وشخصيات أصحابه، ثم يكذبه القول الذي نقلناه آنفًا عن البياتي وهو حداثي أعرف بأصحابه وزملائه وأهل ملته.
أمّا ثناؤه على موقفها من عصابة شعر وحوار ومواقف، فيمكن النظر إليه من خلال الصراع المماثل بل والأكبر الذي كان بين الرأسمالية والشيوعية وأذيالهما في سائر البلدان.
فهل أصبح الشيوعيون في قائمة الإخلاص والنزاهة؛ لأنهم فضحوا مخططات خصومهم الرأسمالية؟، وهل أضحى الليبراليون في القائمة نفسها؛ لأنهم كشفوا مثالب وعيوب الشيوعيين؟.
إن طبيعة الباطل أنه ومنطقه على منوال ما أخبر اللَّه : ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ (١).
فلماذا يا أهل الإسلام تعطون الدنية في دينكم؟ ولماذا تشاركون ولو بشطر كلمة في تأييد الكفر وملله؟، ألم تقرأوا قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ (٢).
ولماذا هذا التدليس الخطير على الأمة بالثناء العاطر على رموز الردة والإلحاد والإدلاء بشهادات التبرئة لهم من العمالة والخيانة؟.
أليس من الجدير أن يعظ هذا المؤلف نفسه بأقوال أشياخ لهم في باب الولاء والبراء لسان صدق عالي الذكر؟، وهو القائل: (وليس من شيمة العربي أن تتجاذبه الظنون نتيجة أحداث تاريخية مضللة ثم قد يموت ولم يدرك سر هذه الأحداث.
стр. 2207
إن الأحداث - منذ وجدت الكواليس تظل رؤيتها معتمة، ولا يُعرف تأويلها إلَّا بعد عقد أو عقدين أو ثلاثة.
بل أقرب من ذلك تصفيق ذوي الغيرة الإسلامية - منذ أحمد شوقي للطاغية الماسوني مصطفى كمال يظنون أنه نصير الإسلام ولم يندموا إلَّا بعد إعلانه العلمانية (١)، فهؤلاء خدعتهم الأحداث السريعة المضللة؛ لأن بواعث الحدث التي صنعها سفلة الدونمة من يهود أسبانيا لم تكن على بالهم.
أمَّا اشتراط المنقاش والمبضع فيفرضه واقع التناقضات لقراءة الفكر في هذين القرنين.
سيرى القارئ بالمنقاش أن معظم الحركات الإصلاحية في الأدب والفكر والسياسة ذات انتماء سياسي، ومجمع سري منذ محفل إيزيس إلى محفل مصر الفتاة إلى محفل الأفغاني كوكب الشرق وإلى أن يشاء اللَّه، وسيرى أن الغلبة لهذه الحركات في الواقع المعاش، وسيرى أنها تتنافى مع ثوابته الفكرية فضلًا عن منافاتها لأعراف مجده التاريخي، وسيرى في أقزام هذين العصرين الذين خرقت شهرتهم الآفاق من هو من غير أبناء مجدنا. . حابانا بدعاية القومية والوطنية وهو عدو لتاريخنا بكل أمجاده، وفيهم أكثر من وجه قبيح مغرر به، وفيهم كثيرون لم يخفوا طائفيتهم، وإذا علمت أن المروج للدعاية الفكرية مدان -فضلًا عن كونه متهمًا- فذلك أحرى؛ لأن تحاكم دعايته بإيجابيات فكرية، وسيرى أن هذه الحركات ذات الغلبة لم تسفر عن خير لا في التصور ولا في السلوك، وسيرى أن الساحة خالية بإطلاق من اختلاف -أو مجرد حوار- في كيفية صنع إبرة. . .
رأيت أحد حاخامات الأدب الحديث في بلادي -من الأميين في ثقافتهم التافهين في تفكيرهم- لا يؤمن بشيء من علوم الآخرة والدنيا إلَّا
стр. 2208
بقصيدة التفعيلة والمزيد من القصة والرواية والمسرحية والموسيقى واللوحة التشكيلية والغرق في شهوات الإحساس الفني!، ولم يدر هذا المسكين أن هذه الفنون وسائل إيحاء وتسويل جمالي تحتاجها الأمة فنًا ملتزمًا بعد إرساء واقعها من قيمتي الحق والخير!) (١).
لقد صدق غاية الصدق وأجاد غاية الجودة في هذا الوصف، فيا ليته لم يستثن مجلة الآداب ولا البياتي ولا عبد الصبور ولا عبد المعطي حجازي (٢)؛ لأن الجميع ضمن إطار وضعه الذي ذكر وإن كانوا على درجات في ذلك "ليسوا سواء".
• الجوائز الأدبية والثقافية:
لقد اتخذ أعداء الإسلام وسائل عديدة لاجتذاب ذوي القلوب المريضة من الذين يسارعون فيهم ويقولون نخشى أن تصيبنا دائرة، ومن الذين يطلبون رضى الناس، بل رضى شر الناس.
وكان من أبرز وسائلهم إعطاء الجوائز ومنحها لاستقطاب بعض، واستهواء قلوب تتطلع إلى نيل ما نال غيرها.
وقد أحيطت هذه الجوائز بهالات الدعاية، وبهارج التزويق فأصبح الحصول عليها أمنية الأمنيات وغاية الغابات، عند من خف ميزانهم، وضعف إيقانهم باللَّه وبدينه، ومن أشهر الجوائز أظهرها "جائزة نوبل" التي يسيطر عليها ويوجهها زمرة من اليهود بل من الصهاينة.
وكان من آخر الأحداث الأدبية التي ضجت بها وسائل الإعلام نيل نجيب محفوظ لهذه الجائزة.
فقد اعتبرها المصفقون في مدرجات العبث والضياع قفزة إلى العالمية،
стр. 2209
وتنافسوا في إطراء الجائزة وصاحبها، وكان الأمة قد نالت نواصي العزة والتمكين لما حصل أحد القصاصين على جائزة يهودية!!.
لقد تراقص العلمانيون والحداثيون والفارغون فرحًا على دقات طبل "نوبل" وفرحوا بالجائزة التي "جعلت أدب العرب في مصاف الآداب العالمية!! " فرح الجعل بدحروجته فهل كانت الجائزة بريئة المقصد، أم أنها كغيرها من الجمعيات والمنظمات الثقافية والأدبية والفكرية الغربية لها وجهان ظاهره العلم والثقافة، وباطنه العمالة والفساد؟، وقد رصد الدكتور السيد أحمد فرج تفصيلات هذه القضية من بداية نجيب محفوظ حتى حصوله على جائزة نوبل، وقد أجاد في رصد "ظاهرة نجيب محفوظ" وحيثيات نيله هذه الجائزة.
وسوف أحاول هنا تلخيص أبرز ما ذكر مما له علاقة بهذا الموضوع:
أ) - بداية نجيب محفوظ: (قيل إن الذي اكتشف نجيب محفوظ ولفت الأنظار إليه هو المستشرق المبشر "جومييه" راهب دير الدمنيكان بحي العباسية بالقاهرة، ويؤكد رشيد الزواوي في كتابه: "أحاديث في الأدب" أنه بعد ظهور الثلاثية بدأ الناس يقرون بموهبة نجيب محفوظ، خاصة إثر المقال الذي كتبه الأب جومييه، فقد أحس هذا الراهب بذوقه الناقد أن فنًا جديدًا يولد في مصر، فكتب مقالًا عن الملحمة الروائية الجديدة لنجيب محفوظ بالفرنسية، ويقرأ طه حسين المقال، ويبادر بقراءة نجيب محفوظ، ويهتم به اهتمامًا خاصًا، ويكشف عن أن فن الرواية الأدبية قد بدأ يظهر في الساحة الأدبية على يد الروائي نجيب محفوظ) (١).
ب) - كان محفوظ وفديًا ثم تحول إلى اليسار الوفدي ثم بعد الثورة إلى الاشتراكية العلمية، ليصبح من غلاة التيار الاشتراكي أيام عبد الناصر، وفي تلك الفترة (برز بأهم نتاجه في عمل أرضى الزعيم. . . وهو عمل إبداعي شيطاني لم يسبق له مثيل في أي عمل أدبي من آداب الأمم قاطبة
стр. 2210
سواء كانت متدنية أو علمانية ملحدة، وأطلق عليه "أولاد حارتنا" نشر مسلسلًا في أكبر جريدة تنطق بلسان الحكومة هي جريدة الأهرام في نوفمبر وديسمبر سنة ١٩٥٩ م) (١).
جـ) - بدأ نجيب محفوظ غزله مع اليهود منذ كتب "خان الخليلي" أي منذ عام ١٣٦٥ هـ/ ١٩٤٦ م ومنحوه رضاهم قبل أن يمنح الجائزة، بدأ الغزل مع اليهود من قبل أن يقوم كيانهم الخبيث في بلاد المسلمين فلسطين، وفي عهد السادات تحول الغزل إلى صبابة، فصارح الرئيس باهمية الصلح مع اليهود (٢).
ومن إعجابه باليهود واهتمامه بهم إيراده لهم في رواياته في صورة جذابة طيبة ذكية وجميلة، كل ذلك في رواياته من "خان الخليلي" حتى "المرايا" حتى "زقاق المدق" حتى "الحب تحت المطر" و"قلب الليل" (٣).
