← Фатава

Фатава · id 4482

فتاوى الشيخ ابن جبرين

ابن جبرين

Полный текст (1 746 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

السؤال:- هل الكسوف والخسوف مؤقتان بوقت من الشهر بحيث يستدل بالكسوف على نهاية الشهر وبالخسوف على انتصاف الشهر؟ الجواب:- نعتقد أن ربنا -تعالى- على كل شيء قدير ويدخل في عموم القدرة حدوث الكسوف أو الخسوف في أي وقت وزمن لكن جرت سنة الله في هذا الكون أن الكسوف يكون في آخر الشهر، وأن سببه حيلولة القمر دون ضوء الشمس، أو بعضه فتظلم الأرض ويضعف ضوء الشمس؛ ولا شك أن ذلك من آيات الله ومن الدليل على أنه جعل هذه الشمس مضيئة وقدر على أن يغير ضوء الشمس أو يضعفه؛ فيتذكر العباد قدرة الرب وعظمته وكمال تصرفه فيخافونه أشد الخوف ويهرعون إليه، وهكذا جرت العادة في خسوف القمر أنه يكون في وسط الشهر بسبب حيلولة الأرض بينه وبين الشمس فيظلم القمر وينطمس نوره حيث إنه يكتسبه من الشمس، ومع ذلك فهو دليل على قدرة الرب وكمال تصرفه .

стр. 1472

السؤال:- تعددت الروايات في صفة صلاة النبي ﷺ لصلاة الكسوف مع أن الشمس كسفت مرة واحدة في حياته ﷺ فكيف ذلك؟ الجواب:- غالب الروايات على أنه صلاها ركعتين؛ في كل ركعة ركوعان وسجدتان، هكذا في صحيح مسلم (صحيح مسلم:٣/٢٨) وغيره عن عائشة وأختها أسماء وابن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الرحمن بن سمرة. وروى مسلم (صحيح مسلم:٣/٢٩) وغيره أنه صلاها ركعتين؛ في كل ركعة ثلاثة ركوعات وسجدتان كما في حديث ابن عباس وعائشة وجابر وروى مسلم (صحيح مسلم:٣/٣٤) . عن ابن عباس أنه صلاها ركعتين، في كل ركعة أربع ركعات وسجدتان، وروى علي مثل ذلك، وروى أبو داود (سنن أبي داود، ومعه كتاب معالم السنن للخطابي: ١/٦٩٩) أنه صلاها عشرة ركوعات وأربع سجدات مع أن أسانيدها صحيحة ثابتة معتمدة في كثير من الأبواب والأحكام. وقد ذهب بعض العلماء كشيخ الإسلام ابن تيمية إلى تخطئة الروايات التي فيها الزيادة على ركوعين حيث انفرد بها مسلم عن البخاري، وعلل بأن الكسوف لم يقع إلا مرة واحدة يوم مات إبراهيم ابن النبي ﷺ ، قال: ومعلوم أنه لم يمت موتتين، ولا كان هناك إبراهيمان، لكن نقول: إن تخطئة هؤلاء الرواة الثقات فتحٌ لباب الطعن في حديثهم، وردٌّ لكثير من الأحاديث التي تخالف المذاهب والآراء بحجة أنها خطأ وأن الراوي قد أخطأ في كذا وكذا مع أن هؤلاء الرواة محتج برواياتهم في الصحيحين، معتمدون في الكثير من الأحاديث التي تفردوا بها، فالأقرب أن يُحمل هذا الاختلاف على تعدد وقوع الكسوف والخسوف؛ فإن المعتاد وقوعهما في كل سنة مرة أو مراراً ومن المستبعد أن لا يقع الكسوف والخسوف في زمن النبوة عشر سنين سوى مرة واحدة، ويحمل ذكر إبراهيم في الروايات الأخرى على أنه سبق فهم أو خطأ من الراوي؛ فتخطئة أحدهم في كلمة أولى من رد عدة أحاديث، وعلى هذا فيجوز للإمام أن يصلي

стр. 1473

ثلاثة ركوعات أو أكثر في كل ركعة إذا علم أن مدة الكسوف سوف تطول، ويمكنه أن يطيل الصلاة ويكثر الركعات قبل التجلي أو رآه أخف على المأمومين من إطالة القيام وتقليل الركعات، والله أعلم.

стр. 1474

السؤال:- ما صفة صلاة الكسوف والخسوف؟ وهل القراءة فيهما بالنسبة للإمام سرية أو جهرية؟ الجواب:- هي كسائر الصلاة لا تصح إلا بطهارة كاملة، وبشروط الصلاة: من الإسلام، وإزالة النجاسة، وستر العورة، واستقبال القبلة؛ ولا بد فيها من التكبير والاستفتاح وسائر أعمال الصلاة، وفيها قراءة طويلة في القيام فيبدأ بقراءة الفاتحة جهراً ولو كان الكسوف نهاراً، ثم يفتتح سورة طويلة كالبقرة أو نحوها، ثم يركع ويطيل الركوع، ثم يرفع ويعيد القراءة للفاتحة ثم سورة أخرى أقصر من الأولى، ثم يركع ويطيل الركوع وهو دون الركوع الأول، ثم يرفع ويقول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد إلى آخره، ثم يسجد سجدتين بينهما جلسة يطيلهما، ثم يقوم فيقرأ الفاتحة وسورة أقصر من التي قبلها، ثم يركع دون الركوع الثاني في الركعة الأولى، ثم يرفع ويطيل القيام والقراءة بسورة دون السورة التي قبلها، ثم يركع دون الركوع الثالث، ثم يرفع، ثم يسجد سجدتين بينهما جلسة يطيلهما دون السجدتين في الركعة الأولى؛ فيكمل أربعة ركوعات وأربع سجدات، وإن أراد تكرار الركوع أكثر من ركوعين فله ذلك كما تقدم.

стр. 1475

السؤال:- هل تصليها النساء في المساجد أو في البيوت؟ الجواب:- ذكرت عائشة وأسماء وغيرهما أن النساء صلين في الكسوف مع النبي ﷺ ، قالت أسماء: فدخلت على عائشة وهي تصلي فقلت: ما شأن الناس يصلون؟ فأشارت برأسها إلى السماء، فقلت: آية؟ قالت: نعم، فأطال رسول الله ﷺ القيام جداً حتى تجلاّني الغَشْي فأخذت قربة من ماء إلى جنبي فجعلت أصب على رأسي أو على وجهي، وفي رواية: فجعلت أنظر إلى المرأة أسن مني وإلى الأخرى هي أسقم مني، وفي لفظ: ثم التفت إلى المرأة الضعيفة فأقول: هذه أضعف مني. رواه مسلم (صحيح مسلم:٣/٣٢-٣٣) وغيره، فدل على أن هناك نساء صلين في المسجد، ولكن إذا خشيت الفتنة أو كانت المرأة شابة يخاف أن تفتن الرجال أو متطيبة فلا يجوز لها حضور المسجد بل تصلي في بيتها سيما إذا كان هناك مجموعة من النساء وفيهن من تقرأ وتعرف الأحكام فتصلي بهن جماعة أو تعلمهن يصلين فرادى، والله أعلم.

стр. 1476

السؤال:- هل لصلاة الكسوف والخسوف خطبة؟ الجواب:- وقع في حديث عائشة عند مسلم (صحيح مسلم:٣/٢٧) وغيره: ثم انصرف رسول الله ﷺ وقد تجلت الشمس فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "إن الشمس والقمر من آيات الله، وإنهما لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما فكبروا وادعوا الله وصلوا وتصدقوا يا أمة محمد إنْ مِنْ أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته، يا أمة محمد، والله لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيراً ولضحكتم قليلاً، ألا هل بلغت" وفي رواية: وانجلت الشمس قبل أن ينصرف، ثم قام فخطب الناس فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما فافزعوا إلى الصلاة" وقال أيضاً: "فصلوا حتى يفرج الله عنكم" وقال رسول الله ﷺ : "رأيت في مقامي هذا كل شيء وعدتم حتى لقد رأيتني أريد أن آخذ قطفاً من الجنة حين رأيتموني جعلت أقدم، ولقد رأيت جهنم يحطم بعضها بعضاً حين رأيتموني تأخرت، ورأيت فيها ابن لحي وهو الذي سيب السوائب" وفي رواية: "إني قد رأيتكم تفتنون في القبور كفتنة الدجال"، وفي حديث جابر في صحيح مسلم (صحيح مسلم:٣/٣٠) وغيره ثم قال: "إنه عرض عليّ كل شيء تولجونه؛ فعرضت علي الجنة حتى لو تناولت منها قطفاً لأخذته" أو قال: "تناولت منها قطفاً فقصرت يدي عنه؛ وعرضت علي النار فرأيت فيها امرأة من بني إسرائيل تعذب في هرة لها ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض، ورأيت أبا ثمامة عمرو بن مالك يجر قصبه في النار، وإنهم كانوا يقولون إن الشمس والقمر لا يخسفان إلا لموت عظيم، وإنهما آيتان من آيات الله يريكموهما، فإذا خسفا فصلوا حتى تنجلي" وفي رواية عنه قال: "ما من شيء توعدونه إلا قد رأيته في صلاتي هذه؛ لقد جيء بالنار وذلك حين رأيتموني تأخرت مخافة أن يصيبني من

