← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 44

الانحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها

سعيد بن ناصر الغامدي

Полный текст (2 275 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

يلقى حباله على متن معروف الرصافي (١)، ويجعل منه طليعة للحداثة كما جعل من جبران، وسبب هذا الاعتبار -كما هو ملاحظ- ارتكاس هذين في مفاهيم إلحادية ومجاهرتهما بما يناقض دين الإسلام، وفي هذا دلالة واضحة على أن الحداثة عند أدونيس مرتبطة بالكفر والإلحاد ومضادة الإسلام، فمن كان كذلك فهو حداثي مبدع ولو كان يكتب بالأسلوب القديم أو بما يسمونه الشعر العمودي، وكل من ليس كذلك فهو تراثي متخثر حتى ولو كتب بالأسلوب الحديث، وهذا برهان على أن الحداثة تعني عندهم الكفر أولًا والمضمون الإلحادي قبل أي شيء. والناظر في حيثيات اعتبار أدونيس للرصافي مجددًا يجدها تتمحور حول إنكار الدين والوحي والنبوة وجحد الغيبيات ورفض مبدأ الثواب والعقاب وقضية العبادة من صلاة وصوم، ورفض التشريعات الإسلامية، وكذلك العادات والتقاليد الاجتماعية التي قامت على أساس وتصور ديني، ومحاربة الماضي وأمجاده، ورمي التاريخ بالكذب والتضليل، والدعوة إلى الحياة الراهنة والحرية والعلم ومنجزاته (٢). وهذه الحيثيات هي نفسها أصول وأسس الحداثة العربية، ولكل واحد من الحداثيين نصيبه من هذا الميراث الشيطاني قل ذلك أو كثر، ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٣)، ﴿إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٤).

стр. 1227

يصف أدونيس مواقف الرصافي -وفي وصفه تعبير عن اعتقاده هو وموقفه من الدين- فيقول: (الأديان بالنسبة إليه ليست موحاة، وإنّما هي وضع قام به أشخاص أذكياء، وإذ ينكر الوحي ينكر بالضرورة النبوة، وينكر وجود الأنبياء والنتيجة الطبيعية لإنكار الدين، وحيًا ونبوة، هي إنكار التعاليم أو المعتقدات التي جاء بها) (١). ويلتفت أدونيس من الجحد الكامل للنبوة، إلى استخدام التدنيس والاستخفاف بابًا آخر للجحد والإنكار، وذلك حين يجعل نبوة محمد ﷺ بديلًا عن ثقافة الجاهليين المتمثلة في الشعر، أي أن النبوة حلت مكان الشعر وأزاحته ليس لأنها حق ووحي من اللَّه، ولكن لأنها "حدس معرفي" لا أقل ولا أكثر، يقول: (الشعر في الجاهلية فاعلية أولى في مستوى العمل والحلم والدين، أي في مستوى الطبيعة والغريزة، فهو حدس أساسي في المعرفة، بل هو الحدس الأكمل، غير أن النبوة في الإسلام هو الحدس الوحيد، والمعرفة كلها تصدر عن هذا الحدس، وهكذا حلت النبوة محل الشعر، وتراجع الشعر إلى مستوى الفاعلية الثانية) (٢). وإذا كان هذا تأصيله في تلمود الحداثة، فإنه يمارس ذلك أيضا فيما يطلق عليه "شعر الحداثة" وفي ذلك يقول كاذبًا على لسان آدم ﵊: (وشوشني آدم بغصة الآه بالصمت بالأنَّه: "لست أبا العالم لم ألمح الجنة

стр. 1228

خذني إلى اللَّه") (١). كذب على النبي، وجحد لخلق اللَّه للناس، وإقرار ضمني بنظرية دارون، وفي موضع آخر يعلن جحده للَّه تعالى للأنبياء بتعبير آخر حيث يقول: (دماء، لا عاصمٌ، والنبيون ماتوا) (٢). وفي تلاعب آخر بالألفاظ بجعل المعراج صعودًا نحو كوكب مجهول، وهذا يتضمن إنكار وجود اللَّه وتكذيب النبي ﷺ فيقول: (تصعد نحو كوكب المجهول كالمعراج) (٣). وله مقطوعة طويلة يتحدث فيها عن الإسراء والمعراج باعتباره أسطورة وكذبًا، ويضيف إليها من أكاذيبه وسخرياته وعباراته الإلحادية الشيء الكثير (٤). وهو في كل ذلك يريد أن يقول بأن القضية كلها ليست سوى أسطورة وكذبًا، والرسالة المبنية على ذلك كذلك، وعندما يشرح مشروعاته المستهدفة خدمة الملة الحداثية يبين أنه يسعى إلى إزالة النبوة وآثارها وأصدائها والبلاد التي تتبع نهجها، فيقول: (مثلما تنضج الأبجدية لا لكي ألأم الجراح لا لكي أبعث المومياء بل لكي أبعث الفروق. . الدماء نجمع الورد والغراب، لكي أقطع الجسور

стр. 1229

ولكي أغسل الوجوه الحزينة بنزيف العصور وكتبت المدينة مثلما يذهب النبي إلى الموت، أعني بلادي وبلادي الصدى والصدى والصدى) (١). أي أن النبي نهايته الموت والانقراض وكذلك هي نهاية البلاد التي تتبعه. والمعنى بنفسه يكرره في موضع آخر قائلًا: (ها غزال التاريخ يفتح احشائي، نهر العبيد يهدر، لم يبق نبي إلّا تصعلك، لم يبق إله. . . هاتوا فؤوسكم نحمل اللَّه كشيخ يموت نفتح للشمس طريقًا غير المآذن، للطفل كتابًا غير الملائك للحالم عينًا غير المدينة والكوفة هاتوا فؤوسكم) (٢). في هذا المقطع اختصار مهم لعقائد الحداثة ومشاريعها وآمالها، وفيه دلالة على أنها -ليست فقط- لا دين لها بل هي تتدين بهدم دين الإسلام ومناقضة وهدم أصوله ومحاربته بكل الوسائل الدنسة الخبيثة، إنها امتداد لا ريب فيه للجاهلية الأولى، ولكن بأسلوب حديث، ودليل هذا الامتداد دفاعه عن قوم ثمود الذين عارضوا نبيهم وكذبوه واستحبوا العمى على الهدى، يقول: (شقاء

стр. 1230

إن تتفتح، أو أن تكبر، أو أن تهجم نحو الضوء، وموت أن تبدع أو أن تحيا في أحوال ثمود ولهذا، اعذر وجه ثمودٍ أعني المجذوبين إليه الطافين عليه وأقول عليهم، باسم الملعونين الخلاقين من الشعراء: ما أقسى أن نعرف أو أن نفهم كل الأشياء ولهذا، لا يتركني رفضي) (١). إنه يصطنع مقارنة تبجيلية هجائية، يبجل الحداثة والكفر والرفض ويجعلها تفتحًا ونموًا وتنويرًا وإبداعًا وحياة ومعرفة لكل الأشياء، ويجعل الرسالة التي يشير إليها برفض قوم ثمود لها عكس ذلك كله، وهو في كل ذلك لم يتجاوز قدر سلفه فرعون القائل: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢)﴾ (٢)، وليس في الادعاء دليل عقل أو تقدم، ولكن الكارثة أن تجد أن هذه المعاني الاتحادية تتسرب إلى قلوب المعجبين، فتتشربها وتقوم باستقاءتها كرة أخرى على صفحات ديوان أو كتاب أو صحيفة. وكما تشبث بالراوندي والرازي الملحد وابن المقفع والرصافي في كتابه "الثابت والمتحول" فإنه يتشبث في ديوانه بأبي العلاء المعري فيقول: (كيف اقنع المعرة بأبي العلاء؟ سهول الفرات بالفرات؟ كيف أبدل الخوذة بالسنبلة؟. "لابد من الجرأة لطرح أسئلة أخرى على النبي والمصحف" أقول وألمح غيمة تتقلد النار، أقول وألمح بشرًا يسيلون كالدمع) (٣).

