بشر ينام ويستفيق
بشر مع الدواب السائبات على سواء
ما دام ينعم بالثراء
ابن السماء
العمدة المرهوب والخبز العريق. . .
والعمدة المرهوب يمسح بالسياط دم الظهور
كتل مشوهة تدور
حول الزرائب، والقبور النائمات على القبور) (١)
وهذا غاية في الاستخفاف والاستهانة من خلال هذه التسميات الباطلة، ثم يربط النوم والتخلف والحيوانية بالنبوة.
ومن أقواله المشابهة للقول السابق:
(قدمت أوراق انتسابي لرسول الأب
وقوميسار الشعب
من أجل أن تشرق شمس اللَّه.
على الغد المسكون بالخوف وبالأشباح
لكنه سلمني لغرف التعذيب والسجون والبوليس
والنفي والتشريد
فالعملة الرديئة
قد طردت في مدن الأزمنة الحديثة
стр. 1262
العملة الجيدة الجديدة) (١).
ويسخر من النبي ﷺ ومن حادثة شق الصدر، ثم يربط ذلك بالتخلف والمقابر والكتب الصفراء التي تعني عنده وعند أمثاله من الحداثيين الجمود والرجعية، يقول:
(قلت شبابي ضاع في المقابر
والكتب الصفراء والمحابر. . .
ودارت الأفلاك
ولم أزل أبحث في "تهامة"
عن تلكم الحمامة
وفي مساء زارني ملاك
ووضع القمر
على جبيني، شق صدري، انتزع الفؤاد
أخرج من حبة السواد
وقال لي إياك فالعنقاء
تكبر أن تصاد
فعد إلى المقابر
والكتب الصفراء والمحابر
من بلد لبلد مهاجر) (٢).
وفي مقطوعة شيوعية صارخة، يبين أن هذا العصر هو عصر المداخن وهافانا وجيفارا، وعصر خلعت فيه أوروبا حياءها ودينها، ويعبر عن ذلك -
стр. 1263
بتدنيس وقح- في تشبيه الصديقة مريم أم عيسى عليهما الصلاة والسلام بالداعرات، ثم يسأل بعد ذلك لماذا لم تعلن البلاد المسلمة عن مثل هذا؟ ولماذا لم تقم بالدور الذي قامت به البلاد الشيوعية، وأوروبا الغربية؟، يقول:
(جيفارا الليلة فوق مداخن هافانا يظهر للناس
والعذراء على شاشات التلفزيون وفي باب نجوم الأخبار
تعلن عن قمصان للنوم وعن شقق للإيجار
فلماذا يا شيراز
لم تعلن عائشة عن قائمة الشهداء) (١).
أمّا صلاح عبد الصبور فقد سبق أن نقلت مقطعأ من قصيدته "الناس في بلادي" وبينت مضامينه الاعتقادية المنحرفة، ومنها الصورة الساذجة التي يرسمها لبطل القصة "مصطفى" حيث يقول عنه:
(وعند باب قريتي يجلس عمي مصطفى
وهو يحب المصطفى) (٢).
هذه الصورة الساذجة التي يصور بها عقلية "مصطفى" هذا، تنبيء عن مقدار الاستهانة بالنبي ﷺ ، حيث جعل من علائم بساطة وسذاجة "مصطفى" أنه يؤمن به وبالقدر، وقد سبق بسط ذلك.
ونحو ذلك قوله في وصف سذاجة أمه، رابطًا ذلك بإيمانها بالغيب وبالنبي:
(إلى أمي البرة الطاهرة
تخوفني نقمة الآخرة
стр. 1264
ونار العذاب
وما قد أعدوه للكافرين
وللسارقين ولللاعبين
وتهتف إن عثرت رجليه
وإن أرمد الصيف أجفانيه
وإن طنطنت نحلة حوليه
باسم النبي) (١).
ثم يتحدث عن موت أخيه وعن دفنه، جاعلًا الحياة الدنيا مجال الصحوة والعمل والانجاز والعظمة وليست الآخرة، يقول عن أخيه:
(وفي حفرة من حفار الطريق
وهبناه للأرض باسم النبي. . .
ومن موته انبثقت صحوتي
وأدركت يا فتنتي أننا
كبار على الأرض لا تحتها
كهذا الرجل) (٢).
وفي مرثية لجمال عبد الناصر، يتحدث عن التاريخ الإسلامي وعن أمجاد المسلمين الأوائل، فيجعل معركتي أحد وبدر مجرد شارات على رداء النبي محمد ﷺ ، ثم ينتقل لوصف الحياة التي كانت تعيشها مصر أيام جمال تحت حكمه بأنها تختلف عن حياة النبي وأصحابه الذين كانوا يعيشون أيامًا يقضونها إلى يوم المعاد، أمّا حياتهم في عهد جمال فكانت
стр. 1265
تاريخًا كأروع ما تكون ملاحم التاريخ، والمجد، والأمنيات، وهي مقارنة سخيفة استهدف فيها إعلاء شأن عبد الناصر ونظامه المعادي للإسلام والمسلمين وخفض شأن النبي ﷺ وحياته المليئة بالخير والمجد والفضل والكمال في كل شيء، يقول:
(أحد وبدر شارتان على رداء محمد، عاش الجهاد
لا، لم نكن نحيا كما يحيون أيامًا نقضيها إلى يوم المعاد
بل كان ما نحياه تاريخًا كأروع ما تكون ملاحم التاريخ
ساح ترن بها أغاني المجد مرعدة، وحمحمة الجياد) (١).
أمّا النصراني اللبناني يوسف الخال فإنه على نمط عقائد الكتاب المحرف يرمي نبي اللَّه سليمان ﵊ بالعظائم، ويتحدث بلسان إحدى الداعرات قائلًا:
(ولو رآني سليمان
أما جن قلبه لدلالي
وارتمى خاشعًا يقبل وجه
الأرض من موطئي وظل نعالي) (٢).
أعز اللَّه نبيه وشرفه، وقبح وجه هذا المستهزئ الضال.
وفي موضع آخر يستخف بالنبي، ويقصد عموم الأنبياء، ويجعل وجودهم بمثابة الخمر الذي يخدر الأحلام، وهي عبارة تشابه المبدأ الشيوعي الإلحادي "الدين أفيون الشعوب"، يقول:
(بعيدًا عن اللارجوع
نصير يتامى
стр. 1266
ولا شيء يفعل، يجعل أحلامنا
خمورًا على اسم نبي
مشاعًا نصير) (١).
أمّا النصراني الآخر جبرا إبراهيم جبرا فله أسلوبه في التهكم والسخرية بالأنبياء، كما في قوله:
(نسمة الطريق المائج ليلًا بالعيون
ملجأ الغرباء والأنبياء
عشاق الأرصفة الطوال
نسمة الطريق السادر الهادر النازل
من البيت إلى الكهف والعين الصاعد
من البيت إلى الجلجلة
من فرشة الأحلام إلى الصليب
نسمة الطريق، حاملة الروث والياسمين. . .