стр. 1477

لفحها، وحتى رأيت فيها صاحب المحجن يجر قصبه في النار؛ كان يسرق الحاج بمحجنه فإن فطن له قال: إنما تعلق بمحجني، وإن غفل عنه ذهب به، ورأيت فيها صاحبة الهرة التي ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت جوعاً، ثم جيء بالجنة وذلكم حين رأيتموني تقدمت حتى قمت في مقامي، ولقد مددت يدي وأنا أريد أن أتناول من ثمرها لتنظروا إليه ثم بدا لي أن لا أفعل، فما من شيء توعدونه إلا قد رأيته في صلاتي هذه" وفي حديث أسماء بنت أبي بكر في الصحيحين (صحيح مسلم:٣/٣٢، وصحيح البخاري:٢/٤٦) قالت: فانصرف رسول الله ﷺ وقد تجلت الشمس فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أما بعد، ما من شيء لم أكن رأيته إلا قد رأيته في مقامي هذا حتى الجنة والنار، وأنه قد أوحي إليّ أنكم تفتنون في القبور قريباً من فتنة المسيح الدجال؛ فيؤتي أحدكم فيقال: ما علمك بهذا الرجل؟ فأما المؤمن فيقول: هو محمد رسول الله، جاءنا بالبينات والهدى فأجبنا وأطعنا، فيقال له: نَمْ، قد كنا نعلم أنك لتؤمن به فَنَمْ صالحاً؛ وأما المنافق فيقول: لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلت". ونحو ذلك من التعليمات التي ذكرت في هذه الأحاديث وفيها أنه خطب وأنه حمد الله وأثنى عليه وأنه أفادهم بهذه الفوائد نقل هذا بعضها وهذا بعضها، وقد استدل به على أن المصلي بالجماعة يخطبهم بما يفيدهم، وقيل: إنه لا يخطب وإنما يذكرهم ويعلمهم أحكام الكسوف وما حصل فيه، ويذكر بعض ما ذكره النبي ﷺ من هذه التعليمات وإن لم يصعد منبراً وإن لم يقف أمام المصلين كما في خطبة العيدين؛ فيحصل بذلك الإفادة والتعليم والتحذير من المعاصي ونحوها.

стр. 1478

السؤال:- هل يسن قراءة سورة معينة فيها (صلاة الكسوف والخسوف) ؟ الجواب:- لا أذكر في حديث صحيح تعيين سورة ورد ذكرها في هذه الصلاة، ومع كثرة من رواها من الصحابة لم يصرح أحد منهم بأنه قرأ سورة كذا وكذا، وقد ورد في حديث عائشة عند مسلم (صحيح مسلم:٣/٢٨) أن رسول الله ﷺ جهر في صلاة الكسوف بقراءته، وفي حديث ابن عباس في صحيح مسلم وغيره فقام قياماً طويلاً قدر نحو سورة البقرة ... إلخ. ولعله ﷺ قرأ عدة سور في هذه الصلاة فلم يحتج الناقل أن يذكر شيئاً منها واكتفوا بقولهم فقام قياماً طويلاً، وفي الثاني وهو دون القيام الأول دون أن يحتاج إلى ذكر السورة أو السور التي قرأ بها، فعلى هذا إذا قرأ في الأولى سورة البقرة قرأ في القيام سورة آل عمران فإنها دون البقرة، ثم في القيام الثاني سورة الأنعام، وفي الرابع سورة يونس أو نحو ذلك.

стр. 1479

السؤال:- إذا أدرك المصلي ركوعاً من ركعة فهل أدرك الركعة؟ الجواب:- معلوم أن الركوع ركن في كل صلاة، وحيث إن صلاة الكسوف يكرر فيها الركوع فالصحيح أن الركن هو الركوع الأول فما بعده يكون عبادة مضافة مؤكدة للأول، وعلى هذا فمن فاته الركوع الأول من الركعة الأولى قضى ركعة كاملة بركوعيها أو بركوعاتها إن زادت على اثنين، ومن فاته الركوع الأول من الركعة الثانية قضى الصلاة كلها ولا يعتد بما أدركه بعد الركوع الأول ولو كان قياماً وركوعاً وسجوداً حيث فاته الركن الموجود في كل الصلوات، والله أعلم.

стр. 1480

السؤال:- إذا زال الكسوف أو الخسوف وهو يصلي فماذا يفعل؟ الجواب:- لما كان الموجب للصلاة هو الخسوف فإذا زال السبب فلا بأس بإنهاء الصلاة؛ فله أن يخفف الأركان والصلاة وينهي ما بقي منها ثم يسلم ولا يقصر من الأركان؛ فإذا تجلت الشمس وهو في الركوع الأول من الركعة الثانية أتمه خفيفاً وأتم القيام الثاني والركوع الثاني والسجدتين وخفّفهما ومسلم، وهكذا.

стр. 1481

السؤال:- إذا انتهت الصلاة ومازال الكسوف أو الخسوف فما الحكم؟ الجواب:- لا يشرع تكرار الصلاة فيما أعلم، ولم أطلع على رواية فيها أنه أعاد الصلاة بعد ما سلم من الأول؛ وإنما في الروايات أنه أطال القراءة والركوع والأركان وانصرف وقد تجلت الشمس، ولعله ﷺ عرف بالوحي وقت التجلي فمدّ الصلاة بقدر الكسوف؛ وعلى هذا فإن كان الكسوف قد عم الشمس أو القمر فإنه سوف يطول زمانه فيشرع أن يطيل في الأركان بقدر مدة الكسوف، وإن كان الكسوف يسيراً خفف حتى ينصرف وقت التجلي، وإن كرر الصلاة مرتين فلا بأس لعموم قوله ﷺ : "فإذا رأيتموهما فكبروا وادعوا الله وصلوا وتصدقوا" (صحيح مسلم:٣/٢٧) وفي رواية: "فصلوا حتى يفرج الله عنكم" (صحيح مسلم:٣/٢٨) . وفي لفظ: "فاذكروا الله حتى ينجليا" رواه مسلم (صحيح مسلم:٣/٢٩) عن عائشة، وله في حديث: "فصلوا حتى تنجلي" (صحيح مسلم:٣/٣١) . فيدخل في ذلك إطالة الصلاة وتكرارها.

стр. 1482

السؤال:- إذا حدث الكسوف في وقت نهي فهل تقام الصلاة؟ الجواب:- نعم لأن الكسوف من أسباب إقامة الصلاة وفعلها؛ فإذا كسفت الشمس بعد العصر فإنهم يصلون حتى تنجلي أو تغرب عنهم، وإذا خسف القمر بعد الفجر فقيل إنهم يصلون ما لم تطلع الشمس وذلك لأنهم لا يزالون في حكم الليل، وقيل لا صلاة حيث إنه ذهب وقت الانتفاع به، أما إذا خسف بعد طلوع الشمس فلا صلاة مع أن ذلك لا يتصور عادة لما تقدم من أسباب الكسوف والخسوف.

стр. 1483

السؤال:- من فاتته صلاة الكسوف أو الخسوف فهل يقضيها بمفرده؟ الجواب:- لا مانع من أن يصلي ما تيسر له إن كان الكسوف باقياً؛ فيصلي منفرداً بقدر ما يشغل به بقية الوقت قبل التجلي، فإن تجلى الكسوف قبل أن يصلي فات وقته، وإن تجلى وهو في الصلاة خفف ما بقي وانصرف، وإن اقتصر على الذكر والاستغفار والقراءة كفاه ذلك كما لو انصرف المصلون قبل التجلي واشتغلوا بذكر الله ودعائه وتلاوة كتابه، والله أعلم. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم، كتبه عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين؛ عضو الإفتاء

стр. 1484

الثمرات الجنية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي رفع منزلة أهل العلم، فقال: ((يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات)) (المجادلة:١١) . والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله الطيبين، وأصحابه الكرام، حُماة السنة المقتدين، ومن تبعهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين. وبعد، فمما لا شك فيه ولا ريب أن أعظم وأفضل وأجل العلوم بعد القرآن الكريم علم السنة النبوية و "شرف العلوم يتفاوت بشرف مدلولها، وقدرها يعظم بعظم محصولها، ولا خلاف عند ذوي البصائر أن أجلها ما كانت الفائدة فيه أعم، والنفع فيه أتم، والسعادة باقتنائه أدوم، والإنسان بتحصيله ألزم، كعلم الشريعة الذي هو طريق السعداء إلى دار البقاء، ما سلكه أحد إلا اهتدى، ولا استمسك به من خاب، ولا تجنبه من رشد، فما أمنع جناب من احتمى بحماه، وأرغد مآب من ازدان بحُلاه" (جامع الأصول لابن الأثير ١/٣٦) .

