث صحيح رواه الترمذي. ٢- دعوه الوالد على ولده: وهذا يظهر من الحديث الآنف الذكر، فالوالد إذا دعا بالخير لولده أو بالشر على ولده، استجاب الله له. ٤، ٥، ٦- دعوة الحاج والغازي والمعتمر: وسبب استجابة دعوة هؤلاء الثلاثة أنهم لبوا نداء الله تعالى، واستجابوا لدعوته، فكافأهم تعالى استجابة دعوتهم، فعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "الغازي في سبيل الله، والحاج، والمعتمر، وفد الله دعاهم فأجابوه وسألوه فأعطاهم" حديث صحيح رواه ابن ماجة. ٧- دعاء الأخ المسلم لأخيه بظهر الغيب: فعن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من عبد مسلم يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا قال الملك: ولك بمثل" رواه مسلم. وعن صفوان بن عبد الله قال: "قدمت الشام فأتيت أبا الدرداء في منزله فلم أجده، ووجدت أم الدرداء"فقالت: "أتريد الحج العام؟ "فقلت: "نعم"، قالت: "فادع الله لنا بخير، فإن النبي ﷺ كان يقول: "دعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك موكل كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل به: آمين ولك بمثل"رواه مسلم. ولا شك أن المجتمع الذي تكون صفته أن كل أخ يدعو لأخيه بظهر الغيب، يكون مجتمعا يشيع فيه الخير، وتعم فيه الأخوة الصادقة التي ترقى بأفراده وتسمو بهم في مدارج الإيمان. (يتبع)

стр. 9921

-------------------------------------------------------------------------------- [١] المعجم المفهرس. [٢] المعجم المفهرس. [٣] فتح القدير الجزء الخامس ص٤١٤، بتصرف. [٤] المعجم المفهرس. [٥] المعجم المفهرس. [٦] المعجم المفهرس. [٧] المعجم المفهرس. [٨] المعجم المفهرس. [٩] المعجم المفهرس. [١٠] المعجم المفهرس. [١١] المعجم المفهرس. [١٢] المعجم المفهرس. [١٣] المعجم المفهرس. [١٤] المعجم المفهرس. [١٥] المعجم المفهرس. [١٦] تيسير الكريم الرحمن الجزء ١ ص٣٣. [١٧] المرجع السابق الجزء ٣ ص٣٢. [١٨] المعجم المفهرس. [١٩] المعجم المفهرس. [٢٠] المعجم المفهرس. [٢١] مرجع الزجاج ص٥٢. [٢٢] المعجم المفهرس. [٢٣] المعجم المفهرس. [٢٤] فتح القدير الجزء الخامس ص٢٠٨. [٢٥] تيسير العلي القدير - المجلد الرابع ص٥٩. [٢٦] من حديث البخاري ٦/١١٦، باب فكاك الأسير. [٢٧] مرجع الزجاج ص٣٧. [٢٨] المعجم المفهرس. [٢٩] المعجم المفهرس. [٣٠] المعجم المفهرس. [٣١] المعجم المفهرس. [٣٢] المعجم المفهرس. [٣٣] فتح القدير الجزء الأول ص١٣١- ١٣٢. [٣٤] المرجع السابق ص٢٦٥. [٣٥] تيسير العلي القدير الجزء الأول ص٩٦. [٣٦] تيسير الكريم الرحمن الجزء الأول ص٦٢. [٣٧] فتح القدير الجزء الخامس ص٩١. [٣٨] تيسير الكريم المنان الجزء الثامن ص٢٨. [٣٩] مرجع الزجاج ص٥١. [٤٠] مرجع الزجاج ص٤٢. [٤١] المعجم المفهرس. [٤٢] المعجم المفهرس. [٤٣] المعجم المفهرس. [٤٤] المعجم المفهرس. [٤٥] المعجم المفهرس. [٤٦] المعجم المفهرس. [٤٧] المعجم المفهرس.

стр. 9922

[٤٨] تيسير العلي القدير المجلد الرابع ص١٩١. [٤٩] المرجع السابق ص١٩٥. [٥٠] المعجم المفهرس. [٥١] تيسير العلي القدير المجلد الثالث ص٢٠٢. [٥٢] مرجع الزجاج ص٤٢. [٥٣] المعجم المفهرس. [٥٤] المعجم المفهرس. [٥٥] المعجم المفهرس. [٥٦] مرجع الزجاج ص٣٣-٣٤. [٥٧] مرجع الزجاج ص٣٣- ٣٤. [٥٨] المعجم المفهرس. [٥٩] المعجم المفهرس. [٦٠] تيسير العلي القدير المجلد ٤ ص ٣٧٣. [٦١] فتح القدير الجزء الخامس ص٤١٢. [٦٢] المعجم المفهرس. [٦٣] تيسير العلي القدير المجلد الثالث ص٢٠١. [٦٤] تيسير الكريم الرحمن الجزء الخامس ص٢٤٨. [٦٥] تيسير العلي القدير المجلد ٢ ص٣٧. [٦٦] تيسير الكريم الرحمن الجزء الثاني ص٢٠٥. [٦٧] المرجع السابق الجزء الخامس ص٢٨٧. [٦٨] المعجم المفهرس. [٦٩] المعجم المفهرس. [٧٠] المعجم المفهرس. [٧١] فتح القدير الجزء الخامس ص١٢٨. [٧٢] المعجم المفهرس. [٧٣] المرجع السابق الجزء الرابع ص٤٢١. [٧٤] تيسير العلي القدير المجلد الثالث ص٤٨٠. [٧٥] المعجم المفهرس. [٧٦] فتح القدير الجزء الخامس ص٢٠٨. [٧٧] تيسير العلي القدير المجلد الرابع ص٢١٥. [٧٨] تيسير الكريم الرحمن الجزء الثامن ص١٠٨. [٧٩] المرجع السابق الجزء الخامس ص٣٠١. [٨٠] المعجم المفهرس. [٨١] فتح القدير الجزء الأول ص١٥١. [٨٢] مرجع الزجاج ص٦٢. [٨٣] تيسير العلي القدير المجلد الأول ص١١٩. [٨٤] المعجم المفهرس. [٨٥] المعجم المفهرس. [٨٦] تيسير الكريم الرحمن الجزء الخامس ص٣٠٤. [٨٧] مرجع الزجاج ص ٤٧. [٨٨] تيسر العلي القدير المجلد الأول ص١٢٧. [٨٩] فتح القدير الجزء الرابع ص٣٥١. [٩٠] تيسير العلي القدير المجلد الثالث ص٤٢٨.

