فهو لم يكتف أن أضحى "الثائر الحداثي" عنده رمزًا للحياة والمجد والبقاء والضياء، بل تجاوز قدر كل هذه المدائح الفارغة ليصبح خالقًا ويناديه في عبودية خاضعة وابتهاج طفوليّ بقوله: (يا خالق) وهو الذي سبق له أن صلى وانحنى للغيمة والخيمة، هذه الطقوس الحداثية الجديدة مجال التقديس والإجلال العباديّ.
كل هذا يؤكد أن هذا الاتجاه الذي يحاول أدونيس غرسه في دروب المسلمين ليس إلّا نحلة وثنية جديدة تتستر بالتحديث والتجديد ودعاوى التقدم والحضارة، إلّا أن ألفاظ ومصطلحات التعبد والتأله ولوازم التدين الوثني تأبى إلّا أن تبرز حقيقة هؤلاء.
ومن هذه اللوازم أنه يتصور نفسه وهو يبشر بدينه الحداثيّ يعيش في غربة وحصار وتفرد، متشبهًا في ذلك بأصحاب العقائد والأديان الذين يعيشون المشاعر نفسها ويصورون معاناة الغربة ويأخذون منها زادًا معنويًا لاستمرارهم.
أدونيس يتمثل هذه المعاناة وهو يقوم بدور الداعية الإلحاديّ الوثنيّ فيقول تحت عنوان "نشيد الغربة" مخاطبًا "فينيق (١) ":
(غربتك التي تميتُ غربتي
غربتك التي تحب تنتشي
غربتك التي تموت هلعًا لغيرها
غربتك التي تموت ولعًا بغيرها
стр. 212
غربتك الوحيد فيها غربتي
غربة كل خالق يحترق
يولد فيها الأفق) (١).
يصف الغربة التي يعيشها "فينيق" والتي يعيشها السائر على دربه "أدونيس" بأنواع من الأوصاف ذات الأبعاد الدينية، ثم يضفي على فينيق وعلى نفسه صفة الخلق ويشبهه ويشبه نفسه بالخالق ولكن في صورة تدنيسية "غربة كل خالق يحترق" وفي مضمون وثني بحت يقوم على التصورات الإغريقية الوثنية البدائية.
وإذا كنت أقول بأن أدونيس يمارس ديانة إلحادية يبذل جهده من أجل نشرها وتوزيع أفكارها على الناس، وعلى المسلمين خاصة، فإن هذا القول ليس مجرد دعوى أو رمي بالظنون، بل هو ما تثبته كتابات أدونيس النثرية والشعرية، وقد سبق في هذا البحث ذكر مقاطع عديدة تدل بوضوح على هذا الذي قلناه، وسوف يأتي -إن شاء اللَّه- من الدلائل ما يؤكد هذا المعنى.
بيد أنه من المناسب أن أذكر هنا كلمات لأدونيس فيها تلخيص لعقيدته وموجز لملته التي يدعو إليها ويدور فكره وشعره ونثره حولها، قال:
(أسير في الدرب التي توصلُ اللَّه.
إلى الستائر المسدلة
لعلني أقدر أن أبدله) (٢).
وإذا سأل سائل عن هذا البديل الذي يريده "أدونيس" فإنه يجد الجواب واضحًا في الخليط الاعتقاديّ الذي يرتكز على الكفر باللَّه ورسله ودينه وشرعه.
стр. 213
فلا تناقض عنده أن يكون إغريقيًا نصرانيًا باطنيًا شيوعيًا سورياليًا ليبراليًا ما دامت كل هذه المذاهب في صف آخر غير صف الحق والدين القويم، ولا ضير عنده أن يجحد وجود اللَّه وربويته، لينتسب إلى جاهلية الحداثة التي يؤله من خلالها غير اللَّه تعالى وينسب إلى غيره الخلق والتصرف، وينطرح عبدًا يؤدي طقوس العبادة لآلهة وأرباب غير اللَّه تعالى.
نقرأ له وهو يمارس الترتيل التعبديّ لفينيق ويصفه بالخلق، وسواء أراد بهذا فينيق الوثن الإغريقيّ، أو أراد به المرموز عنه: "الثائر، الرافض، الحداثيّ، العلمانيّ" فإن الأمر لا يختلف كثيرًا من حيث أن كلا المرادين انحراف وضلال.
يقول في مقطوعة بعنوان "ترتيلة البعث":
(فينيق فينيق
يا طائر الحنين والحريق
يا ريشة
ساحبة وراءها الظلام والبريق
مسافر خطاك عمر زهرة
لفتتك انخطافة وناظراك منجم
مسافر زمانك الغد الذي خلقته
زمانك الغد الحضور السرمديّ في الغد
لموعد:
به تصير خالقًا، به تصير طينة
تتحد السماء فيك والثرى. . .) (١).
стр. 214
وينتقل أدونيس من وصف فينيق أو مثاله المعاصر بالخلق إلى وصف زوجته بذلك فيقول:
(أسأل ماذا أُنشد
لزوجتي، لهذه الوالهة الخالقة الحب على مثالها) (١).
أمّا إذا تحول إلى مهيار فإنه ينغمس في مديح وتمجيد غير معهودين حتى عند شعراء البلاط المستجدين بشعرهم، بل إنه يستغرق في ثناء عبوديّ صوفيّ وتهالك منقطع النظير، ففي مقطع بعنوان "البربريّ القديس" يقول:
(ذاك مهيار قديسك البربريّ
يا بلاد الرؤى والحنين
حامل جبهتي لابس شفتي
ضد هذا الزمان الصغير على التائهين
ذاك مهيار قديسك البربريّ
تحت أظفاره دم وإله
إنه الخالق الشقيّ. . .) (٢).
ومهيار هو القناع الحداثيّ لأدونيس الباطنيّ وأفكاره وعقائده الوثنية، فهو المراد بالقول السابق وهو المراد بقوله: (أحمل هاويتي وأمشي أطمس الدروب التي تتناهى، أفتح الدروب الطويلة كالهواء والتراب - خالقًا من خطواتي أعداءً لي، أعداءً في مستواي، وسادتي الهاوية والخرائب شفيعتي. . .
ولا شريان عندي لهذا العصر - إنني مبعثر ولا شيء
يجمعني.
стр. 215
أخلق شهوة كلمات التنين. . . .
إنني نبي وشكاك. . .
إنني حجة ضد العصر. . .) (١).
ويقول ممتدحًا نفسه ومفتخرًا بمبادئه:
(أفتح بابًا على الأرض أشغل نار الحضور
في الغيوم التي تتعاكس أو تتوالى
في المحيط وأمواجه العاشقة
في الجبال وغاباتها، في الصخور
خالقًا لليالي الحبالى
وطنًا من رماد الجذور
من حقول الأغاني من الرعد والصاعقة
حارقًا مومياء العصور) (٢).
إنه لون جديد وتعبير معاصر يماثل التعبير الجاهلي القديم القائل: "لنا العُزى ولا عُرى لكم" (٣)، افتخار بالباطل والإثم والضلال، حين يرمز لها "بالباب والنار والحضور والغيوم والليالي الحبالى والحقول" ومضادة للخير والحق والفضيلة حين يرمز لها "بالرماد ومومياء العصور".
стр. 216
وينتقل أدونيس إلى حقل التفلسف التمرديّ، فيخاطب الأرض على أنها خلقت في سبعة أيام ثم أنها قامت بخلق غيرها من الموج والأفق، وقد يُظن لأول وهلة أن أدونيس لا يجحد أن اللَّه هو الخالق للأرض، فعلى ما في قوله من كذب في زعمه أن خلق الأرض تم في سبعة أيام أضاف بأن هذا القول كله لغز وأحجية وليس من الحقيقة في شيء، كل هذا في قوله تحت عنوان "الأيام السبعة":
(أيها الأمة التي تسخر
من حبي ومقتي
أنت في سبعة أيام خُلقت
فخلقت الموج والأفق
وريش الأغنية
وأنا أيامي السبعة جرح وغراب
فلماذا الأحجية
وأنا مثلك ريح وتراب) (١).