стр. 1231

الدعوة إلى الجرأة والشك وطرح أسئلة الريب والجحد والنقد والتجريح على النبوة والأنبياء والوحي والقرآن إستنادًا إلى شكوك أبي العلاء وأسئلته، مع امتداح لها ومناداة للسير على منوالها. وقد زعم في بعض محاضراته بأن الوحي وهم، وأحصى ذلك عليه أحد النقاد الحداثيين واعتبر ذلك انتحالًا منه لفكرة قالها محمد أركون (١)، فبئس التابع والمتبوع. ويجيب عن سؤال وجه إليه عن النبوة والقرآن قائلًا: (ظاهرة النبوة بحد ذاتها عصرية، لكن المسألة هي في فهم هذه الظاهرة أنا شخصيًا ضد فهمها السائب في المجتمع العربي اليوم) (٢). والفهم الذي يريده هو الفهم الحداثي الإلحادي الذي يجعل النبوة مجرد وصف يستحقه من هب ودب من الحداثيين والعلمانيين والفلاسفة، وحتى المجانين والشواذ كما سوف يأتي. ويواصل دعوته إلى اجتثاث الرسل والرسالات واقتلاع جذورها، ويضرب لذلك أمثلة نبينا محمد ﷺ ويحيى ويوسف عليهم الصلاة والسلام ويشير إلى عيسى ﵇ باسم أمه مريم ﵍، ويجعلهم جميعًا جذورًا للعوسج، الشجر الشوكي المر الذي لا فائدة منه، وينادي بضرب جذور العوسج، رامزًا بذلك إلى اقتلاع الدين والرسل ورسالاتهم، وتهيئة الجو والمكان والزمان للملة الإلحادية، التي يسعى حثيثًا في نشرها والدفاع عنها، فيقول: (أحمد حنا يوسف مريم قل للضارب جذر العوسج: أهلًا قل للمأخوذ بقبضة هذا المعول: أهلًا

стр. 1232

قل للفاتن والمفتون، وكل جمال: أهلًا) (١). ولا يقتصر على هؤلاء الأنبياء الكرام، بل يتعرض أيضًا لغيرهم، ومن ذلك جعله قصة سليمان وبلقيس والهدهد مجرد خرافة، ووصف سليمان ﵇ بأنه مجرد رجل شهواني (٢)، ويتمادى في ضلاله حين يصف النبوات بأنها: (. . . خرافة تُرضع بنتها السماء) (٣). ويعلن عن ضجره لكون التاريخ المدون والمعاش في ارتباط دائم بميلاد النبي عيسى ﵊ أو هجرة النبي محمد ﷺ ، ويطالب بكسر هذا النسيج، أي أنه يطالب بما لم يفعله الاتحاد السوفيتي الملحد، يطالب بتاريخ آخر غير مرتبط بالأنبياء بل مرتبط بالإلحاد والكفر، بالمجوس أو الوثنية اليونانية بأدونيس أو تموز أو عشتار، بأي شيء آخر غير الرسالات، يقول: (هل انسللت في حشود كروية مستطيلة مثلثة تتناوب رصد الأفلاك قبل الميلاد قبل الهجرة بعد الميلاد بعد الهجرة سنوات تترادف وتروح في عباءات من وبر السلطان مطابقان بشر وتأريخ أسوار تتداخل أو تتوازى، سحابة واحدة وماء واحد استطالات ترتد، ألن ينكسر مكوك هذا النسيج) (٤). ولماذا كل هذه العداوة؟ إنه يجيب على ذلك في مقطع آخر بقوله:

стр. 1233

(لا نبؤة بل رصد لمساقط الرؤوس) (١). وفي مقطع آخر يطرح أسئلة شك وتكذيب فيقول: (وقلت كيف يسبح الحصى في اليدين وينبع الماء من الأصابع؟) (٢). ويعتبر أن ما يجيء من السماء من وحي ورسالات مجرد جثث ميتة وآلهة مدعاة، وذلك قوله: (وكواكب تقطر النجوم والتوابل حيث السماء تمطر الجثث والآلهة) (٣). واعتباره النبوات جثثًا هو ما صرح به في الثابت والمتحول بعبارة أخرى حين زعم أن الوحي ضد العقل وأن الوحي ليس معرفة حقيقة (٤)، وحين اعتبر أن مشكلة الحضارة الإسلامية القديمة هي في ثنائية التناقض بين الوحي والعقل والدين والفلسفة (٥)، وحين اعتبر أن المنهج التجريبي إبطال للنبوة (٦)، وحين أثنى على ابن الراوندي في جحده للنبوات وتهكمه بالشرع والرسول (٧)، والمعجزات النبوية، وعلى الرازي الملحد في إعلائه شأن العقل -حسب زعمه- وإبطاله للنبوة (٨)، في كلام طويل سبق نقل معظمه في الفصل السابق.

стр. 1234

أمّا إذا انتقلنا إلى غير أدونيس، ممن يعتبر عند بعض الدراسين من المعتدلين في الحداثة، وهو إحسان عباس!! فإننا نجد أنه تحدث في كتابه "اتجاهات الشعر العربي" عن الأسطورة في الشعر المعاصر وكيف استخدمها الشعراء، وضرب لذلك أمثلة عديدة، وجعل منها المسيح ويحيى عليهما الصلاة والسلام والخضر وأخبار الإسراء والمهدي المنتظر، كلها عدها من الأساطير (١). وسوف أعرض هنا نموذجًا للفكر الحداثي والمغالطة الحداثية والافتراء الجريء على الحقائق الثابتة، وهذا يعطينا تصورًا عن نوعية القوم الذين يريدون أن يهدموا دين الإسلام بسواعدهم الضعيفة وأفكارهم الكليلة، ويعطينا صورة عن الموضوعية المدعاة والعقلانية المزعومة، يقول أحدهم: (إن سمو التوحيد -كل توحيد- يتطلب برهانًا كما الوثنية؛ لأنها إنشاءات تقام على افتراضات) (٢)، أي أن وحدانية اللَّه تعالى مجرد إنشاء بشري قائم على محض الافتراض. وإذا نظرنا في تقسيم التدين فإنه لابد أن يكون إمّا توحيدًا كملة أهل الإسلام وإمّا وثنية كمن عداها، حتى ولو كان صاحبها يدعي الإلحاد وعدم الإيمان بشيء فإن ذلك في حد ذاته وثنية. وبما أن القائل يعيش الوثنيات المعاصرة ويتلبس بمفهوماتها فهو لا يحتاج إلى برهان في وجودها ووجود أتباعها، إذن هو يتطلب برهانًا للتوحيد الذي يبدو أنه يجحده أو يشك فيه، وحيث أن الرجل فرنسي النزعة فسوف نأتيه بفرنسي يحدثه عن المصدر الذي يتضمن إثبات التوحيد وتأكيده. يقول موريس بوكاي (٣): (لقد فهمت بدراسة القرآن الكريم وذلك دون