стр. 9923

[٩١] تيسير العلي القدير المجلد الثالث ص٤٣٠. [٩٢] المرجع السابق المجلد الثالث ص٥٧٢. [٩٣] المعجم المفهرس. [٩٤] فتح القدير الجزء الخامس ص٢٣٩. [٩٥] تيسير الكريم الرحمن الجزء الثامن ص١٣٧. [٩٦] تيسير العلي القدير المجلد الرابع ص٢٥٢. [٩٧] المعجم المفهرس. [٩٨] المعجم المفهرس. [٩٩] المعجم المفهرس. [١٠٠] مرجع الزجاج ص٥٨. [١٠١] فتح القدير الجزء الخامس ص٥١٥. [١٠٢] تيسير العلي القدير المجلد الرابع ص٤٤٢. [١٠٣] المعجم المفهرس. [١٠٤] المعجم المفهرس. [١٠٥] المعجم المفهرس. [١٠٦] المعجم المفهرس. [١٠٧] المعجم المفهرس. [١٠٨] المعجم المفهرس. [١٠٩] المعجم المفهرس. [١١٠] المعجم المفهرس. [١١١] المعجم المفهرس. [١١٢] المعجم المفهرس. [١١٣] المعجم المفهرس. [١١٤] المعجم المفهرس. [١١٥] المعجم المفهرس. [١١٦] المعجم المفهرس. [١١٧] تيسير العلي القدير المجلد الثالث ص٥٢٢. [١١٨] تيسير العلي القدير المجلد الثالث ص٥٢٢. [١١٩] فتح القدير الجزء الخامس ص٧٥. [١٢٠] المرجع السابق ص١٦١. [١٢١] المعجم المفهرس. [١٢٢] المعجم المفهرس. [١٢٣] تيسير العلي القدير المجلد الأول ص١٤٥-١٤٦.

стр. 9924

تصديق القرآن الكريم للكتب السماوية وهيمنته عليها د. إبراهيم عبد الحميد سلامة أستاذ التفسير المشارك بكلية الدعوة وأصول الدين لقد اشتمل القرآن الكريم على كثير من الآيات التي تفيد أنه تصديق أو مصدق لما تقدمه من كتب الله. ولقد تعلق بهذه الآيات أعداء الإسلام وخصومه من غلاة المستشرقين والمبشرين فراحوا يزعمون أنها تعني سلامة الكتب السابقة من التحريف والنسخ، وأن ذلك يستتبع وجوب العمل بهذه الكتب كالقرآن سواء بسواء، وقد وضعوا في هذا المعنى بعض الكتب والرسائل كرسالة "أبحاث المجتهدين في الخلاف بين النصارى والمسلمين" [١] . ومن هنا يتحتم علينا أن نبين المعنى الصحيح لهذا التصديق حتى يتبين كل منصف أن هؤلاء قد حمّلوا آيات الله ما لا تحتمل، وزاغوا بها عن معناها الحق، ومرادها الصدق، وأرادوا بذلك تحريف كلام الله عن مواضعه كما فعلوا في كتبهم، ليتعللوا بذلك في عدم إيمانهم بخاتم الرسل ﷺ ، وبما أنزل الله عليه من كتاب. من هذه الآيات، قوله تعالى: ﴿ألم اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ..﴾ [٢] . وقوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [٣] . وقوله: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [٤] .

стр. 9925

إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي وصف فيها القرآن الكريم بأنه مصدق لما بين يديه من كتب الله [٥] . فقوله -جل وعلا- ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي مبينا صدق ما تقدمه من الكتب المنزلة على رسل الله ﵈. وبيان القرآن الكريم لصدق ما سبقه من كتب الله، من جهات متعددة: الأولى: أنه أثبت الوحي، وقرر إمكانه ووقوعه فعلا، حيث أخبر في كثير من آياته أن الله أرسل رسلا كثيرين قبل محمد ﷺ وأوحى إليهم، يشهد لذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ ...﴾ [٦] . فهذا تصديق لأصل الوحي وللرسالات السابقة، وبذلك يكون القرآن مصدقا لما بين يديه، ويكون محمد ﷺ كذلك مصدقا لمن سبقه من رسل الله. الثانية: أن القرآن الكريم جاء حسب وصفه الموجود في تلك الكتب، حيث اشتمل على وصف خاتم الرسل، وأنه يأتي بكتاب من عند الله، فنزول القرآن على وفق هذه النعوت تصديق لهذه الكتب. قال الإمام ابن كثير في معنى قوله: ﴿مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي من الكتب المتضمنة ذكره ومدحه، وأنه سينزل من عند الله على عبده ورسوله، فكان نزوله كما أخبرت به مما زادها صدقا عند حامليها من ذوي البصائر الذين انقادوا لأمر الله واتبعوا شرائع الله [٧] . الثالثة: أن القرآن الكريم قد وافق هذه الكتب في مقاصد الدين الإلهي وأصوله التي لا تختلف باختلاف الشرائع والرسالات، وفي هذا الصدد نلاحظ اتفاق القرآن مع غيره من كتب الله فيما يلي: ١- الدعوة إلى الإيمان بالله تعالى وكتبه ورسله واليوم الآخر، وما يتصل بذلك من تنزيه الله تعالى عن النقائص، ووصفه بكل كمال يليق بذاته المقدسة.

