← Фатава

Фатава · id 4482

فتاوى الشيخ ابن جبرين

ابن جبرين

Полный текст (1 746 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

فتاوى في المسح على الخفين مقدمة الكتاب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي سهل طريق العبادة، ورفع الحرج عن أهل الأعذار للوصول إلى طريق السعادة، ووفق الصالحين من الخلق لامتثال ما أحبه وأراده. أحمده وأشكره، وأرجو على شكره الزيادة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأؤمل الوفاة على هذه الشهادة، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين جاهدوا في الله حق جهاده، وسلم تسليما كثيرا أما بعد: فقد رغب إلي بعض الإخوة الصالحين -ولا نزكي على الله أحداً- أن أجيب على أسئلة مهمة تتعلق بالمسح على الخفاف والجوارب، وما يلحق بها، فأجبته إلى ذلك رجاء أن ينفع الله بها، وذلك لكثرة الخطأ فيها، ووقوع التساهل من كثير من الناس فيما يتعلق بالمسح، مع أن العلماء رحمهم الله تعالى قد كفوا غيرهم، وأولوا هذا الموضوع اهتماماً كبيراً، ولكن كلامهم في أثناء كتب الفقه، وهو بأسلوب علمي، قد لا يفهمه العامة، فكان من الأولى إفراد الموضوع بكتابة تطبع في رسالة مفردة، يسهل حملها مع الراكب والنازل، وتوزع على العاملين في مكاتبهم، وأماكن تجمعهم، رجاء أن يتنبهوا إلى ما يقعون فيه من الخطأ الذي قد يوقع في إبطال الطهارة، ثم إبطال الصلاة، وحيث إن الكثير من هذه المسائل يوجد فيها اختلاف قديم وحديث بين المشايخ والفقهاء، فإني أختار ما ترجح عندي بالدليل أو النظر، مستشهداً بكلام العلماء الذين قد أولوا هذا الموضوع عناية واهتماماً، فإنهم قدوة لمن بعدهم، فقد شهد لهم من بعدهم بالعلم والإدراك، وقوة الفهم، وسعة الاطلاع، بحيث بذلوا وسعهم في البحث عن المسائل والوقائع والأدلة، واستنبطوا من النصوص الفوائد، وطبقوا عليها الوقائع فجزاهم الله أحسن الجزاء، وأعظم أجرهم.

стр. 2

ثم إن الإخوة قد صاغوا أسئلة تتعلق بالمسح على الحوائل من الخفاف والجوارب، والعمامة والجبيرة، ونحوها، وقد أجبت على تلك الأسئلة، وأحياناً أعدت صياغتها، ورتبتها حسب ترتيب الفقهاء مسائل هذا الباب في كتب الفقه، وأشهرها عند فقهاء هذه البلاد كتاب "المقنع" لابن قدامة ﵀، فقد سار من بعده من الحنابلة على ترتيبه غالباً، واشتهر من الشروح كتاب "الروض المربع"، شرح مختصر المقنع، وهو أكثر الشروح تداولاً بين الطلاب والعلماء، فحرصت على السير على ترتيب مسائله حسب القدرة، وهذا ما وصل إليه الاجتهاد، ولكل مجتهد نصيب، والله المسؤول أن يعم بنفعه المسلمين، وأن يتقبله، وأن يرزقنا الاحتساب لما عنده من الثواب، وأن يجزل الأجر لعلماء الأمة الإسلامية إنه على كل شيء قدير، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله الجبرين بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ فضيلة الشيخ الوالد عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين حفظه الله ورعاه السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: فأسأل الله لكم التوفيق والعون والسداد وأن يجعل بذلكم للعلم في ميزان حسناتكم. أيها الشيخ الكريم، كثر السؤال أخيراً عن مسائل في الخفين وفي العمامة والجبيرة، بالنسبة للمريض والمقيم والمسافر، فأشكلت على الناس كثرة هذه الأسئلة مع أن بعضها غالباً يرجع إلى بعض، وأشكلت على بعض طلاب العلم تكرر الأسئلة بصيغ مختلفة، مع أن المضمون واحد في كثير من الأحيان؛ لذا رأيت -فضيلة الشيخ-جمع فتاوى في المسح في كتيب للأسباب التالية: أولاً: أنه لم يصدر كتيب أو كتاب يتضمن فتاوى في المسح على الخفين، والعمامة، والرأس، والجبيرة، والقلانس واللصقة الطبية ونحو ذلك، ولذا فسيكون هذا الكتيب -إن شاء الله- حاوياً لكل هذه المسائل.

стр. 3

ثانياً: أن هناك فئة من الناس يلبسون الخفين على مدار السنة؛ كالموظفين في القطاعات العسكرية، وكأصحاب بعض المهن، ولذا فسيكون هذا الكتيب مرجعاً وافراً إن شاء الله تكرر طبعه الشؤون الدينية في كل القطاعات العسكرية. مع ملاحظة -فضيلة الشيخ حفظك الله- أن الأسئلة اجتهادية، ولك مطلق الحرية -حفظك الله- في الزيادة والحذف، وإعادة الصياغة، وكل ما يعين على إخراج الرسالة بصورة مشرفة، والله يرعاك ويسدد على الخير خطاك. وقد رأى بعض الأفاضل تسمية هذه الرسالة بـ (ستون سؤالاً في المسح) . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،، ابنكم المحب طارق بن محمد الخويطر المدرس بمعهد القرآن الكريم بالحرس الوطني

стр. 4

السؤال:- ما حكم المسح على الخفين مع ذكر الأدلة؟ الجواب:- المسح على الخفين ونحوهما جائز، ورخصة وتوسعة من الله تعالى على المسلمين في الطهارة الصغرى، وعليه أهل السنة والجماعة، وقد خالف في حكمه الخوارج والرافضة، ونحوهم من المبتدعة، ولذلك ذكر العلماء هذه المسألة في كتب العقائد، فقد ذكرها الطحاوي في عقيدته، والبربهاري في السنة، وغيرهما، كما ذكر الإمام أحمد في رسالة السنة عن الخوارج أنهم ينكرون المسح على الخفين. وقد روى البيهقي في سننه عن عبد الله بن المبارك ﵀، قال: ليس في المسح على الخفين عندنا خلاف أنه جائز، وإن الرجل ليسألني عن المسح، فأرتاب به أن يكون صاحب هوى. وقال الإمام أحمد ﵀: ليس في قلبي من المسح شيء، فيه أربعون حديثاً عن أصحاب رسول الله ﷺ ما رفعوا إلى النبي ﷺ وما وقفوا. وروى ابن المنذر عن الحسن البصري ﵀ أنه قال: حدثني سبعون من أصحاب النبي ﷺ أنه مسح على الخفين.

