← Фатава

Фатава · id 4482

فتاوى الشيخ ابن جبرين

ابن جبرين

Полный текст (1 746 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

(المضطرب) هو الذي يقع فيه اختلاف في أَلفاظه، يقال: اضطرب الرواة في هذا الحديث، فرواه بعضهم كذا ورواه بعضهم كذا، ولم نستطع أن نرجح راوياً على راو، ويعد الاضطراب قادحاً في الحديث، مسبّباً اطِّرَاحه، ومثّلَ له ابن القيم بحديث أبي هريرة الذي في السنن والمسند في صفة الصلاة "إذا سجد أَحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه" وقال: إن هذا حديث مضطرب، رواه بعضهم "وليضع يديه قبل ركبتيه" ورواه بعضهم بالعكس "إذا سجد أَحدكم فليضع ركبتيه قبل يديه، ولا يبرك كبروك الفحل" وبعضهم حذف الجملة كلها واقتصر على فلا يبرك كبروك الفحل ولم يذكر اليدين والرجلين، وبعضهم رواه: "إذا سجد أحدكم فليضع يديه على ركبتيه" ولم يقل: قبل ركبتيه، وقال بعضهم: كالبعير يضع إلخ ذلك من الروايات، فجعل هذا اضطراباً يقدح به في الحديث. فالمضطرب ضعيف، حيث إننا لا ندري نأخذ بهذا أم بهذا أم بهذا، فيطرح الحديث فنقول: المضطرب هو: الذي يختلف فيه الرواة، فَيروُونه على وجوه مُحتَمِلة، فلا نرجح هذا على هذا، بل يُتَوَقَّفُ في قبوله كله، ويعدل إلى غيره، فإن كان أصل الحديث محفوظاً في الصحيحين مثلاً ثم حصل اضطراب فيما بعد في السند، أو في المتن، فإنه لا يضر، وأكثر ما يكون الاضطراب في السند، حيث يبدل راوٍ براو، ويوصل مرة ويقطع مرة، فيقال: هذا مضطرب السند، ولا يضر الاضطراب في الإسناد إن كان أصله محفوظاً، وحَدَثَ الاضطراب متأخراً. ثم قال الناظم ﵀: و (المُدرَجاتُ) في الحديثِ ما أَتتْ ... ... ... منْ بعضِ أَلفاظِ الرُّواةِ اتصلتْ وَما رَوى كلُّ قرينٍ عن أَخِهْ ... ... ... (مُدبَّجٌ) فاعرِفهُ حَقا وانتخِه مُتَّفِقٌ لفْظاً وَخَطّاً (مُتفِقْ) ... ... ... وضِدٌّهُ فيما ذَكرْنا (المفترِقْ)

стр. 1542

(مُؤتَلفٌ) مُتّفقُ الخطِّ فقَطْ ... ... ... وضِدُّهُ (مختلِفُ) فَ اخْش الغلَطْ (والمُنكَرُ) الفرْدُ بهِ راوٍ غدا ... ... ... تعُدِيلُهُ لا يَحْمِلُ التَّفرًّدَا (مَترُوكُهُ) ما واحِدٌ بهِ انْفَرَدْ ... ... ... وأَجْمَعُوا لِضَعْفهِ فهْوَ كَرَدّ والكَذِبُ المُخْتَلَقُ المصْنُوعُ ... ... ... عَلَى النَّبيِّ فَذلِك (الموْضوعُ) وقد أتتْ كالجَوْهَرِ الكْنُونِ ... ... ... سمَّيتُها منظُومَةَ البَيْقُوني فوقَ الثلاثينَ بأَربَعٍ أَتت ... ... ... أَبياتُها ثُمَّ بخَيرٍ خُتِمَت في هذه الأبيات تعريفُ أنواع من المصطلح فمنها (المدرج ومنها (المدبج) ومنها (المتفق والمفترق) ومنها (المؤتلف والمختلف) ومنها (المنكر) ومنها (المتروك) ومنها (الموضوع) . وَالمُدرَجاتُ في الحديثِ ما أَتتْ ... ... ... منْ بعضِ أَلفاظِ الرُّواةِ اتصلتْ الحديث المدرج: فقوله (والمدرجات في الحديث ما أتت من بعض ألفاظ الرواة اتصلت) :

стр. 1543

(المدرج) : هو ما أُضيف إلى الحديث من غيره، من كلام الرواة مما ليس بمرفوع، أُضيف للحديث، وجُعِل منه، وأُوهِم أَنه من الحديث، وليس منه، فيسمى مدرجاً، كأَنه أَدرجه في ضمن الحديث أحد الرواة، وقد يُعرَفُ المدرج بمجيئه من طريق أُخرى مصرَّحاً به، أو مجيء الحديث ناقصاً من طريق أُخرى ليست فيها تلك الزيادة، فيعرف أنه مدرج، أو كونه لا يليق بالنبي ﷺ ، ومن ذلك حديث رواه أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: (للعبد المملوكِ الصَّالحِ أجران) -والذي نفسي بيده لولا الجهاد في سبيل الله، والحج، وبرٌّ أُمي لأحببت أن أموت وأنا مملوك، فآخر الحديث يٌفهم منه أَنه ليس من قول الرسول ﷺ ؛ لأنه قال: وبر أُمي. فدلَّ على أَن هذا من كلام أبي هريرة، قال: لولا الجهاد في سبيل الله، والحج، وبر أمي لأحببت أنني مملوك - فآخر الحديث يسمى مدرجاً، مضافاً إلى الحديث وليس منه. وكذلك إذا كان أيضاً فيه نقص، مثل حديث ابن مسعود (الطِّيَرَةُ شِرْك، الطِّيرَةُ شرك) - وما منا إلا.... ولكن الله يذهبه بالتوكُّل - فآخره مدرج وهو قوله: وما منَّا إِلاَّ.. إلخ فليس هو من الحديث؛ لأنه معلوم أن الرسول ﷺ لا يقع في شيء من الطيرة مع كونها شركاً، فدل على أنه مدرج من كلام الراوي.

стр. 1544

وقد يكون الإدراج في آخر الحديث وهو الأغلب، كما في هذين المثالين، يعني: يتكلم الراوي بكلمة، فيفهمها أو يسمعها تلميذه فيعتقد أنها من ضمن الحديث فيرويها، وقد تكون في أول الحديث، مثاله حديث أبي هريرة: (أسبغوا الوضوء ويل للأعقاب من النار) فقوله: أسبغوا الوضوء. هذا من كلام أبي هريرة: (ويلٌ للأعقاب من النار) هذا هو المرفوع، حيث ذكروا أن أبا هريرة رأى أناساً يخففون الوضوء فقال: أسبغوا الوضوء (ويل للأعقاب من النار) سمعته من النبي ﷺ فاعتقد أحدهم أن قول: سمعتُه عامٌ لقوله: أسبغوا الوضوء وما بعده فرواه كذلك، والصحيح أن المرفوع إنما هو آخره، وهو قوله: (ويل للأعقاب من النار) . ومثله حديث ابن عمر في سترة المصلي، وهو قوله: لا تُصل إلا إلى سُترة (ولا تدع أحداً يمر بين يديك، فإن أبى فلتقاتله فإن معه القرين) قوله: لا تصل إلا إلى سترة، هذا على الصحيح مُدْرَجٌ، وإِنَّما المرفوع قوله: (لا تدع أحداً يمر بين يديك، فإن أبى فلتقاتله، فإِنَّ معه القرين) هذا هو أصل الحديث، الذي اقتصر عليه المخرجون الأُول كمسلم في صحيحه، وأحمد في مسنده، وابن ماجة في سننه، لم يرووا إلا قوله: ( ... فلا يدع أحداً يمر بين يديه، فإن أبى فليقاتله فإن معه القرين) فقوله: لا تصل إلا إلى سترة، هذا مدرج ولو صححه الحاكم وغيره. والحاصل أن المدرج هو الذي يُجعلُ من ضمن الحديث وليس منه، بل من كلام الراوي، وأنه يتميز بجمع الطرق، ومعرفة أَنه قد صَّرح فيه بأنه ليس من أصل الحديث. وَما رَوى كلُّ قرينٍ عن أخِهْ ... ... ... مُدبَّج فاعرِفهُ حَقا وانتَخِهْ الحديث المدبَّج: قوله: (وما روى كلُّ قرين عن أخه مدبج فاعرفه حقا وانتخه) :

стр. 1545

وأما (المُدَبَّجُ) : فهو أن يروي الراوي عن زميله، وتسمى رواية الأقران، وهم الذين يشتركون في زمن واحد، وفي أًستاذ واحد ويشتركون في الرواية عن شيخ فيسمون أقراناً، مثل محمد بن بشار، ومحمد بن المثنى، زميلان، فسِنُّهُما متقارب، وهما تلميذان لمحمد ابن جعفر المسمى بغندر، فيُقال فيهما قرينان، فإذا روى محمد ابن بشار، فهذا هو المدبج أي: أن يروي الزميل عن زميله حديثاً، والزميل الثاني يروي عن زميله محمد بن بشار عن محمد بن المثنى ثم روى محمد بن المثنى عنه حديثاً آخر، يعني روى هذا حديثاً وهذا حديثاً، فمثلاً الإمام أحمد زميل ليحيى بن معين، ومع ذلك قد روى يحيى عن أحمد وروى أحمد عن يحيى، حيث وجد أحمد عن يحيى أحاديث ما حصل عليها من مشايخه الذين لقيهم وسافر إليهم ووجد يحيى أحاديث عند أحمد، ولم يدرك مشايخه الذين روى عنهم أو روى عنهم غيرها، فقال يحيى: حدَّثنا أحمد بن حنبل، حدّثنا محمد بن جعفر مثلاً، وقال أحمد: حدّثنا يحيى ابن معين حدّثنا وكيع بن الجراح، فهذا هو المدَبَّجُ. رواية الأقران: أما لو روى واحد عن الثاني، ولم يرو الثاني عن الأول، فإنه يسمى أقراناً، فالأقران رواية واحد عن قرينه، فإذا روى كل منهما عن زميله أصبح اسمه مدبجاً، أي أن هذا وجد أحاديث عند شيخ له ما وجدها الآخر عند شيخه.