стр. 9926

٢- وتتفق الكتب المنزلة كذلك في أصول الشرائع كالصلاة والصيام والزكاة... حيث أخبر القرآن الكريم أن الله تعبّد بها من قبلنا فقال في الصوم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [٨] وقال في الصلاة والزكاة: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ..﴾ [٩] . فأصول الشرائع قدر مشترك بين كتب الله، أما تفاصيلها وهيئاتها، وما يتصل بذلك من تفاريع أخرى، فتختلف فيها الكتب اختلافا يتناسب مع أحوال الناس في كل الأزمنة ويتفق مع مصالحهم. فأصول العقيدة والشريعة إذًا واحدة في جميع الكتب السماوية، لا يختلف في ذلك كتاب لاحق عن كتاب سابق، فلا يعقل أن يعرفنا الله على لسان نوح مثلا أن وجوده حقيقة من الحقائق التي يجب الإيمان بها [١٠] ، ثم يبلغنا على لسان غيره من الرسل أنها ليست كذلك؛ لأن الحقائق الثابتة لا تتغير، ولا يمكن أن يحصل فيها اختلاف، تبعا لاختلاف الزمان أو المكان أو المبلغ، وكذلك ما جاءت به كل كتب الله من بعث الناس بعد موتهم، فتلك حقيقة يقررها كل رسل الله فلا تختلف باختلاف الكتب أو الرسل. يقول صاحب كتاب (الإسرائيليات في التفسير والحديث) : "تقوم جميع الكتب السماوية على أساس واحد هو الدعوة إلى الإيمان بالله تعالى، والأخذ بما جاء عنه من تعاليم تقود الإنسانية إلى طريق الخير والرشاد.

стр. 9927

فأصول العقيدة والشريعة واحدة في جميع الأديان، كما يصرح بذلك قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ..﴾ [١١] . أما تفصيلات الشرائع العملية فتختلف فيها الكتب السماوية اختلافا يتلاءم مع زمان كل منها، ويتفق مع مصالح أتباعها، فما يصلح لزمان قد لا يصلح لآخر، وما يلائم طبيعة قوم قد لا يلائم طبيعة قوم آخرين. مصداق ذلك قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ [١٢] . والقرآن باعتباره خاتم الكتب جاء يجدد دعوة الكتب السماوية السابقة إلى أصول العقيدة والشريعة، ويؤكد وحدتها في جوهر الدعوة إلى الله لتحقق الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة، ثم هو بعد ذلك يخالف كل ما سواه من الكتب المنزلة بما ينفرد به من نظم التشريع وألوان العبادات وكيفيات المعاملات التي تلائم عصره وتتفق وصالح الإنسانية في مرحلتها الأخيرة؛ مرحلة النضج والكمال" [١٣] . ٣- وتتفق الكتب المنزلة كذلك في الدعوة إلى الفضائل والترغيب فيها، والترهيب من الرذائل والتنفير منها، فكل كتب الله أمرت بالعدل والإحسان، والصدق والصبر والأمانة والوفاء والرحمة، وما إلى ذلك من الفضائل ومكارم الأخلاق التي تسعد بها البشرية في كل زمان ومكان، وكل كتب الله كذلك قد نهت عن الظلم والخيانة والكذب والغدر والقسوة وما إلى ذلك من الرذائل التي تورد البشرية موارد الهلاك، ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [١٤] .

стр. 9928

قال الإمام ابن كثير في قوله: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً﴾ أي: كلموهم طيّبا، ولينوا لهم جانبا، ويدخل في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر..." [١٥] . وقوله تعالى أيضا في حق إبراهيم وإسحاق وإسماعيل ويعقوب: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ [١٦] ، فالنص القرآني صريح في أن الله أوحى إلى هؤلاء الرسل الكرام فعل الخيرات، وفعل الخيرات يشمل كل الفضائل التي تسعد بها البشرية، وتأخذ بيدها إلى ما فيه عزها وصلاحها. وقال كذلك في سياق قصة زكريا ﵇: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [١٧] . الجهة الرابعة: من جهات تصديق القرآن الكريم لما سبقه من كتب الله، أن الله قد جمع فيه ما توزع في هذه الكتب من فضائل، وصاغها في قوالب جديدة، فأنقذ بذلك أصول من سبقه من كتب الله وحفظه وصدقه، ولولا القرآن الكريم ما بقي لهذا التراث وجود. فالقرآن الكريم لذلك خلاصة كاملة للرسالات الأولى وللنصائح التي بذلت للإنسانية من فجر وجودها، وهو ملتقى رائع للحكم البالغة التي قرعت آذان الأمم في شتى العصور، واستعراض دقيق للأشفية السماوية التي احتاجت إليها البشرية جيلا بعد جيل. إن القرآن الكريم -بهذه الاعتبارات- مجمع حقائق الثابتة، ومجلى عناية الله بعباده، وإظهارا لهذا المعنى، يقول الله وصفا لبعض عظات القرآن: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [١٨] .

стр. 9929

ويقول بعد سرد لتاريخ الأمم والمرسلين، أحصى هذا السرد عددا كبيرا من تلك الأمم، وهؤلاء الرسل: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ﴾ [١٩] . فالمراد بالزبر ها هنا الكتب المنزلة على الرسل المتقدمين. فالنبي الخاتم مجدد لدين الله، ومقيم لما انهدم من أركانه ومن ثم يقول ﷺ : "لقد جئتكم بها بيضاء نقية، ولو أن موسى حي ما وسعه إلا اتباعي" [٢٠] . وكذلك يطرد الحكم مع سائر الأنبياء، فإن الرسول الخاتم جاء بالأصول التي جاؤوا بها وبانيا على قواعدها، وكتابه أدق تعبير وأصدقه في بيان ما هدى به كل نبي في الأولين أمته [٢١] . ومما تقدم يتبين لنا معنى تصديق القرآن الكريم لما تقدمه من كتب الله، ومنه نرى أن هذا التصديق لا يفيد -من قريب أو من بعيد- أعداء الإسلام وخصومه فيما زعموه من بقاء كتبهم سليمة من التحريف والنسخ، وبطلان ما رتبوه على ذلك من وجوب عمل المسلمين بهذه الكتب كعملهم بالقرآن سواء بسواء لأن غاية ما يفيده هذا التصديق أن القرآن قرر إمكان الوحي ووقوعه وجاء حسب وصفه الموجود في تلك الكتب، ووافقها في مقاصد الدين وكلياته إلى آخر المعاني التي قررناها، وليس في ذلك ما يدل على عدم تحريفها، أو عدم نسخها، لا سيما وقد اشتمل القرآن الكريم نفسه على ما يفيد هذا التحريف وذلك النسخ.