стр. 5

وقد روى أكثر تلك الأحاديث أئمة المحدثين، فقد رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" مرفوعاً عن ثمانية عشر صحابياً، وهم عوف بن مالك، وأبو أيوب، وحذيفة، والمغيرة، وجرير، وبلال، وبريدة، وخزيمة، وسعد بن أبي وقاص، وعلي، وصفوان بن عسال، وسلمان، وأبو عمارة الأنصاري، وعمر، وعمرو بن أمية، وأبو بكر، وأبو هريرة، وجابر، رضي الله تعالى عنهم. ورواه موقوفاً عن عمر، وسعد، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وعلي، وأبي موسى، وجابر ابن سمرة، وعبد الله بن عمر، وسمرة، وأبي أيوب، وقيس بن سعد، وأنس، وأبي مسعود، وحذيفة، والمغيرة، والبراء، وجرير، وأبي بكرة، ﵃ أجمعين، وهؤلاء قد روي عن بعضهم مرفوعاً، وذكر الترمذي في سننه أن في الباب عن عشرين صحابياً، فسرد أسماءهم، ولم يورد أحاديثهم، وأشار لأكثرها الشارح، وسرد البيهقي في "سننه الكبرى" من روى عنهم جواز المسح، فزادوا على العشرين. وأورد الزيلعي في "نصب الراية" ما وقف عليه من تلك الأحاديث وألفاظها، وغالب تلك الأحاديث صحيح ثابت. ومنها حديث جرير بن عبد الله رضي الله عليه، قال: رأيت رسول الله ﷺ بال ثم توضأ ومسح على خفيه. قال إبراهيم النخعي: وكان يعجبهم هذا؛ لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة. (متفق عليه) . وفي رواية النسائي: وكان أصحاب عبد الله يعجبهم قول جرير، وكان إسلام جرير قبل موت النبي ﷺ بيسير. ولأحمد عن جرير، قال: ما أسلمت إلا بعد أن أنزلت المائدة؛ وأنا رأيت رسول الله ﷺ يمسح بعدما أسلمت.

стр. 6

ومنها حديث عوف بن مالك الأشجعي ﵁، أن رسول الله ﷺ أمر بالمسح على الخفين في غزوة تبوك ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوماً وليلة للمقيم. رواه أحمد وابن أبي شيبة، والدارقطني، والبزار وغيرهم. وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، قال الإمام أحمد: هذا من أجود الأحاديث في المسح، لأنه في غزوة تبوك، وهي آخر غزوة غزاها النبي ﷺ ، وهو آخر فعله، ذكره عبد الله بن أحمد في "مسائله" عن أبيه. وقد استنبط ذلك بعض العلماء من القرآن الكريم من آية المائدة، فإن قوله تعالى: (وأرجلكم إلى الكعبين) فيها قراءتان: بالجر للأرجل، فيحمل على ما إذا كانت في الخفاف، ونصب الأرجل، فيراد به الغسل، حذاراً من أن تخلو إحدى القراءتين من الفائدة، والله أعلم.

стр. 7

السؤال:- نرى بعض الناس لا يمسحون على الخف، بحجة أن الموجود في عهد النبي ﷺ مصنوع من الجلد فما رأيكم؟ الجواب:- الأصل في الخف أنه يخرز من الأدم كالنعال، سواء من جلود الإبل -وهو الغالب لقوتها- أو من جلود البقر أو الغنم، ثم يجعل له غطاء من جلد، ليستر القدم إلى مستدق الساق ويربط فوق الكعبين بسير أو خيط قوي، حتى يتمكن من مواصلة المشي فيه. ولكن الرخصة تعم ما يشبه هذا الخف، من المصنوعات الجديدة إذا كانت تستر القدم كله إلى منتهى الكعبين، فيدخل في ذلك ما يسمى بالكنادر الساترة للقدم، والبساطر، وأنواع هذه الأحذية الساترة؛ لأنها معمولة من الجلود أو من الربل، أو نحو ذلك. وتحصل التدفئة بها، ويمكن المشي فيها، ولا يخرقها الماء ولا الهواء. والحاجة داعية إلى لبسها في شدة البرد، ولا دليل على التخصيص بالجلود؛ لأن القصد موجود والصفة في الخفين تنطبق على ما يشبهها من المعمولات الجديدة تكون على شكل لباس قوي ساتر لمحل الفرض، والله أعلم

стр. 8

السؤال:- ما شروط المسح على الخفين؟ الجواب:- اشترط العلماء خمسة شروط: الأول: أن يكون طاهرا ً، فلا يمسح على النجس، سواء طرأت عليه النجاسة بأن تلوث بها بعد لبسه، أو علقت به كبول ورجيع نجس، أو كان نجساً من أصله؛ كجلد كلب أو سبع أو جلد ميتة قبل الدبغ، لأنه والحال هذه يصلي وهو حامل نجاسة عينية، وذلك مبطل للصلاة. الثاني: الإباحة، فيخرج المغصوب والمسروق لوجوب رده، مع الخلاف القوي في الصلاة مع الإثم، كما لا يمسح على ما يحرم استعماله لذاته كالحرير للرجال والإستبرق والديباج والمموه بذهب ونحوه، لورود المنع من استعمال ذلك. الثالث: أن يكون الخف ساتراً للقدم الواجب غسله، أي إلى منتهى الكعبين، فلا يصح المسح على ما يستر بعض القدم، كالكنادر التي تستر ما تحت الكعبين، وما يرى منها بعض القدم، كأن يكون أعلاها واسعاً لا ينضم على الساق، بل يبرز الكعب أو يرى من أعلى الخف لعدم التصاقه بالساق، فإنه يكون بارزاً وفرضه الغسل، ولا يمكن الجمع بين الغسل والمسح، ولأنه لا يحصل به الغرض من التدفئة المطلوبة من لباسه. الرابع: أن يثبت بنفسه، ويمكن المشي فيه ولو بربطه بخيط ونحوه، فإن كان يسقط مع المشي لم يجز المسح عليه لعدم ثباته، ولأنه لا يحصل القصد من لباسه الذي هو الستر والتدفئة ووقاية القدم من البرد والثلج، فلابد أن يستمسك على القدم، ومن نفى هذا الشرط -كشيخ الإسلام- فإنما أراد نفي اشتراط ثبوته بنفسه، ولم ينف ثبوته بالربط؛ كالزربول الذي لا يستر القدم إلا بشده بسير ونحوه.

стр. 9

الخامس: لبسه بعد كمال الطهارة، فمن لبس الخف وهو محدث، لم يمسح عليه إذا توضأ بعد لبسه، فقد ثبت في الصحيح عن المغيرة بن شعبة قول النبي ﷺ : "دعهما، فإني ادخلتهما طاهرتين" وفي رواية أبي داود: "دع الخفين، فإني أدخلت القدمين الخفين وهما طاهرتان" فمسح عليهما، وهذا الشرط يقول به الجمهور استدلالاً بالسنة، ولا عبرة بالأقوال الشاذة التي تخالف الأدلة، والله أعلم.