ونتيجة ذلك أنه يخلق مثلما الأرض خلقت غيرها -حسب قوله- وقد صرح بهذا في مقطع واضح الدلالة بعتوان "أخلق أرضًا" حيث يقول:
(أخلق أرضًا تثور معي وتخون
أخلق أرضًا تحسستها بعروقي
ورسمت سماواتها برعدي
وزينتها ببروقي
حدها صاعق وموج
стр. 217
وراياتها الجفون) (١).
فكما هو الواضح في هذا القول الرديء أنه ينسب إلى غير اللَّه الخلق وينعت نفسه بالخلق، ولا يغيب عن البال أنه لا يريد الخلق الإنشائي للأرض فذلك مما يعجز عنه أهل الأرض جميعًا ولكنه يقصد بخلق الأرض إنشاء أرض جديدة وأناس جديدون يثورون على ماضيهم ويهدمون تراثهم ويحرقون تاريخهم وينقلبون على كل معاني الحق والهدى والرشاد، لينتج بهم وبأفكارهم أرضًا جديدة تقوم على الإلحاد باللَّه والشرك به والجحد بالنبوة والمعاد.
وأيًّا كان الأمر في ظاهر اللفظ أو مقصده فإن الذي يهمنا في هذا الصدد أن أدونيس استخدم عبارة الخلق استخدامًا منحرفًا كان له أثره البالغ على أتباع الحدائة حتى استهانوا بصفة "الخلق" واسم "الخالق" ودنسوها باستعمالاتهم الباطلة.
وفي موطن آخر يتطاول الباطنيّ على مقام الربوبية فيقول: (أخلق للريح صدرًا وخاصرة وأسند قامتي عليها، أخلق وجهًا للرفض وأقارن بينه وبين وجهي. . .، كالهواء أنا لا شرائع لي -أخلق مناخًا تتقاطع فيه الجحيم والجنة أخترع شياطين أخرى وأدخل معها في سباق وفي رهان. . . أطلق سراح الأرض وأسجن السماء. . .) (٢).
هذا الهراء الذي كتبه أدونيس نثرًا وبقي هكذا عنده وعند أتباعه ثم طرأ له بعد عام ١٣٨٤ هـ - ١٩٦٥ م أن يعتبره شعرًا (٣)، فصار شعرًا عنده وعند المقلدين له!!.
وهذا نفسه حصل في موضع آخر من "الأعمال الشعرية الكاملة" في مقطع بعنوان "تحولات العاشق" حيث اعتبرها مزيجًا من الشعر والنثر مع غلبة
стр. 218
النثر (١)، وهذا المقطع عبارة عن أوصاف جنسية، وتفاصيل للعملية الجنسية، ورموز جنسية عن عورات الرجال والنساء، وأوصاف لجسد المرأة واعتبارها مجرد متعة وموضع لتفريغ الطاقة الجنسية، وهذه هي حقيقة الدعوة التحررية التي ينادي بها العلمانيون والحداثيون، وفي هذا المقطع الجنسيّ يقول:
(يا امرأة
كما خلقتك اشتهيني
كما شئتك انسكبت فيّ
تدخلين في إيقاعي
تدهنين ثدييك بكلماتي وتغرقين في قرارة الحب) (٢).
ولا يحتاج أدونيس إلى تبرير أو تفسير أقواله هذه وأشباهها؛ لأنه تجاوز حد النقد بما وضعه من قواعد وأصول تقوم على اعتبار أن الإبداع فوق المناقشة والمحاكمة.
ولذلك نجده في أحد المقاطع يعود إلى جذوره الاعتقادية الوثنية، إلى "بابل" الوثنية مريدًا إحياءها وإنعاشها وبث روح الحياة في عظامها النخرة، وما من شيء يدعوه لذلك وهو الذي يتبرأ من العقائد كل العقائد كما يزعم ويتخلص من كل الثوابت كما يدعي.
والتفسير الوحيد لهذا أنه لما تصدى لمشروع كبير اسمه الحداثة وجد أن في طريقه عوائق تعترض قدرته على ترسيخ هذا المشروع ونشره، وأضخم وأثبت هذه العوائق هو الإسلام العظيم، فلجأ إلى نقائضه الوثنية القديمة والحديثة لعله يستطيع أن يتقوى بها، ولكنه كما قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ
стр. 219
أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤٢) وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾ (١).
والمقطع الذي أشرت إليه هو قوله:
(لا أعطي لغتي إلا للجذر، وعادة صوتي
أن يتبطن شمس الرغبة - بابل، عادة صوتي
أن يخلق بابل كي يتغير هذا الزمن
أن يخلق بابل كي يتبرأ هذا الوطن
أخلق بابل في الأجناس وفي الأنواع وأخلق بابل في
الصلوات وفي الشهوات وأخلق بابل في الأرحام
وفي الأكفان، وأخلق بابل بين الخالق والمخلوق
وأخلق بابل في الأصوات وفي الأسماء وفي الأشياء
وأظل اللهب الضارب في الأشياء
خارج هذا الورق الرملي أدشن أنحائي. . .) (٢).
ويعتز أدونيس بموقعه ومشاريعه الإلحادية، ويفتخر بأتباعه الذين ينظرون إليه باعتباره "خالقًا" فيقول:
(أجمل ما تكون أن تخلخل المدى. . .
والآخرون - بعضهم يرى إليك زبدًا
وبعضهم يرى إليك خالقًا. . .) (٣).
стр. 220
لا غرو أن يكون أدونيس بهذا الشعور المتعالي وهو يرى أن التابعين له ينظرون إليه بهذه النظرة التقديسية الهائلة التي ما كان يحلم بها (١).
ولما استخف أتباعه فأطاعوه اعتلى به غروره وكبرياؤه فأعلن على رؤوسهم:
(أنا العالم مكتوبًا
وأهدابي تهيمن على الأرض
هكذا
أخرج قصائدي من طين خطواتي
أرجم الزمن بأحوالي
وأصرخ: أنا المعنى) (٢).
ويخضع الأتباع في إذعان ومحاكاة صنمية عمياء على نحو ما قررته خالدة سعيد في مقالة لها عن أدونيس تتحدث فيها عن الشعراء الشباب قائلة: (. . . إنهم يكملون ما بدأه أدونيس، إنهم الباحثون عن الذات المستقبلية)، وتقسم الشعراء إلى فئتين: (فئة الذين يسقطون في لغة أدونيس ويصرّفون عبرها شوقهم الخاص، يضيعون صوتهم الخاص، وفئة الذين يحاورون أدونيس) (٣).
ويصف أحد نقاد الحداثة هذه السوق الحداثية الأدونيسية بأنها (ساحة محكومة كسوها بقوانين عرض وطلب، وسوق تعامل ورساميل رمزية أو غير
стр. 221
رمزية وأصول تبادل ومجاملة وبروتوكولات تضامن وممالأة معروفة كلها للجميع) (١)، وهو يعني بهذه السوق الشبكة الدولية الحداثية المبتدئة من باريس ولندن وغيرها من مدن الإنتاج والمنتهية بالسوق العربية حيث الاستهلاك الأعمى، والاعتناق البدائي لأفكار وعقائد فلاسفة وأدباء مدن الإنتاج.