هو الكذبة التي لا محيد عنها، الكذبة التي
صدقُها انبثق من الطريق عشيق الأنبياء والشاردين
والطيف هو الطريق والنسمة همسُهُ
لمسة النهدين الهائمين في ليلة الحر لطويل) (٢).
وللنصراني الآخر، عميل وكالة المخابرات الأمريكية توفيق صايغ، كلام بذيء يخاطب فيه اللَّه تعالى، ويستخف فيه بالرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام، يقول مخاطبًا اللَّه تعالى:
стр. 1267
(أأدركت ما بنا
أم أأعماك الغرور واللاانتظار
وإباؤك أن ترانا انتشينا
نقمة ومقتا
نجزيك بهما عن الليالي المداد
نقعتنا بها بحمأة الترجي
ولا رجاء
ونفضتنا عنك ارخص مما اشتريتنا
ولم تخلف لنا
غير وعد برسول من لدنك
ينقل لنا خيراتك
ينفخ في رماد الذكريات؟
أراعك انا استددنا
حول الرسول ساخرين
واما شدا باسمك
خائفًا خافتًا
شدونا عالين صاخبين:
بغير حب إلهي بغير محبة؟
ولم نعذب رسولك ليبوح
انك مغلوب كايانا
وفي عوز مثلنا وأسرٍ وصحراء
стр. 1268
ورسالاتك هذي إلينا
استغاثات لا غرام
وتقربك الآن إلينا
ليس حبًا بقربي
لكن لتسكين إبرة فيك
لا تكل) (١).
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ (٢).
هذا الكلام الردئ النابع من قلب خبيث، وعقيدة تطفح بالضلال فيه إشارة إلى مضمون الملة الحداثية، ودلالة على موقفها من دين اللَّه القويم، ومن رسالات الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام وهو كلام جمع بين ركاكة المبنى وخبث المعنى، ومع ذلك يعدونه من كبار المبدعين ومن رواد المجددين!!.
ويقول في موضع آخر مستخفًا بعيسى ﵊:
(يسوع الشيخ
عاد فتيًا يلاعبني) (٣).
وللنصراني أنسي الحاج مشاركاته القذرة في هذا الصدد، وقد سبق نقل كلامه الذي نشره في مجلة الناقد، وهنا من كتابه خواتم يخلط في تسوية تدنيسية بين الأنبياء الأطهار والملاحدة الكفار، وذلك في قوله:
(المسيح. محمد. روسو. فورييه. ماركس
стр. 1269
يرسمون للآخرين أوطانهم وكأنما ليبقوا هم غرباء) (١).
أمّا الماركسي العراقي سعدي يوسف فيقول:
(حجر للنبي الذي كان يلعب
أو للصبي الذي كان يتعب) (٢).
ويقول تحت عنوان "قصيدة مديح إلى مؤرخ مغربي":
(كان في "سبته" هذا الطفل
لم يحمل إلى الشاطيء والبحر الذي يُغرقه وهما
وما كان نبيَّ القهوة المغتربه
كان بين الأتربه) (٣).
ويتحدث عن نفسه تحت عنوان "الأخضر بن يوسف ومشاغله" جاعلًا النبي رمزًا يعلق عليه سخرياته واستهاناته، ويرفع نفسه إلى مستوى الأنبياء، وهذا لون آخر من الاستهانة، يقول:
(نبي يقاسمني شقتي
يسكن الغرفة المستطيله
وكل صباح يشاركني قهوتي والحليب وسر الليالي الطويله
وحين يجالسني
وهو يبحث عن موضع الكوب في المائده
-كانت فرنسية من زجاج ومعدن-
أرى حول عينيه دائرتين من الزرقة الكامده
стр. 1270
وكانت ملابسنا في الخزانة واحدةً:
كان يلبس يومًا قميصي
وألبس يومًا قميصه
ولكنه حين يحتد
يرفض أن يرتدي غير برنسه الصوف
ويرفضني دفعة واحده
ويدخل كل المزارع
يحرث أو يشتري سكرًا
أو يقول العلامه
ولما التقينا على حافة البار
أخرج من جيبه زهرة وانحنى
هامسًا انها لي أتيت بها) (١).
وسواء أراد بذلك النبي على الحقيقة، أو أراد وصف نفسه بأنه نبي، أو وصف شخص آخر بالنبوة، فكل ذلك استخفاف واضح واستهانة صريحة بمقام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأصرح منه قوله:
(من يشتري جلد المسيح
إنا سلخناه فيا دنيا استريحي) (٢).
قدس اللَّه نبيه وأجله، ورفع قدره في الدنيا والآخرة.
وفي إحدى المقطوعات بعنوان "رفض" يستهين باللَّه تعالى وبالوحي وبالرسالة، وببلاد المسلمين بلاد الرمل -حسب رمزه- وذلك في قوله:
стр. 1271
(أنا في يديك ياربًا يسير على الرمال
إن الذي قد سار فوق الماء مات
وبقيت أنت بلا صفات
لكن قلبي في انتظارك
فالبحر مزقه نبي بالحذاء وبالبخار
القيته يبكي على قدمي مهتوك الإزار
وبقيت أنت
الهي الرملي مجهول الصفات
إلّا من الألم المقدس في انتظاري
وأنا أشق الرمل لكني أغوص
في الصفر. .
أحصى اللانهاية في النهاية
كنبيك الممنوع -صلبًا- عن طواطمهم
متألما حتى الشهادة
لكن سعدي لن يموت
في الرمل في شيراز من أجل الشهادة
متمسكًا بالصفر
يحصي اللانهاية في النهاية) (١).
هذا المقطع نموذج للإلحاد الحداثي، وعينة من العينات الكثيرة التي انبثت باسم التجديد والمعاصرة، لتقوم بحرب سافرة ضد اللَّه سبحانه
стр. 1272
وتعالى، الذي يجعله سعدي بلا صفات، وضد الدين والرسالات التي يرمز لها بالرمل والصفر، على عادة الحداثيين الذين يدّعون حرب التقليد والمحاكاة، وهم يقومون بها على أبشع وجه وأخبثه، ولا أدل على ذلك من استخدامهم لرمز الرمل كناية عن الإسلام والمسلمين وبلادهم، ورمز البحر كناية عن الغرب والتقدم والنهضة، فلا تكاد تجد حداثيًا إلّا ولهذين الرمزين مكانة دلالية، على طريقة يوسف الخال الذي يظن أنه من أوائل من استخدمهما.
ومن أبرز الأعمال الحداثية لأمل دنقل قصيدته التي بعنوان "مقابلة خاصة مع ابن نوح" والتي أشاد بها الحداثيون وكتبوا عنها كثيرًا، وألف بعضهم فيها كتبًا.
وهي مترعة بالاعتراض على نبي اللَّه نوح ﵇، والإشادة بموقفه ابنه الرافض للركوب معه في السفينة، جاعلًا ذلك موقفًا شجاعًا، في حين أن الذين ركبوا في السفينة هم الجبناء والمستغلون والتافهون حسب قوله:
(جاء طوفان نوح
ها هم الحكماء يفرون نحو السفينة
المغنون -سائس خيل الأمير- المرابون
قاضي القضاة
"ومملوكُهُ! "
حامل السيف راقصة المعبد
"ابتهجت عندنا انتشلت شعرها المستعار"
جباة الضرائب - مستورد وشحنات السلاح
عشيق الأميرة في سمته الأنثوي الصبوح!