стр. 9930

فدعوى ما يخالف ذلك باطلة من أساسها، لأنها معارضة لصريح القرآن الكريم الذي أخبر أن هذه الكتب قد حرفت، وتناولتها أيدي أصحابها بالتفسير والتبديل، مصداقا لقوله في حق اليهود: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ...﴾ [٢٢] ، وفي حق النصارى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ...﴾ [٢٣] . يقول صاحب (الفارق بين المخلوق والخالق) في الرد على صاحب رسالة (أبحاث مجتهدين) الذي حاول أن يستدل بالآيات القرآنية التي تصفه بأنه مصدق لما بين يديه على سلامة هذه الكتب من التحريف والنسخ يقول: "ثم إني لا أتردد في أن هذا المصنف إما أن يكون جاهلا أو متجاهلا؛ إذ لا يلزم من تصديق القرآن للكتب المنزلة قبله براءة هذه التوراة والأناجيل الأربعة والرسائل الموجودة الآن بأيديهم من التحريف والتبديل والنسخ، ولا يلزم أيضا وجوب اتباعها، فقوله هذا مغالطة على ضعفة العقول، وهو خلاف الظاهر، والحق أن المفهوم من سياق هذه الآيات أن التصديق كان لثبوت صحة نزولها من الله فقط لا لبراءة هذه الكتب، ولو لزم من التصديق وجود مصدق به للزم من تصديق الرسل وجودهم حين التصديق، وهذا فاسد" [٢٤] . وكما جاء القرآن الكريم مصدقا لما سبقه من كتب الله، فقد جاء كذلك مهيمنا عليها، كما صرح بذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ ...﴾ [٢٥] . فما المقصود بهذه الهيمنة، وما الفرق بين تصديق القرآن الكريم لكتب الله وهيمنته عليها؟ وما الذي يترتب على كون القرآن مصدقا ومهيمنا على ما سبقه من كتب الله؟ ذلك ما سنعرض لبيانه فيما يلي: هيمنة القرآن على الكتب السماوية:

стр. 9931

تبين لنا مما سبق أن القرآن مصدق لما بين يديه من كتب الله، كما كان شأن غيره من هذه الكتب، يصدق اللاحق منها ما سابقه ويؤيده، فالإنجيل مصدق ومؤيد للتوراة، والقرآن الكريم مصدق ومؤيد للتوراة والإنجيل، ولكل ما بين يديه من كتب الله بالمعنى الذي قررناه آنفا، فليس المراد إذا بهذا التصديق الشهادة بحقية كل ما انتهى إليه من هذه الكتب، كما زعم ذلك خصوم الإسلام وأعداؤه، لأن هذه الكتب قد تناولتها الأيدي الآثمة بالتحريف والتبديل، والحذف والإضافة، فزالت الثقة بها، وانقطعت أو كادت تنقطع صلتها بالوحي السماوي، والتبس الحق النازل من عند الله بباطل أهل الكتاب وزيفهم مصداقا لقوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [٢٦] . ومن أجل ذلك جاء هذا الكتاب العزيز مهيمنا على تلك الكتب، فيقر منها ما هو حق وينفي ما عداه، وفي ذلك يقول ربنا -جل في علاه-: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ..﴾ [٢٧] . أي أن القرآن أمين وشهيد ورقيب على تلك الكتب، فما وافقه منها فهو حق وما خالفه منها فهو باطل. قال صاحب المنار: "وأما قوله: ﴿وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ﴾ فمعناه أنه رقيب عليها وشهيد بما بينه من حقيقة حالها في أصل إنزالها، وما كان من شأن من خوطبوا بها من نسيان حظ عظيم منها وإضاعته، وتحريف كثير مما بقي منها وتأويله والإعراض عن الحكم والعمل بها، فهو يحكم عليها؛ لأنه جاء بعدها [٢٨] .

стр. 9932

ويقول ابن كثير: "...وهذه الأقوال كلها متقاربة المعنى، فإن اسم المهيمن يتضمن هذا كله، فالقرآن أمين وحاكم وشاهد على كل كتاب قبله، وجعل الله هذا الكتاب العظيم آخر الكتب وخاتمها وأشملها وأعظمها وأحكمها حيث جمع فيه محاسن ما قبله وزاده من الكمالات كمالا ليس في غيره، فلهذا جعله شاهدا وأمينا وحاكما عليها وتكفل بحفظه بنفسه" [٢٩] . علاقة الهيمنة بالتصديق: لعلنا - في ضوء ما تقدم - نستطيع أن نقرر أن مفهوم الهيمنة أتم وأشمل من مفهوم التصديق، لأن الهيمنة لا تقتصر على مجرد الشهادة لهذه الكتب بصحة إنزال أصولها، وتقرير أصول شرائعها، بل ِتتعدى ذلك فتبين ما اعتراها من نسخ أو تحريف وما عرض لها من زيف وفساد، فالقرآن بذلك مهيمن على المعاني الصحيحة التي كانت في تلك الكتب وشاهد بكونها من عند الله، وبذلك تتلاقى الهيمنة مع التصديق، ولكنه كذلك يشهد على هذه الكتب بما أصابها من تحريف، وتسرب إليها من باطل، وبه تنفرد الهيمنة عن التصديق، فمفهومها إذا أتم وأشمل من مفهوم التصديق. ولقد نقل القرطبي في تفسيره: أن بعض العلماء قد فسروا الهيمنة بالتصديق، ونقل الآلوسيّ مثله، واستدل هؤلاء على ما ذكروه من تفسير الهيمنة بالتصديق، بقول الشاعر: إن الكتاب مهيمن لنبينا والحق يعرفه ذوو الألباب ثم قال الآلوسي: والعطف حينئذ للتأكيد أي عطف (مهيمنا) على (مصدقا) [٣٠] . ولكني أرجح ما ذكرته أولا: لأن تفسير الهيمنة بالتصديق وإن كان مسلما لغة إلا أن قصر الهيمنة على مجرد التصديق تحكم محض إذ هي -على ما بينا- ليست تصديقا فقط، ولا شهادة لهذه الكتب فحسب، بل هي تصديق لما بقي من أصلها، وتكذيب لما عداه، وشهادة لها بصحة إنزال أصولها، وعليها بالتحريف والتبديل وبذلك يكون العطف للتأسيس لا للتأكيد.