د) - مبادرة نجيب محفوظ للتطبيع مع اليهود، حيث أكد أنه هو صاحب المبادرة وأن السادات تبعه في ذلك، وإقراره بدوره في مشووع إرضاء الصهيونية هو أحد أكبر العوامل لنيله جائزة نوبل.
يقول نجيب محفوظ: (في أعقاب نكسة ١٩٦٧ م جمع د. ثروت عكاشة "وزير الثقافة حينذاك" بعض المثقفين، وأصحاب الرأي لتبادل الأفكار وكان رأيي الذي أعلنته وقتها ضرورة العودة إلى الديمقراطية تمهيدًا للتفاوض مع إسرائيل ثم ناديت بالسلام مع إسرائيل بجريدة الأهرام، حضرها العقيد القذافي في أواخر ١٩٧٠ م في بداية حكم السادات) (٤).
(وكان في خلال أحاديثه الضحفية لا يفتأ يعيد إلى ذاكرة من يهمهم الأمر موافقته للصلح مع إسرائيل، والصداقة معها، وإذا أدلى
стр. 2211
بحديث صحافي حشر فيه حديث مقاطعة الدول العربية لرواياته من أجل صداقته لليهود، ثم يفصل سبب المقاطعة كأن يقول: "في أول عهد السادات جاء القذافي إلى جريدة الأهرام وسألنا ماذا نفعل أمام الاحتلال "نعمل إيه في هذا الوضع" قلت: نحارب، قال: "مش ممكن"، قلت: نفاوض، أيدني توفيق الحكيم وحسين فوزي، أما حسنين هيكل رئيس تحرير الأهرام فقد غير الموضوع، وأذكر أن القذافي لم يوافق، وفي عام ١٩٧٥ م قلت في حديثي لجريدة القبس الكويتية: "إنني ضد اللاسلم واللاحرب لأنها حالة تستنزفنا، وأن المفاوضة هي مواجهة الموقف بواقعية، ولم يكن السادات في ذلك الوقت قد فكر في المبادرة، والعجيب أن السادات كان يهاجمنا قبل المبادرة، ويعد المبادرة قال: إننا نؤيده. . . السلام بيننا وبين إسرائيل شيء مفروغ منه، وتستطيع من خلاله أن نلعب دورًا لمصلحة فلسطين عن طريق السلام لا الحرب) (١).
هـ) - نجيب محفوظ قبل الجائزة.
يدرك نجيب محفوظ أن الجوائز عمومًا لها أهداف، وأن جائزة نوبل خاصة لها غايات خاصة، ولها سمة يهودية أشد خصوصًا.
يقول نجيب محفوظ في وضوح وصراحة: (ما من جائزة إلَّا ومن ورائها شروط ما؛ لأنه لا يُمكن أن أرصد مالي لجائزة إلَّا وعندي هدف، أنا أعمل جائزة ألف جنيه لقصة فيكون وراءها سؤال، أي نوع من القصة؟ وإلّا فلماذا أرصدها؟ لهدف سياسي، لسبب ديني، أو لسبب اجتماعي، وجائزة نوبل تعبر عن قيم الحضارة الغربية، ويوم أن منحت لمنشق روسي، لم تكن تكيد لروسيا، وإنَّما اعتبرت أن الشيوعية هدم لقيم الحضارة الغربية الأصلية، وعندما أخذ أحد الكتاب منها موقفًا واحتج عليها شجعته لأنها تشجع قيمها) (٢).
стр. 2212
إذن نجيب محفوظ يعرف الغايات السياسية والثقافية من وراء جائزة نوبل.
وعلى ذلك -ولسبب يعرفه هو، أو تقتضيه المرحلة- فقد أعلن بأنه (لو قدر ومنح هذه الجائزة فسيرفضها) (١).
ولما أجرى أحد الصحفيين معه حوارًا في هذا الشأن اعتبر الجائزة والفرح بها واللهاث خلفها من علامات القصور!!، سأله الصحفي قائلًا: (لم ينل الأدب العربي جائزة نوبل حتى الآن هل ترد ذلك إلى قصور في جهود الترجمة، أم أن هناك العوامل السياسية التي تتدخل، ولا تجعل تلك الجائزة مقياسًا للأدب؟ فأجاب نجيب قائلًا: هذا سؤال مهم، فأنا لم أفكر أبدًا فى جائزة نوبل، وأعجب كيف أننا نشغل بالنا ليل نهار بهذه الجائزة، وكأننا لم نكتب أدبًا، أو لن يكون لنا أدب إذا لم نفز بها، وهو أمر مخجل يعكس عدم الثقة بالنفس، والنظر إلى تراثنا الأدبي الهائل على أنه قليل القيمة، مع أنه ليس كذلك أبدًا، لا ينبغي أن نشغل أنفسنا بتلك الجائزة أفرادًا ومجتمعًا فهي ليست جوازًا للمرور إلى عالمية الأدب وليست مقياسًا للأدب الجيد) (٢).
وفي كتاب "على نار هادئة" سأله مؤلفه: (إذا منحت لك جائزة نوبل هل سترفضها مثلما فعل سارتر؟ فأجاب نجيب محفوظ: نعم سأرفض هذه الجائزة لو منحوني إياها، لأن البعض اعتقد أنني أدعو إلى السلام وكامب ديفيد من أجل الحصول على جائزة نوبل التي تسيطر عليها الصهيونية العالمية، وأضاف إنني أدعو إلى السلام في نظر هؤلاء لكي أحظى برضا تلك المنظمات التي تتحكم في منح الجائزة لمن تريد، لهذا فإنني سأرفض
стр. 2213
جائزة نوبل لو منحت لي بالفعل لأنني في الحقيقة غني عن رضا الصهيونية. . . إن هذه الجائزة ككل جائزة تقوم على أساسين: الأساس الأول: عمل يشترط فيه درجة من التفوق، الأساس الثاني: تحقيق مضمون معين لا يخلو من خط سياسي بالمعنى العام. . .) (١).
و) - منح جائزة نوبل لنجيب محفوظ:
ولكن كل الكلام السابق ذهب أدراج الرياح فبمجرد أن منح الجائزة طار بها فرحًا وأعلن مباشرة قبوله بها وافتخاره بالثقة الكريمة!! واعتبر ذلك اعترافًا بعالمية الأدب العربي!!.
وإذا أخذنا في الاعتبار الغزل لليهود المنسوج بهدوء في روايات نجيب محفوظ ثم مبادرة الصلح مع اليهود، فإننا سنجد المبرر الكافي لرضا أصحاب جائزة نوبل، الذين ذكر نجيب محفوظ أنهم تسيطر عليهم الصهيونية العالمية.
غير أن ذلك وحده ليس كافيًا في إعطائه الجائزة، وإن كان ذا أثر كبير، واعتبار أكبر عند يهود جائزة نوبل.
ولكن هناك السبب الآخر الذي لا يقل أهمية عن سابقه وقد أشار إليه نجيب محفوظ حين بين أن أحد أسس منح الجائزة أن تكون الأعمال محققه لمضمون معين، فما المضمون الذي دارت عليه كتابات نجيب محفوظ لينال من خلالها جائزة نوبل؟.
لقد كرس نجيب محفوظ كل أعماله الروائية لقلب المعايير الثابتة في المجتمع المسلم، وزعزعة أركان التدين والعبادة والأخلاق والقيم.
فقد أفشى -من خلال رواياته- في المجتمع المسلم جرأة خبيثة في الشك في الدين والسخرية باللَّه تعالى ورسله، وأفشى قيمًا أخلاقية يحرص كل عدو للإسلام والمسلمين على انتشارها في المجتمع المسلم ليضعف ويتفكك.
стр. 2214
أثار الإلحاد تحت أسئلة الشك والريب التي تبدو في ظاهرها بريئة وساذجة، وأثار أمور الجنس بصورة تجعل الفاحشة هينة بسيطة، وتسوغ تعاطي الجنس كالماء والهواء، وتسوغ شرب الخمر والحشيش والرذائل الخلقية (١).
وضع نجيب محفوظ كل هذه القضايا وغيرها على لسان شخصيات رواياته، ونطق هو بها ولكن من خلف أقنعة هذه الشخصيات التي تبدو أنها لا تفرض رأيها، وأنها مجرد صور لبعض حالات موجودة في المجتمع، ولكن القارئ يخرج منها وقد اشتعلت في ذهنه أسئلة الشك، والتهب في قلبه جحيم الجنس إلّا من عصم اللَّه.
لقد حقق نجيب محفوظ الشرط الثاني لنيل الجائزة، وهو ربط المجتمع والأمة بالقيم والأفكار والعقائد الغربية، وبذلك رضي عنه اليهود والنصارى.
بيد أن أهم عمل أشارت إليه لجنة جائزة نوبل هو روايته "أولاد حارتنا" التي هي نفثة سم زعاف من صدر مريض، وعقل خرب، وقلب مليء بالحقد على الإسلام والمسلمين.