جاء طوفان نوح
стр. 1273
ها هم الجبناء يفرون نحو السفينة) (١).
ويقول فيها:
(صاح بي سيد الفلك قبل حلول السكينة
انج من بلد لم تعد فيه روح
قلت: طوبى لمن طعموا خبزه
في الزمان الحسن
وأداروا له الظهر
يوم المحن
ولنا المجد - نحن الذين وقفنا
"وقد طمس اللَّه أسماءنا! "
نتحدى الدمار
ونأوي إلى جبل لا يموت
"يسمونه الشعب! "
فأبى الفرار ونأبى النزوح
كان قلبي الذي نسجته الجروح
كان قلبي الذي لعنته الشروح
يرقد الآن - فوق بقايا المدينة
وردة من عطن
هادئًا
بعد أن قال "لا" للسفينة
стр. 1274
وأحب الوطن) (١).
قد يقال بأن دنقل لا يريد ابن نوح وإنّما استعار ذلك للتعبير عن فكرة معينة، فكرة حماية الأوطان والاستهانة بالمصاعب في سبيلها، ونحو ذلك مما قد تدل عليه هذه القصيدة، ولست متحدثًا عن هذا المطالب، وإنّما الكلام هنا: لماذا اختار ابن نوح، العمل غير الصالح، ليكون رمزًا للوطنية والفداء، وجعل نوحًا ﵇ ومن معه في السفينة رمزًا للخيانة والغباء والجبن؟، إن الدلالة الواضحة من استعارة هذه القصة وتوظيفها هي أن المنطلق الذي يسير منه أصحاب هذا الاتجاه هو الرفض للدين والرسل وتعاليمهم؛ لأنها تعني عندهم التخلف والرجعية، في حين أن الرافضين للرسل وتعاليمهم مثل ابن نوح يعتبرون هم رموز العقلانية والمعرفة والوطنية والثبات!!.
وهنا نبذ من كتاب يقع في "٢٤٤" صفحة مخصصة لدراسة هذه القصيدة، وعنوان الكتاب هو "في البحث عن لؤلؤة المستحيل، دراسة لقصيدة أمل دنقل: مقابلة خاصة مع ابن نوح" (٢)، يقول فيه مؤلفه: (إذا عدنا إلى قصيدة مقابلة خاصة مع ابن نوح وجدنا أن التهكم والمفارقة قد بدأت خاصة بالواقع الخارجي في الجزء الأول من القصيدة، ولكنه انتقل إلى الداخل إلى انقسام الذات الشاعرة في الجزء الثاني والثالث، معبرًا عن أزمة اغتراب حادة تشكك في القيم الأساسية لدى الشاعر) (٣).
ويؤكد هذا المؤلف الحداثي أن أمل دنقل قد اقتبس هذه القصيدة من التوراة ومن القرآن، وأن ذلك تم بناء على التفاتة من دنقل عن التراث الإغريقي والفرعوني إلى التراث العربي باعتباره التراث الوحيد الحي في
стр. 1275
وجدان (١) الناس: (وهو حريص على أن يؤكد في حوار آخر على عروبة التراث وليس إسلاميته، ويستطيع الدارس أن يؤكد بيقين كامل أن أمل كان مخلصًا في شعره لهذا الفهم الأخير للتراث كتراث شامل لحضارة المنطقة) (٢).
ثم يشرح هذا المؤلف بمنظور حداثي مكذب هذا الأخذ والاعتماد على التراث، قائلًا: (وقصة طوفان نوح هي قصة أسطورية وردت في التوراة والقرآن وفي أساطير شعوب أخرى. . .، ويذهب بعض العلماء إلى محاولة تأكيد أن الطوفان قد حدث بالفعل نتيجة لتحولات جيولوجية محددة في نهاية العصر الجليدي الأخير) (٣).
فالناقد الحداثي هنا أسوأ وأشد انحرافًا من الشاعر، وكلاهما يجتمعان في الإطار الإلحادي الذي ذكرته في مطلع هذا الفصل.
ثم يورد الناقد نصًا من التوراة وآيات من القرآن ليرى مدى أخذ أمل دنقل منهما، وفي أثناء ذلك يصف نص التوراة بأنه نص أدبي سردي: (بينما يلائم النص القرآني بإيجازه وكثافته وشعريته النص الشعري، وثمة مجموعة من الأدلة النصية تشير إلى أن النص القرآني أقرب إلى الشعر من النص التوراتي. . .، في السطور الثلاثة الأول من النص القرآني وجدنا اثنتي عشرة تفعيلة "فعولن" بأشكالها المختلفة، وأربعة عشرة (٤) تفعيلة "فاعلن" بأشكالها المختلفة "فعلن، فعلن" دون أن تكون مرتبطة على الطريقة الشعرية، وإن كان بإمكاننا القول بأن الإيقاع فيها يعتمد على تفعيلتين متقاربتين وهو أمر كثير الحدوث في الشعر الحديث. . .، إن هذه العناصر بالتأكيد تشير على أن النص القرآني أكثر صلاحية للتعامل معه شعريًا من النص التوراتي) (٥).
стр. 1276
ويكفي ما في هذا الكلام من افتراء وانحراف لنعلم إلى أي حد وصلت جرأتهم على اللَّه وكتابه ورسله.
قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩)﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١)﴾ (٢).
ثم يخلص هذا المؤلف الضال إلى أن اعتماد دنقل على النص القرآني؛ لأن موقفه يماثل موقف ابن نوح، فيقول: (. . . اعتمد على النص القرآني في الجزء الذي يصور موقف ابن نوح "الذي يتماثل مع الشاعر تمامًا") (٣).
ويقول: (. . . إن رفض ابن نوح لم يبق رفضًا فرديًا بل توسع ليشمل شباب المدينة. . . هذا الرفض المرفوض من قبل النص القرآني أصبح رفضًا ضروريًا وإيجابيًا) (٤).
هذه هي عصارة الفكرة في القصيدة، وفي الدراسة النقدية التي قدمت لها، رفض تعاليم القرآن والإشادة بالرافضين لأوامر اللَّه، والامتداح للتمرد على وحي السماء، والتبجيل للموقف المعارض لأوامر الرسل الكرام ﵈، وهذا أحد إسرار الاحتفاء الحداثي الكبير بأمل دنقل (٥).
أمّا نزار قباني الحداثي الكبير والأسوة عند أهل الملة الحداثية فقد اغترف من حمأة هذا الانحراف، وعلَّ منه ونهل، ومن أمثلة ذلك قوله في وصف ثور أسباني في حلبة مصارعة الثيران:
стр. 1277
(برغم النزيف الذي يعتريه
برغم السهام الدفينة فيه
يظل القتيل على ما به
أجل وأكبر من قاتليه
نزيف الأنبياء
كوريدا. . . كوريدا
ويندفع الثور نحو الرداء
قويًا عنيدًا
ويسقط في ساحة الملعب
كأي شهيد. . كأي نبي
ولا يتخلى عن الكبرياء) (١).