ويضيف هذا الكاتب أن أدونيس يعيش افتضاحًا فراغيًا خلال لغة صاخبة تفضي إلى أن (. . . يتساءل كثيرون عما يُمكن أن يفعلوا بهذه الآلة اللغوية البالغة الصخب التي تشكل كل شعر أدونيس أو تكاد.
وليس من المبالغة في شيء القول إن الكثيرين يجدون أنفسهم مجبرين على الإجابة بـ لا شيء أو لا شيء تقريبًا، إن هذا الشعر يبهر بعض القوم؛ لأنهم بالأساس باحثون عما يبهر، والحق أن أدونيس يبهر هؤلاء ويسدي لهم خدمة كبيرة، هي في الأوان ذاته أكبر إساءة وأكبر تمييع للشعر، إذ يمكنهم من توهم قول الشعر بأيسر التكاليف، وادعاء النبوة بأسهل السبل، والتشبه بالحداثة بفضل أبسط الألعاب اللغوية، لكل إن ينتطح للشعر بمجرد أن يتلاعب بخرز الكلام، ولكل مهما كان من فقر تجربته في الوجود ومغامرته في اللغة أن يعد نفسه رائيًا. . .) (٢).
ثم يفسر هذا الناقد الحداثيّ بعض أسرار هذا الإعجاب والانبهار بأدونيس وأولها أنه صاغ من نفسه بطلًا وصور ذاته معلمًا من معالم التقدم والازدهار، فقال: (هو أولًا شعر مكرس منذ بداياته منذ "قصائد أولى" (٣) و"أوراق في الريح" (٤) و"مهيار" (٥) بخاصة لانتظار البطل، بطل رومانسيّ، مخلص مأمول، تمنح له جميع الصفحات. . .
وهو ثانيًا شعر قائم على السرانية (من السر) سرانية تظل مع ذلك لفظية يصرح بها دون أن يمثل عليها. . . سرانية أو إخفاية تبلغ في بعض
стр. 222
القصائد حدود الكاركاتورية "أشرد في مغاور الكبريت" أعانق الأسرار، في غيمة البخور في أظافر العفريت" (١). . . .
وهو ثالثًا شعر الأنا المفحمة المنتفخة المتمركزة. . . هذه الأنا المضخمة التي ستكشف شيئًا فشيئًا عن فراغيتها تسود عمل أدونيس كله، تبدأ في مهيار بعمومية كونية. . . إلى هذيان مضجر حول الاسم الشخصي "كيف أسكن أسمائي. . . مشكل هذه الأنا الفراغية التي لا تجد خلاصًا. . . إلّا في مطالعة ذاتها في مرآة مفخمة مرآة الكون ومرآة الاسم. . . ولما كانت جميع الشواهد الشعرية تأتي لتثبت لنا أنه امتلاء كاذب وانتفاخ رنان فإن هذا ينتهي إلى شعر مُسقم لا عمق فيه ولا حداثة) (٢).
هذه شهادات من داخل البيت الحداثيّ تؤكد أن ما ذكرناه في هذا الصدد حق، والحق ما شهدت به الأعداء.
ولا يفتأ أدونيس يكرر تفخيمه لنفسه كلما حانت له فرصة، ففي مقطع جنسيّ شهوانيّ طويل بعنوان "جسد" يتطاول في صلف وغرور قائلًا:
(. . . أتدحرج بين أنا الجمر وأنا الثلج
وبين
الياء
والألف
اتدلى
أخلق في اليوم يومًا آخر
стр. 223
وأربط بحبل الدقائق أهوائي. . .) (١).
وإنه لمن عجائب الأمور أن تجد الحداثيين يتمردون على اللَّه تعالى وشرعه ودينه، وعلى القيم والأخلاق والنظم والعقل، ثم ينخرطون في تبعية هذا المتعالي بنفسه، المنتفش بالجهل والكذب والانحراف والضلال، فإذا وصف نفسه بأنه رب أو إله أو ضوء أو نهار أو نهر فلا تجد من الأتباع إلّا الموافقة والتصفيق والإعجاب!!!.
ها هو يكتب عن نفسه أو عن فكرته ويرمز لها بالضوء، وينعته بالخلق فيقول:
(أيها الضوء
خلقت إلهًا ويرفضك الظلام
ألهذا كنت العين الوحيدة التي خلقت من أجل
أن تسكنها الظلمات
ألهذا كنت الخالق يلبس شكل الخليقة. . .) (٢).
ومع ذلك لا تجد من أتباع أدونيس -وأكثر الحداثيين أتباع له- إلّا التصديق والانقياد والقبول؛ لأنه صور لهم أنهم سيكونون بمجرد اتباعهم له ومحاكاتهم لفكره وشعره في منزلة أعلى من البشر وأرفع من الإنسان، إنها منزلة "الربوبية" التي طالما خادعهم بأنهم سيرتقون إليها في مثل قوله: (الإنسان كائن خلاق -يشارك في الخلق الإلهي، وليس الخلق الشعريّ إلّا صورة للخلق الكونيّ بكامله. . .) (٣).
لقد سولت لهم أنفسهم سوء أعمالهم وأضلهم "سامريّ الحداثة" فأخرجه لهم عجلًا جسدًا له خوار هو عجل الحداثة الذي ألهوه وعبدوه من
стр. 224
دون اللَّه وقالوا لن نبرح عليه عاكفين قائلين: (ليس الشعر رسمًا بل خلق) (١) و (. . . الشاعر هو من يخلق أشياء العالم بطريقة جديدة) (٢)، وإذا سألتهم من أنتم؟ أجابوا: (نحن هدامون وكل منا قائد اللوعة والرماد. . . هكذا نعلن أنفسنا غواة وخائنين، الهاوية تأتي معنا تعرف ذلك سنعمقها سنوسعها، سنصنع لها أجنحة من الريح والضوء) (٣).
وإن استفسرت عن وسيلتهم في هذا الهدم والضلال قالوا: الحضور الشعريّ: (هذا الحضور الوحيد الفاجع المعزول، والذي هو مع ذلك الحضور البهي الصامد الباقي العنيد حتى الحجر وحتى الريح، هذا الحضور مطلق ينظم الواقع حوله، وفق اشعاعه، وبحسب دفعته، إنه معطٍ، خالق، وليس وارثًا، نحن نخلق ولا نرث) (٤).
وفي سراديب ضلال وانحراف وإفساد يتقلب بهم كاهن الحداثة من عجل إلى صنم إلى وثن، متخذًا لهم آلهة وأربابًا من دون اللَّه، فبينما الشعر وسيلة هدم ونسف إذا به فجأة "المطلق والخالق" وإذا بهم ينقلبون فجأة كذلك من كونهم عبيدًا للحضور الشعريّ والإبداع إلى كونهم خالقين، ويصرخ بهم في تشجيع وتحفيز قائلًا لهم: (اللاتقليديّ، الرائد، إنسان الرفض المستبق الخالق السهم الراثي البكر النقيّ المغسول، إنسان البداية والنموذج أبدًا، هذا ما نتطلع إليه ونبشر به، هذا هو مجتمعنا وقارئنا وصديقنا هذا هو عالمنا) (٥).
وأي صراحة أوضح من هذه على أن القوم يشقون لهم ديانة جديدة وملة حديثة، يدعون إليها ويبشرون، ملة تقوم على نفي وجود اللَّه تعالى ونسبة الخلق والإيجاد إلى غيره -جلَّ وعلا-، وتسمية غيره خالقًا، وإسناد
стр. 225
الخلق والأمر إلى أي شيء سوى اللَّه تعالى، وتلقي الأوامر والتشريعات والنظم والمناهج من كل أحد سوى اللَّه -جلَّ وعلا-، أمّا من هو هذا السوى؟ فإن الحداثة العربية تجيبك بأنه كل إله يمكنهم اتخاذه شريطة ألا يكون هذا الإله هو اللَّه ﷻ .