стр. 1235

فكر مسبق وبموضوعية تامة باحثًا عن درجة اتفاق نص القرآن ومعطيات العلم الحديث، وكنت أعرف قبل هذه الدراسة وعن طريق الترجمات بذكر أنواعٍ كثيرة من الظاهرات الطبيعية، ولكن معرفتي كانت وجيزة، وبفضل الدراية الواعية للنص العربي استطعت أن أحقق قائمة أدركت بعد الانتهاء منها أن القرآن لا يحتوي على أية مقولة قابلة للنقد من وجهة نظر العلم في العصر الحديث) (١). ومع قيام هذه الحقائق نجد المستغربين لا يعلمون ولا يشعرون أنهم لا يعلمون، فها هو الحداثي المشار إليه آنفًا، يقول: (وكان التوحيد قد اخترق الجزيرة العربية في صيغته اليهودية والمسيحية، فكان بعض اليهود والمسيحيين ينتظرون موسى آخر وربما وجدوه بشخص محمد، إذ كان رجل ثقافة واسعة وتفهّم كبير فشعر أن شعبه جاهز للانصاط (٢) على أهبة الاستعداد للفتح، فخط التوحيد بلغة الضاد، وأقام وحدوية رمزية تتسم بطابع الآنية كحافز لانطلاقة العرب، وأن تتخذ تلك الوقائع، الأسطورة هالة لها، فالأمر طبيعي. قلت: إن محمدًا كان رجل ثقافة، فلماذا ادعو أنه أمي، لا يقرأ ولا يكتب؟ أمن أجل إضفاء مصداقية أكبر وشرعية أعظم تزيد الرسالة نفاذًا في النفوس؟ فكل كلام علمي يتلفظ به أمي، لابد من أن يتجاوز قائله ليصبح مصدره إلهيًا) (٣). بالطبع لا يُمكن لقائل هذا القول أن يكون ممن يؤمن باللَّه ويصدق رسوله هذا أولًا، وثانيًا هذا القائل يكشف عن جهل فاضح، فهو يعد التوحيد دخل إلى جزيرة العرب عن طريق اليهود والنصارى، وهؤلاء مشركون ليسوا من الموحدين، أمّا نفيه أمية محمد ﷺ فهو -إضافة إلى

стр. 1236

مناقضته التامة للأخبار القطعية والأحداث التاريخية- قول قديم قاله الكفار من قبل ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥)﴾ (١)، وهي دعوى كاذبة لا رصيد لها من الحقيقة، ولو افترضنا جدلًا أن النبي ﷺ كان مثقفًا ثقافة واسعة كما يقول هذا الضال لينفي الوحي والنبوة، فأي ثقافة كانت في عهده أو في من قبله تقول بأن الإنسان كلما صعد إلى السماء ضاق صدره واختنق؟، ومن الذي أخبره بأن لبن الأنعام يخرج من بين الفرث والدم؟، ومن الذي أخبره بأن الجزيرة العربية كانت مروجًا وأنهارًا؟ ومن الذي أخبره أن بين البحرين حاجزًا مائيًا؟، ومن الذي أخبره بأن الإنسان يكون نطفة ثم علقة ثم مضغة؟، وغير ذلك من الأمور التي جاءت في الوحي، ما كان يعرفها هو ولا قومه ولا أي أمة من أمم الأرض، ولم تكتشف إلّا في هذه الأعصر المتأخرة بعد أبحاث طويلة وجهود متواصلة وتجارب عديدة. أمّا السياب رائد الشعر الحديث كما يقولون فلم تكن ريادته في أنه قلد الإنجليز في شكل الشعر فحسب بل كانت ريادته أيضًا في أنه قلدهم في المضامين، ولم تكن ريادته عند أهل الحداثة لمجرد التجديد. في الأساليب الشعرية بل لأنه تقحم في موارد الوثنيات ومراتع الضلالات، ومن أمثلة ذلك أنه عد وحي السماء أساطير بالية تجر القرون بمركبة من جنون ولظى وغبار السنين، يقول: (أساطير، مثل المُدى القاسيات تلاوينها من دم البائسين فكم أومضت في عيون الطغاة بما حملت من غبار السنين يقولون وحي السماء

стр. 1237

فلو يسمع الأنبياء لما قهقهت ظلمة الهاوية بأسطورة بالية تجر القرون بمركبة من لظى، في جنون لظى كالجنون!) (١). وفي قصيدة "المومس العمياء" التي يقولون فيها بأنها إعلان انفصاله عن الشيوعيين (٢)، يتحدث عن مجموعة من البغايا يبحثن عن رجال، ثم يقول في استخفاف بالأنبياء وجحد لهم يعبر عنه بلفظ الاندحار: (والسور يمضغهن ثم يقيئهن ركام طين نصبًا يخلد عار آدم واندحار الأنبياء) (٣). وفي مقطع آخر يعلن عقيدته في الأنبياء وفي نبوة محمد ﷺ -فيقول: (كفرت بأمة الصحراء ووحي الأنبياء على ثراها في مغاور مكةٍ أو عند واديها) (٤). أمّا توفيق صايغ فإنه يحصر النبوة في قوله: (أدركوا أن النبوة بلاغة قول) (٥). أمّا النصراني الآخر أنسي الحاج فإنه يعبر عن جحده للنبوات بقوله:

стр. 1238

(صورة اللَّه في كتابات بعض الأنبياء هى صورة السلطان الذي كانوا يشتهون أن يكونوا) (١). أمّا الشيوعي سميح القاسم فإنه كتب مقطوعة إلحادية بعنوان "رسالة إلى اللَّه" (٢) بدأها بعبارة نصرانية شهيرة: (سيد الكون أبانا) (٣)، وفيها يجعل الأنبياء مجرد حكاية تداولها الناس ورددوها فيقول: (أرضنا من عسل - يحكى - بها الأنهار - يحكى من حليب انجبت - يحكى - كبار الأنبياء وعشقناها ولكنها انتهينا في هوانا أشقياء وحملنا كل آلام الصليب يا أبانا كيف ترضى لنبيك البسطاء دون ذنب - كل آلام الصليب!! يا أبانا نحن بعد اليوم لسنا بسطاء لن نصلي لك كي تمطر قمحًا لن نداوي بالحجابات وبالرقية جرحًا نحن أنجبنا على الحزن كبار الأنبياء وخلقنا من أمانينا التي تكبر. . ربا) (٤).

стр. 1239

وهي كلمات فجة تعبر عن العقيدة الشيوعية التي يعتنقها سميح القاسم ويرددها بغباء البلداء، نعم لقد اتخذ الشيوعية دينًا وفلاسفتها وقادتها طواغيت يعبدهم من دون اللَّه. وله مقطوعة بعنوان "أبطال الراية" ملأها بالحديث عن موسى وعيسى ومحمد عليهم صلوات اللَّه وسلامه، ويذكر بعض أعمالهم وعلاماتهم ومعجزاتهم في سياق جحد وإنكار وإبطال، على طريقة الملاحدة، وفيها يبدأ بجحد وجود اللَّه تعالى فيقول: (واللَّه نحن نشاؤه بغرورنا شيئًا له قسماتنا الشوهاء ترسمه أنانياتنا فاهبط من الأبراج من شم القباب إذا استثير لهيبك القديس من صوت الضمير وشقيت في ما يحمل الإنسان عن عبء العذاب فالمس جراح الأرض في رفق ودثر عريها الدامي بأسمال التراب حطم وصاياك الشقية واسجد مع الكفار للعجل الغبي فللسدى تعطو امانيك الغبية ألواحك الأجر تفري النمل والديدان والأبريز في العجل المدلل يخطف الأبصار) (١). ثم يتحدث عن عيسى ﵇ بعقيدة نصرانية ثم إلحادية فيقول: (شرف الأقانيم الثلاثة والصليب