стр. 1546

فمثلاً إذا كان عندنا الزميلان (عبد الإله) و (محمد) زميلان في الوقت الواحد، ولكن عبد الإله اتصل بمشايخ حدَّث عنهم وما اتصل بهم محمد، فاحتاج محمد أن يروي تلك الأحاديث عن عبد الإله، فيقول: حدثنا عبد الإله عن شيخه فلان، وعبد الإله وجد أحاديث عند محمد عن مشايخ قد أدركهم، ولكن ما روى عنهم تلك الأحاديث، فاحتاج أن يرويها عنهم بواسطة، فيقول: حدّثني زميلي محمد، عن شيخه فلان، وهو شيخهما، لكن ما استطاع أن يأخذ عنه هذا الحديث، أي أن كليهما قد أخذ عن ذلك الشيخ، ولكن محمد وجد عند ذلك الشيخ أحاديث ما بحث عنها عبد الإله، فلأجل ذلك انفرد بها، ولما سمعها عبد الإله عن زميله قال: فاتتني عن شيخي، فآخذها منك أي آخذها عن شيخي بواسطتك، وكذلك محمد وجد أحاديث عند عبد الإله عن شيخهما أيضاً فقال: فاتتني تلك الأحاديث عن شيخي ما سمعتها منه، لكن آخذها منك وأرويها بواسطة زميلي للحاجة، فينزل درجة، فيقول: حدّثنا عبد الإله عن شيخنا فلان. مُتَّفقٌ لفْظاً وَخَطًّا مُتفِقْ ... ... ... وَضِدُّهُ فيما ذَكرْنا المفترِقْ الحديث المتفق والمفترق: قوله: (متفق لفظاً...................المفترق) : (المتفق والمفترق والمؤتلف والمختلف) ، هذه مباحث تتعلق بأسماء الرواة، فإذا اتفقت الأسماء واختلف الأشخاص سموه المتفق والمفترق، كما لو اتفق الاسم واسم الأب، واختلف الشخص فمثلاً اثنان في زمن واحد كلاهما اسمه إسحاق بن إبراهيم، متفق في الاسم واسم الأب، مفترق في الشخص، هذا يُقال له ابن نصر وهذا يقال له ابن راهويه، وقد يكون أكثر من اثنين، كثلاثة أو أربعة في زمن واحد، فهنا إسحاق بن إبراهيم بن يزيد، وإسحاق ابن إبراهيم الصواف، وإسحاق بن إبراهيم بن هانئ، كلهم في زمن متقارب فيقال لهذا متفق الاسم واسم الأب ومفترق في الجد وفي الشخص. الحديث المؤتلف والمختلف:

стр. 1547

أما (المؤتلف والمختلف) فهذا مما يحتاج إلى العناية به، وهو ما اتفقت حروفه وافترقت حركاته، فكثيراً ما تتفق الأسماء يعني في الحروف، وتختلف في الحركات، أو تتفق في الحروف وتختلف في النقط والإعجام، وكثيراً ما يحصل فيه التصحيف والتحريف، وكثيراً ما يشتبه محمد بن بشار بمحمد بن سنان ومحمد بن بشار مع كون الباء هنا بعدها معجمة، والياء هناك بعدها مهملة، لكن لكتابتهم باليد يحصل أيضاً الاشتباه، وكثيراً ما يشتبه الاسم بما يقاربه حيث يشتبه شيبان بسنان مع أن بينهما فرقا، ولكن غالبهم لا ينقطون الحروف، فلأجل ذلك يحصل الاشتباه كسليمان بسلمان مع أن بينهما فرقا، ويقع هذا في الأسماء التي يتقارب لفظها وتحتاج إلى ضبط وإلى عناية، وقد ضبطها النووي في مقدمة شرح مسلم، فذكر الأسماء التي تتقارب، وذكر ما يوجد بينهما من الفروق، فأنت إذا قرأت مثلاً هذه الكلمة تعرف أنها كلها تُنطق بكذا إلا هذا الاسم الفلاني، مثلاً غالب الأسماء تتميز إذا كانت أعلاماً وقد يحصل الاشتباه في بعض الأعلام وفي الأنساب فقد يكون الفرق بينهما في النقط كالهمداني، والهمذاني، والدهني والذهبي، فإذا مر بك عمار الذهبي فأصلحه الدهني بالمهملة والنون؛ لأنه خطأ فليس هناك عمار الذهبي في الرواة الأولين، وإنما كتبوه الذهبي لاشتهار نسبة الذهبي، وإلا فالصواب أنه عمار الدهني.

стр. 1548

والأولون يكتبون الحروف بدون نقط، فيجيء بعض النسَّاخ، -والنساخ قد يكونون من العامة حتى سماهم كثير من الحذاق مُسَّاخاً فيكتبونة فإذا رأوا الدهني نقطوا الدال وجعلوا الدال ذالا وجعلوا النون باء وقد يحصل أيضاً التصحيف حتى بزيادة أو بإسقاط بعض من الحروف، فمثلا رأيت من صحف (الضبي بالضبعي) وبالعكس، فأسقط العين مع السرعة، وكأنها ما اتضحت العين فكتبها الضبي مع أنه الضبعي، فأما الاختلاف في النقط فحدث ولا حرج، مثل جمرة كثيرا ما يكتبونه حمزة، فأبو جمرة الضبعي تلميذ ابن عباس مشهور يكتبونه أبو حمزة؛ لأن كلمة (جمرة) غريبة غير مشهورة، ولما كتبت نقطت الراء فأصبح حمزة. فهذا النوع يسمى المؤتلف والمختلف يعني بالمؤتلف المتقارب في الرسم، والمختلف في النطق إما بالشكل وإما بالنقط، فالشكل مثل سَلاَم وَسلاّم بتشديد اللام وتخفيفها هذا اختلافه بالشكل، وأما النقط فمثل سنان وشيبان، ومثل سيار ويسار وبشار وما أشبه ذلك، فهذا كله مما يقع فيه التصحيف، فهو يسمى بالمؤتلف يعني بالمؤتلف في الخط المختلف في النطق. والمنكرُ الفرْدُ به راوٍ غدا ... ... ... تعْدِيلهُ لا يحمِلُ التَّفردَا الحديث المنكر: قوله: (والمنكر الفرد به راو غدا تعديله لا يحمل التفردا) :

стр. 1549

(المنكر) : هو ما رواه راوٍ تفرَّد به، وتفرده لا يحتمل، يقال: هذا حديث منكر، تفرَّد به فلان وتفرده ليس بمقبول، أَما لو تفرَّد به إنسان ثقة عدل كالزهري والشعبي والأَعمش فإنَّه لا يكون منكراً بل يكون مقبولاً، فإذا تفرَّد ليث بن أبي سليم أَو عطاء بن السائب بهذا الحديث مثلاً فإنه يكون منكراً، وقد ذكرنا أن أبا قيس روى عن هزيل، عن المغيرة المسح على الجوربين، وأنه تفرد به، فسمى منكراً، يُقال: إن أبا قيس وهزيلاً لا يحتملان هذا التفرد أي لا يقوى على أن يقبل تفرده دون سائر الرواة الكثيرين، فهذا هو المنكر، وكأننا استنكرنا على هذا الراوي تفرده. الحديث المعروف: ويقابله (المعروف) فالمنكر ضده المعروف، وهو رواية من لم يخالف غيره، ولم ينفرد، يقال: المعروف رواية فلان وفلان المرسلة مثلاً، والمنكر رواية فلان المتصلة، وهكذا فعندنا مثلاً حديث: (كل أمر ذي بال لا يُبْدأُ فيه بحمد الله فهو أجذم) هذا رواه قرة ابن عبد الرحمن، عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعاً، وقرة ضعيف تفرد به، فيُقال: هذا الحديث منكر، تفرد به قرة، وضعفه ظاهر لا يحتمل التفرد، وقد رواه جماعة عن الزهري ولم يذكروا أبا هريرة ولا أبا سلمة بل قالوا: عن الزهري عن النبي ﷺ مرفوعاً، فروايتهم المعروفُ، ورواية قرة المُنْكَرُ، حيث إن هذا هو المعروف الذي تتابع عليه تلامذة الزهري فأرسلوه، وانفرد قرة بن عبد الرحمن فوصله، فيسمى حديثاً منكراً من رواية قرة له، ومرسلاً برواية الآخرين. متروُكهُ ما واحد به انفرَدْ ... ... ... وأجمَعُوا لِضعْفهِ فهوَ كَرَدِّ الحديث المتروك: قوله: (متروكه ما واحد به انفرد وأجمعوا لضعفه فهو كرد)

