← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 44

الانحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها

سعيد بن ناصر الغامدي

Полный текст (2 275 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

بحسب ميزانه الجاهلي- عن دهرية اعتقادية وذلك من خلال رؤيته للعالم في صورته الأبدية، وهو تعبير مادي دهري ليس إلّا. ومن مقتضياته اعتقاد التسلسل المادي إلى ما لا نهاية وذلك في اعتقاده الدلالة المتولدة باستمرار، وهو أصل من أصول الحداثة يقوم على هذه الفكرة، ويعبرون عنها بالصيرورة الدائمة، والتقدم المستمر والتواصل الدائم، وأبدية الحداثة والإبداع، واللاثبات، إلى غير ذلك من العبارات القائمة على مناهج فكرية قوامها التطور المطلق، وهي عقيدة مرتبطة باعتقاد أبدية الحياة الدنيا واستحالة الحياة الآخرة، والسخرية من كل عقيدة تقول بزوال الدنيا أو مجيء الآخرة، والتطور المطلق أساس من الأسس الحداثية ومنطلق للمذاهب الفكرية المادية (ومن هذه النقطة تدافعت كل النظريات والمذاهب الحديثة، وفي مقدمتها التفسير المادي للتاريخ ونظرية فرويد في النفس والجنس، ومفهوم العلوم الاجتماعية في الفصل وفي إلغاء ثبات الأخلاق وظهور مفاهيم الوجودية والهيبية) (١). أساس هذه العقيدة الجاهلية هو اعتقاد أصحابها أن المادة ليست شيئًا أكثر من وجودها الخارجي المتمثل في ظاهراتها المتحركة المتغيرة، فهو عندهم الجوهر والماهية في الوقت نفسه، مع العلم بأن ظاهرات المادة ليست أكثر من آثار وخصائص لها، فإذا كانت كذلك -وهي في الحقيقة كذلك- فلابد من اليقين بوجود المؤثر، وكذلك لو قلنا بأن هذه الظاهرات هي أشكال للمادة فلابد من اليقين عندئذٍ بوجود أرضية أو موضوع لهذه الأشكال، ثم إن انحصار ظاهرات كل نوع من أنواع المادة ضمن نطاق لا تتعداه شيء واضح وملموس، وهذا ما يجعلنا على يقين بأن المادة وظاهراتها تمارس حركتها وهي محصورة في قبضة لا يُمكن أن تتجاوزها، وهذه القبضة المحكمة هي التي تمنع ظاهرات المواد وخواصها المتنوعة المختلفة أن تمتزج وتتشابك، وهذه القبضة الحاكمة موجودة يحكم أثرها الواضح (٢)، إذن فلا سرمدية

стр. 1437

للمادة، ولا حركة مطلقة لها، وليست فاعلة بحد ذاتها، وليست ذات تطور مطلق. هذا بالنسبة للتطور المطلق والصلابة الأبدية للعالم حسب قول الحداثي الآنف الذكر، أمَّا وصفه للمؤمن باللَّه واليوم الآخر بأنه إنسان شبحي وينتج نصًا شبحيًا فهو آت على الميزان الجاهلي القديم في السخرية من الذين آمنوا، والشتم المنطلق من قاعدة العجز عن إقامة الدليل ومقارعة الحجة بالحجة (وسيظل المؤمنون ينظرون من علٍ إلى أولئك الهابطين، مهما أوتوا من المتاع والأعراض، على حين يعتقد الهابطون إنهم هم الموهوبون وأن المؤمنين هم المحرمون، فيشفقون عليهم تارة، ويسخرون منهم تارة، وهم أحق بالرثاء والإشفاق) (١). إن عبارات السخرية والاستهزاء التي يطلقها هؤلاء ليست في حقيقة الأمر إلّا عجزًا يلبس ثوب القدرة، وضعفًا يرتدي رداء القوة، وخوفًا من غلبة الحق يأخذ شكل الاستهانة والتحدي والاستخفاف، وهالة مصطنعة تأتي في ألبسة التقريرات الجوفاء والدعاوى الحمقاء والشتائم الهابطة. وإلّا لو أردنا أن نعرف الإنسان الشبحي والفكر الشبحي على الحقيقة لوجدنا ذلك شاخصًا في شخصيات الكفار والملاحدة والماديين الذين لا يرون سوى الأشباح، ولا يعيشون إلّا بشبح إنسان، ولا يعرفون سوى شبح هذه الدنيا الزائلة، أمَّا الجوهر والحقيقة والعمق والروح فهم أجهل الناس بها وأبعد الناس عنها ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ (٢). ومن أمثلة الاستخفاف بعقيدة اليوم الآخر قول الكاذب الليبي المسمى الصادق النيهوم: (. . . الإسلام عقيدة قائمة على حرية العقيدة، لا تنكر حق

стр. 1438

أحد في الجنة بعد الموت، بل تثبت حق جميع الناس في جنة إضافية على هذه الأرض) (١). قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢١)﴾ (٢). وأي استخفاف وسخرية بالدين وبعقيدة يوم القيامة أعظم من هذا الافتراء الحداثي الذي يجعل الجنة حقًا لكل أحد مؤمنهم وحداثيهم مسلمهم وعلمانيهم؟!. قال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦)﴾ (٣). ومن أمثلة سخريتهم باليوم الآخر وما فيه، ما كتبه حداثي مغربي في مجلة الناقد تحت عنوان "من وجوديات يقظان بن حي" وفيه يقول: (يقول اللَّه تعالى لعباده يوم القيامة: ادخلوا يا عبادي الجنة برحمتي واقتسموها بأعمالكم، هذا ما قاله الحسن البصري، والأعمال كما نعلم إنّما هي بالنيات، فما الحكم في حق الذين يأتون الأعمال الشريرة بالنيات الحسنة؟ وهذا هو حالي. حسب توقعات عراف عصري حصلها من حساب الاحتمالات وأحداث الآلات الحيسوبية: لن أدخل النار، كما أني لن أدخل الجنة بما في الكلمة من معنى وما فيها من فرش مرفوعة وولدان مخلدين وحور وفاكهة كثيرة وأكواب وأباريق وكأس من معين. . لذا فسيملكني ربي إقطاعًا صغيرًا من بضعة أمتار مربعة في زريبة من زرائب الجنة، ولا يهم إن سمعت فيه لغوًا أو تأثيمًا، ذلك لأنني سأكون مشغولًا بما سيكلفني ربي به: أن أرعى عينة من الحشرات المؤمنة الصالحة، متهجزًا بالعبادة والصوم إلى الفوز بدرجة أرقى، كأن أسهر على راحة بعض الدواجن الطاهرة المتعبدة.

стр. 1439

إني كما ترون لا أطمع في ناقة اللَّه، ولا أطلب أن ترسل السماء علي مدرارًا، وإنّما ينتهي طموحي إلى أن يسعدني ربي ويكرمني فيوسع من إقطاعي ويقلدني رعاية قطيع من الغنم المحبب أكله عند الصالحين المقربين إلى العرش، ولرعاية معزي وخرفاني الطائعة المرضية، لن أحتاج إلى عصا، بل إلى مزمار انفخ فيه واستعمله كذلك لتبديد ما قد يعتريني بين الفينة والأخرى من حزن ومخاوف أو شعور بالغربة. إني لا أطمع يارب إلّا في أن ترفع عني كل كربة في دار المأوى والقرار. . . فطوبى لي أن جعلتني في زريبتي من الدار الأخرى إلى سر السرور أتوق، وطوبى لي إن وهبتني من حين لآخر دنًا من الخمر ولو كان غير معتق وغير ذي شأن، كالذي أتجرعه في دارك الفانية. وطوبى لي فطوبى أن أسكنت بجواري جارية من جواري الجنة، ليس من الضروري أن تكون جميلة أو مجنحة. . . وإنّما ابتغيها لأروادها عن نفسها بالحسنى حتى إذا شاءت أشهدتك على نكاحها، وأنت خير الشاهدين) (١). قال اللَّه تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧) يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٨) وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩) مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠)﴾ (٢). أمَّا الحداثي المصري جابر عصفور فإنه يعترض على وصف الحداثة والحداثيين بالكفر، ويجعل ذلك قائمًا على تخييل إرهابي وتسلط وقمع وإرهاب -حسب قوله- ثم يجعل ذلك آتيًا من (المخزونات المصاحبة للقيم

стр. 1440

الدينية حيث الخوف من عذاب القبر والرعب من نار الآخرة. . .) (١). ولست أدري هل يعلم هذا الحداثي بأن وصفه المستهين بعقيدة اليوم الآخر، وجعله سببًا للتصورات القمعية والإرهاب والتسلط، ونعته بأنه من المخزونات المصاحبة للقيم الدينية، هل يعلم بأن كل ذلك كفر باللَّه تعالى؟ قال -جَلَّ ذِكْرُهُ-: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (٢). ولهم في الاستخفاف بالجنة ونعيمها صولات ضلالية مفعمة بالسخرية والاستهزاء كقول شاعر العامية المصري الماركسي صلاح جاهين، حسب ما نقله عنه الماركسي اللبناني محمد دكروب: (أوصيك يا ربي لما أموت. . . والنبي ما تودنيش الجنة للجنة سور) (٣). قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (٤٠) لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٤١)﴾ (٤). ومن هذا الضرب ما نقله معين بسيسو في كتابه الأعمال الشعرية من كلام لصنوه التركي ناظم حكمت الشيوعي ذي الأصل اليهودي، حيث قال: (وضع الشاعر في الجنة فصرخ قائلًا: آه يا وطني) (٥).