стр. 1240

شرف الدماء الزاكيات النازفات من الجراح جراح هيكلك الخضيب شرف الأحبوا بعضكم بعضًا وهذا خبزكم جسدي وخمركمو دمي الجاري وفي الناس المسره. . . فارحم جراحك يا مسيح ما عدت في الإنسان غير حكاية تحكى عن الرب الجريح) (١). ثم يتحدث عن النبي محمد ﷺ قائلًا: (حراء هل هجرت حمامتك الوديعة؟ هل جفتك العنكبوت؟. . . عادت (منى) وأبو لهب عادا فما تبت وتب! والكعبة استخذت منابرها للغو خوارج لا اللَّه يكبح من جماح ضلالهم، لا الأنبياء ولا الكتب! واستشهد الأنصار وانهارت مدينتهم وشرّعت المساجد للصوص المارقين! واللَّه أكبر لكنة جوفاء تطلقها نفايات المسوخ التافهين

стр. 1241

فاركب بعيرك يا محمد وتعال لي في الشمس معبد) (١). ثم ينتقل بعد ذلك إلى ذكر ما يسميه رسول العصر ويقصد به الشيوعي الماركسي الذي لا يؤمن بإله ولا رسالات ولا غيب ولا معجزات، فيقول: (ما جئت بالتنزيل! لم يفاجئك جبرائيل في رهط الملائك بالنبوة! لم تلق وجه اللَّه! لم تسمع من النيران دعوه! لم تحي أمواتًا، ولم تنهض كسيحًا! ولم تزل برصًا ولم تخلق نبيذًا من مياه ولم تجيء بالمعجزات الخارقات لكن وجهك يا رسول العصر أشرق في ظلام العصر أحلامًا وإيمانًا وقوه. وهدير صوتك حز أعماق الخليقه فاستفاقت جذوة سجنت بأعماق الحياه فإذا الظلام يسيح في ذعر، ونور الفجر يولد في العيون المطفآت وإذا أنا الإنسان! أجهر بالصلاة! وإذا صغاري يشبعون، ويدرسون ويلعبون ومشيئة الرحمن والأقدار بعض من نفايات القرون

стр. 1242

والآرض بعد العقم أثمار وأزهار وخضره فاسمع أغاني الثائرين واشهد نهايات السجون واهنأ فإنا باسمك الجبار نجتاز المجره! واهنا فإن الشمس تشرق كل يوم ألف مرة!!) (١). وهذه المقطوعة، التي أترعها هذا الماركسي بعقائده الإلحادية، سخرية بالنبوة وجحدًا بالرسالات وتكذيبًا للَّه وإنكارًا للوحي، ثم بعد ذلك يأتي بالبديل الماركسي الشيوعي العلماني "رسول العصر" كما يسميه، ولكنه رسول ضلالة وإلحاد وقائد انحراف ومادية. ثم يصور أنه يأتي بالازدهار والنور والنماء والتقدم، وهذا القول قاله قبل أن يتهاوى الاتحاد السوفيتي قبلة الماركسيين، والذي ظهر للعالم كله أنه بعد تهاويه كان مجمع فضلات وركام نفايات، ومأوى تخلف وفقر وجمود ورجعية وكان بحق "مزرعة حيوانات" (٢) و"خمور فكرية" (٣) وكان دينهم وملتهم "مذهب ذوي العاهات" (٤). وفي موضع آخر يعبر عن عداوته للنبوة والأنبياء ولمن أرسلهم بعبارات أخبث من كلامه السابق يقول فيها: (أي تنين خرافي الألوهة سمل الأعين في تاريخنا. . أدمى وجوهه!! يا يتامى فقدوا في بيتهم طعم الحياة! يا صغار الأنبياء

стр. 1243

يا رواة حفظوا كل أساطير السماء شيدوا البرج فقد نادى الإله وبكى "نوح" على الطوفان. . طوفان الدماء!!) (١). ويتحدث عن فلسطين قائلًا: (نحن من أرض يقال انها مهد النبوات يقال بسطت نورًا وعرفانًا على الدنيا يقال) (٢). وهذا تكذيب صريح بالنبوات وتهكم بالأنبياء ﵈. ونحوه قوله: (وطن الأكاذيب القديمة والرؤى والأنبياء) (٣). فلا غرو أن يبيع هذا وأضرابه من العلمانيين فلسطين والقدس الشريف لليهود ويسلموها لهم، تحت شعار عملية الاستسلام التي تعيش دوامتها مرغمة، ولا حول ولا قوة إلّا باللَّه. أمّا ممدوح عدوان فإنه يعلن عن جحد الرسالات بطريقته الخاصة فيقول: (إني تبرأت من أول الكلمات إلى آخر الصفقات ومن أول الأنبياء إلى صنم التمر) (٤). أمّا علاء حامد فقد أكثر من ترديد جحده وإنكاره وتشكيكه في الرسل

стр. 1244

والرسالات والوحي، وقد نقلت في الفصل السابق على هذا جملة من أقواله في هذا المجال، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا (١). أمّا الشمطاء الرجيمة نوال السعداوي فإنها تقول على لسان إحدى شخصيات روايتها: (قلت لها: أعظم امرأة ليست من كتبت أعظم كتاب، وإنّما من ولدت أعظم رجل، قالت: مريم العذراء ولدت ابن اللَّه وأنا فقدت عذريتي في الطفولة، ولا أؤمن بالمسيح، قلت: بماذا تؤمنين؟ قالت: أؤمن بعقلي وبأي شخص يخاطب العقل وليس الرحم) (٢). وتسخر بالنبي محمد ﷺ وبالمسيح ﵇ في مواضع، متخذة هذا الأسلوب وسيلة للتشكيك والجحد كعادة أهل الحداثة والعلمنة (٣). أمّا مؤلف كتاب موسوعة الفلكلور والأساطير العربية فإنه قد ساق مجموعة من أسماء الأنبياء وبعض أعمالهم على أنها أساطير، ومن ذلك قوله عن الخليل إبراهيم ﵊ تحت عنوان "إبراهيم الخليل أساطيره ومأثوراته" (٤): (ولد بعد الطوفان بـ ١٢٦٣ سنة أو بعد خلق العالم ٣٣٣٧ سنة، فمثله مثل كل الأبطال الأسطوريين الفلولكوريين، هؤلاء الذين يجيئون في أزمان لتحقيق رسالاتهم. . .) (٥). ثم يسوق شيئًا من قصصه مع الملك النمرود ملك بابل، ومعارضته للأصنام، ورميه في النار، وولادة إسماعيل، وبناء الكعبة، على أنها جميعًا خرافات، حيث عقب على ذلك بقوله: (وبإيجاز شديد فإن كل هذه الأحداث والأفكار والحكايات والمآثر حول الخليل إبراهيم وخرافاته ما تزال تواصل تواترها واتصالاتها وتبادلاتها الشفهية والمدونة) (٦).