стр. 1550

(المتروك) : هو الذي انفرد به راوٍ متهم بالكذب، إذا لم يعثر على كذبه، ولكن تلحقه التهمة، فيأتي بغرائب، وينفرد عن الثقات بما يخالف فيه غيره، فقد يأتي بأحاديث طويلة وهو ليس أهلاً لحفظها، فيُقال: فلان متهم بالكذب، فإذا انفرد بحديث فإنَّه منكر، وروايته تلك تسمى منكرة، والمنكر مردود أي متروك، ويسمى (متروكاً) أي: مشتق من التَّرْكِ، والتَّرْكُ هو عدم القبول، والراوي نفسه يُقال له: متروك، وكذا روايته، ويقال فيه: متروك الحديث، فالمروي متروك، والراوي نفسه متروك يعني متروك التحديث عنه، فمثلاً إذا روى عبد الله بن مُحَرّرٍ أو عباد بن كثير فإنَّ كليهما متهم بالكذب شديد الضعف، فيُقال: عبد الله بن محرَر متروك، يعني اتركوه ولا تحدِّثوا عنه، وإذا رُوِىَ لنا حديث في إسناده عباد بن كثير قلنا هذا الحديث متروك، فيكون الحديث متروكاً لأن في إسناده راوياً متهماً بالكذب ويطلق على مرويه أنه متروك. الرواية عن المختلط: وكذا الرواية عن المختلط كعبد الله بن لهيعة فإنَّه ثقة، ولكن عمدته على كتب له كان يحدِّث منها ويحتفظ بها، فلما احترقت صار يحدِّث مما علق بذهنه منها، فلأجل ذلك وقع التخليط في حديثه، فتلامذته الأولون الذين رووا عنه قبل الاختلاط تقبل روايتهم عنه، والتلامذة الآخرون يُرَدُّ حديثهم عنه إذا انفرد به، وكذلك الذين أخذوا عنه قبل الاحتراق وبعده؛ لأنه اختلط حديثهم الأول بالثاني، فهناك أُناس لما رأوا أنه اختلط كفوا عنه، ولم يحدِّثوا عنه فتقبل روايتهم وهناك أناس حدثوا عنه قبل الاختلاط وبعده فاختلط الأول بالآخر فيترك إذا انفرد به، وهناك تلاميذ ما حدَّثوا عنه إلاَّ بعد الاحتراق فيترك إذا انفرد به أيضاً، لكن إذا وجد حديث قد تابعه غيره دلَّ على أن له أصلاً، أما ما انفرد به وكان عن طريق من لم يحدث عنه إلاَّ بعد الاختلاط فلا. والكذِبُ المختلَقُ المصنُوعُ ... ... ... عَلَى النبي فذلِكَ الموْضوعُ

стр. 1551

الحديث الموضوع: قوله: (والكذب المختلق المصنوع على النبي فذلك الموضوع) : (الموضوع) : هو الذي تَحَقَّقَ أَنه مكذوب، واشتقاقه من بريء منه، ويسمى المختلق، كأن صاحبه هو الذي اختلقه يعني افتراه، ويسمى: المكذوب، فالمكذوب والمفترى والمختلق والموضوع والمصنوع معناها واحد، والوضع في الحديث قد وجد منذ زمن بعيد. أسباب وضع الأحاديث: والواضعون للحديث أصناف فهناك أُناس ضَعافُ الدِّين وضعوا أحاديث انتصاراً للمذاهب، كما روي أن رجلاً حنفياً أراد أن يرفع من قدر إمامهم أبي حنيفة، ويضع من قدر الشافعي محمد بن إدريس ﵀ فاختلق حديثاً بلفظ: (يكون في أُمتي رجل يقال له محمد بن إدريس، أضر على أُمتي من إبليس، ويكون في أُمتي رجل يقال له أبو حنيفة هو سراج أُمتي) فعرف وضعه بظهور آثار الاختلاق عليه. وذكروا أن رجلاً جاءه ولده يشكو المعلم الذي يعلم القرآن أنه ضربه، فقال: لأفضحنَّ المعلمين اليوم، ثم رَكَّبَ إسناداً له إلى الرسول ﷺ وافترى حديثاً بلفظ: (مُعلِّمُو صبيانكم شرارُكم أقلهم رحمةً لليتيم، وأغلظهم على المسكين) أو نحوه فاعترافه بأنه سيفضح المعلمين دل على أنه اختلق ذلك وكذب. وقد يكون مما يدل عليه قرائن الحال، ففي مجلس من المجالس اختلفوا مرة فقال بعضهم: سمع الحسن من أبي هريرة، فأنكره بعضهم، فكان بينهم واحد من الوضَّاعين فَرَكَّبَ له إسناداً وفيه قال رسول الله ﷺ : (سمع الحسن من أبي هريرة) ومعروف أن الحسن ما رأى الرسول ﷺ ، ولا تكلم في حقه الرسول ﷺ بشيء، ولكن هذا دليل على الافتراء!

стр. 1552

وقد يكون بعض من يضع الأحاديث يريد التَّقَرُّبَ بها إلى الملوك، كما ذكروا أن أحد الوضَّاعين دخل على المهدي وإذا المهدي -وهو خليفة- يلعب الحمام، يُطَيِّرُهُ من هنا، ويقع هنا، فيعجبه طيرانه من هنا ومن هنا، فيقول: إذا سبقت الحمامة الفلانية أو التي لونها كذا فَعَلَيَّ كذا، فأراد الوَضَّاعُ أن يفتري حديثا يقوِّي فعل المهدي، فروى حديثاً فيه أن النبي ﷺ قال: (لا سَبَق إلا في نَصل أو خُفٍ أو حافرٍ أو جناح) فكلمة (جناح) زادها كذباً من قِبَل نفسه، يريد بذلك الجائزة وقد أعطاه عشرة آلاف درهم، فلما خرج قال المهدي: أشهد أن قفاك قفا كذاب، ثم قال المهدي: أنا الذي حملته على الكذب، ثم أمر بالحمام فذُبح، فهذا كذب للتقرب إلى الملوك، ومعلوم أن الرسول ﷺ ما قال (أو جناح) . وهناك من يكذب احتساباً كما رُوِيَ أن بعض القصاص ونحوهم يضعون على الرسول ﷺ أحاديث في فضل السنة، وفي فضائل الأعمال، وما أشبهها فقيل لهم: كيف والرسول ﷺ يقول: (من كذب عليَّ متعمداً فيتبوأ مقعده من النار) فقالوا: نحن ما كذبنا عليه، إنَّما كذبنا له، أي ننصر بذلك سنته، ونجلب الناس إلى شرعه، فنكذب في فضائل الأعمال، لأجل أن نرغب الناس فيها بأحاديث في فضل الصلاة وأحاديث في فضل الجهاد، وأحاديث في فضل الأعمال، وفعل الخيرات وما أشبهها، فيُقال لهم: إن الرسول ﷺ قد عمم في قوله: (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) وهذا آخر الكلام على هذه المنظومة. والله أعلم وأحكم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 1553

الحسد تقديم فضيلة الشيخ العلامة عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين الحمد لله تعالى على ما أنعم، وله الشكر على ما وفق له وألهم، نحمده سبحانه على ما تفضل به وتكرم، هو ربي لا إله إلا هو، وهو الإله الواحد المعظم، أرسل نبيه محمد ﷺ فهدى الله به من هذه الأمة من أراد به خيراً من جميع الأمم، وحرم الهداية أهل الغي والحسد وحيل بينهم وبين هذا الفضل والكرم. وبعد: فهذه رسالة كتبتها في الحسد وآثاره وأضراره وما وقع بسببه من المصائب والشرور والفتن، وسردت بعض الأدلة التي نقلتها عن مؤلفات أهل العلم، كالآداب الكبرى لابن مفلح وتفسير الرازي الكبير ومختصره للقمي، والترغيب والترهيب للمنذري ونحوها، رجاء أن يستفيد منه من قرأه بإنصاف وتمعن، حتى يخف أثر هذا الداء العضال الذي فشا وتمكن حتى في طلبة العلم وحملته، فإن الحسود لا يسود ولا ينال من حسده إلا الهم والغم والنكد والكبد، فمن عرف أن الله تعالى هو المنعم على عباده بما فيه خيرهم وصلاحهم، أو فيه اختبارهم وابتلاؤهم، فلا يجوز له أن يحسدهم على ما أعطاهم الله تعالى وإنما عليه أن يغبطهم إذا أدوا حقوق الله تعالى وعملوا بما يرضيه، ويحرص على أن يحصل على مثل ما حصلوا عليه، فأما السعي في إزالة النعمة وتنغيصها على أهلها فهو من الكبائر، والله المتفضل على عباده، وله الحمد والشكر وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله الجبرين ٢١/٣/١٤١٩هـ تعريف الحسد وبيان حقيقته تعريف الحسد: الحسد لغة: قال في لسان العرب: الحسد معروف، حسده يَحْسِدُه ويَحْسُدُه حسداً وحسَّده إذا تمنى أن تتحول إليه نعمته وفضيلته أو يسلبهما هو، وقال: الحسد أن يرى الرجل لأخيه نعمة فيتمنى أن تزول عنه وتكون له دونه.