стр. 1441

وقد سار بسيسو على منوال ناظم في استخفافه بالجنة ونعيمها، وزاد ضلالة على ذلك بجعل هذه السخرية والاستخفاف على لسان الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري (١)، الذي يستخدمه الاشتراكيون الملاحدة رمزًا لاشتراكيتهم كما يزعمون، ثم ينال من الصحابيين الجليلين عثمان (٢) ومعاوية (٣) ﵄، يقول الحداثي الماركسي بسيسو تحت عنوان "من أوراق أبي ذر الغفاري": (وسار وحده ومات وحده وعاد يصيح مت لم تزل بقية من الكلام في فمي نفيت مرتين، مرة هنا

стр. 1442

ومرة هناك في الحديقة المعلقة بلوت صحبة الملائكة بلوتها سئمتها ضجرت من ولدانها المخلدين وحورها المزوقة وخمرها المعتقة وعدت يا معاوية ألقي بشعرة الذئاب في مغازل العناكب المشردة. . . ولم يزل عثمان يداه تقطعان أرض اللَّه. وهو خاشع يرتل القرآن) (١). ويقول نزار قباني: (حتى الجنة لو أخذت شكل المنفى لكانت مرفوضة) (٢). ومن الاستخفاف الظاهر قول البياتي: (غدًا أمام اللَّه في الجحيم احطم الدمية والقدح) (٣). ومن الاستهانة بالآخرة قول صلاح عبد الصبور: (ومن موته انبثقت صحوتي وأدركت يا فتنتي أننا

стр. 1443

كبار على الأرض لا تحتها كهذا الرجل) (١). نعم من كان صاحب كفر وسوء وضلال وشك فهو صغير حقير ذليل مهين، أمَّا من عمل صالحًا فإنه كبير عند اللَّه جليل في الحياة وفي القبر وعند البعث. ومن يهن اللَّه فما له من مكرم، ومن يكرم اللَّه فما له من مهين. ومن هذا قول النصراني توفيق صايغ واصفًا نفسه: (ارتعدت ركبتاي اصطكا لا لخشية اللَّه. انقلبت خشّتي (٢) الخالية مرقصًا فاحشًا بروما أنا الذي سجنت ذاتي هنا خوفًا من النار رفيق العقارب والضواري رقبت الغواني يتعرين يرقصن لاحقت حركاتهن البذيئة حركة حركة حركة) (٣). ويقوك الرافضي الشيوعي مظفر النواب داعيًا في سخرية أن يغفر اللَّه

стр. 1444

لمن لم يسكروا في الدنيا، ويتعجب كيف يشتاقون للجنة وهم لم يفعلوا ذلك: (رب سامحهم وإن لم يسكروا كيف يشتاق إلى خمرة جناتك من لا يعرف الخمر ويشتاق صباياها إذا كان هنا ما عشقا؟!) (١). أمَّا نزار قباني فإنه يجعل من أمارات تخلف الشرق العربي والشرق المسلم عمومًا أنهم يؤمنون بيوم القيامة، وهذا القول غاية في الاستخفاف بهذا الركن من أركان الإيمان، يقول قباني: (الملايين التي تركض من غير نعال والتي تؤمن في أربع زوجات وفي يوم القيامة) (٢). وله في هذا أقوال كثيرة خاصة وهو يصف الأعضاء الجنسية لعشيقاته، ومن ذلك قوله: (كيف ما بين ليلة وضحاها صار نهداك مثل يوم القيامة) (٣). وقوله: (يبني وبينك كهنة وعرافون

стр. 1445

وعلامات حب قادم تشبه علامات يوم القيامة) (١). وقوله: (تحت سرتك المستديرة كفم طفل يتنبأ باهتزاز الأرض ويعطي علامات يوم القيامة) (٢). وعبد العزيز المقالح يصف يوم ٢٩ سبتمبر ١٩٦٢ م الموافق ٥/ ١٣٨٢ هـ يوم الثورة اليمنية، بأنه يوم القيامة، وذلك في قوله: (سلمت أياديهم بناة الفجر عشاق الكرامة الباذلين نفوسهم للَّه في ليل القيامة) (٣). أمَّا خبائث الملحد علاء حامد التي بثتها روايته "مسافة في عقل رجل" فهي كثيرة، وسخرياته بهذا الركن الجليل عديدة منها قوله على لسان أحد شخصيات الرواية حيث يصور أنه دخل الجنة فيقول: (هل هذه هي الجنة، سخرت من نفسي، لمجرد أن عقلي طرح هذا الاحتمال ابتسمت، لكن لماذا يطلقون عليها الجنة، أية جنة تلك التي يقطنها مجموعة من المرضى، يتناثرون كالأشياء) (٤). ويقول في حوار روائي: (- لو خيرت بين الدنيا والجنة لاخترت الأولى - بكل ما فيها من موبقات

стр. 1446

- أي موبقات تعني، إنك ستجد في الجنة مايذهب العقل ويوجع الفؤاد، هل ترى ما نحن عليه الآن، إنه من صنع الإله، فما يقذره يحدث لنا. . .) (١). ويقول عن أحدهم: (لقد أسهب في وصف الجنة، وغذى عقول الناس بالوهم الرخيص من الكلام حتى صدقوه، فهو يحبس نفسه عن الناس حتى لا يضربوه بالنعال) (٢). ويتهكم بالمؤمنين وعقيدتهم في اليوم الآخر قائلًا: (هذه هي جنتهم الموعودة جنة عرضها السموات والأرض، لكن هل حقًا ما يعتقدون، بعثًا بعد موت؟! حياة أخرى بعد الحياة الأولى. . .) (٣). ويطلق ألفاظًا سوقية على الجنة فيقول عنها: (إنها جنة اللذة الحسية. . . إنه مبروك. . حاسي حمى جنة المسكرات مبروك يتقدم نحوي يعرض بضاعته. . أفيون. . حشيش. . خمور) (٤). وفي حوار روائي يسأل أحدهم: (- والجنة والنار؟ - الجنة هي ما تراها أمام عينيك. . حضارة شعبنا، والنار هي التي تشوى عليها اللحم) (٥). ويقول: (. . . الانحلال يأتي من داخل المجتمع نفسه بتحلل خلاياه، فالحضارة بعناصرها الأساسية من أرض وشعب وإرادة عمل لا صلة بينها

стр. 1447

وبين الاعتقاد بوجود الجنة أو النار أو إنكار وجودهما. . بمعنى أنه لا ارتباط بين الحضارة وبين هذه المعتقدات) (١). ويسمى الإيمان بالجنة آمالًا كاذبة فيقول: (وتدفع هذه الآمال الكاذبة قطعان البشر للاستسلام للظلم والاستبداد والقهر والاستذلال والجوع والحرمان أملًا في جنة أخرى غير أرضية يقطف ثمارها الإنسان بعد موته. . . هل قرأت أو سمعت عن مجتمع انهار لأنه لا يؤمن بوجود يوم البعث والحساب؟. . .) (٢). وتتنوع عباراته في السخرية بالجنة وما فيها من نعيم ويسميها "الفندق الإلهي" (٣) وبسأل ساخرًا عن التأثيث في بيوت الجنة والأجهزة الموجودة فيها من مكيفات وثلاجات، والمرافق والمباني والملاعب، والأدوات المدرسية والمواد الأولية للبناء كالاسمنت والحديد والطوب والورق، ثم يضيف بعد ذلك كله: (الأقرب إلى التصور أن الذي يعمل لخدمة أهل الجنة هم أهل النار، هم الكادحون، ينظفون الشوارع، ويقيمون المباني، وينشئون المرافق، ويجمعون القمامات، ويطهون الطعام، ويعملون في المصانع، كل المصانع من الإبرة إلى الصاروخ. . .) (٤). وكلامه الساقط من هذا القبيل كثير (٥). وتتحدث نوال السعداوي عن "البودي جارد" أي الحارس الجسدي فتقول متهكمة: (وفي سعادة طاغية يموت فداء الوطن وفي عنقه مفتاح الجنة معلقًا داخل السلسلة يفتح باب الجنة ويدخل مع الأنبياء والشهداء) (٦).

стр. 1448

وتقول: (وينتقل عقلي على الفور من هذا العالم إلى العالم الآخر، وأرى الجنة ممتدة خضراء، وأنا ممدود فوق السندس، ومن حولي الحوريات سابحات في النهر عاريات تحت الشمس، وفي الضوء أتعرف على ملامحهن وليس من بينهن وجه زوجتي الشرعية، ويرتفع صوتي وأنا أقهقه للمرة الرابعة أو الخامسة وأضربه على فخذه المشدود متسائلًا، كم للرجل المؤمن من حوريات؟ ويقول: سبعون أو سبعة وسبعون واللَّه أعلم، وكم للزعيم المؤمن أو الإمام؟ وقهقه الكاتب الكبير وضرب رقمًا خياليًا، لكن خيال الإمام كان أكبر، ثم يسأله فجأة، وماذا عن زوجاتنا الشرعيات إذا دخلن الجنة معنا؟ وقال صديق العمر: زوجاتنا لن يدخلن الجنة، قلت: لكن إذا حدث ودخلت إحداهن؟ قال: يستبدلها اللَّه بحورية عذراء، فالجنة لن يكون بها زوجات شرعيات وإلّا فما الفرق بين الجنة والأرض) (١). ولها كلام طويل في السخرية بيوم القيامة وباللَّه تعالى، وأن الإشعاع النووي المدمر هو يوم القيامة، وأنها تشمل كل شيء سوى خليفة اللَّه في الأرض، أي الإمام في عالمنا البشري -حسب خرافاتها- وضلالاتها المظلمة (٢). وتقول: (. . . ثقتي في دخول الجنة مائة في المائة مثل ثقتي باللَّه، في جيبي توصية من النبي وبعض صكوك التوبة من بنك الإيمان، أخرجتها كلها من جيبي لحارس الباب رضوان ﵇، كان أميًا لا يقرأ الحروف المكتوبة، قلت له: أنا الإمام والقيت عليه إحدى خطبي المعروفة، لم يفهم شيئًا فهو لا يتكلم اللغة العربية) (٣). وتواصل بعد هذا الكلام ملء ثلاث صفحات تهكمًا بذيئًا وسخرية قذرة بالآخرة والجنة والملائكة والشفاعة وخمر الجنة والصراط والنبي ﷺ (٤).

стр. 1449

ومن أنماط سخرياتهم واستخفافهم بهذا الركن العظيم إطلاق أسماء القيامة والجنة والنار على غير حقيقتها كقول البياتي: (كان على بوابة الجحيم "ببكاسو" وكان عازف القيثار في مدريد لملكات المسرح المغتصبات يرفع الستارة بعيد للمهرج البكارة يخبيء السلاح والبذور في الأرض إلى قيامة أخرى وفي منفاه يموت في المقهى وعيناه إلى بلاد البعيدة) (١). وقد مرّ معنا من قبل وصف عبد العزيز المقالح للثورة اليمنية بأنها ليل القيامة (٢). ونحوه قول أحمد دحبور: (كانت الطائرات تصفُّ المدى بموازاة يوم القيامة) (٣). وخلاصة ما تقدم: أن الحداثيين في عقيدة اليوم الآخر على نقيض ما عليه عقائد أهل الإيمان، فهم يجحدون اليوم الآخر وما وراءه، ويعدون الموت للإنسان فناء لا شيء بعده، أو أن الإنسان يتحول إلى مادة أخرى حسب عقيدة التناسخ، ويقولون بأبدية الدنيا وبعض ما فيها، وهي عقيدة الدهريين، ومن هذه العقيدة أضلوا قاعدتهم المنافية للثبات والمقررة للتطور المستمر والصيرورة الدائمة، وهم مع كل هذه الضلالات يسخرون من عقيدة اليوم الآخر ومن قضايا الآخرة الثابتة في كتاب اللَّه وسنة رسوله ﷺ . وفي تضاعيف هذه العقائد الضالة من الجهالات والأباطيل والانحرافات ما لا يتسع المجال لإحصائه والاستشهاد عليه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٧٨) وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ

стр. 1450

وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٩) وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٨٠) بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (٨١) قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢) لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٨٣)﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٣٤) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥) هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٣٦) إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧)﴾ (٢). • • •

стр. 1451

الفصل الثاني الانحرافات المتعلقة بالقدر الإيمان بالقضاء والقدر هو الركن السادس من أركان الإيمان وأصل من أصول الإيمان ولا يعتبر المكلف مسلمًا إلّا بإيمانه بالقضاء والقدر، كما جاء في حديث عمر بن الخطاب ﵁ في سؤال جبريل ﵇ للنبي ﷺ ومنه أنه سأله عن الإيمان فقال ﵊: "أن تؤمن باللَّه وملائكته وكتبه ورسله وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: صدقت" (١). ومن النصوص المخبرة عن قدر اللَّه أو الآمرة بالإيمان به قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ (٣)، وقوله جلَّ ذِكره-: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣)﴾ (٤) وقوله سبحانه: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ (٥)، وقوله سبحانه: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ

стр. 1452

لَنَا (٥١)﴾ (١)، وقوله: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ. . .﴾ (٢)، وقوله: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ (٣). وفي صحيح مسلم ﵀ عن طاووس (٤) ﵀ قال: "أدركت ناسًا من أصحاب رسول اللَّه ﷺ يقولون: كل شيء بقدر، قال: وسمعت عبد اللَّه بن عمر يقول: كل شيء بقدر حتى العجز والكيس أو الكيس والعجز (٥). وفي مسلم وغيره عن أبي هريرة ﵁ قال: "جاء مشركو قريش يخاصمون رسول اللَّه ﷺ في القدر، فنزلت: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ (٦) ") (٧). وتنوعت عبارات العلماء في تعريف القضاء والقدر، فمنهم من حعلهما شيئًا واحدًا، ومنهم من عرف كلًا منهما بتعريف يخصه، فجعلوا القضاء في الأزل، والقدر فيما لا يزال، أي أن القضاء علم اللَّه بما سيكون من جميع المخلوقات وكتابة ذلك في اللوح المحفوظ وفق مشيئته، والقدر

стр. 1453

وجودها متفرقة في أوقاتها التي حددها اللَّه لها أزلًا. ومن العلماء من يرى أن القضاء هو إيجاد اللَّه للأشياء فيما لا يزال، والقدر علمه بصفاتها وتحديده لها بحدها الذي ستوجد عليه. ومنهم من عرف القدر بتعريف شامل فقال: (تقدير اللَّه تعالى للكائنات حسبما سبق به علمه واقتضته حكمته) (١). إذن فهناك من جعل القضاء هو العلم السابق الذي حكم اللَّه به في الأزل، والقدر هو وقوع الخلق على وفق الأمر المقضي السابق. وهناك من عكس فجعل القدر هو الحكم السابق والقضاء هو الخلق. وهناك من جعل القضاء والقدر كالإسلام والإيمان إن اجتمعا افترقا وإن افترقا اجتمعا، أي: أنهما متباينان في حال الاجتماع لكل منهما معنى يخصه، ومترادفان إذا تفرقا، فإذا قيل هذا قدر اللَّه فهو شامل للقضاء، وإذا ذكرا جميعًا فالتقدير ما قدره اللَّه تعالى في الأزل أن يكون في خلقه والقضاء هو ما قضى به تعالى في خلقه من وجود وعدم وتغير وغير ذلك (٢). وهناك من جمع بينهما في مفهوم واحد متكامل، جاء هذا فيما نقله صاحب جامع الأصول حيث قال: (وجماع القول في هذا: إنهما أمران لا ينفك أحدهما عن الآخر؛ لأن أحدهما بمنزلة الأساس، والآخر بمنزلة البناء، فمن رام الفصل بينهما، فقد رام هدم البناء ونقضه) (٣). وعلى أية حال فإنه يتضح أن القضاء والقدر، وعلى أي من الاتجاهين في تعريفهما يتضمن ما يلي: الأول: الإيمان بعلمه -تعالى- الشامل المحيط، وأنه -جلَّ وعلا- علم بكل شيء جملة وتفصيلًا أزلًا وأبدًا، سواء كان ذلك ما يتعلق بأفعاله أو

стр. 1454

بأفعال عباده، وعلمه تعالى محيط بكل شيء من الموجودات والمعدومات والممكنات والمستحيلات، فعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون. قال تعالى: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ﴾ (١). وقال سبحانه: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ (٢). وقال -جَلَّ ذِكْرُهُ-: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (٣). الثاني: الإيمان بكتاب اللَّه تعالى الذي لم يفرط فيه من شيء، وأن علمه -سبحانه- بأعمال الخلق وأوصافهم وكل ما يتعلق بهم كتبه في اللوح المحفوظ، فكل ما هو كائن، مكتوب في إمام مبين، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)﴾ (٤)، وقال : ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٥)، وقال سبحانه: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ (٦)، وقال: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣)﴾ (٧). الثالث: الإيمان بمشيئته النافذة وقدرته التامة، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأن جميع الكائنات لا تكون إلّا بمشيئته تعالى، سواء كان مما يتعلق بفعله أم مما يتعلق بفعل خلقه، ومشيئة اللَّه وقدرته تجتمعان فيما كان

стр. 1455

وما سيكون، ويفترقان فيما لم يكن ولا هو كائن، فما شاء اللَّه -تعالى- كونه فهو كائن بقدرته لا محالة ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ (١). وما لَمْ يشأ اللَّه تعالى لم يكن لعدم مشيئة اللَّه -جلَّ وعلا- إياه، وليس لعدم قدرته عليه، كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ (٢)، ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ (٣)، ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ (٤). فالسبب في عدم وجود الشيء هو عدم مشيئة اللَّه تعالى إيجاده، لا أنه عجز عنه، جَلَّ اللَّه وتقدس عن ذلك: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ (٥). الرابع: الإيمان بأن اللَّه خالق كل شيء، وأن جميع الكائنات مخلوقة للَّه تعالى بذواتها وصفاتها وحركاتها، فهو سبحانه خالق كل عامل وعمله، وكل متحرك وحركته، وكل ساكن وسكونه، وما من ذرة في السموات ولا في الأرض إلّا واللَّه خالقها وخالق حركتها وسكونها، لا خالق غيره ولا رب سواه، قال سبحانه: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ (٦)، وقال: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢)﴾ (٧) وأخبر عن نبيه إبراهيم ﵊ أنه قال لقومه: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ (٨).

стр. 1456

وهذه القضايا الأربع تسمى مراتب القدر، وأركان القدر، ولا يتم الإيمان بالقدر إلّا بالإيمان بها، فمن أقر بها جميعًا فإن إيمانه بالقدر يكون مكتملًا، ومن أنقص منها فقد اختل إيمانه بهذا الركن من أركان الإيمان، أو انتقض بحسب نوع البدعة أو الجحود. وأفعال العباد مخلوقة مقدرة، مكتوبة معلومة للَّه تعالى، وهذا لا ينافي أن يكون للعبد مشيئة في أفعاله الاختيارية وقدرته عليها، وقد ثبت ذلك بأدلة الشرع والواقع. أمَّا الشرع فقد أثبت اللَّه تعالى للخلق مشيئة وقدرة كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا﴾ (١)، وقال: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ (٣)، وقال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (٤). أمَّا الواقع فإن كل عاقل يعلم أن له قدرة ومشيئة، بهما يكون الفعل والترك، وبهما يكون التفريق بين الفعل الإرادي كالمشي والكلام والنظر، والفعل غير الإرادي كالارتعاش والسقوط من علٍ أو سقوط شيء عليه. ومشيئة العبد وقدرته واقعتان بمشيئة اللَّه تعالى وقدرته لقوله -جلَّ وعلا-: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ (٥) فلا يكون في ملك اللَّه تعالى شيء بدون علمه ومشيئته جلَّ وَعَلَا. والإيمان بالقدر لا يسوّغ لأحد من الكفار أو الفجار أن يتخذه حجة على ترك المأمورات أو فعل المنهيات، لأسباب عديدة منها:

стр. 1457

١ - أن كل أحد من العقلاء يعلم بداهة الفرق بين العمل الاختياري والإجباري، فالاختياري يستطيع التخلص منه، وكل فاعل يحس أنه يفعل الشيء أو يتركه بدون أي شعور بإكراه، وذلك دليل إرادته واختياره. ٢ - أن اللَّه تعالى وجه إلى المكلفين أوامر ونواهي، ولو لم يكن للمكلف اختيار وقدرة، لكان الأمر والنهي الموجه إليه من التكليف بما لا يستطاع، وهو أمر تأباه حكمة اللَّه ورحمته. ٣ - أن اللَّه مدح الطائع ووعده بالثواب، وذم العاصي وأوعده بالعقاب، ولولا أن الفعل يقع بإرادة العبد واختياره لكان مدح الطائع وإثابته عبثًا وذم العاصي وعقابه ظلمًا، واللَّه تعالى منزه عن العبث والظلم. ٤ - أن اللَّه تعالى أرسل الرسل وأنزل الكتب لبيان طريق الخير والأمر به وإيضاح طريق الشر والنهي عنه، ولولا أن فعل العبد يقع بإرادته واختياره لما كان هناك فائدة من إرسال الرسل وإنزال الكتب. ٥ - أن اللَّه تعالى أمر العبد ونهاه، ولم يكلفه إلّا ما يستطيع، كما قال -جلَّ ذكره-: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (١)، وقال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٢) ولو كان العبد مجبرًا على الفعل لكان مكلفًا بما لا يستطيع الخلاص منه، وهذا باطل. ٦ - أن العاصي يقدم على المعصية باختياره من غير أن يعلم أن اللَّه تعالى قدّرها عليه، إذ لا يعلم أحد قدر اللَّه تعالى إلّا بعد وقوع القدر ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ (٣) فكيف يصح الاحتجاج بحجة لا يعلمها المحتج بها حين اعتذر بها؟ إذ قدر اللَّه تعالى سر مكتوم لا يُعلم إلّا بعد

стр. 1458

وقوع المقدور، وإرادة العبذ لما يفعله سابقه على فعله، فتكون إرادته الفعل غير مبنية على علم منه بقدر اللَّه. ٧ - يقال للعاصي المحتج بالقدر: لماذا لم تقدم على الطاعة مقدرًا أن اللَّه تعالى قد كتبها لك؟. فالإنسان له قدرة وإرادة واختيار ومشيئة وتمييز بين الخير والشر والحق والباطل والحسن والقبيح، ولا يؤاخذه اللَّه إذا انعدمت قدرته أو زال اختياره. إذن فالعمل الذي يعمله الإنسان من خير أو شر هو من قدر اللَّه تعالى وهو بإرادة الإنسان واختياره، ولذلك قال اللَّه تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)﴾ (١). ولما أخبر النبي ﷺ أن اللَّه كتب مصير كل نفس من الجنة والنار، قال أحد الصحابة أفلا نترك العمل اتكالًا على ما في القدر، قال الرسول ﷺ : "اعملوا فكل ميسر لما خلق له"، ثم تلا قول اللَّه تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ (٢) " (٣). وقد اتفقت جميع الكتب السماوية والسنة النبوية على أن القدر السابق لا يمنع العمل ولا يوجب الاتكال، بل يوجب الاجتهاد والجد والحرص على عمل الصالحات، وقد ذكر اللَّه تعالى احتجاج المشركين بقدر اللَّه ومشيئته على شركهم، ورد عليهم وأبطل حجتهم، وذلك في قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ

стр. 1459

كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)﴾ (١). وهذه الآية تتضمن الرد على احتجاج المشركين من عدة أوجه منها: ١ - أنهم أشركوا أي اختاروا طريق الشرك والضلال وتنكبوا طريق، الهداية والحق، ومن كان هذا اختياره فالعدل أن ينال جزاءه الموافق لفعله، فكيف يصح له أن يحتج بالقدر؟. ٢ - أن احتجاجهم بالقدر على شركهم وتشريعهم غير شرع اللَّه في التحليل والتحريم احتجاج باطل زائف؛ وذلك لأنهم لا يعلمون ما هو قدرُ اللَّه تعالى قبل صدور تلك الأفعال منهم، إذ أن قدره ومشيئته الكونية غيب لا يعلمها قبل وقوعها إلّا هو ، فكيف يصح أن يحتجوا بحجة لا يعلمونها قبل إقدامهم على هذا الأفعال الشنيعة؟ ولهذا قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ (٢). ٣ - هل يصح أن يقدم الإنسان على القتل أو السرقة ويتوجه إلى ذلك قائلًا: كتب اللَّه عليّ ذلك فأنا ذاهب لأقتل أو أسرق؟ هل اطلع على قدر اللَّه حتى يعلم ما كتب اللَّه عليه في اللوح المحفوظ؟ وهو مخاطب ومأمور بترك القتل والسرقة. ٤ - ولماذا لا يقبلون هداية اللَّه ودلالاته ويقبلون على طاعته مقدرين أن اللَّه تعالى قد كتب عليهم الطاعة؟ إذ لا فرق هنا بين المعصية والطاعة، من حيث الجهل بقدر اللَّه قبل وقوع الفعل من العبد. إذًا فليس مع هؤلاء وأشباههم من حجة ولا علم ولا برهان، بل يتبعون الظن وما تهواه الأنفس وللَّه الحجة البالغة.

стр. 1460

وإرادة اللَّه تعالى تنقسم إلى قسمين: كونية وشرعية، فالكونية هي التي بمعنى المشيئة مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ (١) فما شاء اللَّه كونه فهو كائن بقدرته لا محالة. والشرعية هي التي بمعنى المحبة كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُ﴾ (٢) فالكونية يلزم فيها وقوع المراد ولا يلزم أن يكون محبوبًا للَّه تعالى، وأمَّا الشرعية فيلزم أن يكون المراد فيها محبوبًا للَّه ولا يلزم وقوعه. والشر لا ينسب إلى اللَّه تعالى؛ لأنه الرحمن الحكيم، كما قال النبي ﷺ : "والشر ليس إليك" (٣) فلكمال رحمته وحكمته لا ينسب الشر إلى قضائه تعالى إذ ليس فيه شر أبدًا. وإنّما يكون الشر في مقضياته كما جاء في دعاء النبي ﷺ : "وقني شر ما قضيت" (٤)، فأضاف الشر إلى ما قضاه سبحانه، ومع هذا فإن الشر في المقضيات ليس شرًا خالصًا محضًا بل هو شر في محله من وجه خير من وجه، أو شر في محله خير في محل آخر (٥).

стр. 1461

وخلاصة القول: إن عقيدة القضاء والقدر جزء أصيل من عقيدة المسلم، وهذه العقيدة في صورتها الصحيحة التي جاء بها الكتاب العظيم والسنة المطهرة وسار عليها السلف الصالح؛ تمثل محور توازن وشمول في حس المسلم؛ ذلك أنها مرتبطة بعقيدة المسلم في اللَّه تعالى الإله الخالق المتصف بصفات الكمال -جلَّ وعلا- ومن أصول هذه العقيدة أنه لا يُمكن أن يقع في ملك اللَّه ما لم يقدره اللَّه. وعقيدة القدر كما هي عند المسلم الحق نقطة توازن مهمة، فهو يشعر بعظمة اللَّه وقدرته على كل شيء، ويؤمن بأنه لا يجري شيء إلّا بمشيئته سبحانه، ولكنه مع هذا الشعور والإيمان لا ينزوي في سلبية وتقاعس عن العمل والإبداع والإنجاز، كما أن شعوره بقدرته على العمل والإنجاز وحريته في الاختيار، ورؤيته نتاج عمله الفكري أو الجسمي، لا ينتهي به إلى تأليه نفسه وطغيان ذاته، واستكباره عن ربه بما يرى من فاعلية وإنتاج، كما أنه في إيمانه بهيمنة اللَّه على كل شيء وكينونة كل شيء بأمره ومشيئته لا ينتهي به إلى نسيان الأسباب وإهمالها، واطراح السنن الإلهية التي أودعها في الكون والحياة والإنسان، وفي الوقت نفسه حين يشعر باستمرار هذه السنن وانتظامها لا يصل به هذا الشعور إلى نسيان قدر اللَّه تعالى أو تجاهله اعتمادًا على الأسباب أو اتكالًا على السنن الكونية، على اعتبار أنها قوانين حتمية لا بد أن يصل فيها السبب إلى النتيجة على كل حال، بل المسلم الحق يعمل بالأسباب معتمد القلب على اللَّه رب الأسباب. وقد انحرفت طوائف من الناس في القدر، منهم من هو من أهل القبلة، ولكن ضلّ وابتدع بنفي القدر أو بالجبر أو بالزعم أن الأمر أنف، أو بنفي خلق اللَّه لأفعال العباد، أو بنسبة الأفعال الإرادية إلى القدر دون المقدر، أو بتسويغ المعاصي احتجاجًا بالقدر، وترك العمل والكسب اتكالًا على القدر، وغير ذلك من أفواع الضلال الذي وقعت فيه طوائف من أهل الإسلام.

стр. 1462

كما أن أممًا ومللًا غير ملة الإسلام وقع أهلها في ضلالات كبيرة في القدر وانحرافات هائلة في فهم معنى القدر ولوازمه في الحياة العملية، وأظهر هذه الانحرافات: ١ - السلبية العاجزة، والتراخي عن العمل والإنتاج والإبداع وعمارة الحياة بما يلزم لها، وذلك بترك الأسباب جملة، والزهد في العمل والإبداع والابتكار والاكتشاف، وكانت الهندوكية والبوذية والرهبانية النصرانية نَماذج لهذا النوع من الانحراف. ٢ - الافتتان بالأسباب الظاهرة، والاتكال على قوانين الحياة ونواميس الكون التي خلقها اللَّه، والشعور الطاغي بالإنسان وعمله وإنتاجه، بل تأليه الإنسان والإنتاج والإبداع والاعتقاد بأن الإنسان يصنع قدره بنفسه. وهذا النوع من الانحراف هو أبرز علامات الجاهلية المعاصرة، وقد أخذ المستعبدون للفكر الغربي من علمانيين وحداثيين هذا الأصل الجاهلي الخطير وساروا عليه في كليات أفكارهم ونتاجهم أو في كثير من فروعها وجزئياتها. وبهذا يصح لنا أن نقول بأن ما يمارسه هؤلاء من استنساخ وتقليد، ونقل ليس إلا عبودية المنهزم الذليل للغرب الظافر المستعبد، وتقليد الواهن الهزيل، على طريقة القرود!. وأصحاب الأدب العربي الحديث ضلالهم في هذا الباب من هذا القبيل وهو أبشع وأشنع؛ لأنهم قد أسسوا بنيانهم على شفا جرف هار فانهار بهم في أودية الإلحاد والشرك والكفر، فكان ما جاء عنهم في هذا الباب من ثمار هذه الشجرة المادية الخبيثة. وأظهر انحرافاتهم في باب القدر ما يلي: ١ - نفي وجود القدر، ونفي قدرة اللَّه تعالى، وجعل القدر خرافة وكذبًا.

стр. 1463

٢ - ذم القدر والاعتراض عليه، وجعل الإيمان سببًا للتخلف والتحجر والمهانة والسذاجة. ٣ - التهكم والسخرية والاستخفاف بالقدر وبالمؤمنين به. ٤ - نسبة التقدير والقدر إلى غير اللَّه تعالى، وزعم القدرة على تغيير مجرى القدر المكتوب. ٥ - نسبة الشر إلى اللَّه . ٦ - تسويغ الرذائل والانحرافات بالقدر. ٧ - نسبة الأعمال الإرادية إلى القدر. • • • أولًا: نفي وجود القدر، ونفي قدرة اللَّه تعالى، وجعل القدر خرافة وكذبًا: منذ أن وقع أتباع العلمنة والحداثة تحت سيطرة الإلحاد ولوازمه وفروعه؛ فاضت أعمالهم بالحرب السافرة للدين وقضاياه وأعلنوا المحاربة المباشرة أو من وراء الحواجز لعقيدة الإسلام وشريعته. غير أنهم مهما تطاولوا واستعرت نيران بغضائهم وعداواتهم لهذا الدين وأتباعه فإنهم لا يُمكن لهم أن يتجاوزوا دائرة الإعاقة الفكرية والعقلية والشعورية كما أخبر اللَّه تعالى عن عاقبة الشرك في قوله : ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾ (١)، فكل قرد يحيد عن التوحيد ينحط في هيئة المعاق المقعد مذمومًا بالعقيدة الذميمة التي اعتنقها، مخذولًا بالكفر والشرك والإلحاد الذي انتكس في حمأته، لا ناصر له، ومن لا ينصره اللَّه فهو مخذول وإن كثر ناصروه، وإن تظافر مؤيدوه، فالخذلان ملازم له في فكره وعقيدته وعمله، وإن ظهر لبادي الرأي أنه منتصر وفكره

стр. 1464

بين الناس منتشر، فإن الوهن ملازم له والخذلان مصاحب لكل أحواله، ولفظ "فتقعد" يصور هيئة المذموم المخذول وقد حط به الخذلان فقعد، ويلقي ظل الضعف، فالقعود هو أضعف هيئات الإنسان وأكثرها استكانة وعجزًا، وهو يلقي كذلك ظل الاستمرار في حالة النبذ والخذلان؛ لأن القعود لا يوحي بالحركة ولا تغير الوضع (١)، ومع أن هذه هي حالة هؤلاء المرتدين، إلّا أنهم من خلال هالات المزاعم والادعاءات الجوفاء يصورون أنهم أصحاب تقدم وحركة وتحديث، وما يخدعون إلّا أنفسهم وما يشعرون. لقد دنسوا أنفسهم بالكفر والإلحاد، وارتكسوا في الرجس الوثني الذي نهى اللَّه عنه في قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ (٢). والرجس نجاسة وخبث، وأخبث النجاسة ما يصيب القلوب والعقول بسبب الشرك والكفر والردة والإلحاد والمادية، وهذه كلها دنس يصيب الضمير ويلوث القلوب، ويشوب نقاءها وطهارتها كما تشوب النجاسة الثوب والمكان (٣). وكلها تقود إلى قول الزور، والكذب والافتراء والمغالطة. ومن تابع أقوال وأحوال الكافرين قديمًا وحديثًا يجد هذين الوصفين من أظهر الأوصاف فيهم وفي أعمالهم: نجاسة وخَبَث في الاعتقاد والكفر، وزور في القول والعمل. واللَّه تعالى يريد من الناس أن يجتنبوا هذه الأرجاس الوثنية سواء تسمت هذه الأوثان باللات أو العزى ومناة أو تسمت بالعقلانية أو الحداثة أو العلمانية أو الماركسية أو غيرها من المذاهب والمناهج والنظم الوضعية الجاهلية، فكلها رجس وزور، واللَّه يريد من الناس أن يميلوا عن الشرك

стр. 1465

كله بكل ألوانه وأشكاله ومسمياته، وأن يجتنبوا الزور كله، وأن يستقيموا على التوحيد الخالص النقي الطاهر القويم: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ (١)، ثم يبين تعالى صورة الذي ينحدر من أفق التوحيد إلى درك الشرك، فإذا هو ضائع، ذاهب بددًا كأن لم يكن من قبل أبدًا ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ (٢)، وهي صورة صادقة حقيقية لحال المشرك والملحد والمادي حين يهوي من الأفق الإيماني العالي إلى سفوح الفناء والانطواء والخذلان والوهن؛ وذلك لأنه فقد -باختياره- القاعدة الثابتة اليقينية، قاعدة التوحيد، وافتقد بسبب كفره وإلحاده وعلمانيته المستقر الآمن، فتخطفته الأهواء والشبهات، كما تخطف الجوارح المفترسة بغاث الطير، وتتقاذفه الأوهام والجهالات تفاذق الريح بالريش والورق اليابس، فتراه لا يمسك بعروة وثقى ولا يستقر على قاعدة ثابتة (٣). والمتأمل في أحوال وأعمال وأقوال هؤلاء الحداثيين يجد أنهم أحق الناس بهذه الأوصاف التي ذكرها اللَّه الخبير العليم، فهم في نجاسة هذه العقائد النتنة يتقلبون، وبأقوال الزور والكذب يجأرون، وفي مهاوي الضلالات والجهالات يرتعون، فالحمد للَّه على نعمة الإسلام ونعمة العقل. ولا أدل على مقدار الهوان الاعتقادي والعملي الذي تردى فيه المعنيون بهذا البحث من قضية القضاء والقدر، فقد استيقظت طاقاتهم في ظلمات الإلحاد والشك والشرك، فكانوا بمثابة الديدان التي تتغذى وتعيش وتتحرك في الجيف. ومن نتائج هذه الطاقات ما نقرؤه في نتاجهم من انحرافات متراكمة وظلمات متلاطمة.

стр. 1466

فها هم بعد أن اشتروا ضلالة الإلحاد واستنبتوها في سويداء قلوبهم السوداء فرغوا عليها ضلالات آخر منها -ما نحن بصدده الآن- نفي قدرة اللَّه تعالى، ونفي وجود قدرٍ قدّره اللَّه وقضاه، وزعمهم أن قضية القضاء والقدر مجرد خرافة ودجل وكذب. ولا ريب أن مناقشة هؤلاء في هذه المسألة فيه فائدة إبطال زيفهم وكشف زورهم وكذبهم، وإن كانت القضية الأولى بالنقاش معهم هي وجود اللَّه تعالى وألوهيته، فإنهم بجحدهم ربوبية اللَّه جحدوا قَدَرَه؛ وبجحدهم ألوهيته جحدوا حقه في الطاعة والتشريع، وبجحدهم أسماءه وصفاته جحدوا علمه وقدرته ومشيئته. إن المنهج الذي يحكم تفكير هؤلاء منهج مادي إلحادي وهو الذي يحدد موقفهم من المنهج النقيض منهج الإيمان والتوحيد. والذين يرتكزون في عقيدتهم وفكرهم على القيم المادية والمعطيات المادية، ويغفلون القيمة الكبرى الأساسية في حياة الإنسان "قيمة التوحيد والإيمان" هم أعداء للبشربة، لا يريدون لها أن ترتفع عن مستوى الحيوان وعلى مطالب الحيوان. وهم حين يطلقون آراءهم الجاهلية في عقيدة الفوضى التي يعتنقونها، عقيدة جحد القدر يهدفون من وراء ذلك إلى القضاء على قيم الإيمان وعقيدة الإسلام التي تعلق قلوب الناس بما هو أرفع من مطالب الحيوان -دون أن تغفل أو تنسى ضروياتهم وحاجياتهم الأساسية- بل تجعل لهم مطالب أرقى وأشرف إلى جوار المطالب المادية التي يحتاجها الإنسان، والتي إذا اقتصر عليها ضاهى الحيوان وأشبهه. وهذا الصراخ المستمر الذي تطلقه الحناجر المادية العلمانية والحداثية وغيرها ليس صراخًا بريئًا أو حياديًا أو موضوعيًا، بل هو خطة مقصودة لإقامة أصنام حديثة تعبد بدل أصنام الجاهلية الأولى وتكون لها السيادة العليا على قيم الحق والخير والفضيلة. وعندما تصبح المادية صنمًا يكدح الناس حوله ويطوفون به في قداسة

стр. 1467

الأصنام، فإن كل القيم والاعتبارات الأخرى تداس في سبيله وتنتهك العقائد والقيم والأخلاق والأعراض والنظم والأسرة والضوابط والضمانات، كل هذه إذا تعارضت مع المادية وأوثانها وسدنتها فيجب أن تمحى وتزال وتمحق وتنتقص!!. فماذا تكون الأصنام إن لم تكن هذه؟ إنه ليس حتمًا أن يكون الصنم حجرًا أو شجرًا أو جنًا، بل قد يكون الصنم مذهبًا أو منهجًا أو قيمة أو اعتبارًا أو لافتة أو لقبًا أو شخصًا أو نظامًا (١) إلى غير ذلك، ما دام متصفًا بأنه متبوع أو معبود أو مطاع من دون اللَّه تعالى. ومن لا يفقه هذه الحقيقة على وجهها فإنه بلا ريب لم يفقه التوحيد ولم يفهم الإيمان ولم يعرف الإسلام!!. وما أكثر الذين ينتسبون إلى الإسلام ولكنهم لا يفهمون هذه الحقيقة الأولية حق الفهم، ولا يدركون هذا المعنى العميق بالإيمان حق الإدراك، ولذلك تجدهم في ريبهم يترددون، وخاصة عندما تدق الجاهلية المعاصرة طبول إعلامها وأزلامها، في إشادة وتبجيل للماديات ونتاجها وقيمها واعتباراتها ومناهجها التي تسعى إلى تدمير مبادئ التوحيد والإيمان والولاء والبراء، ومقتضيات ولوازم هذه المبادئ العظيمة. إن جحد هؤلاء ونفيهم لوجود قدر كوني يحكم هذه المخلوقات لهو أعظم دليل على مقدار العته الذي أصيبت بهم عقولهم المظلمة. إن التناسق والانتظام والتكامل والانضباط الموجود والمحسوس في هذا الكون والحياة والمخلوقات هي أعظم دليل على أن كل شيء محكوم بقدر يحدد حقيقته وصفته ومساره ومقداره وحركته وسكونه وارتباطه بسائر ما حوله. إن هذه الحقيقة العميقة الكبيرة الظاهرة غابت عن عقول الملاحدة الماديين، على رغم ادعائهم المتواصل بالعقلانية.

стр. 1468

(على أن الأمر أعظم من هذا كله وأشمل في التقدير والتدبير، إن حركة هذا الكون كله بأحداثها ووقائعها وتياراتها مقدرة مدبرة صغيرها وكبيرها، كل حركة في التاريخ ككل انفعال في نفس فرد، ككل نفس يخرج من صدر! إن هذا النفس مقدر في وقته، مقدر في مكانه، مقدر في ظروفه كلها، مرتبط بنظام الوجود وحركة الكون، محسوب حسابه في التناسق الكوني، كالأحداث العظام الضخام!) (١). وإذا أردنا أن نتعرف على مدى الانحدار الفكري والاعتقادي في باب القضاء والقدر الذي وصل إليه أتباع الحداثة من خلال نفيهم لقدرة اللَّه تعالى وإرادته النافذة ومشيئته التي لا تحد؛ فلنطلع على بعض من هرائهم في هذا: من ذلك: ما وضعه النصيري الوثني "أدونيس" في تلمود الحداثة "الثابت والمتحول" من قواعد كفرية سار على منوالها الأتباع العمي الذين لا يعقلون، ومن هذه القواعد قوله: (. . . وسواء تحركت القصيدة الجديدة في مستوى اجتماعي، أو مستوى نفسي أو مستوى استعادي - ذكروي، فهي تتحرك في إطار هذا الزمن، الزمن القدر/ الخارجي. هذا المفهوم للزمن يبقينا في إطار النظرة التقليدية القائلة بأن الآلام والشرور "طبيعية" لا يُمكن الخلاص منها، والنظرة الجديدة "الشعرية" هي التي تقول بأن الآلام والشرور "غير طبيعية" ولذلك يُمكن الخلاص منها، النظرة الجديدة هي الخروج من قدر الطبيعة والدخول في إرادة الإنسان، هي الخروج من الثبات إلى التحول، هي الخروج من الصراعات والتناقضات الذهنية، والدخول في عالم الصراعات والتناقضات الحياتية، هي الإيمان بأن الإنسان قادر على تغيير نفسه والعالم معًا قادر على صنع التاريخ، والقصيدة الجديدة هي التي تكون من هذه الشرفة، مسرحًا للعالم) (٢). إن هذا القول المتولد من المادية الإلحادية ليس سوى دعاوى مفتقرة

стр. 1469

إلى أدنى بينة أو دليل، وإلّا كيف يُمكن الخروج من إطار القضاء والقدر؟ هل يُمكن تحويل الشمس عن مجراها؟ أو النجوم عن مسارها؟ أم هل يُمكن إخراج الحياة الكونية المترابطة من أصغر ذراتها إلى أكبر أفلاكها من إطار التسخير الرباني والتقدير الإلهي؟. إن استطاع أدونيس وكل أشباهه وأتباعه أن يفعلوا ذلك فليفعلوه!!. ثم لماذا يربط نظرته المادية الجامدة بقضية التحول والتقدم؟ وهي في الحقيقة نظرة لا تبتعد قيد أنملة عن مطالب الأرض وحظوظ الأرض ومقاصد الحيوان!!. أليست هذه هي النظرة الجامدة اليابسة المنحطة، التي تأبى الرقي إلى أفق التوحيد والإيمان الأعلى والأرقى الذي يخلص الإنسان من وحول الماديات ويرتفع به إلى قمم سامقة عالية منيفة لا يُمكن للمادي الملحد أن يحلم بها فضلًا عن أن يعيشها أو يمارسها أو يذوق حلاوتها!!. أمَّا القول بأن الإنسان قادر على تغيير نفسه والعالم معًا وعلى صنع التاريخ، فهذه فكرة مسروقة عن المادية الجدلية المتمثلة في الماركسية، التي تقول بحتمية صراع الطبقات ثم حتمية التقدم نحو النمط المسمى "ديكتاتورية البلوريتاريتا" وهي فكرة ساقطة أثبتت الحوادث والأيام أنها مجرد وهم وخرافة تداعت بتداعي بنيان دولة الإلحاد المادي الشرقي "الاتحاد السوفيتي" بيد أن فكرة أن الإنسان قادر على تغيير نفسه والعالم ليست مقتصرة على مذهب ذوي العاهات الفكرية "الماركسية"، بل هي أصل لجميع المذاهب المادية في الغرب، وقد استنسخها أدونيس فيما استنسخ من أفكار وعقائد ثم جاء بها تحت مضلات مخادعة. فما الذي نتج من خلال هذا الزعم المادي القائل بالقدرة المطلقة للإنسان في تغيير نفسه والعالم؟. إن الذي حدث هو التسارع المفرط في درب الانحطاط البهيمي الحيواني فتحول الإنسان إلى جهاز آلي أو كتلة حيوانية!!.

стр. 1470

لقد أحرزوا انتصارات شتى في اكتشافات القوانين الكونية وتسخيرها، وتحقق في عالم الصناعة والطب والمكتشفات والمصنوعات ما يشبه الخوارق -بالنسبة للماضي- وما يزالون في طريقهم لإحراز انتصارات واكتشافات مادية أخرى، ولكن ما أثر هذا كله في حياتهم؟ وما تأثيره في نفسياتهم وسلوكياتهم؟ هل وجدوا السعادة؟ هل وجدوا الطمأنينة؟ هل وجدوا السلام؟ هل زالت الآلام والشرور التي يزعم أدونيس إنه يُمكن للإنسان الخلاص منها؟. كلا لقد عمهم الشقاء والقلق والخوف والأمراض العصبية والنفسية والشذوذ والجريمة، وها هي شهادة أحد فلاسفتهم ومنظريهم المعاصرين يقول: (سبب الازدياد المطرد في عدد الجرائم الجنسية في أوروبا وأمريكا، القدر الكبير من القلق والجزع والخوف، ومن الإنصاف أن نقول بأن كل أصناف الجريمة قد ازدادت، إلّا أن الجريمة والعنف الجنسيين قد سجلا أكبر نسبة من الازدياد) (١)، ثم يذكر أرقامًا تصاعدية لعدد الجرائم ثم يضيف: (وفي الولايات المتحدة مايزيد على ١٥٠٠٠ اعتداءً جنسيًا في العالم، والسبب هو بلا شك الضغوط والتوترات الاجتماعية المتنامية في مجتمعنا الحضاري الآلي) (٢). ويقول: (إن مجتمعًا كمجتمعنا هو تربة خصبة مثالية لنمو كل أنواع الشذوذ الجنسي) (٣). ويقول معللًا هذه الظواهر الشريرة: (. . . إن انهيار "القيم" في مجتمعنا الذي حلله نيتشه بعمق كبير، لا بد أن يؤدي حتمًا إلى زيادة السادية (٤). . . وينبغي أن ندرك أن هذا الانهيار هو في معظمه "انهيار ثقافي"

стр. 1471

وثقافة مجتمع ما هي نوع من الثقل المقابل لضغوط الاجتماعية. . . فنحن نعيش في حضارة ذات ثقافة مادية أساسيًا) (١). ويقول: (. . . وفي يومنا هذا، فالجريمة المنحرفة المثالية تأتي غالبًا من السأم وتدعى "جريمة السأم" أي الجريمة التي ليس لها أي دافع معين والتي تنتج عن "الجريمة الزائدة" وعن فقدان أي إحساس بالهدف) (٢). لقد فقدوا الإطار الإيماني الذي يضبط الحياة والنفس ويسيّر الجميع في توافق وانسجام، لقد فقدوا التصور الصحيح للغاية من الوجود الإنساني ولأهداف الحياة الإنسانية (وحين تقاس غاية الوجود الإنساني وأهداف الحياة الإنسانية في ذهن الرجل المتحضر المعاصر، إلى التصور الإسلامي في هذا الجانب، تبدو هذه الحضارة في غاية القزامة! بل تبدو لعنة تحط من تصور الإنسان لنفسه ومقامه في هذا الوجود، وتسفل به، وتصغر من اهتماماته ومن أشواقه! والخواء يأكل قلب البشرية المكدود والحيرة تهدد روحها المتعبة. . إنها لا تجد اللَّه. . لقد أبعدتها عنه ملابسات نكدة، والعلم الذي كان من شأنه، لو سار تحت منهج اللَّه، أن يجعل من كل انتصار للبشرية في ميدانه خطوة تقربها من اللَّه، هو ذاته الذي تبعد به البشرية أشواطًا بسبب انطماس روحها ونكستها، انها لا تجد النور الذي يكشف لها غاية وجودها الحقيقية فتنطلق إليها مستعينة بهذا العلم الذي منحه اللَّه لها ووهبها الاستعداد له، ولا تجد النظام الذي ينسق بين طاقاتها وقواها، وآخرتها ودنياها، وأفرادها وجماعاتها، وواجباتها وحقوقها، تنسيقًا طبيعيًا شاملًا مريحًا. . وهذه البشرية هي التي يعمل ناس منها على حرمانها من منهج اللَّه الهادي، وهم الذين يسمون التطلع إلى هذا المنهج "رجعية"! ويحسونه مجرد حنين

стр. 1472

إلى فترة زاهية من فترات التاريخ. . وهم بجهالتهم هذه أو بسوء نيتهم يحرمون البشرية التطلع إلى المنهج الوحيد الذي يُمكن أن يقود خطاها إلى السلام والطمأنينة، كما يقود خطاها إلى النمو والرقي، ونحن الذين نؤمن بهذا المنهج نعرف إلى ماذا ندعو، إننا نرى واقع البشرية النكد، ونشم رائحة المستنقع الآسن الذي تتمرغ فيه، ونرى هنالك على الأفق الصاعد راية النجاح تلوح للمكدوديين في هجير الصحراء المحرق، والمرتقى الوضيء النظيف يلوح للغارقين في المستنقع، ونرى أن قيادة البشرية إن لم ترد إلى هذا المنهج فهي في طريقها إلى الارتكاس الشائن لكل تاريخ الإنسان، ولكل معنى من معاني الإنسان!) (١). أمَّا أوعية التلقي المادي من أبناء البلاد الإسلامي من علمانيين وحداثيين ووجوديين وغيرهم، فإنهم يأبون إلّا أن يكونوا نسخًا مكرورة للأرجاس الوثنية المادية المعاصرة، وصورًا منسوخة عن الانحرافات الضلالية الحديثة، فها هو أحدهم في كتابه "بحثًا عن الحداثة" يقول: (في الخرافة يتجلى ثاني أساسيات الثقافة العربية بوصفه تفسيرًا للفاعلية وتعليقًا لها على وجود آخر غير منظور، وتنتشر تمثلات الخرافة تحت شتى المسميات، فهي القدر مرة، وهي الشيطان أو الكائنات الأسطورية مرة أخرى. . .) (٢). وليس جديدًا أن تصبح الدعاوى الإلحادية الكفرية حقًا وحقيقة عند أصحابها، وتصبح الحقائق اليقينية خرافة ووهمًا، فقد دأب على ذلك جميع الجاهليين القدماء والمحدثين ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ (٣). ومن هذا التكذيب زعمهم أن الغيب خرافة والقدر خرافة، وهم لم يحيطوا بعلم ما كذبوا به بل هم في غاية الجهل والتجاهل، مع تطاول وتعالم وادعاء بأنهم أصحاب العقول والنظر والمنطق، ولا جرم أنهم أبعد

стр. 1473

الناس عن هذا، وأشدهم تنكبًا لطريق العلم واليقين والبرهان، انظر قول الباطني "أدونيس": (القدر اهتز على البحار وانكسرت خواتم الخرافة وها هي الأغوار فاترك لنا أن نزرع الشطآن بالمحار أن نرسي الفلك على صنيّن واترك لنا أن نصعق التنين يا سيد الخرافة) (١). فهو يصف كيف أن القدر أصبح عند الغربيين -ورمزهم البحار- خرافة، ثم يشيد بذلك زاعمًا أن هذه الضلالة أو صلتهم إلى الأغوار والفهم العميق، ويتمنى أن يسلك سبيلهم ليزرع الشطآن وسائر البلدان بهذه الفكرة الغربية القائمة على كسر خرافة القدر -كما يزعم- ثم ينادي بقتل التنين والخرافة، وهما رمزان للتخلف يقصد بهما الدين وقضاياه، ومنها القدر. وهكذا ينتحب الإلحاد في صورة شوهاء واستلقاء فكري انثوي!!. أين هؤلاء عن أقوال الغربيين الذين اكتشفوا هزال حياتهم وشتاتها وفسادها وتناقضها وانحدارها؟ وهم كثير، بعضهم استطاع أن يصف الداء ويشخص المرض ويطنب في توصيف ذلك، وبعضهم اهتدى للدواء الشافي من هذه العلل، ومنهم - على سبيل المثال "ركس انجرام (٢) " الذي قال بعد

стр. 1474

أن هداه اللَّه للإسلام: (إني أعتقد أن الإسلام هو الدين الذي يدخل السلام والسكينة إلى النفس ويلهم العزاء وراحة البال والسلوى في هذه الحياة، وقد تسرب روح الإسلام إلى نفسي فشعرت بنعمة الإيمان بالقضاء الإلهي وعدم المبالاة بالمؤثرات المادية من لذة وألم، لقد درست الدين الإسلامي مدة سنين ولم أتخذه دينًا إلّا بعد بحث قلبي عميق، وتحليل نفسي طويل، لم أغير ديني إلّا لكي أجد الراحة من ضجيج الحياة الجنوني، ولأنعم بالسكينة في ظلال الهدوء والتأمل بعيدًا عن متاعب الهموم والمحن التي يسببها التكالب على الكسب والتهالك على المال الذي أصبح اليوم معبود البشر وإلههم، ولأخلص نفسي من براثن الأغراء وخدع الحياة الباطلة، والشراب والمخدرات، وجنون فرقة الجاز، أسلمت لكي أنقذ ذهني وعقلي وحياتي من الهدم والتدمير) (١). ومنهم "دونالدر كويل (٢) " القائل: (لقد جذبني إلى الإسلام عوامل كثيرة لا أستطيع حصرها أو الوقوف عليها جميعًا؛ لأن منها الظاهر الجلي الذي لا يماري فيه إنسان، وجمنها الباطن الخفي الذي يغوص في أعماق الروح ويكمن في خبايا الضمير، لقد قرأت عن الإسلام وقرأت عن القرآن وشيئًا يسيرًا من سيرة محمد بن عبد اللَّه ﵊ فلفت نظري الشيء الكثير، لفت نظري بساطة العقيدة الإسلامية وسهولتها، فليست هناك أسرار ولا ألغاز تؤمن بها ولا تناقشها، بل مرد الإيمان إلى العقل والنظر في ملكوت اللَّه، وما في الكون من نظام بديع يهدي ضرورة إلى وجود إله متصرف له الخلق والأمر) (٣).

стр. 1475

وإذا كان أدونيس وأمثاله من أجهزة الاستقبال الحداثي العلماني المادي؛ يرون أن الفهم الأعمق للحياة هو باطراح الإيمان ونفي القضاء والقدر وجعل القيم الدينية مجرد خرافة؛ يرون ذلك ويعتقدونه رضوخًا للفلسفة المادية التي اعتنقوها، وإرضاء لمعلميهم من أساتذة وفلاسفة الغرب. إذا كانوا كذلك فإننا نجد من مفكري الغرب ومجربيه من يرى السقم والمرض والانهيار والتخلف في نسيج الحياة الغربية، ومن يرى أن حياة المسلمين البسطاء فيها من دواعي الطمأنينة والسعادة ما ليس في ثقافة وقيم الحياة الغربية. يقول مؤلف كتاب "إنسانية الإنسان": (أصبحت المدن العصرية، بخاصة الحواضر الأميركية الضخمة كابوسًا مزعجًا لأنها تفشل باطراد في توفير محيط مرض للحاجات غير المتغيرة في طبيعية الإنسان البيولوجية، ولتطوره الثقافي. . .) (١). ويقول: (بحب اعتبار أكثر الناس في بلاد المدنية الغربية -وبخاصة أمريكا اليوم- من الجانحين لأنهم يتصرفون وكأنّما المقياس الوحيد لسلوكهم هو إرضاء رغباتهم ودوافعهم الغريزية الآتية دون النظر لعواقب ذلك. . .) (٢). وعندما يتحدث عن حرية الإنسان والإرادة الحرة يبين أنه لا توجد إرادة حرة طليقة بل لا بد من ضوابط تحديدية كونية وعضوية لا يُمكن للإنسان أن يخرج عنها، وهو لا يتحدث في هذا من فراغ بل هو أخصائي كبير في علم الحياة "البيولوجيا" وحاصل على جائزة نوبل في العلوم سنة ١٩٧٦ م/ ١٣٩٦ هـ. ومع كونه يعتقد بخرافة "دارون" لكنه توصل إلى حقيقة وجود ضوابط تحديدية لا يُمكن للإنسان أن ينفك عنها، وهذه الضوابط التي يطلق عليها "التحديدية الجبرية" هي ما يُمكن أن يسمى في دين الإسلام "القضاء والقدر"
следующие страницы →