стр. 9933

يقول الدكتور محمد عبد الله دراز ﵀ بعد أن فسر الهيمنة بالحراسة الأمينة: "ومن قضية الحراسة الأمينة على تلك الكتب أن لا يكتفي الحارس بتأييد ما خلده التاريخ فيها من حق وخير، بل عليه -فوق ذلك- أن يحميها من الدخيل الذي عساه أن يضاف إليها بغير حق، وأن يبرز ما تمس إليه الحاجة من الحقائق التي عساها أن تكون قد أخفيت منها، وهكذا كان من مهمة القرآن أن ينفى عنها الزوائد، وأن يتحدى من يدعي وجودها في تلك الكتب.. ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ كما كان من مهمته أن يبين ما ينبغي تبيينه مما كتموه منها" [٣١] . مظاهر هيمنة القرآن على الكتب السماوية: لهيمنة القرآن على كتب الله المنزلة قبله -فوق ما تقدم من تصديقه لها- مظاهر متعددة منها ما يلي: ١- أن القرآن الكريم أخبر بتحريف هذه الكتب وتبديلها، وأنها لم تبق على ما كان مفروضا فيها من الثقة بها وحقية كل ما فيها، بل تناولتها أيدي أهل الكتاب الآثمة بالتحريف والتبديل، وتناولوا ما بقي منها بالتأويل الفاسد، طبقا للأهواء والشهوات، أو متابعة لذوي السلطان، أو محاولة لكسب الجدل على أعدائهم وخصومهم، بل أخبر القرآن كذلك أنهم كتبوا الكتب بأيديهم ونسبوها إلى الله زورا وبهتانا: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [٣٢] . ٢- بين القرآن الكريم من المسائل الكبرى التي خالفوا فيها الحق واختلفوا فيها.

стр. 9934

ففي جانب العقائد -على سبيل المثال– نفى ما صرّحت به الأناجيل من قتل عيسى ﵇ وصلبه فقال: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [٣٣] وحكم على النصارى بالكفر لقولهم بالتثليث وألوهية المسيح فقال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرائيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [٣٤] . أما التوراة فإنها تنسِب إلى الله -تعالى- كثيرا من النقائص التي جاء القرآن بدحضها وإبطالها، وتصوره المراجع الإسرائيلية الحالية كالتوراة والتلمود بصورة بشرية محضة، فهو: "يحب ريح الشواء، ويتمشى في ظلال الحديقة ليتبرد بهوائها، ويصارع عباده ويصارعونه، ويندم على خلق الإنسان، ويمشي على رجليه حتى يصيبه التعب والكلال، فيجلس للراحة في ظل شجرة"، يحدث سفر التكوين: "أن إبراهيم رأى الرب ومعه ملكان فاستضافهم وأطعمهم وسقاهم وغسل أرجلهم ثم رحلوا من عنده" [٣٥] . وتقول التوراة الحالية: "فأكملت السموات والأرض وكل جندها وفرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل، وبارك الله اليوم السابع وقدسه، لأنه فيه استراح من جميع عمله" [٣٦] . إلى غير ذلك من المثل الكثيرة الموجودة في التوراة الحالية، تعالى الله عن كل ما قالوا علوا كبيرا، ولقد تكفل القرآن بدحض هذه الأباطيل حيث وصف الحق -جل وعلا- بكل كمال يليق بذاته ونزهه عن كل نقص.

стр. 9935

قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [٣٧] فكيف تصفه كتبهم بالتعب والكلال؟ !! . ولقد أخبر القرآن أنهم نسبوا إلى الله الولد، كما وصفه اليهود المعاصرون للنبي ﷺ بالفقر والبخل وغل اليد ثم كرّ على ذلك بالإبطال والدحض، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [٣٨] . وقال: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [٣٩] . وقال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ... ﴾ [٤٠] . ٣- كما بين القرآن كثيرا من المسائل التي أخفوها، أو حاولوا إخفاءها، فمن ذلك أن الدارس لأسفار العهد القديم يرى أنها (قد خلت من ذكر اليوم الآخر ونعيمه وجحيمه -وإذا كانت اليهودية في أصلها تقرر البعث والنشور والحساب والجنة والنار، كما ينبئ بذلك القرآن- فإن ذلك يدل على أن اليوم الآخر وما فيه وما يتصل به من المسائل التي أخفاها أهل الكتاب) [٤١] .