وهذا هو منطق الكفر منذ القدم كما أخبر اللَّه تعالى في كتابه العظيم: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥)﴾ (١).
(والآية تصف واقعة حال على عهد النبي ﷺ حين كان المشركون يهشون ويبشون إذا ذكرت آلهتهم، وينقبضون وينفرون إذا ذكرت كلمة التوحيد، ولكنها تصف حالة نفسية تتكرر في شتى البيئات والأزمان، فمن الناس من تشمئز قلوبهم وتنقبض نفوسهم كلما دعوا إلى اللَّه وحده إلهًا، وإلى شريعة اللَّه وحدها قانونًا، وإلى منهج اللَّه وحده نظامًا، حتى إذا ذكرت المناهج الأرضية والنظم الأرضية والشرائع الأرضية هشوا وبشوا ورحبوا بالحديث، وفتحوا صدورهم للأخذ والرد، هؤلاء هم بعينهم الذين يصور اللَّه نموذجًا منهم في هذه الآية، وهم بذاتهم في كل زمان ومكان، هم الممسوخو الفطرة، المنحرفو الطبيعة الضالون المضلون، مهما تنوعت البيئات والأزمنة، ومهما تنوعت الأجناس والأقوام) (٢).
وإذا أردنا أن نستدل لهذه الحقيقة القرآنية التي بها تجلت نفسيات هؤلاء، وعقلياتهم القائمة على الصدود والإعراض عن اللَّه الملك الحق المبين، والاستكبار الواهن الضعيف على اللَّه القوي الشديد؛ فإننا نجد الكثير الوفير من أقوالهم ومواقفهم، وقد سبق منها جملة مفيدة في الدلالة على هذا الشأن، ولا بأس بالإثبات بجملة أخرى تؤكد أن هذا المعنى -في نسبة الخلق إلى غير اللَّه- وهو نوع من الانحراف في توحيد الربوبية -ليس
стр. 226
مختصًا بكاهنهم الرجيم أدونيس، وإنّما هو عند غيره من الكهنة وأتباعهم، وكيف لا يكونون كذلك وأستاذهم هو الذي قرر لهم بأن (الإبداع عمل إيجابيّ محض، وهو خلق ثان للكون. . .) (١)، وبأن (. . . الشاعر يعمل على إعادة خلق العالم ورسمه بخطوط وألوان مختلفة) (٢).
وكيف لا يكونون كذلك؟ وهم وإياه رضعاء ثدي الحياة المادية الغربية الإلحادية، فلا غرو أن تتشابه أقوالهم؛ لأن قلوبهم قد تشابهت، ومواردهم تماثلت، ومقاصدهم تشابكت، فها هو أحدهم يقول مفتخرًا بجهله وضياعه: (لا ثقة لدي ولا يقين) (٣) فماذا يعمل إذن هذا التائه؟ إنه يجيب بجواب لا يتفق مع عقيدة الشك والتيه، إنه يقفز ليقول بكل جراءة: (. . . يجب إذا متابعة التنفس -أخذًا وعطاءً- فنشارك الخالق في عمله الخارق. . .) (٤).
سبحان اللَّه العظيم وبحمده، كيف تجرأ هذا الذي يصف نفسه ويفتخر بانعدام الثقة واليقين ليتطاول على مقام الربوبية العظيم؟!.
قال اللَّه تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤)﴾ (٥).
(ويا لها من نقلة ضخمة بين المبدأ والمصير، بين النطفة الساذجة والإنسان المخاصم المجادل الذي يخاصم خالقه فيكفر به ويجادل في وجوده أو في وحدانيته، وليس بين مبدئه من نطفة وصيرورته إلى الجدل والخصومة فارق ولا مهلة، فهكذا يصوره التعبير، ويختصر المسافة بين المبدأ والمصير لتبدو المفارقة كاملة والنقلة بعيدة، ويقف الإنسان بين مشهدين وعهدين متواجهين: مشهد النطفة المهينة الساذجة، ومشهد الإنسان الخصيم المبين. . .) (٦).
стр. 227
وهو دأب لجميع هؤلاء، لم يبرأ منه أحد منهم ولم يخلص، وفي التدليل على ذلك من الشواهد الشيء الكثير، غير أني أكتفي ببعض ذلك، مما يصور لنا عقائد القوم، يقول أحدهم:
(صار اللَّه رمادًا
صنمًا
رعبًا في كف الجلادين
أرضًا تتورم بالبترول
حقلًا ينبت سبحات وعمائم
بين الرب الأغنية الثورة
والرب القادم من هوليود
في أشرطة التسجيل
في رزم الدولارات
رب القهر الطبيعيّ
ماذا تختار؟
اختار اللَّه. . الأغنية الثورة) (١).
تعالى اللَّه عما يقول الكافرون علوًا كبيرًا.
وعلى الرغم من وضوح دلالات هذه الكلمات وشدة انحرافها وضلالها إلّا أننا نجد كاتبًا حداثيًا يدافع عنها ويرد على مجلة الدعوة السعودية حين نقدتها، ويرد على الشيخ عوض القرني حين أشار إليها في كتاب (الحداثة في ميزان الإسلام) (٢) وبين وجه الإلحاد والكفر والضلال فيها.
стр. 228
وينبري هذا الحداثيّ يدافع عن شريكه في العقيدة الإلحادية، وينافح عن هذه القصيدة المترعة بالكفر، ساكبًا أصباغ خداعه ومغالطته على القول وقائله فيقول: (. . . ثمة قصيدة نالت دون غيرها أكبر قدر من هذا الحراب ونال صاحبها أكبر قدر من الهجوم، بوصفه رمز الحداثة والتحديث البارز في هذه المنطقة، أعني الدكتور عبد العزيز المقالح، الشاعر اليمنيّ الذي تجاوز إبداعه أفق المنطقة، وصار أحد أعمدة الشعر العربيّ المعاصر) (١).
ثم ينفتل إلى الكلمات الإلحادية يؤولها ويحللها ويتحدث عنها بكلام اعتذاريّ تبريريّ هو أقرب إلى السفسطة منه إلى الحقيقة، وفيه من لطخات الانحراف مثل ما في الكلام المتصدّى له، يقول: (. . . وتتجاوب الدلالات الرأسية مع الأفقية ليبرز من الثنائية المتعارضة في طرفها الأول، الدال المنفيّ -"رب القهر الطبيعي"- الذي يغدو علامة على عصور يشيخ فيها الحب "الإنسان" والشعر "الإبداع" وسلاحًا يلازم سوط الجلادين ورعب المجلودين، وتبريرًا تأويليًا يضع الشرع في خدمة الحكم، فيتقلص الشرع إلى سبحات وعمائم ورزم من دولارات، تبرر كف الجلادين، وتبارك الرب القادم من هوليود، كيس يسرق أرضًا تتورم بالبترول، بين الأمس القاتل واليوم المقتول.
إن نفي الدال الذي ينطوي على "رب القهر الطبيعيّ" يبدأ بوضعه إزاء نقيضه "رب الأغنية - الثورة" والمدلول المراوغ الذي يومئ إلى منتجي صورة هذا "الرب" يعابثه الدال الذي يكشف -بالمجاورة- عن تلازم ما تخفيه "العمائم" أو تتجه إليه "سبحات" المسبحين من "رزم الدولارات" من ناحية، و"الرب القادم" في "أشرطة التسجيل" من "هوليود" من ناحية ثانية، وذلك تقابل يفرض نفسه على القارئ، كي يختار بدوره، في سياق الصراع الاجتماعيّ المكبوت، والنص الأوسع لما لايقال بين "رب القهر الطبيعيّ" في التأويل النقليّ الاتباعيّ و"رب العدل" الذي يتجلى مناقضًا للأمس القاتل واليوم المقتول، وقرين الأغنية التي تذيب جبال الحزن وتغسل بالأمطار
стр. 229
الخضراء تجاعيد الأرض، ومباركًا الفعل الإنساني "الحب، الشعر" الذي تتولد منه شموس التكوين وأفعال الخلق، وإذ تقوم الحركة الأفقية للدوال على التقابل بعين هذا "الرب" وذاك فإن التقابل يسقط نفسه رأسيًا فيلازم "رب القهر" غياب الحب والخصب والإبداع. . .) (١).
ترى أي فرق من حيث الانحراف بين هذا النص المدافع والنص الذي يدافع عنه؟.
هذا القول حاشية شرح على المتن، والجامع بينهما السخرية من اللَّه تعالى، وإضافة الخلق إلى غير اللَّه، ووصف غيره من المخلوقين بصفات الربوبية، تعالى اللَّه ربنا عما يقول هؤلاء علوًا كبيرًا.
ويظل هذا الطرح من محاور الفكر والممارسة الحداثية إلى حد أصبح من المعتاد في كلامهم أن تقرأ أن (النقد الحقيقي هو النقد الخالق) (٢).
وفي ابتهاجهم بعقائدهم واحتفالهم ببعضهم تقرأ مثلًا: (فلنرقص معًا للحياة أيها الكادح الخلاق) (٣) و (الجهل الخلاق) (٤)، والشاعر -عندهم- خلاق له كرامة وكبرياء (هنالك كرامة بل لا قل كبرياء لا تغادر الخلاق حتى في قعر انذلاله) (٥).
وعلى مائدة الانحراف الاعتقاديّ تجد قول بعضهم:
(ما نحن إلّا نفضة رعناء من ريح سموم
أو منية حمقاء
стр. 230
والشيطان خالقنا ليجرح قدرة اللَّه العظيم) (١).
فأيّ انحراف أكبر من هذا؟ وأيّ مضادة لعقيدة الإسلام أوضح من هذه المضادة؟.
إذا لم يكن هذا هو الانحراف بعينه والإلحاد والكفر باللَّه تعالى فأين يا ترى يوجد الإلحاد؟.
وعندما تتجاوب قلوب وعقول الأتباع مشيدة بهذا الشاعر ممتدحة له فإن ذلك يؤكد سريان هذا الداء الإلحاديّ إلى حد أصبح فيه تآمر الفارغين -من الطائفيين والصليبيين والعلمانيين- على ديننا وعقيدتنا وشريعتنا هو عين الإبداع وقمة الريادة!!.
وليس هذا فحسب، بل هو تبجيل لثمار المؤامرة الدنيئة التي أنتجت هؤلاء، ومؤسسات "حوار" و"مواقف" و"الآداب" و"فصول" و"شعر" و"إبداع" و"أصوات" و"ألف" و"الناقد" وغيرها من صحف ومجلات الغثاء.
لقد ادعوا التحرر والانطلاق، والقدرة على التحويل والتغيير، فكان تحررهم هو الخروج عن الدين، وانطلاقهم هو الجري في ساحات الإلحاد، وتغييرهم هو التقلب في عرصات الجاهلية الوثنية القديمة والحديثة، ومن بعض شأنهم في هذه المضامير المظلمة "تأليههم للشعر والشاعر" فـ (الشعر فعل إيمان الحياة وفعل وحدة الكون. . . إنه ما قبل الإنسان وإنه الإنسان، وما وراءه وفوقه وبعده، وهو خالق الدين والفن والجمال والحب، هو بطانة الروح بل روحها، الشاعر ليس رائيًا فحسب، فهذه صفته السكونية، بل هو سيد آمر منشئ يلعب بالعالم ويداه آلتا تدمير ورحمتا تكوين. . . يظن بعض المؤلفين أن التفرد هو غاية الخلق في الأدب والفنون. . . غاية الخلق "إذا كان للخلق من غاية نعرفها" ليست هي التفرد، بل التفرد هو جزء طبيعيّ من الخلق وفي أساس تكوينه، الشاعر الفنان متفرد بالسليقة. . .) (٢).
стр. 231
وهكدا يسترسل هذا العبث الحداثيّ مرة بجحد وجود اللَّه، ومرة بجحد ربوبيته، وثالثة بمساواة الشاعر باللَّه تعالى في خصائص صفاته -جلَّ وعلا- كما قال أحدهم: (ولعل الشاعر الأول خلق القصيدة الأولى في سبعة أيام كما خلق اللَّه الكون في سبعة. . .) (١).
وفي الجملة نجد أن شعراء وكتاب الحداثة قد تمادوا في هذا النوع من الانحراف تماديًا يصح معه أن يقال بأن هذه أصبحت من ظواهر "إبداعهم" وهذه بعض الأمثلة على ذلك:
يقول نزار قباني:
(من ينتقي؟
لي من كروم المشرق
من قمر محترق
حُقًّا غريب العبق
آنية مسحورة خالقها لم يخلق. . .) (٢).
ويقول:
(فاليوم أخلق منك إلهًا وأجعل نهدك قطعة من جوهر) (٣)
ويقول:
(قد كان ثغرك مرة
ربي فأصبح خادمي) (٤).
ويقول:
стр. 232
(لا تخجلي مني فهذي فرصتي
لأكون ربًا أو أكون رسولًا) (١).
ويقول ساخرًا من الهلال رمز المسلمين:
(يا هلال أيها النبع الذي يمطر ماس
وحشيشًا ونعاس
أيها الرب الرخاميّ المعلق
أيها الشيء الذي ليس يصدق. . .) (٢).
ويقول محمود درويش:
(طوبى لمن يعرف حدود سعادتي
طوبى للرب الذي يقرأ حريتي
طوبى للحارس الذتي يحبس طمأنينتي) (٣).
ويقول:
(وسرحان يرسم شكلًا ويحذفه: طائرات ورب قديم) (٤).
ويقول: (خريف جديد لامرأة النار: كوني كما خلقْتكِ الأساطير والشهوات. . . كوني ملائكتي أو خطيئة ساقين حولي. . .) (٥).
ويقول معين بسيسو:
(باسمك تلك المومس
стр. 233
ترقص بقناع الرب
باسمك يتدحرج
رأس الرب) (١).
ويقول عبد العزيز المقالح (٢) في وصف جريمة اعتداء مزين ومصفف شعور النساء على إحدى النساء اللاتي قام بتصفيف شعرها ثم اغتصبها وزنى فيتحدث عنه المقالح معتذرًا ومبررًا جريمته قائلًا:
(لا تصلبوه
الخالق الذي أحب ما خلق
بكفه سوى الجبين الذهبي والحدق
لا تصلبوه) (٣).
ويقول محمد الفيتوري (٤):
(لوددت لو أني سكبتك في دمي
стр. 234
عرقًا إلهيًا وعطرًا
لوددت لو أني خلقتك
صورة، تنمحي دهرًا فدهرًا) (١).
ويقول:
(وكنت لا أعي
كنت أنا التمثال والأزميل والخالق) (٢).
ويقول ممدوح عدوان (٣):
(السفينة ربانها خالق قادر
كن
أكن
لا تكن
أترنح بين تلال من الماء والريح
بين رغائبه
ثم أذعن
هذي السفينة ربانها خالق قادر
يأمر القلب بالخفقان
стр. 235
ولأمر بالرجفان) (١).
وأشباه هذا الكلام كثير في نتاج هذه الفئة.
ومن مظاهر انحرافاتهم في هذا الباب:
سادسًا - نسبة الربوبية إلى غير اللَّه تعالى:
وهذا قد أغرقوا فيه وبالغوا فيه أبعد المبالغة، وحاكوا فيه أساتذتهم من الغربيين، وجروا في نفس منوالهم، والغربيون ساروا في هذا على وفق جذور عقائدهم ومرجعياتهم الفكرية، حيث يمدون أسبابهم إلى ثقافة الإغريق وفلسفته وعقائده، وهي الثقافة القائمة على تعدد الأرباب وتعدد الآلهة، ونسبة الخلق والإيجاد والتصريف إلى هذه الأوثان التي اتخذوها من دون اللَّه.
والأرباب المتخذة عند الإغريق أرباب أرضية، ولذلك اتجهوا بدياناتهم إلى الأرض، واعتقدوا أن آلهتهم تسكن الأرض وتصعد الجبال وذرى الأشجار، وتهبط إلى أعماق الأرض والآبار، والتصقوا بمسائل الفلاحة والزراعة، وقدسوا عناصر الخصب؛ ولذلك كله تعددت آلهتهم وأربابهم الباطلة التي اتخذوها من دون اللَّه، من آلهة الأرض إلى آلهة الخصب والنماء، ومن آلهة الطهر إلى آلهة العهر التي يباح معها ما أسموه بالدعارة المقدسة التي تستباح فيها الأعراض وتنتهك فيها المحرمات.
وهي آلهة وأرباب تتصارع وتتقاتل وتموت وتحيا، وتميت وتحيي وتضر وتنفع إلى آخر ما في تلك القائمة الوثنية من خرافات وضلالات (٢)، ولقد استمدت أوروبا روح هذه الوثنيات الإغريقية، ومدت جذور فكرها إليها، وتأثرت بها في العصر الحاضر في ميادين عديدة اعتقادية وسلوكية
стр. 236
وفكرية وتطبيقية، ومن هذه الأجواء انبثقت الحداثة وتصاعدت نيرانها مرتكسة في تلك الوثنيات القديمة بأقوى ما يكون الارتكاس، متخذة من أساطير اليونان وأباطيل بابل وغيرها خلفية فكرية اعتقادية، تقوم على تعدد الأرباب، وتفتخر بأنواع الألوهيات وتعتمد على أصناف الشركيات، وتعد ذلك أساسًا للتحرر والانطلاق نحو آفاق إبداعيه مستقبلية ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾ (١).
ثم جاءت الحداثة العربية بتقليدها ومحاكاتها للحداثة الغربية، تردد الأفكار والعقائد ذاتها، ولقد (. . . كانت متشربة إلى أبعد حد بالنموذج الثقافيّ الشعريّ الغربيّ، حيث طرحت إشكالية الحداثة كتأصيل في الهوية الحضارية. . .) (٢).
وحين كتب أدونيس قصيدته "أرواد يا أميرة الوهم" قال بأنه اعتمد فيها (على الأسلوب الشعريّ القديم في فينيقيا وما بين النهرين، وهو الأسلوب الذي ورثته التوراة في أروع أشكاله، وتأثر به كثير من شعراء أوروبا وطوروه. . . وآمل في استخدام هذا الأسلوب من التغيير الشعريّ، أن أضع مع زملائي الشعراء حجرة صغيرة في الجسر الذي يصلنا بجذورنا وبحاضر العالم) (٣).
وإذا كانت مجلة شعر وعصابتها تعتبر عند الحداثيين الموافقين والمخالفين لها نموذجًا تقدميًا، والشعراء التموزيون على وجه الخصوص أكثر تقدمية من غيرهم، فإن شعر والتموزية كان لها أبلغ الأثر في الشعر الحديث المستعرب على دروب الانغماس الوثنيّ (لقد مضت حركة مجلة شعر بعيدًا في النفاذ إلى رموز التاريخ الثقافيّ الحضاريّ ما قبل الإسلاميّ (الوثنيّ) ممثلة في الأساطير الأكثر التصاقًا بطبيعة الرؤيا في الشعر) (٤).
стр. 237
والتموزيون مصطلح أطلقه جبرا إبراهيم جبرا (١) على كل من أدونيس والخال والسياب وخليل حاوي وجميعهم كانوا من شعراء مجلة شعر (٢).
وهؤلاء يشتركون في تصوير حاضر العرب المسلمين عقيدة وسلوكًا وقيمًا وانتماءً؛ تصويرًا مليئًا بالشتم والاستخفاف، يصورونها أرضًا خرابًا ماتت فيها القيم الإنسانية ومعالم الحضارة، ثم يلوحون بقيم جديدة وعقائد جديدة، ويرون أن بلوغ العالم الجديد الذي يتوقون إليه وينتمون عقديًا إليه لا يكون إلّا بالموت والهدم الذي يعقبه البعث والخصب أي بعث الآلهة تموز وأدونيس (٣).
وفي محاولة لتعميق جذورهم في واقع المسلمين نجد محاولاتهم التضليلية التي تقوم على اعتبار أن وثن "تموز" ليس غريبًا على العرب بل هو موجود في عاداتهم ومعتقداتهم الشعبية، يقول جبرا عن الرمز التموزيّ بأنه (ليس بالرمز الجديد علينا كأمة ويها من العادات والمعتقدات الشعبية كثير من أسطورة تموز بأشكالها المتعددة) (٤).
وحركة شعر وما استتبعها من نشاطات ليست إلّا شجرة نبتت بجذور مختلفة نصرانية صليبية، وغربية مادية، ويونانية وثنية.
يتضح ذلك بالتأمل في أسسها والتي منها "الحزب القوميّ السوريّ" (٥)
стр. 238
الذي أسسه أنطون سعادة الذي كان له فيهم أبلغ التأثير بنشاطاته وكتبه، وخاصة كتابه "الصراع الفكريّ في الأدب السوريّ" وقد أكد ذلك أدونيس حين تحدث عن هذا الكتاب قائلًا: (كان صاحب الأثر الأول في أفكاري وفي توجُّهي الشعريِّ؛ ولأنه بالإضافة إلى ذلك أثر تأثيرًا كبيرًا في جيل كامل من الشعراء، بدءًا من سعيد عقل وصلاح لبكي (١) ويوسف الخال وفؤاد سليمان (٢)، وانتهاءً بخليل حاوي. . . وكان إلى ذلك ملهمًا لكثير من الأفكار والآراء الشعرية والنقدية في النقاش الذي دار حول مجلة شعر والمشكلات التي أثارتها) (٣).
بل إن أكثر شعراء مجلة شعر الذين أسسوها كانوا ينتمون إلى الحركة القومية الاجتماعية التي أسسها وقادها أنطون سعادة، ولا يستثنى منهم سوى جبرا والسياب (٤)، فما الذي أسسه أنطون سعادة في مجلة شعر؟، وما الذي استتبع ذلك من تأثيرات على مستوى الحداثة العربية جمعاء وعلى الاتباع الطيعون من التلامذة الجدد؟.
لقد أسس أنطون سعادة نظرة جديدة تتناول القضايا الكبرى في الحياة وأوجد رؤية اعتقادية حديثة، وكان يرى أن (الأدب والفن لا يُمكن أن يغيرا أو يتجددا إلّا بنشوء نظرة فلسفية جديدة يتناولان قضاياها الكبرى، أي قضايا الحياة والكون والفن التي تشتمل عليها هذه النظرة) (٥)، وكان يسعى إلى
стр. 239
(إنشاء أدب جديد فيه كل عوامل التجديد ودوافع البعث) (١).
ولكن ما الهوية التي يريد تشكيلها لهذا الاتجاه؟ بعد أن قرر بأن الأمة ضائعة الشخصية وهو يبحث لها عن هوية لكنها ليست قومية عربية من جهة العرق، وليست انتماءً دينيًا من حيث الاعتقاد (إنه لا يرى في العرق والدين مقومين من مقومات الأمة. . .، بل تغدو العروبة انتماءً لغويًا ثقافيًا حضاريًا تضرب جذوره في مرجعية أعمق وأبعد تاريخيًا، هي مرجعية الموروث "السومريّ، الكنعانيّ، الآراميّ، البابليّ" الذي يرى فيه سعادة الينبوع الحضاريّ الأول في العالم) (٢).
ومن هذا المنطلق يدعو أنطون سعادة أتباعه (ولا ريب أن الحداثيين جميعًا تأثروا بأنطون سعادة بصورة مباشرة أو غير مباشرة) (٣) يدعوهم إلى عبادة الآلهة الوثنية، فها هو يتوجه بنداء إلى (الأدباء الواعين أن يحجوا ويسبحوا إلى مقام الآلهة السورية فيعودوا من سياحتهم حاملين إلينا أدبًا يكتشف حقيقتنا النفسية ضمن قضايا الحياة الكبرى التي تناولها تفكيرنا من قبل في أساطيرنا التي لها منزلة في الفكر والشعور الإنسانيين، تسمو على كل ما عرف ويعرف من قضايا الفكر والشعور) (٤).
وبهذا التنظير الوثنيّ وأشباهه أصبحت الأسطورة الوثنية إحدى مقومات الشعر الحديث عامة، والشعر العربيّ المعاصر خاصة (وهكذا ارتفعت الأسطورة إلى أعلى مقام. . . وثمة أسباب كثيرة ربما كان في أولها -وإن لم يكن أقواها- التقليد للشعر الغربي الذي اتخذ الأسطورة -منذ القديم- سداه ولحمته. . . أضف إلى ذلك كله أن للأسطورة جاذبية خاصة. . . وهي من ناحية فنية تسعف الشاعر على الربط بين أحلام العقل الباطن ونشاط العقل الظاهر. . . لهذه الأسباب ولغيرها ذهب الشاعر الحديث -في توق
стр. 240
محموم- يبحث عن الأسطورة، ويعتمدها أنى وجدها، لا يعنيه في ذلك أن تكون بابلية "عشتاروت تموز" أو مصرية "أوزوريس" أو حثية "أتيس" أو فينيقية "أدونيس، فينيق" أو يونانية "أورفيوس، برميثيوس، عولس، أوديس إيكار سيزيف، أدويب. . . إلخ" أو مسيحية. . . بل إنه ذهب إلى بعض حكايات الجاهلية ورموزها الوثنية "زرقاء اليمامة. . . اللات". . .) (١).
ولم تبق الأسطورة عند هذه المكانة لدى شعراء وكتاب الحداثة، بل أصبحت معيارًا للتقدم، والحرية والإبداع، وأساسًا عقديًا للحداثة المعاصرة في مضامينها المتنوعة.
وهذا ما قرره أحدهم قائلًا: (لم تتجل الحداثة طوال العصور السابقة إلّا مرتين. . . المرة الأولى في اليونان القديمة. . .، والمرة الثانية في القارة الأوربية. . . قيام الصيغة الوثنية التي أسقطت القداسة عن الملوك والآلهة، ففتحت بذلك باب حرية الفكر. . . إن الصيغة الوثنية هي صيغة تعددية. . . وهذا النشاط الذي قام به الإغريق سميناه الحداثة الأولى أو الحداثة الزراعية، وما زلنا حتى الآن نلجأ إلى استلهامها ولم نستطع أن نتجاوز الحدود التي وصلت إليها. . .) (٢).
من هذا كله نستطيع أن نفهم ظاهرة الانحراف العقديّ في ما يتعلق بتوحيد الربوبية وخاصة في نسبة الربوبية إلى غير اللَّه، إنها وبكل بساطة ووضوح عقيدة وثنية ورثها هؤلاء عن أسلافهم وأخذوها عن أسيادهم، فارتكسوا في حمأة الضلال، ودخلوا إلى الخرافة والتخلف الفكريّ من أوسع الأبواب.
وأمثلة هذه الظاهرة كثيرة في كتابات الحداثيين وسوف أورد بعض النماذج في هذا الصدد.
стр. 241
فمنها ما انتشر في كلام أدونيس "رائد الحداثة العربية الأول وأستاذ مبدعيها" فهو يتحدث عن نفسه باعتباره الرائد والقائد الذي سن الطريق لمن جاء بعده، فيقول:
(. . . فعبرت المفازة
وتركت ورائي الطريق
باسم رب يخط كتابه
في كهوف العذاب العتيق
ارفع هذا الحريق) (١).
يجعل نفسه مغامرًا يعبر المفازات التي هي الماضي والأصالة والتراث، ثم ربًا يخط الكتابة رمز التقدم، ويرفع الحريق رمز التدمير والهدم لكل ثابت أصيل وهو المعنى الذي ردده في موضع آخر:
(- من أنت؟
- رمح تائه
- رب يعيش بلا صلاة) (٢).
هكذا بكل صفاقة يجعل من نفسه رباَ، وذلك يقتضي أن يؤلَّه عند أتباعه الذين يقرأون هذا الكلام ويتشبعون بمضامينه، وكيف لا وهو يدندن مفتخرًا بنفسه بمناسبة وغير مناسبة؟ والأتباع يصيخون السمع بإعجاب وانبهار، وهو يقول لهم:
(يولد في أسمائي
بشر
يزدحمون ويقتتلون/ خذيهم
стр. 242
دليهم واحتضنيهم
كوني طرقًا لهم وفتوحات يا أسمائي
فأنا الأبد المتشرد خارج أسمائي
أبديًا) (١).
ومن الأمثلة قول أحد الماركسيين العرب ممتدحًا الشيوعية، وشعارها المتمثل في المطرقة والمنجل ودولتها الإلحادية "الاتحاد السوفيتي"، وينقل هذه الأبيات ماركسي آخر في احتفالية باهتة فيقول: (وإذ اندلعت الحرب الكونية أعلن إلياس خليل زخريا (٢) موقفه بوضوح حيث هو موقعه، فوقف ضد النازية والفاشية بطبيعة الحال واختار المعسكر الذي رأى فيه معسكر التحرر والتقدم والتغيير فهتف للاتحاد السوفياتي تحديدًا، وغنى بطولات شعوبه وجيشه الأحمر ومجد ملحمة ستالينغراد حيث إحدى ذروات الدفاع عن الوطن وعن إنسانية الإنسان وحريته:
منجله في الوغى ربه … والمطرق الفولاذ صوت الرسيل
يا فارس النور فداك الضحى … أحد الليالي وتسقّ الرعيل) (٣)
وإذا انعطفنا إلى المؤسسين الأوائل للحداثة العربية السياب والبياتي فإننا نجد هذا اللون من الانحراف قد أخذ جانبًا من التركيب الفكريّ
стр. 243
والعقدي لديهم، فالسياب يطرح أسئلة شك في اللَّه تعالى ويسأل هل يؤمن الناس بأن في السماء مدبرًا سمعيًا بصيرًا؟:
(نرى العراق يسأل الصغار في قراه
ما القمح؟ ما التمر؟
ما الماء؟ ما المهود؟ ما الإله؟ ما البشر
فكل ما نراه
دم ينز أو حبالٌ، فيه، أو حفر. . .
أكانت النساء والرجال مؤمنين
بأن في السماء قوة تدبر
تحس تسمع الشكاة تبصر
ترق ترحم الضعاف تغفر الذنوب؟) (١).
ويسترسل السياب في هذه القصيدة مؤلهًا أوثان اليونان:
(ليعوسر بروس في الدروب
وينبش التراب عن إلهنا الدفين
تموزنا الطعين. . .
أواه لو يفيق
إلهنا الفتيُّ لو يبرعم الحقول. . .
عشتار ربة الشمال والجنوب. . .