لم يجد هذا الرديء وصفًا يصف به الثور إلّا الأنبياء أكرم خلق اللَّه، وهذا يدل على تصميم مبدئي يتخذه هؤلاء ضد الدين والرسل والرسالات.
وفي هذا السياق الأرعن نجده يقول عن الحب:
(. . . وهو المفاجأة التي قد حار فيها الأنبياء) (٢).
ومن ذلك وصفه لحالات تخلف من وجهة نظره المادية الإباحية حيث يقول على سبيل التهكم:
(وأنبياء اللَّه يعرفونني
عليهم الصلاة والسلام
الصلوات الخمس لا أقطعها
стр. 1278
يا سادتي الكرام
وخطبة الجمعة لا تفوتني
يا سادتي الكرام
من ربع قرن وأنا
أمارس الركوع والسجود
أمارس القيام والقعود) (١).
ثم عقب بعد ذكر هذه الأعمال والعقائد الإسلامية وغيرها:
(وهكذا يا سادتي الكرام
قضيت عشرين سنة
أعيش في حظيرة الأغنام
أعلف كالأغنام
أنام كالأغنام
أبول كالأغنام
أدور كالحبة في مسبحة الإمام
لا عقل لي لا رأس لا أقدام
استنشق الزكام من لحيته
والسل في العظام
قضيت عشرين سنة
مكومًا كرزمة القش على السجادة الحمراء
أجلد كل جمعة بخطبة غراء) (٢).
стр. 1279
وهي كلمات واضحة تعبر بجلاء عن الموقف الاعتقادي الذي يتبناه نزار قباني من الإسلام وقضاياه وعباداته وعقائده، وتدل بيقين على أن القضية ليست تجديدًا في الأشكال والأساليب الشعرية بل القضية أبعد من ذلك وأخطر، إنها المعركة المعاصرة المتجددة ضد الإسلام.
ويتحدث هذا الحداثي عن اليهود في سياق الكلمات الرنانة، التي لم تقدم العلمانية وأزلامها سواها في معركة الصراع مع اليهود يوم كانت اتجاهات الريح مضادة لليهود في السوق السياسي والإعلامي، أمّا اليوم وقد انعكست الرياح وأضحت المسابقات الارتمائية السياسية والاقتصادية من أبرز معالم هذه الأيام، نرى أن الحداثيين والعلمانيين يتسابقون في حلبة هذا الارتماء على أعتاب اليهود.
ولما تحدث نزار عن اليهود يذمهم ويشتمهم لم يجد رمزًا يجعله لهم إلّا كليم اللَّه موسى ﵊، الذي حط عليه بألفاظه القذرة، مستهينًا بهذا النبي الكريم ومعجزاته العظيمة التي أيده اللَّه بها في معركة التوحيد والكفر والحق والباطل، يقول نزار:
(لأنه موسى قطعت يداه
لم يعد يتقن فن السحر
لأن موسى كسرت عصاه
ولم يعد بوسعه
شق مياه البحر
لأنكم لستم كأمريكا
ولسنا كالهنود الحمر
فسوف تهلكون عن آخركم
فوق صحارى مصر) (١).
стр. 1280
ثم يواصل تهكمه باليهود، من خلال تهكمه بالكتب المنزلة والرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام، فيقول:
(ننصحكم أن تقرأوا
ما جاء في الزبور
ننصحكم أن تحملوا توارتكم
وتتبعوا نبيكم للطور
فما لكم خبز هنا ولا لكم حضور) (١).
مع أن اليهود أبعد ما يكونون عن موسى ﵇ وعن التوراة الحقيقية والزبور الحقيقي، لكن الغرق في مستنقعات الحداثة والشرب من حوضها، حدا به أن يقول هذا القول، ليشبع نهمته في التهكم بالدين والإيمان، والأنبياء رسل الهداية والفضيلة والخير.
ومن أمثلة أقواله الرديئة الضالة، مخاطبته للخامس من حزيران قائلًا:
(سوف ننسيك فلسطين
ونستأصل عن عينيك أشجار الدموع
وسنلقي سورة الرحمن
والفتح، ونغتال يسوع) (٢).
صور مكررة معادة تبدأ من ربط الحداثة والإبداع بالكفر والإلحاد، وتنتهي بربط النضال ونجاحه باستئصال القرآن واغتيال الأنبياء، وهذا هو سعي العلمانية منذ أن غرست في بلاد المسلمين؛ لتقوم بهدم الدين وتحطيم التدين في قلوب المؤمنين، والسخرية بمقدساتهم والاستهانة بأسس عقيدتهم وشريعتهم.
стр. 1281
وفي قصيدة همزية بعنوان "إفادة في محكمة الشعر" مليئة بالشتائم للأمة وتاريخها ورموزها، ومن ذلك قوله:
(مر عامان والمسيح أسير … في يديهم ومريم العذراء
مر عامان والمآذن تبكي … والنواقيس كلها خرساء
أيها الراكعون في معبد الحرف … كفانا الدوار والإغماء
مزقوا جبة الدراويش عنكم … واخلعوا الصوف أيها الأتقياء
اتركوا أولياءنا بسلام … أي أرض أعادها الأولياء) (١)
هذه أدبيات العلمانية والحداثة، وهي صورة عن ممارساتها الفعلية، فما الذي حدث للأمة لما تولاها هؤلاء الذين سخروا من الدين وأهله ورموزه وتاريخه وحضارته، وارتموا في أحضان الفكر الصليبي واليهودي والماسوني والإلحادي؟، لقد أضحوا هم بأنفسهم ألد عدو على الأمة، وأنكى سلاح وُجه إليها.
وبطل الأرض المحتلة وقائد العنف الثوري "محمود درويش"!! الذي نغص على اليهود حياتهم بانضمامه إلى حزب "راكاح" الإسرائيلي الشيوعي!!، له مشاركة في هذا النوع من الانحراف، تشابه قول أمل دنقل السابق عن نبي اللَّه نوح ﵊، حين جعل درويش من النبي الكريم نوح ﵊ رمزًا للهروب والجبن وطلب منه ألّا يرحل، وذلك في قوله:
(يا نوح!
هبني غصن زيتون
ووالدتي حمامه!
إنا صنعنا جنه
стр. 1282
كانت نهايتها صناديق القمامه
يا نوح!
لا ترحل بنا
انّ الممات هنا سلامه
إنا جذور لا تعيش بغير أرض
ولتكن أرضي قيامه) (١).
ومن أقواله من هذا النوع:
(لو مرة في العمر أبكي
يا هدوء الأنبياء
لكن زهر النار بأبي أن يعرض للشتاء
يا وجه جدي
يا نبيًا ما ابتسم
من أي قبر جئتني) (٢).
ومن أبشع أقواله التي مزج فيها أنواعًا من الانحراف قوله:
(أنا الحجر الذي مسته زلزلة
رأيت الأنبياء يؤجرون صليبهم
واستأجرتني آية الكرسي دهرًا، ثم صرت بطاقة للتهنئات
تغير الشهداء والدنيا) (٣).