стр. 10

السؤال:- هل المسح على الخفين يعد رافعاً أو مبيحاً؟ الجواب:- المختار أنه رافع مؤقت، بمعنى أن من مسح على خفيه، ارتفع حدثه زمن لبسه لهما، وصح أن يصلي بهما حتى يحدث، فيعيد الوضوء والمسح، فمتى انقضت المدة المحددة للمسح بطل أثر المسح، ولزمه الخلع وإعادة الوضوء. فمثال ذلك: لو لبسهما وقت صلاة الصبح ونام بعد الصلاة، ومسح لصلاة الظهر ثم جلس في المسجد بعد الصبح، فليس له صلاة الإشراق بذلك الوضوء في اليوم الثاني حيث إن المدة هي يوم وليلة بعد الحدث انتهت بوقت نومه من الأمس، فعليه الخلع وتجديد الوضوء، وهكذا لو خلع الخفين بعد مسحها من حدث، فإنه يبطل. فارتفاع الحدث بالمسح مؤقت بلبسها وبقاء المدة المحددة، ثم يبطل أثر المسح.

стр. 11

السؤال:- ما الفرق بين الخف والجورب؟ الجواب:- الفرق بينهما في الصفة ظاهر، فإن الخف هو ما يعمل من الجلود، فيفصل على قدر القدم ويخرز له موطئ كالنعل، ثم يربط به جلد غليظ فوقه يستر القدم مع الكعبين، ويربط بخيط على مستدق الساق، ويلحق به أيضاً ما يصنع من الربل والباغات الغليظة التي تفصل بقدر القدمين، ويحصل بها المقصود من الستر والتدفئة، سواء سميت كنادر وبسطاراً أو جزمة أو غير ذلك. ويدخل في الخف ما يسمى بالموق والجرموق والزربول ونحو ذلك مما يخرز على قدر القدم والساق، ويثبت بنفسه ويلبس للتدفئة. أما الجورب، فهو في الأصل ما ينسج من الصوف الغليظ ويفصل على قدر القدم إلى الساق، ويثبت بنفسه ولا ينعطف ولا ينكسر لمتانته وغلظه، فهو إذا لبس وقف على الساق ولم ينكسر. والعادة أنه لا يخرقه الماء لقوة نسجه، ويشبه بيوت الشعر التي تنصب للسكنى ولا يخرقها المطر، فكذلك الجوارب في ذلك الوقت، حتى إنها لغلظها يمكن مواصلة المشي فيها بدون نعل أو كنادر، ولا يخرقها الماء، ولا يتأثر من مشى بها بالحجارة ولا بالشوك ولا بالرمضاء أو البرودة. واختلف: هل يشترط أن تنعل، أي يجعل في موطئها نعل أي جلد غنم أو إبل يخرز في أسفلها، فاشترط ذلك بعض العلماء الذين أجازوا المسح على الجوارب، قال الموفق في "المغني": وقال أبو حنيفة ومالك والأوزاعي والشافعي: لا يجوز المسح عليهما إلا أن ينعلا؛ لأنهما لا يمكن متابعة المشي فيهما، فلم يجز المسح عليهما كالرقيقتين أ. هـ. وقال الدردير في "الشرح الصغير": ومثل الخف الجورب، وهو ما كان من قطن أو كتان أو صوف جلد ظاهره أي كسي بالجلد بشرطه الآتي، فإن لم يجلد، فلا يصح المسح عليه أ. هـ.

стр. 12

ثم ذكر الشرط بقوله: بشرط جلد طاهر، خرز وستر محل الفرض، وأمكن المشي فيه عادة بلا حائل. وذكر في الشروط كونه جلداً، فلا يصح المسح على غيره، وأن يكون طاهراً فلا يمسح على جلد الميتة، وأن يكون له ساق ساتر لمحل الفرض، وأن يكون مخروزاً، لا أن لزق بنحو رسراس، وأن يمكن المشي فيه احترازاً من الواسع الذي ينسلت من الرجل عند المشي فيه. وقال الكاساني في "البدائع": وأما المسح على الجوربين فإن كانا مجلدين أو منعلين، يجزيه بلا خلاف عند أصحابنا، وإن لم يكونا مجلدين ولا منعلين، فإن كانا رقيقين يشفان الماء، لا يجوز المسح عليهما بالإجماع، وإن كانا ثخينين لا يجوز عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد: يجوز ... وعند الشافعي: لا يجوز المسح على الجوارب، وإن كانت منعلة، إلا إذا كانت مجلدة إلى الكعبين ... إلخ. وقد تبين من هذه النقول ونحوها أن الجورب لابد أن يكون صفيقاً يمكن المشي فيه وحده. وقال ابن القيم في: "حاشية سنن أبي داود": وأيضاً فإن الجلد الذي في أسفل الجورب لا يسمى فعلها في لغة العرب ولا أطلق عليه أحد هذا الاسم آه وهو دليل على أن الجوارب المعروفة يوجد في أسفلها جلد يمكن من المشي فيها بلا نعل أو جزمة. وقد استدل للمسح على الجوارب بحديث المغيرة أن النبي ﷺ مسح على الجوربين والنعلين، حسَّنه الترمذي، لكن ضعفه الجمهور وصححوا أنه خطأ من الراوي، كما نبه على ذلك الإمام مسلم في كتابه "التمييز" المطبوع، ورجح الخطأ النووي في "المجموع" وغيره، وضعف الحديث الثوري وابن مهدي وابن المديني وأحمد وابن القطان، وهؤلاء أمكن من الترمذي الذي حسنه.

стр. 13

وقد اعتمد الإمام أحمد في إباحة المسح على الجوارب ونحوها على ما روي عن الصحابة، فقد ذكر أبو داود تسعة من الصحابة مسحوا عليها، وزاد الزركشي أربعة، أي ثلاثة عشر صحابياً، ولكن قد ذكرنا أن الجوارب في عهدهم كانت غليظة قوية، ولهذا قال الخرقي في "المختصر": وكذلك الجورب الصفيق الذي لا يسقط إذا مشى فيه. قال في "المغني": إنما يجوز المسح على الجورب بالشرطين اللذين ذكرناهما في الخف: أحدهما أن يكون صفيقاً لا يبدو منه شيء من القدم. الثاني: أن يمكن متابعة المشي فيه. قال أحمد في المسح على الجوربين بغير نعل: إذا كان يمشي عليهما ويثبتان في رجليه، فلا بأس، وفي موضع قال: يمسح عليهما إذا ثبتا في العقب، وفي موضع قال: إن كان يمشي فيه، فلا ينثني، فلا بأس بالمسح عليه، فإنه إذا انثنى ظهر موضع الوضوء، ولا يعتبر أن يكونا مجلدين. ثم ذكر أن المسح عليهما عمدته فعل الصحابة، ولم يظهر لهم مخالف في عصرهم، فكان إجماعاً، ولأنه ساتر لمحل الفرض.

стр. 14

وحيث إن الخلاف في المسح على الجوارب قوي، حيث منعه أكثرهم، واشترط بعضهم أن يكون مجلداً، أي في أسفله جلدة من أدم مربوطة فيه لا تفارقه، وكذا اشترط الباقون أن يكون صفيقاً يمكن المشي فيه بلا نعل أو جزمة، وأن يكون صفيقاً لا يخرقه الماء، فإن هذا كله مما يؤكد على من لبسه الاحتياط وعدم التساهل، فقد ظهرت جوارب منسوجة من صوف أو قطن أو كتان، وكثر استعمالها، ولبسها الكثيرون بلا شروط، رغم أنها يخرقها الماء، وأنها تمثل حجم الرجل والأصابع، وليست منعلة، ولا يمكن المشي فيها، بل لا يواصل فيها المشي الطويل إلا بنعل منفصلة أو بكنادر أو جزمة فوقها، وهكذا تساهلوا في لبس جوارب شفافة قد تصف البشرة، ويمكن تمييز الأصابع والأظافر من ورائها، ولا شك أن هذا الفعل تفريط في الطهارة، يبطلها عند كثير من العلماء، حتى من أجازوا المسح على الجوارب، حيث اشترطوا صفاقتها وغلظها، واشترط أكثرهم أن تكون مجلدة أو يمكن المشي فيها. قال النووي ﵀ في "الروضة": فلا يجوز المسح على اللفائف والجوارب المتخذة من صوف ولبد، وكذا الجوارب المتخذة من الجلد الذي يلبس مع الكعب.. لا يجوز المسح عليها حتى يكون بحيث يمكن متابعة المشي عليها، ويمنع نفوذ الماء إن شرطناه، إما لصفاقتها، وإما لتجليد القدمين والنعل على الأسفل ... إلخ.

стр. 15

السؤال:- ما حكم لبس الخفين لمن به سلس البول؟ الجواب:- يجوز له لبس الخفين وما يلحق بهما، فهو كغيره تشتد حاجته إلى التدفئة والوقاية من البرد والثلج ونحو ذلك وقد يكون أشد حاجة من غيره، حيث إنه يتكرر منه الوضوء لكل صلاة بعد دخول وقتها، ولابد أن يغسل قدميه، فلذلك يحتاج إلى لبس الخفين لتخفيف الضرر. ثم إن بدء التوقيت في حقه يكون من أول حدث بعد لبس، ولو قبل الصلاة، فلو توضأ للظهر فلبس الخفين وخرج منه بول أو دم قبل الصلاة فإنه يمسح عليها إلى غد، ويخلعها في الوقت الذي أحدث فيه بالأمس بعد اللبس، والله أعلم.

стр. 16

السؤال:- ما حكم المسح على الخف الذي لا يثبت بنفسه كأن يكون واسعاً؟ الجواب:- تقدم في السؤال الثالث اشتراط أن يثبت الخف بنفسه في القدم، وأن يمكن المشي فيه. فمتى كان واسعاً، يسقط من القدم عند المشي، لم يجز المسح عليه. وكذا لو ثبت، لكن يظهر من القدم بعض محل الفرض، بحيث يمكن أن تدخل الأصابع أو اليد بينه وبين القدم؛ لأنه غير ساتر لمحل الفرض، فلابد أن يستر القدم، وينضم أعلاه على ما فوق الكعبين، ولو بشرجه بخيط، أو بانضمامه إلى بعضه.

стр. 17

السؤال:- ما حكم المسح على خف فيه صور؟ الجواب:- لا شك في تحريم التصوير لذوات الأرواح ووجوب طمسها؛ لقول النبي ﷺ : "لا تدع صورة إلا طمستها". (رواه مسلم) . ولحديث: "كل مصور في النار". (رواه مسلم) . ولكن ورد في الصحيح عن عائشة ﵂ أنها سترت سهوة لها بقرام فيه تصاوير، فأنكر ذلك النبي ﷺ ، ثم إنها جعلت منه وسادة أو وسادتين منبوذتين توطآن. (رواه البخاري ومسلم) ، وفيه دليل أن ما كان ممتهناً يجوز استعماله ولو كان فيه صورة، فإذا كانت الصور في أسفل الخف أو الجورب تباشر الأرض، فهي ممتهنة، وإن كانت في ظاهر الخف، فلا يجوز لبسه، حتى تمحى أو يزال منها ما لا تبقى معه الحياة.

стр. 18

السؤال:- ما حكم المسح على الخف أو الجورب الشفاف؟ الجواب:- الشفاف هو الذي يشف عما تحته، فإن كان ذلك لخفته ورقته، فلا يمسح عليه، فإنه لا يستر القدم، ولا تحصل به التدفئة، ولا يمنع من الثلج والبرد، فلا فائدة في لبسه، بل لو لف على قدميه لفائف صفيقة، وأمكن المشي فيها، كانت أولى من الجوارب الرقيقة ونحوها. أما إن كان ذلك لصفائه مع ثخانته، فلا مانع من المسح عليه، كالمعمول من الباغات والربل والزجاج الرقيق، بحيث يمكن لبسه ومواصلة المشي فيه، ويحصل به المقصود من اللبس؛ كالتدفئة والوقاية من الحفاء والبرد ونحوه، ولكن لم يكن معتاداً صناعة الخفاف والجوارب من الزجاج والباغات ونحوها، فإنها تمنع دخول الهواء والريح ويكون لها بعد الخلع رائحة مستكرهة في مشام الناس.

стр. 19

السؤال:- ما الأفضل الغسل أو المسح؟ الجواب:- الأفضل المسح عملاً بالسنة، ولحديث: "عليكم برخصة الله التي رخص لكم". فمتى لبس الخفين أو الجوربين الصفيقين، وكان محتاجاً للبسهما، وأحدث بعد اللبس فتوضأ، فإنه يجوز له خلعها وغسل القدمين، ولكن يفضل تركهما والمسح عليهما أخذاً برخصة الله تعالى، ومخالفة لمن أنكر المسح؛ كالرافضة والخوارج، ورفقاً بنفسه، ودفعاً للحرج والشدة.

стр. 20

السؤال:- ما الحكم فيمن لبس الخف ليمسح عليه؟ الجواب:- يكره ذلك، فإن الأصل هو غسل القدمين، فمن لبس خفيه لقصد سقوط الغسل، لا لحاجته إليهما، فقد أخطأ. ولهذا قال ابن القيم في "زاد المعاد": فصل في هديه ﷺ في المسح على الخفين، إلى أن قال: ولم يكن يتكلف ضد حاله التي عليها قدماه، بل إن كانتا في الخف مسح عليهما ولم ينزعهما، وإن كانتا مكشوفتين غسل القدمين ولم يلبس الخف ليمسح عليه. وهذا أعدل الأقوال في مسألة الأفضل من المسح والغسل قاله شيخنا أ. هـ. وقال البعلي في "الاختيارات": وهل المسح أفضل، أم غسل الرجلين، أم هما سواء؟ ثلاث روايات عن أحمد، والأفضل في حق كل أحد بحسب قدميه، فللابس الخف أن يمسح عليه، ولا ينزع خفيه اقتداءً بالنبي ﷺ وأصحابه، ولمن قدماه مكشوفتان الغسل، ولا يتحرى لبسه ليمسح عليه. وكان النبي ﷺ يغسل قدميه إذا كانتا مكشوفتين، ويمسح إذا كان لابس الخفين أ. هـ. ونقل ذلك الشيخ ابن قاسم في "حاشية الروض المربع" عند قول الشارح: ولا يُسَنُّ أن يلبس خفاً ونحوه ليمسح عليه كالسفر ليترخص إلخ. يعني أنه يكره للمسلم السفر لأجل أن يتمتع برخصة من الفطر والقصر والجمع ونحوها، إذا لم يكن له غرض في السفر سوى التمتع بالرخص، فكذا من لا حاجة به إلى لبس الخف أو الجورب، وإنما قصد بلبسه سقوط غسل القدمين، مع أن فرضهما الغسل، وإنما المسح على الخفين رخصة عند الحاجة، والله أعلم.