стр. 1554

والغَبْطُ: أن يتمنى أن يكون له مثلها ولا يتمنى زوالها عنه (لسان العرب لابن منظور ٣/١٤٨-١٤٩) . واصطلاحاً: هو تمني زوال نعمة المحسود وإن لم يَصِرْ للحاسد مثلها. أو تمني عدم حصول النعمة للغير. حقيقة الحسد: وحقيقة الحسد أنه ناتج عن الحقد الذي هو من نتائج الغضب. أدلة إثبات الحسد من القرآن والسنة أولاً: الأدلة من القرآن: · قال الله تعالى: ((ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم)) (البقرة:١٠٩) ، وهذا تحذير للمؤمنين عن طريق اليهود الذين يحاولون رد المؤمنين إلى الكفر، يحملهم على ذلك الحسد الدفين في أنفسهم لما جاء هذا النبي من غيرهم، فحسدوا العرب على إيمانهم، وحاولوا أن يردوهم كفاراً ولكن الحق واضح فتمسكوا به. · وقال تعالى: ((أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله)) (النساء:٥٤) . وذلك هو حسدهم النبي ﷺ على ما رزقه الله من النبوة العظيمة، ومنعهم الناس من تصديقهم له حسداً له لكونه من العرب، روى الطبراني عن ابن عباس في قوله ((أم يحسدون الناس)) ، قال: نحن الناس دون الناس. يعني: إننا معشر العرب أو معشر قريش نحن الناس المذكورون في هذه الآية، ولا شك أن هذا ذم لهم على هذه الخصلة، وهي الحسد الذي حملهم على إعمال الحيلة في صد الناس عن الحق المبين. · وقال تعالى: ((ومن شر حاسد إذا حسد)) (الفلق:٥) ، فالحاسد هو الذي يتمنى زوال النعمة عن أخيه المحسود، ولابد أنه سوف يبذل جهده في إزالتها إن قدر، فهو ذو شر وضرر بمحاولته وسعيه في إيصال الضرر، ومنع الخير. · وقد حكى الله تعالى أمثلة من الحسد كقصة ابني آدم فإن أحدهما قتل أخاه حسداً لما تقبل قربانه، فأوقعه الحسد في قتل أخيه بغير حق، وكقصة إخوة يوسف في قولهم: ((ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا)) (يوسف:٨) . ثم عملوا على التفريق بينه وبين أبيه بما فعلوا.

стр. 1555

· وكقصة المنافقين في قوله تعالى: ((إن تمسسكم حسنة تسؤهم)) (آل عمران:١٢٠) . وذلك مما يحملهم على إعمال الحيل في إبعاد المؤمنين عن الخيرات. · وقد قال تعالى: ((ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض)) (النساء:٣٢) . فهذا التمني المنهي عنه قد يكون الدافع له الحسد من المفضول للفاضل، مع أن الفضل بيد الله، يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم، فعلى المفضول أن يطلب الفضل من الله تعالى، ولا ينافس أخاه ويضايقه فيما أعطاه الله وتفضل به عليه. ثانياً: الأدلة من السنة: · ثبت في الصحيحين قوله ﷺ : "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا" الحديث، وهذا النهي للتحريم بلا شك، لما في التحاسد من الأضرار والمفاسد، وقطع الصلات بين المسلمين. · وروى ابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا يجتمع في قلب بعد الإيمان والحسد". · وثبت في السنن عن أبي هريرة وأنس قول النبي ﷺ : "إياكم والحسد، فإن الحسد يأكل الحسنات، كما تأكل النار الحطب". · وعن ضمرة بن ثعلبة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يزال الناس بخير ما لم يتحاسدوا" رواه الطبراني ورواته ثقات. · وعن الزبير ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء، والبغضاء هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين" رواه البزار والبيهقي بإسناد جيد. · وعن أنس قال: قال لي النبي ﷺ : "يا بني إن قدرت على أن تصبح وتمسي وليس في قلبك غش لأحد فافعل" رواه الترمذي وحسنه.

стр. 1556

· وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قيل يا رسول الله: أي الناس أفضل؟ قال: "كل مخموم القلب، صدوق اللسان، قيل فما المخموم؟ قال: هو التقي النقي لا إثم فيه ولا بغي، ولا غل ولا حسد" رواه ابن ماجه بإسناد صحيح. · وروي أنه ﷺ قال: "إن لنعم الله أعداء، الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله". · وفي حديث مرفوع: "ستة يدخلون النار قبل الحساب، ذكر منهم: العلماء بالحسد". · وقال ابن الزبير: ما حسدت أحداً على شيء من أمر الدنيا، إن كان من أهل الجنة فكيف أحسده على الدنيا وهي حقيرة في الجنة؟! وإن كان من أهل النار فكيف أحسده على أمر الدنيا وهو يصير إلى النار؟! · وروي عن الأصمعي أنه قال: الحسد داء منصف، يعمل في الحاسد أكثر مما يعمل في المحسود. يعني: أن الحاسد إذا رأى أخاه في نعمة وصحة ورفاهية حسده وقام بقلبه حقد وبغض له، فهو كلما رآه في هذه النعمة اغتاظ لذلك، فيبقى دائماً مهموم القلب حزيناً، يتمنى ما لا يقدر عليه من إزالة تلك النعم، فهو يتقلب على فراشه من الغيظ، مع أن المحسود لا يشعر بألم، بل هو قرير العين مسرور لم يصل إليه في الغالب شيء من الضرر الذي في قلب الحاسد، وإن وصل إليه فإنه لا يتأثر به إلا قليلاً، والله أعلم. الفرق بين العين والحسد

стр. 1557

العين هي: النظر إلى الشيء على وجه الإعجاب والإضرار به، وإنما تأثيرها بواسطة النفس الخبيثة، وهي في ذلك بمنزلة الحية التي إنما يؤثر سمها إذا عضت واحتدت، فإنها تتكيف بكيفية الغضب والخبث، فتحدث فيها تلك الكيفية السم، فتؤثر في الملسوع، وربما قويت تلك الكيفية واتقدت في نوع منها، حتى تؤثر بمجرد نظرة، فتطمس البصر، وتسقط الحبل، فإذا كان هذا في الحيات، فما الظن في النفوس الشريرة الغضبية الحاسدة، إذا تكيفت بكيفيتها الغضبية، وتوجهت إلى المحسود، فكم من قتيل! وكم من معافى عاد مضني البدن على فراشه! يتحير فيه الأطباء الذين لا يعرفون إلا أمراض الطبائع، فإن هذا المرض من علم الأرواح، فلا نسبة لعالم الأجسام إلى عالم الأرواح، بل هو أعظم وأوسع وعجائبه أبهر، وآياته أعجب، فإن هذا الهيكل الإنساني إذا فارقته الروح أصبح كالخشبة، أو القطعة من اللحم، فالعين هي هذه الروح التي هي من أمر الله تعالى، ولا يدرك كيفية اتصالها بالمعين، وتأثيرها فيه إلا رب العالمين. وأما الحسد: فهو خلق ذميم، ومعناه تمني زوال النعمة عن المحسود، والسعي في إضراره حسب الإمكان وهو الخلق الذي ذم الله به اليهود بقوله تعالى: ((ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم)) (البقرة:١٠٩) . أي أنهم يسعون في التشكيك وإيقاع الريب، وإلقاء الشبهات حتى يحصلوا على ما يريدونه من صد المسلمين عن الإسلام، ولا شك أن الحسد داء دفين في النفس، وتأثيره على الحاسد أبلغ من تأثيره على المحسود، حيث إن الحاسد دائماً معذب القلب، كلما رأى المحسود وما هو فيه من النعمة والرفاهية تألم لها، فلذلك يقال: أصبر على كيد الحسود إن صبرك قاتله النار تأكل نفسها إن لم تجد ما تأكله وقال بعض السلف: الحسد داء منصف، يعمل في الحاسد أكثر مما يعمل في المحسود. الفرق بين العائن والحاسد

стр. 1558

قال ابن القيم في بدائع الفوائد: العائن والحاسد يشتركان في شيء، ويفترقان في شيء، فيشتركان في أن كلاً منهما تتكيف نفسه، وتتوجه نحو من يريد أذاه، فالعائن، تتكيف نفسه عند مقابلة المعين ومعاينته، والحاسد: يحصل له ذلك عند غيبة المحسود وحضوره، ويفترقان في أن العائن قد يصيب من لا يحسده: من جماد، أو حيوان، أو زرع أو مال، وإن كان لا يكاد ينفك من حسد صاحبه، وربما أصابت عينه نفسه، فإن رؤيته للشيء رؤية تعجب وتحديق، فمع تكيف نفسه بتلك الكيفية تؤثر في المعين. ا. هـ. فالحاصل أن الحاسد هو: الذي يهمه ما يرى في إخوانه المسلمين من النعمة والخير، والصحة والمنزلة الراقية فيحقد عليهم، ويغتم لذلك، ثم يسعى في زوالها، ويبذل ما في وسعه من وشاية وكذب، وافتراء عليه، ويؤلب عليه من له سلطة أو ولاية، حتى تزول تلك النعمة التي يتمتع بها أخوه، وليس هناك دافع له على إزالتها سوى الحقد والبغض، فلا يقر قراره حتى يتلف المال، أو يفتقر الرجل، أو يمرض، أو يحرم من حرفته أو عمله. أما العائن فهو: إنسان قد تكيفت نفسه بالخبث والشر، فأصبحت تمتد إلى ما يلفت النظر، وترسل إليها ما يحطمها ويغيرها، فيسقط الطائرة من الهواء، ويعطب الوحش البري، بمجرد كلمته ونظرته السامة، فقد ذكر ابن القيم ﵀ أن منهم من تمر به الناقة أو البقرة السمينة فيعينها، ثم يقول لخادمه: خذ المكتل والدرهم، وآتنا بشيء من لحمها، فما تبرح حتى تقع فتنحر. وقال الكلبي: كان رجل من العرب يمكث يومين أو ثلاثة، لا يأكل ثم يرفع جانب خبائه فتمر به الإبل فيقول: لم أر كاليوم إبلاً ولا غنماً أحسن من هذه. فما تذهب إلا قليلاً حتى يسقط منها طائفة.

стр. 1559

وقد حكى بعض الإخوان أن منهم من يريد السفر على الطائرة أو الحافلة فيعينها، فتتوقف حتى يتفرغ فيأتي ويتكلم بما يبطل ما بها فتصلح مع بذل العمال ما يستطيعون في إصلاحها، والحكايات عن أهل العين كثيرة مشهورة. ومع ذلك قد أنكرها بعض المشايخ الكبار بسبب أنهم لا يعلمون لها سبباً مباشراً، وذلك لجهلهم بتأثير الأرواح وما تختلف به عن الأجساد، كما أشار إلى ذلك ابن القيم رحمه الله تعالى في البدائع وغيره. مراتب الحسد ذكر ابن سليمان في الموارد أنها خمس: المرتبة الأولى: أن يتمنى زوال النعمة عن الغير، ويسعى في الوسائل المحرمة لإزالتها بكل ما يستطيع، وهي الغاية في الخبث والنذالة، وهما الغالب في الحساد، خصوصاً المتزاحمين في صفة واحدة، كالتجار والعمال، وأهل الوظائف الحكومية، فمتى ربح أخوه ربحاً كثيراً أو حصل له لذة مما يتمناه، أو حصل على عمل أو منصب أرفع من غيره، فإن الحاسد يعمل في الإساءة إليه، ويسعى في حرمانه، ويلصق به العيوب، ويولد عليه الأكاذيب، ليزيحه عن ذلك العمل، وينصب نفسه مكانه. المرتبة الثانية: أن يتمنى زوال تلك النعمة، ويحب ذلك، وإن كان لا يريدها لنفسه، ولا يطمع فيها، لكن من باب الحقد على أخيه والبغض له. المرتبة الثالثة: أن يجد من نفسه الرغبة في زوال النعمة عن المحسود، سواء انتقلت إليه أو إلى غيره، ولكنه لا يعمل شيئاً في إزالتها إلا أنه في جهاد مع نفسه، وكفها عما يؤذي أخاه، خوفاً من الله تعالى، وكراهة لظلم عباد الله، فهذا قد كفي شر غائلة الحسد، ودفع عن نفسه العقوبة الأخروية، ولكن ينبغي له أن يعالج نفسه عن هذا الوباء الذي هو بغض النعمة، ومحبة زوالها عن أخيه المسلم.

стр. 1560

المرتبة الرابعة: أن يتمنى زوال النعمة عن غيره بغضاً لذلك الشخص، لسبب شرعي، كأن يكون ظالماً يستعين على ظلمه بذلك المنصب، أو ذلك الجاه والمال، فيتمنى زوالها ليريح الناس من شره، وكالفاسق الذي يستعين بالمال أو المنصب على فسقه وفجوره، فتمني زوال ذلك والسعي فيه لا إثم فيه، بل قد يكون مثاباً إذا عمل على إراحة المسلمين من الشر والعسف، والظلم والتجبر الذي يتسلط به ذلك الظالم بسبب منصبه أو جاهه. المرتبة الخامسة: أن يتمنى لنفسه مثلها، ولا يحب زوالها عن أخيه، ولا يسعى في ذلك، سواء كانت تلك النعمة من مباح متاع الدنيا كالمال والجاه، أو من النعم الدينية كالعلم الشرعي، والعبادة الدينية، وقد ثبت في الصحيح قوله ﷺ : "لا حسد إلا في اثنتين: رجل أتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها"، وهذا لا يسمى حسداً إلا من حيث الظاهر، وإلا فهو غبطة ومنافسة، ومحبة للحصول على الخير الدنيوي، والأجر الأخروي، فهو يحب أن يكون مثل أخيه، ويغبطه بذلك، وله مثل أجره على حسن نيته وقصده. أسباب الحسد ودوافعه يمكن أن نلخص ذلك في سبعة أسباب: أولها: العداوة والبغضاء، فمن آذاه إنسان وأوصل إليه ضرراً، فلا بد أن يبغضه، ويغضب عليه، ويتولد من ذلك الحقد المقتضي للتشفي والانتقام، فإن عجز المبغض عن أن يتشفى منه بنفسه أحب أن يتشفى منه الزمان، قال تعالى: ((إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها)) (آل عمران:١٢٠) . وربما أفضى هذا الحسد إلى التقاتل والتنازع. ثانيها: التعزز، فإنَّ واحداً من أمثاله إذا نال منصباً عالياً، يترفع به عليه، وهو لا يمكنه تحمل ذلك، أراد زوال ذلك المنصب عنه، وليس غرضه التكبر، بل يريد أن يدفع كبره، فإنه قد رضي بمساواته.

стр. 1561

ثالثها: أن يكون من طبعه أن يستخدم غيره، فيريد زوال النعمة من ذلك الغير، ليقدر على ذلك الغرض، ليكون تابعاً له، ومنه قوله تعالى عن المشركين: ((وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم)) (الزخرف:٣١) . يعني أنهم يتكبرون عن أن يكونوا تابعين، بدل ما كانوا متبوعين، وقال تعالى: ((أهؤلاء من الله عليهم من بيننا)) (الأنعام:٥٣) . كأنهم احتقروا المسلمين الذين كانوا أتباعاً فاستقلوا عنهم. ورابعها: التعجب من أن يفضلهم رجل من أمثالهم، كما في قوله تعالى: ((أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم)) (الأعراف:٦٣) . فكأنهم عجبوا من رجل مماثل لهم، ينزل عليه الوحي دونهم، فلذلك حسدوه. وخامسها: الخوف من فوات المقاصد، وذلك يتحقق من المتزاحمين على مقصود واحد كتحاسد الضرائر على مقاصد الزوجية، وتحاسد الإخوة في التزاحم على نيل المنزلة عند الأبوين، وتحاسد الوعاظ المتزاحمين على أهل بلدة وفي ذلك قال الشاعر: حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه فالقوم أعداء له وخصوم كضرائر الحسناء قلن لوجهها حسداً وبغياً إنه لدميم وسادسها: حب الرئاسة، كمن يريد أن يكون عديم النظير في فن من الفنون، فإنه لو سمع بنظير له في أقصى العالم ساءه ذلك، وأحب موته، فإن الكمال محبوب لذاته وهذا المحبوب مكروه، ومن أنواع الكمال التفرد به، لكن هذا ممتنع إلا لله تعالى، ومن طمع في المحال خاب وخسر. وسابعها: شح النفس بالخير على عباد الله، فإنك تجد من لا يشتغل برئاسة ولا تكبر، ولا طلب مال إذا وصف عنده حسن حال عبد من عباد الله شق عليه ذلك، وإذا وصف اضطراب الناس وإدبارهم فرح به، فهو أبداً يحب الإدبار لغيره، ويبخل بنعمة الله على عباده، كأنهم يأخذون ذلك من ملكه وخزائنه، وهذا ليس له سبق ظاهر سوى خبث النفس، كما قيل: البخيل من بخل بمال غيره. أثر الحسد على المجتمع

стр. 1562

لقد أمر الله تعالى بالاستعاذة من شر الحاسد، في قوله: ((ومن شر حاسد إذا حسد)) (الفلق:٥) ، وهذا دليل على أن له شر وفيه ضرر، ولا يتحصن منه إلا بالاستعاذة بالله تعالى حيث إن الحسد من أعظم الأمراض الفتاكة بالمجتمع، فهو يجبر صاحبه على أصعب الأمور، ويبعده عن التقوى، فيضيق صدر الحسود، ويتفطر قلبه إذا رأى نعمة الله على أخيه المسلم، ولقد كثر الحسد بين الأقران والإخوان والجيران، وكان من آثار ذلك التقاطع والتهاجر، والبغضاء والعداوة، فأصبح كل من الأخوين أو المتجاورين يتتبع العثرات، ويفشي أسرار أخيه، ويحرص على الإضرار به، والوشاية به عند من يضره أو يكيد له، ولا شك أن ذلك من أعظم المفاسد في المجتمعات الإسلامية، فإن الواجب على المسلمين أن يتحابوا ويتقاربوا ويتعاونوا على الخير والبر والتقوى، وأن يكونوا يداً واحدة على أعدائهم من الكفار والمنافقين، فمتى أوقع الشيطان بينهم العداوة والبغضاء، وتمكنت من قلوبهم الأحقاد والضغائن، حصل التفرق والتقاطع، وصار كل فرد يلتمس من أخيه عثرة أو ذلة فيفشيها، ويعيبه بها، ويكتم ما فيه من الخير، ويسيء سمعته، ويجعل من الحبة قبة، ويقوم الثاني بمثل ذلك وكل منهما يوهم أن الصواب معه، وأن صاحبه بعيد عن الصواب، ثم إن كلا منهما يحرص على الإضرار بالآخر ويعمل على حرمانه من الخير، فيصرف عنه المنفعة العاجلة ويحول بينه وبين المصالح المطلوبة، من فائدة مالية، أو حرفة أو أرباح أو معاملات مفيدة، ونحو ذلك، ولا شك أن هذا يضر المجتمعات ويقضي على المصالح، ويتمكن الأعداء من المنافع ومن استغلال الفوائد، وبتمكنهم يضعف المسلمون المخلصون، ولا ينالون مطلوبهم من ولاية أو رئاسة، أو شرف أو منفعة، وسبب ذلك هذه المنافسات التي تمكنت من النفوس، حتى حرموا إخوانهم وأنفسهم من الخير، وسلطوا عليهم أعداءهم. أفلا يرعوي المؤمن، ويعرف مصلحته ويحب الخير