إن الروائي يدس فكره بين شخصيات روايته، ويوصل رأيه من خلال الحوارات والمواقف العديدة. يقول نجيب محفوظ في هذا الصدد: (إن الأديب يختار شخصياته لأنه وجدها صالحة للتعبير عن شيء ما في نفسه، كان يجدد شخصية تتسم بالضياع، وكان الأديب وقتها يشعر بالضياع أو شخصية ثائر وكان وقتها يعاني من ثورة مكبوتة. . .، المهم أن الرواية ككل يجب أن تعبر عن وجهة نظري) (٢).
لقد قرر نجيب في رواية أولاد حارتنا أن يسلك مسلك نيتشه الذي
стр. 2215
دعا إلى موت الإله حسب عقله المخبول! جعل "الجبلاوي" كبير الحارة رمزًا عن اللَّه تعالى، و"جبل" أحد الحواة الذين يلعبون بالثعابين "موسى" ﵊، وصور رفاعة "عيسى" كواحد من المعتوهين، وجعل قاسم في دور رسول اللَّه ﷺ ، وجعله مدمن خمر وحشيش وزير نساء وتدور الرواية وأحداثها في دائرة استخفاف وسخرية باللَّه تعالى وأنبيائه عليهم الصلاة والسلام.
أي أن الرواية التي ذكرت في حيثيات نيله لجائزة نوبل تعلن الحرب على الإيمان، وتعلن الإلحاد بصورة سافرة، فقد نال نجيب رضا عصابة "نوبل" من اليهود وأذيالهم من الوجهتين السياسية والفكرية.
وقد ترجمت روايته "أولاد حارتنا" إلى اللغة السويدية بعنوان "موت الإله" وجاء في تقرير لجنة منح الجائزة بالأكاديمية السويدية على لسان "ستوري ألن" "سكرتير الأكاديمية" وهو -أي نجيب محفوظ- يتحمل مسؤولية موت "الجبلاوي" أي الإله) (١).
وقد شهد مجموعة من الكتاب بالمرمى السياسي والفكري من وراء منح نجيب هذه الجائزة.
فقد عقدت مجلة الأزمنة البيروتية ندوة حول ظروف منح الجائزة لنجيب محفوظ، ومما جاء فيها: (إن جائزة نوبل تمثل الرؤية الغربية، ولا يُمكن أن نتخيل كاتبًا عربيًا على صراع ضد الإسرائيليين، مستمرًا في صراعه معهم يحصل على الجائزة؛ لأن هذا لا يتفق مع التصور الغربي للأمور، ولا أستبعد أن يكون للجنة هذه الجائزة جهاز استخبارات خاص، فقد قررت سنة ١٩٧٢ م منح الكاتب الأرجنتيني "جورجي لويس بورجنس" الجائزة لكنه حرم منها قبل أسبوع واحد من إعلانها لسبب غريب هو أنه يحابي ذكر الزعيم الفاشي موسوليني، ويتحدث عنه بعطف شديد فحرم الجائزة إلى الأبد، والكاتب الإسرائيلي المجهول "عجنون" ينالها، ولم تكن
стр. 2216
له أعمال ذات قيمة، ولم تكن له كتب مترجمة إلى لغات أخرى) (١).
(إن العامل السياسي لعب دوره في قضية منح نجيب محفوظ الجائزة، فقد ظهر نجيب محفوظ على شاشة التلفزيون الإسرائيلي، وأعطى مقابلات لنقاد وأدباء وصحافيين إسرائيليين، وهذا ما جعله أقرب إلى مفهوم الغربيين من غيره من الأدباء، كما أن الرئيس أنور السادات أقرب إلى الغربيين من الرئيس عبد الناصر للسبب نفسه، أنا أدخل العامل السياسي، وأراه مباشرًا، إنه صار إسرائيليًا في نظرته السياسية، أو تجنس إسرائيليًا) (٢).
وأخيرًا أنقل كلامًا لأحد اليهود قاله في ندوة عقدت في جامعة تل أبيب في ١٩/ ١٢/ ١٩٨٠ م/ ١٤٠٠ هـ حول دعم "علاقة السلام" بين مصر وإسرائيل وشارك في الندوة مصطفى خليل رئيس وزراء مصر في نظام السادات، وبطرس غالي وزير خارجيته ومجموعة من أساتذة جامعة تل أبيب اليهود، ومنهم البروفسور "ساسون سوميخ" الذي قال: (أثناء زيارتي لجامعة عين شمس في مصر ساءني جدًا أن أجد مكتبتها مليئة بالكتب التي ألفها متعصبون من الإخوان المسلمين ضد اليهود، ولكن الذي آلمني أكثر أنني وجدت هذه الكتب تباع في المكتبات وأكشاك الصحف بحرية تامة، وإنني لا أعتب على أدباء مصر الذين يعطفون على إسرائيل كالحكيم ومحفوظ إذا لم يفعلا شيئًا لمنع هذه الكتب المناهضة لإسرائيل، لأنني أعلم أنهما لا يستطيعان ذلك. . .) (٣).
فهل بعد ذلك من قول في مدى عمق الولاية من هذه الفئة لأعداء الإسلام؟.
وهل من شك في أن جائزة نوبل، لا تعطى إلَّا لمن رضيت عنه المجامع اليهودية والصهيونية على وجه الخصوص؟.
стр. 2217
ومع جلاء هذه الحقيقة حتى لنجيب محفوظ فإن الملاحق الثقافية والفنية ما فتئت تبكي على عدم وصول الجائزة -قبل نجيب- لمن يستحقها.
ففي ملحق الحياة الثقافية في مجلة اقرأ عنوان "هكذا تصل الجوائز إلى الذين لا يستحقونها" وتحته ما يلي: (جائزة نوبل لا تعترف بالمبدعين العرب، وبعيدًا عن أي ظلال قومية أو وجدانية، فإن نقادًا عالميين يعترفون الآن بعالمية، عدد من الكتاب العرب، ومع ذلك فلا تزال أسماء مثل نجيب محفوظ وعبد الرحمن منيف وأدونيس بعيدة عن التكريم. . . أبواب نوبل مقفلة أمام العرب، ولكن من تراه يكتب تلك التقارير النقدية التي تشكل الطريق إلى الاختيار؟ ذات يوم كتبت إحدى المجلات الفرنسية الأدبية تقول: "هل يوجد حقًا وراء أعضاء الأكاديمية السويدية رجال مقنعون، يحملون مسدسات مجهزة بكاتم للصوت هم الذين يختارون الرجل الذي يتربع على عرش الأدب لمدة عام كامل؟ " كثيرون في العالم الثالث قالوا إن أجهزة استخبارات وعلى رأسها الـ "سي. آي. إي" بالطبع تشارك في الاختيار، لكن هذا ظل مجرد كلام وإن كان واضحًا، إن للاختيار دائمًا ظلالًا سياسية مقنعة) (١).
وفي ملحق آخر يتباكى أصحاب الملحق على عدم منح الجائزة لكتاب وأدباء عرب، تحت عنوان "أسئلة حول ترشيح الحبابي لجائزة نوبل، ومشكلات الكتابة بالفرنسية) (٢).
فإذا كان هذا الكلام عن جائزة نوبل والعداء -آنذاك- معلن ضد اليهود والصهيونية، فماذا تتوقع منهم اليوم، وموائد السلام تبسط، والأكلة على قصعتها من كل المذاهب والمناهج الحداثية والعلمانية.
стр. 2218
• جائزة الإبداع الأدبي في إسرائيل:
وهي جائزة لا غبار على توجهها السياسي والثقافي، وقد منحت في سنة ١٤١٢ هـ للحداثي الفلسطيني النصراني "أميل حبيبي" الذي قال بعد إعلان ترشيحه للجائزة: (أشكر أعضاء لجنة التحكيم ذوي الحيثية الأدبية والعلمية المرموقة، على قرارهم منحي جائزة الإبداع الأدبي في إسرائيل، وأقدر وزير الثقافة زبلون هامر على قيامه بتبليغي بالجائزة شخصيًا) (١).
وكلمات الفرح والشكر هذه لم يكتبها يهودي أو أمريكي، وإنَّما حداثي عربي له عند الحداثيين العرب المقام الرفيع، إنه أميل حبيبي الذي يقول عنه إسحاق الشيخ يعقوب في ملحق الثقافة في جريدة عكاظ: (. . . اختار لنفسه البقاء والتشبث بالأرض (٢) عندما أدبر الكثيرون من بني جلدته، وانخرط في نار المعركة، وصلب قلبه على عوسجة رعناء، وتنسم عطر الأرض، وأعطى ولا يزال يعطي من نزيف قلبه وملكوت خطاباته المفعمة بالطيبة، الشامخة في الوطنية، المشبوبة على عزة النفس، وقسم الحياة الحرة الكريمة، تلكم الخطابات التي لم تنل من شرف وطنيتها جزمة جلواز ولا سلطان مال ولا جاه محتل، عرفته المحافل الثقافية والأدبية كأحد الروائيين المبدعين المرموقين الذين ينفردون بحضور أدبي وخصوصيات جديرة بالدراسة والتدقيق. . . هذا الكاتب الفلسطيني الكبير المناضل الجسور ضد الصهيونية) (٣).