وقوله:
стр. 1283
(طريق دمشق
ودمشق الطريق
ومفترق الرسل الحائرين أمام الرمادي) (١).
وقوله:
(أنا ضد القصيدة
غيرت حزن النبي، ولم تغير حاجتي للأنبياء. . .
لا لنبوءة العراف
يومك خارج الأيام والموتى
وخارج ذكريات اللَّه والفرح البديل) (٢).
(والليل سقف اللص والقديس
قبعة النبي وبزة البوليس) (٣).
(فأتى ليرميهم بجثته
وكان دويّها والأنبياء
لكم انتصارات ولي حلم) (٤).
ويصف أرض فلسطين بأسماء يمزج فيها المقدس بالمحتقر مزجًا يوحي بالاستهانة، يقول:
(ما اسم الأرض؟
بحر أخضر، آثار أقدام، دويلات، لصوص، عاشقات
стр. 1284
أنبياء، آه ما اسم الأرض؟) (١).
وفي حديث له عن شخص اسمه "راشد حسين" أحد المتتلمذين على فلسفة الصراع الطبقي، مما يشي بماركسيته، يقول:
(ولم يسأل سوى الكُتَّاب عن شكل الصراع الطبقي
ثم ناداه السؤال الأبدي الاغتراب الحجري
قلت: من أي نبي كافر قد جاءك البعد النهائي؟) (٢).
وهذا تدنيس واستهانة عظيمة بالأنبياء الذين جاؤوا لمحاربة الكفر والإلحاد المادية، سواء أراد بذلك الأنبياء على الحقيقة، أو أراد أحد أعلام الماركسية، كعادة الحداثيين في تسمية الضالين والمنحرفين والكافرين أنبياء، تحقيرًا لمقام النبوة وتهوينًا لشأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
وفي خطاب آخر يوجهه إلى "الأخضر" الرمز الذي يمتدحه ويثني عليه غاية الامتداح والثناء، ويقول له:
(يا أخضر! لا يقترب اللَّه كثيرًا من سؤالي. . .
ولتحاول أيها الأخضر
أن تأتي من اليأس إلى اليأس
وحيدًا يائسًا كالأنبياء) (٣).
ومثل ما صنع نزار قباني في هجائه لليهود من خلال ذمه وشتمه لأنبياء بني إسرائيل وكتبهم، يصنع محمود درويش مثل صنيعه، في قوله:
(علق سلاحك فوق نخلتنا لأزرع حنطتي
في حقل كنعان المقدس. . . خذ نبيذًا من جراري
стр. 1285
خذ صفحة من سِفْر آلهتي وقسطًا من طعامي
وخذ الغزالة من فخاخ غنائنا الرعوي، خذ
صلوات كنعانية في عيد كرمتها، وخذ عاداتنا. . .
هذا غيابي سيد يتلو شرائعه علي
أحفاد لوط، ولا يرى لسدوم مغفرة سواي. . .
وسدى افتش عن غيبابي، فهو أبسط من حمير
الأنبياء تمر فوق السفح حاملة سماءً للأنام. . .
ورأيت بابًا للخروج، رأيت بابًا للخروج وللدخول
هل مر نوح من هناك إلى هناك لكي يقول
ما قال في الدنيا: لها بابان مختلفان، لكن الحصان يطير بي) (١).
ولزميله الشيوعي الآخر معين بسيسو خوض واغتراف في هذا الوجه لانحراف، ومن ذلك قوله:
(للذي بعدي السموات: امرأة
وأنا لي الأنبياء
آه ما أحلى السماء
حين يطرد منها الأنبياء) (٢).
وقوله:
(تفاجئني الأرض
يا وردة في كتاب
стр. 1286
سلام التراب
معلمة الأنبياء القراءة
سلام التراب سلام السحابة) (١).
وثالثهم الماركسي المتعصب سميح القاسم له مقطوعة بعنوان "يهوشع بن نون" قدم فيها بمقدمة من العهد القديم، عن هذا النبي الكريم جاعلًا منه مجرد قائد عسكري يهودي، ثم يذم اليهود من خلال ذمه لهذا النبي الكريم كما فعل أدونيس وقباني من قبل، يقول سميح:
(لا تركعوا. . لا ترفعوا أيديكم إلى السماء
تدمرت واندثرت أسطورة السماء. . .
يهوشعٌ مات
فلا تستوقفوا الشمس، ولا تستمهلوا الغروب
سور أريحا شامخ في وجهكم إلى الأبد. . .
يهوشعٌ راح ولن يؤوب
يهوشعٌ مات!!) (٢).
وماذا أفلحت هذه الخطابيات والشتائم الحداثية؟.
لقد استمسك اليهود بدينهم المحرف واعتزوا بأنبيائهم وكتابهم، في الوقت الذي تخلى فيه هذا الفلسطيني وأشباهه من العرب وأبناء المسلمين عن دينهم ورسولهم وكتابهم فأذلهم اللَّه غاية الإذلال، سواء في وقت إعلانهم المناوءة لليهود، أو في هذا الوقت الذي استسلموا فيه وخضعوا، ولا منجى من هذا الذل بالشتائم والهجاء ولا باستقبال البيت الأحمر أو الأبيض، بل النجاة في الإيمان الصادق والعقيدة الصحيحة والعمل الصالح
стр. 1287
الصائب والجهاد واستقبال قبلة المسلمين واستدبار كل ما عداها.
أمّا نبي اللَّه يوشع بن نون فإن شتمه كفر والاستهانة به ضلال، وقد قال فيه النبي ﷺ : "إن الشمس لم تحبس على بشر إلّا ليوشع ليالي سار إلى بيت المقدس" (١).
ومن شتائم هذا الماركسي قوله عن نبي اللَّه عيسى ﵊:
(رأيت سائحين
وبائعًا يصيح
من يشتري المسيح
بحفنتي طحين) (٢).
وقد سبق ذكر مقطوعته التي بعنوان "أبطال الرواية" والتي ملأها بالتهكم والاستهزاء بأنبياء اللَّه محمد وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام، والسخرية بأعمالهم وأقوالهم ومعجزاتهم (٣)، ومن أشنع أقواله الدالة على انغماسه في هذا اللون من الانحراف ما جاء فى وصفه لهيروشيما والدمار الذي لحقها من القنبلة النووية، حيث يقول:
(من أي أعماق البشر
يتفجر الموت الزؤام على البشر؟
ولأي كهف ينزوي اللَّه المعفر بالغبار
وبالدخان وبالشرر؟
стр. 1288
وبأي معراج يلوذ الأنبياء الصالحون
غداة تربد الصور؟
بالحظ؟ بالمقسوم؟ بالمكتوب في غيب القدر؟!) (١).
وقوله:
(يا صغار الأنبياء!
يا رواة حفظوا كل أساطير السماء
شيدوا البرج فقد نادى الإله
وبكى "نوح" على الطوفان. . طوفان الدماء) (٢).