стр. 21

السؤال:- كم مدة المسح للمقيم والمسافر؟ الجواب:- ورد التوقيت في السنة النبوية المشهورة؛ فروى مسلم وأحمد وأهل السنن عن علي بن أبي طالب ﵁، أن شريح بن هانئ سأله عن المسح على الخفين، فقال: قال رسول الله ﷺ : "للمسافر ثلاثة أيام بلياليهن، وللمقيم يوم وليلة". وعن أبي بكر ﵁، عن النبي ﷺ أنه رخص للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن وللمقيم يوماً وليلة إذا تطهر فلبس خفيه أن يمسح عليهما. ورواه الشافعي وابن خزيمة وابن حبان وابن الجارود والدارقطني وغيرهم وصححه الخطابي كما في "المنتقى". وعن خزيمة بن ثابت، عن النبي ﷺ أنه سئل عن المسح على الخفين، فقال: "للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوم وليلة". رواه أحمد وأهل السنن، وصححه الترمذي. وعن صفوان بن عسال ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنا سفراً أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة. رواه الترمذي والنسائي وأحمد وغيرهم. وغير ذلك من الأدلة. وقد صرح بذلك الفقهاء؛ قال ابن القيم في "زاد المعاد": ووقت للمقيم يوماً وليلة، وللمسافر ثلاث أيام ولياليهن في عدة أحاديث حسان وصحاح. وذكر ذلك الخرقي في "المختصر"، وابن قدامة في كتبه وابن أخيه في "الشرح الكبير"، والمرداوي في "الإنصاف والبرهان في "المبدع" وغيرهم. فأما حديث أبي بن عمارة أنه قال: يا رسول الله، أمسح على الخفين؟ قال: نعم. قال: "يوماً"؟ قال: يوماً، قال: ويومين؟ قال: "ويومين". قال: وثلاثة أيام؟ قال: "نعم، وما شئت". رواه أبو داود، وقال: قد اختلف في إسناده، وليس هو بالقوي، فهو حديث ضعيف.

стр. 22

وقد حكى الموفق في "المغني" وتبعه صاحب "الشرح الكبير" عن الليث أنه يمسح ما بدا له. قال: وهو قول أكثر أصحاب مالك، وكذلك قول مالك في المسافر، وعنه في المقيم روايتان، وذلك لما روى أُبي بن عمارة ... ولأنه مسح في طهارة، فلم يوقت كمسح الرأس والجبيرة. ثم ذكر أدلة القول بالتوقيت، ثم قال: وحديثهم ليس بالقوي، وقد اختلف في إسناده، قاله أبو داود. ويحتمل أنه قال: وما شئت من اليوم واليومين والثلاثة، ويحتمل أنه يمسح ما شاء إذا نزعها عند انتهاء مدته، ثم لبسها. وقياسهم منقوض بالتيمم، ومسح الجبيرة عندنا مؤقت بإمكان نزعها أ. هـ. وقد أباح شيخ الإسلام عدم التوقيت عند الضرورة؛ كأصحاب البريد إذا خاف الانقطاع، ومن عدو أو سبع، ويكون الماء بارداً لا يمكن معه غسلهما. ويلحق بالمقيم من سافر سفر معصية على المشهور عند الفقهاء، ومنع بعضهم مسحه مطلقاً، ورجح آخرون أن له المسح كالمسافر، والله أعلم.

стр. 23

السؤال:- ما صفة المسح على الخفين؟ الجواب:- المسح في الأصل هو إمرار اليد على الممسوح، وقد أطلق مسح الخفين في أغلب الأحاديث، فذهب بعض العلماء أو أكثرهم إلى جواز المسح على أي صفة، سواء عمم الخف فمسح أعلاه وأسفله، أو اقتصر على أعلاه، لكن الجمهور على أن المشروع مسح أعلاه من رؤوس الأصابع إلى الساق دون أسفله وعقبه، وذلك لحديث علي ﵁، قال: لو كان الدين بالرأي، لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه؛ لقد رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظاهر خفيه. رواه أبو داود والدارقطني. قال الحافظ في "التلخيص": إسناده صحيح. وروى أحمد وغيره عن المغيرة، قال: رأيت رسول الله ﷺ يمسح على الخفين على ظاهرهما، وحسنه الترمذي. وذكر الموفق في "المغني" أن الخلال روى بإسناده عن المغيرة، أن النبي ﷺ توضأ ومسح على الخفين، فوضع بيده اليمنى على خفه الأيمن ووضع يده اليسرى على خفه الأيسر، ثم مسح أعلاهما مسحة واحدة، حتى كأني أنظر إلى أثر أصابعه على الخفين. وروى ابن ماجة برقم (٥٥١) عن جابر، قال: مر رسول الله ﷺ برجل يغسل خفيه، فقال: "إنما أمرت بالمسح".. وقال بيده هكذا من أطراف الأصابع إلى أصل الساق وخطط بالأصابع، وفي سنده بقية وهو متكلم فيه. وفي "الشرح الكبير" عن ابن عقيل، قال: سنة المسح هكذا، أن يمسح خفيه بيديه: باليمنى اليمنى، وباليسرى اليسرى.

стр. 24

وقال أحمد: كيفما فعلت، فهو جائز باليد الواحدة أو باليدين، وإن مسح بأصبع أو بأصبعين أجزأه إذا كرر المسح بها حتى يصير مثل المسح بأصابعه، ولا يسن مسح أسفله ولا عقبه. ثم ذكر أن بعض الصحابة والأئمة كمالك والشافعي، قالوا: يمسح ظاهر الخفين وباطنهما، واستدلوا برواية عن المغيرة، قال: وضأت رسول الله ﷺ ، فمسح أعلى الخف وأسفله. رواه أهل السنن لكنه معلول، ضعفه أحمد والبخاري. وعلى هذا لا بد أن يمسح أكثر مقدم الخف الظاهر باليدين، ولا يجزئ القليل منه، ولا يحتاج إلى تكرار المسح كالرأس، ويجوز مسح كل خف بيديه جميعاً، كأن يبل يديه، فيمسح اليمنى، ثم يبلهما مرة ثانية فيمسح اليسرى، ليكون أبلغ في مسح ظاهر الخف وجانبيه، والله أعلم.