كل هذه المدائح الكاذبة المغالطة للواقع، القالبة للحقائق، سردها هذا الكاتب، والظاهر أنه من منطلق اجتماعه مع أميل حبيبي في "الواقعية الاجتماعية" والنظرة الديالكتيكية للأمور، وهو الكاتب الذي نعى على تركي الحمد تركه لهذا الاتجاه وتحوله إلى الاتجاه الليبرالي الغربي.
стр. 2219
قال هذا الكاتب هذه الأقوال عندما ذهب أميل حبيبي إلى مؤتمر في "عشق آباد" عاصمة تركمانستان قبل انهيار الاتحاد السوفيتي، حيث التقى هناك ببقايا الشيوعيين والماركسيين واليساريين العرب، لترميم ما يُمكن ترميمه من الرداء الماركسي المهتريء، وفي المؤتمر قال أميل حبيبي كلمته الصهيونية: (فلتكفوا أيها العرب عن التدخل في القضية الفلسطينية) (١).
وقد اعتبر هذا الكاتب المدافع والمبجل لأميل حبيبي أن النقد الذي وجه إليه إنَّما هو (تكريس للنزعة الشوفينية) (٢).
وهي من العبارات المستهلكة التي طالما رددها الماركسيون.
وهذا المديح والإطراء الزائد يدلنا على نوعية من الاحتفاء الحداثي، حتى ولو كان في الأمر قلب كامل للحقائق، فمن هو أميل حبيبي هذا؟.
لقد استنكر بعض الكتاب العرب قبوله لهذه الجائزة اليهودية التي لا تمنح إلَّا لشخص قدم لدولة اليهود الخدمات الكبيرة، وطالب بعضهم بمراجعة "حبيبي" لموقفه قبل أن يستلم الجائزة من وزير الثقافة الإسرائيلي في ١٥ مايو ١٩٩٣ م/ ١٤١٣ هـ، الذي يوافق مرور أربعة وأربعين عامًا على اغتصاب اليهود لأرض الإسراء.
ولكن الذين يعرفون أميل حبيبي تمام المعرفة لم يفاجأوا بأخذه للجائزة، التي تعتبر اعترافًا من اليهود بفضل من ينالها، وتتويجًا منهم لهذا الرجل الذي بذل في خدمة اليهود ودولتهم أكثر عمره، ابتداءً بقبوله الطوعي للجنسية الإسرائيلية، ودخوله الكنيست عضوًا ممثلًا للحزب الشيوعي الإسرائيلي "راكاح"، وانتهاءً بدعواته المتواصلة للاعتراف بإسرائيل والتعايش السلمي معها وتطبيع العلاقات معها والحياة تحت ظل حكم اليهود (٣).
وقبوله لهذه الجائزة ما هو إلَّا حلقة من حلقات التآمر والعمالة والولاء
стр. 2220
لأعداء الإسلام، وجزء من مقلب "العفن الثقافي" الذي انغمست فيه التيارات الحداثية.
• جائزة الغنكور:
وهي الجائزة الفرنسية التي لا تعطى إلَّا لعمل روائي يطابق المواصفات التي رسمها واشترطها "أدمون غنكور" الروائي والمؤرخ الفرنسي، في وصيته حول الجائزة قبل ما يقارب المائة عام.
جائزة تعطى لمن يخدم المآرب الثقافية والسياسية الفرنسية، لكي تظل هذه المآرب على قيد الحياة، من خلال صنائعها من الكتاب والأدباء.
وممن أعطي هذه الجائزة الحداثي المغربي "طاهر بن جلون" صاحب الانحرافات العديدة والتي سجلها في روايته "ليلة القدر" وكتابه "أقصى درجات العزلة" وقد نقلت عنهما في مواضع من هذا البحث ما يدل على مقدار انحرافاته الاعتقادية والخلقية.
رجل أدار ظهره لبلاده وأمته وحضارتها وتاريخها، والاطلاع على نتاج هذا الرجل يعطى برهانًا كافيًا على السبب الذي اختير من أجله لجائزة "الغنكور" ويخرج بتصور شامل عن الرسالة الهدامة التي يحملها بن جلون، والسر الذي جعل الفرنسيين يكرمونه بهذه الجائزة في المركز الثقافي الفرنسي في تونس (١).
ولنأخذ شهادة أحد عتاة الحداثة وهو رشيد بوجدرة الذي أدلى عن العصابة "الفرنكوفونية" بشهادات صريحة واضحة غاية الوضوح حيث قال: (. . . الكلام الذي قاله المؤدب والقاسمي وآخرون ممن عرفوا ككتاب
стр. 2221
مغاربيين فرانكفونيين، بعد فضيحة حقيقية، ويقولون أيضًا إن الفرنسية هي لغة التحرر واللغة العربية هي لغة الدين والعبادة واللاهوت؛ لأنهم يجهلون التراث واللغة والحضارة العربية الرائعة، إن موقفهم يعبر عن جهل وخيانة بل وعن خبث، وليسوا الوحيدين المعروفين بمفهوم "عرب الخدمات الفرنسية" الذين يستجيبون لإيديولوجية تعادي الحضارة العربية الإسلامية. . . إنه أصولية سياسية، وإذا أردت وصولية أيديولوجية. . . عرب الخدمات الفرنسية، يمجدون اللغة الفرنسية لأنها تضمن لهم العيش باسم الأدب والصحافة. . .، قبلهم كاتب ياسين هو الذي قال: إن اللغة العربية لغة ميتة، للأسف هو الآخر هدم للآيديولوجيا الفرنكوفونية بالرغم من أنه مبدع حقيقي، للأسف لقد قال ما يرضي أسياده، وأنا شخصيًا لن أمسح له هذا الموقف وسيبقى وصمة عار في جبينه، وسياسيًا ياسين يختلف عن الذين ذكرتهم، وسياق مواقفه تختلف عن الأدباء المغاربيين الذين "أدمنوا" على الانتهازية السياسية، لكنه بدوره يجهل الحضارة العربية الإسلامية، ووقع في فخ الخلط بين الموقف السياسي والمعرفة الحضارية العربية الإسلامية والإبداع الأدبي العربي، لكنهم منافقون لأغراض مصلحية ومادية في فرنسا لم يعطوني جائزة خلال ٢٥ سنة كتابة، وفي ألمانيا وإيطاليا وأمريكا تحصلت على عدة جوائز، بل أحصل في إيطاليا على جائزة كل سنة. . .) (١).
• جائزة اللوتس:
وتمنحها منظمة كتاب آسيا وأفريقيا، الموظفة لخدمة الفكر الاشتراكي، وهذه الجائزة لا تقدم إلَّا لمن سار في خدمة الشيوعية، داعيًا إليها، وكان معبرًا عنها في بلاده، ساعيًا لتمكينها سياسيًا واعتقاديًا في مجتمعه.
وقد احتشدت طوابير اليسار العربي للحصول على هذه الجائزة.
стр. 2222
ومن الذين حصلوا عليها "حسين مروة" (١) الماركسي اللبناني، وزميله الفلسطيني الماركسي "غسان كنفاني" (٢)، وثالثهم الماركسي الآخر "أبو سلمى: عبد الكريم الكرمي" (٣)، وغيرهم من عتاة الاتجاه الماركسي.
• الولاء للأحزاب الماركسية:
انتمت مجموعة من الحداثيين للأحزاب الماركسية انتماءً عضويًا وبعضهم وصل إلى مواضع قيادية في هذه الأحزاب، واستتبع هذا الانتماء أن أصبحوا أداة تنفيذ للمآرب الشيوعية الاعتقادية والسياسية وغيرها، وإخضاع الأمة لإرادة الدول الشيوعية.
يقول حسين أحمد أمين: (. . . المخرج الوحيد يكون بخضوع العالم الإسلامي، بعد عشرات السنوات، للاتحاد السوفيتي ليكتسب حينئذٍ وجودًا فعالًا في الميدان العالمي) (٤).
هكذا يطرح الشيوعيون واليساريون عمومًا فكرتهم، فليس المطلوب عندهم السير في فلك الدولة الشيوعية الكبرى، بل الخضوع لها، وعندما يسأله عبد الرحمن منيف هل يُمكن اعتماد نظام الإسلام لدولة عصرية يشكك في ذلك، بل ينفي ذلك ويطالب بدولة علمانية ويطالب بـ (دراسة حقة للمجتمعات العربية بمنظار الاشتراكية. . .) (٥).
وهكذا في سلسلة طويلة من الولاء للشيوعية والاشتراكية ولاءً يستهدف ربط الأمة بقافلة القطعان التابعة للشيوعية، إلى حدٍّ جعل شاعرًا مثل الفيتوري يقول: (إنني لا أشك في أصالة بعض المبدعين في هذه الحركة،
стр. 2223
لكني أشك في توجهاتهم ورؤاهم السياسية) (١).
أعضاء الأحزاب الشيوعية، والدائرون في فلك اليسارية أدوات لتسويغ الإلحاد، وتبرير التصرفات الماركسية، وأبواق مديح للمدن الشيوعية والشخصيات والرموز الشيوعية، سواء منهم المرتبط تنظيمًا بالأحزاب الماركسية، أو السائر تحت مظلة غبار هذه الأحزاب ممن يطلق عليهم أدباء الكتلة الشرقية أو أدباء الواقعية الاشتراكية (٢). (٣)
ومما تميز به أتباع اليسار وخاصة أتباع الماركسية منهم التغني والتبجيل الممل للرموز السياسية والاقتصادية الشيوعية مثل أسماء المناضلين!! الشيوعيين، وأسماء المواقع والمدن، والإنجازات!! الشيوعية، والمواطن
стр. 2227
والتواريخ المرتبطة بقيام الشيوعية، وغير ذلك (١).