стр. 1485

وإذا علمنا أن علم الحديث من العلوم الشرعية التي أمرنا بتعلمها وتعليمها "وجب الاعتناء به، والاهتمام بضبطه وحفظه، ولذلك يسر الله أولئك العلماء الأفاضل، والثقات الأماثل، والأعلام المشاهير، الذين حفظوا قوانينه، واحتاطوا فيه، فتناقلوه كابراً عن كابر، وأوصله كما سمعه أول إلى آخر، وحببه الله إليهم لحكمة حفظ دينه، وحراسة شريعته، فمازال هذا العلم من عهد الرسول صلوات الله وسلامه عليه والإسلام غض طري، والدين محكم الأساس قوي، أشرف العلوم وأجلها لدى الصحابة ﵃ والتابعين بعدهم وتابعي التابعين، خلفاً بعد سلف لا يشرف بينهم أحد بعد حفظ كتاب الله ، إلا بقدر ما يحفظ منه، ولا يعظم في النفوس إلا بحسب ما يسمع من الحديث عنه، فتوفرت الرغبات فيه، وانقطعت الهمم على تعلمه، حتى لقد كان أحدهم يرحل المراحل ذوات العدد، ويقطع الفيافي والمفاوز الخطيرة، ويجوب البلاد شرقاً وغرباً في طلب حديث واحد ليسمعه من روايه..." (جامع الأصول لابن الأثير ١/٣٩-٤٠) . وقد اعتنى أهل العلم في القديم والحديث بحفظ الأحاديث وروايتها، والعمل بها، وتدوينها في كتب أطلق عليها، سنن، ومسانيد، وصحاح، ومعاجم، وجوامع، ومشيخات، وأجزاء، وأمالي، ونحو ذلك. واهتموا كذلك بالرواة ومروياتهم من حيث القبول والرد، وقعدوا قواعد لنقد الرواة والروايات، وألفوا في علوم الحديث كالناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه، وأسباب ورود الحديث، والتصحيف والتحريف، والمؤتلف والمختلف، والمتفق، والمتفرق إلى غير ذلك من مباحث هذا العلم. ١- ويعتبر الإمام القاضي أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خالد الرّامَهُرْمُزي (٣٦٠هـ) أول من ألف في علوم الحديث في كتابه "المُحدث الفاصل بين الراوي والواعي" ولم يستوعب كل الأنواع.

стр. 1486

٢- ثم تلاه الحاكم أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن البيع النيسابوري (٤٠٥هـ) فألف "علوم الحديث" لكنه لم يهذب الأبحاث ولم يرتبها. ٣- ثم جاء الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني (٤٣٠هـ) فعمل على كتاب الحاكم مستخرجاً، وترك أشياء لم يذكرها فتداركها من جاء بعده من الأئمة. ٤- ثم صنف الحافظ الحجة أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي (٤٦٣هـ) كتاباً في قواعد الرواية سمّاه "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع". بل وقل فن من فنون الحديث النبوي إلا وألف فيه كتاباً حتى قال الحافظ أبو بكر بن نقطة: "كل من أنصف علم أن المحدثين بعد الخطيب عيال على كتبه". ٥- وألف القاضي عياض بن موسى اليحصبي (٥٤٤هـ) كتابه: "الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع" وهو كتاب فريد، مفيد جداً في بابه، واقتصر فيه على كيفية التحمل والآداء وما يتفرع عنها. ٦- وألف الإمام أبو حفص عمر بن عبد المجيد الميانجي (٥٨٠هـ) جزءاً مختصراً بعنوان "ما لا يسع المحدث جهله". ٧- ثم جاء الإمام الحافظ أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن الشهرزوري المعروف بابن الصلاح (٦٤٣هـ) فألف كتابه المشهور "علوم الحديث" والذي عُرف بـ "مقدمة ابن الصلاح". وقد اعتنى بكتب من سبقه من الأئمة خصوصاً الخطيب البغدادي، وكان يُملي على طلبته ما جمعه وهذبه، فجاء كتابه حافلاً مفيداً، لكن لم يرتبه ترتيباً مناسباً، ومع ذلك فيعتبر كتابه بحق عمدة لمن جاء بعده من العلماء ولذا اعتنى به الكثير ما بين شارح له أو ناظم أو مختصر أو مستدرك، فمن ذلك: ألفية الحديث للحافظ العراقي، وقد شرحها بنفسه، وشرحها الحافظ السخاوي بشرح مطول أسماه: "فتح المغيث". - واختصر المقدمة، الإمام النووي بكتابه: "التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير" وشرح التقريب الإمام السيوطي شرحاً وافياً في كتابه: "تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي".

стр. 1487

- وممن اختصر المقدمة الحافظ ابن كثير في كتابه "اختصار علوم الحديث" وقد شرحه العلامة أحمد شاكر في كتابه: "الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث". ومن المختصرين أيضاً القاضي بدر الدين ابن جماعة في كتابه "المنهل الروي في مختصر علوم الحديث النبوي". وكذلك البلقيني في كتابه: "محاسن الاصطلاح في تضمين كتاب ابن الصلاح"، والعراقي في كتابه "التقييد والإيضاح لما أطلق وأغلق من مقدمة ابن الصلاح". وأيضاً الإمام ابن الملقن في كتابه المقنع، وكذلك ابن حجر في كتابه: النكت، والطيبي في كتابه الخلاصة في أصول الحديث، وغير ذلك من المؤلفات التي تدل على أهمية كتاب ابن الصلاح. وتوالت بعد ذلك المؤلفات في علم مصطلح الحديث عموماً إما بالنظم أو النثر، ومن أفضل وأدق كتاب في هذا الباب: كتاب الحافظ ابن حجر: "نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر"، وشرحه "نزهة النظر" هذا الكتاب يعتبر من المختصرات المحررة: وإذا كانت مقدمة ابن الصلاح قد اعتنى بها الكثير، فإن النخبة ذاع صيتها وتلقفها طلاب العلم، واهتم بها العلماء أكثر من غيرها وكثرت شروحات الأئمة، وكثر النظم لها (انظر مقدمة الشيخ عبد الفتاح أبو غدة لكتاب قفو الأثر في صفو علوم الأثر لابن الحنبلي ص٢٤ فقد ذكر جملة من شروحات ونظم العلماء للنزهة) . وممن نظم في علم المصطلح الشيخ طه بن محمد ابن فتوح البيقوني كان حياً قبل ١٠٨٠هـ وهو نظم مشهور بديع امتاز بسلاسة الألفاظ وسهولة العبارة، إلا أنها مختصرة جداً اقتصر في نظمه على ذكر بعض مصطلحات الفن، ولو كانت شاملة لكفت الراغب في هذا العلم، وقد انتقد النظم في بعض المواضع، وقام بشرح البيقونية بعض أهل العلم من ذلك: ١- شرح العلامة عبد القادر بن جلال الدين المحلى كان حياً ١٠٦٥هـ المسمى: "فتح القادر المعين بشرح منظومة البيقوني في علم الحديث" وتوجد نسخة خطية محفوظة في جامعة الملك سعود برقم ٣٤٢.

стр. 1488

٢- "تلقيح الفكر بشرح منظومة الأثر" تصنيف العلامة أحمد بن محمد الحسيني الحمودي الحنفي ١٠٩٨هـ وتوجد نسخة خطية في جامعة الإمام محمد بن سعود برقم ٥٩٨. ٣- "شرح الزرقاني على المنظومة البيقونية في المصطلح" تصنيف العلامة محمد الزرقاني المالكي ١١٢٢هـ وشرحه مطبوع. ٤- "صفوة الملح بشرح منظوم البيقوني في فن المصطلح" تصنيف العلامة شمس الدين محمد بن محمد البديري الدمياطي المشهور -بابن الميت- ١١٤٠هـ. وتوجد نسخة خطية في دار الكتب المصرية برقم ٢٣٢٦٤ب، وأخرى برقم ٢٥٨٨٢ب، ونسخة ثالثة في المكتبات الوقفية بحلب وعنها مصورة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية برقم ٧٦٩٢ب. ٥- "حواشي على المنظومة البيقونية" تصنيف العلامة عبد الرحمن بن سليمان بن يحيى الأهدل ١٢٥٠هـ. وتوجد نسخة في جامعة الملك سعود برقم ٥٩٨ وأخرى برقم ١٤٠٤م (ص٢٩٣-٣٠٠) . وثالثة برقم ١٣٥١. ٦- "الدرة البهية في شرح المنظومة البيقونية" تصنيف العلامة محمد بدر الدين بن يوسف المدني الدمشقي ١٣٥٤هـ وتوجد نسخة في الخزانة العامة بالرباط، وعنها مصورة في جامعة الإمام محمد بن سعود برقم ٦٤٣٩ف. ٧- "النخبة النبهانية شرح المنظومة البيقونية". تصنيف الشيخ محمد بن خليفة بن حمد النبهاني ١٣٦٩هـ وهي مطبوعة. ٨- "التقريرات السنية شرح المنظومة البيقونية" تصنيف العلامة حسن بن محمد المشاط المكي ١٣٩٩هـ وقد طُبع مراراً. ٩- "شرح البيقونية في مصطلح الحديث". تصنيف العلامة محمد بن صالح بن عثيمين. وهو شرح لطيف مفيد للغاية، وقد طبع.