стр. 25

السؤال:- هل الأفضل مسح الخفين جميعاً بيديه، أو يبدأ بالرجل اليمنى ثم اليسرى؟ الجواب:- أكثر الأحاديث ذكر فيها المسح مطلقاً بدون بيان، فيظهر منها جواز مسحهما معاً بيديه: اليمنى باليد اليمنى، واليسرى باليد اليسرى، فيبلهما ويمر كل يد على خف مفرقة الأصابع، كما تقدم في حديث المغيرة الذي ذكره الموفق عن الخلال، ورواه البيهقي في "سننه"، وحيث إن الوارد هو المسح على الخفين أو الجوربين، فإن الأصل أجزاء مطلق المسح على أية صفة، فإن الله تعالى أمر بغسل اليدين والرجلين، ومع ذلك يشرع تقديم اليمنى على اليسرى، فإن مسح كذلك، فلا بأس، والله أعلم.

стр. 26

السؤال:- هل يسن تكرار المسح على الخفين ثلاثاً، قياساً على غسلهما؟ الجواب:- قال الموفق في "المغني" وابن أخيه في "الشرح": ولا يستحب تكرار مسحه؛ لأن في حديث المغيرة: "مسحة واحدة". روي ذلك عن ابن عمر وابن عباس. وقال عطاء: يمسح ثلاثاً أ. هـ. وقال في "المطالب": وكره غسل الخف لعدوله عن المأمور، ولأنه مظنة إفساده، وكره أيضاً تكرار مسح الخف؛ لأنه في معنى غسله. أ. هـ. وحيث إن مسح الخف تعبد، فلا حاجة إلى تكراره، فليس القصد تطهيره ولا تحسينه ونظافته، حيث إنه لا يشرع تكراره ولا مسح أسفله الذي يلاقي التراب والغبار والأوساخ والرطوبات كثيراً، فدل على أن شرعية المسح من باب الامتثال والاتباع.

стр. 27

السؤال:- متى تبدأ مدة المسح؟ الجواب:- أكثر العلماء على أنها تبدأ من أول حدث بعد اللبس، ولا يحتسب بالمسح قبل اللبس؛ فمثلا: لو لبسهما متطهراً وقت الظهر، ولم يحدث إلا بعد صلاة العشاء في نصف الليل، ابتدأ المدة من الحدث الذي هو نصف الليل من القابلة، ولا يحتسب بنصف النهار قبل الحدث، وهو قول الشافعي. قال النووي في "شرح مسلم": ومذهب الشافعي وكثيرين أن ابتداء المدة من حيث الحدث بعد لبس الخف لا من حين المسح أ. هـ. وقال صاحب "الشرح الكبير على المقنع": ظاهر المذهب ابتداء المدة من الحدث بعد اللبس، وهذا قول الثوري والشافعي وأصحاب الرأي ثم ذكر الرواية الثانية، ثم قال: ووجه الرواية الأولى ما نقله القاسم بن زكريا المطرز في حديث صفوان: "من الحدث إلى الحدث"، ولأنها عبادة مؤقتة، فاعتبر أول وقتها من حين جواز فعلها كالصلاة أ. هـ، وهكذا علل الزركشي في "شرح الخرقي"، واستدل أيضاً بقول صفوان: أمرنا أن لا ننزع خفافنا ثلاثاً من غائط وبول ونوم. قال: ومقتضاه أنها تنزع لثلاث يمضين من ذلك، وفيه بحث أ. هـ. وهذا أشهر الروايتين واختيار الأصحاب وهناك رواية ثانية أن ابتداء المدة من المسح بعد الحدث لظاهر قوله ﷺ : "يمسح المسافر ثلاثاً". ولو كان أوله الحدث، لم يتصور ذلك، إذ الحدث لا بد أن يسبقه المسح، وهو محمول على وقت جواز المسح، ويجوز أن يكون أراد بالخبر استباحة المسح دون فعله، فعلى هذا يمكن المقيم أن يصلي بالمسح ست صلوات، بأن يؤخر الظهر، فيصليها بعد الحدث، ثم في الثاني يصليها في أول وقتها قبل تمام المدة، والله أعلم.

стр. 28

السؤال:- إذا مسح على الخفين لتجديد الوضوء فهل تبتدئ مدة المسح؟ الجواب:- أكثر العلماء على أنها تبدأ من أول حدث كما سبق، وقيل: من أول مسح بعد الحدث. ولم أجد في المراجع لدي قولاً أنها تبدأ من المسح قبل الحدث، لكن قد يدخل في الرواية الثانية التي استدل لها بقوله ﷺ : "يمسح المقيم يوماً وليلة" أن يقال: المسح يعم المسح قبل الحدث وبعده. وقد ذكر الموفق في "المغني" عن الشعبي وإسحاق وأبي ثور أن المسح للمقيم خمس صلوات، وهو يعم ما قبل الحدث، ولا دليل على ذلك، والله أعلم.

стр. 29

السؤال:- هل تقدر مدة المسح على الخفين بالزمان أو بعدد المسحات؟ الجواب:- تقدر بالزمان الذي هو أربع وعشرون ساعة، للمقيم تمام يوم وليلة بعد أول حدث، وثلاثة أيام بلياليهن للمسافر، أي ثنتان وسبعون ساعة بعد أول مسح على القول الثاني، وهو من المفردات في المذهب، قاله صاحب "الإنصاف"، قال ابن قدامة في "الشرح الكبير": أما تقديره بخمس صلوات، فلا يصح؛ لكون النبي ﷺ قدره بالوقت دون الفعل. وقال صاحب "الإنصاف": يتصور أن يصلي المقيم بالمسح سبع صلوات، مثل أن يؤخر صلاة الظهر إلى وقت العصر لعذر يبيح الجمع من مرض ونحوه، ويمسح من وقت العصر، ثم يمسح إلى مثلها من الغد، ويصلي العصر قبل فراغ المدة، فتتم له سبع صلوات، ويتصور أن يصلي المسافر بالمسح سبع عشرة صلاة، كما قلنا في المقيم. أ. هـ.