• الولاء لليهود:
سبق في الفصل الرابع من الباب من الباب الأول ذكر التصورات الحداثية المتأثرة باليهودية، وذكر الشواهد العديدة على هذه القضية الخطيرة، وفيها أكبر الدلالة على الموالاة للمفسدين في الأرض، والتعاطف معهم، والاقتباس منهم.
بيد أن هناك بعض التصريحات الحداثية الدالة -سياسيًا- على العمالة والولاء لليهود.
ومن ذلك قول يوسف الخال: (يخطيء من يزعم أن إسرائيل إنّما وجدت كرأس جسر للغرب. . . أنا أعتقد أن القضية الفلسطينية لا تفهم على حقيقتها إلَّا باعتبارها جزءًا أساسيًا من المسألة اليهودية عبر التاريخ فمنذ أن خرج اليهود ومن مصر أحدثوا مشكلة كانت، أول الأمر، محلية، ثم صارت مشكلة رومانية، ثم بيزنطية، ثم لما انتشروا في العالم صارت مشكلة عالمية.
والتاريخ بجميع مراحله، كان معنيًا بحل هذه المشكلة، والإنسان يعجب بهذا الشعب القليل العدد الذي لاقى جميع أصناف الاضطهاد، على أجيال عديدة، ولكنه ظل متمسكًا بشخصيته الفريدة التي لم يتنازل عنها، وبادعائه بأنه شعب اللَّه المختار، وأنه معد لأن يخلص العالم، هذه الظاهرة تدع الإنسان بفكر بكون المسألة اليهودية ليست مجرد مسألة اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية مثلًا إيجاد مأوى لهم وخصوصًا بعد اضطهاد النازية لهم، مع أن هذا لاصق بجلد المسألة لا بقلبها.
ولا يكفي أن يفسر البعض نفوذ اليهود في العالم وقدرتهم على العودة إلى فلسطين تفسيرًا قائمًا على أساس ماركسي أو سياسي أو اجتماعي، ذلك لأن جوهر القضية هو أن اليهودية دين ودنيا، ولذلك فهي مرتبطة بجذور
стр. 2228
تاريخية في أرض معينة، وإذا كان هذا صحيحًا، فإن حل القضية يجب أن يأخذ ذلك بعين الاعتبار. . .) (١).
ليست هناك مناصرة لليهود وتأصيل لنظريتهم -من وجهة نظر صهيونية- أبلغ من هذا القول.
ولما سئل الماركسي رشيد بوجدرة: من هو العدو الأول للإسلام حاليًا؟ أجاب: (إنهم المتعصبون (٢) لا الصهاينة ولا الشيوعيون. . .) (٣).
أمَّا محمود درويش فإنه لم يجد أفضل من أسلوب المعاتبة الودية الباردة لرفيقته اليهودية "تولميت" التي التقى بها في البار وفي المخدع وأظهرت يهوديتها، ومع ذلك عاشرها جنسيًا، وعاتبها باستحياء على هذا الموقف ولكنه قالها في ليلة عناق جنسي: (كل قومياتنا قشرة موز) (٤)، ثم يسترسل في الكلام عنها في كلمات على لسان هذه الداعرة اليهودية، التي تعاشر يهوديًا يؤمن بأحقية اليهود في أرض المسلمين في فلسطين، وتعاشر محمود درويش الذي أقنعها بإسقاط قشور القوميات والعقائد حسب وصفه (٥).
ويعاتب سميح القاسم رفيقه بل أحد كبار شعراء السوفييت "يفجني إيفتشنكو" الذي قال بأنه لا يعرف الحقيقة عن القضية الفلسطينية ومأساة اللاجئين (٦)، والذي قال في قصيدة له بعنوان "بابي يار" وهو واد في الاتحاد السوفيتي ذبح فيه هتلر بعض اليهود وقد ضمن سميح القاسم أقواله هذه في مقطوعته العتابية، وشرح معناها في الهامش، ومن ضمن أبيات
стр. 2229
إيفتشنكو التي ضمنها سميح قوله:
(وأنا أبدو يهوديًا لنفسي
وأنا درايفس
والمشتوم والمبصوق في وجهي
أنا المكروه والمطعون في أعماق حسي) (١).
ثم يقول له سميح القاسم عضو الحزب الشيوعي الإسرائيلي "راكاح":
(عرفتك واحترمتك
يا شقيقي في الجراحات في الماضي الحزين
وشقيقي في كفاح اليوم
والمستقبل الخصب بما فوق الظنون
يا شقيقًا ما رأيتك
ألف عفوٍ. . .) (٢).
ويستمر في هذا القبيل، الذي إن دل على شيء فإنّما يدل على أن ايفتشنكو اعتز بأصله اليهودي ودافع عن أمته، في حين أن هذا -وهو أحد شعراء الأرض المحتلة!! - ينزوي محاورًا في لطف وخجل بل مادحًا شقيقه في الماركسية.
أمَّا زميله توفيق زياد المسمى زورًا "شاعر الشعب والقضية" فإن أحد الحداثيين الذين قدموا لديوانه، على الطريقة الاحتفالية الحداثية المعهودة،
стр. 2230
وامتدحه بقوله: (إن هذا الشعر يخلو من الشوفينية (١)، ومن كره اليهود كيهود) (٢).
وقوله: (ثمة نقطة هامة وهي خلو شعر توفيق زياد وزملائنا الآخرين في الأرض المحتلة من النزعة الشوفينية البغيضة، فلم تعد القومية إقليمية محدودة بل اتسعت وأصبحت قومية إنسانية، إنه لا يكره اليهودي ولكنه يكره الصهيوني العسكري، الذي حل محل أهله المشردين، إنه يكره البرجوازية سواء أكانت يهودية أم عربية، ويكره السلطة العسكرية اليمينية، راجع قصيدته أيخمان بشكل خاص، يخاطب الشعب اليهودي، وينبهه إلى خطر السلطة اليمنية) (٣).
أي أن زياد وزملاءه من شعراء الأرض المحتلة لا يعارضون اليهود كيهود، وإنَّما يعارضون الصهيونية والحكم اليميني حسب القول السالف، وهذا يعني أنه لا مانع عنده من حكم اليهود وسلطتهم إذا كانت بيد اليسار اليهودي، وليست هناك عمالة ومخادعة للناس وموالاة للأعداء أخبث ولا أبشع هذه العمالة.
أمَّا تقسيم اليهود إلى معتدلين وصهاينة ويسار ويمين فليست سوى لعبة يهودية اصطنعها اليهود وروجوها وانطلت على كثيرين (٤).
أمَّا قصيدته "ايخمان" ففيها مخاطبة عاطفية لليهود:
(ومداخن الأفران قائمة كآلهة المنايا
مستنقع الموت. . . للقتل المطل من الخبايا
стр. 2231
علقه!! علق علها ترتاح أرواح الضحايا
وانشر كفاحك، لن يعيد الدهر هاتيك البلايا) (١).
هل يُمكن أن يقول يهودي لقومه أكثر من هذا؟! ومن قوله مخاطبًا اليهود:
(يا شعب قل للظالمين: أتحسبون بأنكم ستخلدون) (٢).
وله قصيدة "المناشير المحترقة" قال في مقدمتها: (إلى الأصدقاء اليهود الذين وزعوا المناشير عن الشهداء الخمسة في تل أبيب -ساحة ديزنكوف- فاعتدى عليهم أُجراء البوليس ومزقوا ثيابهم وحرقوا لهم المناشير وكتبهم التي كانوا يحملونها) (٣).
وكان مما قاله لهؤلاء اليهود:
(الورة أحمل. . والسلام الحق. . والحب العميق
هذي يدي
يا أصدقاء كفاحنا في كل ضيق
في كل عرق نابض
عهد الصديق إلى الصديق) (٤).
فإذا كان هذا قولهم وموقفهم أيام كان الموقف الرسمي من دولة اليهود ظاهر العداء والخصام، فماذا سيقول هؤلاء اليوم وقد جثت ركب كثيرة عند حائط المبكى وباب الكنيست تطلب السلام؟!.
ولست أريد أن أعيد ما سبق الكلام عنه عند جائزة نوبل التي استحقها في زمن متقارب نجيب محفوظ وأنور السادات لموقفهما الموالي لليهود.
стр. 2232
كما لا أريد إعادة الكلام عن كتاب "في الشعر الجاهلي" لطه حسين وخدمته لليهودية، واحتفاء الصهيونية به (١)، أو مجلة "الكاتب المصري" ذات الاتجاه والدعم اليهودي، وأثر سلامة موسى فيها (٢).
كل ذلك وغيره مما ظهر وعرف، وأكثر منه مما دار خلف الحجب يدل على أن هذه الاتجاهات الحداثية والعلمانية ليست سوى شعرات نتنة نبتت تحت آباط اليهود.