стр. 1563

لإخوانه، ويوصل إليهم ما يستطيع، حتى يعم الأمن ويصلح أمر الدين والدنيا والآخرة، والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. كيفية علاج الحسد يمكن أن يلخص علاجه في أمرين: العلم والعمل: أما العلم: ففيه مقامان: إجمال، وهو أن يعلم أن الكل بقضاء الله وقدره، وأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأن رزق الله لا يجره حرص حريص، ولا يرده كراهية كاره. وتفصيل: وهو العلم بأن الحسد قذى في عين الإيمان، حيث كره حكم الله وقسمته في عباده، فهو غش للإخوان، وعذاب أليم، وحزن مقيم، ومورث للوسواس، ومكدر للحواس، ولا ضرر على المحسود في دنياه، لأن النعمة لا تزول عنه بحسدك، ولا في دينه، بل ينتفع به، لأنه مظلوم من جهتك، فيثيبه الله على ذلك، وقد ينتفع في دنياه أيضاً من جهة أنك عدوه، ولا يزال يزيد غمومك وأحزانك، إلى أن يقضي بك إلى الدنف والتلف، قال الشاعر: اصبر على مضض الحسود فإن صبرك قاتله النار تأكل نفسها إن لم تجد ما تأكله وقد يستدل بحسد الحاسد على كونه مخصوصاً من الله تعالى بمزيد الفضائل، قال الشاعر: لا مات أعداؤك بل خلدوا وحتى يروا منك الذي يكمد لا زلت محسوداً على نعمة فإنما الكامل من يحسد والحاسد مذموم بين الخلائق، ملعون عند الخالق، مشكور عند إبليس وأصدقائه، مدحور عند الخالق وأوليائه، فهل هو إلا كمن رمى حجراً إلى عدو ليصيب به مقتله، فرجع حجره إليه فقلع حدقته اليمنى، فغضب فرماه ثانياً فرجع ففقأ عينه الأخرى، فازداد غيظه فرماه ثالثاً فرجع إلى نفسه فشدخ رأسه، وعدوه سالم، وأعداؤه حواليه يفرحون ويضحكون: ((ولعذاب الآخرة أشد وأبقى)) (طه:١٢٧) .

стр. 1564

وأما العمل: فهو أن يأتي بالأفعال المضادة لمقتضيات الحسد، فإن بعثه الحسد على القدح فيه كلف لسانه المدح له، وإن حمله على التكبر عليه كلف نفسه التواضع له، وإن حمله على قطع أسباب الخير سعى في إيصال الخير إليه، حتى يصير المحسود محبوباً محباً له، على حد قوله تعالى: ((ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم)) (فصلت:٣٤) . فذلك التكلف يصير في النهاية طبعاً. وقد ذكر ابن القيم أن شر الحاسد يندفع عن المحسود بعشرة أسباب: أحدها: التعوذ بالله من شره، والتحصن به واللجوء إليه. الثاني: تقوى الله وحفظه عند أمره ونهيه، فمن اتقى الله حفظه ولم يكله إلى غيره. الثالث: الصبر على عدوه، فلا يقاتله ولا يشتكيه، ولا يحدث نفسه بأذاه، فما نصر على حاسده بمثل الصبر، والتوكل على الله، ولا يستطيل الإمهال له، وتأخير الانتقام منه. الرابع: التوكل على الله، فمن توكل على الله فهو حسبه، فالتوكل من أقوى الأسباب التي يدفع بها العبد ما لا يطيق من أذى الخلق وظلمهم وعدوانهم، فمن كان الله كافيه وواقيه فلا مطمع فيه لعدوه ولا يضره. الخامس: فراغ القلب من الاشتغال به، والفكر فيه، فيمحوه من باله، ولا يلتفت إليه، ولا يخافه، ولا يشغل قلبه بالفكر فيه، فمتى صان روحه عن الفكر فيه، والتعلق به، فإن خطر بباله بادله إلى محو ذلك الخاطر، والاشتغال بما هو أنفع له، بقي الحاسد يأكل بعضه بعضاً. السادس: الإقبال على الله، والإخلاص له، وجعل محبته ورضاه والإنابة إليه في محل خواطر نفسه وأمانيها، بحيث تبقى خواطره وهواجسه كلها في محاب الله، والتقرب إليه، فيشغل بذلك عن الحاسد وحسده، ويكون قلبه معموراً بذكر ربه والثناء عليه، غير متشاغل بغيره.

стр. 1565

السابع: تحريه التوبة من الذنوب التي سلطت عليه أعداءه، فما سلط على العبد أحد إلا بذنبه، فعليه المبادرة إلى التوبة والاستغفار، فما نزل بالعبد بلاء إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة. الثامن: الصدقة والإحسان مهما أمكن فإن لذلك تأثيراً عجيباً في دفع البلاء، وشر الحاسد، فلا يكاد الأذى والحسد يتسلط على متصدق، فإن أصابه شيء كان معاملاً باللطف والمعونة والتأييد. التاسع: إطفاء نار الحاسد والباغي والظالم بالإحسان إليه، فكلما ازداد أذاه وشره وبغيه، ازددت إليه إحساناً وله نصيحة، وعليه شفقة لقوله تعالى: ((ادفع بالتي هي أحسن السيئة)) (المؤمنون:٩٦) . العاشر: تجريد التوحيد لله تعالى، والترحل بالفكر في الأسباب إلى المسبب العزيز الحكيم، والعلم بأنها بيد الله تعالى، فهو الذي يعرفها عنه وحده إلى آخر كلامه، وقد لخصت هذا من كلامه على آخر سورة الفلق في بدائع الفوائد فليراجع.

стр. 1566

اثر الذنوب والمعاصي لها أثر كبير في حدوث الأضرار والشرور والعقوبات السماوية ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة وقد قال تعالى: ((وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير)) والمصيبة يدخل فيها المصائب البدنية كالأمراض والعاهات والحوادث السيئة والموت والفتن وتسليط الأعداء كما في الأثر القدسي "إذا عصاني من يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني" كما يدخل في المصيبة العقوبات السماوية كالقحط والجدب وغور المياه ويبس الأشجار وقلة الثمار أو فسادها ومثل الغرق والصواعق والرجفة والآفات السماوية كعقوبة قوم هود بالريح العقم وقوم صالح بالصيحة الطاغية وقوم نوح بالغرق وفرعون وقومه بالغرق ونحوهم ومن آثار الذنوب أيضاً قسوة القلوب وعدم تأثرها بالمواعظ والآيات والأدلة والتخويف والتحذير والإنذار بحيث تسمع ولا تفقه ولا تقبل وتزل عنها الموعظة وهي في غفلة ولأجل مناعة الذنوب عظمت عقوبتها في الدنيا بالقتل للمرتد والزاني المحصن والقطع للسارق وقاطع الطريق والحبس للمحاربين والجلد لأهل المسكرات ونحو ذلك تفادياً للآثار السيئة التي يعم ضررها للمجتمعات حيث أن المعصية إذا أعلنت تعدت عقوبتها لقوله تعالى ((واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة)) أي أنها تعم العاصي وغيرها وكذا في الحديث أن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أو شك أن يعمهم الله بعقاب منه وقد عدد ابن القيم عقوبات الذنوب في الجواب الكافي إلى نحو الخمسين فليراجع.

стр. 1567

الشيشان الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم، وبعد ... فلا يخفى ما وقع هذه الأيام القريبة على جمهوريتي الشيشان وداغستان من الاعتداء الشيوعي وما حصل من آثاره من قتل وتشريد وهدم وأضرار فادحة نتج من آثارها موت وإتلاف للممتلكات بسبب كونهم مسلمين مؤمنين بالله تعالى، وهذه الاعتداءات تسود كل مسلم ويحزن لها كل مؤمن وذلك مما يوجب على أهل الإسلام الاهتمام بأمر إخوانهم المسلمين والحرص على تخفيف آلامهم وجبر مصابهم، فقد ورد في الحديث "أن المؤمنين يد واحدة تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم" ومعنى كونهم يداً واحدة أن الإسلام يجمعهم وبذلك يساعد بعضهم بعضاً ويتعاونون على ما يكون سبباً في نصرهم وتقويتهم ورد كيد أعدائهم، وقد أمر الله تعالى بنصر المؤمنين في كل مكان كما في قوله تعالى: ((وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر)) وأخبر بتولي المؤمنين لإخوانهم فقال تعالى: ((والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض)) ، ولا شك أن هذه الولاية يكون من آثارها التناصر والتعاون وبذل كل المستطاع في نصر الإسلام وأهله وإعلاء كلمة الله وهذا دأب المسلمين في كل زمان ومكان لما بينهم من الأخوة الإيمانية التي تقتضي المحبة والشفقة حتى مثلهم النبي ﷺ بالجسد الواحد في قوله ((مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاظفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)) وفي رواية (إذا اشتكى عينه اشتكى كله، وإذا اشتكى رأسه اشتكى كله) ، فالمؤمنون في كل مكان يعين بعضهم بعضاً ويقوي بعضهم بعضاً كما قال النبي ﷺ "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً" وشبك بين أصابعه، ومن هذه الأدلة يجب على المسلمين أولاً:- الدعاء لإخوانهم في تلك البلاد بالنصر والتمكين والتأييد ورد كيد الكائدين، ويجب ثانياً:- إمدادهم بالأسلحة والقوة الحسية التي يكافحون بها ويقاتلون من قاتلهم،

стр. 1568

ويجب ثالثاً:- تقويتهم مالأموال فهم بأمس الحاجة إلى القوت والغذاء والكسوة وكل ما يتقوون به ويدفعون به آلام الجهد والضرر ويعالجون من أصيب منهم بجراح أو آلام، ولا شك أن الجهاد بالمال مما يثاب عليه وقد قدمه الله على الجهاد بالنفس في آيات كثيرة، كقوله تعالى ((انفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله)) وقوله تعالى: ((تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم)) وقال ﷺ : "جاهدوا المشركين بأموالكم وأيديكم وألسنتكم" وفي الحديث الآخر "من جهز غازياً فقد غزى" فعلى المسلمين أن يهتموا بأمر إخوانهم فمن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم؛ نسأل الله أن ينصر دينه ويعلي كلمته وينصر المجاهدين في كل مكان ويثبت أقدامهم ويسدد سهامهم ويكبت الأعداء ويرد كيدهم في نحورهم إنه على كل شيء قدير، وصلى الله على محمد وآله وصبحه وسلم.

стр. 1569

اللهو والأغاني وردت أدلة في تحريم اللهو والاغاني سواء بالآلات كالعودة والطنبور والرباب والطبل والزير والدفوف أو بغيرها وساء كان معه رقص وتمايل وتشبيب أو لم يكن معه لعموم الأدلة قال تعالى: ((وتضحكون ولا تبكون وأنتم سامرون)) والسمور هو الغناء الذي يسبب الغفلة ويشبه السكر ويبعث على الأمور المحرمة كالزنا ومقدماته وفعل الفواحش وقد ورد في تفسير قول الله تعالى خطاب الأبليس ((واستفزز من استطعت منهم بصوتك)) أن صوته هو الغناء والطرب وقال الله تعالى: ((ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم)) قال ابن مسعود ﵁: "والله الذي لا إله إلا هو أنه الغناء" بمعنى لهو الحديث وقد روى عن النبي ﷺ أنه قال الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الزرع وثبت أن عائشة أدخلت جاريتين صغيرتين في يوم عيد تغنيان بشيء من شعر العرب وليستا بمغنتين فدخل أبو بكر ﵁ فقال: "أمزمار الشيطان في بيت رسول الله ﷺ " فأقره النبي ﷺ على تسمية الغناء مذمار الشيطان فننصح المسلم ذكر أو أنثى أن يبتعد عن سماع الغناء واللهو المحرم سواء من أشرطة أو أفلام أو من المغني نفسه وأن يعتاض بذلك سماع القرآن والذكر والعلم المفيد والله أعلم.

стр. 1570

بيع الدخان لا شك أن الدخان محرم وشربه وإنتاجه وكذا الجراك وأجهزته ذلك لأنه يضر بالبدن والصحة وأضراره كثيرة ولذلك يحذر منه الأطباء والمعتبرون وكذا يمنع إظهاره في الدول الكبرى كأمريكا وبريطانيا ويمنع شربه في الحافلات والطائرات اعترافاً منهم بضرره صحياً رغم ما يحصل للشركات المنتجة من الأرباح الكثيرة وحيث أنه محرم فإن ربحه حرام والله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه فننصح المسلم أن يبتعد عن بيعه ولو كان في ربح كثير ولو كان جالباً للزبائن أي المتعاملين معه بالشراء فإن بيعه غش للمسلمين وترويج للمحرم وقد قال الله تعالى ((ولا تعاونوا على الإثم والعدوان)) فننصح كل مسلم أن يصون كسبه عن الحرام وننصح الجمهور أن لا يتعاملوا مع البائعين للدخان والجراك ونحوه فإن ذلك من إعانتهم على فعل المنكر وترويجه وأن يذهبوا إلى من لا يبيع شيئاً من ذلك ولو كان بعيداً ليشجعوا أهل الكسب الحلال وهكذا لا يجوز بيع المجلات الهابطة التي تحمل الصور الخليعة الفاتنة فإنها تدعوا إلى الفتنة وفعل الفواحش ولا فائدسة فيها خالصة وما فيها من مقالات وأخبار قد يوجد خير منه في غيرها فليحذر المسلم من يشر الرذيلة وأسبابها والله هو الرازق ذو القوة المتين، والله أعلم.

стр. 1571

صلة الأرحام السؤال الأول:- من هم الأرحام الذين تجب صلتهم؟ وما هي حدود الصلة؟ السؤال الثاني:- تقيم بعض الأسر لقاءات شهرية أو سنوية للرجال هل الحضور فيها من صلة الرحم؟ السؤال الثالث:- من المعلوم أن من ذوي الأرحام الذين تجب صلتهم بعض النساء اللاتي ليسوا من محارم الرجل كبنت العم والعمة والخال والخالة وغيرهم فكيف تكون صلتهم؟ الجواب الأول:- قال تعالى: ((وأولا الأرحام بعضهم أولى ببعض)) وهم القرابة من جهة الأب والأم كالأبوين والأجداد والجدات وأن علوا والأولاد ذكوراً وأناثاً وأولادهم وإن نزلوا وأولاد الأب ذكوراً وأناثاً وهم الأخوة والأخوات من الأب وأولادهم وإن نزلوا ذكوراً وأناثاً وأولاد الأم وهم الأخوة والأخوات من الأم وأولادهم ذكوراً وأناثاً إن نزلوا وأولاد الجد وهم الأعمام والعمات وأولادهم وإن نزلوا وأولاد جد الأب وهم أعمام الأب وإن علوا وأولادهم وإن نزلوا وكذا من يدلي بالأم كالأخوات والخالات وأولادهم ذكوراً وأناثاً ولا شك أنهم يتفاتون في الأحقية فالكبير له حق القرابة وحق الطعن في السن والصغير له حق التعليم والتأديب وعليه حق لمن هو أكبر منه في الأحترام والتوقير وتحصل الصلة بالزيارة والاستزارة وإجابة الدعوة وبالمؤانسة والمحادثة والمكالمة والمكاتبة والهدية والتقبل وإظهار الفرح بالزيارة والأعتذار وقبول الأعذار عن التأخر والأبتعاد وتكون الصلة بحسب العادة وتختلف بأختلاف البلاد وكثرة الأعمال وتباعد المساكن ونحوها. الجواب الثاني:-

стр. 1572

نعم هذه اللقاءات والاجتماعات من صلة الرحم فمن لا عذر له ولا يوجد ما يشغله فعليه حضور هذه الاجتماعات متى كان القصد منها التعارف والتقارب والتواصل وإظهار الحب والوداد واشتملت على نصايح وعظات وعلوم نافعة وعلى ذكر وشكر الله تعالى على نعمة الإسلام والأمن والخير والعيش الرغيد وعلى البحث في المشاكل العائلية وتفقه أحوال الأقارب وعلى كلام معتاد لا محذور فيه وسلمت من غيبة ونميمة ومن لهو وسهو ومن آلا غناء أو طرب ولم يكن فيهم من يظهر معصية كشرب دخان أو جراك أو مسكر أو نحوها فمتى سلمت تلك الأجتماع من مثل هذه المحرمات والمكروهات فلا أرى التأخر عنها. الجواب الثالث:- لا شك أن القرابة من النساء المحارم حق الزيارة والسمات عليهن لا سيما مع كبر السن وقوة القرابة من الصغار فلهن حق لها جوا لها نوقت فإن المرأة تمنعها أن ظنها من كثرة التجول من الدخول على الرجال فلذلك لهن حق على القريب ولو أكبر منهن فإن تيسر لهن الابتداء واللازام فهو أولى لمن هو أكبر سن كالعم والخال والأب والأخ الكبير ونحوهم. فأما القريبات من غير المحارم فحقهن يكون في المناسبات بالسلام عليهن من راء حجاب سيماء مع كبر السن وصدق الأخوة وقدم الصحية ولا يلزم الزيارة الشهرية ولا الأسبوعية لمثل هؤلاء ولا بأس المكالمات الهاتفية التي تشمل على سلام وتحيات وتجديد عهد ونحو ذلك.