ومن أقوال محمد الفيتوري التي ضارع فيها غيره من الحداثيين في الاستهانة بالرسل والرسالات قوله:
(ولئن القدر السيد عبد يتأله
والنبوات مظلّة
والديانات تعله
هب من كل ضريح في بلادي
كل ميت مندثر
كل روح منكسر
ناقمًا على البشر
كل أعداء البشر
стр. 1289
كافرًا بالسماء، والقضاء والقدر) (١).
وقوله:
(ويطل يسوع
الثلج يغطي بردته البيضاء:
- ها أنت أتيت
غريبًا يقطر وجهك حزنًا
مسيرة ألفي عام
لا خبزك أنت ولا ملح الأديان
الحق أقول. .
الخالق والمأساة هو الإنسان
ويغيب يسوع
وتلوح وجوه الاثني عشر
- الأسفار اهترأت) (٢).
هذا في سخريته واستخفافه بالمسيح عيسى بن مريم، أما سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام فقد نال منه في قوله:
(وناح آصف، وغاصت
دودة في عرشها
وقفزت جراده، وسقطت جراده
стр. 1290
وانفجرت دويبة الأرض من الضحك
حين تهالكت فجأة عصا الملك
أكان مجنونًا؟
أكان عاقلًا؟
أكان قديسًا؟
أكان قاتلًا؟) (١).
بل كان كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥)﴾ (٢)، وقال سبحانه: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠)﴾ (٣).
ويقول ممدوح عدوان:
(أنا وقفة النخل الأبية
في عناق الموت
لم أنبت بمعجزة:
ولم يُعل النبي مقامه في تربتي
أرضي مهلهلة) (٤).
ويقول:
(إن اخوة يوسف صاروا سماسرة
لدموع أبيهم
стр. 1291
وصاروا أباطرة
بقميص أخيهم. . .
إني تبرأت من أول الكلمات
إلى آخر الصفقات
ومن أول الأنبياء
إلى صنم التمر) (١).
وفي رواية مدن الملح يقول عبد الرحمن منيف: (لم يكن وصول باخرة النبي سليمان، أو باخرة الشيطان، كما اطلع عليها ابن نفاع ثم مغادرتها بعد غروب اليوم التالي، السبب الوحيد في أن يمتنع الرجال عن البدء بإنشاء المدينة الجديدة. . .) (٢).
وفي حوار آخر في أحد أجزاء هذه الرواية نقرأ ما يلي:
(ولما ضحك السلطان أضاف ابن البخيت:
- وما هو بس كذا يا طويل العمر، أنا بزماني سمعت الأصقى،
وحكّيت الموتى، وبمصر سويت اللي ما يتسوى!
قطب السلطان جبينه وقال. . يجد مصطنع:
- وشنهو عندك بعد يا عيسى بن مريم ويا موسى ابن. . .
وضحك بقهقهة، وبعد قليل:
- صحيح يا ابن بخيت: شنهو اسم أبو موسى؟
ودارت عينا عبد اللَّه البخيت مثل هر محاصر، وتساءل:
صحيح. . موسى بن من؟
стр. 1292
وبعد أن ضحك وضحك السلطان، قال عبد اللَّه البخيت بصوت متآمر:
- أحسن شيء، يا طويل العمر، أن الواحد ما يقترب من الأنبياء، لأن هذولي يشوّرون، ولا يحتملون كلمة زايدة أو كلمة ناقصة!
- القول قولك يا بو بادي!
أمّا السبب الثاني الذي دعا السلطان لأن يكون عبد اللَّه البخيت مع فنر، فهو عمير، إذ يريده أن يخرج عمير من رأس فنر نهائيًا.
قال له يوصيه:
- هذا ابني، يا عبد اللَّه، اريده يكون سلطان، ما اريده ينتهي:
قال اللَّه وقال رسوله، يلزم يعرف شنهو اللي قاله اللَّه والرسول
لكن عنده ألف قضية وقضية غير هذي، وتنفس وصمت، وبعد فترة:
- ترى عمير وأمثاله يخربون ديرة، ويحوسون عشيرة وحجتهم:
قال اللَّه وقال رسوله، وحنا بهذا الزمان نعرف دربنا، ما نريد عمير وأمثاله يحكمونا، ولا نريدهم يسوونا مثل الكدش: البراقع حول عيوننا ويقولون امشوا) (١).
في هذا الحوار يتبين لنا استهانة المؤلف بالأنبياء والسخرية القذرة بهم، ثم التعقيب على ذلك بالدعوة إلى العلمانية والهروب من سلطة الدين ومن العلماء المسلمين وتأثيرهم.
ومن هذا القبيل أيضًا قوله على لسان إحدى شخصيات روايته:
(إذا لم يبك الأطفال من الجوع والألم، فلابد أن تكون عندهم أسبابهم
وبعد قليل وبسخرية:
стр. 1293
- ربّما يريدون أن يصبحوا ملوكًا أو أنبياء بسرعة. . .) (١).
وفي رواية "الخبز الحافي" يقول مؤلفها، في وصف حالة دعارة مع إحدى العاهرات: (. . . لم تقبض علي بمقصها، تمددت مثل تونة كبيرة، سمعت أن النبي يونس ابتلعه الحوت) (٢).
ولا وجه للربط بين هذه الحالة الداعرة التي يصفها وقصة ابتلاع الحوت ليونس ﵇، إلّا إرادته الواضحة في تدنيس اسم هذا النبي الكريم وإلحاق وصفٍ حقير به.
وفي روايته هذه المملوءة بالقذارة والدعارة والكفر والفجور، صورة حقيقية لحياة حداثي علماني يتقلب من السرقات إلى الحشيش إلى بيوت الداعرات، وفي الجزء الثاني من الرواية والتي بعنوان "الشطار" يقول: (فكرت لنفسي: إن الأنبياء لم يكونوا في حاجة إلى من يعلمهم، كل شيء كان ينزل عليهم جاهزًا، أمّا من ليس منهم ينبغي أن يتعلم، مثله مثل القرود) (٣).
أمّا رواية مسافة في عقل رجل فقد نقلت من أقواله في هذا الصدد كثير فأغنى عن إعادته (٤)، وكذلك رواية سقوط الإمام (٥).
الوجه الثالث: جعل الرسل والرسالات مناقضة للعقل وسببًا للتخلف:
هذا الوجه من أوجه انحرافات أصحاب الأدب العربي المعاصر يصح
стр. 1294
أن يكون مقدمة لغيره من أوجه الانحرافات، ويصح أن يكون نتيجة وغاية لكل ما سبق ذكره من انحرافات في الكتب المنزلة وفي الرسل والرسالات.
أمّا كونه مقدمة فإنهم في سياق عداوتهم للرسل يضعون هذه الدعوى في بداية محاربتهم وجحدهم وتشكيكهم وسخريتهم واستهانتهم بالرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام.