стр. 30

السؤال:- هل تزيد مدة المسح مع المشقة؟ الجواب:- نعم، وقد ذكر ذلك شيخ الإسلام في "الفتاوى ٢١/٢١٥" لما ذهب على البريد من الشام إلى مصر، وانقضت مدة المسح، فلم يمكن النزع والوضوء إلا بالانقطاع عن الرفقة، أو حبسهم على وجه يتضررون بالوقوف، فغلب على ظنه عدم التوقيت عند الحاجة كما في الجبيرة، واستدل بحديث عقبة بن عامر لما فتحت دمشق وذهب على البريد يبشر عمر بذلك، فقال له عمر: منذ كم لم تنزع خفيك؟ قال: منذ يوم الجمعة. قال: أصبت السنة. وقد روى أبو داود عن أُبي ابن عمارة أنه قال: يا رسول الله، أمسح على الخفين؟ قال: "نعم". قال يوماً؟ قال: "نعم". قال: ويومين؟ قال: "نعم". قال: وثلاثة أيام؟ قال: "نعم وما شئت". قال أبو داود: وليس بالقوي، وقال أحمد: رجاله لا يعرفون. وحمل على صاحب البريد الذي يشق عليه النزول والخلع واللبس. قال شيخ الإسلام: فالخف الذي يتضرر بنزعه جبيرة. وضرره يكون بأشياء؛ إما أن يكون في ثلج وبرد عظيم، إذا نزعه ينال رجليه ضرر، أو يكون الماء بارداً لا يمكن معه غسلهما، فإن نزعهما تيمم، فمسحهما خير من التيمم، أو يكون خائفاً إذا نزعهما وتوضأ من عدو أو سبع أو انقطاع عن الرفقة في مكان لا يمكن السير وحده ... ويلحق بذلك إذا كان عادماً للماء ومعه قليل يكفي لطهارة المسح لا لطهارة الغسل، فإن نزعهما تيمم، فالمسح عليهما خير من التيمم. أ. هـ.

стр. 31

السؤال:- من أبيح له التيمم، هل له التقيد بمدة المسح؟ الجواب:- التيمم يباح لعادم الماء، وللمريض الذي يضره استعمال الماء، أو لا يقدر على الوضوء ونحوه، فأما عادم الماء، فلا حاجة له إلى نزع الخف الذي لبسه اتقاء البرد ونحوه، فإن نزعه إنما يكون لغسله بالماء وهو لا يجد الماء، فله تركه ولو بقي شهراً أو أكثر حتى يجد الماء، فهناك يلزمه الوضوء وغسل قدميه، ثم لبس الخفين بعد الطهارة بالماء، فإن التيمم بالتراب إنما يمسح فيه الوجه واليدان دون الرجلين.

стр. 32

السؤال:- ما الحالات التي يجب فيها نزع الخفين قبل انتهاء مدة المسح؟ الجواب:- أولاً: إذا أجنب في سفر أو حضر بجماع أو احتلام، فقد اتفق العلماء على أن الجنب يخلع خفيه للاغتسال، وذلك لأن الجنابة تحل البدن كله، ولا ترتفع إلا بالغسل الكامل الذي يعم جميع البدن، ولا مشقة في نزع الخفين وغسل القدمين. وفي حديث صفوان بن عسال: "ولا نخلعهما إلا من جنابة". (رواه أحمد وأهل السنن، وصححه الترمذي وغيره) . وثانياً: إذا لبس خفاً فوق خف قبل الحدث، ثم نزع أحدهما بعد الحدث، لزمه خلع الثاني وإعادة الوضوء الكامل، فإن خلعه بعد المسح عليه، يبطل الطهارة. وثالثاً: إذا ظهر بعض محل الفرض، كما لو انحسر الخف أو الجورب، وبدا بعض القدم، فعليه خلعهما وإعادة الطهارة.

стр. 33

السؤال:- إذا شك في ابتداء المسح أو انتهائه فما الحكم؟ الجواب:- إذا شك: هل ابتدأ المسح مسافراً أو مقيماً، عمل بمسح مقيم احتياطاً للعبادة. وكذا لو شك متى كان ابتداء المدة، قال في "المطالب": وإن توضأ شاك في بقاء مدة المسح، فلا يمسح مقيماً كان أو مسافراً ما دام الشك لعدم تحقق شرطه، فإن مسح مع الشك فبان بقاء المدة، صح وضوءه لتحقق الشرط، ولا يصلي به قبل تبين بقاء المدة، فإن فعل أعاد، وإن لم يتبين بقاؤها لم يصح وضوءه أ. هـ. وصورة ذلك: أن يشك هل ابتداء مدة المسح في أول النهار أو في آخره، فعليه العمل بأنه في أوله، فلا يمسح لصلاة الضحى أو لصلاة الظهر، بل يخلع ويجدد الطهارة، فإن مسح وهو شاك، أعاد الصلاة.

стр. 34

السؤال:- إذا مَسَحَ مَسْحَ مقيم ثم سافر، فما الحكم؟ الجواب:- ذكر العلماء أنه يكتفي بيوم وليلة، فيخلع بعد تمام مدة المقيم. وصورة ذلك: إذا أحدث أول مرة في الضحى، ثم مسح لصلاة الظهر، ثم سافر بعد الصلاة وقبل العصر، ومسح للعصر في السفر، فإنه يتم مسح مقيم، فتنتهي مدة المسح في الضحى من اليوم الثاني. وهذا القول اختيار القاضي وجمهور أصحابه والموفق أبي محمد. وعلل الزركشي بأن المسح عبادة وجد أحد طرفيها في الحضر والآخر في السفر، فغلب جانب الحضر كالصلاة. وقال بعضهم: إن صلى بطهارة المسح في الحضر، غلب جانبه، وإن مسح ولم يصل إلا في السفر، أتم مَسْحَ مسافر على إحدى الروايتين. وقد روي عن أحمد ﵀ أنه يتم مسح مسافر، ولو صلى في الحضر بالمسح، لدخوله في حديث "يمسح المسافر"، ولكن الجمهور على أنه يمسح مسح مقيم.

стр. 35

السؤال:- إذا مسح مسافر ثم أقام، فما الحكم؟ الجواب:- عليه أن يتم مسح مقيم؛ أي يخلع بعد تمام يوم وليلة بعد الحدث، كما لو لبس الخفين في السفر ضحى، ثم مسح للظهر، ثم وصل البلد وقت العصر، فإن المدة تنتهي بوقت الحدث بالأمس أو بوقت الظهر. هكذا نص الفقهاء كما في "المغني" و"الشرح الكبير" و"الفروع" و"المبدع" و"الإنصاف" و"الكشاف" و"المطالب" وغيرها، تغليباً لجانب الحضر. وهكذا لو مسح في السفر يوماً وليلة أو أكثر، ثم أقام، فإنه يخلع حين وصوله إلى البلد لتمام مدة المسح في الحضر.

стр. 36

السؤال:- ما الحكم فيمن شك: هل مَسَحَ مَسْحَ مقيم أو مسافر؟ الجواب:- سبق في السؤال ٢٢ حكم من شك في ابتداء المسح أو انتهائه، وأنه يعمل بالأحوط. وهكذا من شك: هل ابتدأ المسح في السفر أو الحضر، يعمل بمسح الحضر، فإذا سافر وشك: هل مسح قبل السفر أو لم يمسح إلا بعد أن سافر، فالاحتياط أن يقدر أنه مسح قبل سفره، فيخلع بعد يوم وليلة من أول حدث بعد لبس، كما هو الراجح. وكذا لو أقام بعد السفر وشك: هل أكمل يوماً وليلة بعد الحدث، عمل بالأحوط، وقدر أنه قد أكمل المدة، وذلك للخروج من عهدة العبادة وتبرأ ذمته، ويعبد الله على يقين من الطهارة، ويسلم من الوسوسة في صحة العبادة أو بطلانها. وفيه رواية أخرى: أنه يتم مسح مسافر، لكن العمل على الأولى، كما ذكر ذلك في "الإنصاف" و"الشرح الكبير".