وبعد هذا الإيضاح لأوجه الولاء لأعداء الإسلام والبراء من الإسلام وأهله، ماذا يُمكن أن أقول بعد أن طم سيل الرأسمالية الأمريكية واليهودية العالمية، وتسابق كثيرون في ترتيل تعاليم التلمود؟.
• • •
стр. 2233
الخاتمة
١ - بيان أسباب الانحراف العقدي في الأدب العربي المعاصر.
٢ - مقترحات لمواجهة الانحراف العقدي في الأدب العربي المعاصر.
وبعد هذه المسيرة مع أدب وفكر "الحداثة" في شعبها الاعتقادية والعملية، وفي أصولها الفلسفية الغربية، وفروعها التقليدية العربية وممارساتها الفعلية، يتضح ومن خلال الميزان الاعتقادي والرؤية النقدية العقلية، والاعترافات الصريحة لأهل هذا الاتجاه؛ ما يلي:
أولًا: الحداثة نبتة غربية جيء بها لإكمال أدوار التسلط الاستعماري التي مارسها الغرب ضد بلاد المسلمين في القرون المتأخرة.
ثانيًا: الحداثة فكرة مستعارة، وعقيدة مستوردة، كتبت بأقلام عربية الحرف أجنبية الولاء.
ثالثًا: من أهم أغراض الحداثة الهدم والتخريب وإحداث الفوضى في العقائد والأخلاق وفي النظم والعلاقات.
رابعًا: ليست الحداثة مجرد تجديد في الأشكال والأساليب والمناهج الفنية، بل هي عقائد وإيديولوجيات شتى، تجتمع تحت مقصد واحد هو: مضادة الدين الحق، ومناقضة الإيمان واليقين، وغرس الضلالات والإلحاد والشكوك.
стр. 2234
خامسًا: الحداثة لا تخالف الإسلام فحسب بل تناقضه تمام المناقضة، وتسعى في هدمه وإزاحته من القلوب والعقول والأعمال، أو على أقل الأحوال التشكيك في ثبوته وصحته وجدواه.
سادسًا: بالنظر إلى كلامهم ومواقفهم من الإيمان باللَّه تعالى نجد أنهم في الربوبية:
أ - نفوا وجوده تعالى أو شككوا في ذلك.
ب - نفوا أن اللَّه تعالى هو الخالق المالك المدبر.
جـ - نسبوا الأبدية للمخلوق، وقالوا بأزلية العالم والخلق.
د - نسبوا الخلق إلى غير اللَّه تعالى، وسموا غيره من المخلوقين خالقًا.
هـ - نسبوا الربوبية إلى غير اللَّه تعالى.
و- سخروا واستخفوا باللَّه الخالق الرب العظيم ﷻ ، وتعمدوا تدنيس صفة الربوبية.
وأمَّا ألوهية اللَّه تعالى فقد انحرفوا وضلوا من خلال:
ذ - نفيهم لألوهية اللَّه تعالى.
٢ - نفي بعض خصائص ألوهيته تعالى.
٣ - جحد حق العبادة للَّه تعالى، والسخرية بالعبادة ومظاهرها.
٤ - العبودية لغير اللَّه تعالى.
٥ - تأليه غير اللَّه تعالى، ووصف غير اللَّه -جلَّ وعلا- بالألوهية.
٦ - الحيرة والشك في الغاية من الحياة، ووجود الإنسان، والزعم بأن الوجود عبث.
٧ - السخرية والتدنيس والاستخفاف باللَّه تعالى وألوهيته جلَّ وعلا.
٨ - احترام الكفر والإلحاد وملل الكفر وامتداح أهلها والثناء على أقوالهم وأعمالهم الضالة.
стр. 2235
وأمَّا أسماء اللَّه وصفاته فقد ضلوا فيها من عدة أوجه هي:
١ - وصف اللَّه تعالى وتسميته بأسماء وأوصاف النقص ووصفه جل وعلا بما لم يصف به نفسه، وإضافة أشياء إليه تهكمًا واستخفافًا به تعالى وتقدس.
٢ - نفي أسماء اللَّه تعالى وصفاته الثابتة له في الوحي المعصوم.
٣ - وصف غير اللَّه تعالى وتسميته بأوصاف وأسماء اللَّه تعالى.
٤ - السخرية بأسماء اللَّه وصفاته، ومخاطبته تعالى بما لا يليق به.
سابعًا: أمَّا الركن الثاني من أركان الإيمان وهو الإيمان بالملائكة فقد نفوا وجود الملائكة ووصفوهم بما لا يليق بهم في تهكم بغيض وسخرية خبيثة، وألحقوا أسماء وأوصاف الملائكة بغيرهم.
ثامنًا: أمَّا الكتب المنزلة فقد ضلوا فيها بجحدهم الوحي جملة وتفصيلًا، وجعل ما جاء فيها من جملة الأساطير المختلقة، ونفوا أن يكون القرآن العظيم كلام اللَّه، أو أن تكون أخباره حقيقية، أو أوامره لازمة، وأخضعوه للمناهج الفلسفية الغربية الضالة المنحرفة.
تاسعًا: جحدوا وجود الرسل أو شككوا في ذلك، ونفوا الصدق عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وذلك بجعل ما جاؤوا به من ضمن الأساطير، مع بغض للرسل واستهانة وسخرية بهم وبأعمالهم وأقوالهم، وإطلاقهم الأقوال الضالة في أن الرسل والرسالات مناقضة للعقل وسببًا للتخلف، مع ترديد أقوال الكافرين والملحدين الأقدمين التي أطلقوها على الرسل الكرام، إضافة إلى إطلاقهم أسماء وأوصاف الرسل على شعراء وأدباء الحداثة وأشباههم من المنحرفين.
عاشرًا: جحدوا اليوم الآخر، ونفوا البعث، واعتبروا موت الإنسان فناءً لا شيء بعده، وادعوا أن الإيمان بالآخرة من أسباب التخلف؛ لأن الحياة الدنيا -عندهم- هي المقر الوحيد للإنسان، وزعموا أن الدنيا أبدية لا تفنى ولا تبيد، مع سخريتهم واستخفافهم باليوم الآخر وما وراءه، واستهزائهم بالجنة ونعيمها والنار وعذابها.
стр. 2236
حادي عشر: نفوا وجود قدرٍ قدّره اللَّه تعالى، وجعلوا القدر مجرد خرافة وكذب، وذموا القدر، واعترضوا عليه، وجعلوا الإيمان به سببًا للتخلف والتحجر والمهانة، وتهكموا بقدرة اللَّه وقَدَرِهِ وبالمؤمنين به، مع نسبتهم التقدير والقدر إلى غير اللَّه تعالى.
ثاني عشر: جحدوا كل الغيبيات التي جاء بها الإسلام؛ لأن الإنسان عندهم مجرد جسد تطور عن حيوان، وجعلوا الإيمان بالغيبيات الحقيقية التي أثبتها الوحي من أسباب التخلف الرجعية، مع سخرية بهذه الغيبيات الثابتة، واستخفاف بالمؤمنين بها، وإيمان بغيبيات تناسب أهواءهم وضلالهم مثل الإيمان بنظرية داروين وحتميات ماركس واعتقاد أزلية المادة، والإيمان بالوثنيات الجاهلية القديمة.
ثالث عشر: عبثوا في كلامهم بالمصطلحات والشعائر الإسلامية، واستخدموا أصلهم في الهدم والفوضى والعبث والتخريب ضد الألفاظ والمضامين الإسلامية، قاصدين بذلك تدنيس المقدس واستباحة المحرم والتحرر من المنع، وإسقاط موازين الحلال والحرام.
رابع عشر: حاربوا حكم الإسلام، ورفضوه جملة وتفصيلًا، وزعموا أنه لا حكم في الإسلام، وأن أحكامه لا تلائم العصر ولا يُمكن اعتماد الإسلام نظامًا للحكم، وأن حكم اللَّه تعالى من أسباب التخلف والإعاقة عن التقدم، وأن أحكام الإسلام ليست من عند اللَّه بل هي بشرية من صنع البشر، مع دعوة إلحادية صريحة بوجوب فصل الدين عن الحياة وعن الدولة والسياسة خاصة، وإخضاعه للتفسيرات العصرية والتطبيقات العلمانية، مع سخرية بأحكام الإسلام، ودعوة صريحة إلى تحكيم غيره من النظم والفلسفات والمناهج الأرضية الجاهلية.
خامس عشر: سخروا من الأخلاق الإسلامية، بل جحدوا وجود الأخلاق تحت دعاوى نسبية الأخلاق، ومزاعم أنها من عوامل الكبت والتخلف؛ ولذلك تبنوا الدعوة إلى الانحلال والفوضى الخلقية ومارسوا ذلك
стр. 2237
فعلًا في سلوكهيم واعترفوا به، واستعاروا مذاهب وسلوكيات الغرب وسعوا في ترويجها قولًا وعملًا، ومن ذلك: جعلهم الإباحية الجنسية أساس التحرر السياسي والاجتماعي، واعتبارهم المرأة مجردة جسد ومستوح للشهوات الجنسية، وإشادتهم بالرذائل الخلقية ودعوتهم إليها وممارستهم لها، مع عداوتهم وذمهم للأخلاق الفاضلة، ودعوتهم للإباحية الجنسية والإغراق في وصف الأعضاء الجنسية وأعمال الجنس والحشيش والمخدرات والخمر والدعارة.