стр. 9936

ومن ذلك أيضا إخفاؤهم ما يتصل بخاتم الرسل من بشائر ونعوت وتحريفهم لها بالحذف أو بالتأويل الفاسد، فجاء القرآن بالحق في ذلك كله: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [٤٢] . ٤- ومن مظاهر هيمنة القرآن على ما سبقه من كتب، أنه أنهى العمل بها فلا اعتبار لها بجانبه، لأنه شغل الفراغ كله بتشريعه الجديد وليس لأحد أن يركن إلى ما جاء بها بعد أن تسرب الباطل إليها، ولعبت الأيدي الأثيمة بها. ولا ينافي ما تقدم من أن القرآن الكريم قد أنهى العمل بما سبقه من كتب الله، أنه أقر كثير من أحكامها ولم يتناوله بنسخ، لأنه أمر بهذه الأحكام وأقرها من جديد، فعملنا بها ليس متابعة لهذه الكتب بل لإقرار القرآن لها وأمره بها (لأن هيمنة القرآن على غيره واستئنافه للتشريع، لا يكون بالتقليد لغيره، بل بالإقرار الجديد وإن كان موافقا أحيانا لما سبقه، وهذا معنى قوله تعالى لرسوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [٤٣] ، بمعنى بما أنزل عليك، وقد أنزل عليه كل ما في شريعة الإسلام ونسخ به كل ما سبقه ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ [٤٤] . وطريق الجمع بين الآيات أن يقال: "إن كل آية دلت على اتحاد الشرائع فهي محمولة على مقاصد الدين وأصول العبادات، وأما الآيات الدالة على اختلافها فمحمولة على الفروع وما يتعلق بظواهر العبادات، فجائز أن يتعبد الله عباده في كل وقت بما شاء" [٤٥] . وبذلك يزول ما قد يبدو من تعارض بين آيات القرآن الكريم الذي لا يختلف ولا يتعارض ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه لأنه ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ .

стр. 9937

خاتمة: ويترتب على ما تقدم من هيمنة القرآن على ما بين يديه من كتب الله، أننا لا نقبل من هذه الكتب التي وصلت إلينا إلا ما جاء القرآن مصدقا له، فكل رواية صدّقها القرآن فهي مقبولة ويجب علينا تصديقها يقينا، وكل رواية كذبها القرآن فهي مردودة يقيناً ويجب علينا تكذيبها كذلك، وما سكت القرآن عن تصديقه أو تكذيبه، لا نصدقه ولا نكذبه، بل نسكت عنه، لأن القرآن الكريم -كما أسلفنا- هو الحكم والمهيمن على كل الكتب السابقة، وكفى به شاهداً ودليلا وصلى الله على محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيداً﴾ النساء الآية ١٢٦. -------------------------------------------------------------------------------- [١] مؤلف هذه الرسالة هو (نيقولا يعقوب غبريل) وطبعت بمصر سنة ١٩٠١م. [٢] آل عمران ١-٤. [٣] الأنعام ٩٢. [٤] يونس ٣٧. [٥] تكرر هذا الوصف في ست عشرة آية، انظر المعجم المفهرس ٦/٤٠٦. [٦] سورة النساء ١٦٣. [٧] ابن كثير المجلد الثالث /١١٩، وانظر الوحي المحمدي لرشيد رضا ص١٠٦. [٨] البقرة ١٨٣. [٩] البقرة ٨٣.

стр. 9938

[١٠] ذكر القرآن نوحا ﵇ في دعوة قومه إلى عبادة الله تعالى وحده، وذلك في مثل قوله : ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (الأعراف آية ٥٩) ، ولم يذكره وهو يدعو إلى أن الله موجود، إذ أن وجوده تقر به الفطر السليمة كما في مثل قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (لقمان آية ٢٥) ، والإقرار بوجود الله تعالى لا يغني عن تجريد العبادة له سبحانه. (المجلة) . [١١] الشورى ١٣. [١٢] المائدة ٤٨. [١٣] الإسرائيليات في التفسير والحديث للأستاذ الدكتور محمد حسين الذهبي ١٢-١٣. [١٤] البقرة ٨٣. [١٥] تفسير الإمام ابن كثير ١/١٢٠. [١٦] الأنبياء ٧٣. [١٧] الأنبياء ٩٠. [١٨] الأعلى ١٨-١٩. [١٩] الشعراء ١٩٠- ١٩٦. [٢٠] مسند أحمد ٣ (٣٨٧) . [٢١] انظر كتاب: (نظرات في القرآن) لفضيلة الشيخ محمد الغزالي (١١- ١٢) . [٢٢] المائدة ١٣. [٢٣] المائدة ١٤. [٢٤] ذيل كتاب الفارق ص٤٢، لعبد الرحمن باجهجي زاده. [٢٥] المائدة ٤٨. [٢٦] آل عمران ٧١. [٢٧] المائدة ٤٨. [٢٨] تفسير المنار ٦/٤١٠-٤١١. [٢٩] تفسير ابن كثير المجلد الثالث /١١٩. [٣٠] انظر تفسير القرطبي ٤/٢٢٠٧، والآلوسي ٦/١٥٢. [٣١] الدين د. محمد عبد الله دراز /١٨٩. [٣٢] البقرة /٧٩. [٣٣] النساء آية ١٥٧. [٣٤] المائدة آية ٧٢-٧٣. [٣٥] انظر سفر التكوين إصحاح ١٨: ١- ٢٨. [٣٦] سفر التكوين إصحاح ٢: ١- ٣. [٣٧] قاف آية ٣٨. [٣٨] التوبة آية ٣٠. [٣٩] آل عمران آية ١٨١. [٤٠] المائدة آية ٦٤. [٤١] انظر الأسفار المقدسة، علي عبد الواحد وافي /٢٩. [٤٢] المائدة آية ١٥.

стр. 9939

[٤٣] المائدة آية ٤٨. [٤٤] انظر (في رياض القرآن) للشيخ عبد اللطيف السبكي /٩٠. [٤٥] انظر الفتوحات الإلهية ١/٤٩٨.