أمّا كونه غاية ونتيجة فلاريب أن ما سبق ذكره من جحد وتشكيك وتحقير للأنبياء عليهم الصلاة والسلام يراد منه الوصول إلى هدم مبدأ النبوة ومبدأ الاتباع والطاعة للأنبياء، في مهرجان جاهلي يؤله العقل الكليل ويقدسه، تحت مزاعم أن الرسل والرسالات مضادة للعقل ومناقضة للمصلحة والتقدم والرقي والحضارة، إلى غير ذلك من الدعاوى الباطلة والافتراءات الجاهلة، التي لم تكن وليدة هذا العصر بل هي من قديم، قدم الصراع بين التوحيد والوثنية والحق والباطل والنور والظلام، ألم يقل فرعون عن موسى: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ (١)؟، وقال: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢)﴾ (٢)؟، وقال كفار قريش عن النبي ﷺ كما أخبر اللَّه تعالى: ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦)﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦) بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧)﴾ (٤).
وفرية الكفار أعداء الرسل -وإن تنوعت- واحدة، سواء وصفوا الرسل بالجنون أو بنقصان العقل أو بمضادة العقل أو بمناقضته، قال اللَّه تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي
стр. 1295
لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١) كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٥٣)﴾ (١).
والذي يقوله أهل الحداثة والعلمنة اليوم من هذا القبيل كثير بلسان المقال والحال، ومن أعظم ما يشهد على ذلك الدساتير العلمانية الوضعية، والمناهج الثقافية والفكرية المادية التي يسعون في نشرها وبثها وترسيخها بين المسلمين، على اعتبار أنها هي التي تتفق مع العقل وتحقق المصلحة وتوصل إلى النهضة، وهذا وحده كاف في الدلالة على اتهامهم لدين اللَّه بالنقص والتخلف والرجعية، ولكنهم لا يكتفون بهذه الدلالة الضمنية الواضحة، بل يصرحون بكل جرأة أن الإسلام لا تصلح أحكامه لهذا العصر، أو أنها أحكام بشعة وغير حضارية وغير عقلانية، وغير ذلك من أقوال أهل الحداثة والعلمنة التي امتلأت بها كتبهم ومجلاتهم ومنابرهم وقاعاتهم ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَر﴾ (٢).
وفي مجال الأدب العربي المعاصر نجد أن الزعم بأن الوحي والنبوة مناقضة للعقل ومسببة للتخلف، من أشهر القضايا التي ينادون بها، ومن أصول فكرهم، حيث نجد أنهم يطرحون بتعصب منقطع النظير وبحماسة ملتهبة مبادئ يجعلونها أساسًا لمألوههم المدعى الذي يطلقون عليه اسم "الابداع"، ومن هذه المبادئ والأسس مما يخص هذا الفصل:
١ - لا حرية للإنسان إلّا بهدم الدين والشريعة والغيب؛ لأن هذه القضايا الاعتقادية -عندهم- من أعظم أسباب التخلف (٣).
стр. 1296
٢ - رفض الخضوع للَّه تعالى ورفض الإسلام جملة وتفصيلًا؛ لأن الكفر أساس الإبداع، والدين فشل أو تعويض عن فشل، والدين تراث لا قدسية له، والنهضة لا تتم إلّا بالفصل بين القيم الروحية والعقدية والقيم الحديثة، ولا يتم ذلك إلّا بالتخلي عن الغيب والمطلق، ونقل مركز الثقل من السماء إلى الأرض، ورفض فكرة التوحيد، ووجوب محاكمة الدين دون خوف (١).
ومن هذه الأسس انطلق القوم في حرب مادية شرسة ضد الدين وأصوله وأركانه، ومنها هذا الأصل العظيم "الإيمان بالرسل" الذي جعلوا منه هدفًا لحربهم وهجومهم.
ومن ذلك ما كتبه أدونيس في تلمود الحداثة "الثابت والمتحول" حيث جعل الإسلام وعقائده وقضاياه من أسباب التخلف، والتدين ليس إلّا تكرارًا طقسيًا، وأساس التخلف غنده هو: (الإيمان بأن القديم كامل ثابت، وبأنه واضح، وبأنه عقلي منطقي) (٢).
كما أن من أصول التخلف -عنده- اعتقاد أن القرآن هو في مقام الإجمال وما يأتي بعده هو في مقام التفصيل: (وهذا يعني أن الأقدم هو
стр. 1297
بالضرورة الأفضل، وأن الأسبق هو الأعلم، فالنور العربي واحد أوله، دينيًا، النبوة، وأوله، شعريًا الجاهلية، والأفضلية تتدرج تبعًا لتدرج القرب من الأولية. . .، فكما أن الدين تدين أي تكرار طقسي فإن الشعر هو، كذلك نوع من التمرس بفهم الماضي واستعادته في تكرار طقسي) (١).
ويستمر في هذه الهوابط الفكرية متخذًا من الشعر وسيلة لتمرير إلحاده بالدين، وغاية يعجز عن الوصول إليها أي قول آخر، خاصة عندما يصبح الشعر وفق معاييره الحداثية وملته الإبداعية الابتداعية.
ومن هذا المنطلق أشاد بجبران خليل جبران وامتدح انحرافاته الكثيرة وجعل منه إمامًا يحتذى به ويسير على منواله، ويقتفي أثره، في الوقت الذي يستنكر فيه التقليد والمحاكاة والاحتذاء، ويجعلها من علامات الإستلاب والتخلف، فقد امتدح جبران في ثورته على الشريعة ثم انتقاله إلى الثورة على الأسباب العميقة التي تكمن وراءها، ثم يورد مقطوعة له يستشهد بها على هذه الثورات ثم يعقب عليها قائلًا: (في هذه المقطوعة يسمي اللَّه والأنبياء والفضيلة والآخرة ألفاظًا رتبتها الأجيال الغابرة وهي قائمة بقوة الإستمرار لا بقوة الحقيقة، شأن الزواج الذي هو "عبودية الإنسان لقوة الإستمرار" والتمسك بهذه التقاليد موت والمتمسكون بها أموات، وعلى كل من يريد التحرر منها أن يتحول إلى حفار قبور، لكي يدفن أولًا هذه التقاليد، كمقدمة ضرورية لتحرره) (٢).
وفي موضع آخر يريد أن يشخص مشكلة الحضارة العربية -حسب زعمه- أي أنه يمتلك القدرة على هذا التشخيص، وهو في الحقيقة أبعد ما يكون عن ذلك، أولًا لموقفه العدائي المكشوف من الإسلام والعربية، وهذا الموقف العدائي الحاقد -الذي لا يشك فيه من له أدنى اطلاع على نتاج أدونيس- لا يجعل أحكامه ولا تشخيصه للمشكلات ولا وصفه للحلول في أي مرتبة من الحيادية أو الموضوعية.
стр. 1298
أولًا: لأن جهله بالإسلام وتاريخه وحضارته إضافة إلى أصوله الطائفية ذات الاعتقادات الحاقدة والأفكار الشائنة؛ لا تجعل منه سوى خصم يتذرع بالأدب والثقافة والدراسات النقدية والموضوعية؛ ليصل من خلالها إلى تفريغ أحقاده التاريخية والمعاصرة في أثواب من الأدب والحداثة والإبداع والعلمنة.