سادس عشر: فسروا الحياة الاجتماعية والنفسية تفسيرات مادية حيوانية، فأمَّا القضايا النفسية فساروا فيها على منوال فرويد واقتفوا آثار فلسفته الحيوانية المادية، وأمَّا القضايا الاجتماعية فقد تبنوا معاداة المجتمع ومضادته، وسعوا في إفساده، من خلال إسقاط مفاهيم الأخلاق والقيم من المجتمع، ونفي قيام مجتمع على أساس ديني، والدعوة لتطبيق الحياة الاجتماعية الغربية في المجتمعات الإسلامية، مع مضادة للأسرة ونظام العائلة والوالدين.
سابع عشر: بناء على خلفياتهم الاعتقادية الضالة سعوا إلى تطبيق النظم السياسية والاقتصادية الجاهلية محكمين أسيادهم في ذلك، داعين إلى تطبيق هذه النظم وساعين في إخضاع الأمة لطواغيت هذه النظم، وإلحاقها بمعسكرات الشرق والغرب، مع اعترافهم صراحة بالانتماء فكريًا وعمليًا لأعداء الإسلام، والعمالة الظاهرة والخفية لهم.
ثامن عشر: عند التأمل في كلامهم ومواقفهم وأعمالهم وخلفياتهم الاعتقادية ومنطلقاتهم الفكرية، يلاحظ بوضوح أنهم يستندون إلى قواعد فكرية جاهلية، تمتد من الوثنيات الإغريقية والآشورية والفرعونية حتى تصل إلى فروعها المادية المعاصرة من مذاهب الغرب وفلسفاته وعقائده المتفرعة من الشجرة الخبيثة شجرة المادية الملعونة.
ومن تأمل الأصول والمحاور الاعتقادية والفكرية لأدب الحداثة التي
стр. 2238
سبق ذكرها في ثنايا البحث (١)، يجد الثمرات المرة السائة التي أنتجتها هذه الشجرة.
١ - بيان أسباب الانحراف العقدي في الأدب العربي الحديث:
أولًا: أسباب داخلية:
١ - التخلف الاعتقادي، وهذا من أعظم الأسباب وأخطرها؛ ذلك أن المتخلف عن فهم العقيدة الإسلامية الصحيحة، لابد أن يكون أرضًا قابلة لأمراض الشبهات وأسقام الأهواء.
٢ - الجهل بالإسلام عقيدة وشريعة وأخلاقًا، ومن هذا الباب ولجت أنواع الانحرافات الكثيرة ودخلت الدواخل على كثير من أبناء المسلمين، فاصبحوا يشربون سموم الشبه والأباطيل ويتلقونها وكأنهم يتلقون الهدى والخير والصلاح.
ويأخذون أقوال أعداء الإسلام في الإسلام وتاريخه وحضارته أخذ التسليم والقبول، وتنغرس الشكوك في قلوبهم تجاه دين اللَّه لأول عارض من شبهه.
٣ - الشعور بالنقص أمام الغرب وإنجازاته، قادهم ذلك إلى الاستكانة الهزيلة والذلة المهينة والتبعية العمياء، والتقليد الأجوف، والخلط الأحمق بين التقنية والأفكار، حيث سولت لهم جهالاتهم قضية مؤداها: أنه من تقدم في أمور التقنية فلابد أن يكون متقدمًا في فكره وعقيدته وسلوكه، فانجرفوا في محاكاة عمياء يقلدون الغرب في أسوأ وأنتن ما لديهم، في العقائد والأفكار والأخلاق وسائر ما يسمى بالعبوم الإنسانية.
٤ - الانبهار بالغرب، وهذا تابع في المعنى للسبب السابق حيث قادهم هذا الانبهار إلى دهشة غطت على عقولهم ودانت على قلوبهم فتهاووا كالفراش على لهيب الماديات الغربية وضلالاتها.
стр. 2239
٥ - قابلية الاستعمار والغزو الاعتقادي والفكري، وهذا سبب مستقل من أسباب الانحراف وهو في الوقت نفسه نتيجة للأسباب السابقة.
٦ - الفساد التعليمي في كثير من بلدان المسلمين، حيث قل في التعليم أو عدم تعليم حقائق الإسلام وبراهينه، بل أصبح مكان ذلك تعليم ضلالات الغرب وفلسفاته وشكوكه على أساس أنها هي الحق المبين والسبيل الوحيد للتقدم والحضارة!!.
٧ - وجود أجهزة التوجيه والتأثير بأيدي الجاهلين بالدين أو المعادين له أو الخائفين منه.
٨ - الحفاوة الظاهرة بالمنحرفين، وإبرازهم في الإعلام، على أنهم أصحاب فكر وعقل ومعرفة وحرص على مصلحة الناس والأوطان، وقدوات ثقافية وسلوكية، ومرجعيات علمية لحل مشكلات الناس والنوازل التي تنزل بهم والمستجدات، بل وجعلوهم مفتين في كل القضايا شرعية وسياسية واجتماعية وثقافية.
٩ - استخدام أساليب المخادعة، فمع جحدهم للدين وتشكيكهم في قضاياه نجدهم يظهرون في لبوس المعترف به والمحترم له، وخاصة في البلدان التي يخشون فيها إظهار حقائق إلحادهم وشكهم.
ومع عمالتهم للأعداء فكريًا أو عمليًا، نجدهم يظهرون في ثياب الأصالة والحرص على مصلحة البلاد والعباد.
أمَّا ألفاظهم التلبيسية المخادعة فكثيرة خطيرة، تبدو غامضة ملغزة أو فضفاضة مراوغة، وتحتها الأفاعي والحيّات والدواهي والبليات.
١٠ - السفر إلى بلاد الغرب والغرق في مستنقعات أفكارهم وفلسفاتهم ومذاهبهم وآدابهم، وأخذ ذلك مأخذ القبول والتصديق، ونقله إلى بلاد المسلمين.
١١ - استخدام الأحزاب العلمانية ومؤسساتها وآلياتها العديدة لنشر الأفكار والمعتقدات المنحرفة كما فعلت الأحزاب الشيوعية العربية وحزب
стр. 2240
البعث والحزب الناصري وسائر الأحزاب العلمانية، وكما يفعله اليوم التيار الليبرالي العلماني.
١٢ - استخدام وسائل الإعلام والنشر بشكل كبير من قبل رموز الانحراف، وسيطرتهم -تقريبًا- على المحافل والمهرجانات والأندية الأدبية.
١٣ - وفرة إنتاج المنحرفين في مقابل قلة إنتاج أضدادهم.
١٤ - التساهل في الرقابة على أعمالهم وإنتاجهم ووسائل انتشارهم، والتشديد على الجهات المقابلة لهم.
١٥ - بروز نشاط عدد من الكتاب والمؤلفين من النصارى والدروز والرافضة والنصيريين وأمثالهم من أهل الفرق والملل الضالة.
١٦ - سعيهم في إحياء وإبراز شخصيات وأعمال المنحرفين السابقين، ونشر ذلك على نطاق واسع، وجعلهم نماذج مثالية للإقتداء.
١٧ - كثرة موارد الشبهات والشهوات، وضعف ما يقابلها من أسباب العلم النافع والإيمان والتقوى.
١٨ - قلة المتخصصين في شأن الانحرافات الاعتقادية المعاصرة، وغياب علماء الدين -إلَّا من رحم اللَّه- عن هذا الميدان الخطير.
ثانيًا: أسباب خارجية:
١ - تسلط أعداء الإسلام وتفوقهم التقني والسياسي والإداري والاقتصادي.
٢ - سيطرة الأعداء على مواطن التأثير والتوجيه في بلاد المسلمين.
٣ - سعيهم في مسخ أبناء المسلمين، وسلخهم من دينهم، وغرس الشبهات في قلوبهم، وغمسهم في مستنقعات الشهوات والعمالة.
٤ - حفاوتهم بالمنسلخين من دينهم وقيمهم، والسعي في التمكين لهم في مواطن التأثير، وتقديم الدعم المادي والمعنوي لهم، وحمايتهم.
٥ - سعيهم في إبقاء المسلمين في دوائر التبعية الاقتصادية والسياسية والعسكرية، والإعلامية والمعيشية، والفكرية والثقافية.
стр. 2241
٢ - مقترحات لمواجهة الانحراف العقدي في الأدب العربي المعاصر:
أ - الاهتمام بتحصين أبناء المسلمين بالعلم النافع، والتركيز على إيضاح الإسلام بالأسلوب المناسب لهذا الزمان، بحيث يراعى في مناهج التعليم والتوجيه غرس اليقين الإيماني وتجلية حقائق الإسلام في كل المجالات بطريقة تثبت حقائق الدين، وترد على الشبهات، وتكشف أساليب المنافقين.
ب - إعادة النظر في موقف المتخصصين الشرعيين غير المبالين بالانحرافات في الأدب.
ت - تركيز الاهتمام في الكليات الشرعية وخاصة في أقسام العقيدة على دراسة الانحرافات العلمانية والحداثية وكشفها ونقدها.
ث - الاهتمام بالأدب الإسلامي وتوسيع دائرته في الجامعات ووسائل الإعلام، وتقوية رابطته وتقديم الدعم المادي والمعنوي لها.