стр. 1489

٠١- وهناك شروح كثيرة على البيقونية غير ما ذكرناه، ولعل من أفضل شروحات هذه المنظومة شرح شيخنا العلامة عبد الله بن عبد الرحمن ابن جبرين حفظه الله تعالى -وهو هذا الشرح- ولقد امتاز شرح شيخنا بسهولته ووضوحه، وكثرة الأمثلة، والتعقبات المفيدة، وعدم التقيد بالمباحث التي اقتصر عليها الناظم، فنجد في هذا الشرح الماتع ذكر بعض أنواع مصطلح الحديث التي لم يرد ذكرها في النظم، على أن شيخنا -دعاه الله- لم يرد التوسع ولو فعل لكان هذا الشرح في مجلد كبير. وهذا الشرح عبارة عن درس ألقاه الشيخ لبعض الطلاب المبتدئين، وسُجل على أشرطة وقام بنقله أحد الإخوة الفضلاء -جزاه الله خيراً- ومن ثم عُرض على الشيخ وقام بمراجعته وتصحيحه وتعديله، وقد وفقني الله تعالى للعناية بهذا الشرح وخدمته، فلله الحمد والمنة، وقمت بتعليق بعض الفوائد الضرورية المهمة، ووضعت عناوين للرسالة إتماماً للفائدة، ونسأل الله العلي القدير أن يرزقنا علماً نافعاً وعملاً صالحاً متقبلاً، ونستغفره ونتوب إليه من جميع الذنوب والحمد لله رب العالمين. وكتب أبو أكثم سعد بن عبد الله سعد السعدان ١٣/١٠/١٤١٦هـ ص ب: ٨٦٦٦٢ الرياض: ١١٦٣٢ متن المنظومة البيقونية أَبدَأُ بِالْحَمْدِ مُصَلِّياً عـ ـ ـَلَى ... ... ... مُحَمَّدٍ خَيرِ نبيٍ أُرْسِلاَ وذِي مِنْ أَقْسَامِ الحَدِيثِ عِدَّة ... ... ... وكلُّ واحَدٍ أتى وحَدّهْ أَوَّلُها الصَّحيحُ وهْوَ ما اتَّصلْ ... ... ... إِسْنَادُه وَلَم يُشَذَّ أَوْ يُعَلّ يرْوِيهِ عَدْلٌ ضَابطٌ عَنْ مِثلهِ ... ... ... مُعْتمَدٌ في ضَبْطِهِ وَنقْلِهِ والحَسَنُ المعْرُوفُ طُرْقاً وغدتْ ... ... ... رجَالهُ لا كالصّحيح اشتهرتْ

стр. 1490

وكلُّ ما عَن رُتْبَةِ الحُسْنِ قَصُر ... ... ... فهو الضّعِيفُ وهْوَ أَقْسَاماً كُثرْ وَمَا أُضِيفَ لِلنَّبيِ المرْفوعُ ... ... ... وَمَا لِتابعٍ هوَ المقطوعُ وَالمُسْنَدُ المتَّصلُ الإِسنادِ مِن ... ... ... رَاويهِ حَتى المُصْطفى وَلَمْ يَبنْ وَمَا بِسَمْع كلِّ رَاوٍ يتَّصِل ... ... ... إسنادُه لِلمصطفى فالمتَّصِلْ مُسَلسلٌ قلْ ما عَلى وَصفٍ أَتى ... ... ... مِثْلُ أَمَا وَاللهِ أَنبانِي الفَتى كَذَاكَ قَد حَدَّثنيهِ قَائِماً ... ... ... أَوْ بَعْدَ أَنْ حدَّثني تبسَّما عَزيزُ مَروي اثنين أَوْ ثلاثهْ ... ... ... مشهورُ مَرْوي فوقَ ما ثلاثهْ مُعنَعنٌ كَعنْ سعيدٍ عن كَرَم ... ... ... وَمُبْهَمٌ مَا فِيهِ رَاوٍ لَمْ يُسم وكُلُّ مَا قَلَّتْ رِجَالُه عَلا ... ... ... وَضِدُّهُ ذَاكَ الذِي قدْ نَزَلا وَمَأ أَضفتَهُ إلى الأَصْحاَبِ مِنْ ... ... ... قَوْلٍ وَفِعلٍ فَهْوَ موقوفٌ زُكِن وَمُرْسلٌ مِنهْ الصّحَابيُّ سَقَطْ ... ... ... وقلْ غريبٌ ما روَى راوٍ فقط ْوَكُلُّ مَا لَمْ يَتَّصِلْ بِحَال ... ... ... إِسْنَادُهُ مُنقطِعُ الأَوْصَالِ وَالمُعْضَلُ السَّاقِطُ مِنْهُ اثنَانِ ... ... ... وَما أَتى مُدَلَّساً نوعانِ الأَوَّلُ الإِسْقَاطُ للشيخِ وأَنْ ... ... ... يَنقُلَ عمَّنْ فوْقَهُ بعَن وأَنْ والثّانِ لا يُسقطهُ لكن يَصِفْ ... ... ... أوْصَافهُ بِما بِه لا يَنْعَرِف ومَا يُخالِفُ ثقةٌ فِيهِ الملا ... ... ... فالشْاذُّ والمقلوبُ قِسمانِ تَلا

стр. 1491

إبدالُ رَاوٍ مّا بِرَاوٍ قِسْمُ ... ... ... وقَلْبُ إِسْنَادٍ لِمتنٍ قِسْمُ وَالفَرْدُ ما قيّدْتَهُ بِثَقَةٍ ... ... ... أَوْ جمْعٍ أَوْ قْصرٍ على رِوَاية وَما بِعٍلةٍ غُموضٍ أَوْ خفَا ... ... ... مَعَلَّلٌ عِندَهُمُ قَدْ عُرِفَا وَذُو اخْتِلافِ سندٍ أَوْ مَتنِ ... ... ... مُضطَرِبٌ عِنْدَ أُهيلِ الفَنِّ وِالمُدرَجاتُ في الحديثِ ما أَتتْ ... ... ... منْ بعضِ أَلفاظِ الرُّواةِ اتصلتْ وَما رَوى كلُّ قرينٍ عن أَخِهْ ... ... ... مُدبَّجٌ فاعرِفهُ حَقاً وانتَخِهُ مُتَّفِقٌ لفْظاً وَخَطَّا مُتفِقْ ... ... ... وضدُّهُ مختِلفٌ فاخْشَ الغلَطْ والمنكرُ الفرْدٌ به راوٍ غدا ... ... ... تعْدِيلُهُ لا يحمِلُ التُّفرُّدَا متروكُهُ ما واحدٌ به انفرَدْ ... ... ... وأَجمَعُوا لضِعفهِ فهوَ كَرَدْ والكذِبُ المُخْتَلقُ المصنُوعٌ ... ... ... عَلَى النبيِ فذلِكَ الموْضوعُ وقدْ أَتتْ كالجَوْهَرِ المكْونِ ... ... ... سمّيتٌها مَنظُومَةَ البَيْقوني فوقَ الثلاثينَ بأَربَعٍ أَتت ... ... ... أَبياتُها ثمَّ بخَير خُتِمَتْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلاَّ على الظالمين، وأَشهدُ أَن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الصادق الأمين صلى الله عليه وعلى آله وصبحه والتابعين. وبعد: فهذه منظومة في مصطلح الحديث، اقتصرَ فيها الناظم على مجرد التعريف، واختصر كثيراً من التعاريف، واقتصر على المهم من اصطلاحات المحدِّثين، ولم يتوسَّع في ذكر كل المصطلحات، وإِنَّما ذكرَ البعض دون الكل.

стр. 1492

وقد كنتُ شرحت المنظومة البيقونية في مصطلح الحديث قبل نحو عشرين عاماً لبعض الطلاَّب المبتدئين، وتوسعت في شرح الأبيات، وأكثرت من ذكر الأمثلة، حيث إنها اصطلاحات عرفية لا تظهر من السياق ولا من الأَصل اللغوي، ثم إن بعض التلاميذ سجلها وأفرغت وعرضت عليَّ فقمت بتصحيحها وإدخال بعض التعديلات عليها وأذنت بطبعها، حيث لم يشتهر شيء من الشروح المبسطة على هذه المنظومة إلاَّ أَن يكون بعيداً لم أطلع عليه. فهذا الشرح صدرَ ارتجالاً بناء على المفهوم المعروف من الفن في كتب المصطلح، فللقارئ غُنْمه، وعلى الكاتب غُرْمه، وهو جهد المقل، وقدرة المفلس. والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. قاله: عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين عضو الإفتاء ٥/١٠/١٤١٥. قال الناظم: أبدأ بِالْحَمْدِ مُصَلَّياً عَلَى ... ... ... مُحَمَّدٍ خَيرِ نبي أُرْسِلاَ معنى الحمد: بَدأ بالحمد اقتداء بالكتاب العزيز، كتاب الله، حيث بُدِئ بالحمد؛ لأَن الله هو المستحقّ للحمد وحده (والحمد) : ذكرُ محاسن المحمود مع حبه وتعظيمه وإجلاله، هذا تعريفٌ لبعض العلماء، وبعضهم قال: (الحمد) فعلٌ يُنبئ عن تعظيم المُنعم بسبب كونه منعماً على الحامد وغيره، والله تعالى هو المستحق للحمد، ويُحْمَدُ على صفاته، فتَحمدُه لأنه الواحد الأحد؛ ولأنه متصف بصفات الكمال ونحوها، وتحمده على تصرفاته، وتحمده لأنه الذي سخَّر الشمس والقمر، وسخر لنا النجوم مسخرات، وخلق وقدر، وأنه الذي يحيي ويميت ويفعل ما يشاء، وتحمده على عطائه وفضله؛ لأنه الذي أعطى وتفضل، وأغنى الإنسان، وأتم عليه نعمته، وآتاه من كل ما سأل، وخلقه في أحسن تقويم، وما أشبه ذلك، فيحمد على كل حال كما يحمد على ما قدره وما قضاه، حتى يحمده على المصائب والآفات والعاهات التي تصيب الإنسان؛ لأن الله ما أوقعها وأحدثها إلا لمصلحة كالتفكر والاختبار والعبرة.