стр. 1245

ثم يورد كلامًا عاميًا في قصة شعبية مخترعة عن إبراهيم ﷺ ليجعل من هذا الخلط المتعمد بين الحقائق والحكايات الشعبية وسيلة لجعل كل ذلك خرافة وأسطورة (١). وفي موضع آخر يتحدث عن إسماعيل ﵊ باعتباره أسطورة من الأساطير والخرافات الشعبية (٢). ويتحدث عن أبوته للعرب باعتبارها أسطورة وحكاية مقلدًا في ذلك طه حسين (٣)، كما تحدث عن أمر اللَّه لإبراهيم بذبح إسماعيل وفداء اللَّه عنه على أساس أنها حكاية شعبية وخرافة أسطورية (٤). وفي سياق تعداده للأساطير العربية يذكر قصة بقليس مع سليمان ﵇ وقصة سبأ وسد مأرب كمثال من أمثلة الأساطير العربية (٥)، وكذلك يسوف اسم شعيب ﵇ وقصته، مع آيات من القرآن على اعتبار أنها من الأساطير والخرافات (٦). وكذلك يأتي بقصص عن موسى ﵇ ممزوجة بكلام شعبي وحكايات شعبية، ليخلص بعد ذلك إلى أن هذه حكايات وخرافات وأساطير (٧)، ويجعل عصا موسى ﵇ أسطورة وشارة سلفية حسب تعبيره (٨). وعلى كل حال فالكتاب مليء بإنكار نبوة الأنبياء وجحد رسالاتهم والتشكيك فيها، من باب أنها أساطير وحكايات وخرافات، وهو في ذلك ليس ببعيد عن التيار الحداثي والملة العلمانية.

стр. 1246

الوجه الثاني من أوجه انحرافاتهم في الرسل الكرام: البغض والاستهانة والسخرية بالرسل وأعمالهم وأقوالهم . أمّا البغض فيكفي في التدليل عليه ما ورد آنفًا من جحد وإنكار وتكذيب، وتلك عادة قديمة في أهل الباطل من الذين كانوا كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥)﴾ (١). وقد مرّ معنا في فصل تأثرهم بالوثنيات، كيف احتفوا بالأساطير والأوثان، وكيف افتخروا بها وأشادوا بها وجعلوها ملهمة لإبداعهم وقبلة لأفكارهم ومشروعاتهم السياسية، مثلما فعل سعيد عقل وعصابة شعر، فهم مع الأوثان والخرافات والأساطير في إجلال وتعظيم وإعجاب وحب، وهم مع حقائق الإيمان في سخرية وتشكيك وجحد وتكذيب، وهذا من عمى البصائر -والعياذ باللَّه- وإلّا كيف يليق بإنسان -فضلًا عمن يدعي العقلانية والموضوعية والعلمية- أن يرتمي في أحضان الخرافات مؤمنًا بها مبجلًا لها مناضلًا عنها، ويبتعد عن الحقائق الكونية الكبرى التي تشهد لها البراهين العظيمة والأدلة الهائلة؟ إذا لم يكن هذا هو الانتكاس في العقول والمفاهيم فأين هو الانتكاس؟. وقد عبر عن هذا البغض محمود درويق في سؤال وجواب ضمن مقطوعة طويلة: (- لماذا تحارب - من أجل يوم بلا أنبياء) (٢). أمّا السخرية والاستهانة فإنها أسلوب قديم استخدمه أعداء الرسل والرسالات، ويستخدمه اليوم أرباب الحداثة والعلمنة، وقد ذكر إحسان

стр. 1247

عباس هذا الأسلوب الحداثي وضرب أمثلة له وقال عنه: (السخرية أداة فعالة في التشكيك بالمسلمات) (١). أمّا أسلافهم فقد ذكر القرآن العظيم إنهم في مضادتهم للحق والهدى وعجزهم من المحاجة يلجأون إلى أسلوب السخرية؛ لينفروا الناس عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وعن دعوتهم والخير والهدى الذي جاؤوا به. ومن ذلك قولهم للنبي ﷺ : ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧) مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (٨)﴾ (٢). فهذه الوقاحة المقرونة بالسخرية بدأت بوصفهم للوحي بأنه ذكر أنزل من عند الحق، ثم أعقبوه بقولهم: إنك لمجنون؛ ليدل ذلك على أنهم مستهزئون بما قالوه أولًا، ومن ذلك قولهم: ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦)﴾ (٣)، وقولهم فيما قصه اللَّه عنهم: ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (١٤)﴾ (٤). وهذا دأب الذين من قبلهم: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢)﴾ (٥). وأعظم وصف وأدقه في حال هؤلاء المستهزئين من الأقدمين والمحدثين ما ذكره اللَّه العليم في قوله الكريم: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢١٢)﴾ (٦).

стр. 1248

فهذا هو حالهم ركون إلى الحياة الدنيا، وشغف بها، وتشبث بمناهجها الأرضية ومعاييرها الدنيوية، يقود ذلك إلى سخرية من الذين آمنوا ومن دينهم وشرعهم وملتهم؛ وذلك لتباين ما بين الاتجاهين وتناقض ما بين العقيدتين. ولشدة إغراقهم في الدنيويات والماديات يسخرون من أي معنى غيبي وأي قضية إيمانية؛ لأن قلوبهم الحيوانية لا تتجاوز حدود المحسوس، ولذلك كانوا يسخرون من نبي اللَّه نوح ﵊ حينما كان يصنع السفينة ويستهزئون به ويضحكون ملء أفواههم، كيف يصنع سفينة في أرض لا بحر ولا نهر فيها؛ لأنهم لا يرون سوى العالم المادي المحسوس ولا يؤمنون بشيء سواه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٩)﴾ (١). ومن جنس هذه السخرية ما نقرؤه اليوم من كتابات العلمانيين والحداثيين الذين يرون أن أمريكا والغرب لا يُمكن أن تنهار، في سياق ردهم على بعض الكتاب المسلمين الذين قالوا بأن إغراق الغرب في الفساد والانحراف والظلم والرذيلة والإلحاد والمادية سوف يكون سببًا في زوالهم. ومن جنس هذه السخرية ما يرد به كثير من الناس اليوم على وعظ الواعظين وتنبيه المؤمنين من خطر الذنوب والمعاصي وإنها سبب لوقوع المصائب من حروب وفتن وجوائح، وجدب وقحط وغلاء معيشة وغير ذلك، فيسخر منهم المادي العلماني ويسخر الفاسق الفاجر، لأنهم جميعًا لا يرون سوى الحياة المادية الدنيوية ولا يؤمنون إلّا بما يرون ويحسون، شأن البهائم والأنعام.

стр. 1249

ولكن هل تنتهي قضية الاستهزاء والسخرية هكذا من دون عواقب ولا نتائج؟، لقد أخبر اللَّه تعالى بنتيجة ذلك في قوله: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١٠)﴾ (١). وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (٣٢) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (٣٣) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾ (٢). ولاشك أن من يقرأ منهم هذه النقول، وهذه الأدلة سوف يسخر ويستهزيء، ويضحك ويتندر؛ لأنهم في وادي أبي جهل يعمهون، ولا يُمكن لهم أن يفقهوا مثل هذه المعاني إلّا إذا أمكن البهيمة أن تعرفه، ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ (٣). وإذا ذهبنا نتتبع ما في كلامهم من استهانة بالرسل والرسالات وسخرية بهم وبأعمالهم وأقوالهم فإن ذلك يطول، وسوف نذكر شيئًا من ذلك للدلالة على انحرافهم، فمن ذلك قول أدونيس مستخفًا: (ونوح في سفينتي غريق) (٤). وقوله مستخفًا بالنبوة ومدنسًا لها: (إنني نبيٌ وشكاك. . . إنني حجة ضد العصر) (٥).