جـ - قيام العلماء بدورهم في كشف زيوف الانحرافات الاعتقادية في الأدب الحديث وفضح رموزه والتحذير منهم.
حـ - إبعاد المنحرفين عن مواطن التأثير التعليمي والإعلامي والثقافي، وعن مواطن النفوذ.
خـ - تشديد الرقابة على وسائل النشر والإعلام والمجامع الثقافية والأندية الأدبية، وعدم السماح للمنحرفين فكريًا واعتقاديًا بالولوج من خلالها إلى أذهان الناس وقلوبهم.
د - وضع ضوابط دقيقة لقضايا الابتعاث، وقصره على الجوانب الضرورية.
ذ - تقوية المراكز الإسلامية في بلاد الغرب؛ لتكون مثابة للمبتعثين، لحفظ دينهم وأخلاقهم وإبعادهم عن أسباب الإفساد والعمالة.
ر - فضح الرموز المنحرفة، والتحذير منها، وبيان حقيقة الأفكار
стр. 2242
والعقائد والمواقف التي يتضمنها كلامهم أو أعمالهم، وإيضاح ذلك لعموم الأمة، وللمثقفين خاصة.
ز - إيضاح الفرق بين التقدم المادي المجرد، والحضارة الحقيقية القائمة على سلامة الاعتقاد وصحة العبادة واستقامة السلوك.
س - ترسيخ مبدأ الولاء والبراء، وبيان أن تحسين الكفر والحفاوة بأهل الانحراف والضلال يناقض دين اللَّه تعالى.
ش - كشف أساليب المخادعة والتلبيس العلماني، وما يجري في لحن أقوالهم من خبث وبلاء.
ص - إتاحة المجال لأهل الإسلام المطلعين على أحوال المنحرفين، لمناقشتهم في تجمعاتهم وفي وسائل الإعلام، ومجادلتهم لإحقاق الحق وإبطال الباطل.
ض - المناقشة والحوار مع المغرر بهم والمخدوعين الذين اتبعوا رموز هذه الانحرافات عن جهل وغفلة.
ط - الحصول على فتاوى من علماء الإسلام البارزين عن حكم الإسلام في الانحرافات الاعتقادية المعاصرة، بشكل واضح وصريح ونشرها في مختلف الوسائل.
ظ - على الذين يتحملون شرف منازلة هذه الأفكار الضالة والعقائد الزائفة أن يكونوا على وعي عميق بجذور هذه الأفكار ومضامينها ورموزها ومصطلحاتها، وغير ذلك من الأسباب العلمية والثقافية، والأنماط التحاورية، ولا يكفي في هذا المضمار مجرد العاطفة أو العلم بالشرع دون استبانة سبيل المجرمين، بل لابد من العلم بالشرع والعلم بالواقع.
ع - ضرورة إنشاء مراكز ثقافية تكون مهمتها رصد ما يكتبه المنحرفون من أبناء البلاد الإسلامية، والرد عليهم، وكشف أساليبهم، وإمداد الباحثين بالمعلومات عن الاتجاهات المنحرفة، وصلاتها، وأهدافها، وأساليبها وأعمالها.
стр. 2243
غ - إنشاء المجلات والصحف التي تنشر العقيدة الصحيحة من خلال أنماط وأساليب أدبية جديدة، مع تشجيع القائم منها.
ف - الاهتمام بالإعلام المسموع والمقروء والمرئي وتسخيره لإيضاح الفكر السليم، وكشف شبهات الانحرافات والسموم الاعتقادية والفكرية.
وفي ختام هذا البحث أحمد اللَّه حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه.
ولست أدعي الكمال والإحاطة بهذا الموضوع ولا المقاربة، وحسبي أني بذلت من الجهد ما أرجو معه الثواب من اللَّه الكريم، والعفو منه -سبحانه- عن الخطأ والزلل، والحمد للَّه أولًا وآخرًا وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وأتباعه.
• • •
стр. 2244
فهرس مصادر ومراجع البحث (١)
(حرف الألف)
١ - الآثار الكاملة: لمحمد الماغوط، دار العودة - بيروت، بدون تاريخ.
٢ - أباطيل وأسمار: لمحمود شاكر، مطبعة المدني - القاهرة، الطبعة الثانية ١٩٧٢ م.
٣ - الاتجاهات الجديدة في الشعر العربي المعاصر: لعبد الحميد جيدة، دار الشمال للطباعة والنشر والتوزيع طرابلس - لبنان، طبعة ١٩٨٦ م.
٤ - اتجاهات الشعر العربي المعاصر: لإحسان عباس، دار الشروق للنشر والتوزيع - الأردن، الطبعة الثانية ١٩٩٢ م.
٥ - أجنحة المكر الثلاثة: لعبد الرحمن الميداني، دار القلم، دمشق - بيروت، الطبعة الثالثة ١٤٠٢ هـ/ ١٩٨٢ م.
٦ - الأجوبة المفيدة لمهمات العقيدة: للشيخ عبد الرحمن الدوسري، مكتبة دار الأرقم - الكويت، الطبعة الأولى ١٤٠٢ هـ - ١٩٨٢ م.
٧ - أحاديث عن جبران: لرياض حنين، مؤسسة نوفل - بيروت، الطبعة الأولى ١٩٨٣ م.
٨ - أحجار على رقعة الشطرنج: لوليام غاي كار، ترجمة: سعيد جزائري، دار النفائس - بيروت، الطبعة الرابعة ١٤٠١ هـ.
٩ - أحد عشر كوكبًا: لمحمود درويش، دار الجديد، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى ١٩٩٢ م.
١٠ - أخبار أبي تمام: لأبي بكر محمد بن يحيى الصولي، حققه خليل عساكر وآخران، المكتب التجاري للطباعة والنشر والتوزيع - بيروت.
١١ - أخطاء المنهج الغربي الوافد: لأنور الجندي، دار الكتاب اللبناني - بيروت، الطبعة الأولى ١٩٧٤ م.
стр. 2245
١٢ - الأخلاق الإسلامية وأسسها: لعبد الرحمن الميداني، دار القلم - دمشق، الطبعة الثالثة ١٤١٣ هـ - ١٩٩٢ م.
١٣ - الأخلاق عند كنت: للدكتور عبد الرحمن بدوي، الناشر: وكالة المطبوعات - الكويت ١٩٧٩ م.
١٤ - الأدب الجديد والثورة: محمد دكروب، دار الفارابي - بيروت، الطبعة الثالثة ١٩٩٠ م.
١٥ - الأدب المعربي المعاصر: أعمال مؤتمر روما ١٩٦١ م، دار الشمال للطباعة والنشر والتوزيع - طرابلس لبنان، الطبعة الأولى ١٩٩٠ م.
١٦ - الأدب من الداخل: لجورج طرابيشي، دار الطليعة - بيروت، الطبعة الثانية ١٩٨١ م.
١٧ - أدب نجيب محفوظ وإشكالية الصراع بين الإسلام والتغريب: للدكتور سيد أحمد فرج، دار الوفاء للطباعة والنشر، الطبعة الأولى ١٤١٠ هـ - ١٩٩٠ م.
١٨ - الأدب ومذاهبه: للدكتور محمد مندور، دار نهضة مصر للطبع والنشر - القاهرة، بدون تاريخ.
١٩ - أدونس أو تموز: لجيمس فريزر، ترجمة: جبرا إبراهيم جبرا، نشر: دار الصراع الفكري بيروت ١٩٥٧ م.
٢٠ - أدونيس منتحلًا: لكاظم جهاد، إفريقيا الشرق، طبعة ١٩٩١ م.
٢١ - الأديب والالتزام: للدكتور نوري حمودي القيسي، نشر جامعة بغداد، طبع دار الحرية - بغداد ١٤٠٠ هـ.
٢٢ - الأديب ومفوض الشرطة: لجورج بالوشي هورفان، دار الكاتب العربي للتأليف والترجمة والنشر - بيروت.
٢٣ - إرشاد الفحول: لمحمد بن علي الشوكاني، دار المعرفة - بيروت، ١٣٩٩ هـ.
٢٤ - الإرهاب: لفرج فودة، دار مصر الجديدة للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى ١٩٨٨ م.
٢٥ - أزمة الإسلام السياسي: للدكتور حيدر إبراهيم علي، مركز الدراسات السودانية، الطبعة الثانية ١٩٩١ م.
٢٦ - الأساطير: لأحمد كمال زكي، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر.
٢٧ - أسئلة الشعر: لمنير العكش، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الأولى ١٩٧٩ م.
٢٨ - إسرائيل في الاستراتيجية الأميركيه في الثمانينات: لكميل منصور، الطبعة الأولى ١٩٨٠ م بيروت.
٢٩ - أسس الفلسفة الماركسية: لـ ق. افاناسييف، ترجمة: عبد الرزاق الرصافي، دار الفارابي - بيروت الطبعة الرابعة ١٩٨٤ م.
٣٠ - الأسس الفلسفية للعلمانية: لعادل ظاهر، دار الساقي، الطبعة الأولى ١٩٩٣ م.
٣١ - الأسس النفسية: للإبداع الفني: للدكتور مصطفى سويث، دار المعارف - مصر، بدون تاريخ.