стр. 1493

معنى الصلاة على النبي ﷺ : قوله: (مصلياً يعني: حالَ كوني مصلِّياً على النبي، والصلاة من الله ثناؤه علىعبده في الملأ الأعلى، وقيل: الرحمة، والصلاة من الملائكة الاستغفار، والصلاة من الآدميين الدعاء. وأصل الصلاة لغة: الدعاء قال تعالى: (وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم) (التوبة:١٠٣) ، يعني: دعاءك، والمعنى في قوله: (صلوا عليه وسلموا) (الأحزاب:٥٦) ، يعني: ادعوا الله له على ما بذل لكم من النصح والتوجيه، والإرشاد. الفرق بين النبي والرسول: ووصَفَه بقوله: (خير نبيٍ أُرسلا) ليجمع بين كونه نبياً ومرسلاً، فإنه ليس كل نبي رسولاً. والنبي مشتق من النبأ وهو الخبر؛ لأنه جاء بخبر من الله، أو من النبوة وهي الارتفاع؛ لأن الله رفع قدره، قال تعالى: (ورفعنا لك ذكرك) (الانشراح:٤) . والرسول هو: الذي يحمل الرسالة من قومٍ إلى قوم. والفرق بين النبي والرسول: أن النبي من كلف ولم يؤمر بالتبليغ، والرسول من كلف وأمر بالتبليغ، يعني كٌلف بالتبليغت وألزم به، ودعا قومه ونجا من أطاعه، وهلك من عصاه، هذا هو الرسول. قوله: (وذي من أقسام الحديث عِدَّه) يعني بأقسام الحديث مصطلحات المحدِّثين، وإلا فالحديث قسمان: صحيح، وضعيف، ولكن البقية مصطلحات (وكلُّ واحدٍ أتى وحده) يعني: كل قسم، أو كل نوع أتى، وأتى بعده حده، يعني تعريفه. فذكر الصحيح وتعريفه، وذكر الحسن وتعريفه إلى آخره، وبدأ بالصحيح. أوَّلٌها الصحٍحٌ وَهُوَ ما اتَّصَلَ ... ... ... إِسْنَادُه وَلَم يُشَذَّ أَوْ يُعلّ الحديث الصحيح: قوله: (أولها الصحيحُ وهو ما اتّصل ... إسناده) . الصحيح: مشتق من الصحة، وهي ضد البطلان، والصحيح بمعنى الثابت، صح الشيء يعني: ثبت وتحقق، وصح الحديث، يعني: ثبت نقله واعتمد ووثق به. تعريفه:

стр. 1494

والحديث الصحيح هو: ما رواه عدلٌ ضابطٌ مُعتَمدٌ في ضَبْطِه ونَقْلِه، واتّصلَ إسناده دون أن يكون فيه انقطاع، وسلم من العلة والشذوذ. شروط الحديث الصحيح: فشروطه: أولاً: اتصال السند. ثانياً: عدالة الراوي. ثالثاً: تمام ضبط الراوي. رابعاً: السلامة من العلة. خامساً: السلامة من الشذوذ. أي لابد للحديث الصحيح من هذه الضوابط. تعريف السند: والسند هو: رجال الحديث، أي: سلسلة الرجال الموصلة للمتن، ومعنى اتصال السند: كون هذا يرويه عن هذا وقد لقيه، وهذا يرويه عن هذا وقد لقيه، وهذا يرويه عن هذا وقد لقيه، إلى أن يأتي إلى الصحابي الذي سمعه من الرسول ﷺ . محترزات الحديث الصحيح: قوله: (ما اتصل إسناده) يَخرج ماذا؟ يخرج الانقطاع، وسيأتينا أمثلة للانقطاع. والمنقطع: (منه) ما سقط من أوله واحد أو أكثر، ويسمى معلقاً. (ومنه) ما سقط من آخر الإسناد، ويسمى مرسلاً. (ومنه) ما سقط من وسطه اثنان متواليان، ويسمى معضلاً. (ومنه) ما سقط من وسطه واحد ويسمى منقطعاً، أو سقط من وسطه اثنان غير متواليين، ويسمى أيضاً منقطعاً.

стр. 1495

يعني: مثلاً الراوي الأول سمعه من شيخ أسقطه، ورواه عن شيخ شيخه، وهو لم يلقه أو لم يسمعه منه فأصبح بينه وبينه فجوة، فيقال هذا الإسناد منقطع، أي: كيف يرويه هذا عن هذا وهو ما لقيه، فلابد أن يرويه واحد عن واحد قد لقيه، والثاني عن ثالث قد لقيه، والثالث عن رابع قد لقيه، إلى أن يتصل بالصحابي. فمثلاً إذا قال الإمام مسلم: حدّثنا قتيبة بن سعيد، حدّثنا إسماعيل بن جعفر، حدّثنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر. تحققنا أن مسلماً قد روى عن قتيبة، وهو أحد مشايخه الذين أدركهم، وتحققنا أن قتيبة روى عن إسماعيل، وأن إسماعيل أدرك ابن دينار، وأخذ عنه، وأن ابن دينار أدرك ابن عمر وروى عنه، فالإسناد هنا متصل لذلك نقول: قد اتصل الإسناد، وهكذا إذا قال: حدثني عبد الملك بن شعيب بن الليث قال حدثني أبي شعيب قال حدثني جدي الليث بن سعد (الإمام المشهور، قال: حدثنا بكير بن الأشج، عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة، تحققنا أن عبد الملك قد روى عن أبيه شعيب، وأن شعيباً أدرك أباه الليث، وأن الليث روى عن بكير، وأن بكيراً روى عن سهيل، إلى آخر ذلك، فنقول: هذا إسناد متصل. لكن لو رواه عبد الملك بن شعيب عن جده الليث وهو ما أدركه أصبح منقطعا ولو رواه عبد الملك عن بكير بن الأشج وأسقط أباه وجَده فهذا نسميه معضلاً، حيث سقط فيه اثنان متواليان، وهكذا، ومثل هذا يكون ضعيفاً لا يُعمل به حتى يأتي من طريق أخرى متصلاً. الحديث الشاذ: ثم قال: (ولم يشذَ أو يعل) .

стр. 1496

(الشذوذ) مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه أو أكثر منه عدداً، فإنّ هذا يُعدُّ حديثاً شاذاً فلا يقبل، فإذا اتفق الرواة على رواية حديث، ثم رأينا واحداً منهم وكان ثقة قد خالف هذا الجمع الكثير، وأتى بزيادة كلمة انفراد بها، عرفنا أن هذا شاذ، ونقول: إنَّ هذه الزيادة شاذة، فلا تقبل لِعلة احتمال الخطأ، أو لانفراد واحد عن جمع، ومُثّل لذلك بحديث المغيرة في مسح النبي ﷺ على الخفين. حيث رواه عن المغيرة نحو عشرين روايا كلهم قالوا: مسح على الخفين: وأنفرد واحد يُقال له: أبو قيس، عن هُزيل بن شرحبيل عن المغيرة فقال: مسح على الجوربين والنعلين. فنقول: هذه الرواية راويها عدل وإن كان أبو قيس فيه مقال، كما قال مسلم في التمييز صـ٢٠٣. وإسنادها متصل، لكنها شاذة، والشذوذ ضعف، فلا يسمى هذا حديثاً صحيحاً، بل يسمى إسناده صحيحاً ولكنه شاذ، قد خالف فيه الثقة من هو أكثر منه وأوثق وأضبط، وأكثر ملازمة وما أشبه ذلك. الحديث المعلول:

стр. 1497

وكذلك السلامة من العلة، والمعلول هو: ما فيه علة خفية قادحة، فقد يطلع أحد العلماء على خطأ من أحد الرواة، كأن يقلب الحديث، أو يرويه بالمعنى، أو يرفعه وهو موقوف، أو يصله وهو منقطع أو ما أشبه ذلك فيطلع النقاد من أهل الحديث على أن فيه علة، وأنها قد خفيت على أكثر المحدثين، لكون ظاهر الإسناد الصحة، ولكن بالتتبع وبمقابلته بالأحاديث الأخرى وجد أن فيه علة خفية قادحة، ويسمى هذا بالمعلول، وقد ألف فيه تآليف كثيرة، مثل كتاب (العلل) لابن أبي حاتم في مجلدين بلغت أحاديثه التي فيها علل ألفين وثمانمائة وأربعين حديثاً، رتبها على ترتيب أحاديث الأحكام من الطهارة إلى آخره، مقتصراً على الأحاديث التي فيها علل، ويعتمد غالباً في أخذ العلة على أبيه؛ لأنه كان من فرسان المحدثين، وعلى ابن عم أبيه وهو أبو زرعة الرازي، وكان من أهل العلم بالرجال، ومن أهل العلم بالعلل، وقد أكثر فيه من الأمثلة، وتوسع حتى أدخل أحاديث صحيحة علتها تكون بنسبة يسيرة. ومثله وأوسع منه (العلل) للدارقطني فإنه قد توسع حتى علل أحاديث موجودة في الصحيحين، أو في أحدهما! وكتابه أوسع من غيره، وقد طُبع منه عشرة أجزاء وفيها ٢٠٨٣ حديثاً. وبالجملة قلَّ أن يكون الإنسان راوياً للكثير إلا ويقع في شيء من الخطأ، فيعتبره بعض الناس حديثاً صحيحاً. وهو خطأ. يرْوِيهِ عَدْلُ ضَابطٌ عَنْ مِثلهِ ... ... ... مُعْتمَدٌ في ضَبْطِهِ ونقْلِهِ تعريف العدالة: قوله: (يرويه عدل ضابط عن مثله) العدل الضابط المراد به الراوي، ولابد في الراوي من وصفين: العدالة، والضبط. والعدالة ما هي؟ معلوم أنها تشترط العدالة في الشاهد مثلاً في المحاكم لقوله تعالى: (وأشهدوا ذوي عدلٍ منكم) (الطلاق:٢) . فكذلك العدالة في رواي الحديث، أي: لابد فيه من اعتبار العدالة.

