← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 44

الانحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها

سعيد بن ناصر الغامدي

Полный текст (2 275 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

المنهجيّ بين الصوفية والسوريالية (. . . فالمنهج واحد وفي تطبيق هذا المنهج مشابهات كثيرة تدفع إلى القول بأن السوريالية صوفية وثنية أو بلا إله، وغايتها التماهي مع المطلق، وبأن الصوفية سوريالية تقوم على البحث عن المطلق والتماهي هي أيضًا معه) (١). ثم يتحدث عن الوحدة العميقة بين الصوفية والسوريالية، ويؤكد أن الحقيقة لديهم: (لا تجنى من خارج، من الكتاب أو الشرع أو القانون أو الأفكار والتعاليم وإنّما تجيء من داخل من التجربة الحية من الحب من التواصل الحي مع الأشياء والكون ويتجلى له أن الإنسان طاش أبدًا إلى أن يجسد ويتجسد). ثم يعقب ذلك بكلام يشكك به في وجود اللَّه تعالى، فيقول: (ويوقن أن اللَّه إن كان خارج الوجود ولا اتصال له بالوجود إلّا اتصال التكوين والهيمنة فإن هذا العالم لن يكون أكثر من كرة من الغبار لا يستحق أن يوجد، ولا يستحق بالأحرى أن يعيش فيه هذا الكائن العظيم: الإنسان، وسيكون هذا المخلوق مع ذلك أكثر أهمية من الخالق. . .) (٢). فقد بدأ بوحدة الوجود - بالمفهوم الغربيّ الإلحاديّ المتضمن لنفي وجود اللَّه تعالى، ثم انثنى يشكك ويقولى كأنه يتنزل مع خصومه تنزلًا: (إن اللَّه إن كان خارج الوجود) ثم عقب بعد كل ذلك بأن المخلوق أكثر أهمية من الخالق، وهذا الرجل له في سوق الحداثة قدم راسخ، وله بيق أتباعها كلمة مسموعة، وراية متبوعة، وحتى الذين يدعون أنهم لم يكفروا ولم يلحدوا في حداثتهم يتخذونه إمامًا ومتبوعًا فبئس التابع والمتبوع. هذا العدو اللدود لدين الإسلام يسعى جاهدًا لهدم كل أسسه بدءًا بتوحيد الربوبية وإثبات وجود اللَّه، وقد مر معنا من قبل امتداحه لجبران خليل جبران في إلحاده ويصفه بأنه قد "قتل اللَّه" تعالى اللَّه وتقدس، ثم يكرر هذا المعنى الإلحاديّ في موضع آخر من كتابه الصوفية والسوريالية

стр. 142

وهو يصف الانخطاف السورياليّ عند بعض السورياليين أسياده وأساتذته يقول: (. . . ففي النشوة ينعدم كل شيء حتى اللَّه) (١). وفي غمرة الانبهار بالغرب والتبعية لأطروحاته العقيدية والفكرية تجد الأقاويل الفاسدة الباطلة تتسلل في ثياب زائفة مرة باسم الموضوعية ومرة باسم النقاش الحر، ويدخلون في ذلك كل شيء، ويخضعون مسألة وجود اللَّه تعالى وربوبيته وألوهيته لمناقشاتهم السوفسطائية، بل ويعدون تحرز المسلم من الخوض في مستنقعاتهم الفكرية تخلفًا وجمودًا وأصولية كما يحلو لمحمد أركون (٢) أن يعبر تبعًا لتعبيرات معلميه في فرنسا وغيرها، ففي سياق انتقاده للغة العربية ووصفه لها بأنها منغلقة ونائمة ومتخشبة، وامتداحه للغة وفكر الغرب يتساءل بعد إيراده للفظ فرنسي إلحاديّ يقول: (. . . فكيف نعبر عنه باللغة العربية؟ هل نقول: مشكل اللَّه أو مشكلة اللَّه. . .) (٣). ثم يعقب بأن هذا التعبير يقابل بالاندهاش والاستنكار عند العرب في حين أنه تعبير عاديّ في اللغة الأوروبية الحديثة (٤). فمن التبعية المطلقة للغرب فكرًا ولغة وعقيدة يتجرجر هذا التعيس في أودية الإلحاد ولا يكتفي بذلك بل يريد أن يعممه على مستوى الأمة التي ارتبطت لغتها بدينها وتشابكت حياتها مع عقيدتها، وتواصلت ممارساتها بشريعتها؛ ولذلك يقول عن اللَّه تعالى بأنه مشكلة، ويعتبر عدم خوضهم في

стр. 143

\هذا المجال دليل قصور وتخشب في اللغة ممارسة وفي الفكر عقيدة، ويضرب لذلك مثلًا أخر وهو فقدان اللغة لمصطلح "الأرثوذوكسية" (١) فيقول: (فهذا المصطلح لا وجود له في اللغة العربية، ومجرد عدم وجوده دليل صارخ على مدى تخلف الفكر والتفكير بهذه اللغة في المرحلة الحالية) (٢). ثم ينسل إلى مقصده الرئيسيّ الذي ذكره سابقًا فيما يتعلق باللَّه تعالى، فيقول عن العربيّ: (. . . لا يُمكن أن يتصور إمكانية طرح مشكلة فكرية حول اللَّه أو مناقشة فكرية حول وجود اللَّه، والسبب هو أن الخطاب القرآنيّ يملأ مشاعره كمسلم أو كعربيّ بوجود اللَّه، إنه يملأ أقطار وعيه ومشاعره إلى درجة أنه لا يبقى في وعيه أية مساحة لإثارة مناقشة فكرية حول وجود اللَّه) (٣). هذه المنهجية الإلحادية التي يحاول رواد وقادة الحداثة ترويجها بين المسلمين ليصلوا إلى ما يسمونه عفوية التأويل الإلحاديّ كما يقول أحدهم: (. . . إن عفوية النقد الماضويّ تذكرنا بعفوية التأويل الإلحاديّ الأول والقائل: "إذا لم يكن اللَّه موجودًا فكل شيء مباح") (٤). إنه الانفراط العقديّ، والتيه الفكريّ، والضياع المترتب على ذلك، وهو كل المراد من هذه المقولات الإلحادية، الداعية إلى الخروج عن المألوف، وتجاوز السائد والمقصود به بالطبع في مجتمعات المسلمين دينهم وعقيدتهم.

стр. 144

وعندما نكرر القول بأن التبعية الغربية بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معاني هي المنطلق الأساسي للحداثيين فلا نكون قد خالفنا الصواب قيد أنملة، وذلك أن دلالة الحال والمقال من هؤلاء المرتمين تؤكد هذا المعنى. ولنأخذ على ذلك مثالًا فيما نحن بصدده في مسألة الربوبية كلمات سوريالية هائمة للنصرانيّ الملحد أنسي الحاج (١)، مجنون قصيدة النثر، وداعية التحرر التام، والتبعية التامة، يقول في كتابه "خواتم" الذي أصدرته مجلة الناقد: (أنت لا تشك في وجود اللَّه بل وجودك أنت، ولا تجد فاعلية بل على حظك، وبصياحك "اللَّه مات" لا تعني أنه اللَّه مات بل إنك تستفزه من قاع خوفك البهيم. . . لو استطاع الإنسان التخلص من الندم على الماضي ومن الأمل بمستقبل ما يلي الموت، هل كان يستغني عن فكرة اللَّه؟. . . العدم حقيقة حقًا: إنه فراغي أنا، عدمي الداخليّ. . .، ومع ذلك لا أستطيع إلّا أن أعجب أيضًا بمن ينكرك يا إلهي، كأني أمل بأن تشتبكا أمامي، أو كأنه هو أنا الآخر الذي ما زال رغم الإيمان ينتظر السانحة ليعلن استقلاله المطلق ويستأصل كل مخاوفه. وأمضى فأصل إلى النتيجة: إعجابي بثورة الملحد وتجديفه سببه حريته المطلقة، التي في نكرانه التام للمسؤول الأكبر ولا مبالاته الناجزة بالثواب والعقاب بات يجني ثمارها دون أشواكها. . .) (٢). هذا الهذيان الإلحاديّ المتنقل بين عفونة الشك إلى قذارة العدمية والعبث إلى الإعجاب الشديد بالإلحاد وأهله يصدر من إنسان غرق في العمالة للغرب حتى الآذان، وارتبط بالمخابرات الأمريكية من خلال "منظمة

стр. 145

حرية الثقافة" التي يدير فعالياتها الأمريكان واليهود الصهاينة (١). وها هو يعترف في كتابه "خواتم" بذلك ويقول: (. . . خنقوني مرة بحرير حرية تعبيري، ومرة بصدق هذا التعبير، كمنوا في الجب والبئر يحرضونني على الظهور ويغرقون في خنادق خبثهم) (٢). ومع كل هذا الوضوح في اعترافه بأنه أداة تنفيذ، ومع صراحة الوقائع المثبتة لعمالته إلّا أنه ما زال يعد عند المفتونين بسراب الحداثة من القمم التي لا تطال!!!. ومن هذياناته في باب الربوبية قوله: (يموت الخلاق إن لم يكن من جهل العالم له فمن علمه به) (٣)، وسواء أراد بالخلاق الرب ، أم أراد به الحداثيّ المبدع فإن ذلك كله من الانحراف الذي يسعى هو وأضرابه إلى جعله واقعًا في حياة المسلمين من خلال الجحد والشك والجراءة والاستخفاف بكل ما يتعلق باللَّه تعالى. لا غرابة إذا وجدت احتفاء بعضهم ببعض، وثناء بعضهم على بعض في انحطاطهم وهدمهم، فها هو أدونيس في خطبة حماسية، وبيان يشبه البيانات العسكرية يشيد بأنسي الحاج ويحرضه على رفض الموروث والمستنقعات المقدسة -حسب تعبيره- ويدعوه للرفض والثورة والتمرد ويعدها أساسًا لكل تغيير ثم يحثه على الجد في الهدم (٤)، ثم يختم كل ذلك بقوله: (أحييك يا أنسي، أيتها القصيدة المارقة، أيها الشيطان الأصفر، يا صديقي، يا أخي) (٥). ولا عجب أن يبتهج أدونيس بمروق صاحبه وشيطانيته؛ لأنهما معًا

стр. 146

يعتزان بهذه الدركات الكفرية، ويبذلان في سبيل نشرها غاية البذل. أمّا لماذا كل هذا التبجح بالإلحاد؟ فأمر يجيب عليه أحد نقاد الحداثة قائلًا: (لعل إشكالية الحداثة هي الأكثر لبسًا بين الإشكالات الفكرية والثقافية والفنية التي شهدتها لوحة الثقافة العربية الراهنة. ويبدو أن هذا اللبس والغموض المحيط بها ليس سمة الحداثة في حقل تداولها الاصطلاحيّ والدلاليّ العربيّ فحسب، بل هي ولدت في سياقها الغربيّ متلبسة باللبس والشك والقلق، والعقل المزدحم بتمزقاته وانشراخه. . . حيث لا أفق سوى العدمية والاستلاب بعد إعلان نيتشه موت اللَّه وموت الجمال معه، والفن لم يعد يعوض عن الحياة بل يساهم في تعميق الاستلاب نحوها، فسيموت الفن تاركًا إيّانا في العراء. . . إن الباحث وهو يجهد لاكتشاف خصائص ومميزات الحداثة وسط العوالم القاحلة والعراء الروحيّ إلّا من الشمس السوداء، وقمر الكارثة الشاحب، لابد أن يقر بصعوبة الإحاطة بكليتها عبر تناقضاتها وتفتت رؤيتها لذاتها وللعالم. . . وهي إذ تطمح لإلغاء الطبيعة عبر تشييئها التقنيّ (١) لا تلبث أن تنتحب حنينًا إلى فردوس الطبيعة المفقود، فقد اغتالت اللَّه والجمال والأخلاق والفن وراحت تندب وترثي ما اجترحته يداها. . . إنها وعي المتاهة إذ تغدو المتاهة هي الحقيقة الواقعية الوحيدة بعد أن مات الإنسان بموت اللَّه عبر قرون من تلاشيه التدريجيّ. . .) (٢). وهذه الإجابة تتضمن حقائق ثابتة عن الحداثة المحاربة للثبات، وأول هذه الحقائق أنها تجحد وجود اللَّه، وتسعى في إبطال الإيمان به، وإبعاد البشر عنه، وثانيها أن هذا المسعى جر على الحداثة وأتباعها المزيد من التمزق والشتات والضياع والتيه، وصدق اللَّه العظيم: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي

стр. 147

هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ (١). إن نزعات العداء لدين اللَّه والمحاربة لكل ما يمت إليه بصلة من أهم مشاريع وإنجازات الحداثة العربية، حتى أصبح التغني بالإلحاد إبداعًا والتدنيس للدين تقدمًا، يقول نزار قباني (٢): (حين يصير العدل في مدينةٍ سفينة يركبها قرصان ويصبح الإنسان في سريره محاصرًا بالخوف والأحزان حين يصير الدمع في مدينة أكبر من مساحة الأجفان يسقط كل شيء الشمس والنجوم والجبال والوديان والليل والنهار والبحار والشطآن واللَّه والإنسان حين تصير خوذة كالرب في السماء

стр. 148

تصنع بالعباد ما تشاء تمعسهم تهرسهم تميتهم تبعثهم تصنع بالعباد ما تشاء) (١). ويقول معين بسيسو (٢): (باسمك تلك المومس ترقص بقناع الرب باسمك يتدحرج رأس الرب) (٣). أمّا الملحد علاء حامد (٤) الذي نال من الشهرة -رغم تأخره في إظهار كفره- ما لم ينله من سبقه، وحصل له من حماية الدولة وصيانتها وحراستها لشخصيته وتأمينها لحياته المعيشية ما لم يحصل عليه إلّا كبار رجالات الدولة ومسؤوليها. هذا الملحد الجريء في إلحاده، الضعيف في حجته، سجل تهافتاته الفكرية الكفرية في رواية "مسافة في عقل رجل" وأعلن فيها الكفر صراحة، وتبجح بالردة أقصى درجات التبجح.

стр. 149

فتارة يصف الأديان بأنها عجزت عن إيجاد تفسير علميّ مقنع لخلق الإنسان ويسأل: (ماذا كان الإنسان وكيف خلق؟! لقد عجزت الأديان عن تفسير علمي مقنع لتلك الأسئلة الخالدة. . . وأذابت العقل الإنسانيّ في محلول حمضيّ مركز من الخرافات. . .) (١). وفي مقطع من مقاطع هذا الكتاب النجس بالكفر والردة يتلخص كل فكر علاء حامد حيث يقول: (. . . الإنسان ليس سوى نظرية مادية بحتة، وجد بالصدفة وسيموت بالصدفة، وبموته يصبح مجرد ذكرى في أروقة الحياة، فلا إله ولا ثواب ولا عقاب ولا جنة ولا نار، ولا جن أزرق أو أحمر ولا ملائكة بيضاء أو خضراء تهفهف بأجنحتها، والرسل ليسو سوى مجموعة من الدجالين، والأديان صيغ بشرية ذكية، والإنسان ابن الطبيعة، خالق نفسه، هو الأوحد والأقوى والأفضل والجبار والمتكبر، وبالتالي فقد وجد بالصدفة، وسيفنى جنسه البشري أيضًا بالصدفة، وعلى البشرية في هذه الحالة الأخيرة أن تبدأ للمرة الثانية من نقطة الصفر، أي من نقطة البداية، وقد يختلف شكل المخلوق القادم عن الإنسان المندثر بعد فناء العالم) (٢). ثم يتحدث بهذا الأسلوب المتهافت وهذه الطريقة الإنشائية الخالية من أي نظر أو حتى شبهة تأمل عقليّ، فيأتي بما يسميه "افتراضية أن الإنسان مخلوق للَّه تعالى"، ثم يهاجم هذه الحقيقة بالأسلوب الادعائيّ الهجائيّ، العريّ من البراهين، المرتمي بسخافة اتباعية في أحضان أساتذته الماديين، إذ هو في الحقيقة ليس إلّا مسخًا مشوهًا للماركسية البائدة، وصدًى متهالكًا للشكوك والريب المادية. علمًا بأن الشك والتكذيب الذين ملأ بهما كتابه ليسا في الحقيقة من أبواب الفكر والعلم والبرهان؟ لأن الشاك -في أحسن أحواله- متوقف لأنه لا علم عنده، أو لأن الأدلة والبراهين عنده متكافئة، وهذا الملحد يصطنع

стр. 150

الشك ويدعيه تقليدًا لديكارت وغيره، ويزعم أن الشك هو الوسيلة الوحيدة للبحث ثم للحكم، بل ويتخذ الشك عقيدة، وهذا كله سفه في العقل، وغمط للحق والبرهان، وحَيْدة عن الدليل الساطع، وإهدار لليقين، وهذا كله مضاد للعقل والعلم والبرهان، وتكذيب بالحقائق، والتكذيب ليس شجاعة كما يصور هذا المادي الملحد وأضرابه، بل الشجاعة والامتياز هو في التصديق بالحق والتكذيب بالباطل. وعلاء حامد في كل كتابه لا يعدو أن يكون صاحب دعاوى مجردة يلقيها ثم يرش عليها من مسوح شكه وتكذيبه وتلفيقه بعبارات استفزازية يناقض بها حقائق الكون وقطعيات العقول، ويزيف كل ذلك بأهواء هابطة في عبارات مزركشة على متنِ تناقضٍ فاضح. ومن أمثلة الدعاوى المجردة التي دأب عليها في هذه الرواية الإلحادية قوله في معرض رده على من يقول بأن الخلق خلقُ الباري : (ورواية الخلق بهذه الصورة تعني أمر واحد (١) فقط، عقل بشريّ حاول أن يجد لنشوء الخلق أسبابًا مقنعة. . . فانتزعها من عادات وتقاليد وأساطير وخرافات شعوب سبقته بمئات السنين ثم عاد ليؤكدها بدعوة ألبسها ثوب إلهي (٢) حتى يصدقها الناس) (٣). فأين هو البرهان العقليّ أو الحسيّ الذي يشهد له بأن العقل البشريّ هو الذي اخترع هذه القضية؟ ثم أين هو الدليل على أن قضية الخلق كانت من عادات وتقاليد وأساطير وخرافات شعوب سابقة؟. إنها دعاوى تدل على طفولة عقل صاحبها، والعاقل يستحيي أن يواجه حقائق كالشمس، براهينها كعدد الخلق بمثل هذه التهويمات، ومتى كان الباطل المموه بالأدلة متحديًا للحق ذي البرهان، فضلًا عن الباطل العري عن حجة أو دليل؟.

стр. 151

ولست هنا في صدد الرد المفصل على هذه الأقوال الادعائية، إذ المقصود بيان أوجه الانحراف الاعتقاديّ في أدب الحداثة، ومقولات هذا الملحد المغالط في قضية نفي وجود اللَّه تعالى والتشكيك في ذلك عديدة أترع بها كتابه، فمرة يجحد بصراحة، ومرة يوهم ويشكك، ومرة يجعل اللَّه تعالى شيئًا من الأشياء المخلوقة، فإنه بعد أن قرر أن الإنسان وجد صدفة ويموت صدفة وسيفنى الجنس البشري صدفة ويوجد جنس بشري آخر (١)، تناقض وصرح بأنه لابد من وجود قانون كلي يرتبط به الكون وجودًا وعدمًا فقال: (. . . إذا كان لا يوجد خلاف حول وجود قانون يحكم الكون بدقة شديدة وأن خلف هذا القانون إرادة منظمة امتزجت به يُمكن القول أن القانون هو اللَّه واللَّه هو القانون، وأن البديل لغياب هذا القانون هو الفوضى. . .) (٢). وهذا هو القول نفسه الذي سبقت الإشارة إليه عند الكلام عن وحدة الوجود بالمفهوم الغربيّ الإلحاديّ، حيث جعل علاء حامد ما يسميه -ادعاءً أيضًا- القانون الكليّ، جعله هو اللَّه تعالى، فإذا كان هذا قانونًا فمن الذي قنّنه؟، ولا مجال للشك في أن القانون الذي يتحدث عنه هو شيء مخلوق، فمن الذي خلقه ومن الذي جعله كليًا؟. إلى غير ذلك من الإيرادات التي تبين زيف هذا القول الذي يهدف في آخر مغزاه إلى إنكار وجود اللَّه تعالى وربوبيته. ويواصل هذا الملحد تخبطاته فيقول: (قبل أن نخوض في تعريف محدد للَّه، ماهيته وجوهره، نقول: إن الأكوان منظورة أو غير منظورة تحكمها أنماط معينة من القوانين التي تنظم سيرها ومسيرتها وحركتها، من هذه القوانين الثابتة على مر الدهور والأزمان أن لكل شيء سببًا، ولو شبهنا اللَّه بخلية أبدية لا تفنى، وأن مخلوقاته ليست سوى انقسام لهذه الخلية الأبدية ولكن بعد إضافة مواد أخرى كيمائية (مواد بشرية) اكتسبت بها

стр. 152

خواص جديدة ظاهرية بالإضافة إلى خواص الخلية الأبدية، إذا قلنا بذلك فنحن لم نبتعد عن جادة الصواب ولكننا في نفس الوقت لم نقترب كثيرًا من الحقيقة) (١). ثم يضيف: (اللَّه هو تلك الخلية الأبدية وكذلك مخلوقاته من إنسان وحيوان ونبات وجماد لا فرق في ذلك بين الشمس والبقرة والقمر والشجرة والنجم الثاقب والطفل الخائب، كلها مخلوقات للَّه انقسمت من الخلية الأبدية بعد أن ارتدت ثوبها الماديّ. . .، يا صديقي اللدود إذا أردت رؤية اللَّه مجسمًا فتأمل الشمس والنجوم والحيوان والإنسان والنبات، أمّا القول بأن اللَّه يجلس على عرش، وأن له مكانًا محددًا يجلس فيه يُمكن التحدث معه بلسان طليق، فهذه أوهام صنعت بمهارة وصدقتها عقول تعيش في دروب الجهالة المفرطة، ولكن إذا أردت معرفة اللَّه فليس أمامك سوى أن تعرف كل القوانين التي تحكم الكون) (٢). ثم يستطرد في حوار شخصيات روايته الشيطانية ويسأل بشك: (إن كلامك يدور حول ماهية اللَّه، ولكن أما كان من الأجدى أن نبحث عن وجود اللَّه قبل أن نبحث عن ماهيته، فهل حقًا يوجد إله ينظم هذا الكون، أم أن هذا الكون ينظم نفسه ذاتيًا دون ما حاجة لقوة منظمة متحكمة) (٣). ثم يجيب: (. . . ليس في جعبتنا أمام هذا التاريخ الطويل أدلة مادية ملموسة على وجود الإله. . .) (٤). ثم عاد يدندن حول القانون الكليّ الكونيّ وأنه هو اللَّه (٥)، ويتهكم بصفات اللَّه وأسمائه، تعالى اللَّه عما يقول الكافرون علوًا كبيرًا.

стр. 153

وإذا كان هذه اعتقادات شخص هو من آخر أذيال الحداثة فهل كان سلفه على هذا المنوال؟. سبق أن نقلنا كلام أدونيس وأركون ونزار قباني وهنا نذكر بعض أقوال نجيب محفوظ (١) الذي ابتهج به العرب عندما منح جائزة نوبل ذات الاتجاه الصهيونيّ، وعدّوه من أعلام الأمة ونبلائها!!، وقد كشف الدكتور السيد أحمد فرج أنواع انحرافاته الاعتقادية والسلوكية في كتابه النادر "أدب نجيب محفوظ وإشكالية الصراع بين الإسلام والتغريب"، ومن ذلك -مما له علاقة بهذا الباب- تشكيك نجيب محفوظ في وجود اللَّه تعالى، ففي رواية الحب تحت المطر يُجري حوارًا بين شخصين وفيه قال أحدهم: (. . حدثني أحد الكبار (الشيوخ) فقال: إنه كان يوجد على أيامهم بغاء رسميّ. - زماننا أفضل فالجنس فيه كالهواء والماء. - لا أهمية لذلك، المهم هل اللَّه موجود؟. - ولم تريد أن تعرف؟. - إذا قدر لليهود أن يخرجوا فمن سيخرجهم غيرنا. - من يقتل كل يوم غيرنا! - من قتل عام ١٩٥٦ من قتل في اليمن من قتل في عام ١٩٦٧! - لا أحد يريد أن يجيبني أهو موجود؟.

стр. 154

- إذا حكمنا بالفوضى الضارية في كل مكان، فلا يجوز أن يوجد) (١). ويعقب الدكتور سيد أحمد فرج على هذا النص فيقول: (إن الكاتب ونأسف له -يمارس في هذا الحوار- مجاملة لليهود وبغضًا للعرب، وإنكارًا لوجود اللَّه. . .) (٢). ثانيًا: نفي كون اللَّه -جلَّ وعلا- خالقًا مدبرًا ونفي توحيد الربوبية: وهذا من الانحرافات الاعتقادية عند أدباء الحداثة العربية وهو شائع في نتاجهم الأدبيّ والنقديّ والفكريّ، إبحارًا من الانحراف الإلحاديّ السابق، واستعادة لدروس أساتذتهم الماديين، وترديدًا أجوفًا وشقشقة عمياء، وتجاويف فكرية خاوبة على عروشها، من جنس قول الطائفي المحترق أدونيس: (أعرف الآن أين يكون الليل إذا جاء النهار والنهار إذا جاء الليل أعرف أن جنس الربوبية يتأصل في أحشاء الأرض ويتناسل أعرف الأرض بالأرض والسماء بنور الأرض هكذا أظهر في قميصي الجديد) (٣). وهكذا في كلمات مفلسة شائنة -من طائفيّ يراد له أن يكون رائدًا وموجهًا ومعلمًا وأستاذًا لجيل- تتحدر هذه الكلمات الجوفاء، فاسدة التركيب ضالة المعنى، فالليل -كما يظهر لي من النص- رمز الظلام

стр. 155

والتخلف والانحطاط يريد به الإسلام وأهله وتاريخه وحضارته، والنهار رمز التقدم والإبداع هو الأجنبي وفكره وفلسفته المادية وأخلاقه الرعناء، وجحده وإلحاده وتكبره على خالقه -جل وعلا-، وها هو يستف من غبار مناهج الإلحاد فينفي كون اللَّه تعالى ربًا خالقًا مدبرًا مالكًا بيده ملكوت كل شيء، ويندفع في باطنية حاقدة، وإلحاد ماديّ متمرد، ليعلن أنه لا ربوبية خارج الأرض وأهل الأرض، بل فيها تأصلت الربوبية وتناسلت وهي خالقة نفسها -حسب خرافات المادية- التي أُوقع في فخاخها بعضٌ من أبناء المسلمين، مرة بأسلوب البحث العلمي الموضوعيّ المتجرد، حسب زعمه أو حسب انكسار ومهانة أتباعه بين يديه، ومرة بهيبة الحداثة التي صنعت ونشرت بين أبناء المسلمين وأعطيت مكانة وثنية جعلت ضعفاء العقول والإيمان يلوذون بها لئلا يوصفوا بالتخلف والرجعية وإن لم يفهموا منها شيئًا ولم يفقهوا من مراداتها إلّا النزر القليل. كل ذلك لكي ترتكس الأمة في الإذعان الفكريّ والاعتقاديّ مثلما ارتكست في غيره من فخاخ السياسة والاقتصاد، غير أنه مع تباشير إصباحيات الصحوة الإسلامية المباركة الراسخة سيضمحل ليل الضياع والفراغ بإذن اللَّه تعالى. وعودة إلى الباطنيّ أدونيس الذي يقول: (مسافر تركت وجهي على زجاج قنديلي خريطتي أرض بلا خالق والرفض انجيلي) (١). بهذا ينشئ التمرد على اللَّه وعلى دينه، ويتلقى الأتباع هذا على أنه تحرر وإبداع، وتقدم وحياة جديدة، تحذلق لفظيّ يزين الكفر ويشجع على التمرد

стр. 156

والرفض، فيزعم أن أرضه الحقيقية أو المجازية "كناية عن الفكر والثقافة والفن والأدب" لا تخضع لخالق ولا تدين لإله، ولا تتعبد لغير الرفض الإبليسيّ. وتنجرف الأذهان العاجزة الكسيحة في الإعجاب والاقتداء بهذا الحاقد الطائفيّ، وتأخذ أقواله بتلقائية عجفاء وتلقينية باردة، في الوقت الذي ينتقدون فيه على المسلمين الأصلاء أنهم نصوصيون يأخذون علمهم بالحفظ والتلقين، ويعدون ذلك عيبًا ومعرة، مع أنهم يملأون أدمغتهم بالهدى بحفظ كلام اللَّه تعالى وكلام رسوله ﷺ ، وهؤلاء الفارغون يسدون فراغ عقولهم بكلام وثنيّ طائفيّ ماديّ نجس تلقاه أستاذهم -أدونيس- عن أساتذته من الباطنيين حيث النشأة والمنبت، والماديين حيث الهوى والقبلة، فحين تقرأ له: (واللَّه في البيوت يموت كالبحيرة) (١). لا تجد إلّا نيتشه في زيّ آخر، وقد سبق له أن امتدح عبارته الخبيثة "موت اللَّه" وأثنى على مقتضياتها عند جبران (٢). واستطرادًا مع مقصده الهابط من جحد ربوبية اللَّه تعالى يتناول مسألة التقدم والتخلف، معتبرًا أن الأمة متخلفة بسبب المحراب والصلاة وإيمانها باللَّه وشرعه ودينه، معتبرًا ذلك أغلالًا وخندقًا مسدودًا لا باب له، ورملًا وقشًا، وغير ذلك من العبارات التي يرمز بها إلى التخلف، فيقول: (الأمة استراحت في عسل الرباب والمحراب حصنها الخالق مثل خندقٍ وسدّة لا أحد يعرف أين الباب

стр. 157

لا أحد يسأل أين الباب) (١). ويقول: (نادر أن ينطق البحر ولكن نطق البحر يبسنا يبس التاريخ من تكراره في طواحين الهواء سقط الخالق في تابوته سقط المخلوق في تابوته والنساء ارتحن في مقصورة ينتشلن الليل من آباره) (٢). وهكذا تتشابك المفاهيم الإلحادية في هذا الطرح البليد، فمن البحر الذي هو عنده رمز الغرب والتقدم والحركة والإبداع، والأمل المرتجى والثورة المرتقبة يستمد قوته ومجده وحضارته ضد حضارة الإسلام وتاريخه وعقائده التي تبدأ من الإيمان بالخالق البارئ ثم ضد الممارسات الاجتماعية المتمثلة في عفة المرأة وحجابها. وفي عبارات أخرى غامضة ملتوية التواء العقيدة الباطنية يقول: (العمل يصعد من الأرض إلى اليد من اليد إلى التاريخ من التاريخ إلى هباء البدايات) (٣). هذا هو جوهر الحداثة: ممارسة الشك في اللَّه تعالى، وبث العدمية

стр. 158

ونشر الدهرية، فما دامت البدايات هباء فكل شيء ضياع وعدم وانفلات، هكذا حسب المفهوم الأدونيسي الإبلبيسيّ. وليس هذا مقصورًا عليه فعصابة الحداثة ملة واحدة وإن اختلفت بينهم الطرائق وتباعدت البلدان، فها هو حداثي آخر من المغرب العربي يردد نفس المعنى الذي قاله أدونيس تحت عنوان (النقد أساس الإبداع) (١). وقد يظن القارئ لأول وهلة أن المراد هو النقد الأدبيّ البحت أو الفنيّ أو اللغويّ لارتباط كلمة الإبداع بالأدب والفن واللغة، ولكن الحداثيّ يفسر هذا العنوان العريض ويبين مراده بالنقد الذي هو أساس الإبداع فيقول: (أول ما يجب أن يتجه إليه النقد هو المتعاليات بمختلف تجلياتها، ليس الغائب الذي هو يخلق الحاضر والمستقبل، بل الإنسان هو خالق حاضره ومستقبله، لا تستصغروا المتعاليات، إنها المتحكمة في وعينا ولا وعينا. . . إن المتعاليات كمجال معرفيّ تعتمد قناعة أساسًا، وهي أن الإنسان موجود بغيره لا بنفسه، شبح عابر في دنياه، صورة لمثال، مصيره فوقه لا بين يديه تغطيه السماء بحنينها مرة، وتحتفظ له الظلمات بالردع هنا أو هناك) (٢). إنها محاولة لهدم الدين باسم النقد، ومحو الإسلام باسم الإبداع. وهذا هو دأب الهدامين من المتفرنجين المقتدمين بملاحدة الافرنج، تقديسُ الكفر باسم الإبداع، ونقد الإسلام وعقيدته باسم التحديث والتطوير الأدبيّ والفكريّ. فهل صعب على هذه العقول الكليلة أن تبدع إلّا على أساس الكفر باللَّه وجحد ربوبيته ونقد "المتعاليات" والمقصود بها اللَّه تعالى ودينه ونبيه وسائر الغيبيات؟، فالإنسان -عندهم- موجود بنفسه، وهو خالق حاضره ومستقبله، هكذا ادعاءً ووقاحة وجراءة على الباطل، وكأن شرط الإبداع أن

стр. 159

يبدع أحدهم في نطاق الإلحاد والكفر والرذيلة الخلقية والكذب الفكريّ وإلّا فليس مبدعًا ولا أديبًا!!. إنهم في الحقيقة تمردوا على اللَّه تعالى ودينه فسقطوا في كهنوت الحداثة ووثنيتها كما اعترف بعضهم قائلًا: (. . . تأثر النقد الماركسي العربي بالكهنوتية في بداية الخمسينات من هذا القرن -كما يقول غالي شكري (١) - وما أن بدأ يتخلص من التبسيط المخل والنظرة الآحادية الجانب والاختزال الايديولوجيّ بل السياسيّ للفنون، ومن ثم المصطلحات الغامضة الاستعلائية، حتى هبت رياح الحداثة في السبعينات وقد تلبستها طقوس الكهنوت وأسراره المقدسة، أي: أن التخلف المعرفي ظل ساري المفعول داخل أكثر الأفكار عقلانية ولكنه ترك الماركسية وغزا الحداثة، لم يكن انتقال الوباء من المصادفات. . .) (٢). نعم إنهم كذلك ولابد؛ إذ لا ينفك الإنسان من عبودية وتأليه، فأمّا المسلم فإنه يعبد ربه الخالق الواحد الأحد، وأمّا الكافر فإنه يعبد هواه وشهوته، وشياطين الجن والإنس الذين يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا. فها هم بشهادة أحدهم يمارسون طقوس العبادة الوثنية الكهنوتية للحداثة، وشهادة الواقع أكبر دليل على ذلك فإن الناظر في كتاباتهم يرى بوضوح كيف تغلي مراجلهم حماسة وولهًا لنحلتهم الجديدة، ويلحظ بجلاء أنهم يخضعون باستكانة أمام شعارات الحداثة إلى حد التقديس والورع العباديّ، وهذا أيضًا ما شهد به بعضهم حين قال: (ما من كلمة

стр. 160

بعد الحداثة يجري استعمالها بورع طقوسي وجهل لكنهها وجوهرها وكيفية تحققها ككلمة الإبداع) (١). وقد مر معنا قول حسن حنفي في أنه لا مجال للتحرر والعلمانية إلّا بإبطال العقيدة المثبتة لربوبية اللَّه أو ما يسميه الثنائية التي تقسم العالم إلى خالق ومخلوق (٢). وغير مستغرب هذا من رجل يعترف بأنه كافر وأنه ماركسيّ وضعيّ، وذلك في معرض رده على مناقش خشي عليه أن يكون "مؤمنًا" فأجابه قائلًا: (. . . فأنت تعني الإيمان السلفيّ التاريخيّ. . . إلخ والمتوارث عبر التاريخ وهو الشيء الذي تخافه عليّ؛ لذلك فإن إيماني يكفرني، كما أنه يكفرك أيضًا، وبالتالي فإن القضية بالنسبة لنا هي التحدي. . . وأعتقد أن الأخوة العلمانيين يستعجلون التقدم، إنهم يريدونه إيجابيًا فقط، وأنا أريد أولًا أن أمنع عوائق التقدم، أي أعمل للتقدم سلبًا إذا جاز التعبير، فإذا ما استطعت ذلك عندئذ أسلّم المجتمع العربي إلى الأخوة العلمانيين لكي يبنوه إيجابًا، ومن ثم أنا مقدم لهم، أنا ماركسي شاب وهم ماركسيون شيوخ هذا تقسيم لأدوار العمل. . . وفي ما يتعلق بمضمون الوحي وحادث الوحي، فكما بينت لكم، أنا مفكر وضعيّ، أقصد أنا وضعيّ منهجيّ ولست وضعيًا مذهبيًا، إن كل ما يخرج عن نطاق الحس والمادة والتحليل، أضعه بين قوسين. . .) (٣). إذن نحن أمام زمرة من الملاحدة الذين يعلنون بتبجح كامل كفرهم باللَّه ربًا وإلهًا وبالإسلام دينًا، وسيلتهم في ذلك التضليل والكذب، ومكابرة الحقائق وجحد البراهين، والتلبيس على أعشار المثقفين، واستجلابهم إلى وهدة الضلال بعبارات الجحود والشك، وزركشات الألفاظ الرنانة والدعاوى العريضة.

стр. 161

جاؤوا لمحاربة الدين والتراث بدعوى عدم التقليد، فاجتروا الأفكار الأرضية وقلدوها، وتخمرت في عقولهم المستطرقة كل الأحقاد ضد الإسلام وأهله من النصارى واليهود والملاحدة والوثنيين، فالنصرانية يبشر بها الخال وخليل حاوي (١) وأنسي الحاج وأنطون سعادة (٢)، وأمّا اليهود فيخدمهم سعيد عقل (٣) في ملحمة بنت بفتاح، كما قال ذلك خليل حاوي وأنطون سعادة (٤)، أمّا الملاحدة فقد مر الكثير عنهم في كلام أدونيس وحسن حنفي ونجيب محفوظ وعلاء حامد وغيرهم، أمّا الوثنيون فسيأتي ذكرهم في الفصل الرابع من هذا الباب بإذن اللَّه تعالى، وقد لوثت هذه البصمات الاعتقادية الضالة وجه الثقافة العربية المعاصرة، وصبغت أدبها الحديث

стр. 162

بصباغ الانحراف والتضليل، وجعلت الإطار الأصولي لهذا الفكر ردة وابتعادًا عن دين الإسلام الحنيف، فقد سمحوا لكل فكر ومفكر أن يلج من أبوابهم إلّا إذا كان فكرًا مسلمًا، ولشد ما عادوا مصطلح الأدب الإسلامي لمجرد هذا الانتساب، في الوقت الذي فتحوا فيه عقولهم وقلوبهم لجميع الأسماء والانتماءات، الوجودية والسوريالية والواقعية، أمّا الإسلام والإيمان ونعت الأدب به فجرم ثقافيّ خطير، ومما يؤسف له أن بعض الأدباء من المسلمين انسحب في هذا المجرى ورد هذه التسمية بحجج أوهن من بيت العنكبوت ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ (١). وفي مجال نفي الربوبية، وجحد كون اللَّه تعالى خالقًا مدبرًا يقول أحدهم في تدليس متعمد، واستشهادٍ بهيجل (٢): (سفر الهجرات "الإنسان أجمل ازدهارات الطبيعة" هيجل) (٣). والمعنى نفسه يردده عبد الرحمن المنيف (٤) فيقول: (. . . طبيعة

стр. 163

الصحراء تجعل للأسماء أهمية تفوف غيرها، وهذه لم تخلق نتيجة الرغبة أو في لحظة من لحظات الجنون، وإنما خلقتها الطبيعة ذاتها وأعطتها من الأسماء ما يوازي أهميتها أو الصفات التي تحملها) (١). ويقول وهو يتحدث عن ثروة البترول على لسان أحد شخصيات روايته: (الصدفة خلقت هذه الثروة والصدفة هي التي دفعتني إلى هنا. . .) (٢). ويكرر المعنى نفسه ناسبًا الخلق إلى الطبيعة والصدفة، وهذا يعني بدلالة الالتزام نفي كون اللَّه خالقًا ويعني بدلالة المطابقة نسبة الخلق إلى غير اللَّه تعالى يقول: (. . . إن المدن إذا خلت من المعالم التي تجعلها دائمة ومتميزة فإنها لا تستحق التوقف أو الإشارة، لا يهم أن تكون المعالم ما خلقته الطبيعة أو ما صنعه الإنسان) (٣). وبالجحود والتفسير الماديّ نفسه يتحدث علاء حامد فيقول في روايته مسافة في عقل رجل: (لماذا خلقنا أجنة فأطفال فشباب فكهول مثلنا مثل الحيوان والنبات والحشرات، ينسج التطور قانونه المحكم على كل صغيرة في حياة الأحياء، مرحلة تلو مرحلة لتعود من جديد إلى نفس المرحلة نقطة البداية) (٤). ويقول: (. . . الإنسان ليس سوى مخلوق أرضي جاء نتيجة تطور مذهل في عالم ماديّ عمره ملايين السنين نتيجة تفاعلات كيميائية منذ اللحظة التي انقسمت فيها خلية الأمبيا ليشملها التطور إلى الإنسان أرقى الحيونات) (٥).

стр. 164

وهذا ليس سوى ترديد أبله لنظرية داروين، التي أثبت العلم الحديث بكافة فروعه زيفها وبطلانها، غير أن المأخوذين بنظريات الكفر والإلحاد سرعان ما يفرحون بما يظنون علمًا فرح الجعل بدحروجته. ومن أوائل الحداثيين وطلائعهم بدر شاكر السياب (١) وقد قال بهذه النظرية في قصيدته مرتبة الآلهة: (كأن الأميبيّ توأم وهو توأم لها فهو في منجًى من الموت قابع) ثم قال في الهامش: (الأميبي حيوان ذو حجيرة واحدة، وهو خالد لا يموت لانعدام شخصيته) (٢). وعودة إلى هرطقات علاء حامد في نفيه لوجود اللَّه ونسبة الخلق إلى الخلية الواحدة والتمرغ في غبار نظرية دارون، يقول على لسان أحد أشخاص روايته رادًا على من يقول بخلق اللَّه للإنسان والكون: (ورواية الخلق التي تحدثت عنها ليست سوى تدخل مباشر من اللَّه لصنع الإنسان مع أن قانون التطور من الامبيا إلى الإنسان يسد مثل تلك الثغرات وهذا النقص) (٣). وإذا كان أتباع الحداثة قد أشربوا في قلوبهم عجل نظرية دارون المادية الإلحادية فإنهم بكل غباوة يعتنقون ما أثبت الغربيون الماديون الذين جاؤوا بعد دارون بطلانه وفساده، في حين أن المخدوعين من أبناء الشرق الضعيف

стр. 165

انبهروا بالنظرية والفلسفة التي أدت إلى ظهورها، وأثرت في تطبيقها بعد ظهورها، وخلب لبهم اسم "العلم التجريبي" فرضخوا للدعاوى الملبسة بهذا الاسم اعتقادًا منهم أنها حقائق نهائية لا مجال لمناقشتها فضلًا عن ردها والاعتراض عليها، وتوقفوا أمام هذا الصنم الكبير بكل خشوع وخضوع، ولم يعلم هؤلاء -أرقاء العقول- أن العلم التجريبيّ ما زال في طفولته رغم الاكتشافات الكثيرة، وما زال يتقدم فيصل إلى أشياء جديدة ويلغي ما كان يعد بالأمس أنه حقائق قاطعة، وأتباع الغرب من الشرقيين لاتصلهم الأنباء إلّا متأخرة، فنظرية دارون كتب عنها بعض أتباعها ما يؤكد أنها مجرد وهم (١)، حتى قال أحدهم: (إن نظرية النشوء والارتقاء غير ثابتة علميًا ولا سبيل إلى إثباتها بالبرهان، ونحن لا نؤمن بها إلّا لأن الخيار الوحيد بعد ذلك هو الإيمان بالخلق الخاص المباشر، وهذا ما لا يُمكن حتى التفكير فيه) (٢). وأثبتت الدراسات والتجارب المخبرية أن هذه النظرية زائفة وغير صحيحة، وخاصة الأبحاث التي تمت من قبل علماء الأحياء والتي قرروا فيها بعد تجارب كثيرة ومتنوعة أن المادة الميتة لا يُمكن أن تتحول ذاتيًا إلى مادة حية، وأن الحي لابد أن يتولد عن حي أو يشتق من حيّ (٣). أمّا الأدلة العقلية والبراهين المنطقية الهادمة لهذه النظرية وفروعها فأكثر من أن تحصى، ولكن أتباع الإلحاد لايفقهون، كما قال اللَّه تعالى فيهم: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ

стр. 166

أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ (١). ثالثًا: نسبة الأبدية للمخلوق والقول بأزلية العالم والخلق: هذا النوع من الإلحاد مترتب على ما مضى من جحد لوجود اللَّه ونفي كونه -تعالى- خالقًا مدبرًا ربأ لهذا الكون وما فيه، وهي مبنية على الاعتقاد الإلحاديّ القائل بأزلية المادة والمذهب الماديّ الذي يقرر بأنه لا وجود لأي جوهر غير المادة، فجميع الظواهر النفسية والأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية إنما يفسرها الوجود الماديّ، ويتضمن هذا المذهب أن العالم أبديّ (٢). ومن جذور هذا النوع من الإلحاد أيضًا ما يسمى بالمذهب الطبيعيّ وهو تفسير تطور المجتمع بقوانين الطبيعة، مثل الأحوال المناخية والبيئية والجغرافية والاختلافات العضوية والجنسية بين الشعوب، وكل ذلك يقوم على مركزية الإنسان في الكون وأنه نتاج أعلى للطبيعة (٣)، وكل ذلك مبني على أزلية المادة التي منها الكون والعالم. وهذه الادعاءات ومستلزماتها الفكرية والعملية الأخرى دعاوى أعطيت بهرجًا ونفخت فيها المهابة باسم العلم والتجربة، غير أنها لا تثبت على ميزان البحث العقليّ والعلميّ والتجريبيّ، وستنهار مع انهيار حجر زاوية هذه الفلسفة المادية وأعني به: "القول بأزلية المادة وكونها أساس الوجود". وعقدة هذا القول أن أصحابه لا يؤمنون بشيء غير محسوس أو غائب عن الوعيّ البشريّ، ومن هنا بدأت هذه الخرافة في أدمغة الماديين، ولفك هذه العقدة يُمكن أن يقال لهم: ليس كل ما غاب عن الوعي الحسيّ أو الوعي البشريّ يعد معدومًا، فعدم العلم بالشيء لا يدل على العلم بعدمه،

стр. 167

وتوجد أشياء كثيرة مغيبة عن الوعي البشريّ وهي موجودة ولكن الوعي البشريّ لم يحط بها، وهناك فرق بين موجود مغيب ومعدوم غائب فالأول حقيقة غير منظورة، والثاني خرافة لن تنظر، وليس كل ما غاب عن وعينا يجب أن نتوقف فيه أو نجحده، وذلك لأننا نعيش اليوم حقائق علمية كانت بالأمس مغيبة، ونحس بآثار مغيبات أخرى، وتدلنا هذه الآثار قطعًا على وجود المغيبات المؤثرة مثل الأثير وطبقة الأوزون والغلاف الجويّ والضغط الجويّ وغيرها، وهناك مغيبات يجزم العقل والحس والوعي البشريّ بكذبها لكونها تجر إلى المحال أو تصادم الحقائق الثابتة كنظرية داروين (١) وكالنظرية القائلة بأزلية المادة وأبديتها، وأنها -حسب التعريف الإلحاديّ- "لا تفنى ولا تستحدث من العدم"، والمادة عند الماركسيين أشد الملاحدة الماديين ليست شيئًا أكثر من وجودها الخارجيّ المتمثل في ظاهراتها المتحركة المتغيرة (٢). وهذه كافية لقصم فقار هذه الافتراضية المؤلة للمادة العمياء فيقال لهم: إن ظاهرات المادة ليست أكثر من آثار وخصائص لها وتسميتها ظاهرات اعتراف منهم بهذا، وإذا كانت هذه الظاهرات آثارًا فلابد من اليقين بوجود المؤثر (٣). أمّا الزعم بالمادة الأولى والخلية الأولية للكائنات فزعم لا دليل من العقل ولا الحس ولا التجربة عليه مطلقًا، وعلى افتراض وجود هذه الخلية الأولى فالسؤال الحتميّ: من الذي أوجدها؟ فإن قالوا: أوجدت نفسها وقعوا في الخرافة، فليس في الوجود ولا في تصور العقل ولا في نتائج التجربة أن شيئًا يوجد نفسه؛ إذ لابد أن يكون مسبوقًا بالعدم وإلّا لزم التسلسل إلى ما لا نهاية في الماضي، وهذا محال في العقل، والعدم لا يفعل شيئًا باتفاق عقول جميع العقلاء مسلمهم وكافرهم، ولا يخالف في ذلك إلّا مجنون أو مكابر بسفسطة هي حجة عليه قبل أن تكون حجة على غيره.

стр. 168

إذن لابد لكل فعل من فاعل، ولكل مصنوع من صانع، ولكل موجود من موجد؛ لأن الشيء لا يُمكن أن يوجد نفسه؛ ولأن العدم لا يُمكن أن يوجد شيئًا، وهذه أوليات المحاجة، ومقدمات تزييف آرائهم الباطلة. ثم يمكن الولوج بعد ذلك إلى ذكر قوانين العلية والسببية ودليل العناية ودليل التمانع، وغيرها من الأدلة الكاشفة لزيف دعاوى الملاحدة، والمثبتة أن اللَّه خالقٌ للكون وهو المتولي لتدبيره والتصرف فيه، كما أن في أدلة المكتشفات الحديثة والتجارب العلمية ما يؤكد هذه الحقيقة، وفي علوم الفيزياء الحديثة والأحياء والفلك ما يدل دلالة واضحة على أن الكون والإنسان والعالم كله من خلق اللَّه، أوجده بعد أن لم يكن موجودًا، ومن أراد أن ينكر كل هذه البراهين فليبطل دليل العلية والسببية، والعناية والتمانع، وليأت بالشمس من المغرب، وليمنع تعاقب الأوقات والفصول وليرفع أسباب الحياة المعيشية عن الأرض: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥)﴾ (١). إن الإيمان بخالق واحد أحد للكون حتمية عقلية حسية تجريبية؛ لأن الإيمان بتسلسل في الخلق لا ينتهي أمر لا يُمكن للعقول قبوله، في حين أن الإيمان بخالق، ينتهي به هذا المحال العقليّ، وذلك وفق دليل قطعيّ عقليّ هو قانون العلية، وأيهما أسلم وأصح في العقول الإيمان بشيء غير متصور عقلًا كالتسلسل وأزلية المادة، أم الإيمان بشيء حتميّ التصور والوقوع؟. والعقل السليم لا يتصور تسلسل الخالقين إلى غير نهاية، على اعتبار أن المادة خالقة وسبب للوجود كما يقول الملاحدة، ولكنه مضطر إلى الإيمان بخالق لا أول له هو اللَّه الواحد الأحد الذي لم يلد ولم يولد وهو الأول الذي ليس قبله شيء. وإذا نظر العاقل إلى مماحكات الملاحدة عمومًا، والملاحدة المقلدين من العرب خصوصًا يجد أن جدلياتهم تسير ضمن منهج من المغالطات والتقريرات والألفاظ التي تتصنع العقلية والمنطقية، وتتلبس بلبوس التقدم

стр. 169

العلمي زيفًا وافتراءًا، مع أن التقدم العلميّ في حقائقه لا في افتراضاته بعيد كل البعد عن دعم الإلحاد، وفي العلوم المادية والمكتشفات العلمية ما يدل بجلاء ووضوح على زيف الإلحاد ويقينية الإيمان باللَّه تعالى، غير أن الملاحدة يكثرون الادعاء، ويتبجحون بالعلم التجريبي ويتعاظمون بالتقدم العلمي، ويتسلقون على ظهور المكتشفات، وينتفشون بذكر الأسماء الأجنبية المعروفة في مجال العلوم والمعارف المادية، فيدلسون على ضعفاء العقول والإمعات وفاقدي الشخصية. وهذه الأفكار المنحرفة لم تعش بقوة ذاتية فيها؛ لأن الوهن ملازم لكيانها، بل عاشت بقوة تحميها أو بطنطنة محترفين لها يدعون إليها أو ببهرج إعلام يزيف الحقيقة ويزين الفساد. وإذا انتقلنا إلى الأدب العربي المعاصر -محل البحث- وما فيه من انحرافات من هذا القبيل، فإننا نجد ما يدل بجلاء على أن القوم استهدفوا دين الأمة وعقيدتها قبل أن يستهدفوا أي شيء آخر، فمنذ أن أعلن كاهن الحداثة في تلمود الحداثة الثابت والمتحول أنه ليس للخلق أول (١) والملأ من أتباعه على مسلكه يرددونه بصيغ أخرى ما قاله هناك وما قاله هنا من أن (. . . جوهر الإنسان ليس في كونه مخلوقًا بل في كونه خالقًا. . . وجوهر الإنسان في أنه كائن خلاق مغير، وجوهر الثقافة بالتالي هو إذن في الإبداع المغير) (٢). وهنا سر المسألة في ربط الإبداع بالكفر ومزجه بالاعتقاد القائل بأبديته وأزليته وأزلية العالم، مع أن إلجام الإبداع بالزيف قتل واغتيال له؛ ولذلك لم تستطع الشيوعية المادية الملحدة أن تهرب من الميتافيزيقيا في الفن والأدب، بل كانت مغرقة في ذلك وإن ربطتها بالحاجات الاقتصادية وصراع الطبقات.

стр. 170

لكن أدونيس وأتباعه يرون أنه لا إبداع إلّا بالإلحاد، زعمًا منهم أن حضارة القرن العشرين قامت على الإلحاد، وهذا كذب واضح، فإن العلوم التجريبية والمعارف التطبيقية وحقائق العلم البحتة قامت على جهود متدينين غير ملحدين من النصارى واليهود، أمّا خرافات الفلسفات المادية وهرطقات الإلحاد الفكريّ فجاءت على يد عاطلين فاشلين لا جهد لهم في التقدم الماديّ من أمثال ماركس وسارتر وهوبز ونيتشه. وتبعًا لهذه النظرة الإلحادية عند أدونيس وربطها بالإبداع يقرر في صلف أبدية الشعر، فيقول: (. . . إن العمل الشعريّ لا ينتهي، الآلة وحدها تنتهي وهو لا ينتهي … إن وعي الشاعر لذاته لا يبدأ من التاريخ، أو من الماضي، بل يبدأ من ذاته نفسها، وذاته في يقظة دائمة، ففي كل لحظة يعيش ويفكر ويخلق كأنما للمرة الأولى. . .) (١) ويُفهم هذا المعنى إذا قرن قوله هذا بأقواله الأخرى الدالة على هذا المقصد عنده بل المبنية عليه، كما فصل ذلك في الجزء الثالث من الثابت والمتحول. وفي مقطع من كلامه الذي يسمى شعرًا يصف النطفة بالخلق، وهو تصريح بأبدية الخلق وذاتيته والاستغناء عن الخالق فيقول: (لم ترني عيناك بكرًا كماء النطفة الخالقة لم ترني أقبل من هناك في موكب النذور وفي خطابي العشب والصاعقة غدًا غدًا في النار والربيع تعريف أني حاضن البذور غدًا غدًا توقن بي عيناك) (٢).

стр. 171

والمقصود هنا هو مهيار، الذي رمز إليه كثيرًا في شعره، وامتدحه، وجعله نموذج التكوين الحداثيّ الآتي، ورمز المستقبل وعنصر الجدة والإبداع، وكثيرًا ما يرمز بمهيار لنفسه، على طريقة "القناع" وهو الأسلوب الحداثيّ المعبر عن شخصية يختفي خلفها الكاتب، ويعبر من خلال تلك الشخصية عن أفكاره وعقائده وآماله وغير ذلك (١). . . و"مهيار الدمشقيّ" هو كذلك بالنسبة لأدونيس، وهذا ما أكده جهاد فاضل (٢) في كتابه قضايا الشعر الحديث حيث قال: (. . . أمّا مهيار الذي سمى نفسه به مضيفًا إليه الدمشقيّ أحيانًا كثيرة فهو مهيار الديلمي الشاعر الفارسيّ الشعوبيّ الذي يثير اسمه أعذب الذكريات لدى أدونيس، فلكثرة إعجاب أدونيس به سمى نفسه مهيار، وللتفريق بينهما أضاف الدمشقي، وهي كلمة ترمز إلى تلك المرحلة السورية السابقة للفتح العربيّ، والتي شهدت وجود شخصيات فكرية معروفة مثل يوحنا الدمشقي وسواه، وكل ذلك أمور لها دلالتها عند أدونيس وعند القارئ معًا) (٣). واتخاذ أدونيس لرمز مهيار -إضافة إلى ما ذكره جهاد فاضل- أن مهيار الديلميّ كان مجوسيًا ثم أسلم على يد الشريف الرضي (٤) وهو شيعيّ

стр. 172

معروف ودرس على يديه، وعليه تخرج في الشعر والأدب، وتشيع وغلا في تشيعه وسب الصحابة في شعره، وهنا وجه آخر من أوجه إعجاب أدونيس بمهيار وتغنيه به وامتداحه له (١). وطالما تغنى أدونيس بمهيار ومجّده وتنبأ له بالمستقبل الباهر، وفي المقطع الذي نقلناه آنفًا شيء من ذلك فهو "النطفة الخالقة" إشارة إلى أبديته وأبدية شعره ومبادئه، وهو العشب والصاعقة، وهذا تعبير عن التدمير والثورة والنماء، وغده ومستقبله مركب من النار ذات الإحراق والإضاءة، والربيع رمز الحياة والتجدد، والبذور يريد بها الأفكار والأتباع الذين أُعدوا لبث الفكرة ونشر العقيدة الباطنية الإلحادية، والجذور الوثنية البابلية التي يقول عنها: (أخلق بابل في الأجناس وفي الأنواع وأخلق بابل في الصلوات وفي الشهوات وأخلق بابل في الأرحام وفي الأكفان، وأخلق بابل بين الخالق والمخلوق وأخلق بابل في الأصوات وفي الأسماء وفي الأشياء وأظل اللهب الضارب في الأشياء خارج هذا الورق الرملي ادشن أنحائي بالضوء، برغبة أن أبقى خارج هذا الملْك عصيًا) (٢).

стр. 173

المعاني نفسها مكررة هنا، إلّا أنه يضيف رغبته في إحياء بابل الوثنية، وإعادة تاريخها وعقائدها، متمثلًا وثنيتها ومتشبهًا بضلالها في نسبة الخلق إلى نفسه، كما كانت تفعل الوثنية البابلية في نسبتها الخلق إلى آلهتها، إنه بهذه يظهر نفسه في موطن تأليه نفسه، ناسبًا الأبدية للمخلوق الفاني الضعيف حيث يقول: (وأخلق بابل بين الخالق والمخلوق) وهو يعني بذلك أنه يؤصل المبادئ والعقائد التي يعتنقها، ويرسخ وجودها في الواقع من خلال التدمير والإحراق (وأظل اللهب الضارب في الأشياء). تدمير وثورة على كل شيء في الواقع العربي، الدين والأخلاق والقيم والنظم والتراث التي عبّر عنها بالورق الرمليّ، ثم يصف نفسه بأنه يضيء نفسه بالضوء، وبالرغبة في البقاء خارج الأطر والقواعد العقدية والأخلاقية وغيرها، ولنا أن نسأل أي ضوء يريده هذا المظلم المتخبط في ظلمات الكفر والجهل والتبعية، ومن لم يجعل اللَّه له نورًا فما له من نور. إن بابل التي يمهد أدونيس الطريق أمام وثنيتها، ويعلن انتماءه إليها لون من ألوان التقلب في الظلمات، من ظلمة الوثنية إلى ظلمة المادية الإلحادية إلى ظلمة الباطنية النصيرية إلى ظلمة النصرانية. أمّا بابل التي يقدسها ويشيد بها، في الوقت الذي يدنس فيه المدن الإسلامية فإنه يضفي عليها صفات الربوبية، ويلحق نفسه بذلك حين يصفها بالأبدية، وهو يعني شعره وفكره وعقيدته وحداثته، يقول: (تهجم بابل في طاووس أو جلاد ويكون التاريخ هشيمًا والقيم قيانًا وتكون الأشجار سبايا أحيانًا بابل قبل

стр. 174

وبابل بعد وبابل وجه للأحياء وللأموات يولد في أسمائي بشر يزدحمون ويقتتلون/ خذيهم دليهم واحتضنيهم كوني طرقًا لهم وفتوحات، يا أسمائي فأنا الأبد المتشرد خارج أسمائي أبديًا) (١). هذه الأبدية التي يصف بها نفسه وشعره وفكره هي الفرع الفنيّ والأدبيّ -إن صحت التسمية- للفكرة الإلحادية التي أصلها في تلمود الحداثة كتاب الثابت والمتحول، وذلك في معرض حديثه عن سلفه جبران خليل جبران الذي يعده طليعة الحداثة العربية المعاصرة بكل ما يحتويه جبران من وثنية يونانية ونصرانية ومادية حسب تعبير أدونيس في قوله: (. . . يشكل نتاج جبران خليل جبران ظاهرة من مستوى آخر تتمثل في تجاوز القديم العربيّ وصهره في قديم أشمل يونانيّ -مسيحي- كونيّ. . .) (٢). ويوجز أدونيس الدلالات الحداثية الأساسية التي أرساها جبران بشعره في نقاط عديدة، منها: (أ - ليس العالم شيئًا مخلوقًا منتهيًا، وإنّما هو اندفاع متحرك لا ينتهي، إنه يولد باستمرار. ب - رفض الشريعة أو القواعد المسبقة على جميع المستويات.

стр. 175

جـ - الإنسان كائن خلاق، يشارك في الخلق الإلهي، وليس الخلق الشعري إلّا صورة للخلق الكوني بكامله. د - ليس الشعر مجرد انفعال أو تعقل وإنّما هو رؤيا شاملة للكون وبحث دائم عن المطلق. هـ - الحداثة انفصال. . . انفصال على مستوى المطابقات بين المرئيّ واللامرئيّ. . .) (١). ومن هذا النص نستخلص عدة أمور ذات أهمية بالغة في تصور الحداثة مبدأ ومسلكًا وهدفًا: الأمر الأول: نسبة الأزلية إلى العالم ونفي كونه مخلوقًا للَّه تعالى، وما دام كذلك فهو متجدد تجدد المادة التي لا تفنى ولا تستحدث من العدم حسب المفهوم الإلحاديّ، وما دام الأمر كذلك فليس هناك ثوابت ملطقًا، ومن هذا المبدأ تولد المبدأ الحداثيّ المجمع عليه من سائر أتباع الحداثة حتى الذين يزعمون أنهم يحترمون الدين الإسلامي. وهذا المبدأ هو: نفي الثبات مطلقًا، والمناداة بالصيرورة والتغير الدائمين. وقد تفرع على هذا المبدأ الحداثي مبادئ أخرى منها القضاء على فكرة الخلود والثبات، واعتبار أن أي فكرة ثابتة فهي تخلف، ومنها السعي لتغيير كل مطلق ثابت، ومنها اعتقاد أبدية الإبداع. الأمر الثاني: أن الحداثة بعد أن تأسست على الإلحاد واعتقاد أزلية وأبدية العالم، فهي تسعى إلى هدم الشريعة ورفض نظمها وقواعدها وأصولها ومقتضياتها. الأمر الثالث: أن الشاعر والإنسان ليسا مخلوقين بل خالقين، وأن الحداثي في عمله الشعريّ ليس سوى خالق بالمعنى الكونيّ لهذه الكلمة،

стр. 176

وهذا تأليه للشاعر وتأليه للإنسان، وإعراض عن اللَّه تعالى، واستكبار إلحاديّ على ربوبيته وألوهيته ، واعتبار أن الإنسان يخلق مثل اللَّه، أو يشارك اللَّه في الخلق هو مبدأ حداثيّ يعبرون عنه تارة بهذه العبارة الصريحة في الكفر والإلحاد، وتارة يرمزون لذلك بعبارات "التكوين" و"الإيجاد" و"كونية الشعر والشاعر" ونحو ذلك من الألفاظ. الأمر الرابع: الحداثة ليست مجرد شعر وأدب وتحديث في الأشكال والأساليب بل هي رؤيا شاملة للكون والحياة والإنسان، وعقيدة شمولية مضادة للتوحيد والإيمان والإسلام والشرع والدين. الأمر الخامس: الانفصال عن اللَّه وشرعه ودينه، والعقيدة التي جاء بها الإسلام، أو ما عبر عنه أدونيس بالانفصال بين المرئي واللامرئي. وهذه الأمور التي طبعت الحداثة العربية بطابعها وكستها بكسوتها، هي التي وجهت المضامين الحداثية في دلالاتها التقريرية الواضحة أو في رموزها وإشاراتها، وهي التي صبغت التيار الحداثي بمختلف مدارسه بهذه الصبغة بصورة كلية أو جزئية، حسب جرأة الحداثي على إظهار مكنونات عقيدته أو تستره خلف الغموض والرموز، وقد شرحت خالدة سعيد (١) بعض كلام زوجها أدونيس فقالت: (والكتابة الإبداعية واحد من امتدادات الحضور الإنساني والفعالية التاريخية، لذلك تحتم أن يرى فيها المبدعون الحديثون خاصة لغة لكلية التجربة الإنسانية، ومن هنا كان غياب الأغراض في الشعر مثلًا، إذ صارت القصيدة لحظة كلية، تستوعب الوضعية الإنسانية في شموليتها، وهكذا تطلع الشعر والنص الإبداعي عامة إلى النهوض بالدور الفلسفي والفكريّ والاجتماعيّ، وبالديني أو الأسراريّ "وليس الدين"، وإذا كانت الحداثة -حركة تصدعات وانزياحات معرفية- قيمية فإن واحدًا من أهم الانزياحات وأبلغها هو نقل حقل المقدس والأسراريّ من مجال

стр. 177

العلاقات والقيم الدينية والماضوية إلى مجال الإنسان والتجربة والمعيش، وإذا كان جبران يشكل إنجازًا مهمًا على هذا المستوى من حيث إقامة المصالحة بين الغيبيّ والإنسانيّ عبر تداخل الدلالات، واستعارة اللغة المقدسة للزمنيّ، فإن ديوان أغاني مهيار الدمشقيّ قد شكل أول انقلاب بين العالمين ونقل المقدس إلى الحقل الإنسانيّ، ولابد من القول في هذا المجال أن ديوان لن لأنسي الحاج قد أسهم في تجريح المقدس ورفع لواء العصيان البشريّ وإقامة لغة التجديف، غير أن مهيار يصوغ التجديف بلغة تبني الدينية الضدية، وترسم إله الدمار والتفكك وتؤسس لانقلاب القيم ومواقع المقدس. هذا الانزياح علامة تاريخية كبرى. . . ومن هذا المنظور يمكننا أن نقرأ ديوان أمل دنقل (١) العهد الآتي، فهذا العهد الآتي هو عهد الإنساني، حيث الإنسان هو البدء) (٢). فإذا كانت الحداثة العربية بهذه المثابة فما مرادها من نفي الخلق عن اللَّه وإزاحة المقدس، والمفاخرة بالكفر والتجديف؟ إنها تبحث عن دين آخر غير الإسلام، وتتطلع -تلافيًا للخواء الذي انحطت فيه- إلى إله آخر تتعبد له، أو ما يعبرون عنه بالبحث عن المطلق حسب قول أدونيس: (. . . ليس الشعر مجرد انفعال أو تعقل وإنّما هو رؤيا شاملة للكون وبحث دأئم عن المطلق) (٣).

стр. 178

فما هو المطلق الذي وصلوا إليه؟. يجيب أحدهم على هذا الأمر فيقول: (إن الوضعية المنطقية (١) التي هي الظل الفلسفيّ لكل تيارات الحداثة تتخلى في الوعي الحداثويّ العربيّ عن المنطق، ليبقى الوضع بمثابة المطلق الوحيد. . .) (٢). وهذا الادعاء الإلحاديّ في كون الوضعية أو الحداثة هي المطلق الوحيد، هو انجرار في نفس المجرى وانسياق في المسار الإلحاديّ القائم على جحد وجود اللَّه تعالى ونسبة الأبدية للمخلوق من الأعيان كالشاعر والإنسان والطبيعة والمادة، أو المعاني كالشعر والإبداع والحداثة والفكر ونحو ذلك، وهي قضية طالما دندن سدنة الحداثة والعلمانية حولها، فها هو محمد جمال باروت يتحدث في مقال بعنوان "تجربة الحداثة ومفهومها في مجلة شعر" فيقول: (العلمنة في معناها العميق انعطاف من الإله إلى الإنسان، ومن مملكة العرب إلى مملكة الإنسان، وبذلك لم يعد الإنسان يرى العالم نتاج "نظام إلهي أبدي" (٣) بل "وجد نفسه أمام نظام من صنع يديه لا استئناف لأحكامه إلى سلطة عليا" (٤) من هنا تغيرت نظرة الإنسان إلى العالم "تغيرًا جذريًا" (٥) فـ "لا شيء محرم على العقل" (٦) فـ "عوض عالم مستقر آمن قائم على قواعد ثابتة لا تتزعزع وجد الإنسان نفسه شيئًا فشيئًا في عالم لا قواعد ثابتة له، عالم على ساكنيه أن يعيدوا بناءه بأيديهم وعلى صورتهم ومثالهم، هكذا أصبح الإنسان أكثر من أي وقت مضى مقياس كل شيء" (٧). . .) (٨). ثم يضيف مستشهدًا بكلام بعض الفلاسفة الغربيين قائلًا: (تصبح

стр. 179

الحداثة في هذا السياق وبما هي "نظرة إلى الوجود" أو "عقلية" حسب تعبير الخال. . . أو نظامًا معرفيًا يجد مرجعه في "النزعة الإنسانية الطبيعية" أو "العلمية". . . -ثم يوجز هذه النزعة الإنسانية بكلام لأحد الغربيين-: (بأن الإنسان لا يحيا إلّا حياة واحدة، ولا تحتاج إلى ضمان أو دعامة من مصادر عالية على الطبيعة، وأن العالي على الطبيعة الذي يتصور عادة في شكل آلهة سماوية أو جنات مقيمة، ليس موجودًا على أية حال، ففلسفة النزعة الإنسانية تسعى على الدوام إلى تفكير الناس بأن مقرهم الوحيد هو هذه الحياة الدنيا، فلا جدوى من بحثنا في غيرها عن السعادة وتحقيق الذات، إذ ليس ثمة مكان غيرها نقصده، ولابد لنا نحن البشر من أن نجد مصيرنا وأرضنا الموعودة في عالمنا هذا الذي نعيش فيه، وإلّا فلن نجدهما على الإطلاق) (١). بهذا المعنى فإن "المجتمع الحديث" الذي يعنيه الخال هو المجتمع الذي يقوم على "النظرة الإنسانية الطبيعية" (٢) التي تؤدي إلى "مجتمع قائم على نظرة حديثة للحياة على العلم والتكنولوجيا" (٣) على حد تعبير الخال. . . . ويعبر الخال عن هذه الإشكالية بقوله: (وإذا فقد الإنسان سندًا له في نظام إلهي أبديّ يرئسه (٤) إله عادل رحيم يحميه ويكافئه هنا أو في السموات، وجد نفسه أمام نظام من صنع يديه لا استئناف لأحكامه إلى "سلطة عليا" (٥)، وبذلك يصبح "الإنسان مصدر القيم لا الآلهة" (٦) على

стр. 180

حد تعبير أدونيس، من هنا يخوض الإنسان صراعًا روحيًا مع الفراغ، إذ يؤدي المجتمع الحديث إلى "التبعثر والتمرد والرفض والحيرة والقلق وما إلى ذلك مما يطبع عصرنا الحاضر" (١)، ومن هنا يحل الشعر مكان الدين، ويصبح "ميتافيزيقيا" المجتمع الحديث حيث يلعب الشاعر "دور الآلهة التي اختفت" (٢) على حد تعبير خالدة سعيد. . . يعيد الشعر في هذا السياق اكتشاف "اللَّه" على صورة الإنسان "الحي الميت المحب المبغض الآمل اليائس السعيد التعيس القاهر المقهور" (٣)، ويفسر ذلك اهتمام مجلة شعر بالتجربة الميتافيزيقية واحتضانها لما يُمكن تسميته بالتجربة المسيحية في الشعر العربيّ، من حيث أن المسيح يغدو هنا إلهًا علمانيًا. . .) (٤). هكذا تتشابك الحداثة تشابكًا عضويًا مع الإلحاد، وتمتزج في رؤية زعماء الحداثة في علاقة مغموسة بالمادية والكفر متعددة الواجهات متنوعة العبارات ذات نسق موحد في مواجهة الإسلام في محاولة لإزاحته عن الوجود من خلال إنكار وجود اللَّه تعالى وربوبيته وألوهيته وشريعته، وإيجاد المطلق (٥) الماديّ ويقصدون به البديل الإلحاديّ للَّه -جلَّ وعلا-، فها هي
следующие страницы →