← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 44

الانحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها

سعيد بن ناصر الغامدي

Полный текст (2 275 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

وثقافة مجتمع ما هي نوع من الثقل المقابل لضغوط الاجتماعية. . . فنحن نعيش في حضارة ذات ثقافة مادية أساسيًا) (١). ويقول: (. . . وفي يومنا هذا، فالجريمة المنحرفة المثالية تأتي غالبًا من السأم وتدعى "جريمة السأم" أي الجريمة التي ليس لها أي دافع معين والتي تنتج عن "الجريمة الزائدة" وعن فقدان أي إحساس بالهدف) (٢). لقد فقدوا الإطار الإيماني الذي يضبط الحياة والنفس ويسيّر الجميع في توافق وانسجام، لقد فقدوا التصور الصحيح للغاية من الوجود الإنساني ولأهداف الحياة الإنسانية (وحين تقاس غاية الوجود الإنساني وأهداف الحياة الإنسانية في ذهن الرجل المتحضر المعاصر، إلى التصور الإسلامي في هذا الجانب، تبدو هذه الحضارة في غاية القزامة! بل تبدو لعنة تحط من تصور الإنسان لنفسه ومقامه في هذا الوجود، وتسفل به، وتصغر من اهتماماته ومن أشواقه! والخواء يأكل قلب البشرية المكدود والحيرة تهدد روحها المتعبة. . إنها لا تجد اللَّه. . لقد أبعدتها عنه ملابسات نكدة، والعلم الذي كان من شأنه، لو سار تحت منهج اللَّه، أن يجعل من كل انتصار للبشرية في ميدانه خطوة تقربها من اللَّه، هو ذاته الذي تبعد به البشرية أشواطًا بسبب انطماس روحها ونكستها، انها لا تجد النور الذي يكشف لها غاية وجودها الحقيقية فتنطلق إليها مستعينة بهذا العلم الذي منحه اللَّه لها ووهبها الاستعداد له، ولا تجد النظام الذي ينسق بين طاقاتها وقواها، وآخرتها ودنياها، وأفرادها وجماعاتها، وواجباتها وحقوقها، تنسيقًا طبيعيًا شاملًا مريحًا. . وهذه البشرية هي التي يعمل ناس منها على حرمانها من منهج اللَّه الهادي، وهم الذين يسمون التطلع إلى هذا المنهج "رجعية"! ويحسونه مجرد حنين

стр. 1472

إلى فترة زاهية من فترات التاريخ. . وهم بجهالتهم هذه أو بسوء نيتهم يحرمون البشرية التطلع إلى المنهج الوحيد الذي يُمكن أن يقود خطاها إلى السلام والطمأنينة، كما يقود خطاها إلى النمو والرقي، ونحن الذين نؤمن بهذا المنهج نعرف إلى ماذا ندعو، إننا نرى واقع البشرية النكد، ونشم رائحة المستنقع الآسن الذي تتمرغ فيه، ونرى هنالك على الأفق الصاعد راية النجاح تلوح للمكدوديين في هجير الصحراء المحرق، والمرتقى الوضيء النظيف يلوح للغارقين في المستنقع، ونرى أن قيادة البشرية إن لم ترد إلى هذا المنهج فهي في طريقها إلى الارتكاس الشائن لكل تاريخ الإنسان، ولكل معنى من معاني الإنسان!) (١). أمَّا أوعية التلقي المادي من أبناء البلاد الإسلامي من علمانيين وحداثيين ووجوديين وغيرهم، فإنهم يأبون إلّا أن يكونوا نسخًا مكرورة للأرجاس الوثنية المادية المعاصرة، وصورًا منسوخة عن الانحرافات الضلالية الحديثة، فها هو أحدهم في كتابه "بحثًا عن الحداثة" يقول: (في الخرافة يتجلى ثاني أساسيات الثقافة العربية بوصفه تفسيرًا للفاعلية وتعليقًا لها على وجود آخر غير منظور، وتنتشر تمثلات الخرافة تحت شتى المسميات، فهي القدر مرة، وهي الشيطان أو الكائنات الأسطورية مرة أخرى. . .) (٢). وليس جديدًا أن تصبح الدعاوى الإلحادية الكفرية حقًا وحقيقة عند أصحابها، وتصبح الحقائق اليقينية خرافة ووهمًا، فقد دأب على ذلك جميع الجاهليين القدماء والمحدثين ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ (٣). ومن هذا التكذيب زعمهم أن الغيب خرافة والقدر خرافة، وهم لم يحيطوا بعلم ما كذبوا به بل هم في غاية الجهل والتجاهل، مع تطاول وتعالم وادعاء بأنهم أصحاب العقول والنظر والمنطق، ولا جرم أنهم أبعد

стр. 1473

الناس عن هذا، وأشدهم تنكبًا لطريق العلم واليقين والبرهان، انظر قول الباطني "أدونيس": (القدر اهتز على البحار وانكسرت خواتم الخرافة وها هي الأغوار فاترك لنا أن نزرع الشطآن بالمحار أن نرسي الفلك على صنيّن واترك لنا أن نصعق التنين يا سيد الخرافة) (١). فهو يصف كيف أن القدر أصبح عند الغربيين -ورمزهم البحار- خرافة، ثم يشيد بذلك زاعمًا أن هذه الضلالة أو صلتهم إلى الأغوار والفهم العميق، ويتمنى أن يسلك سبيلهم ليزرع الشطآن وسائر البلدان بهذه الفكرة الغربية القائمة على كسر خرافة القدر -كما يزعم- ثم ينادي بقتل التنين والخرافة، وهما رمزان للتخلف يقصد بهما الدين وقضاياه، ومنها القدر. وهكذا ينتحب الإلحاد في صورة شوهاء واستلقاء فكري انثوي!!. أين هؤلاء عن أقوال الغربيين الذين اكتشفوا هزال حياتهم وشتاتها وفسادها وتناقضها وانحدارها؟ وهم كثير، بعضهم استطاع أن يصف الداء ويشخص المرض ويطنب في توصيف ذلك، وبعضهم اهتدى للدواء الشافي من هذه العلل، ومنهم - على سبيل المثال "ركس انجرام (٢) " الذي قال بعد

стр. 1474

أن هداه اللَّه للإسلام: (إني أعتقد أن الإسلام هو الدين الذي يدخل السلام والسكينة إلى النفس ويلهم العزاء وراحة البال والسلوى في هذه الحياة، وقد تسرب روح الإسلام إلى نفسي فشعرت بنعمة الإيمان بالقضاء الإلهي وعدم المبالاة بالمؤثرات المادية من لذة وألم، لقد درست الدين الإسلامي مدة سنين ولم أتخذه دينًا إلّا بعد بحث قلبي عميق، وتحليل نفسي طويل، لم أغير ديني إلّا لكي أجد الراحة من ضجيج الحياة الجنوني، ولأنعم بالسكينة في ظلال الهدوء والتأمل بعيدًا عن متاعب الهموم والمحن التي يسببها التكالب على الكسب والتهالك على المال الذي أصبح اليوم معبود البشر وإلههم، ولأخلص نفسي من براثن الأغراء وخدع الحياة الباطلة، والشراب والمخدرات، وجنون فرقة الجاز، أسلمت لكي أنقذ ذهني وعقلي وحياتي من الهدم والتدمير) (١). ومنهم "دونالدر كويل (٢) " القائل: (لقد جذبني إلى الإسلام عوامل كثيرة لا أستطيع حصرها أو الوقوف عليها جميعًا؛ لأن منها الظاهر الجلي الذي لا يماري فيه إنسان، وجمنها الباطن الخفي الذي يغوص في أعماق الروح ويكمن في خبايا الضمير، لقد قرأت عن الإسلام وقرأت عن القرآن وشيئًا يسيرًا من سيرة محمد بن عبد اللَّه ﵊ فلفت نظري الشيء الكثير، لفت نظري بساطة العقيدة الإسلامية وسهولتها، فليست هناك أسرار ولا ألغاز تؤمن بها ولا تناقشها، بل مرد الإيمان إلى العقل والنظر في ملكوت اللَّه، وما في الكون من نظام بديع يهدي ضرورة إلى وجود إله متصرف له الخلق والأمر) (٣).

стр. 1475

وإذا كان أدونيس وأمثاله من أجهزة الاستقبال الحداثي العلماني المادي؛ يرون أن الفهم الأعمق للحياة هو باطراح الإيمان ونفي القضاء والقدر وجعل القيم الدينية مجرد خرافة؛ يرون ذلك ويعتقدونه رضوخًا للفلسفة المادية التي اعتنقوها، وإرضاء لمعلميهم من أساتذة وفلاسفة الغرب. إذا كانوا كذلك فإننا نجد من مفكري الغرب ومجربيه من يرى السقم والمرض والانهيار والتخلف في نسيج الحياة الغربية، ومن يرى أن حياة المسلمين البسطاء فيها من دواعي الطمأنينة والسعادة ما ليس في ثقافة وقيم الحياة الغربية. يقول مؤلف كتاب "إنسانية الإنسان": (أصبحت المدن العصرية، بخاصة الحواضر الأميركية الضخمة كابوسًا مزعجًا لأنها تفشل باطراد في توفير محيط مرض للحاجات غير المتغيرة في طبيعية الإنسان البيولوجية، ولتطوره الثقافي. . .) (١). ويقول: (بحب اعتبار أكثر الناس في بلاد المدنية الغربية -وبخاصة أمريكا اليوم- من الجانحين لأنهم يتصرفون وكأنّما المقياس الوحيد لسلوكهم هو إرضاء رغباتهم ودوافعهم الغريزية الآتية دون النظر لعواقب ذلك. . .) (٢). وعندما يتحدث عن حرية الإنسان والإرادة الحرة يبين أنه لا توجد إرادة حرة طليقة بل لا بد من ضوابط تحديدية كونية وعضوية لا يُمكن للإنسان أن يخرج عنها، وهو لا يتحدث في هذا من فراغ بل هو أخصائي كبير في علم الحياة "البيولوجيا" وحاصل على جائزة نوبل في العلوم سنة ١٩٧٦ م/ ١٣٩٦ هـ. ومع كونه يعتقد بخرافة "دارون" لكنه توصل إلى حقيقة وجود ضوابط تحديدية لا يُمكن للإنسان أن ينفك عنها، وهذه الضوابط التي يطلق عليها "التحديدية الجبرية" هي ما يُمكن أن يسمى في دين الإسلام "القضاء والقدر"

стр. 1476

حيث لا يُمكن للإنسان أن يخرج من إطاره ونظامه وقانونه مهما فعل. يقول المؤلف المشار إليه: (. . . والمواقف تجاه مشاكل الحياة التي تندرج تحت تعبير "إرادة حرة" و"تحيديدية جبرية" قد تظهر في المستقبل أقل تعارضًا إذا اكتشف فيما بعد أن النشاطات الحياتية تضم فكرًا أكثر دقة وعمقًا مما يسيطر الآن على ميادين الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا. . . يظهر أن الحرية تنعدم وتغيب لأن كل نواحي السلوك متأثرة بعوامل تكوينية، إرثية، وتجريبية، وبيئية. . . على كل حال أن في حدود وإمكانات الحرية عناصر تحديدية كافية في القوى المحيطة، وفي الخصائص البيولوجية الموروثة والمكتسبة في بنية كل فرد. . . الإرادة الحرة لا تستطيع العمل إلّا حيث يوجد نوع ما من الإيمان والاقتناع، وتعتبر القيم غير قابلة للتغيير لأنه من المعتقد أنها جزء لا يتجزأ من الطبيعة الأخلاقية في الإنسان. . . والمعلومات العلمية وحدها لا تقدر على تحديد أو فرض قيم تتحكم بالسلوك ولكنها توفر حقائق يُمكن على أساسها الاختيار. صحيح أن الاختيار يكون أكثر منطقية إذا بني على معلومات حقيقة وعلى تقدير للنتائج، إلّا أنه -أي الاختيار- يحتفظ دائمًا بعنصر شخصي؛ لأنه في النهاية يضم محاكمة تقييمية، وهذه أيضًا تشكل بدورها تعبيرًا آخر عن الاستقطاب: "الحرية"، "التحديدية الجبرية" وهي من أهم الخصائص المميزة في الحياة الإنسانية. . . أمَّا الإنسان فهو حر لأنه قادر على عدم ارتكاب الخطيئة وله الخيار في ذلك. . . والتعريف الميكانيكي لحياة الإنسان يخطيء الهدف؛ لأن ما هو إنساني في الإنسان هو نفسه بالتحديد "غير مكانيكي") (١). هذه الأقوال تدل في مجملها -على ما فيها من المآخذ- على أن الإنسان محكوم بقانون كوني لا يستطيع الخروج عنه مهما حاول أو تطاول. أمَّا مؤلف كتاب "دع القلق وابدأ الحياة" فقد أورد في آخر كتابه هذا

стр. 1477

قصصًا واقعية يروي أصحابها كيف قهروا القلق، ومن ضمن هذه القصص، قصة رحالة أوروبي عاش بين مجموعة من المسلمين في بادية أفريقيا الشمالية الغربية مدة سبعة أعوام، وألف مجموعة من الكتب منها كتاب بعنوان "رياح على الصحراء" وآخر عن النبي محمد ﷺ بعنوان "الرسول". يقول هذا الرحالة: (في عام ١٩١٨ م وليت ظهري العالم الذي عرفته طيلة حياتي، ويممت شطر أفريقيا الشمالية الغربية حيث عشت بين الأعراب في الصحراء، وقضيت هناك سبعة أعوام، أتقنت خلالها لغة البدو، وكنت أرتدي زيهم، وآكل من طعامهم، وأتخذ مظاهرهم في الحياة، وغدوت مثلهم أمتلك أغنامًا وأنام كما ينامون في الخيام، وقد تعمقت في دراسة الإسلام، حتى أنني ألفت كتابًا عن محمد ﷺ عنوانه "الرسول" وقد كانت تلك الأعوام أمتع سني حياتي وأحفلها بالسلام والاطمئنان والرضا بالحياة. وقد تعلمت من عرب الصحراء كيف أتغلب على القلق، فهم بوصفهم مسلمين يؤمنون بالقضاء والقدر، وقد ساعدهم هذا الإيمان على العيش في أمان، وأخذ الحياة مأخذًا سهلًا هنيًا، فهم لا يتعجلون أمرًا، ولا يلقون بأنفسهم بين براثن الهم قلقًا على أمر، إنهم يؤمنون بأن "ما قدر يكون" وأن الفرد منهم "لن يصيبه إلّا ما كتب اللَّه له" وليس معنى هذا أنهم يتواكلون أو يقفون في وجه الكارثة مكتوفي الأيدي، كلا!. ودعني أضرب لك مثالًا لما أعنيه: هبت ذات يوم عاصفة عاتية حملت رمال الصحراء وعبرت بها البحر الأبيض المتوسط، ورمت بها وادي "الرون" في فرنسا وكانت العاصفة حارة شديدة الحرارة، حتى أحسست كأن شعر رأسي يتزعزع من منابته لفرط وطأة الحر، وأحسست من فرط القيظ كأنني مدفوع إلى الجنون، ولكن العرب لم يشكوا إطلاقًا فقد هزوا أكتافهم وقالوا كلمتهم المأثورة "قضاء مكتوب". لكنهم ما أن مرت العاصفة حتى اندفعوا إلى العمل بنشاط كبير، فذبحوا صغار الخراف قبل أن يودي القيظ بحياتهم، ثم ساقوا الماشية إلى الجنوب نحو الماء، فعلوا هذا كله في صمت وهدوء دون أن تبدو من

стр. 1478

أحدهم شكوى، قال رئيس القبيلة الشيخ: "لم نفقد الشيء الكثير، فقد كنا خليقين بأن نفقد كل شيء، ولكن حمدًا للَّه وشكرًا فإن لدينا نحو أربعين في المائة من ماشيتنا، وفي استطاعتنا أن نبدأ بها عملنا من جديد". وثمة حادثة أخرى: فقد كنا نقطع الصحراء بالسيارة يومًا فانفجر أحد الإطارات، وكان السائق قد نسي استحضار إطار احتياطي، وتولاني الغضب، وانتابني القلق والهم، وسألت صحبي من الأعراب "ماذا عسى أن تفعل؟ " فذكروني بأن الاندفاع إلى الغضب لن يجدي فتيلًا، بل هو خليق أن يدفع الإنسان إلى الطيش والحمق، ومن ثم درجت بنا السيارة وهي تجري على ثلاث إطارات ليس إلّا، لكنها ما لبثت أن كفت عن السير، وعلمت أن البنزين قد نفذ، وهنالك أيضًا لم تثر ثائرة أحد من رفاقي الأعراب، ولا فارقهم هدوءهم، بل مضوا يذرعون الطريق سيرًا على الأقدام وهم يترنمون بالغناء!. قد أقنعتني الأعوام السبعة التي قضيتها في الصحراء بين الأعراب الرحل، أن الملتاثين ومرض النفوس والسكريين، الذين تحفل بهم أمريكا وأوروبا، ما هم إلّا ضحايا المدنية التي تتخذ السرعة أساسًا لها. إنني لم أعان شيئًا من القلق قط، وأنا أعيش في الصحراء بل هنالك في جنة اللَّه، وجدت السكينة والقناعة والرضا، وكثيرون من الناس يهزأون بالجبرية التي يؤمن بها الأعراب ويسخرون من امتثالهم للقضاء والقدر، ولكن من يدري؟، فلعل الأعراب أصابوا كبد الحقيقة، فإني إذ أعود بذاكرتي إلى الوراء، وأستعرض حياتي، أرى جليًا أنها كانت تتشكل في فترات متباعدة تبعًا لحوادث تطرأ عليها، ولم تكن قط في الحسبان أو مما أستطيع له دفعًا، والعرب يطلقون على هذا اللون من الحوادث اسم "قدر" أو "قسمة" أو "قضاء اللَّه" وسمه أنت ما شئت. وخلاصة القول: إنني بعد انقضاء سبعة عشر عامًا على مغادرتي الصحراء، ما زلت أتخذ موقف العرب حيال قضاء اللَّه، فأقابل الحوادث التي لا حيلة لي فيها بالهدوء والامتثال والسكينة، ولقد أفلحت هذه الطباع

стр. 1479

التي اكتسبتها من العرب في تهدئة أعصابي أكثر مما تفلح آلاف المسكنات والعقاقير) (١). فإذا كانت نفحة من نفحات الإيمان بالقضاء فعلت بهذا الرجل ما فعلت على الرغم من الشوب الموجود في كلامه مثل تسمية القدر "جبرًا"، فكيف لو ضارع هذا إيمان باللَّه تعالى؟. والمقصود من كل هذه الإيرادات أن هناك من الغربيين من عرف بتجربته العلمية أو العملية أن القضاء والقدر حقيقة وليس خرافة كما يقول مقلدة المذهب الإلحادي من العرب، ولست في إيرادي هذه الأقوال أريد إثبات حقيقة قاطعة يقينية، بقدر ما أريد أن أبين أن أتباع المذهب الإلحادي في غمرة انغماسهم في تقليد الماديين الملحدين الغربيين عموا وصموا عن رؤية وسماع أقوال أخرى وتجارب أخرى هي أقرب في لهجتها وطرحها إلى الصدق والتجرد والموضوعية. ومن هذا المنطلق تبدو لنا إحدى مشكلات الحداثة العربية المعتمدة في تقليدها على نظرة آحادية جامدة مصوبة نحو فلاسفة وأساتذة المادية والإلحاد، مغفلة بجهل أو تجاهل أي أقوال أخرى، بل بلغ ببعضهم التطرف الإلحادي أن اعتبر مقولات بعض الغربيين الذين أسلموا أو الذين امتدحوا بعض عقائد الإسلام؛ اعتبروها تخلفًا ورجعية وانتكاسة، وقد مرت معنا بعض أقوال محمد أركون، التي انتقد فيها موريس بوكاي في دراسته للكتب السماوية وترجيحه وتقديمه للقرآن على ما سواه، وأقوال الطيب تزيني عن رجاء جارودي، حيث ألف كتابًا عنه يناقش فيه إعلانه الدخول في الإسلام الذي عده "ردّة"!!. ومن الأقوال الشنيعة قول النصراني أنسي الحاج الحداثي الملحد: (يا اللَّه، أتحب حجتك للإنسان أكثر أم حكمتك؟

стр. 1480

هل أنت أسير حكمتك، قضائك وقدرك؟ ولا يكسر طوقهما، ولايحرر منهما، إلّا المعجزة إجباري إياك بالصلاة أو بتحريكي شعورك بالذنب أو بأي شيء آخر، على اجتراح المعجزة؟ المعجزة هي منك أم ضدك؟ من أنت يا اللَّه!؟) (١). ويقول أيضًا: (المعجزة، التي هي ترجمة للقوة الخارقة للمشيئة الإلهية، هي في الوقت ذاته دليل إلى ألوهية الإنسان) (٢). سبحان اللَّه وتعالى وتقدس عما يقول الكافرون علوًا كبيرًا. وفي مناقشة غبية سخيفة أجراها العلماني الملحد، الحداثي اللبناني "عادل ظاهر" في ندوة الإسلام والحداثة، عن الإسلام والعلمانية حيث تكلم عن الإسلام بجهل فاضح وتحامل واضح، وعن العلمانية بتقديس وتأليه، مما يؤكد أن العلمانية أضحت وثنًا يعبد من دون اللَّه تعالى، وثنًا اعتباريًا يتمثل في منهج طاغوتي يُتَّبع ويخضع له في ذلة وانكسار. ومن أقوال هذا المتردي قوله: (. . . إن إصرار منظري الصحوة على جعل السياسة بعدًا جوهريًا من أبعاد الإسلام هو بمثابة إصرار من قبلهم على أن الأحداث التي رافقت نشأة الإسلام ما كانت لتجري إلّا كما جرت عليه، ولم يكن حتى اللَّه يملك في أن يغير في مجراها. . .) (٣). أمَّا كون السياسة من الإسلام فهذا حق أصيل، وحقيقة ثابتة وإن رغصت آناف كل العلمانيين والماديين الذين لا يستطيعون مهما حاولوا أن يجعلوا الإسلام كهنوتًا كما فعل أساتذتهم الغربيون!!. أمَّا إصرار السلف على أن الأحداث ما كانت لتجري إلّا كما جرت

стр. 1481

عليه، فهذه عقيدة كل مسلم يؤمن باللَّه تعالى من السلف والخلف كما قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢)﴾ (١). ووصف العلماني الجاهل هذه العقيدة بأنها إصرار من قبلنا يدل على مقدار الجهالة بالإسلام وعقائده وتاريخه وواقعه، كما يدل على أنه يجحد قدر اللَّه تعالى وقدرته على إجراء الأحداث والوقائع وفق مشيئته -جلَّ وعلا-. أمَّا وصفه للسلف بأنهم مع عقيدتهم في القدر يرون بأن اللَّه لا يملك أن يغير مجرى الأحداث، فهذا كذب وافتراء على عقيدة السلف وأتباعهم إلى يوم القيامة، ويكفي في الدلالة على عمق الجهالة والاستخفاف بعقول الناس والكذب الصريح، ما في هذا النص من مغالطات وأكاذيب تدل بجلاء على نوعية الخصومة التي يرفع الحداثيون والعلمانيون لواءها ضد الإسلام وأهله. ولو أني بليت بهاشمي … خؤولته بنو عبد المدان لهان عليّ ما ألقى … ولكن تعالوا فانظروا بمن ابتلاني (٢)!! فلا عقول يُمكن مناظرتها، ولا احترام للحقيقة يُمكن الاستمساك بها، إضافة إلى الكذب العلمي والافتراء الفكري على أقوال المناوئين!!. وعلى غرار أسئلة أنسي الحاج الشكية الإلحادية التي سبق آنفًا نقلها، نجد صلاح عبد الصبور يطرح أسئلة على لسان أحد شخصيات مسرحية "الحلاج" حيث يقول: (يا حلاج الشر قديم الكون

стр. 1482

الشر أريد بمن في الكون كيف يعرف ربي من ينجو ممن يتردى؟) (١). قال اللَّه تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)﴾ (٢). ويصوغ صلاح عبد الصبور نفيه للقضاء والقدر في صيغةٍ تمريضية "قيل لكم" وأخرى تشكيكية "فيما رواه الناس"، وذلك في قوله: (وقيل لكم: بأن حياتكم جسر، وأن بقاءكم مسطور خطى تخطى بميقات إلى دار ببابين نطوف بها كومض شعاعة العين وأن العاقل المبرور من يحيا بلا زاد ليجمع زاد رحلته لأن وراء هذه الدار فيما قد رواه الناس شطوطًا طاميات موجها ديجور) (٣). ثم يواصل في وصف المعاد بالصورة التشكيكية الموصلة إلى النفي المحض، ولكنه لم يكتف بذلك بل أعقب هذا الهراء بقول يؤكد فيه أنه يرى القدر والمعاد زيفًا وقولًا ساقطًا اعتلى مكانة بين الناس بسبب الترديد، فيقول: (أقول لكم بأن الزيف قد يقتات بالفطنة وسقط القول قد يعلو بأجنحة من الترديد) (٤).

стр. 1483

ولنزار قباني خوض واسع في المستنقع الآسن "نفي القدر" ومن ذلك قوله: (أنا رجل بلا قدر فكوني. . أنت لي قدري وأبقيني على نهديك مثل النقش في الحجر) (١). وهذا بعض كبره واستكباره الدنيء البذيء على اللَّه مالك الملك، ونحوه قوله: (مشيئة الأقدار لا تردني أنا الذي أغير الأقدار) (٢). ومراده نفي القدر وأنه لا يخضع لسلطانه، بل هو الذي يغير القدر، ويقال لهذا الصغير المتطاول: إذا جاءك الموت فلا تقبل به وردّه إن استطعت!!. أمَّا تعبيره بمشيئة الأقدار فسوف تأتي مناقشة ذلك في هذا الفصل عند الكلام على أن الأقدار لا تضاف إليها الصفات والأفعال الاختيارية، وهذا القول من الجهل الفاضح باللغة والمعاني، ودلالاتها، ومثله في نفي القدر مع إضافة المشيئة له مع نفي مشيئة اللَّه القادر العليم، قول الشيوعي الفلسطيني سميح القاسم: (ومشيئة الرحمن والأقدار بعض من نفايات القرون!) (٣).

стр. 1484

وتاللَّه إن العقيدة الحداثية والفكرة الماركسية هي التي من نفايات القرون، إذ أنها في جوهرها امتداد لأقوال الكفار والمشركين الأوائل. وليس هذا فحسب بل هذه العقائد الجاهلية المعاصرة جزء من نفايات هذا العصر، وحسبك ما وصلت إليه الشيوعية من اضمحلال وانتهاء، بعد تفتت دولة الإلحاد "الاتحاد السوفيتي" وتحطم المنجل والمطرقة التي سجد لوثنيتها سميح القاسم وأمثاله من الماركسيين العرب!!. ومن أقواله الجاحدة للقضاء والقدر، وعلى طريقة صلاح عبد الصبور المشار إليها آنفًا، قوله: (كنت طفلًا، آنذاك. . علموني أن مجرى الأرض في كف السماء علموني أنه سبحانه يحيى ويفني ما يشاء علموني أن أطيع الأولياء دون أن أسأل: من كانوا؟. وماذا صنعوا للتعساء؟! علموني الدجل والرقص على الحبل وإذلال النساء علموني السحر والإيمان بالأشباح والرقية والتعزيم والخوف إذا جاء المساء! علموني ما يشاؤون، ولم يستنبئوني ما أشاء فرس الخضر. . كفيل بي وحسبي الفقهاء!!

стр. 1485

يا أبي المهزوم. . يا أمي الذليلة! إنني أقذف للشيطان، ما أورثتماني من تعاليم القبيلة! إنني أرفضها تلك الطقوس الهمجية إنني اجتثها من جذرها تلك المراسيم الغبية إنني أبصق أحقادي وعاري في وجوه الأولياء الصالحين إنني أركل قاذورات ذلي وانكساري للتكايا والدراويش وأقزام الكراسي النابحين! إنني أصرخ من قعر جحيمي: يا وحلًا لصقت في نعل تاريخي العظيم إنني أحكم بالموت عليك) (١). وهذا السباب والشتائم العلمانية دليل على مقدار المخزون التربوي الذي يتمتع به هؤلاء!، ولست بصدد الرد على هذه الألفاظ السوقية الرخيصة، ولكني أريد أن أقول للمغفلين أو المستغفلين من أبناء المسلمين هذا نموذج للحداثة العربية، في العقيدة والهوية والأدب!. أليس من العار عليكم إن كنتم تؤمنون باللَّه ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولًا أن تدافعوا عن هؤلاء أو تغضوا الطرف عنهم أو عن تلامذتهم الذين سودوا الصحف والمجلات في الثناء والإشادة والدعاية لهؤلاء الملاحدة؟!.

стр. 1486

فإن لَمْ تندفع في أعراقكم الحمية للإسلام فلا أقل من أن تسكتوا عن الدفاع والمدح، أما أن تدافعوا أو تحاولوا الجمع بين الأقوال وإمساك العصا من النصف، فهذا غير لائق بكم ولا بدينكم إن كنتم أهل دين وإيمان!. ويقول الفيتوري: (ولئن القدر السيد عبد يتأله والنبوات مظله والديانات تعله هب من كل ضريح في بلادي كل ميت مندثر كل روح منكسر ناقمًا على البشر كل أعداء البشر كافرًا بالسماء، والقضاء والقدر) (١). ويقول: (إن الأجراس الوثنية والأقدار الكهنوتية أكلتها نار الحرية ما أبقت منها غير دخان فاكتب يا جبار الأحزان اكتب عن فجر البشرية

стр. 1487

عن آخر أيام الطغيان) (١). ويقول عبد الرحمن منيف في مدن الملح: (. . . في هذه الحياة كل شيء قسمة، كل شيء صدفة، وعلى الإنسان الذكي ألا يفوت الفرصة) (٢). أمَّا رواية "ليلة القدر" للطاهر بن جلون فقد ملأها بما أسماه أحد المادحين له وللرواية في مجلة الناقد، بالانتهاك والانتقام من الماضي، على حد تعبير الناقد المادح (يمعن بن جلون في لعبة الانتهاك وكسر الممنوع والهذيان) (٣)، (يكتب بن جلون ليلة القدر كي ينتقم من الماضي في استمراريته ومن الواقع المغلق) (٤). وقد حصل بن جلون بهذه الرواية على جائزة "غونكور" الفرنسية وهي أكبر جائزة أدبية تمنح في فرنسا (٥)، وهذه الجائزة شهادة على مدى الانسجام الفكري والثقافي والاعتقادي مع مضامين الثقافة والقيم الفرنسية الفرنكفونية!!. وهذه الرواية مليئة بالضلال الاعتقادي والفساد الخلقي؛ ولذلك استحق عليها هذه الجائزة ونالت اهتمام الملاحق الأدبية الحداثية، ومن هذه الضلالات في باب القدر، قوله: (لقد أبعدت الصدفة والقدر المرض عن الدار كان التيفود يختار جيراننا القريبين من بيتنا ويتلافى دارنا مواصلًا عمله المميت. . . وقد عملت فكرة إنجاب هذا الطفل، ولو أنهما مخالفة للمشيئة الإلهية على تغيير حياتي. . .) (٦). فهذا جحد صريح لمشيئة اللَّه النافذة، وإنكار للقدر وكفر باللَّه القادر العظيم، القائل: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ

стр. 1488

فَيَكُونُ (٨٢)﴾ (١)، ولكن الإلحاد إذا غطى على العقول ودنس القلوب فإنها لا توقن بهذا ولا تؤمن به ولا تستجيب له ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾ (٢). وأشد منه جحدًا وأظهر منه كفرًا وأبشع مضادة لدين الإسلام ما كتبه الملحد علاء حامد في روايته "مسافة في عقل رجل" وهو كلام كثير مكرور في غاية الهبوط والتخلف، ومنه قوله: (. . . هل الإنسان مسير. . أي ليست له إرادة في تسيير دفة أموره. . وأنه ليس سوى منفذ لقدره المكتوب. . فالإيماءة والابتسامة والغضبة والكلمة حتى تحريك الحاجبين لمغازلة امرأة فاتنة، كلها كتبت بمداد مجهول في صفحة مجهولة تسمى القدر، وبالتالي فإن محاولات الإنسان للتحضر والرقي لن تجد لها صدى سوى ما كتب بمداد هذا القدر المجهول، بالمعنى الشائع، "المكتوب على الجبين لازم تشوفه العين" إن هذا الكلام مهما اكتسب من قدسية نتيجة تداوله، والإيمان به باعتباره إحدى القضايا الإلهية التي لا يجوز الاقتراب منها أو المساس بها، لهو أشبه بتلك الألغاز التهويمية من شياطين وجن أحمر وأسود وأخضر وإبليس ورقيب وعتيد وعوالم ما بعد الموت، لماذا؟. أولًا: لأن القدر يعني أن الإنسان يسير في فلك أعمال وأقوال كتب عليه أن يفعلها، بل ونتائج حكم عليه بها، وهذا ببساطة شديدة أن كفاح الإنسان مهما عظم شأنه فهو مرتبط بنتيجة سبق رصدها، القدر لا تغيير فيها ولا تبديل. . . ثانيًا: أن القدر يعني رفض علاقة السببية بين الفعل ونتيجته، فلا ارتباط بينهما بل انفصام كامل. . . فالنتجية لا تحدث بسبب الفعل، بل تخضع لمشيئة القدر، يحددها بالصورة التي يرتئيها، فسقوط المطر ليس سببه نظرية علمية، بل إرادة القدر والتي يكون من أحد حوافزها ابتهال الناس ودعواهم، وشروق الشمس وغروبها ليس منشأة دوران الأرض حول

стр. 1489

نفسها، بل في المقام الأول هو مشيئة القدر، فلو غير القدر تلك المشيئة لوجدنا الشمس تشرق في الغرب وتنام في الشرق، والموت صفحة مكتوبه لا تغيير فيها ولا تبديل، فمن أتى أجله يأتيه الموت ولو كان في بروج مشيدة من الصحة والعافية بلا أسباب ظاهرة أو خفية، يأتيه عزرائيل يحمحم حوله ويلف ويدور، ثم يطعنه هذا الملعون طعنة نجلاء، فإذا هو جثة هامدة ترفرف كالطير الذبيح فوق الأرض. . . ثالثًا: أن تطبيق تلك القاعدة هكذا بلا ضوابط يعني في النهاية غيبة القانون الكامل الذي يحكم الكون، بمعنى أنه إذا كان للقدر اليد الطولى فلن يتم ذلك من خلال غيبيات غير مفهومة وبالتالي يصبح القدر رمزًا للنتائج التي لا تحكمها أسباب أو مسببات، فهي تأتي كما يشأ القدر وفي أي وقت يشأ، وتصبح هكذا رمزًا لفوضى ليس مكانها سطور قانون كامل استنبت في أرضه بذور المنطق. . وشجرة العقل بل تهويمات وخرافات. رابعًا: اللَّه لا يتدخل في حياة كل فرد تدخلًا مباشرًا ليرسم له لوحة حياته بما فيها من ألوان باهتة وزاهية، وخطوط متعرجة ومستقيمة وظلال وضباب وأضواء، بل الأقرب إلى العقل القول أن الإنسان يجري ويلهث ويأثم ويبتسم ويغضب ويضرب في الأرض بلا هدى، ويصل بعقله للنظريات العلمية ويحرك السحب والمطر، كل هذا من خلال قانون كامل متكامل، هذا القانون ليس قدرًا، ولكنه قانون يحكم هذه الأكوان، هذا القانون لا يرسم لكل شخص حياته، ماذا يأكل، وماذا يشرب، ومن يعشق ومن يكره، لكنه قانون عام شامل له نظرياته العلمية والاقتصادية والإنسانية كل فرد تجرى شؤونه من خلال هذا القانون الذي لم يكتشف الإنسان بعد من فروعه سوى القدر اليسير، هذا القانون لا مكان فيه للحظ المطلق، ولا مجال فيه لتحديد عمر الإنسان إلّا إذا كان من خلال أحد قوانين العلم، مريض السرطان الذي يحدد الطب آفته ووقت وموته، هذا التحديد ليس ناتج القدر أو جنينه، بل سببه قوانين العلم التي أصبح في مكنتها تحديد نوع الجنين الذي كان يعتبر في وقت من الأوقات إحدى المعجزات التي لم يسر بها اللَّه لمخلوق!! ومن منطلق نقولات شائعة "لا يوجد دابة على الأرض إلَّا

стр. 1490

وعلى اللَّه رزقها" "ربك يفرجها" "تجري جري الوحوش وغير رزقك ما تحوش" "لن يصيبنا إلّا ما كتب لنا" "الأعمار بيد اللَّه" "اعقلها وتوكل" من هذا المنطق العاجز الكسيح بدأ بعض الناس يدمن الكسل أملًا في جنة أرضية تأتيه من حيث لا يدري. . .) (١). هذا النص الإلحادي المضطرب اضطراب عقلية صاحبه، واضطراب منهجه ومذهبه، يؤكد لكل مسلم المعنى العميق الشامل الدقيق لقوله تعالى: ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا﴾ (٢). فالحق واضح، وأدلة القضاء والقدر من نظام الكون ومن أحداث الحياة ومن مجريات الأمور في هذه الدنيا أكثر من أن تحصى، ولكن العقول المنطمسة بالكفر والمادية تأبى كل هذه الأدلة، وتعارض بالباطل والجهل، وتخاصم بالكذب وتستعمل التهكم والسخرية ردءًا لها في المجادلة الباطلة التي يريدون بها ادحاض الحق ومغالبته، وهم حين يفعلون ذلك -كما في النص السابق- لا يبتغون الحق، ولا يطلبون الحقيقة، ولا ينشدون البرهان وليس لديهم الاستعداد للرضوخ للحق أو الحقيقة أو الدليل إذا اتضحت لهم -وهي متضحة جلية جلاء النهار- فلقد جاءهم من الهدى ما يكفي للاهتداء، ولكنهم في غيهم يعمهون، وفي باطلهم يسرعون. ومن كان هذا موقفه لا تجدي فيه البراهين ولا تنفع فيه الحجج مهما كان وضوحها وكثرتها، فقد تأصل العداء في قلوبهم، وانغرست البغضاء في عقولهم، واستولت عليهم الأوهام والجهالات استيلاء لا يسمح له برؤية ضلالهم وتناقضهم، وزيف ما هم عليه، كما لا يسمح لهم برؤية الحقائق البينة!!.

стр. 1491

وهذا النص الذي ذكر فيه علاء حامد عقيدته في القضاء والقدر، تلخيص لعقائد أهل الحداثة في هذا الركن العظيم من أركان الإيمان، فهم في هذا الباطل مشتركون وهم بين مقل ومكثر. وله أقوال أخرى تشابه هذا القول (١)، يختمها بالسخرية ممن يحكم على أقواله السابقة بالإلحاد والكفر (٢) كما هي عادة أضرابه من الحداثيين الذين يحاولون بإفكهم إبطال أحكام الإسلام كلها، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٣). وفي الكتاب التبجيلي المخصص عن الحداثي النصراني "خليل حاوي" الذي قتل نفسه لما ضاقت نفسه من الأحداث، ولم يكن في اعتقاده إيمان يعصمه من هذا الصنيع البائس، عقد مؤلف الكتاب فصلًا بعنوان "قصيدة البصّارة أو الثورة على الغيب والقدر" (٤)، وأسهب في شرح مقاصد ومفردات قصيدة خليل حاوي التي سماها "البصّارة" أي الكاهنة أو قارئة الكف والرمل، ويبين أن خليل حاوي، تمرد في هذه القصيدة على قضية القضاء والقدر باعتبارها من الأساطير المكرسة في الشعب، حسب رأي الشاعر والناقد (٥). وفي كتاب موسوعة الفلكلور والأساطير العربية يقول مؤلفه في المقدمة واصفًا عمله في هذا الكتاب: (. . . راعيت الاهتمام بالموروثات الروحية الأنزيمية الطقسية وما تقتضيه من ذهن غيبي أو جبري يفضي بدوره إلى آفات القدرية والسلفية، والاعتماد على البركة -وتوابعها- في مواجهة العلم التجريبي. . . حجر زاوية هذا التراث العربي - الإسلامي - السامي، هو القدرية

стр. 1492

ومترادفاتها من جبرية ودهرية ووعيدية، أي الإيمان المفرط في القدرية والوعيدية والدهرية) (١). فها نحن نرى هنا إنكار القدر والتهكم بالمؤمنين به، مع الخلط الكاذب بين عقيدة القدر التي يثبتها كل مؤمن باللَّه تعالى، وعقيدة الدهرية التي يعتقدها الملاحدة والماديون، وهذا يكفي في الدلالة على مقدرا عداوة القوم لعقيدة المسلمين، ومع العداوة كذب وسخرية وافتراء وهجاء وسب، وهذا ما سوف يأتي بيانه في الآتي من الكلام. ثانيًا: ذم القدر، والاعتراض عليه، وجعل الإيمان به سببًا للتخلف والتحجر والمهانة والسذاجة: سبق أن بينا في مواضع عديدة من هذا البحث كيف استخدم الجاهليون الأوائل والمعاصرون أساليب الذم والشتم وإلصاق الألقاب الكاذبة والأوصاف الخاطئة بالإسلام وأهله، وكيف أنهم من خلال أسلوب ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (٢)، أغلقوا عقولهم وقلوبهم واستغشوا ثياب أوهامهم للمضادة والمعاندة، وهي طريقة تواصى بها الأقدمون من أعداء هذا الدين القويم، ويتواصى بها خلفهم من المحدثين المعاصرين، تواصيًا يعتمد على إيجاب إغلاق العقول والآذان والبصائر عن سماع القرآن؛ لأنه -كما يزعمون- مجرد خرافة وأساطير، وذلك لعجزهم عن مغالبة حقائقه وتأثيره في أنفسهم وفي نفوس الجماهير ادعوا -كاذبين مفترين- أن القرآن رمز للتخلف والتحجر والرجعية والأسطورية، وأن القضايا التي أتى بها الوحي المعصوم لا تصلح لهذا الزمان أو أنه يجب تفسيرها وفق أهواء العصر وأخلاطه هذا عند المعتدلين منهم، أمَّا الذين غلوا في الكفر والإلحاد فإنهم يسعون لإقصائه بالكلية وإبادته من الوجود، وكلا الموقفين من الجاهليين المعاصرين من باب ﴿وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾.

стр. 1493

إنها حيلة العاجز الضعيف، نراها مطبقة اليوم في أساليب أهل الحداثة والعلمنة، مهاترات كلامية هابطة، ودعاوى علمانية كاذبة، وافتراءات حداثية عاجزة، يلغون بالقصص والروايات، ويلغون بالشعر الحديث وغير الحديث، ويلغون بالنقد التبجيلي ويلغون بالمؤتمرات والندوات والملاحق والأمسيات والدوريات والمجلات، والأندية الأدبية والثقافية، ويلغون بالبهرج الإعلامي، والإغراءات المادية والمعنوية لذوي النفوس الضعيفة والعقول البسيطة، ويلغون بالصياح والنعيق ضد كل مسلم يتصدى لباطلهم، ويلغون باستعداء ذوي القوة والسلطان، ولكن هذا كله "لغو" زائل، وزبد يذهب جفاء ورماد تطير به الريح، والغلبة للقرآن الذي تواصوا أن يلغوا فيه؛ لأن القرآن العظيم يحمل سر الغلب، إنه الحق، والحق غالب مهما جهد المبطلون، وإنه اليقين، واليقين غالب مهما تكاثرت الشكوك والظنون، وإنه الهدى، والهدى منتصر مهما ادلهمت ظلمات الضياع. ولست أقول هذا القول لمجرد أنه عقيدة أوقن بها، بل ولأنه مع ذلك هو الواقع الذي شهده المسلمون الأوائل عندما واجههم الكفار الأوائل بجنس ما يعمله المتأخرون المعاصرون. وقد انتصر القرآن على لغوهم وباطلهم ومكائدهم المتنوعة وانتشر هداه في أرجاء الدنيا، وسينتصر القرآن اليوم على اللغو الحداثي والمكائد العلمانية والأباطيل الإلحادية، ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (١). والآن نستعرض أمثلة للغو الحداثي في هذا الركن من أركان الإيمان، وبه نستبين مقدار عداوتهم لدين الإسلام جملة وتفصيلًا. يقول الباطني الوثني الملحد أدونيس: (من أنا. . أي عُصافَه تخذت شكل خرافه

стр. 1494

وسخ السديم والموت والعبث الصميم والمستحيل كتل من القدر المجلد في شراييني تسيل صوت: (مختلطًا بالصدى) ذاك، ذاك الوسخُ في جبين الناس في كل غدير تسخُ) (١). ويقول في موضع آخر: (ماذا؟ أليس عن القدر نسخ البشر سفر الوقائع والمصير وتفكروا وتبصروا فهنا الحقيقة كالنفاضة لوثت طرف الحصير وهنا الضحى يتحلزن فوضى: صباح لا يرى وألوهة تتوثن) (٢). ففي المقطع الأول جعل القدر وسخًا يرسخ في جبين الناس، وفي الثاني جعل القدر مجرد نسخ بشرية، ونفاضة ملوثة وصباح لا يأتي لا يرى. وهي عبارات مهاترة تدل على ما هناك من حقد دفين وضلال مكين. أمَّا محمود المسعدي، الحداثي التونسي فإنه يجعل الإيمان بالقدر ضيقًا وتحجرًا، وذلك حسب النظرية الحداثية الأفاكة، يتحدث واصفًا تتلمذه

стр. 1495

على يد الفرنسيين في اعتزاز مهين، ثم يقارن ذلك بثقافته التي نشأ عليها في بلاد المسلمين في انتقاد موجع، فيقول: (انطبعنا على تحديد للإنسان، ضيق متحجر، فنحن من خلق اللَّه وما جاد به الخالق يسيره القدر، أي اللَّه) (١). وقد سبق نقل كلام جابر عصفور، الذي نعت القدر الذي يؤمن به أهل الإسلام بأنه (جبر ميتافيزيقي يجعل الزمن الدائري هابطًا أبدًا. . .) (٢). ثم يواصل جاعلًا الإيمان بالقدر مهانة وتخلفًا وانحدارًا، فيقول: (وإذا كان الإنسان مخلوقًا واهيًا لا يفارق تكوينه قدرية مساره، ولا يفارق مساره جبرية انقياده، فلا سبيل أمامه سوى أن يسلّم زمامه إلى غيره متبعًا، مقلدًا، فقدره المقدورد في زمانه المحتوم لا يعني سوى الوصاية الدائمة على فعله، والتحديد المسبق لمسار قدرته، والتوجيه القبلي لحركة عقله، على نحو يغدو معه هذا الإنسان سجينًا متعدد السجون حركته اتباع لما ليس اختياره، وإبداعه تقليد لما ليس من صنعه) (٣). ولو أردنا أن نسأل جابر عصفور الذي أطلق هذه العبارات المليئة بالاعتراض والذم للإسلام عامة ولعقيدة القضاء والقدر خاصة؛ أن نسأله عن نفسه باعتباره أحد أتباع الفكر الغربي المادي، إلى أي مدى انساق في مساره الفكري نحو الغرب؟ وإلى أي حد وصل عمق الوصاية الفكرية الغربية المادية على عقله؟ وإلى أي نهاية وصلت به الاتجاهات العقلية المستأسرة للغرب؟. أليست هذه هي السجون الحقيقية التي وضع نفسه فيها؟ أمَّا آفاق الإيمان والتوحيد والحق والخير والفضيلة فإنه لا يبصرها؛ لأن الطرف الأعمى لا يبصر الشمس، والعقل الضعيف لا يدرك إلّا بعض المحسوسات، فلا سبيل أمامه إزاء هذه المقولات المادية التي يتشدق

стр. 1496

بها، ويجعلها ميزانًا يزن بها أمور العقل والمنطق والحق والبرهان، إلّا أن يكون في انحدار بهيمي دائم، وانزلاق مادي متواصل يقوده هو وأشباهه نحو الحضيض فكرًا وعقيدة وسلوكًا؛ لأن الأساس الذي أقاموا عليه عقيدتهم وفكرتهم هو كما أخبر اللَّه تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ (١)، وإزاء ذلك وضعهم اللَّه تعالى موضعهم المناسب فقال : ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣)﴾ (٢). ترى ما القيمة التي يُمكن أن ينطوي عليها إنسان يعيش بهذه التصورات الأرضية والطموحات المادية؟، لا ريب أنه يتحول إلى مخلوق مهين، وإن ادعى أنه متفوق وعقلاني ومتقدم وعصري!!. فهذا كله من باب ﴿وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ﴾ فهم وإن تطاولوا وادعوا وتعالموا وتعقلنوا ليسوا إلّا في حياة حيوانية محضة للأكل والمتاع، في دوامة من الأمل والمطامع يتلهون بها، ويغرون ذواتهم ويخادعون غيرهم، وخاصة حين يظهرون أنفسهم أنهم مفكرون وعقلانيون ومجددون وتقدميون!!. وفي دوامة هذه الآمال الملهية تمضي أعمارهم وأعمالهم وهم يحاربون الحق بالباطل والحقيقة بالكذب والفضيلة بالرذيلة!. والأمل الشيطاني البراق يلوح لهم ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ (٣)، ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٤). وإذا تأملت الآمال الحداثية والعلمانية التي غرق في دوامتها هؤلاء

стр. 1497

الإمّعات، وجدت عجبًا من أسواق جاهلية تتسمى باسم الثقافة والفن في هيئة ندوات وأندية ومجلات ومؤتمرات ومناهج ومذاهب وأنظمة، ليس فيها ومعها إلّا الأمل القاتل، يلوح لهم ويشغلهم بالأطماع الكاذبة، ويملي لهم فيحسبون أنهم قد رسخوا في الأرض إلى الأعماق، وأنهم اجتثوا شجرة الإسلام العريقة، وأنهم محصلون ما يطمعون إليه لا يردهم عنه راد، ولا يمنعهم عنه مانع، ولذلك قال اللَّه تعالى عنهم: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ويكتشفون وهم في غاية الحسرة والذل أن آمالهم الرمادية تلاشت وطموحاتهم السرابية تبددت، ولكنهم لا يعلمون ذلك إلّا بعد فوات الأوان. ويصل خطاب الحداثة إلى تخوم الوثنية الجاهلية حين يصور أنه بمستطاع الحداثي الجاهلي المعاصر أن يتجاوز حقائق الكون الكبرى، ويتخطى نواميس الحياة التي وضعها خالق الحياة، فهم بمثابة الصغير الذي يخيل له أنه بتحريك يديه كهيئة الطير يستطيع أن يبلغ الآفاق، وما لهم من مغزى إلّا محاربة الدين القويم بأي شكل من الأشكال ولو أظهر ذلك في عته فكري أو تخلف عقلي. (وكم صدوا عن سبيله صدًا، ومن ذا يدافع السيل إذا هدر؟ واعترضوه بالألسنة ردًا، ولعمري من يرد على اللَّه القدر؟. وتخاطر له بسفهائهم كما تخاطرت الفحول بأذناب، وفتحوا عليه من الحوادث كل شدق فيه من كل داهية ناب، فما كان إلّا نور الشمس: لا يزال الجاهل يطمع في سرابه ثم لا يضع منه قطرة في سقائه، ويلقي الصبي غطاءه ليخفيه بحجابه ثم لا يزال النور ينبسط على غطائه) (١). وأمثل نص يصور هذه الحقيقة ما قاله جابر عصفور: (ومن اللافت للانتباه أن الخطاب المعادي للحداثة لا يصل إلى ذروته وأقصى عنفه إلّا إزاء النص الشعري، الذي يعبث بتصوراته النقلية عن الإنسان، أعني النص الشعري الذي يحرك الرعب الاجتماعي من الحداثة، وينطق رفض المقولة

стр. 1498

المضمنة عن الإنسان المجبور، فيفجر صورة الإنسان الخانع، الراضي بما قسم له ويستبدل بها صورة إنسان آخر، مختار، مريد، قلق، متوهج برغبته في التجاوز، متهلب بحلمه في الصعود إلى ما ينفي به جبرية سجنه في طقس القدر، وتقليدية معرفته في طقس الوطن. . .) (١). ومن أمثلة ذم القدر والاعتراض عليه قول نازك الملائكة: (تفجري يا مياه تفجري فوق قبور البشر تفجري في الصخر وسجلي مأساة هذي الحياة فوق جبين القدر) (٢). أمَّا البياتي فيجعل الثورة على القضاء مطلبًا للحياة، وذلك في قوله: (فعد لنيسابور لوجهها الآخر، يا مخمور وثر على الطغاة والآلهة العمياء والموت بالمجان والقضاء) (٣). ولنزار قباني مقطوعة بعنوان "خبز وحشيش وقمر" ملأها بالسباب والتهكم بجملة من مقومات حياة المسلمين، الاعتقادية والعملية والثقافية والسلوكية، ومن هذه المقطوعة قوله:

стр. 1499

(ما الذي يفعله قرص ضياء؟ ببلادي، ببلاد الأنبياء، وبلاد البسطاء ماضغي التبغ وتجار الخدر ما الذي يفعله فينا القمر؟ فتضيع الكبرياء ونعيش لستجدي السماء ما الذي عند السماء؟ لكسالى ضعفاء يستحيلون إلى موتى إذا عاش القمر ويهزون قبور الأولياء علها ترزقهم رزًا وأطفالًا قبور الأولياء (١) ويمدون السجاجيد الأنيقات الطرر يتسلون بأفيون نسميه قدر وقضاء في بلادي في بلاد البسطاء) (٢). وتذكر هذه الشتائم بقاموس الشتائم الماركسية والناصرية ضد الإسلام أيام طغيان موجة الاشتراكية في البلاد العربية، وقد زالت الماركسية والناصرية، واجتثت من فوق الأرض بأيدي أبنائها، وسوف تلقى شجرة الحداثة والعلمانية والليبرالية المصير نفسه ﴿ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (١٨)﴾ (٣)، ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي

стр. 1500

الْأَرْضِ﴾ (١)، أمَّا السخرية والشتائم فإنها لا تغير من الحقيقة شيئًا بل تدل على إفلاس الشاتم: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥)﴾ (٢). ويقول نزار قباني ذامًّا القدر ومعلنًا ثورته عليه وعلى المؤمنين به: (جميع أقاربي موتى بلا قبر ولا كفن أبوح لمن؟ ولا أحد من الأموات يفهمني أثور أنا على قدري على صدأي على عفنى) (٣). ويجعل الإيمان بالقضاء والقدر، والقناعة بما كتبه اللَّه سببًا للتخلف والمهانة والهزيمة، وذلك في معرض تباكيه على هزيمة حزيران التي ما كانت إلّا بسبب التخلي عن الدين ومعاداته ومحاربة علمائه ودعائه، يقول نزار: (حرب حزيران انتهت كأن شيئًا لم يكن لم تختلف أمامنا الوجوه والعيون محاكم التفتيش عادت والمفتشون. . . . . . ونحن قانعون بالحرب قانعون والسلم قانعون

стр. 1501

بالحر قانعون والبرد قانعون بالعقم قانعون والنسل قانعون بكل ما في لوحنا المحفوظ في السماء قانعون وكل ما نملك أن تقول: إنا إلى اللَّه لراجعون) (١). وإضافة إلى سخريته بالقضاء والقدر وجعل الإيمان به سببًا للهزيمة إضافة إلى ذلك أضاف اللوح المحفوظ إلى الخلق إمعانًا في التهكم، واللوح المحفوظ لا تصح إضافته على هذه الشاكلة. وفي سياق شعوبيته المترعة بكراهية العرب والمسلمين يقول بعد أن سبّ اللغة العربية ومعاجمها: (حاولت أن أقلعكم من دبق التاريخ من رزمانة القدر ومن قفا نبك ومن عبادة الأحجار حاولت أن أفك عن طراودة حصارها حاصرني الحصار) (٢). أمَّا الحداثي اليماني عبد العزيز المقالح فإنه يعد القدر سجنًا، وذلك في قوله:

стр. 1502

(تقدمتُ في موكب الشمس أطلقته من سجون القدر) (١). وبنظرة اشتراكية يناقش المقالح -باعتراض صارخ- تفاوت الناس في أرزاقهم، ويسأل -في تذمر- لماذا تتفاوت أقدار الناس، فيقول: (قال خطيب الجمعة: الناس لآدم. . . آدم مجبول من طين كان على مقربة منه ثري يتباهى وبقربي إنسان محني الظهر حزين عار يتلوى جوعًا إن كان الناس لآدم فلماذا تتفاوت أقدار الأبناء؟ ابن محظوظ! محظوظ! والآخر مسكين! مسكين!) (٢). أمَّا محمد الماغوط فله أسلوبه الخاص في ذم القدر والاعتراض عليه، وذلك في قوله: (أين الشفاه التي قبلتها؟ والنهود التي داعبتها؟ كان القدر يصوب مسدسًا إلى ظهري ويسلبني كل شيء في وضح النهار) (٣).

стр. 1503

وفي قوله: (لا تصفعني أيها القدر على وجهي امتار من الصفعات ها أنا والريح تعصف في الشوارع أخرج من الكتب والحانات والقواميس خروج الأسرى من الخنادق) (١). وفي قوله: (والنسيمات الصغيرة تدفعه من صخرة إلى صخرة ومن سهل إلى آخر وهو مشيح عنها، مستسلم لها كبغيٍّ في معسكر إنه يحن إلى معركة أخيرة مع القدر مع العاصفة مع ذبابة) (٢). أمَّا محمد الفيتوري فإنه في معرض "زنجيته" يتحدث عن أرض أفريقيا الباكية -حسب تعبيره- لكونها تحت رحمة البشر وتحت إرادة السماء والقدر، وهي صيغة اعتراض صريحة على القضاء والقدر وتهكم واضح بالدين، وذلك في قوله:

стр. 1504

(ذات يوم أبصرت أرضي حقول الأنبوس الجارية وهي تبكي في سكون وضجر تحت رحمة البشر وإرادة السماء والقدر) (١). ولكنه في موضع آخر يصرح بسبه للأقدار قائلًا: (المأساة الأقدار كيف أراها. . تلك الأقدار تعذبني تلك الأشباح القدسية) (٢). أمَّا الوجودي الداعر محمد شكري الذي اعترف في كتبه بألوان من العهر والتفسخ ما لا يضاهيه فيه إلّا رشيد بوجدره ونزار قباني، يقول محمد شكري في روايته "الشطار" في سياق محتشد بالضلال والإلحاد والفساد، ونأخذ منه ما يخص هذا المقام يقول: (لست أدري لماذا يقسو القدر على الطيبين ويحالف الأشرار؟) (٣). هذه النصوص غيض من فيض العفونات الحداثية المترعة بجحد القدر وذمه والاعتراض عليه وجعل الإيمان به تحجرًا وسذاجة وانهزامًا. ثالثًا: التهكم والسخرية والاستخفاف بالقضاء والقدر وبالمؤمنين به: وهذا كثير جدًا في كلامهم، وقد سبقت الإشارة إلى مغزى التهكم والسخرية عندهم، وبيان أنها أسلوب من أساليب أسلافهم من الجاهليين القدماء.

стр. 1505

وسوف أورد هنا جملة من النصوص من أقوالهم التي تؤكد تلبسهم بهذا اللون من الانحراف في عقيدة القضاء والقدر، التي يؤمن بها كل من رضي باللَّه ربًا وبالإسلام دينًا. فمن أقوالهم، قول رأس طواغيتهم "أدونيس": (عائشة جارتنا العجوز مثل قفص معلق تؤمن بالركام والفراغ والطرر وبالقضاء والقدر) (١). وهذه الصياغة المتهكمة بالمؤمنين بالقضاء والقدر من جنس أقوال نزار قباني التي سبق نقل شيء منها، وسيأتي الباقي، ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٥٣)﴾ (٢)، وفي هذا دلالة واضحة على التكرارية والتقليدية التي طالما نقدوها وشنعوا على الشعراء الأوائل بسببها!!. وقد مرّ معنا في الوجه الثاني من هذا الفصل وصف أدونيس للقدر بأنه وسخ يرسخ في جبين الناس كل يوم (٣)، ومرّ في الوجه الأول وصفه للقدر بأنه خرافة (٤). أمَّا السياب فإن له قصيدة بعنوان "في المغرب العربي" تطفح بالكفر الصريح والسخرية باللَّه -جلَّ وعلا- وبالقضاء والقدر وبالنبي محمد ﷺ ، وهذه مقاطع منها: (فنحن جميعنا أموات أنا ومحمد واللَّه.

стр. 1506

وهذا قبرنا أنقاض مئذنة معفرة عليها يكتب اسم محمد واللَّه. . .) (١). ثم يقول: (إله الكعبة الجبار تدرع أمس في ذي قار بدرع من دم النعمان في حافاتها آثار إله محمد وإله آبائي العرب تراءى في جبال الريف يحمل راية الثوار وفي يافا رآه القوم يبكي في بقايا دار وأبصرناه يهبط أرضنا يومًا من السحب. صريحًا كان في إحيائنا يمشي ويستجدي فلم نضمد له جرحا ولا ضحى له منا يغير الخبز والانعام من عبد! وأصوات المصلين ارتعاش من مراثيه إذا سجدوا ينزُّ دمُ) (٢). ثم يقول وهو ما يخص هذا الفصل: (أليس هو الذي فجأ الحبالى قضاه، فما ولدن سوى رماد؟

стр. 1507

وأنعل بالأهلة في بقايا مآذنها، سنابك من جواد؟ وجاء الشام يسحب في ثراها خطى أسدين جاعا في الفؤاد؟ فأطعم أجوع الأسدين عيسى وبل صداه من ماء العماد وعضى بني مكة. . فالصحارى كل الشرق ينفر للجهاد؟) (١). سبحان ربي العظيم، وتبارك اسمه وتعالى جده ولا إله غيره. وهذه القصيدة الإلحادية النجسة لها منزلة كبيرة عند الحداثيين ومكانة مرموقة. ومن أقوال السياب المستخفة بالقدر قوله: (أود لو عدوت أعضد المكافحين أشد قبضتي ثم أصفع القدر) (٢). وقوله: (كأن صيادًا حزينًا يجمع الشباك ويلعن المياه والقدر) (٣). وأمَّا نازك فإنها قد رتعت في هذا المرتع الوخم كثيرًا ولها أقوال عديدة منها:

стр. 1508

(كيف تمضي إلى الغنا والأناشيـ … ـد وتبقى سخرية الأقدار) (١) ومنها قولها: (نحن أسرى يقودنا القدر الأعـ … ـمى إلى ليل عالَم مجهول) (٢) وقولها: (يا هموم الشباب فيم تكونيـ … ـن أحرَّ الهموم والأحزان أنت يا من يصوغك القدر الظا … لِم على الوجود الفاني) (٣) وقولها: (أذبلت عمرهم يد القدر الجا … ني وكانوا نشيد هذي الحياة) (٤) وقولها: (تاركًا هذه الحياة وما فيـ … ـها من الزيف والأسى والظلم بين كف الرياح والقدر العا … تي ونوح الشيوح والأيتام) (٥) وقولها: (يا لظلم الأقدار وكم ماسةٍ حسـ … ـناء ظلت في ظلمة الأعماق كم زهور زجّ بها القدر القا … سي بعيدًا عن أعين العشاق) (٦) وقولها:

стр. 1509

(تفجرى في الصخر وسجلي مأساة هذه الحياة فوق جبين القدر) (١). وقولها: يارب الحانة، أين الخمر؟ وأين الكأس؟ ناد الغانية الكسلى العاطرة الأنفاس أفدى عينيها بالقرآن وبالأقدار) (٢). هذه الأقوال العديدة، كما هو ملاحظ، غاية في الضلال من جهة ما فيها من ذم وسخرية واستخفاف بالقدر، وإذا نظرنا إلى قائلتها باعتبارها من مؤسس الحداثة الشعرية العربية مع السياب والبياتي تبين لنا مقدار الانحراف الذي بدأت به الحداثة، أمَّا تطوراتها الخبيثة بعد ذلك فإنها قد تجاوزت كل الحدود!!. أمّا المؤسس الثالث للحداثة عبد الوهاب البياتي فمن أمثلة انحرافاته في هذا الوجه قوله: (وخواطري مستنقع ركدت … في قاعه الأعشاب والصور ودم وأنغام وأخيلة … بله العيون كأنها القدر) (٣) وقوله: (قدر كان وراء الغيب يلهو بانطلاقي) (٤). وقوله: (في قاع الآبار

стр. 1510

ما كنت أعري جرحي في الحضرة لو لم أفقد عائشة في كان الأقدار) (١). وقوله: (فإذا احترق الخيام بنار الحب وأصبح في كان الأقدار حجابًا) (٢). وقوله: (أعرفها تلك الصحراء المائية ذات الأثداء وهي تعري سرتها للشمس الحمراء أعرفها وأراها كل مساء في كان الآقدار) (٣). ولتبعيته للفكر الغربي ذي الجذور اليونانية الوثنية؛ يجعل للأقدار ربات، كما في قوله: (ربات الأقدار يرقصن على موسيقى الجاز في صالة رقص الأمطار) (٤). وقوله: (ترسم خارطة لعيون المعبودات وربات الأقدار) (٥). أمَّا صلاح عبد الصبور فإنه يجعل من سيماء الناس في بلاده -وهم مسلمون- السذاجة والبساطة والجهل، ويجعل من علامات ذلك إيمانهم بالقدر!، وذلك في قصيدته الشهيرة "الناس في بلادي" ومنها:
следующие страницы →