стр. 1498

وقد تكلم الفقهاء في العدالة في الشهود، وذكروا ما يقدح في عدالة الشاهد، وما يخرجه من سمة العدالة، وقالوا: العدالة هي: أولاً: فعل الواجبات وترك المحرمات. ثانياً: المحافظة على الشِّيم والأَخلاق. ثالثاً: فعل المُروءات. والمروءة هي: أن يفعل كل ما يُجَمِّل ويُزين، ويترك ما يُدنس ويشين، فهذا هو العدل، وتفصيل ذلك طويل، وقد توسعوا فيه في كتب الفقه في كتاب الشهادات، وذكروا أمثلة مما يقدح في عدالة الشاهد، حتى أوصلها بعضهم إلى مائة قادح أو أكثر، حتى قدحوا في شهادة من يأكل في الأسواق، أو يمشي كاشفاً لبعض عورته كفخذيه، أو يمد رجليه في المجالس، أو يضطجع أمام الناس ولا يبالي؛ لأن ذلك يدل على سخافته ودناءته، وعلى نذالة خلقه، وكذلك قدحوا في شهادة من يجاهر بالمعصية ويعلن بها ونحو ذلك، فكذلك يقدح في روايته. تعريف: الضبط (أما الضبط) فهو الحفظ، وذكروا أنه قسمان: (ضبط صدر) و (ضبط كتاب) . * تعريف ضبط الصدر:

стр. 1499

فضبط الصدر: أن يحفظ ما رواه: أي: إذا سَمِعَهُ حَفِظَه، أو ردده حتى يحفظه، وعلامة الحفظ: أن يأتي به كما سمعه وأن يستحضره كلما أراد الاستشهاد به فيسرده كما هو. وكان في الصحابة حفاظ، منهم: أبو هريرة ﵁ حافظ الصحابة، ومع ذلك كان يكرر الأحاديث، يبيت أول الليل يدرسها ويكررها ويرددها حتى لا ينساها؛ لأنه يُحدث من الذاكرة، ولم يكن يكتب، وهناك من يكتبها كعبد الله ابن عمرو بن العاص ﵁، فقد كتب صحيفة وسماها الصحيفة الصادقة، وتوارثها ولده بعده، إلى أن وصلت إلى عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، وكذلك في التابعين حفاظ، منهم من يحفظ الحديث أو القصة، أو القصيدة عندما يسمعها، وقد روي عن الشعبي عامر بن شراحيل التابعي المشهور أنه قال: (ما كتبت سوداء في بيضاء) مع كثرة أحاديثه، وكثرة ما يحفظه من القصص والأخبار، والقصائد والأشعار، ونحو ذلك، ومع ذلك لم يكن يكتب، بل كان يعتمد على الحفظ، وأن بعضهم لم يكن يطلب من المحدث أن يعيد شيئاً بل متى سمع الشيء حفظه لأول مرة ولو لم يتكرر، حتى أن بعضهم كان إذا مر باللهو أو بالكلام الباطل، والقصص الخرافية ونحوها يسد أذنيه، مخافة أن يدخل فيها شيء باطل فيبقى في ذهنه، فهو يحب أن تكون محفوظاته خالية من الأشياء التي لا فائدة فيها، وهذا هو: ضبط الصدر. * تعريف ضبط الكتاب: وأما ضبط الكتاب: فكونه إذا سمع الشيء دونه وكتبه، وحفظ كتابه في صندوقه أو في يده، مخافة أن يطلع عليه سفيه فيزيد فيه أو ينقص منه، أو ما أشبه ذلك، فإن هذا ونحوه قدح في الضبط، بخلاف ما إذا حفظ كتابه فإنه يؤدي منه متى أراد، بدون أن يحصل فيه تغيير أو نقص، ولهذا قال الناظم في ذلك الراوي: (معتمد في ضبطه ونقله) يعني معتمد عليه، ضابط لما يسمعه ولما ينقله، وسبب الاعتماد الحفظ والأهلية. أقسام الحديث الصحيح:

стр. 1500

أقسام الحديث الصحيح كثيرة، أرفعها ما اتفق عليه البخاري ومسلم، ثم بعده ما كان في صحيح البخاري، ثم بعده ما كان في صحيح مسلم دون البخاري، ثم بعده ما كان على شرطهما وإن لم يروياه، ثم بعد ذلك ما كان على شرط البخاري وحده، ثم بعده ما كان على شرط مسلم وحده، ثم ما صح عند البقية من المحدثين وإن لم يكن على شرط أحد منهما. الحديث الحسن: قوله: (والحسن المعروف طرقاً) هنا عرَّف الحسن. يقول في تعريف الحديث الحسن: أنه ما غدت رجاله اشتهرت، لكنه نزل عن درجة الصحيح، وعرَّفه بأنه معروفة طرقه يعني أن أسانيده معروفة، وأن رجاله موثوقون، وأنه متصل، إلا أن رجاله وجملته ليسوا في الشهرة كرجال الصحيح، بل أقل منهم شهرة، فهو يُقبل ويُعمل به، ولكن منزلته دون منزلة الصحيح، لنزول درجة رجاله، فمن المعلوم أن رجال الحديث يتفاوتون في الثقة والحفظ، فمنهم: حفَّاظ نقَّاد، ومنهم: حفَّاظ يقعون في شيء من الوهم.

стр. 1501

وقد ذكر مسلم في مقدمة صحيحه أمثلة من هؤلاء وهؤلاء، فمثل للثقات العدول: بإسماعيل بن أبي خالد، ومنصور بن المعتمر، وسليمان الأعمش ومثلهم كثير كما للابن أمر وابن أبي ذئب وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وشعبة بن الحجاج، وأبي إسحاق السبيعي، وأمثالهم، فهؤلاء أئمة وحفاظ وعلماء، يحفظ أحدهم ما سمع غالباً، وقد اشتهروا بالنقل، وصار الناس يرجعون إليهم، وتتلمذ عليهم الخلق الكثير، فمثلاً تلامذة الزهري لا يكادون أن يحصوا كثرة لاشتهاره بالحفظ، ومثل تلامذة الأعمش سليمان بن مِهران أحد الحفاظ المشهورين كثيرون لاشتهاره فيما بينهم بالحفظ، وكذلك الذين اشتهروا بقوة الحفظ، كما ذكرنا أن الشعبي عامر بن شراحيل يقول: (ما كتبت سوداء في بيضاء) ، لقوة حفظه مع كثرة ما روى، فهو من الحفَّاظ المشهورين، فإذا جاءنا في رجال الحديث من هؤلاء الأئمة اعتبرناه من الصحيح! سواء كانوا من أهل العراق كشعبة، والثوري، والسبيعي، ونحوهم، أو من أهل الشام كالأوزاعي، أو من أهل مصر كالليث، أو من أهل مكة كابن عيينة، وعطاء بن أبي رباح، أو من أهل المدينة كالزهري ومالك وابن أبي ذئب ونحوهم، فنقول: هؤلاء رجال الصحيح، فمن نزل عن مرتبتهم وإن كان يشمله اسم الصدق والحفظ وكثرة الرواية، لكن يقع منه خطأ، وينسى أحياناً فهو الذي روايته في مرتبة الحسن. فمثلاً أبو صالح السمان أحد الحفاظ من تلاميذ أبي هريرة، نقله يعتبر في درجة الصحيح، وتلميذه ابنه سهيل كثير الرواية عن أبيه، لكنه يقع في أخطاء، ولأجل هذا احتج به مسلم دون البخاري، فروايته وحده تعتبر في مرتبة الحسن، وكذلك يمثل بسعيد بن أبي عروبة، وعطاء بن السائب، وليث بن أبي سليم، ويزيد بن أبي زياد، وأشباههم، هؤلاء يروون أحاديث، ولكن ليسوا في الترتيب في منزلة رجال الصحيح، فيعد تفردهم أو كون الحديث من رواية أحدهم هو الحسن، هذا معنى قوله: (وغدت رجاله لا كالصحيح) يعني اشتهرت لا كرجال الحديث الصحيح،

стр. 1502

بل دون رجال الصحيح في الشهرة. وقد عرفنا أن رجال الحسن يشملهم العدالة والضبط، إلا أن ضبطهم أقل من ضبط رجال الصحيح، وهذا هو الفرق بين الحديث الحسن والحديث الصحيح. معنى قولهم: حسن صحيح: واستشكلوا الجمع بين الحسن والصحيح، كما يفعله الترمذي في قوله: هذا (حديث حسن صحيح) ، فما الجواب؟ فإن كونه صحيحاً يغني عن كونه حسناً؛ لأن الحسن أنزل من درجة الصحيح، فكيف يكون حسناً صحيحاً؟ لماذا لم يكتف بصحيح؟ أو لم يكتفِ بحسن، إن كان أنزل درجة من الصحيح؟ ولم يستعمل هذا غالباً إلا الترمذي، ولكن يظهر أن الترمذي لم يلتزم هذا الاصطلاح، وهو أن الصحيح رجاله هم الموثقون الحفاظ، والحسن رجاله هم الذين دون أولئك في الضبط، إنما أراد بقول: حسن صحيح. الوصف له بما يقتضي الصحة والعدالة والقبول، فيقول: حديث حسن صحيح، يعني أنه حسن من حيث مخرجه، وصحيح من حيث أصله، كأنه يصفه بما يؤكد قبوله، هذا هو المتبادر من فعل الترمذي. أما إذا قال: حديث حسن. فإنه كما ذكر أن الحسن هو ما عرف مخرجه واشتهرت رجاله، وروي له طريقان أو أكثر. أقسام الحديث الحسن: ثم يقسّمون الحسن أيضاً إلى قسمين: حسنٌ لذاته، وحسنٌ لغيره، كما أن الصحيح ينقسم إلى قسمين: صحيح لذاته، وصحيح لغيره، والحسن لذاته هو: الذي له طريق واحد، ولكن رجاله موثقون، ثم قد يكون الحسن صحيحاً وذلك إذا تعددت طرق روايته، أي: روي عن طريقين أو أكثر، ولكن كل منهما رجاله كرجال الحسن، فيكون هذا الطريق حسناً لذاته، وهذا الطريق الثالث حسناً لذاته، وهذا الطريق حسن لذاته والمدار على الصحابي في الحديث الواحد، فنقول هذا هو الصحيح ولكن لا لذاته بل بالمجموع، ويسمى الصحيح لغيره، يعني أنه صحيح لشواهده ولكثرة طرقه، فإن كثرة الطرق تقويه، وتنقله من قوي إلى أقوى.