стр. 1250

وقوله: (. . . والبريق حجر جالس على طرف الوجه نبىٌ لدمعه وصديق) (١). ويقول: (كان صوتي نبيًا رميت على شمسه ردائي) (٢). ويقول: (لي فرس وها هو الإسراء) (٣). كل هذا في تقديسه لنفسه وتدنيس النبوة والأنبياء، ومن ذلك تقديس القصائد الحداثية وغموضها ومتاهاتها الفكرية، وذلك في قوله: (ذات يوم تصير القصائد بوابة المدينة نحو أرض الغرابة وتصير الغرابة وطن الأنبياء) (٤). في سخرية بالنبوة وأتباعها من المسلمين يقول: (ثمة رأس كالصندوق بلبس حذاء النبوة) (٥). ولعمر اللَّه أن قائل هذا رأسه كبرميل النفايات فيه زبالات الأفكار وقاذورات الإلحاد، وإن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون، بل ما

стр. 1251

نقوله في وصفكم أدنى مما تستحقون، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. وفي سياق امتداحه لمهيار، وهو رمز يقصد به نفسه والحداثة العربية الشعوبية الباطنية، يجعل مهيارًا رمزًا للحياة الجديدة، ورأسه هو الذي يهب الفاعلية للحياة، ويقول بأنه ليس إلهًا ولا نبيًا؛ لأنه أعلى منهما، هو نار ونفير وصاعقة وزلزال ووجه يسطع كالجوهرة، يقول: (الرأس: "صوت بعيد": ليس صوتي إلهًا ليس صوتي نبيًا صوتي النار والنفير صوتي الصاعق المزلزل والطالع البشير الجوقة: "غير منظورة" وجهه مهيار في الماء يسطع كالجوهرة) (١). ومن استخفافه بالأنبياء قوله: (واشنق الرغيف كأنه أفق النبي) (٢). أمّا المقطوعة التي أشرنا إليها مرارًا والتي يذكر فيها الإسراء والمعراج على سبيل التهكم والسخرية والاستخفاف وعلى أساس أنها أسطورة من الأساطير، فقد امتلأت بالألفاظ الإلحادية التي يسخر فيها ويستهزئ بالرسول ﷺ وبحادثة الإسراء والمعراج وبالملائكة، بل وباللَّه -جَلّ وتقدس (٣) -. ومن أقواله الخبيثة قوله:

стр. 1252

(لم يبق نبي إلأتصعلك، لم يبق إله) (١). ويستخدم بعض أقوال النبي ﷺ استخدامًا سيئًا يدل على عمق استهانته بالإسلام ورسوله ﷺ ، يقول: (وكان مكتوبًا: "أصبح وأنا لا آمل أن أمسى أمسى وأنا لا آمل أن أصبح ينزجر هكذا نصفي، ونصفي الآخر لا ينزجر وأتقدم كأنني اتأخر، كسرطان مذعور) (٢). ويستمد أدونيس من أقوال أسلافه الذين سخروا من الأنبياء وشتموهم ونعتوهم بالجنون، يستمد مفهومًا حداثيًا، فيقول: (وكثيرًا ما قُرن بين النبي والمجنون في التقليد الديني القديم، الجنون إذن، نوع من رؤيا الغيب وهو من حيث أنه رمز شعري يمنح الشاعر مزيدًا من الحرية ليعبر عن غير الطبيعي وغير العادي، بدءًا من الطبيعي - العادي، والجنون عند جبران يشير إلى مغامرته الروحية وإلى التوتر التراجيدي في بحثه عن المطلق، بدءًا من الثورة على المجتمع، تقاليد وشرائع) (٣). فهو أولًا يصدق -ضمنًا- مقالة الذين رموا الأنبياء بالجنون، وثانيًا يجعل المجنون والشاعر الحداثي في منزلة النبي من حيث أنهم يشتركون في نوع من رؤيا الغيب.

стр. 1253

وهذا القول الذي يقوله أدونيس مستندًا على قول الأعداء القدامى للرسل يذكر بقول نصر أبو زيد حين جعل الوحي قرينًا للشعر والكهانة والسحر، باعتبار أن كل منهما اتصال بين الإنسان وغير الإنسان، وأن ذلك هو الأساس المعرفي لظاهرة الوحي كما يقول (١). قال اللَّه تعالى: ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٥٣)﴾ (٢). ويأتي أدونيس بأقوال ابن الراوندي التي يسخر فيها بالمعجزات النبوية (٣)؛ ليجعل من ذلك قاعدة له في نفي الرسل والرسالات ثم يأتي بقول أستاذ من أساتذته الغربيين فيه تهكم وشتم لعيسى ﵊، ويطلب مق أتباعه أن تصل جرأتهم إلى هذا المستوى، فيقول: (كلنا يعرف من هو المسيح، ولعلنا نعرف كيف خاطبه رامبو (٤): "يسوع يا لصًا أزليًا يسلب البشر نشاطهم" حين تصل جرأة الإبداع العربي إلى هذا المستوى، أي حين تزول كل رقابة، يبدأ الأدب العربي سيرته الخالقة، المغيرة، البادئة، المعيدة) (٥). إنها دعوة صريحة إلى سلوك هذا الطريق المظلم وهدم هذا الأصل العظيم، وطبيعي أن تكون معاداة الرسل ومناهجهم من أهم أهداف وغايات الحداثي الملحد والعلماني الضال؛ لأنه لا يوجد من يقاوم هذا التيار الكفري إلّا الدين، ولذلك دعا أدونيس إلى التردي إلى مستوى رامبو في السخرية والشتم للأنبياء، ويعتبر أن الأدب العربي لا يُمكن أن يحقق سيرته ومكانته إلّا

стр. 1254

بالوصول إلى هذه الحضيض من الانحراف، وقد استجاب له الحداثيون فعلًا، وسلكوا مسلكه ومسلك رامبو، وسوف يأتي في شواهد هذا الوجه ما يؤكد ذلك. ومن المقارنات العجيبة أن نجد أن أدونيس وأتباعه يطالبون بشتم الأنبياء والاستهانة بهم، وفي ذات الوقت يقدسون الأوثان ويقيمون لها أعظم الاعتبارات ويلوذون بها فكريًا، ويجعلونها ملهمة لأعمالهم وإنتاجهم، بل وسياساتهم وهويتهم، وقد ذكرت شواهد كثيرة في الفصل الرابع من الباب الأول من هذا البحث. هل بعد هذه المقارنة الأكيدة من دليل يدل على أن الحداثة ليست سوى شعار لبسه أعداء دين اللَّه ليصدوا عنه ويحاربوه ويناقضوه؟. وقد ذكرت أقوالًا عديدة للضال عزيز العظمة ينفي فيها النبوة والوحي ويجحد وجود الأنبياء، ومن ذلك مقاله الذي يدافع فيه عن المرتد سلمان رشدي في كتابه "الآيات الشيطانية"، واستدلاله بقصة الغرانيق المكذوبة وتأكيده أنها صحيحة حيث يقول: (ليس ثمة سبب تاريخي للطعن برواية الطبري بل هي أقرب إلى العقل من الرواية التقليدية، التي ترى في الإسلام شأنًا ولد كاملًا مكتملًا خارجًا عن نصاب وقائع وطبائع التاريخ. . . التوحيد الإسلامي ولد على تخوم الوثنية وغيرها من الأديان، وأن الإسلام في تطوره تعاطى مع وقائع اله سيحية واليهودية، وأنه تعاطى مع الوثنية المكية الطواف، السعي، تقديس الحجر الأسود، ولا تمتنع الدبلوماسية الدينية التي مارستها عبقرية محمد، بل إن العلاقة بين الآلهة والمواضع الحرم السياسية والعشائرية والاقتصادية في شبه الجزيرة العربية في عصر محمد وقبله شأن معروف للمؤرخين حتى الإسلاميين منهم) (١). هذا النص نموذج للحقد الكامن في قلب هذا النجس على الإسلام وأهله، ودليل على الجهل أو التجاهل المقصود، فهو يصحح قصة الغرانيق

стр. 1255

الموضوعة، ويكذب بالقرآن جملة وتفصيلًا!! وذلك بجعله التوحيد الذي يصف اللَّه به محمدًا ﷺ يقوم على تخوم الوثنية والأديان المحرفة، فتأمل سوء القصد وشناعة المغالطة، وخبث الطوية وعمق العداوة للإسلام. وعلى النسق نفسه يكتب أحدهم قصة قصيرة بعنوان "مهابهاراتا" كلها سخرية بنبي اللَّه آدم وزوجه حواء ﵉، وتوظيف جنسي داعر، وعهر مكشوف، وتدنيس لهما ﵉، يصور في هذه القصة المعاشرة الجنسية بين آدم وحواء بأسلوب خبيث وقح، بل ويصور أن آدم ﵇ يمارس الزنى مع أخرى اسمها "ليليت" (١). أمّا أنسي الحاج فإنه يكتب في المجلة نفسها التي نذرت نفسها لخدمة الوثنية المعاصرة، وثنية الحداثة والعلمانية، ولمحاربة الإسلام والمسلمين، سائرة في ذلك على خطى مجلة شعر وبرامج يوسف الخال، كتب أنسي الحاج تحت عنوان "رحلة في جحيم الحقيقة الصغيرة" يخاطب اللَّه -جلَّ وعلا- بخطاب خبيث ساخر معترض متهم، كقوله: (أيكون جوهرك هو الفظاعة وتكون أنت لا إله الرحمة بل رب الاستمتاع بالتعذيب والقهر والتدمير والقتل باثًا وجودك لا على أساس الخلق للخلود، ولكن على أساس الخلق للإعدام، وتكون هكذا يا اللَّه أشرس كائن في الكون!؟) (٢). وعلى هذا المنوال كل مقاله الحقير، الذي جمع فيه كل خبثه وإلحاده واستقاءه كتابة على صفحات مجلة الناقد الجاهلية الإلحادية التي فتحت صدرها العفن لاستقبال كل هذا الصديد من مثل قوله: (هذه هي الحقيقة لا فلسفة لا دين لا مؤسسات لا دول، الوداع لكل هذا. . .، وحده الشعر عرف الحقيقة البشعة، عرف كل الحقيقة أكثر من الأنبياء والآلهة. . . أتطلع إليك يا إله الشر،. . . اعبر لك عن ثورتي وأوبخك. . . كيف تستطيع النوم بعد مذابحك؟ كيف تستطيع العيش وليس فيك غير الهول

стр. 1256

ورياح القبور، فوقك تئن أرواح ضحاياك، وتحتك تصطك جماجمهم وحولك تلتهب بالدعوات الضامئة عيون المشتهين قتلك. . . يا اللَّه، أتحب محبتك للإنسان أكثر أم حكمتك؟ هل أنت أسير حكمتك قضائك وقدرك؟ ولا يكسر طوقهما ولا يحررك منهما إلّا المعجزة، اجباري إياك بالصلاة أو بتحريكي شعورك بالذنب أو بأي شيء آخر، على اجتراح المعجزة، المعجزة هي منك أم ضدك، من أنت يا اللَّه؟. . .) (١). والمقال كله من هذا النوع الدنيء، سبحان ربي وتعالى عما يقول الكافرون علوًا كبيرًا. ومن أمثلة الاستهانة والتحقير ما سبق نقله في الفصل السابق من قول حسن حنفي أن النبي قبل عرض قريش بذكر آلهتهم "الغرانيق" على أساس أنه رجل سياسة وليس نبيًا (٢). وفي السياق نفسه دافع عن سلمان رشدي في روايته القذرة آيات شيطانية، والتي ممخر فيها بالنبي ﷺ أشد السخرية، يقول عنه حسن حنفي: (سلمان رشدي لم يقل شيئًا، أنا لا أتعرض لهذه الرواية -رواية سلمان رشدي- والأديب حُرٌّ في أن يكتب كما يشاء وحتى ولو كان مؤرخًا أو كاتبًا للسيرة فلا ينتقد إلّا بالمقاييس الأدبية في النقد الأدبي، أما إنه كافر وخرج. . . فهذا لا وجود له على الإطلاق هذا جزء من الحداثة) (٣). وهذا إقرار صريح منه بتبني الأسلوب الذي مارسه سلمان رشدي في الاستخفاف والسخرية والتحقير، ولا غرو أن يكون كذلك فقد قال اللَّه تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ

стр. 1257

(٦٧) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨)﴾ (١). ومن أمثلة الاستخفاف قول نزار: (كل عمل عظيم كان في الأساس مغامرة، النبوة مغامرة والثورة مغامرة والحب مغامرة. . .) (٢)، وستأتي أمثلة أخرى من أقواله في موضع لاحق من هذا الفصل. ومن الأمثلة قولط بدر شاكر السياب مستهينًا بآدم ﵇: (ويصرخ آدم المدفون فيّ: رضيت بالعار بطردي من جنان الخلد أركض إثر حواء أريدك يا سرابًا في خيالي ليس يسقيني) (٣). وقوله مستهينًا بعيسى بن مريم ونوح عليهما الصلاة والسلام: (امتد نحو القبر دربٌ، بابُ من خشب الصليب: فالمسيح مات، وفي الطوفان ضل نوح) (٤). وقوله: (والجوع لعنة آدم الأولى وإرث الهالكين) (٥). وقوله: (يا سقف أعمالنا يا ذروة تعلو لأبطالنا

стр. 1258

ما حزَّ سوط البغي في ساعديك إلا، وفي غيبوبة الأنبياء أحسست أن السوط، أن الدماء أن الدجى، أن الضحايا، هباء) (١). وفي مقطوعة مليئة بأنواع الضلال من تهكم وسخرية، يقول عن النبي محمد ﷺ مستهينًا: (كمئذنة تردد فوقها اسم اللَّه. وخط اسم له فيها وكان محمد نقشًا على آجرة خضراء يزهو في أعاليها فأمسى تأكل الغبراء والنيران من معناه ويركله الغزاة بلا حذاء بلا قدم وتنزف منه، دون دم جراح دونما ألم فقد مات ومتنا فيه، من موتى ومن أحياء فنحن جميع أموات أنا ومحمد واللَّه.

стр. 1259

وهذا قبرنا: انقاض مئذنة معفرةٍ عليها يكتب اسم محمدٍ واللَّه. على كسرة مبعثرة من الآجر والفخار فيا قبر الإله على النهار ظل لالف حربةٍ وفيل ولون أبرهه وما عكسته منه يد الدليل والكعبة المخزومة المشوهة) (١). وهي مقطوعة مشبعة بهذا المحلول الإلحادي إلى آخرها. ومن أمثلة استخفافه بالأنبياء قوله عن عيسى ﵊: (والمسيح المبيعَ بخسًا بما لو بيع لحمًا لناء عن تسديد) (٢). ومن ذلك قوله عن النبي محمد وعن المسيح عليهما الصلاة والسلام: (هم التتار أقبلوا، ففي المدى رعاف وشمسنا دم، وزادنا دم على الصحاف محمد اليتيم أحرقوه، فالمساء يضيء من حريقه، وفارت الدماء من قدميه، من يديه، من عيونه، وأحرق الإله في جفونه

стр. 1260

محمد النبي في حراء قيدوه فسُمِّر النهار حيث سمروه غدًا سيصلب المسيح في العراق ستأكل الكلاب من دم البراق) (١). ويقول عن المسيح ﵊: (ليت المسيح الذي داجى بشرعته من باع مثواه راءٍ فيك عن كثب) (٢). ويتحدث عن مجموعة من المومسات في بيت دعارة قائلًا: (والسور يمضغهن ثم يقيئهن ركام طين نصبًا يخلد عار آدم واندحار الأنبياء) (٣). وشعر السياب من هذا النوع كثير، ومليء بأمثال هذه الانحرافات الهائلة، ولا عجب أن يكون كذلك وقد تلقى الحداثة عن الإنجليز، ثم تربى في أحضان الماركسيين، ثم لما تاب انقلب إلى مجلة شعر وشعراء تموز ومنظمة حرية الثقافة، وهل يرجى من الشوك العنب؟!. وصنوه وشبيهه عبد الوهاب البياتي، لم يدع هذا الركن العظيم، فقد سلط عليه سهام بغضه واستهانته، من جب قلبه المليء بالماركسية والشيوعية ثم الوجودية ثم المادية اللبرالية، ومن أمثلة ذلك تسميته النبي "ابن السماء" و"العمدة المرهوب"، وذلك في قوله: (وهناك عبر الحقل أكواخ تنام ونستفيق عبر الطريق

стр. 1261

بشر ينام ويستفيق بشر مع الدواب السائبات على سواء ما دام ينعم بالثراء ابن السماء العمدة المرهوب والخبز العريق. . . والعمدة المرهوب يمسح بالسياط دم الظهور كتل مشوهة تدور حول الزرائب، والقبور النائمات على القبور) (١) وهذا غاية في الاستخفاف والاستهانة من خلال هذه التسميات الباطلة، ثم يربط النوم والتخلف والحيوانية بالنبوة. ومن أقواله المشابهة للقول السابق: (قدمت أوراق انتسابي لرسول الأب وقوميسار الشعب من أجل أن تشرق شمس اللَّه. على الغد المسكون بالخوف وبالأشباح لكنه سلمني لغرف التعذيب والسجون والبوليس والنفي والتشريد فالعملة الرديئة قد طردت في مدن الأزمنة الحديثة

стр. 1262

العملة الجيدة الجديدة) (١). ويسخر من النبي ﷺ ومن حادثة شق الصدر، ثم يربط ذلك بالتخلف والمقابر والكتب الصفراء التي تعني عنده وعند أمثاله من الحداثيين الجمود والرجعية، يقول: (قلت شبابي ضاع في المقابر والكتب الصفراء والمحابر. . . ودارت الأفلاك ولم أزل أبحث في "تهامة" عن تلكم الحمامة وفي مساء زارني ملاك ووضع القمر على جبيني، شق صدري، انتزع الفؤاد أخرج من حبة السواد وقال لي إياك فالعنقاء تكبر أن تصاد فعد إلى المقابر والكتب الصفراء والمحابر من بلد لبلد مهاجر) (٢). وفي مقطوعة شيوعية صارخة، يبين أن هذا العصر هو عصر المداخن وهافانا وجيفارا، وعصر خلعت فيه أوروبا حياءها ودينها، ويعبر عن ذلك -

стр. 1263

بتدنيس وقح- في تشبيه الصديقة مريم أم عيسى عليهما الصلاة والسلام بالداعرات، ثم يسأل بعد ذلك لماذا لم تعلن البلاد المسلمة عن مثل هذا؟ ولماذا لم تقم بالدور الذي قامت به البلاد الشيوعية، وأوروبا الغربية؟، يقول: (جيفارا الليلة فوق مداخن هافانا يظهر للناس والعذراء على شاشات التلفزيون وفي باب نجوم الأخبار تعلن عن قمصان للنوم وعن شقق للإيجار فلماذا يا شيراز لم تعلن عائشة عن قائمة الشهداء) (١). أمّا صلاح عبد الصبور فقد سبق أن نقلت مقطعأ من قصيدته "الناس في بلادي" وبينت مضامينه الاعتقادية المنحرفة، ومنها الصورة الساذجة التي يرسمها لبطل القصة "مصطفى" حيث يقول عنه: (وعند باب قريتي يجلس عمي مصطفى وهو يحب المصطفى) (٢). هذه الصورة الساذجة التي يصور بها عقلية "مصطفى" هذا، تنبيء عن مقدار الاستهانة بالنبي ﷺ ، حيث جعل من علائم بساطة وسذاجة "مصطفى" أنه يؤمن به وبالقدر، وقد سبق بسط ذلك. ونحو ذلك قوله في وصف سذاجة أمه، رابطًا ذلك بإيمانها بالغيب وبالنبي: (إلى أمي البرة الطاهرة تخوفني نقمة الآخرة

стр. 1264

ونار العذاب وما قد أعدوه للكافرين وللسارقين ولللاعبين وتهتف إن عثرت رجليه وإن أرمد الصيف أجفانيه وإن طنطنت نحلة حوليه باسم النبي) (١). ثم يتحدث عن موت أخيه وعن دفنه، جاعلًا الحياة الدنيا مجال الصحوة والعمل والانجاز والعظمة وليست الآخرة، يقول عن أخيه: (وفي حفرة من حفار الطريق وهبناه للأرض باسم النبي. . . ومن موته انبثقت صحوتي وأدركت يا فتنتي أننا كبار على الأرض لا تحتها كهذا الرجل) (٢). وفي مرثية لجمال عبد الناصر، يتحدث عن التاريخ الإسلامي وعن أمجاد المسلمين الأوائل، فيجعل معركتي أحد وبدر مجرد شارات على رداء النبي محمد ﷺ ، ثم ينتقل لوصف الحياة التي كانت تعيشها مصر أيام جمال تحت حكمه بأنها تختلف عن حياة النبي وأصحابه الذين كانوا يعيشون أيامًا يقضونها إلى يوم المعاد، أمّا حياتهم في عهد جمال فكانت

стр. 1265

تاريخًا كأروع ما تكون ملاحم التاريخ، والمجد، والأمنيات، وهي مقارنة سخيفة استهدف فيها إعلاء شأن عبد الناصر ونظامه المعادي للإسلام والمسلمين وخفض شأن النبي ﷺ وحياته المليئة بالخير والمجد والفضل والكمال في كل شيء، يقول: (أحد وبدر شارتان على رداء محمد، عاش الجهاد لا، لم نكن نحيا كما يحيون أيامًا نقضيها إلى يوم المعاد بل كان ما نحياه تاريخًا كأروع ما تكون ملاحم التاريخ ساح ترن بها أغاني المجد مرعدة، وحمحمة الجياد) (١). أمّا النصراني اللبناني يوسف الخال فإنه على نمط عقائد الكتاب المحرف يرمي نبي اللَّه سليمان ﵊ بالعظائم، ويتحدث بلسان إحدى الداعرات قائلًا: (ولو رآني سليمان أما جن قلبه لدلالي وارتمى خاشعًا يقبل وجه الأرض من موطئي وظل نعالي) (٢). أعز اللَّه نبيه وشرفه، وقبح وجه هذا المستهزئ الضال. وفي موضع آخر يستخف بالنبي، ويقصد عموم الأنبياء، ويجعل وجودهم بمثابة الخمر الذي يخدر الأحلام، وهي عبارة تشابه المبدأ الشيوعي الإلحادي "الدين أفيون الشعوب"، يقول: (بعيدًا عن اللارجوع نصير يتامى
следующие страницы →