المقصود أنه في تشخيصه لمشكلة الحضارة العربية يقول: (لننطلق من تحديد المشكلية القديمة للحضارة العربية، من جهتي أحددها بأنها مشكلية الوحي/ العقل، الدين/ الفلسفة، الروح/ الجسد، القديم/ المحدث على المستوى النظري العام، والمضمون/ الشكل أو المعنى/ اللفظ، على المستوى الأدبي الخاص. . .
لنقل إذن أن اكتشاف المطلق الإلهي، وتنظيم العالم المحسوس بمقتضى هذا الاكتشاف هو المحور الذي دارت حوله الحضارة العربية، والمبدأ الذي وجه الفكري العربي، ثمة إذن في طبيعة الرؤيا العربية ذاتها إلى الكون والإنسان، انشقاق أصلي يتمثل في الثنائية التي أشرت إليها) (١).
إن ثنائية التناقض هذه التي يصطنعها أدونيس، من أجل تمرير فكرة أن ما يتعلق بالوحي والرسالة والنبوة تخلف، لأنها مضادة للعقل والفلسفة والجسد والإبداع والمضمون والمعنى، وهذا القول أيضًا من قبيل الدعوى التي يطرحها أدونيس كالمسلمات ليخدع بها الأتباع الذين يأخذون كلامه بالتسليم المطلق والاتباع، كما قد أخذ هو هذه الأفكار عن أساتذته من الغربيين والفرنسيين خاصة، بالطريقة الاتباعية التسليمية المطلقة، وإلّا فإننا إذا جئنا إلى مجال العلاقة بين العقل والوحي وجدنا أنهما في علاقة تكامل وتداخل، فالوحي أنزله اللَّه والعقل خلقه اللَّه، ولا يُمكن أن يتناقض المنزل مع المخلوق إلّا في أوهام أهل التوهم، وفي أغراض الإغراض، هذا أولًا.
وثانيًا: إذا جئنا إلى مجال العقليات الصحيحة الثابتة فإننا لا نجدها بحال من الأحوال تتناقض مع الثابت من النصوص.
стр. 1299
وثالثًا: نجد في معطيات العلوم التجريبية من الحقائق العلمية ما يتوافق تمام الموافقة مع أخبار الوحي.
ولكن الإطار الإلحادي الذي ضم فئات كثيرة من الناس اليوم تسلط على عقولهم فاعتبروا بلسان الحال إن لم يكن بلسان المقال وجود المخلوقات المشهودة هو الوجود الحقيقي، فصفاتها ونتاجها وأعمالها هي الحقيقة، وما لم يكن مشهودًا فهو إلى الفكرة الذهنية أقرب منه إلى الحقيقة الواقعية.
وتعدى هذا التصور المادي المحسوس جميع الأطر والحسابات، وأصبح تأثيره بينًا على التصورات الإعتقادية والآراء التشريعية بل تعدى إلى الأذواق والمظاهر، فأصبح الأدب والفن ضمن هذه الدائرة المظلمة، وحتى الأزياء والملابس -وخاصة فيما يتعلق بالمرأة- أضحت في كثير من بلاد العالم الإسلامي تسير على الخطى نفسها.
وصار كل ما يفعله الغربيون رجالًا ونساء بملابسهم أو شعورهم جميل ومتحفمر، وكل ما كان يفعله المسلمون، أو ما يفعلونه مما ليس فيه تقليد للغرب فهو قبيح متخلف، وإذا احتفلوا برأس السنة الميلادية فلابد أن نحتفل معهم، وبطريقتهم أيضًا، وإذا جعلوا لأبنائهم أعياد ميلاد، فكذلك ينبغي أن نفعل، وإذا نسبت المرأة إلى زوجها بدلًا من أبيها فلابد أن نقلدهم في ذلك، وإذا جعلوا إعلامهم موئلًا لنشر الرذائل وكشف العورات فلابد أن يهرع الإعلام على آثارهم، إلى آخر ما لا يكاد يحصى من أنواع التشبه البليد، الذي يدل على الضعة والتبعية العمياء والاندحار والهزيمة المعنوية، وضمور الحقيقة وغلبة الصورة والمظهر.
وإن كان التقليد في المسائل الشكلية أقل خطرًا من التقليد في المفاهيم والعقائد والمناهج، إلّا أنه يدل بجلاء على عمق التبعية وغباوة المتبعين.
وإذا كان للتقليد في التصورات والتشريعات تأويلات ومماحكات من قبل أصحابها، فلا يُمكن أن يوجد للتقليد في المسائل المظهرية والشكليات الظاهرية مسوغ سوى الافتتان بالمقلد، واعتباره المعيار القويم لما ينبغي أن يفعل أو يترك.
стр. 1300
بيد أن التقليد في المظاهر له دلائل أكيدة ومظاهر خطيرة، إذ من الثابت أن العلاقة بين المظهر والمخبر لا تنفصم، والعلاقة بين اللغة والمحتوى لا تتباعد، والالتزام بمظاهر معينة كثيرًا ما تكون تعبيرًا طبيعيًا عن حالات نفسية ومبادئ تصورية.
وفي مجال الأدب الذي هو مقصد هذا البحث نجد أن علاقة التبعية تأتي فيه من جهتين اثنتين:
الأولى: أن الأدب أضحى عقيدة، أو حامل عقيدة، وهو بذلك في حياة أصحاب المحاكاة والتبعية لا يبتعد عن حومة التقليد في الأسس الفكرية والتصورات الاعتقادية.
الثانية: أن الأدب باعتباره شكلًا من الأشكال الظاهرة -على افتراض أنه لا يحمل عقيدة ولا يدعو إلى مبدأ- هو أيضًا في الحالة العربية المعاصرة يرزخ تحت نيران التبعية وينضوي تحت دائرة الإطار الإلحادي المظلم.
وعلى ذلك فإن دعوى التناقض والإشكالية المعرفية التي يقولها أدونيس في النص السابق، ويعبر غيره عنها بعبارات أخرى مشابهة، لا تستند على قدم الحقيقة ولا تقوم على ساق البرهان، لما ذكرناه آنفًا، ولما بيناه من قبل من أن موقف المعادي المليء بالحقد التاريخي أو المعاصر على دين الإسلام لا يُمكن بحال من الأحوال أن يكون منصفًا؛ لأن حوافز البغض والعداوة في قلبه تجعل منه عنصر ظلم وعلامة عدوان، وبالتالي تبعده عن أي موقف حيادي -إن صحت الحيادية هنا- أو أي موقف متعقل -إن صح أن للملحد موقف تعقل-.
وإذا أردنا أن نأخذ على ذلك مثالًا من كلام أدونيس وأسلافه الذين يستشهد بكلامهم ومواقفهم، فإننا نجد أنه ينقب في التراث ليجد شاكًا أو ملحدًا بين ملايين المؤمنين الموقنين، فيتخذه رمزًا وأصلًا، ويستعمل مقولاته جسرًا يعبر من فوقه إلى مآربه.
إنه يعتبر أي موقف مناقض للدين موقفًا عقليًا، وهذا المنطلق الابتداعي عنده - يجعل منه مجرد متحامل، يقول في الثابت والمتحول: