الغرب، وهو مع ذلك يردد عقائد الغرب وأفكار الغرب وينادي بالإلحاد ويعتبر يقينيات الدين خرافة، فما بالك بمن ارتمى وهو متشبع بمحبة الغرب ومنجذب إلى كل شيء فيه ببلاهة عمياء؟! لابد أنه سيقول ما قاله يوسف الخال في قصيدة بعنوان شعاع ويقصد به الغرب:
(بزغت فكان أروع ما تجلى
على لبنان من أمدٍ وهلَّا
يعيد إلى ربانا الغرب كهلَّا
يعلمنا - وعلمناه طفلا
فبدد عن شواطئنا الليالي
وعاد بنا على الدنيا مطلا
شعاع الغرب أين وطأت سهلًا
وأين نزلت في لبنان أهلا
شعاع الغرب أي شعاع خير
له في كل جارحة مصلى
مددت يدًا نصافحها وفاءً
فأنت أحق من يوفي وأولى) (١).
وعلى هذا النحو من التبجيل للغرب والارتماء الواله به وبما لديه سارت قوافل الأتباع تحاكي وتنقل إلى بلاد المسلمين فضائح انحطاطها وعبوديتها للغرب، إلى حد أنهم زعموا أنه لا يوجد شيء اسمه الغزو الفكريّ، وبعضهم يقر بوجود غزوِ ولكنه يقول: (يجب ألّا نقاوم أي غزو ثقافي أكان أمريكيًا أو حتى إسرائيليًا) (٢).
стр. 107
وفي سبيل تسويغ الأخذ عن الغرب تجري شبهات التبرير المتعددة، والتي منها على سبيل المثال لا الحصر: المزج بين التقنية والفكر، والقول بأننا إذا أخذنا التقنية الغربية وجب علينا أن نأخذ معها العقائد والأفكار، وهذا ما يؤكده كثير من الحداثيين، ومن ذلك -مثلًا- قول أدونيس (١): (إننا اليوم نمارس الحداثة الغربية على مستوى تحسين الحياة اليومية ووسائله، لكننا نرفضها على مستوى تحسين الفكر والعقل، ووسائل هذا التحسين، أي أننا نأخذ المنجزات ونرفض المبادئ العقلية التي أدت إلى ابتكارها، إنه التلفيق الذي ينخر الإنسان العربي من الداخل) (٢).
ولست هنا بصدد الرد على هذه المغالطة الواضحة في الخلط بين التقنية والعقائد، ولكن فلننظر ما الذي أخذه أدونيس وسائر الحداثيين من الغرب فيما يخص ما نحن بصدده في هذا الفصل وهو توحيد الربوبية.
لقد قام الفكر الغربي الحديث في جانب كبير منه على إنكار وجود اللَّه ، وخضوعًا لمذاهب فلسفية تقدس الحس وتعلي شأنه
стр. 108
وتقدمه على كل المعارف اليقينية العقلية والمعنوية، بل إن بعضها يلغي تمامًا أي شيء عدا المعرفة الحسية الظاهرية المنقولة بالحواس الخمس، أمّا ملكات العقل وضروراته ولوازمه ومعطياته فإنهم يؤمنون منها بما يخدم المذهب الحسيّ الظاهريّ مثل قدرة العقل على تسجيل الظواهر وخزنها في الذاكرة واختبارها بالتجربة ونحو ذلك، وما عدا ذلك -وهو كثير- لا يوقنون به، مع أن (المعرفة البشرية:
١ - معرفة اضطرارية لا تفتقر إلى برهان، ولها ثلاثة مصادر: الحس، وأوائل العقل التي لا تفتقر إلى الحس، والإلهام.
٢ - ومعرفة تكتسب بالبرهان، وهذه مصدرها الحس وأوائل التمييز؛ لأنها تستمد برهانها منهما أو من أحدهما، وهذه المعرفة يتوصل إليها بالبرهان وهو شاهدة الأثر والاستدلال به، مع ضرورة صدق الناقل، وهي على قسمين من جهة الحكم والتصديق عقلية وهي ما أقنع العقل من حس وخبر واستدلال، وغير عقلية وهي ما لم يقنع العقل من حس خاطئ وشرع مدسوس، وإشراقة كاذبة) (١).
والماديون والملاحدة ينكرون الأديان ووجود اللَّه تعالى والكتب المنزلة مع أن إثباتها ضرورة عقلية اضطرارية ونفيها سفسطة، ويوجد من معارفهم ما يناقض دعاواهم الإلحادية، (فإن الماديين من التجريبيين والوضعيين الذين يقولون لا نؤمن بإله غير منظور ولا ملموس ولا مذوق إلى آخر كلامهم محجوجون: بأن الأثير يملأ الفضاء ويبلغنا الضياء ويحمل الأصوات من وراء الجدار وهو غير ملموس ولا منظور ولا مذوق ولا مشموم ولا مسموع والمادة غير محسوسة، وكذلك الموت والروح كل ذلك غير محسوس بالحواس الخمس ومع هذا فلم تهدر حقيقتها، وإن من ينكر حقيقة ما ذكرنا علمًا ضروريًا، ونقول لهؤلاء: ما أدركتموه هل له حقيقة أم لا؟ فإن قالوا: له حقيقة نقضوا أصلهم إذ آمنوا بما لم تدركه حواسهم، وإن قالوا: لا حقيقة
стр. 109
له كذبوا إذ بينت حواسهم أن له حقيقة) (١).
أصبح الإلحاد ظاهرة مرضية منتشرة بين الناس، وخاصة بعد أن قامت دول بتبنيه وتعليمه ونشره والدعاية له والقتال من أجله مثل دولة الاتحاد السوفيتي البائدة، ومن سار في فلكها من دول شرق أوروبا، ومخيرها من دول ما يسمى بالعالم الثالث، ودولة الصين والمنظمات والأحزاب الشيوعية التابعة لكل من السوفييت والصين، أمّا في أوروبا الغربية وأمريكا فإن الإلحاد يتمثل في مدارس فكرية ومناهج فلسفية ومذاهب أدبية وفلاسفة ومفكرين، وكتاب وإعلاميين، وكثير من المثقفين الذين تأثروا بظاهرة الإلحاد الوبائية التي ساعد في انتشارها الإعلام بأجهزته المختلفة، من خلال الترويج لأفكار الملاحدة وإعطائهم بريقًا وجاذبية، وإضفاء صفات الإجلال والإكبار عليهم وإلباس أقاويلهم الباطلة سرابيل الحقائق العلمية والبراهين العقلية دجلًا وخداعًا، في مجتمعات يشكل الإعلام فيها عقليات الناس تشكيلًا عجيبًا، وهكذا سقطت أوروبا النصرانية في معظم بلدانها في شرك الإلحاد باسم العقلانية والعلمانية، وساعد في ذلك قوة وإحكام المكر اليهودي الذي وصف اللَّه أصحابه بأنهم ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ (٢).
إضافة إلى ما سبق ذكره من أسباب جاءت من جهة فساد الكنيسة واستجدادها، وطغيان رجال الدين النصراني وانحرافهم في العلم والعمل والسلوك.
ومع توجه العالم الأوروبيّ وتحركهم ضد العالم الإسلامي في عمليات الاستلاب والانتهاك للمسلمين عسكريًا وسياسيًا وفكريًا، ركزوا جهودهم لسلخ المسلمين عن دينهم، وإبعادهم عن عقيدتهم تحت شعارات التحرر والتحديث والعقلنة والتمدن والحضارة، واستطاعوا أن يجدوا من أبناء المسلمين من يؤمن بالإلحاد وينادي بالكفر، ورأى الغرب في هؤلاء خير وسيلة لمحاربة المسلمين ودينهم بأقوام من بني جلدتهم ويتكلمون بألسنتهم،
стр. 110
أذلة على الكافرين أشداء على المسلمين، عقولهم مسترقة، وأفئدتهم مستعبدة، وأفكارهم مستوردة، أطوع في أيدي الأعداء من الأجهزة المبرمجة، وأسرع في تنفيذ مخططاتهم، وأكثر تلونًا ومكرًا وكيدًا لأمة الإسلام من الأعداء الأصليين.
الحداثيون الملاحدة -محل البحث هنا- أكبر مثال على هذا، وعند التأمل في أقوالهم واعتقاداتهم لا نجد أنهم بارحوا أئمة المادية الإلحادية، وإذا أردنا بحق أن نعرف خلفيات الانحرافات الاعتقادية والفكرية والسلوكية عند هؤلاء فإننا لابد أن نطلع على المذاهب والعقائد والفلسفات الغربية لنجد أن أتباعهم من أبناء المسلمين ليسوا إلّا مسخًا عربيًا لأئمة الانحرافات الغربية.
فمثلًا في قضية وجود اللَّه -جل وعلا- وربوبيته تعالى لا يخرج ملاحدة الحداثة العربية عن دائرة المذاهب الشكية (١) واللاأدرية (٢) والمادية (٣)
стр. 111
بجوانبها العديدة وأوجهها المتنوعة: المادية الاقتصادية (١)، والمادية التاريخية (٢)، والمادية الجدلية (٣)، وكل ما انبثق عن هذه الشجرة
стр. 112
الخبيثة من آداب وأفكار ومذاهب أدبية، ومدارس نقدية ومناهج فكرية وممارسات عملية، كما أنهم تأثروا بالمذهب الطبيعي بشتى اتجاهاته (١)، والمذهب العقلاني المؤله للعقل والمستبعد لما وراء الطبيعة أو تفسيرها تفسيرًا عقليًا ماديًا (٢)، وانساقوا وراء الوضعية بتياراتها المختلفة الوضعية الجديدة أو الوضعية المنطقية، والوضعية المنطقية الأخلاقية (٣).
стр. 113
أمّا المذهب الكفريّ الذي أغرقوا في محبته واتباعه وتغنوا بأفكاره
стр. 114
وفلسفاته وشخصياته فهو المذهب الوجوديّ (١) القائم على الإلحاد وإنكار الإله -جل وعلا-.
وبشكل عام يتلقى رواد الحداثة العربية المنكرون لوجود اللَّه وربوبيته المذهب الإلحاديّ (٢)، وكافة فروعه العلمية والعملية بوَلَهٍ ومحبة واعتناق.
стр. 115
وتجد أسماء أكابر مجرمي الإلحاد تتردد في كتبهم، وتتحول عندهم إلى رموز مقدسة وشخصيات متبعة، وأظهر أئمة الإلحاد الذين ظهر صدى إلحادهم في كتابات ملاحدة الحداثة هم:
١ - توماس هوبز ٩٩٧ - ١٠٩٠ هـ/ ١٥٨٨ - ١٦٧٩ م وهو فيلسوف إنجليزيّ، ومن أوائل الماديين المحدثين وأحد كبارهم، ألف كتاب مبادئ القانون الطبيعي والسياسي، ونشره سنة ١٠٤٩ هـ/ ١٦٤٠ م، ويعتبر ناقلًا لأفكار الماديين اليونان ديموقريطس (١) وأبيقور (٢) الذين هم جذور الإلحاد الفلسفيّ الغربي المعاصر، كان هوبز يحمل عداءً شديدًا للدين والكنيسة ورجال الدين، وليس في فلسفته ما هو جديد على أفكار الماديين اليونان إلّا ما قام به من إحياء لهذه المادية والدعوة
стр. 116
إليها، فيعد بسبب ذلك أول الماديين المحدثين (١).
٢ - ديفيد هيوم (١١٢٣ - ١١٩٠ هـ/ ١٧١١ - ١٧٧٦ م): وهو فيلسوف ومؤرخ واقتصاديّ اسكتلندي ملحد، آراؤه الفلسفية مبنية على إنكاره لوجود اللَّه تعالى، وإنكاره لأسس الأخلاق وفكرة السببية بين الأشياء، انتقل من عداوته للميثافيزيقيا إلى الدين ذاته، ولكي يهدم أصول الأخلاق ذكر بأن سلوك الإنسان عمل آليّ محض، ولا يوجد في الإنسان ما يسمى الإرادة الحرة، وزعم أن الدافع الأساسي لسلوك الإنسان اللذة والألم فقط، انتهج المنهج الشكي وقال به، وأدخل المنهج التجريبيّ إلى حقل العلوم الأخلاقية (٢).
٣ - ديني ديدرو (١١٢٥ - ١١٩٨ هـ/ ١٧١٣ - ١٧٨٤ م): وهو فيلسوف ومفكر فرنسيّ، من مفكري حركة التنوير، أصله ألمانيّ، قرن بين الأدب والفلسفة، مرَّ في ماديته وإلحاده بعدة مراحل: كان ماديًا، ثم وصل إلى اعتناق مبدأ وحدة الوجود (٣)، وناظر رجال الدين من منطلق عقلانيّ ماديّ مناهض لرجال الدين، ثم انتقل إلى المذهب الربوبيّ (٤)، ثم انتقل إلى الإلحاد وتأثر بالنزعة الإلحادية الجريئة عند هولباخ، وعنده أن التجربة
стр. 117
والملاحظة هما وسائل ودليل المعرفة وعن طريقهما يتمكن الفكر من إحراز المعرفة، وقد أثنى الماركسيون على أعمال ديدرو وتعاليمه وامتدحها إنجلز ولينين، وكانوا يلقبونه في عصره بالرسول والموحى إليه ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ (١)، وكان يعرف ديدرو بأنه صاحب طابع أنثويّ (٢).
٤ - هولباخ - بول هنري ديتريش (١١٣٥ - ١٢٠٣ هـ/ ١٧٢٣ - ١٧٨٩ م): كاتب وفيلسوف فرنسي من أصل ألماني، أبرز فلاسفة المادية الملحدة في القرن الثامن عشر، وأشد فلاسفة حركة التنوير إنكارًا للدين وتهجمًا عليه، ويطرح في كتبه كل ذلك بمضادة شديدة للدين، ويعد كتابه "نظام الطبيعة أو قوانين العالم الفيزيائيّ والعالم الأخلاقي" مرجعًا لتاريخ المادية الملحدة، هاجم الكنيسة والدولة والإقطاع وسلط أسلحته كلها على الدين، اهتم بترجمة الأدب الملحد من اللغات الأخرى إلى الفرنسية، تقوم فلسفته المادية الملحدة على أن الإنسان ابن الطبيعة وأنه لا وجود لشيء اسمه الروح، وأن الطبيعة مادة وحركة والعالم الماديّ من صنع نفسه، والتغير في الأشياء تغير في الجزئيات المكونة لها، دعا إلى الفلسفة الداعية لحكم الأخلاق حيث إن الأخلاق والأفكار عنده مصدرها الأحاسيس، ودعا إلى فصل الدين عن الدولة، متعصب لإلحاده، وكان في حياته يذم على صفاقة ذهنه (٣).
٥ - شوبنهاور - آرثر (١٢٥٢ - ١٢٧٦ هـ/ ١٧٨٨ - ١٨٦٠ م): فيلسوف ألماني ملحد، تشاؤمي، ولد من أبوين أسرتهما مشهورتان بحالات أمراض عقلية، فقد مات والده منتحرًا، وكانت والدته أديبة روائية لها صالون أدبيّ
стр. 118
وكانت متسلطة عليه فكرهها وهجرها إلى أن ماتت، وانعكس علاقته بأمه على نفسه فصب مقته على النساء، وكان سليط اللسان، سفه أحلام معاصريه من الفلاسفة بكلام همجي ووصفهم بالدجل والثرثرة، كان شديد التشاؤم معقد النفس، مغترًا بنفسه، ممتلئًا بالمخاوف والقلق، ينام ومسدسه المحشو بالذخيرة تحت وسادته، يخاف من المرض ويتحرز منه بشدة وهلوسة، فإذا كان سليمًا معافى شك أنه ربّما كان مريضًا بشيء لا يعيه، منهمك في محبة الطعام والخمر والنساء رغم ادعائه أنه يمقتهن.
تقوم آراؤه الفلسفية على إنكاره لوجود الرب الخالق العظيم ، وعلل الوجود بأنه إرادة عمياء، وجعل الدافع الجنسي إرادة عمياء وأعضاء التناسل هي بؤرة هذه الإرادة وهي المركز الذي يقابله المخ، وأعضاء الجنس عنده هي أساس الحياة؛ لأنها تحفظها، وتتضمن حياة لا تنتهي، ومن أجل ذلك -في رأيه- عبدها اليونان واليهود، ويرى أن العلاقة الجنسية هي المحور المركزيّ لكل عمل وسلوك وهي تتجلى في كل شيء رغم محاولة سترها (١)، ويعتبر الغريزة الجنسية روح شجرة النوع الذي تنمو عليها حياة الفرد، وبسب تشاؤمه قرر أن العالم شرّ، وجره كفره باللَّه واليوم الآخر إلى هذه الفلسفة، وإلى حياة الشقاء التي عانى منها ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ (٢).
دعا إلى الفن والأدب والجمالية التي تحتقر الواقع، وتكون بمنأى عن المصالح الحيوية للناس (٣)، وقد شكلت فلسفته وآراؤه الأساس الاعتقادي لفلسفة نيتشه (٤).
стр. 119
٦ - فيورباخ - لودفيج اندرياس (١٢١٨ - ١٢٨٨ هـ/ ١٨٠٤ - ١٨٧٢ م): فيلسوف ماديّ ألمانيّ ملحد، اشتهر بنقده للنصرانية والدين عامة وتنحى فلسفته إلى تأليه الإنسان (١)، له كتب مادية ملحدة مثل ماهية المسيحية وماهية الدين، ونظرية نشأة الكون، أخذ أفكار هيجل وانحدر معها نحو الإلحاد، وكان المضمون الأساسي لفلسفته إعلان المادية والدفاع عنها، وهنا تبدى المذهب الطبيعيّ (٢) في دراسة الإنسان، ويعتبِر الدين استلابًا للسمات الإنسانية، ويعتبَر فيورباخ السلف المباشر للماركسية، وبأفكاره وفلسفاته تأثر كل من إنجلز وماركس، وبتأثيره الحاسم في أفكارهما يعتبر بمثابة الأساس للماركسية الملحدة (٣).
٧ - داروين (١٢٢٤ - ١٢٩٩ هـ/ ١٨٥٩ - ١٨٨٢ م): عالم أحياء إنجليزيّ، ثم تفلسف في قضية الوجود فكانت فلسفته مادية إلحادية، صاحب نظرية الانتخاب الطبيعيّ التي يزعم فيها أن الكائنات الحية تنزع إلى الابتعاد في سماتها عن أصولها وتتطور، ويدعي أن الحياة يحكمها قانون الانتخاب الطبيعيّ، وأنه يحدث بالصدفة ويتأكد بالوراثة، وليس فيه قصد ولا نظام ولا يدل على علة تحدثه.
رفض داروين الأديان وجميع مضامينها وخاصة عن وجود الإنسان، بعضهم يصفه باللاأدرية وبعضهم يصفه بأنه ملحد صريح الإلحاد، وتقوم نظريته نظرية النشوء والارتقاء على فرضية أن أصل الكائنات العضوية ذات ملايين الملايين من الخلايا كائن حقير ذو خلية واحدة منها نشأت الحياة ثم تطورت وارتفعت من الأدنى إلى الأرقى، وأن الطبيعة وهبت الأنواع القوية عوامل البقاء والنمو والتكيف، وتدرجت في الرقي إلى أنواع راقية جديدة
стр. 120
كالقردة ثم أنواع أرقى تتجلى في الإنسان، وأن كل ذلك يتم بفعل الطبيعة العشواء بدون قاعدة ولا منطق ولا نظام، ويقول بأن الطبيعة تخلق كل شيء ولا حد لقدرتها على الخلق.
أدت هذه النظرية إلى انتشار الإلحاد بصورة أكبر في أوروبا، وتخلت جموع كثيرة بسببها عن الإيمان بوجود اللَّه تخليًا تامًا أو شبه تام، وترتب عليها أنه لا فائدة ولا جدوى من البحث في الغاية من وجود الإنسان، فأدى ذلك إلى إهمال العلوم الغربية لفكرة "الغائية" باعتبارها لا تقع في دائرة البحث العلمي، وأدى ذلك إلى طغيان الفوضى الاعتقادية والأخلاقية؛ لكون النظرية توحي بحيوانية الإنسان، وكانت هذه النظرية ممهدة لنظرية فرويد في التحليل النفسي، ولنظرية سارتر في الوجودية، وماركس في المادية الجدلية، ولنظرية التطور المطلق في كل شيء تطورًا لا غاية له ولا حدود، وسادت فلسفة أن كل عقيدة أو نظام أو سلوك هو أفضل وأكمل من غيره ما دام تاليًا له في الوجود الزمني، وأنه ليس ثمة كمال ثابت (١)، كل ذلك في إطار عقيدة الإلحاد القائلة بأنه لا حكمة لوجود الخلق، ولا إله (٢).
٨ - كارل ماركس (١٢٣٣ - ١٣٠٠ هـ/ ١٨١٨ - ١٨٨٣ م): مؤسس الشيوعية وفيلسوف الإلحاد المسمى بالمادية الجدلية والداعي إلى الاشتراكية العلمية، والشيوعية مذهب اقتصاديّ سياسيّ، يعتمد على أساس من الإلحاد المسمى بالديالكتيك والمادية، التاريخية الاجتماعية.
وأصل كل ذلك إنكار وجود رب خالق مدبر لهذا الكون، واعتقاد أن
стр. 121
المادة هي كل الوجود، وأن مظاهر الوجود تطور متصل للقوى المادية، وأن أجلى مظاهرها مظاهر تطور الإنسان، وأن أحداث هذا التطور الماديّ -حسب زعم الماركسية- تخضع لقانون جبريّ موجود في ذات المادة، وهو صفة من صفاتها الذاتية، وأن الحياة الاجتماعية والاقتصادية تسير وفق قانون الصيرورة، قائم على القضية ونقيضها ومركب القضية والنقيض وهذه هي المادية الجدلية، ومظهرها صراع الطبقات الاجتماعية.
وقد قامت الفلسفة الماركسية على أساس إنكار وجود اللَّه والقول بأزلية وأبدية المادة وجعلها كل شيء في الوجود، وتفسير حركتها وتفسيرها تفسيرًا ماديًا بحتًا، وبناءً على ذلك قام ماركس بتفسير التاريخ الإنسانيّ تفسيرًا ماديًا وأخضعه لنظام المادية الجدلية، وقد جعل ماركس فلسفته ممارسة حياتية، ففي الاقتصاد الاشتراكية العلمية وهي المذهب الاقتصاديّ القائم على إلغاء الملكية الفردية، وجعل الدولة مالكة لكل شيء على مبدأ: من كلٍ حسب استطاعته ولكل حسب حاجته، وفي السياسة دعا إلى إقامة الدولة الشيوعية عن طريق الثورة الجارفة المدمرة، وفي المجتمع دعا إلى إطلاق الحريات الشخصية على أوسع مدى شريطة أن لا تمس المبادئ الشيوعية أو نظام حكمها، ودعا إلى أن تكون العلاقة الجنسية مشاعًا، وفي الأخلاق نادى بهدم القيم والأخلاق التقليدية التي تعارف عليها الناس، لكي يقوم بدلًا عنها أخلاق البرامج الشيوعية، التي تحقق قيام المجتمع الشيوعيّ على نظام إداريّ سياسي شيوعيّ في دولة "ديكتاتورية البروليتاريا" أي الاستبداد الشيوعيّ الصارم من قبل رأس هرم الحزب الشيوعي، وقد تحقق قيام الشيوعية في دولة الاتحاد السوفيتي الهالك، ودولة الصين الشيوعية المتهالكة، وما تبع ذلك من دول، ولكن الشيوعية اليوم ممارسة وفكرًا تتهاوى وتتلاشى مؤذنة بزوالها التام عما قريب -إن شاء اللَّه تعالى-.
وقد كان ماركس يهودي الأصل، اعتنق والده النصرانية نفاقًا، وكان ماركس صاحب مزاج خبيث وعالة على أهله وأصدقائه، قامت فلسفته على آراء ملاحدة اليونان أبيقور وديموقريطس، ثم أخذ عن هيجل الجدل
стр. 122
والمادية، ثم عن فيورباخ المادية الإلحادية، ثم التقى بإنجلز وشكلا معًا ثنائيًا متساندًا في الكفاح والنضال من أجل نشر المبادئ الشيوعية الإلحادية (١).
وقد تأثر جملة من أدباء الحداثة العربية بالماركسية فكرًا وفلسفة وعقيدة، ودافعوا عنها وسعوا في نشرها وبثها والإشادة بشخصياتها وتاريخها، وبعضهم انضم إلى الأحزاب الماركسية الموجودة في بلدانهم (٢).
٩ - إنجلز- فريدريك (١٢٣٥ - ١٣١٢ هـ/ ١٨٢٠ - ١٨٩٥ م): فيلسوف ألمانيّ ماديّ ملحد، شارك كارل ماركس في صياغة الفلسفة الماركسية وسائر نظرياتها بعد أن التقيا سنة ٢٦٠ هـ/ ١٨٤٤ م، وقد تكفل بالإنفاق على ماركس في حياته وعلى أسرته بعد وفاته، وكل كتابات إنجلز تدور حول تأصيل الماركسية وإذاعة مبادئها، وسعى لأن تكون حركة دولية وانشغل بالجانب السياسيّ والعسكريّ في الانتفاضة الثورية الألمانية ١٢٦٤ هـ/ ١٨٤٨ م، وظل مهتمًا بجعل الشيوعية نظامًا سياسيًا شاملًا، وكرس جهده في الجانب التطبيقي منها، واحتك بالطبقة العاملة (٣).
١٠ - بوخنر - لودفيج بوخنر (١٢٣٩ - ١٣١٦ هـ/ ١٨٢٤ - ١٨٩٩ م): فيلسوف ألمانيّ ماديّ ملحد اشتهر بكتابه "القوة والمادة"،
стр. 123
ونظريته الواحدية التي ترد القوة للمادة وتجعل منها شيئًا واحدًا، ويعرف القوة بأنها نشاط أو حركة المادة، ويعد بوخنر أبرز ممثلي المادية المسرفة، والتي تدعي أنها ترد كل أعمال الإنسان بما فيها الوعي والفكر إلى مضمار المادة والطاقة، وزعم بأن الشواهد العلمية تنكر وجود قوة خارج نظام الطبيعة ويرفض لذلك الغائية؛ لأنه لا يعتبر للغائية تفسيرًا سوى القوانين العلمية، آراؤه المادية الإلحادية تشابه أسلافه من الماديين الملاحدة وأحكامه في ذلك خالية من البراهين ومقرونة بالادعاء والتقريرية الفجة، وبها حاول أن يقاوم القطعيات العقلية في المثبتة لوجود اللَّه والغيبيات، ولكن بلغة وحجة ضعيفتين (١).
١١ - نيتشه - فريدريك فلهم (١٢٦٠ - ١٣١٧ هـ/ ١٨٤٤ - ١٩٠٠ م): فيلسوف ألمانيّ ملحد، مجنون، مصاب بداء العظمة إلى حد تأليه النفس، بدأ بمرحلة الشك والتشتت منذ الثامنة عشرة من عمره وفيها فقد الإيمان بوجود إله خالق مدبر لهذا الكون، ثم قرأ كتاب شوبنهاور "العلم كإرادة وتمثل" وتأثر بفلسفته الإلحادية وتشاؤمه، ثم استرسل في شكه وإلحاده، وأصبح يعادي أصدقاءه تباعًا حتى أصبح في عزلة تامة مع ازدياد جنون العظمة في نفسه حتى حل به الجنون الكامل وفقد عقله كليًا وبقي كذلك حتى هلاكه، وكان قد حاول الانتحار عدة مرات في حياته.
ومن أشهر كتبه "هكذا تكلم زرادشت" صاغ فيه فلسفته بأسلوب شعريّ، وكان مطمحه أن يكون بديلًا عن الإنجيل وبشارة في الوقت نفسه بالأزمنة الجديدة، وليقوم على نقد الدين والقيم الثقافية السائدة، يعد في ميزان الغرب ثالث ثلاثة في الفلسفة الألمانية بعد كانت وهيجل.
آراؤه مليئة بالتخبط والخلط والتخريف، وتقوم على الإلحاد، وجحد وجود اللَّه تعالى والأديان والغيبيات، وجحد اليقينيات والحقائق والتعلق
стр. 124
بأوهام خرافية مع دعاوى عريضة خالية من أي دليل أو برهان؛ لأنه يلغي أصلًا مبادئ الفكر وموازين العقل (١)؛ ولذلك كثرت عنده الأغاليط الفكرية والتخبطات الذهنية، وذلك يرجع إلى رؤيته الناقصة للأشياء والأحداث، وأحكامه التعميمية السريعة، مقرونة بالإعجاب بنفسه والغرور بفكره، وقد توجد في كتبه بعض المقولات ذات التعبيرات القوية الذكية، تشبه ذكاء الشعراء والأدباء الساخرين، لا الحكماء العاقلين، وهذا هو سبب اغترار الإمعات به وانجرارهم إلى شرك أوهامه.
وتدور آراؤه حول نفي العقل، وأنه لا حاجة إليه وأنه خطر (٢)، وإنكار الحقائق والزعم بأن الوجود في "صيرورة دائمة" أي التغير الدائم الذي ليس له غاية ينتهي إليها بل الصيرورة عنده غاية في نفسها وهي كل شيء ولا شيء وراءها (٣).
ومن محاور فلسفته القول بإرادة القوة حيث جعل القوة هي الفضيلة العظمى والوحيدة في الوجود كله، فدعا إليها وإلى استعمالها دون إشفاق أو حنان واعتبر هذا هو أساس الأخلاق؛ ولذلك يسمى "فيلسوف القوة".
وأخذ نيتشه بنظرية التطور المسماة مذهب التطور والارتقاء (٤)، وزعم أن كل صنف يخلق صنفًا أرقى منه وهكذا تم الأمر من الحيوان حتى وصل في آخر الأمر لخلق الإنسان، وأن على الإنسان أن يخلق الصنف الأعلى والأرقى وهو "السوبرمان" أي الإنسان الأعلى، وجعل ذلك هو غاية الإنسانية.
стр. 125
ويقرر نيتشه أنه ليس بعد الموت شيء، وبين هذا القول ومذهب القوة قرر أن الانتحار مظهر من مظاهر القوة ويسميه الموت الإراديّ، غير أنه لم يطبق هذا المبدأ على نفسه رغم كثرة علله وأمراضه، حتى وصل إلى الجنون ولم ينتحر.
وبناء على هذا الخليط المشوش من الأفكار نادى بتحطيم القيم التقليدية وهدم المذاهب الأخلاقية والدينية والفلسفية، وإيجاد قيم جديدة (١) للوصول إلى خلق الإنسان الأعلى "السوبرمان".
ودعا الإنسان في الأخلاق الجديدة التي أرادها ليكون فوق كل قيمة وكل قانون وفوق ما يسمى الخير والشر؛ لأن مهمته الرئيسية هو أن يكون خالقًا للقيم التي يريد، واضعًا ما يشاء من الأخلاق والسياسة والنظم والمعتقدات (٢)، وأساس كل مزاعمه هذه إعلانه الإلحاديّ الكافر بأن اللَّه مات -تعالى اللَّه عما يقول الكافرون علوًا كبيرًا- وأعلن نفسه إلهًا وربًا (٣)، حتى وصل إلى الجنون ومات كذلك (٤).
ويعتبر نيتشه في أفكاره هذه وغيرها قدوة للحداثيين وأستاذًا كبيرًا وفيلسوفًا عظيمًا عندهم.
١٢ - سبنسر - هربرت (١٢٣٥ - ١٣٢٠ هـ/ ١٨٢٠ - ١٩٠٣ م): فيلسوف إنجليزيّ ملحد، يقولون عنه بأنه أعظم فيلسوف إنجليزي في القرن التاسع عشر، وفاخرت به إنجلترا ورفعته إلى مرتبة العبقريّ القويّ ورأت فيه أوروبا واحدًا من عظماء ذلك القرن.
стр. 126
نشأ سبنسر مريضًا كسولًا وكان يشعر بأنه صاحب رسالة، فأراد أن يعطي تصورًا عن العالم وتفسيرًا للوجود يعتمد على العلم والعقل، فشرع في التأليف معتمدًا على مواهبه الفطرية، وثقافته الذاتية، وملاحظاته المباشرة، فنزع إلى الإلحاد والمادية، وارثًا ذلك عن أبيه وجده لأبيه فقد كانا ماديين لا يؤمنان بشيء فوق الطبيعة.
قامت نظرته الفلسفية على نظرية الارتقاء المماثلة لنظرية دارون، ونشر عن ذلك قبل أن ينشر دارون كتابه "أصل الأنواع" بتسع سنوات، ثم لما نشره دارون زاد ذلك من حماسة سبنسر لفكرته وانبرى يؤلف سلسلة من الكتب تشرح كل العلوم المعروفة في ضوء نظرية التطور والارتقاء المادية الإلحادية في محاولة منه لوضع نظرية فلسفية شاملة، أو فلسفة تركيبية كما كان يسميها.
هناك من يعد إلحاده من مذهب اللاأدرية (١)، وهناك من يعده من صرحاء الملحدين، تدور فلسفته على فكرة التطور الذاتي، وجعلها مفسرة لكل ظواهر الوجود وأخضع لها كل شيء، الحياة والعقل والمجتمع والأخلاق (٢).
يرى أن العقل عاجز عن إدراك الحقيقة، ومع ذلك يعظمه ويقيس به كل شيء وهو عنده كالّ ضعيف!!!، يعتبر سبنسر أستاذًا من أساتذة المذهب الوضعي (٣).
وبناء على فلسفته المادية يقول: كل ما يتجاوز إدراكنا ونطاق العلوم الواقعية يؤلف مجال المجهول ويؤدي إلى الاعتقاد بوجود ما لا يُمكن معرفته. . . ثم يرتب على هذه المقدمة الفاسدة نتيجة فاسدة هي: كل ما نستطيع أن نجزم بصدده هو أن نقول: إننا لا نعرف ما إذا كان اللَّه موجودًا أو غير موجود، وما من سبيل أمامنا إلّا أن نعتنق اللاأدرية بوصفها الاختيار
стр. 127
الوحيد (١)، انتشرت فلسفة سبنسر في أمريكا وتأثر بها بعض الشرقيين (٢).
١٣ - برتراند راسل (١٢٨٩ - ١٣٨٩ هـ/ ١٨٧٣ - ١٩٧٥ م): رياضيّ وفيلسوف إنجليزيّ ملحد، أشهر فلاسفة فترة ما بين الحربين العالميتين، كتب كثيرًا في الفلسفة وفروعها المتعددة، يعتبر رائدًا للحداثيين والمثقفين التقدميين الملاحدة في أوروبا والغرب وأتباعهم.
شديد الغلو في إلحاده الذي بثه في مؤلفاته الفلسفية والأدبية والتي نال عليها جائزة نوبل للاداب عام ١٣٦٩ هـ/ ١٩٥٠ م، أثرت مؤلفاته المبسطة والمتعمقة على الناس في أوروبا وأمريكا وصبغت الفكر الأوروبي والأمريكي المعاصر بصبغة ما زالت ملازمة لها.
تدور فلسفته على الإلحاد أولًا والمذهب الوضعي وفلسفة الشك المسيطر على جوانب فكره، ويظهر التناقض والعجز الفلسفي في مؤلفاته، ينادي بالمنطق الرياضي وتطبيقه فلسفيًا، ويتبنى مبدأ التغير المستمر، ويزعم أنه من المستحيل إدراك الواقع خارج نطاق مناهج علوم الطبيعة ثم شكك في ذلك، آراؤه في علم النفس مغرقة في المادية باعترافه، وذهب إلى اعتبار الإنسان جزءًا لا قيمة له بين أجزاء الطبيعة وأن عقله خاضع للقوانين الطبيعية، نفى وجود اللَّه والبعث بعد الموت والخلود، وصب هجومه على الدين بشتائم مليئة بالحقد والكراهية، وزعم أنه لا فائدة من النظريات الأخلاقية، وقال بنسبية آداب السلوك (٣)، وأرجع النشاط الإنسانيّ إلى الغريزة والعقل والروح، ودعا إلى نظام اشتراكي تحرريّ إنسانيّ، وأسس مع سارتر الملحد الوجوديّ الفرنسي مؤسسة راسل للسلام ضد الحرب والسلاح النوويّ.
стр. 128
ودافع عن الإباحية الجنسية، والزواج الجماعيّ، والزواج تحت التجربة والاختبار، وحرية الحياة الجنسية، والسماح بها في سن مبكر، وناهض قوانين منع اللواط، وغير ذلك من الثمرات المرة البائسة للمادية والإلحاد (١).
١٤ - هايدجر مارتن (١٣٠٦ - ١٣٩٦ هـ/ ١٨٨٩ - ١٩٧٦ م): فيلسوف وجوديّ عدميّ ألمانيّ ملحد، يعدونه أهم فيلسوف في القرن العشرين، ويسمونه مفكر الوجود لدوران فلسفته حول سؤال: ما الوجود؟، وهو تلميذ لادموند هوسرل اليهوديّ الألمانيّ، وكان هايدجر عضوًا في الحزب النازيّ وكان شديد التعصب لوطنه ولغته، ويرى أن الفلسفة لا يُمكن أن تكون بدون اللغة الألمانية وأن شعبه هو الوحيد القادر على تجديد الفكر الغربيّ.
حاول في كتابه "الوجود والزمان" أن يحدد علاقة الوجود بالإنسان انطلاقًا من الإنسان الذي هو الإله (٢) الذي يحضر الوجود هنا، وأنه يفهم الوجود الإنساني من حيث أن الإنسان هو الكائن الذي ينكشف من خلاله معنى الوجود، وأنه حذف به إلى عالم ليس من صنعه، إلّا أنه قد أخلي بينه وبين استيعابه وتعديله، ويرى أن القلق هي الحالة الوحيدة التي تبدو بها حقيقة الإنسان وتعيد إليه الوعي وليس للإنسان من دور سوى أن يسعى لإقامة وجوده، ودعا إلى إقامة مجتمع حر ليبراليّ يهتم بالثقافة والقيم.
وفلسفة الوجود أساس فكرته، ويشدد عليها، ويرى أن التشديد من الآن فصاعدًا سيكون على الوجود الذي لا يعدو الإنسان أن يكون هو إلهنا العائد إليه "حسب زعمه الإلحاديّ"، وأن الوجود هو مقوم إنسانية الإنسان، وأنه قاعدة كل مذهب إنساني، والوجود ليس هو اللَّه -تعالى اللَّه- ولا أساس
стр. 129
العلم، الوجود هو أبعد من كل موجود (١).
ولهايدجر تأثير واضح على سارتر وفلاسفة الوجودية من بعده.
١٥ - سارتر - جان بول سارتر (١٣٢٢ - ١٤٠٠ هـ/ ١٩٠٥ - ١٩٨٠ م): كاتب وفيلسوف وجوديّ فرنسيّ ملحد، تتلمذ على هايدغر وعلى هوسرل اليهوديّ الألمانيّ، كتب في الفلسفة والأدب بمنظور إلحاديّ ماديّ وجوديّ، وأحب الماركسية ودافع عنها رغم انتقاداته لبعض أفكارها وممارساتها وحاول إيجاد حركة سياسية يسارية جديدة تكون نواة لحزب يساريّ بديل عن الحزب الشيوعيّ يستقطب به المثقفين والعمال، وأصدر صحيفة اليسار، والوجودية التي نادى بها سارتر ليست في الأصل مذهبًا بل إنها تمرد على المذاهب لأنه لا يُمكن أن يكون ثمة مذهب للوجود -هكذا يزعم سارتر- مع أن الحقيقة أن الوجودية أصبحت مذهبًا تمرديًا أنانيًا ينادي بالحرية المطلقة للفرد ليتحقق بها ما يشاء من أعمال وسلوكيات.
تعرف سارتر على سيمون دي بفوار وعشقها سنة ١٣٢٣ هـ/ ١٩٠٦ م وبقيا في معاشرة داعرة طوال حياة سارتر وبصورة معلنة؛ وذلك ليثبت وجوديتهما من خلال رفض رباط الزواج وممارسة الوجودية عمليًا، ولسارتر كتاب بعنوان تأملات في المسألة اليهودية نشره عام ١٣٦٥ هـ/ ١٩٤٦ م وهو معروف بمناصرته العلنية لليهود والصهيونية.
وسارتر يجحد وجود اللَّه تعالى وكتبه ورسله والغيبيات جميعًا وكل ما جاءت به الأديان ويعتبرها عوائق ضد حرية الإنسان ويعد التقدم والتطور في الإلحاد (٢).
стр. 130
هؤلاء هم أبرز ملاحدة الغرب الذين يظهر أثرهم في كتابات ملاحدة الحداثة في الغرب ثم في آثار أتباعهم في الحداثة العربية، علمًا بأن هؤلاء لا يطرحون أفكارهم الإلحادية في شكل فلسفيّ كما يطرحها هؤلاء الذين ذُكرت أسماؤهم وإنّما تجدهم ينفثون ذلك في سموم كتاباتهم الأدبية، شعرية أو قصصية أو في المقالات والكتابات النقدية؛ وذلك أن الأتباع -في الغالب- يكونون أقل عمقًا من متبوعيهم وأكثر حماسة منهم، وهذا ماسوف نراه في النماذج الحداثية العربية.
غير أنه قد يدّعي بعضهم أنه لا ينكر وجود اللَّه تعالى وربوبيته، وأنه يقر بذلك، وإذا أخذنا هذا بشيء من التسليم فإنه ذلك لا يعني أن المقر بالربوبية قد انتفت عنه الانحرافات الاعتقادية الأخرى ما دام أنه ينكر ألوهية اللَّه تعالى كليًا أو جزئيًا أو يستخف باللَّه تعالى أو برسله أو بكتبه أو بأي شيء من شرعه أو أخباره.
ثم إننا إذا تأملنا هذه الدعوى وجدنا أنها لا تخرج عن التبعية لمذاهب غربية أخرى قد لا تعد في مفهوم الغرب ومعاييره من المذاهب الإلحادية، وهو ما يسمونه "المذهب الربوبيّ" الذي بدأ في القرن الثامن عشر الميلادي في إنجلترا، بعد أن ظهرت المذاهب ذات الصبغة الإلحادية الصريحة، وكان في مقابلها المذهب الدينيّ الكنسيّ النصرانيّ الذي قاوم بشدة هذه التوجهات الإلحادية، لكن موجها كان أكبر من سفينته المفككة المنخورة، والرجة الفكرية التي حدثت تبعًا للصراع بين العلم وحقائقه والكنيسة وزيفها وخرافاتها كانت أكبر من أن تحتمله جدران الكنيسة المتصدعة، ونشأ بين التيارين المتناقضين -أعني التيار الإلحادي الصريح والتيار الكنسي المحافظ- تيار ثالث يدعي التوفيق بين التيارين وهو أقرب إلى الإلحاد، إلّا أنه يريد الإبقاء على شيء من دين ولكن غير الدين المحرف الذي كانت الهجمات قد توالت عليه منذ القرن السابع عشر الميلادي فأنهكته (١)، ولما جاء القرن
стр. 131
الثامن عشر كانت طلائع النقد الهادم للدين النصرانيّ واليهوديّ قد قطعت شوطًا كبيرًا وألقت بظلال من الشك على التوراة والإنجيل وعلى الأصل الموسويّ لأسفار موسى الخمسة (١) حتى قال قائلهم في عام ١١٥٢ هـ/ ١٧٤٠ م: (لقد أصبح الكثيرون من الناس يعتقدون بأن المسيحية هي في نهاية المطاف خرافة) (٢).
ولقد أسهم هذا التيار الجديد في هدم البقية الباقية من الدين النصرانيّ المحرّف، وتميز العصر المسمى عصر التنوير ١١٠١ - ١١٤٢ هـ/ ١٦٩٠ - ١٧٣٠ م (٣) بالمناظرات الشديدة التي دارت حول المسيحية بين أولئك الذين يسمون أنفسهم بـ "الربوبيين" وبين أتباع الكنيسة المتعصبين لها (٤).
هذا هو التيار الثالث المتولد بين صرحاء الإلحاد ومتعصبة النصرانية، وهو ما أطلق عليه اسم "الربوبيون" فهل هم فعلًا يؤمنون برب خالق قادر متصرف هو اللَّه الحكيم العليم، أم أن لهم ربًا آخر يؤمنون به؟.
المذهب الربوبيّ في المفهوم الغربيّ الماديّ هو كما عرفته الموسوعات الفلسفية: (وجهة النظر التي تؤكد الاعتقاد بوجود إله غير شخصيّ كسبب أوليّ للعالم وليس كإله الديانات الكتابية. . . ويعتقد الربوبيّ أن اللَّه خلق العالم وتركه يعمل وفق قوانينه ودون تدخل منه، ومن ثم ينفي القدرة المطلقة والعلم المطلق عن اللَّه. . .) (٥).
ومما جاء في الموسوعة الفلسفية التي وضعها لجنة من العلماء والأكادميين السوفياتيين: (الربوبية: الاعتقاد بوجود إله كسبب أوليّ لا
стр. 132
شخصيّ للعالم، والعالم -من وجهة نظر الربوبية- قد تُرك لفعل قوانينه الخاصة بعد أن خُلق، وكان أول ظهور الربوبية في إنجلترا، وهربرت أوف تشيربوري ٩٩١ - ١٠٥٨ هـ/ ١٥٨٣ - ١٦٤٨ م هو "أبو الربوبية"، وحيث كانت تسود المفاهيم الدينية الإقطاعية فإن الربوبية كانت غالبًا ما تتخذ شكلًا زأئفًا من المذهب الإلحاديّ) (١).
هذا هو المذهب الربوبيّ كما يسميه فلاسفة الغرب، وقد انتشر من إنجلترا وعبر القنال إلى سائر القارة الأوربية، وأصبح جزءًا من حركة الفلاسفة الكبار في فرنسا (٢).
وفي حقيقة الأمر أن هذا المذهب وإن كان أصحابه يقرون بأن الكون له موجد إلّا أنهم أقرب إلى الإلحاد منهم إلى الإثبات كما في التعريف السابق أن هذا المذهب اتخذ شكلًا زائفًا من المذهب الإلحاديّ، فهو عبارة عن مسخ فكري ماديّ لايؤمن باللَّه كما هو عليه من صفات، ولا يقول بأقوال صريحة في الإلحاد، ويتجلى ذلك في شخصية فولتير صنم الحداثيين وقبلتهم الفكرية، فقد هاجم الأناجيل والكتب المقدسة عند اليهود والنصارى، وعدّى ذلك بنظرته التشاؤمية إلى سائر الأديان باعتبارها مصدرًا للتعصب والتعسف والظلم، ورفض علم ما بعد الطبيعة لأنه مصدر تعاسة الإنسان كما يقول فولتير، وخلص إلى رفض العقائد الدينية والوحي والمعجزات، وآمن بدين ألوهيّ خاص به كما يقول المترجمون له، وأن للكون إلهًا علويًا غامضًا لا يعنى بشؤون الناس والكون، ولا يعنى بتنظيم حياة البشر، وقد نزع في كل ذلك نزعة أبيقورية (٣).
стр. 133
وقرر في كتبه أن إلهه الذي يؤمن به لا شخصي وأنه فوق مستوى الإدراك، وسبب قوله بهذا القول أن العقل يجزم بوجود عقل أعلى خالق للكون -حسب تعبيره- ويقول: لو لم يكن اللَّه موجودًا لوجب اختراعه (١).
والآن بعد ذكر جذور الإلحاد وأكابر الملحدين الغربيين الذين هم قدوة ملاحدة العرب من المثقفين وغيرهم، سوف نخلص إلى بيان أنواع الانحراف الاعتقاديّ في الأدب المعاصر في قضية وجود اللَّه تعالى وربوبيته وذلك من خلال العناصر التالية:
١ - نفي وجود اللَّه تعالى أو التشكيك في ذلك.
٢ - نفي كون اللَّه تعالى ربًا خالقًا مدبرًا "نفي توحيد الربوبية".
٣ - نسبة الأبدية للمخلوق والقول بأزلية العالم والخلق.
٤ - الزعم بأن الوجود عبث.
٥ - نسبة الخلق إلى غير اللَّه تعالى، وتسمية غير اللَّه خالقًا.
٦ - نسبة الربوبية إلى غير اللَّه تعالى.
٧ - السخرية والتدنيس والاستخفاف بالخالق الرب -جلَّ وعلا- وتوحيد الربوبية.
والآن إلى تفصيل ذلك وإثبات شواهده:
أولًا: نفي الحداثيين لوجود اللَّه تعالى، أو التشكيك في ذلك:
يربط أكثر الحداثيين بين التحرر الذي يصبون إليه، والتقدم الذي يزعمونه ويدعونه، ونفي وجود اللَّه تعالى وجحد كونه خالقًا مدبرًا لهذا الكون وفلسفتهم تقوم على إبعاد الثنائية عن العالم والإنسان، وإزاحة مفهوم أن الكون ينقسم إلى خالق ومخلوق.
стр. 134
وفي هذا الصدد يقول حسن حنفيّ (١) الذي يعد عند بعض العلمانيين والحداثيين من أصحاب التوجه الإسلامي المستنير!! يقول في ندوة عقدت في لندن بعنوان "الإسلام والحداثة" عام ١٤٠٩ هـ/ ١٩٨٩ م: (إن العالم مقسوم إلى قسمين: اللَّه والعالم، فينعكس ذلك حتمًا في المجتمع، على السلطان على الحاكم والمحكوم، وسينعكس في الأسرة على الرجل والمرأة، والسؤال الموجه لك هو: أن هناك ثلاثة اختيارات، اختيار حركة تحرر المرأة. . . في البداية لتحرير المرأة من الرجل، وهناك المثقف العلماني الذي يبدأ بتغيير النظام السياسيّ، وهناك الذي يحاول تثوير الدين، ما لم نقض على هذا التصور الثنائي للعالم ورؤية العالم بين حاكم ومحكوم، وعلى المستوى الدينيّ بين خالق ومخلوق، فلن تستطيع حركات تحرر المرأة أن تفعل شيئًا، ولن يستطيع المثقف العلمانيّ أن يؤدي دوره ما لم نقض على هذا التصور، هذا السؤال الأول في آليات التغيير) (٢).
ويعد علمانيّ آخر أن قضية لزوم تطبيق حكم اللَّه في الأرض مرتبط في عقيدة المسلم بإيمانه بوجود اللَّه الخالق، وأن هذا الاعتقاد هو الذي يشكل الرباط المعرفيّ والأسبقية الاعتقادية التي ينبني عليها القول بلزوم انضواء السياسة تحت الإسلام، كما يقول بذلك علماء ودعاة الإسلام اليوم، ومن ثم
стр. 135
يشير هذا الكاتب إلى ما يجب استبعاده من منظومات عقائد المسلم، باعتبارها الأساس للقول بوجوب الحكم بشرع اللَّه في سائر نواحي الحياة وهي القضية التي يسعى لمحاربتها، ويرى أنه لا يُمكن استبعادها إلّا باستبعاد أساسها الاعتقاديّ، فيقول: (. . . إن الكلام على الماهية العقدية للإسلام هو كلام على ذلك الاعتقاد الذي له أسبقية منطقية على الاعتقادات الدينية الأخرى للمسلم، إن أسبقية المنطقية يحتّمها كونه الأساس الأخير لكل اعتقاد آخر للمسلم، إنه ما ينبغي أن نلجأ إليه في نهاية التحليل لتقرر ما الذي يتحتم استبعاده أو عدم استبعاده أو لا يتحتم استبعاده من منظومة اعتقادات المسلم الدينية، ومعيار الاستبعاد أو عدم الاستبعاد هو معيار منطقيّ في المقام الأول) (١).
إلى أن يقول: (ولكن أي اعتقادات المسلم هو الاعتقاد المؤهل لاحتلال هذا الوضع الابستمولوجيّ (٢) الفريد في المنظومة الاعتقادية للمسلم؟، إنه لا شك الاعتقاد بوجود خالق أزليّ كليّ الحضور واحد أحد لكل شيء، خالق واجب الوجود، وكليّ العلم، وكليّ الخير، وذي حرية تامة ومصدر للإلزام الأخلاقي، إن أي اعتقاد آخر يتعارض معه مستبعد بالضرورة من المنظومة الاعتقادية للمسلم. . .) (٣).
وبعد سفسطات سخيفة يقول: (هل يُمكن أن يكون اللَّه ذر الطبيعة المسندة إليه من قبل الإسلام كائنًا يُمكن أن يأمر البشر بأن يقيموا دولتهم على أسس معينة لا سواها بغض النظر عن ظروفهم الزمانية والمكانية؟ هل يُمكن لكائن له طبيعة اللَّه أن يفرض على المؤمنين في كل عصورهم وأممهم ألا يفصلوا بين دينهم والسياسة؟. . .) (٤).
стр. 136
فها هو بعد التشكيك في اللَّه تعالى، وبعد نظرية الاستبعاد التي ذكرها، يتهكم باللَّه تعالى ويعتبره صاحب طبيعة مسندة إليه من قبل الإسلام؟ أي أنه تعالى ليس له حقيقة وإن افتُرض أنه موجود فوجوده ليس إلّا وصفًا مخترعًا من قبل الدين الإسلاميّ، ثم يوغل في التهكم فيصف اللَّه بأنه "كائن".
وبعضهم قد تجاوز هذا الحد في التهكم والسخرية والإلحاد وتلفظ بكلام عظيم في حق اللَّه تعالى، ولولا أن هذا البحث يتمحور حول إثبات الانحرافات الاعتقادية لدى أصحاب الأدب المعاصر لما جرى نقل هذا الكلام السخيف، على أن ناقل الكفر ليس بكافر، أسأل اللَّه العفو والغفران.
وكما حاول العلماني السالف الذكر أن يربط بين العلمانية ونفي وجود اللَّه، فإن الحداثي -وهو علماني بالتبع- يحاول أن يربط بين ما يسميه الإبداع والإلحاد، ويؤكد أنه لا حداثة ولا إبداع إلّا مع نفي وجود اللَّه -جلَّ وعلا- أو "قتل اللَّه" -سبحانه وتعالى عما يقولون- كما يعبر عن ذلك أدونيس ممتدحًا جبران خليل جبران (١) في كتابه الهدام "المجنون" فيقول: (قلت: إن كتاب جبران هدمي، وهو لذلك يضعنا في مناخ العدمية، نشعر أن الأخلاق والقيم الدينية تهدمت في العالم الذي يسكنه المجنون، لم تعد ثمة غاية ولا اتجاه، ولم يعد ثمة نور يضيء ولا طريق. .
стр. 137
كل نقد جذريّ للدين والفلسفة والأخلاق يتضمن العدمية ويؤدي إليها، وهذا ما عبر عنه نيتشه بعبارة "موت اللَّه"، وقد رأينا أن جبران قتل اللَّه هو كذلك -على طريقته- حين قتل النظرة الدينية التقليدية، وحين دعا إلى ابتكار قيم تتجاوز الملاك والشيطان، أو الخير والشر، والواقع أننا بعد أن ننتهي من قراءة "المجنون" نشعر أن ثمة تاريخًا من القيم ينتهي.
ومن الواضح أن جبران لا يحلل تحليلًا فلسفيًا أو علميًا القيم التي يهدمها وإنّما يعرضها بشكل يجعلها مشبوهة، فمتهمة فمرفوضة، إنه يحاول بتعبير آخر أن يظهر خطأ التفسيرات التي تقدمها الأديان والأخلاق التقليدية للعالم والإنسان فيما يدعو إلى محو المذهبية القيمية، ويؤكد على فاعلية الحياة والإنسان الذي يبتكر القيم الجديدة، الأخلاق التقليدية هي التي تعيش الخوف من اللَّه، وتنبع من هذا الخوف، الأخلاق التي يدعو إليها جبران هي التي تعيش موت اللَّه، وتنبع من ولادة إله جديد، إنه إذن يهدم الأخلاق التي تضعف الإنسان وتستعبده، ويبشر بالأخلاق التي تنميه وتحرره، إنه يهدم الأخلاق السلبية الانفعالية التي تتقبل الراهن الموروث من القيم، ويبشر بالأخلاق الإيجابية الفعالة التي تخلق هي نفسها القيم، إنه يريد بالتالي أن يحل محل الفكر المأخوذ بأخلاق المستقبل محل الفكر المأخوذ بأخلاق الماضي؛ ولهذا فإن كتاب "المجنون" دعوة لقلب نظام القيم) (١).
فأدونيس يثبت هنا إلحاده وإلحاد جبران وهم في ذلك ليسوا إلّا تبعًا لنيتشه (٢) الفيلسوف الألمانيّ الملحد، ويؤكد أن هذا الإلحاد هو عنصر الإيجابية والفعالية والإبداع والابتكار والتجديد، وهذا محور أساسي من محاور فكر أستاذ الحداثة الكبير وقدوة الحداثيين وأشباههم، فهو لا يفتأ يكرر مثل هذه المعاني داعيًا إلى تأليه الإنسان وجحد الخالق البارئ العظيم ، فها هو يقول: (. . . إن جوهر الإنسان ليس في كونه مشروطًا بل في كونه يفلت من الشروط كلها، ليس في كونه مخلوقًا بل في
стр. 138
كونه خالقًا، فجوهر الإنسان هو في أنه كائن خلاق مغير، وجوهر الثقافة بالتالي هو إذن في الإبداع المغير) (١).
ويبحث أدرنيس عن جذور له في الفكر العربيّ فلايجد إلّا ابن الراونديّ (٢) وأضرابه من الزنادقة الملاحدة، فينقل كلامه في معرض تأصيل للحداثة وفي سياق تبجيل وتمجيد للأفكار المتحررة حسب زعمه، ويأتي بأقواله في التهكم بالنبوة والسخرية بالمعجزات والنيل من الملائكة -عليهم الصلاة والسلام- ثم يقول بعد ذلك: (وابن الراونديّ هنا لا ينتقد المعجزة بذاتها وحسب وإنما ينتقد كذلك المنطق الداخلي المتهافت الكيفيّ لدى القائلين بها. . . وينتهي ابن الراونديّ إلى القول بأن العقل يناقض النبوة، فمن جهة أولى ليس "للخلق أول" والكلام الإنساني حادث، ولا يرجع في أصله إلى الأنبياء، والإنسان هو الذي ابتكر بعقله كل شيء دون حاجة إلى الأنبياء يقول مثلًا: "إن الكلام مستملى عن الوالدين صاعدًا قرنًا فقرنًا إلى ما لا نهاية له فليس للخلق أول) (٣).
ثم يمزج أدونيس إلحاده في خليط خبيث بين الصوفية الفلسفية والسورياليّة (٤) فيقول: (. . . فمن الصحيح القول ليس للَّه بالمعنى الدينيّ
стр. 139
التقليديّ أي حضور في التجربة السوريالية. . . لكن ليس له كذلك، بالمعنى الدينيّ التقليديّ أي حضور في التجربة الصوفية، أو لنقل أن حضوره فيها ليس حضور انفصال وتجريد عن الوجود كما هو الشأن في النظرة الدينية التقليدية، وإنّما هو حضور اتصال بالوجود، حضور اتحاد ووحدة، "اللَّه" صوفيًا ليس الواحد - إلّا لأنه الكتير، إنه من الوجود "النقطة العليا" كما يقول بريتون (١): النقطة التي يتوحد فيها ما نسميه المادة وما نسميه الروح وتزول التناقضات فهو ليس الواحد الذي يخلق الوجود من خارج ودون اتصال به، وإنّما هو الوجود نفسه في حركيته ولا نهايته، ليس في السماء وليس في الأرض، بل هو السماء والأرض معًا متحدين. . . واللانهاية ليست خارج المادة بل هي داخل المادة، اللانهائي الإنسان نفسه والمادة نفسها) (٢).
ويشرح أدونيس هذه الخرافات في مواضع عديدة في كتابه الصوفية والسوريالية ويؤكد أنهما وجهان لعملة واحدة وأن ما يسميه التلاقي في الطريق المعرفيّ يجمع بينهما، غير أنه لم يشر إلى أن تلاقيه هو الآخر مع الصوفية والسوريالية آت من عقيدته الأصلية الباطنية النصيرية، إلّا أنه في موضع من مقدمة هذا الكتاب ألمح إلى هذا دون أن يصرح بنصيريته فقال: (. . . أبادر إلى القول أن غايتي من هذا البحث ليس القول إن الصوفية والسوريالية شيء واحد، أو إن الأولى بوضعها تجربة متقدمة زمنيًا أثرت على الثانية بشكل
стр. 140
مباشر، أو مداور، إن غايتي هي التوكيد على أن في الوجود جانبًا باطنًا لا مرئيًا مجهولًا، وأن معرفته لا تتم بالطرق المنطقية العقلانية، وأن الإنسان دونه محاولة الوصول إليه كائن ناقص الوجود والمعرفة وأن الطرق إليه خاصة وشخصية، وأننا نجد استنادًا إلى ذلك قرابات وتآلفات بين جميع الاتجاهات التي تحاول أن تستشرف هذا الغيب. . .) (١).
ولم يبق لأدونيس إلّا أن يكشف السجف الرقيق المتبقي خلف هذه العبارات ويقول صراحة بباطنيته ونصيريته، ولولا خشية الاستطراد والخروج عن حدود هذا الفصل لذكرت بتفصيل موثق أن أدونيس في حداثته باطني وفي علمانيته نصيريّ، وفي إبداعه قرمطيّ، وأنه لا يعدو قدره وإن تطاول.
أمّا ما أشار إليه في النص السابق من أن اللَّه تعالى ليس الواحد الذي يخلق الوجود من خارج وإنّما هو الوجود نفسه، فهو مذهب وحدة الوجود بمضمونه الغربيّ، وهو مضمون إلحاديّ بحت، وقد جاء تفسيره في المعاجم الفلسفية بأنه: (. . . تغليب فكرة العالم فلا يسلم إلّا بوجوده ويرد كل شيء إلى المادة فهي حية بذاتها، وعنها نشأت الكائنات جميعها، وهذه وحدة مادية. . . ولم يخل هذا المذهب من نقد لما فيه من إلحاد. . .) (٢).
ومذهب وحدة الوجود: (تعاليم فلسفية تذهب إلى أن اللَّه مبدأ لا شخصي ليس خارج الطبيعة ولكنه متوحد معها، ومذهب وحدة الوجود يبث اللَّه في الطبيعة ويرفض العنصر الخارق للطبيعة. . .) (٣).
وحين نتعقب كلام أدونيس في كتاب الصوفية والسوريالية فإننا نجده يدور حول هذه المفاهيم بخلفية باطنية وشكوك إلحادية.
فها هو يبتهج بالنتيجة الهائلة التي وصل إليها؛ لأنها تطابق معتقده وتوافق مقصده في هدم الدين، وذلك حين يقول في معرض التوافق
стр. 141
المنهجيّ بين الصوفية والسوريالية (. . . فالمنهج واحد وفي تطبيق هذا المنهج مشابهات كثيرة تدفع إلى القول بأن السوريالية صوفية وثنية أو بلا إله، وغايتها التماهي مع المطلق، وبأن الصوفية سوريالية تقوم على البحث عن المطلق والتماهي هي أيضًا معه) (١).
ثم يتحدث عن الوحدة العميقة بين الصوفية والسوريالية، ويؤكد أن الحقيقة لديهم: (لا تجنى من خارج، من الكتاب أو الشرع أو القانون أو الأفكار والتعاليم وإنّما تجيء من داخل من التجربة الحية من الحب من التواصل الحي مع الأشياء والكون ويتجلى له أن الإنسان طاش أبدًا إلى أن يجسد ويتجسد).
ثم يعقب ذلك بكلام يشكك به في وجود اللَّه تعالى، فيقول: (ويوقن أن اللَّه إن كان خارج الوجود ولا اتصال له بالوجود إلّا اتصال التكوين والهيمنة فإن هذا العالم لن يكون أكثر من كرة من الغبار لا يستحق أن يوجد، ولا يستحق بالأحرى أن يعيش فيه هذا الكائن العظيم: الإنسان، وسيكون هذا المخلوق مع ذلك أكثر أهمية من الخالق. . .) (٢).
فقد بدأ بوحدة الوجود - بالمفهوم الغربيّ الإلحاديّ المتضمن لنفي وجود اللَّه تعالى، ثم انثنى يشكك ويقولى كأنه يتنزل مع خصومه تنزلًا: (إن اللَّه إن كان خارج الوجود) ثم عقب بعد كل ذلك بأن المخلوق أكثر أهمية من الخالق، وهذا الرجل له في سوق الحداثة قدم راسخ، وله بيق أتباعها كلمة مسموعة، وراية متبوعة، وحتى الذين يدعون أنهم لم يكفروا ولم يلحدوا في حداثتهم يتخذونه إمامًا ومتبوعًا فبئس التابع والمتبوع.
هذا العدو اللدود لدين الإسلام يسعى جاهدًا لهدم كل أسسه بدءًا بتوحيد الربوبية وإثبات وجود اللَّه، وقد مر معنا من قبل امتداحه لجبران خليل جبران في إلحاده ويصفه بأنه قد "قتل اللَّه" تعالى اللَّه وتقدس، ثم يكرر هذا المعنى الإلحاديّ في موضع آخر من كتابه الصوفية والسوريالية
стр. 142
وهو يصف الانخطاف السورياليّ عند بعض السورياليين أسياده وأساتذته يقول: (. . . ففي النشوة ينعدم كل شيء حتى اللَّه) (١).
وفي غمرة الانبهار بالغرب والتبعية لأطروحاته العقيدية والفكرية تجد الأقاويل الفاسدة الباطلة تتسلل في ثياب زائفة مرة باسم الموضوعية ومرة باسم النقاش الحر، ويدخلون في ذلك كل شيء، ويخضعون مسألة وجود اللَّه تعالى وربوبيته وألوهيته لمناقشاتهم السوفسطائية، بل ويعدون تحرز المسلم من الخوض في مستنقعاتهم الفكرية تخلفًا وجمودًا وأصولية كما يحلو لمحمد أركون (٢) أن يعبر تبعًا لتعبيرات معلميه في فرنسا وغيرها، ففي سياق انتقاده للغة العربية ووصفه لها بأنها منغلقة ونائمة ومتخشبة، وامتداحه للغة وفكر الغرب يتساءل بعد إيراده للفظ فرنسي إلحاديّ يقول: (. . . فكيف نعبر عنه باللغة العربية؟ هل نقول: مشكل اللَّه أو مشكلة اللَّه. . .) (٣).
ثم يعقب بأن هذا التعبير يقابل بالاندهاش والاستنكار عند العرب في حين أنه تعبير عاديّ في اللغة الأوروبية الحديثة (٤).
فمن التبعية المطلقة للغرب فكرًا ولغة وعقيدة يتجرجر هذا التعيس في أودية الإلحاد ولا يكتفي بذلك بل يريد أن يعممه على مستوى الأمة التي ارتبطت لغتها بدينها وتشابكت حياتها مع عقيدتها، وتواصلت ممارساتها بشريعتها؛ ولذلك يقول عن اللَّه تعالى بأنه مشكلة، ويعتبر عدم خوضهم في
стр. 143
\هذا المجال دليل قصور وتخشب في اللغة ممارسة وفي الفكر عقيدة، ويضرب لذلك مثلًا أخر وهو فقدان اللغة لمصطلح "الأرثوذوكسية" (١) فيقول: (فهذا المصطلح لا وجود له في اللغة العربية، ومجرد عدم وجوده دليل صارخ على مدى تخلف الفكر والتفكير بهذه اللغة في المرحلة الحالية) (٢).
ثم ينسل إلى مقصده الرئيسيّ الذي ذكره سابقًا فيما يتعلق باللَّه تعالى، فيقول عن العربيّ: (. . . لا يُمكن أن يتصور إمكانية طرح مشكلة فكرية حول اللَّه أو مناقشة فكرية حول وجود اللَّه، والسبب هو أن الخطاب القرآنيّ يملأ مشاعره كمسلم أو كعربيّ بوجود اللَّه، إنه يملأ أقطار وعيه ومشاعره إلى درجة أنه لا يبقى في وعيه أية مساحة لإثارة مناقشة فكرية حول وجود اللَّه) (٣).
هذه المنهجية الإلحادية التي يحاول رواد وقادة الحداثة ترويجها بين المسلمين ليصلوا إلى ما يسمونه عفوية التأويل الإلحاديّ كما يقول أحدهم: (. . . إن عفوية النقد الماضويّ تذكرنا بعفوية التأويل الإلحاديّ الأول والقائل: "إذا لم يكن اللَّه موجودًا فكل شيء مباح") (٤).
إنه الانفراط العقديّ، والتيه الفكريّ، والضياع المترتب على ذلك، وهو كل المراد من هذه المقولات الإلحادية، الداعية إلى الخروج عن المألوف، وتجاوز السائد والمقصود به بالطبع في مجتمعات المسلمين دينهم وعقيدتهم.
стр. 144
وعندما نكرر القول بأن التبعية الغربية بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معاني هي المنطلق الأساسي للحداثيين فلا نكون قد خالفنا الصواب قيد أنملة، وذلك أن دلالة الحال والمقال من هؤلاء المرتمين تؤكد هذا المعنى.
ولنأخذ على ذلك مثالًا فيما نحن بصدده في مسألة الربوبية كلمات سوريالية هائمة للنصرانيّ الملحد أنسي الحاج (١)، مجنون قصيدة النثر، وداعية التحرر التام، والتبعية التامة، يقول في كتابه "خواتم" الذي أصدرته مجلة الناقد: (أنت لا تشك في وجود اللَّه بل وجودك أنت، ولا تجد فاعلية بل على حظك، وبصياحك "اللَّه مات" لا تعني أنه اللَّه مات بل إنك تستفزه من قاع خوفك البهيم. . . لو استطاع الإنسان التخلص من الندم على الماضي ومن الأمل بمستقبل ما يلي الموت، هل كان يستغني عن فكرة اللَّه؟. . . العدم حقيقة حقًا: إنه فراغي أنا، عدمي الداخليّ. . .، ومع ذلك لا أستطيع إلّا أن أعجب أيضًا بمن ينكرك يا إلهي، كأني أمل بأن تشتبكا أمامي، أو كأنه هو أنا الآخر الذي ما زال رغم الإيمان ينتظر السانحة ليعلن استقلاله المطلق ويستأصل كل مخاوفه.
وأمضى فأصل إلى النتيجة: إعجابي بثورة الملحد وتجديفه سببه حريته المطلقة، التي في نكرانه التام للمسؤول الأكبر ولا مبالاته الناجزة بالثواب والعقاب بات يجني ثمارها دون أشواكها. . .) (٢).
هذا الهذيان الإلحاديّ المتنقل بين عفونة الشك إلى قذارة العدمية والعبث إلى الإعجاب الشديد بالإلحاد وأهله يصدر من إنسان غرق في العمالة للغرب حتى الآذان، وارتبط بالمخابرات الأمريكية من خلال "منظمة
стр. 145
حرية الثقافة" التي يدير فعالياتها الأمريكان واليهود الصهاينة (١).
وها هو يعترف في كتابه "خواتم" بذلك ويقول: (. . . خنقوني مرة بحرير حرية تعبيري، ومرة بصدق هذا التعبير، كمنوا في الجب والبئر يحرضونني على الظهور ويغرقون في خنادق خبثهم) (٢).
ومع كل هذا الوضوح في اعترافه بأنه أداة تنفيذ، ومع صراحة الوقائع المثبتة لعمالته إلّا أنه ما زال يعد عند المفتونين بسراب الحداثة من القمم التي لا تطال!!!.
ومن هذياناته في باب الربوبية قوله: (يموت الخلاق إن لم يكن من جهل العالم له فمن علمه به) (٣)، وسواء أراد بالخلاق الرب ، أم أراد به الحداثيّ المبدع فإن ذلك كله من الانحراف الذي يسعى هو وأضرابه إلى جعله واقعًا في حياة المسلمين من خلال الجحد والشك والجراءة والاستخفاف بكل ما يتعلق باللَّه تعالى.
لا غرابة إذا وجدت احتفاء بعضهم ببعض، وثناء بعضهم على بعض في انحطاطهم وهدمهم، فها هو أدونيس في خطبة حماسية، وبيان يشبه البيانات العسكرية يشيد بأنسي الحاج ويحرضه على رفض الموروث والمستنقعات المقدسة -حسب تعبيره- ويدعوه للرفض والثورة والتمرد ويعدها أساسًا لكل تغيير ثم يحثه على الجد في الهدم (٤)، ثم يختم كل ذلك بقوله: (أحييك يا أنسي، أيتها القصيدة المارقة، أيها الشيطان الأصفر، يا صديقي، يا أخي) (٥).
ولا عجب أن يبتهج أدونيس بمروق صاحبه وشيطانيته؛ لأنهما معًا