стр. 1573

الألفية لا يجوزالاحتفال بأعياد الكفار ولو على وجه المجاملة لأنها أعياد مبتدعة ما أنزل الله بها من سلطان، فلا أصل لها في الكتب السماوية ولا في الشرائع الإلهية، وإنما هي من محدثات النصارى الذين شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله. ولا شك أن مشاركتهم في هذا الاحتفال أو في غيره من أعيادهم يُعتبر ذلك إقراراً لهذه المحدثات وتعظيماً لهؤلاء المبتدعة، فعلى هذا يحرم على المسلمين تعظيم هذه الأعياد وتهنئه أهلها وإظهار شيء من الفرح والسرور بها مما يُعد إقرار لتلك البدع، بل المسلمون يعتبرونها كسائر أيام السنة وإنما يحتفلون بالأعياد الشرعية الإسلامية وبما شُرع فيها من الصلاة والعبادات. والله أعلم.

стр. 1574

المدير والمدرس

стр. 1575

السؤال:- ما هي نصيحة فضيلتكم لمديرات المدارس والمدرسات؟ الجواب:- ننصح كل مدير أو مدرس ذكر أو أنثى بالحرص على أداء الأمانة والأخلاص في أداء العمل الوظيفي الذي التزم به وعليه أن يحرص على الحضور أو الوقت ويستمر إلى آخر لينجز عمله كما ينبغي وعليه أن يستعد لألقاء الدرس كامل ويحضر له ويتصور الموضوع كاملاً قبل أن يبدأ في الإلقاء وذلك حتى تبدأ الزمن فإن القصد هو إيصال المعلومات إلى الطلاب والطالبات وإفهامهم الدروس وحصول الفائدة المطلوبة ثم على المدرس والمدير أن يكون قدوة حسنة في أفعاله وأقواله فيظهر بالمظهر الحسن في لباسه والمرأة تتستر وتلبس اللباس الواسع الذي لا يبين تفاصيل البدن وعليهم أن يعودوا أنفسهم على الكلام الطيب والقول الحسن والبعد عن السباب والشتم والعيب والثلب والتأنيب لمن لا يستحق ذلك فإن الجميع يقتدى بهم أقوالهم وأفعالهم، والله أعلم.

стр. 1576

مشاهدة مباريات كرة القدم في رمضان إعلم أن أيام رمضان غرة في وجه العام فهي أفضل الأزمنة وأجدرها بالاغتنام والأحتفاظ عن الإضاعة وأولها أن تستغل في العمل الصالح الذي يعود على الإنسان بالأجر الكبير حيث أن رمضان موسم من مواسم الآخرة يجب أن تشغله في القراءة والذكر والدعاء والعمل الصالح ولهذا كان العلماء والأئمة من صدر هذه الأمة إذا دخل رمضان تخلوا من التعليم والتحديث وتفرغوا للقرآن تعلماً وتدبراً وتلاوةً فإن رمضان له خصوصية بالقرآن لقول الله تعالى: ((شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن)) فننصحك بتركك للملاهي والألعاب والمباريات والمسلسلات وما يعرف في الشاشات مما يعوقك عن القرآن ويفوتك الخير الكثير في رمضان ثم أنك لست مضطر إلى المحادثات ولا إلى الكلام المكروه ولا إلى الغيبة والنميمة فمتى رأيت أهل مجلس لهو فأنصحههم وإلا فأتركهم وتكذر قول الله تعالى: ((والذين هم عن اللغو معرضون)) وبذلك تكسب وقتك وتسلم من إضاعته.

стр. 1577

القنوات الفضائية

стр. 1578

السؤال:- ما حكم مشاهدة القنوات الفضائية؟ وما هي نصيحتكم لإولياء الأمور الذين قاموا بإدخال جهاز الإستقبال ((الدش)) لأبنائهم؟! الجواب:- هذه القنوات الفضائية عما يبثه أعداء المسلمين أو ضعفاء الإيمان يرسلونها نحو أهل الإيمان والدين الصحيح ليزعموا العقيدة ويشككوا في الدين الصحيح ويثيروا الشبهات بما يبثون من الشبه التي يروجونها بين أبناء المسلمين وكذا تحتوي هذه القنوات على ما يدفع إلى الفتنة ويدعوا إلى أقتراف المحرمات من الزنا والولاط والسرقة والقتل والحيل الباطلة التي يحكوها أولئك المذيعون فلا جرم رأينا وسمعنا الكثير من الجرائم والأفعال الشنيعة التي تقع في المنازل التي تحتوي على أجهزة الأستقبال لهذه القنوات فننصح الملسلم الغيور على محارمه وأولاده أن يبعدهم عن تلقي هذه التصاوير والتماثيل التي تزرع الشر في النفوس وتثير الغرائز إلى أرتكاب المحرمات وإلا فسوف يعض الظالم على يديه ويتمنى إن أبتعد عن هذه الأجهزة فعليه المبادرة وإبعادها قبل أن تستفحل الشرور وتتمكن في النفوس والله المستعان.

стр. 1579

جهل الإنسان إن الإنسان يولد جاهلاً ويرزقه الله سمعاً وبصراً وعقلاً ويكلفه أن يتعلم حتى يزيل الجهل الذي هو وصف له ذاتي، وليس عليه أن يحيط بكل المعلومات ويقرأ كل الفنون وإنما عليه أن يبدأ بالأهم فالأهم ويتعلم ما ينفعه سواء في المدارس والجامعات أو في الحلقات والمحاضرات والندوات أو من الكتب والرسائل أو من الأشرطة والإذاعات وعليه أن يأتي الأمور من مبادئها فيهتم بالعقيدة والتوحيد ويحفظ بعض المتون في ذلك ويقرأ شروحها وكذا يقرأ في النحو والصرف واللغة ما يقيم لسانه ويفهم معه كلام الله تعالى وكلام رسول الله ﷺ وكلام أهل العلم وبحفظ المتون المختصرة في ذلك ويقرأ شروحها حتى يفهمها وكذا يقرأ في كتب العبادات والمعاملات التي هو بحاجة إلى العمل بها في حياتها فإنه مكلف بالطهارة والصلاة والزكاة الخ ويحتاج إلى بيع ونحو ذلك مما هو مضطر إليه وعليه أن يتعلم من ذلك ما تمس إليه الحاجة من البيوع المحرمة حتى يتجنبها وحتى يستفاد من علمه فيها وهكذا بقية العلوم الحكمية في كتب الفقه والحديث وعليه أن يحفظ من المتون أقربها تناولاً وأمهلها فهماه وهكذا يتزود من علوم الآداب والأخلاق واليقرأ في كتب السيرة والتاريخ للعبرة والأتعاظ ونحو ذلك.

стр. 1580

فأما حديث جابر فهو صحيح وهو حجة في طلب العلم فإن الصلاة المكتوبة وصوم رمضان تحتاج إلى تعلم الكيفية وما تتم به الصلاة وما يشترط لها وما يبطلها وما يلحق بها عن السنن والندويات والمكملات وهكذا قوله وأحللت الحلال وحرمت الحرام وهو بحاجة إلى تعلم الكسب الحلال وما يترتب عليه وما يكره فيه وتعلم الحرام وأسبابه وأمثلته ولها شك أن ذلك يحتاج إلى وقت طويل في التعلم من أفواه المشايخ ومن يعلمون الكتب ولا يحصل ذلك بمجرد الفهم والألقاء في الروع. أما قوله: ثم ماذا بعد القراءة ثم ماذا بعد البحث الخ نقول أن القراءة تفيد العلم ويحصل بعدها فوائد جمة ثابتة تؤيد في المعلومات ولا شك أن البحث في الكتب عن المسألة وتتبع مواضعها يفهم منه معرفة حكمها وكلام العلماء وفيها حتى إذا جرت على الإنسان عرف كيف يتخلص منها ولا شك أن تقييد الفوائد سبب في مراجعتها وبقائها في الذاكرة والعلم بما تحويه وكذا يقال في حضور الدروس في المدارس والحلقات حيث يحصل للدراس مسائل يتزود منها خير أو تزيد معلومات يومياً أو أسبوعياً بما لا يحصل للمتخلف والمشغول بحاجة نفسه ولا شك أن الكتب العلمية التي تعب العلماء في جمعها وتنقيحها وتحريرها وبذلوا فيها جهدهم يحصل بها فوائد جمة لمن قصد الأستفادة وأعطاها حقها من القراءة والمطالعة. وأما تحضير المواضيع فيحتاج إليه من بعد بحثاً خاصاً أو يلقى درساً أو محاضرة فهو يحضر بأن يقرأ ويطالع المراجع حتى يتأكد عند الألقاء من صحة ما ألقاه وجواب ما يسأل عنه وحفظ المتون ففائدة كبيرة حيث أن يستحضر الجواب من ذلك المتن عند البحث فيه أو العمل بمسألة فيعرف الحكم ويتذكر نص العلماء على ذلك من حفظه. فأما الإعجاب على قراءة كتب الزهد والترغيب والترهيب فهو مفيد في بعض الأ؛ وال لكن لابد قبله من معرفة الأحكام والواجبات والمحرمات وأمور العقائد ونحوها حتى يكون الإنسان على بعيدة من أمره، والله أعلم
следующие страницы →