стр. 1503

أما الحسن لغيره فهو: الذي نزل عن درجة الحسن لما كان فرداً، ولكن بمجموع الطرق -وكلها لا تخلو من الضعف- يترقى إلى الحسن لا لذاته بل بالمجموع. المتابعات والشواهد: فعندنا مثلاً طريق ضعيف، وطريق آخر فيه ضعف، وطريق ثالث فيه ضعف، تجتمع هذه الطرق وتتقوى، ويكون حسناً لا لذاته بل بالمجموع، يعني أنه تقوّى بهذا وبهذا فأصبح حسناً لغيره؛ ولهذا يسمون الطرق متابعات وشواهد وإن لم يذكرها الناظم فقد ذكرها غيره. والمتابعات تكون في السند والشواهد تكون في المتن. فإذا كان الراوي يوافق غيره كان دليلاً على ثقته، وإذا كان ينفرد عن غيره كان دليلاً على ضعفه، وتسمى موافقته لغيره متابعة، فتجدهم إذا قرأت ترجمة أحد الرواة يقولون مثلاً في الكلام عليه: فلان ضعيف، لا يُتابع على أحاديثه، أو ينفرد عن الثقات بالمنكرات، أو ينفرد بالغرائب عن الثقات. أما الذي يتابع فإنه يدل على حفظه، فعندك مثلاً: الزهري له تلاميذ كثيرون، فإذا روى عنه ابن أخيه وهو محمد بن عبد الله حديثاً، ولم يروه غيره قلنا: هذا الحديث غريب، تفرد به ابن أخي الزهري عن عمه، ولو كان عند الزهري ما تركه بقية تلامذته، فدل على ضعف هذا الحديث حيث تفرد به ابن أخي الزهري، فإن وجدناه قد رواه يونس بن يزيد الأيلي أحد تلامذة الزهري، أو عقيل بن خالد أحد تلاميذه، أو شعيب بن أبي حمزة أحد تلامذة الزهري أو سفيان ابن عيينة، أو الثوري، أو معمر بن راشد، أو من أشبههم عرفنا أنه قد توبع، فقلنا: ابن أخي الزهري يتابع، تابعه فلان على حديثه، وتابعه معمر وهكذا. والحاصل أن الحسن لغيره هو: الضعيف الذي تتعدد طرقه. والصحيح لغيره هو: الحسن الذي تتعد طرقه. الضعيف الذي لا ينجبر:

стр. 1504

ثم إن هناك ضعفاً لا ينجبر، وهو أن يكون الرواةمتهمين بالكذب، مشهورين به، وقد تتعجب من توافق كثير من الروايات التي فيها ضعف، لكن لا غرابة، فإنهم قد يتفقون على الكذب فيجتمع مثلاً في مجلس واحد ثلاثة يختلقون حديثاً، ويقولون: نرويه عن فلان الثقة المعروف، فيتفرقون وكل منهم يحدِّث به، فيقول مثلاً: حدَّثني شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، عن سالم عن أبيه، فمثلاً عبد القدوس بن حبيب في الشام يقول: حدّثني شعيب، ثم يأتي أحد الكذابين في العراق كعمرو بن جميع ويقول: حدثني شعيب، ويأتي آخر في خراسان ويقول: حدثني شعيب، فإذا رأينا أن هذا الحديث قد توافقوا وتتابعوا على روايته عن شعيب تعجبنا حتى ليجزم بعضهم أن شعيباً حدَّث به، وإلا فكيف اتفق عليه راوي العراق، وراوي خراسان، وراوي الشام؟ والجواب: أنه لا عجب، فقد يجمعهم مجلس، ويتفقون فيه على اختلاق حديث، ويتفرقون ويروونه، وقد يسرقه بعضهم، كما تجد في تراجم بعض الرواة ذكر السرقة، يقال: فلان يسرق الأحاديث. أي أنه إذا سمع حديثاً ضعيفاً مروياً من طريق سرقه، وكتبه، ثم حدّث به من طريق ثانِ، فاختلق له طريقاً آخر، فيتعجب الذي يرى هذا مخرجاً من طريق، ثم يراه مخرجاً من طريق آخر، ويقول: كيف توافقت الرواة؟ يعني هذا: طريق كلهم مصريون، وله إسناد من طريق كلهم عراقيون، فنقول: لا غرابة في ذلك، فقد يكون الذي اختلقه لأول مرة هو المصري، ثم لما سمع به العراقي ركب له إسناداً، ليدعي أنه قوي.

стр. 1505

وقد يكتب بعضهم إلى بعض ممن يَروون الكذب، أو يرون جواز الكذب أو نحو ذلك، فإذاً قد يقع في روايات الضعفاء توافق، فلا تكون متابعة الضعيف شديد الضعف رافعة لضعف الحديث، ولا مسببة لنقله إلى مرتبة الحسن لغيره، وإنما الذي يرتقي إلى مرتبة الحسن إذا كان الضعف فيه ينجبر وذلك إذا كان الراوي غير متهم بالكذب. أما الضعف الذي لا ينجبر فلا يعني ما هو ضعيف بسبب رواة متهمين بالكذب، وقد عرف أن الراوي يطعن فيه فيُقال: كذَّاب. أو يُقال: متهم بالكذب، أو ما أشبه ذلك. فإذا كان الراوي غير متهم بالكذب، فضعفه ينجبر إذا روي عن طريق أُخرى، وأحاديث الكذَّابين تُتَجنَّب. وقد كُتبت في ذلك مؤلفات كثيرة ككتب الموضوعات، والقصد من كتابتها التحذير منها لكي يعرفها الناس ويحذروها ويتجنبوا روايتها، أو يتجنبوا تصديقها والعمل بها، فمنها: (كتاب الموضوعات) في أربعة مجلدات لابن الجوزي، يرويها بالأسانيد، ويقتصر على الأحاديث الموضوعة، وإن كان قد تساهل وأدخل في ذلك أشياء من الأحاديث التي فيها ضعف لا يصل إلى الوضع ومنها: (تنزيه الشريعة المرفوعة) لابن عراق في مجلدين، وهو من أوفى ما كتب في الموضوعات، وإذا كان رواة المتابعات كلها من المبتدعة، فإن الضعيف لا يترقى إلى الحسن؛ لأن كثيراً من المبتدعة يتساهلون في رواية الموضوع سيما إن كانت الأحاديث تؤيد بدعتهم، أو يرون وضع الأحاديث حسبة، تقوية لمذاهبهم ومعتقداتهم، وأكثر من يفعل ذلك الرافضة الذين امتلأت مؤلفاتهم بالأكاذيب التي يؤيدون بها مذهبهم. وكُلُّ ما عَن رُتْبَةِ الحُسْنِ قَصُر ... ... ... فهو الضّعِيفُ وهْوَ أَقْسَاماً كُثرْ الحديث الضعيف: قوله: (وكل ما عن رتبة الحسن قصر ... فهو الضعيف وهو أقساماً كَثُر) :

стр. 1506

معروفٌ أن الحديث صحيح، وحسن، وضعيف، ومنهم من يقول: صحيح وضعيف، ولكن الصحيح ينقسم إلى قسمين، صحيح قوي، وصحيح دونه في القوة وهو الحسن، فكل ما نزل عن مرتبة الحسن فهو الضعيف، وأقسامه كثيرة. فمنه: ما يسمى بالمنكر، والمنقطع، والمقلوب، والموضوع، ومنه يُطلق عليه اسم: الضعيف، ومنه ما يكون ضعفه بسبب في إسناده، كالمعضل، والمعلق، والمرسل والمدلس والمعنعن وما أشبه ذلك، كمما سيأتينا أمثلة لذلك. وَمَا أُضِيفَ لِلنَّبيِ المرْفوعُ ... ... ... وَمَا لِتابعٍ هوَ المقطوعُ الحديث المرفوع: قوله: (وما أضيف للنبي المرفوع ... وما لتابع هو المقطوع) الحديث المرفوع هو: ما ينتهي إسناده إلى النبي ﷺ من قوله أو فعله أو تقريره، وينقسم إلى مرفوع صريحاً، ومرفوع حكماً. فالمرفوع الصريح هو أن يُقال: قال رسول الله ﷺ ، أو فَعَلَ النبي ﷺ كذا، أو فُعِلَ بحضرة النبي ﷺ كذا، فهذا مرفوع صريحاً. أما المرفوع حكماً فهو كلام الصحابي الذي يتورع عن الجرأة في الدِّين، ولم يأخذ عن الإسرائيليات ونحوها، وتكلّم بما لا مجال للرأي فيه، فإن له حكم الرفع، حيث إنه لا يُقال مثل هذا بالرأي وعلى هذا تحمل كثير من أحاديث الصحابة الموقوفة فإن يوجد أحاديث موقوفة على الصحابة كعمر وعثمان وعلي، وابن عمر، وأنس وجابر ونحوهم، فهذه الآثار أقوال يقولونها وأفعال يفعلونها لها أحكام ولا يمكن أن يفعلوها من تلقاء أنفسهم، بل لابد أن يكونوا تلقوها عن نبيهم ﷺ سواء كانت في العبادات أو في المعاملات، وسواء كانت أفعالاً أو تروكاً، فإن لها حكم الرفع. الحديث الموقوف:

стр. 1507

وقد ألحق بذلك بعضُ العلماء ما كان عن التابعين، ولكن الصحيح أن التابعي ما وقف عليه، فهو أقل رتبة مما وقف على الصحابي، فالصحابي إذا انتهى إليه الإسناد فإنه يسمى موقوفاً، ولكن إن كان لا مجال للرأي فيه فهو مرفوع حكماً، وإن كان للرأي مجال فيه فهو موقوف أصلاً وفرعاً، أما إن انتهى إلى التابعي (وهو الذي رأى الصحابة) كسعيد بن المسيب، وقتادة، ويزيد بن أبي زياد، وليث بن أبي سليم، والزهري وأشباههم، فإن ما وقف عليه يسمى مقطوعاً. الحديث المقطوع: (وما لنابع هو المقطوع) يعني: ما وقف على التابعي وجعل من كلامه فإنه مقطوع، وقد دونت فتاواهم وأقوالهم، وما تركت تضيع، حتى ولو كانوا من التابعين؛ لأنهم تلامذة الصحابة، فاعتنى كثير من العلماء بأحاديث الرسول ﷺ المرفوعة ودوّنوها، كأهل السنن وأهل الصحيحين ونحوهم. وبعض العلماء الذين ألفوا في كتب الأحكام لم يقتصروا على المرفوع، بل ألحقوا به أقوال الصحابة وأقوال التابعين وأفعالهم واجتهاداتهم، ولو كان فيها شيء من الاختلاف، فإنها تدل على أن هذه المسألة فيها مجال للاجتهاد، وقد نجد اختلافاً عن بعض الصحابة فقد اختلفوا في المستحاضة كم تجلس؟ واختلفوا في من أتى حائضاً هل يكفر أم لا؟ واختلفوا في إزالة النجاسة بكم تزول؟ لكن هذا الاختلاف يدل على أن هذه الأمور فيها سعة، وأن فيها مجالاً للاجتهاد، وأنه ليس كل ما قالوه متحققاً عن الرسول ﷺ .

стр. 1508

فالحاصل أن ما أضيف إلى النبي ﷺ يسمى مرفوعاً، وما أضيف إلى الصحابي يسمى موقوفاً، وما أضيف إلى التابعي من كلامه أو فعله يسمى مقطوعاً، فإن المسألة إما أن يوجد فيها نص مرفوع، فحينئذ يستدل به وتطرح أقوال غير الرسول ﷺ ، وهذه طريقة الإمام أحمد، فإنه إذا وجد في الباب حديثاً لم يلتفت إلى غيره، وإذا لم يجد حديثاً ووجد فيها أثراً عن الصحابة تمسك به إذا لم يختلفوا، فإذا اختلف الصحابة اختار القول الذي فيه أحد الشيخين أبي بكر وعمر أو أحد الخلفاء، فإذا لم يجد عن الصحابة في المسألة شيئاً فإنه يذهب إلى أقوال التابعين؛ لأنهم تلامذة الصحابة، فإذا لم يجد فيها شيئاً اجتهد بنظره وأفتى بما يوجبه اجتهاده. وَالمُسْنَدُ المتَّصلُ الإِسنادِ مِن ... ... ... رَاويهِ حَى المُصْطفى وَلَمْ يَبنْ الحديث المسند: وقوله: (والمسند المتصل الإسناد من ... راويه حتى المصطفى) : اقتصر الناظم هنا على تعريف المصطلحات تعريفاً موجزاً، دون أن يذكر أكثر من تعريف، ودون أن يذكر شيئاً من الخلاف، أو كثرة الأقوال، وقد تقدم تعريف الحديث الصحيح، والحسن، والضعيف، والموقوف، والمرفوع، وذكر الناظم في هذا البيت تعريف المسند. فالمسند مشتق من الإسناد والإسناد هو سلسلة الرجال أي رجال الحديث، وسمي إسناداً لأن بعضهم يسنده عن الآخر وهذا يسنده عن الآخر، كأنه يبرأ من عهدته، إذا حدثك بهذا الحديث فإنه لا يتهم به، حيث إنه نقله عن شيخه فلان، فأسنده إليه وسلم من العهدة، وشيخه فلان أيضاً سلم من العهدة حيث أسنده إلى شيخ له، وهكذا كل واحد منهم يسنده إلى شيخه، إلى أن يصل بالنبي ﷺ فهذا هو المسند أي ما رُوي بالإسناد، بحيث أن كل راوٍ منهم ينقله عن الآخر، ورجال الحديث يسمون إسناداً. الإسناد المتصل:

стр. 1509

ويُقال: هذا إسناد صحيح، يعني رجاله موثقون، وقد عرفت أن الإسناد معناه إضافة الشيء إلى إنسان، تقول: فلان أسند هذا القول إلى فلان، يعني أضافه إليه، كأنه كان ملتصقاً به، ثم بعد ذلك اعتمد على غيره، واستند على سواه، فالإسناد هو رجال الحديث، بقطع النظر عن كونه فيه فجوات، أو ليس فيه فجوة، فإنه قد يسقط بعض رجاله وهو ما يسمى معلقاً أو معضلاً، أو منقطعاً أو مرسلاً، أو مدلساً، وذلك من العيوب التي يطعن بها في الحديث، فأما إذا اتصل رجال الإسناد فهو المتصل، إذا كان كل منهم قد روى هذا الحديث عن شيخ له قد سمعه منه، تقول: هذا إسناد متصل، وضده المنقطع، فالمتصل هو المتواصل، فأنت مثلاً إذا خططت خطوطاً في الأرض وتركت بينها فرجاً قيل: هذا خط متقطع، فإذا وصلت بينها أي: وصلت هذا وهذا، قيل: هذا خط متصل. ومثله خطوط الطرق للسيارات فالمتصل الذي يستمر من هذه البلدة إلى هذه البلدة، أي متواصل ليس فيه فجوات، أما إذا كان فيه فجوة ولو قدر ذراع، أو قدر عشرين باعاً أو مائة قيل: هذا خط منقطع، أو خط متقطع أي: فيه قطع، فالإسناد كذلك، كون كل من الرواة سمع من الآخر واتصل السماع واتصلت الرواية.

стр. 1510

ومثال ذلك: إن قال مسلم مثلاً: حدَّثنا محمد بن رافع (شيخ له قد لقيه وأخذ عنه كثيراً) ، وابن رافع قال حدثنا عبد الرزاق شيخ له قد لقيه وأخذ عنه كثيرا وعبد الرزاق قال: حّدثنا معمر (أحد مشايخ عبد الرزاق) ، ومعمر قال: حدَّثنا الزهري. وهو قد لقي الزهري وأخذ عنه، والزهري قال: حدثني سالم بن عبد الله، وهو من أشهر مشايخه، وسالم قال: حدثني عبد الله بن عمر، وهو أبوه الذي هو من أشهر تلاميذه من أولاده، نقول: هذا إسناد متصل، حيث إننا تحققنا أن كلاّ منهم قد لقي الآخر وقد حدث عنه، وهكذا سائر الأسانيد المتصلة، فإنها سميت متصلة لتلاقي كل من التلميذ وأستاذه، وكونه قد لقيه ويعرف أنه قد لقيه إما بإخباره، كأن يقول: لقيت فلاناً وأخذت عنه وإما بالإمكان بكونهما في بلد واحد، وقد عاش معه سنين، وهو يجمع الأحاديث، ويحرص على جمعها، لاسيّما كبار السن، فإنه والحالة هذه يكون إذا روى عنه يحمل على السماع، كذلك بالتحديث إذا كان مأموناً موثوقاً، وقال: حدثني فلان، عرفنا من ذلك أنه حدثه وسمعه منه، كذلك بالتصريح بالسماع، إذا قال: سمعته من فلان، فإنه يحمل على الاتصال فيكون إسناده متصلاً وهكذا يقال في بقية الأسانيد، فالإسناد المتصل هو المتواصل الذي ليس فيه اختلال، وضده المنقطع، والمنقطع هو الذي في إسناده سقوط واحد من الوسط، أو اثنين غير متواليين من الوسط، فإن سقط من وسطه اثنان أو أكثر على التوالي فإنه يسمى معضلاً. الحديث المعلق: فإن كان السقط من أوله وكان واحداً أو أكثر فيسمى معلقاً. كأن صاحب الكتاب علقه وهو يريد أن يتناوله ولا يقدر على الوصول إليه.
следующие страницы →