стр. 9940

أَضواء على القرآن الكريم (بلاغته وإعجازه) دكتور عبد الفتاح محمد سلامة الأستاذ المساعد في كلية الشريعة القرآن ومعناه القرآن علم على ذلك الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وهو: "كلام الله المنزل على سيدنا محمد ﷺ للتعبد بتلاوته"... فمعانيه وصياغته من عند الله... وهو المدوّن في المصحف والمبدوء بسورة الفاتحة والمختوم بسورة الناس... ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [١] . وللقرآن أسماء متعددة منها: الكتاب، والفرقان، والذكر... وكلمة قرآن معناها: الجمع والتأليف فقوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [٢] أي تأليفه، وسمى ما بين دفتي المصحف: قرأنا؛ لأنه جمع السور وضم بعضها إلى بعض، أومعناها: القراءة، فتقول: قرأت قراءة حسنة، وقرآنا حسنا، فقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً﴾ [٣] ... أي قراءة الفجر، يعني صلاة الفجر وسمي قرآنا: لأن القراءة عنه، والتلاوة منه [٤] وقد تكرر لفظ القرآن ومشتقاته في المصحف الشريف سبعين مرة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً﴾ [٥] . وأسماء القرآن عديدة تدل على شرفه وفضيلته، كما أن أسماء الله تدل على جلاله وعظمته. وقد ذكر الفخر الرازي للقرآن اثنين وثلاثين اسما [٦] . وجعل الفيروز آبادي للقرآن مائة اسم [٧] . وأشهر أسماء القرآن أربعة: الذكر: لأن الله ذكر به عباده، وعرفهم فيه فرائضه وحدوده ... قال تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾ [٨] .

стр. 9941

الفرقان: لأنه فرق بين الحق والباطل ... ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ [٩] . الكتاب: لأن الله كتب أحكامه وتكاليفه على عباده، أي أوجبها عليهم، قال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَك﴾ [١٠] . والقرآن: أي البيان ومنه ... ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [١١] أي بيناه، لأن فيه بيانا للناس، فيما يحتاجون إليه في أمور دينهم. والسورة معناها: الإبانة بأن الكلام مفصول عما قبله، وسميت في القرآن سورة، لشرفها وارتفاع قدرها، تماما كما يقال لما ارتفع من الأرض سور، أو لأنه يبنى قطعة قطعة، ويقال أيضا للدرجة الرفيعة من المجد والملك سورة، كقول النابغة الذبياني للنعمان بن المنذر: ألم تر أن الله أْعطاك سورة ترى كل ملك دونها يتذبذب. والآية: جماعة الحروف وهو من قولهم: خرج القوم بآيتهم أي بجماعتهم... أو بمعنى العلامة؛ لأن الآية علامة للفصل بين ما قبلها وما بعدها، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُم﴾ [١٢] . والحكمة في تقطيع القرآن سورا، والسور آيات معدودات، أن تكون كل سورة وكل آية وحدة مستقلة، وكيانا أصيلا، وقرآنا معتبرا، وفي تحديد السورة تأكيد لكونه معجزة وآية من آيات الله جل ثناؤه. ومن السور ما يطول حتى يبلغ ٢٨٦ آية كسورة البقرة. ومنها ما يقصر حتى لا يزيد على ثلاث آيات كسورة الكوثر، ليدل على أن الطول ليس شرط الإعجاز، كما أن القصر لا يخرج السورة عن الإعجاز، بل إن سورة الكوثر رغم قصرها معجزة إعجاز سورة البقرة على طولها ...

стр. 9942

يقول الزمخشري: "إن الفائدة في تقطيع القرآن سورا وآيات أن القارئ إذا ختم السورة وانتهى من آياتها كان ذلك أنشط له وأبعث على الجد والتحصيل منه لو استمر على الكتاب بطوله، كما أن الحافظ إذا حذف السورة اعتقد أنه أخذ من كتاب الله طائفة مستقلة فيعظم عنده ما حذفه" [١٣] . والذي انعقد عليه إجماع الأمة، واتفق عليه المسلمون كافة أن عدد سور القرآن مائة وأربع عشرة سورة، وهي التي جمعها عثمان بن عفان ﵁، وكتب بها المصاحف، وبعث بكل مصحف إلى مدينة من مدن الإسلام. ولا التفات إلى الرأي القائل بأن الأنفال وبراءة سورة واحدة، أو من جعل المعوذتين سورة واحدة. وعدد السور التي نزلت بمكة خمس وثمانون سورة، وأول السور المكية: (العلق والقلم والمزمل والمدثر) . أما السور التي نزلت بالمدينة فعددها ثمان وعشرون سورة، وأول ما نزل بالمدينة: البقرة والأنفال وآل عمران والأحزاب والممتحنة) . أما الفاتحة فاختلفوا فيها: فقيل مكية وقيل مدنية. وبذلك يكون مجموع عدد سور القرآن ١١٤ سورة. وعدد آيات القرآن ٦٢٣٦ آية. وعدد كلمات القرآن ٧٧٤٣٩ كلمة. وعدد حروف القرآن ٣٢٣٠١٥ حرفا [١٤] . القرآن المعجزة القرآن الكريم هو المعجزة الباقية الخالدة، التي نصبها رب العزة تبارك وجل في علاه، شاهدا حيا ناطقا، بصدق الرسول العظيم ﵊، ولق تحدى الله العالم كله إنسا وجنا، فما ثبتوا لهذا التحدي، بل أظهروا عجزا صارخا، وعيا بليدا، وفهاهة فاضحة... وقد سجل الله عليهم نكوصهم عن مجاراة القرآن ومسايرته في آفاقه العالية... حيث قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ [١٥] .

стр. 9943

ومعاني القرآن على الرغم أنه نزل منجما إلا أنها تلاقت مقدماتها بنتائجها ومهدت أولاها لأخراها، ولن تجد في معاني القرآن ما تجده في غيره من كلام البشر من المعاني الساقطة أو التافهة، بل كل معانيه سامية قوية، آيات وسورا اشتملت على أمور الدين والدنيا، وانتظمت سعادة الأولى والآخرة، ونزلت هدى ونورا للبشرية كلها، فضت على الأوهام الباطلة، والأساطير الكاذبة، والعبادات الضالة والأديان المنحرفة، ونقلت الإنسانية الحائرة من عصر تسوده الفوضى وتذيع فيه مبادئ الطغيان والعبودية، إلى حياة فيها رضى وأمن وسلام. إن هذا القرآن قبس من الهدى والنور نزل به جبريل من السماء إلى الأرض على سيد الخلق وأشرف الرسل محمد بن عبد الله صلوات الله عليه، فبلغه الناس، وأذاع أخلاقياته ومثالياته في كل مكان وبذلك نشرت صفحات جديدة مشرقة ناضرة في تاريخ الإنسانية، وكان لها من وراء ذلك ميلاد حضارة جديدة. إنه ألفاظ إذا اشتدت فأمواج البحار الزاخرة، وإذا هي لانت فأنفاس الحياة الآخرة، تذكر الدنيا فمنها عمادها ونظامها، وتصف الآخرة فمنها جنتها وضرامها، ومتى وعدت من كرم الله جعلت الثغور تضحك في وجه الغيوب، وإن أوعدت بعذاب الله جعلت الألسنة ترعد من حمى القلوب. ومعانٍ بَيْنا هي عذوبة ترويك من ماء البيان، ورقة تستروح منها نسيم الجنان، ونور تبصر به في مرآة الإيمان وجه الأمان، بينا هي تمثل للمذنب حقيقة الإنسانية حتى يظن أنه صنف آخر من الإنسان، إذ هي بعد ذلك إطباق السحاب انهارت قواعده والتمعت ناره وقصفت في الجو رواعده، وإذ هي السماء وقد أخذت على الأرض ذنبها، واستأذنت في صدمة الفزع ربها، فكادت ترجف الراجفة، تتبعها الرادفة: وإنما هي زجرة واحدة، فإذا الخلق طعام الفناء وإذا الأرض مائدة... [١٦] .

стр. 9944

ولقد كانت للرسول العظيم ﵊ معجزات كثيرة تدل على صدقه، وأنه مرسل من قبل الله تعالى، فالمعجزة مختصة بالنبي دائما، وتقترن بالتحدي، ومن ثم لا يمكن تحصيلها بالجهد أو الاكتساب. وكذلك للأنبياء معجزات ظهرت على أيدي كثير منهم، بيد أن معجزة النبي محمد ﷺ تفوق معجزات غيره سواء من حيث العدد أو من حيث الأهمية. فإذا كان الله أظهر معجزة لموسى هي أن يضرب البحر فانفلق في الأرض. فكذلك أظهر لمحمد ﵊ فانشق له القمر في السماء. وكما فجر لموسى ﵇ الماء من الحجر، فقد فجر لمحمد ﷺ من أصابعه عيونا. وكما ظلل على موسى ﵇ بالغمام، فقد ظلل محمدا ﷺ كذلك بالغمام. وكما جعل من معجزات موسى ﵇ اليد بيضاء، فقد جعل من معجزات محمد ﷺ القرآن. وكما سبحت الجبال مع داود ﵇ فقد سبحت االأحجار في يد الرسول ﷺ . وكما سخر الله لداود الطير المحشورة، سخر لمحمد البراق يطير في السماء. وكما جعل من معجزات عيسى ﵇ إبراء الأكمه والأبرص..فقد جعل شبيها بذلك لمحمد ﷺ ، فقد سقطت حدقة رجل في غزوة أحد فرفعها وردها إلى مكانها. وانقادت الجن لسليمان، وانقادت كذلك للرسول ﷺ . ومعجزات النبي محمد ﷺ أكثر من أن تحصى، ويمكن أن نضيف إلى ما ذكرناه، حنين الجذع وانقياد الأغصان، وجعل قليل الطعام كثيرا، كل ذلك على مشهد من الناس وأسماعهم، فلم ينكر أحد شيئا مما رآه أو سمعه رغم أن ذلك ليس في طاقة البشر أو مقدرتهم [١٧] .

стр. 9945

وأفضل معجزات الرسول وأجلها شأنا هي معجزة القرآن الذي نزل بأفصح اللغات وأبلغها، فقد سحر القرآن العرب منذ استمعوا إليه في اللحظة الأولى، سواء من شرح الله صدره للإسلام وأنار بصيرته، أو من طبع الله على قلبه وجعل على بصره غشاوة، فالوليد بن المغيرة قال يصف القرآن: "والله إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو ولا يعلى عليه". والقساوسة والرهبان يحكي عنهم القرآن: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقّ﴾ [١٨] . فالقرآن من شأنه إذا استمع إليه إنسان أن تتحرك مشاعره، ويهتز قلبه، ويقشعر بدنه خوفا.. ويعتصر فؤاده رجاء، لما فيه من جمال الأسلوب، وقوة في التعبير. ولقد وصف الله كتابه عز من قائل: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [١٩] . فروعة القرآن يحسها القلب الخاشع، ولكن العرب كما وصفهم القرآن: ﴿قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [٢٠] ، وأعداء ألداء: ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدّاً﴾ [٢١] ، فأخذوا يتناولون القرآن بالتشكيك، ويشنون عليه حملات شعواء، بغية التهوين من شأنه، والغض من قدره. ولكن الله رد كيد الكافرين إلى نحورهم، فتحدى الرسول بلغاء العرب وفصحاءهم أن يأتوا بسورة من مثله، ولكنهم عجزوا وأعرضوا عن معارضته، فكان ذلك داعيا إلى الاعتراف بإعجاز القرآن، وقصورهم أمام بلاغته. والقرآن ليس معجزا للعرب وحدهم، وإنما هو معجز للعربي وغير العربي، لأن دعوة الإسلام دعوة عالمية ليست مرتبطة بلغة معينة، ولا بوطن خاص، وإنما هي دعوة تحتوي العالم بأسره، ومن أجل ذلك كان القرآن معجزا لكل الأمم.
следующие страницы →