ليعوسر بروس في الدروب
لينهش الآلهة الحزينة، الآلهة المروعة
стр. 244
فإن من دمائها ستخصب الحبوب
سينبت الإله، فالشرائح الموزعة
تجمعت تململت، سيولد الضياء
من رحم ينز بالدماء) (١).
فمن الارتماء في الشك في وجود اللَّه تعالى وفي كونه يسمع ويبصر ويدبر، يبتدئ التسلسل الفكريّ للسياب في هذه القصيدة، وإن كان قد جعل هذا المقطع في وسط القصيدة، ثم ينحدر إلى الوثنيات اليونانية ورموزها ليضفي عليها صفات الألوهية ويصفها بالقدرة على إحياء أرضنا "يبرعم الحقول" "ستخصب الحبوب" وينعتها بالنور والضياء بل بالقدرة على وهب الضياء للآخرين!!
وهكذا انطلقت الحداثة -من أول تجاربها- في هذا الميدان تجحد الحقيقة وتقدس الوهم والخرافة، وتؤله الأوثان، وتتخذ من أسمائها رموزًا للتقدم والرقيّ والحياة الجديدة، فتموز رمز الإحياء والبعث القوميّ يناديه باسم الرب ويطلب منه العون والسقيا والحياة:
(تموز هذا، أتيس
هذا، وهذا الربيع
يا خبزنا يا أتيس
أنبت لنا الحب وأحي اليبيس
التأم الحفل وجاء الجميع
يقدمون النذور
يحيون كل الطقوس
ويبذرون البذور
стр. 245
سيقان كل الشجر
ضارعة والنفوس
عطشى تريد المطر
شدد على كل ساق
يا رب، تمثالك
فلتسق العراق
فلتسق فلا حيك عمالك. . .
. . . شدوا على كل ساق
يا رب تمثالك
فاسمع صلاة الرفاق. . .
تمثالك البعل
تمثالك الطفل
تمثالك العذراء
تمثالك الجانون والأبرياء) (١).
وإذا كان السياب قد انحدر إلى التموزية بعد الماركسية، فإن البياتي -وهو من المؤسسين لحركة الحداثة العربية- تقلب في انحدارات اعتقادية عديدة أشهرها الشيوعية التي لازمت فكره وشعره وشعوره وولاءه، حتى لتكاد حين تقرأ له تعده من روسيا أو الصين الشيوعية.
وحينما أراد أن يثبت عروبته جاء بالمضامين الشيوعية الإلحادية، ففي قصيدة أغنية إلى جمال عبد الناصر (٢)، يقول:
стр. 246
(باسمك في قريتنا النائية الخضراء
في العراق
في وطن المشانق السوداء
والليل والسجون
والموت والضياع
سمعت أبناء أخي باسمك يلهجون
فدى لك العيون
يا واهب الربيع للقفار
ومنزل الأمطار في قريتنا الخضراء. . .) (١).
وطالما انتقد الحداثيون الشعراء القدامى لمدائحهم في الملوك والخلفاء والسلاطين ولكننا نجد هذا عندهم وبصورة أبشع وأشنع.
فالقدامى مدحوا ملوك المسلمين الحاكمين بشرع اللَّه المجاهدين في سبيل اللَّه، وهؤلاء مدحوا كل ساقط في فكره وعمله وعقيدته بمدح لم يُسبق إليه، فهم يضفون عليهم صفات الألوهية والربوبية، وفي المقطع السالف أوضح دليل على ذلك، فهو يضفي على عبد الناصر صفات الربوبية "واهب الربيع، منزل الأمطار" وإن كان يريد بها المعاني الضمنية لهذه
стр. 247
الأوصاف، مما قد يتذرع به الذين ينافحون عن الذين يختانون أنفسهم.
غير أننا نجده في موضع آخر يصرح بنسبة الربوبية لغير اللَّه فيقول:
(عندما أستيقظ حبي
فإن ثلج العالم الأسود ربي) (١).
أمّا النصرانيّ يوسف الخالط فتنعكس عقيدته في أقواله الساخرة باللَّه تعالى، ومنها:
(. . . وحين أموت خذوا جسدي
ولا تدفنوه
لئلا يقوم مع الفجر يومًا
ويكشف سر الإله
مع الشوق يحلو لنا الانتظار
وإن فرغت خمرة في الكؤوس
فها هو ذا الرب بين الحضور. . .
وفي الحب تنكشف الأحجيات
فلا يتدحرج صخر القبور
ولا يصعد اللَّه نحو السماء. . .) (٢).
وبالنَفَس النتن نفسه يتحدث النصراني الآخر توفيق صائغ، فيقول:
(أي أم أحبت أطفالها
حب يسوع بلفظ البركة
стр. 248
وعاقر بعد من قال
إنما هي من الحور الحسان
حلم المؤمن
فإن لم تلد، فلا لعقم
بل منحة من الأرباب:
أن تنعم باللذة
الخصبة خصب المتئمات) (١).
فمن منبعه النصراني إلى رؤيته الوثنية في اعتقاد الأرباب، ثم إلى اعتقاد نفسه ربًا حيث يقول:
(أنا رب قديم
تقصد موحاه الأمم
فتحت الكوة أتلصص
فألفيتني مقعدًا أجش
وكبوت) (٢).
ومن كبواته الاعتقادية ينفث أقواله الممتزجة بالنصرانية المحرفة مع الجاهلية، مع الكلام المفكك الركيك، يقول:
(رفرف على أرضنا
يا ضبابًا معزي
وحل علينا
стр. 249
أخف أعز الضيوف
وامتسح بالدخان
أنفاس رب أب
يا جناح ملاك رؤوف. . .) (١).
وفي هذا النص دلالة واضحة على عمق التأثير النصراني في أفكار وعقائد ونتاج توفيق صائغ، فهو برغم عكورة مشاربه الحديثة من مادية وإلحادية وعلمانية، وبرغم مزاعمه الانتماء إلى الفكر التحرريّ اللادينيّ، إلّا أنه لم يستطع أن يتخلص من جذوره النصرانية، التي من أول شركياتها التثليث القائل بالأب والابن وروح القدس، ويعنون بالأب الرب - جلَّ وعلا وتقدس عما يقولون.
أمّا نزار قباني فإن نرجسيته وتعاليه بذاته جعلته ينسب الربوبية إلى نفسه:
(لا تخجلي مني فهذه فرصتي لأكون ربًا أو أكون رسولًا) (٢)
(ولا تحسبي أن قلبي تحجر
فاليوم أخلق منك إلهًا
وأجعل نهدك قطعة جوهر) (٣).
ويقول:
(كوني حقل بهار يلذع
كوني الوجع الراتع إني
أصبح ربًا إذ أتوجع) (٤).
стр. 250
ذلك أنه قد انغرس في قلبه الشك في اللَّه تعالى، وفي كونه ربًا حقيقيًا، حيث يقول:
(يا إلهي
إن تكن ربًا حقيقيًا. . فدعنا عاشقينا) (١).
فأضحى -بناء على هذه الريب الدنسة- يصف بالربوبية غير اللَّه العظيم فمرة نفسه كما سبق ومرة ثغر خدينته:
(قد كان ثغرك مرة
ربي فأصبح خادمي) (٢).
ومرة يصف والده بذلك:
(أمات أبوك؟
ضلال. . أنا لا يموت أبي
ففي البيت منه
روائح رب، وذكرى نبي) (٣).
ويصف الهلال، رمز المسلمين بالربوبية والجمود والتحجر وهي إضافة مقصودة، وجمع بين لفظ الرب ورموز التخلف وعباراته، مع نسبته الربوبية لغير اللَّه تعالى، يقول قباني:
(يا هلال
أيها النبع الذي يمطر ماس
وحشيشًا ونعاس