стр. 37

السؤال:- إذا انتهت مدة المسح وهو طاهر، فما الحكم؟ الجواب:- عليه أن يخلع الخفين ونحوهما، ويعيد الطهارة، ويغسل قدميه مع وضوئه، كما صرح بذلك الفقهاء رحمهم الله تعالى؛ قال الموفق في "المقنع": ومتى ظهر قدم الماسح أو رأسه، أو انقضت مدة المسح، استأنف الطهارة. قال في "الشرح": لأن المسح بدل عن الغسل، فمتى ظهر القدم، وجب غسله لزوال حكم البدل، كالمتيمم يجد الماء (وعنه يجزئه مسح رأسه وغسل قدميه) . وجملة ذلك أنه متى ظهر قدم الماسح بعد الحدث والمسح.. فالمشهور عن أحمد ﵀ أنه يعيد الوضوء وعن أحمد أنه يجزئه غسل قدميه؛ لأن مسح الخفين ناب عن غسل الرجلين خاصة، فظهورهما يبطل ما ناب عنه.. وهذا الاختلاف مبني على وجوب الموالاة، فمن لم يوجبها في الوضوء جوز غسل القدمين؛ لأن سائر أعضائه سواهما مغسولة. ومن أوجب الموالاة، أبطل الوضوء لفوات الموالاة. ووجه الرواية الأولى أن الوضوء بطل في بعض الأعضاء، فبطل في جميعها.. إلى أن قال: وإذا انقضت مدة المسح، بطلت طهارته أيضاً، ولزمه خلع الخفين أو العمامة وإعادة الوضوء..

стр. 38

وعلى الرواية الثانية يجزئه مسح رأسه وغسل قدميه. والمختار الرواية الأولى؛ لأن غسل الرجلين شرط للصلاة، وإنما قام المسح مقامه في المدة، فإذا انتقضت المدة لم يجز أن يقوم مقامه إلا بدليل، ولأنها طهارة لا يجوز ابتداؤها، فمنع من استدامتها. وروي عن الحسن، قال: لا يبطل الوضوء، ويصلي حتى يحدث. وكذا لو خلع الخفين بعد المسح عليهما، فلا يتوضأ ولا يغسل قدميه، واختاره ابن المنذر؛ لأنه أزال الممسوح عليه بعد كمال الطهارة، أشبه ما لو حلق رأسه بعد مسحه، ونحوه قول داود، فإنه قال: ينزع خفيه ويصلي حتى يحدث؛ لأن الطهارة لا تبطل إلا بالحدث، والخلع ليس بحدث. وقال في "الاختيارات": ولا ينتقض وضوء الماسح على الخف والعمامة بنزعهما ولا بانقضاء المدة، ولا يجب عليه مسح رأسه، ولا غسل قدميه، وهو مذهب الحسن البصري؛ كإزالة الشعر الممسوح على الصحيح من مذهب أحمد وقول الجمهور أ. هـ. وقد تبين مما تقدم أن في المسألة ثلاثة أقوال: الأول: بطلان الوضوء بخلع الخفين والعمامة بعد المسح عليهما مطلقاً، وكذا بطلانه بانقضاء المدة. الثاني: أنه لا يبطل، لكن عليه أن يغسل قدميه، أو يمسح رأسه. الثالث: أن الوضوء لا يبطل في الحالين بل يستمر على طهارته حتى ينتقض الوضوء. والقول الأول هو المشهور عن أحمد، وقدمه أكثر الفقهاء في مؤلفاتهم، كما في "الإنصاف" وعللوا بما تقدم عن "الشرح الكبير" بأن المسح مؤقت، فبانقضاء مدته يبطل أثره، فكأنه لم يغسل قدميه حيث انتهت مدة المسح المحدد ومتى بطل المسح، بطل الوضوء كله، لاشتراط المولاة فيه، وهي منتفية لمن اقتصر على غسل قدميه بعد الوضوء بمدة طويلة يبست فيه أعضاؤه عادة. فعلى هذا لا بد من تجديد الوضوء بما فيه غسل القدمين.

стр. 39

فأما الرواية الثانية، وهي الاكتفاء بغسل القدمين، فهي لا تجوز إلا عند من لم يشترط الموالاة في الوضوء، والمشهور عند الإمام أحمد والفقهاء أن الموالاة ركن من أركان الوضوء، كما ذكر ذلك في موضعه. وأما قول الحسن وداود وما اختار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى من أن الطهارة باقية، حيث لم يحدث ما ينقضها، وحيث إن الحدث قد ارتفع، فلا يعود إلا بناقض من النواقض، وقالوا: إن انقضاء المدة أو خلع الخف لم يذكر مع نواقض الوضوء، وقاسوا ذلك على حلق الشعر بعد مسحه فأرى أن هذا فيه تساهل كثير، وذلك أن النبي ﷺ حدد صلاحية هذا المسح بيوم وليلة، فهو دليل على انتهاء الصلاحية بعد انقضاء المدة، أو بعد الخلع وبقاء القدمين مكشوفين، فإن الرخصة إنما ثبتت لحاجته إلى اللبس للتدفئة، فبخلعها يتضح عدم الحاجة إليهما، فتنتفي الرخصة. وأما حلق الشعر بعد مسحه، فلا يشبه خلع الخف، فإن الشعر من جملة البدن ملتصق بالرأس، ولا يتمكن من مسح ما تحته مع بقائه، ولا يتمكن من إعادته بعد حلقه، بخلاف الخف؛ فإنه يخلع ثم يلبس، وهو شبيه بالعمامة أو الجبيرة ونحوها مما يلبس ويخلع. وبهذا يتضح ترجح القول الأول، وهو بطلان الطهارة بانتهاء المدة أو بالخلع، ومن اختار غير ذلك فله الاجتهاد، والله أعلم. وانظر تعليق سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز على حلق الرأس بعد مسحه في فتح الباري (ج١، صـ٣١٠) .

стр. 40

السؤال:- إذا صلى الإنسان، ثم تبين له أنه مسح وصلى بعد انتهاء مدة المسح، فما الحكم؟ الجواب:- يلزمه والحال هذه إعادة الطهارة مع غسل القدمين وإعادة الصلاة؛ فإنه يعد قد صلى بغير طهارة؛ لأن مسحه بعد انتهاء المدة زيادة على ما حدد له شرعاً، فلا يجزئ عنه المسح، وذلك لأن النبي ﷺ حدد يوماً وليلة للمقيم؛ لأن العادة أنه لا يتضرر بالخلع بعد هذه المدة، ولأن الأصل هو الغسل، فإذا وجد عذر البرد والثلج ونحوه رخص له في لبس هذه الحوائل، فيمسح عليها المدة التي تكفيه، فمتى زاد عليها، فقد تعدى ما حدد له، فلا بد أن يعيد الصلاة.
следующие страницы →