لماذا أراد الرأسماليون من تجار السلاح، وغالبهم من اليهود، كما هو الواقع، وكما أخبر اللَّه عنهم: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ (١) تحريك المصانع الحربية فانهم يحركون وسائل الإعلام لتنشر أخبارًا قصيرة مثيرة تثير عند الرأي العام -المعروف بأنه غافل- شيئًا من التطلع والانتباه، ثم تزيد وسائل الإعلام في طول الخبر، وتأتي بتفاصيل تزيد من لهيب التطلع من خلال عناوين الإثارة، ثم تصبح القضية الهاجس المستمر بالمقالات والمقابلات والتحليلات والندوات، ثم يشد حبل الإثارة، ثم تأخذ الصحافة في استطلاع "الرأي العام" الذي صنعته ووجهته وسائل الإعلام، فإذا الرأي العام متحمس!! إذن لابد من مطالبة الدولة بالتحرك التي جرى التأثير عليها أيضًا، وأصبحت تحت ضغط التأثر والتحرك الجماهيري، ويتحرك النواب لتحفيز الحكومة وتحريكها وتبدأ في الإعداد ثم تنطلق شرارة الحرب، ويباع السلاح وتتحرك مصانع أصحاب رؤوس الأموال "وغالبهم من اليهود" وتتحرك المآرب الخفية من وراء الحرب، وتتحقق الأهداف المطلوبة من وراء "المشروع" (٢).
وهكذا نرى كيف يُتلاعب بالعقول في تلك المجتمعات، ويُوجه "الرأي العام"، وتصنع قناعات الناس بصنع "العقل الجمعي".
إن ملايين البشر هناك يعيشون بلا رأي محدد ولا انتماء معين، وإذا كانت هذه هي طريقة تشكيل الرأي العام الذي يجري في الدول الليبرالية، فكيف تكون الديمقراطية هي حكم الشعب؟!.
(فالحياة في أمريكا مثلًا إنَّما تقودها الصفوة التي فيها، وليسوا الذين نراهم يصفقون في المسابقات التلفزيونية، ولا الذين يتسكعون وتدمرهم المخدرات، بل هم نخبة) (٣) من أساتذة الجامعات، وأعضاء مراكز البحوث،
стр. 2172
ومديري الشركات الكبيرة، ومديري البنوك، ووكلاء المخابرات الداخلية والخارجية والأعضاء الحاليين والسابقين في الكونجرس، وكبار القضاة والمحامين، وعناصر المافيا، ورؤساء النقابات، ورجال البيت الأبيض وعشرة في السيتي بنك وتشارتر بنك، وتسعة في مقر أرامكو، وثمانية في دهاليز بنك النقد الدولي، وسبعة من رؤساء تحرير الصحف، وستة من رؤساء الجمعيات اليهودية والماسونية، وبقية المائتي مليون يعيشون على هامش الحياة، همهم البطون والجنس، وتجدهم بين رفوف السوبرماركت أو أمام التلفزيون، أو في زاوية من مطاعم ماكدونالدز.
إن خمسين ألفًا فقط هم الذين يوجهون مسيرة أمريكا الحضارية سياسيًا واقتصاديًا وعلميًا وعسكريًا ونفسيًا والبقية تتبع، وهذا هو الشأن في بريطانيا وفرنسا وألمانيا والاتحاد السوفيتي والصين واليابان والهند) (١).
إن الإنسان العادي الذي يسمونه "رجل الشارع" الذي منه يتكون الشعب، مشغول بأحواله المعيشية الخاصة عن النظر والتدبر في الأمور العامة، وتكوين رأي مستقل فيها، وذلك لسببين: أحدهما عام لا يختص ببيئة معينة ولا سن معين وهو أن الأغلبية الساحقة من الناس لا تحب أن تشغلى نفسها بالأمور العامة، ولا تستطيع الصبر على متابعة أحوالها المتنوعة والمتغيرة، ولا على التعمق فيها، وليس لديها الوسائل المعينة لها على ذلك من معلومات ودربة وطول تفقه وتدبر، وإحاطة بالأسباب والنتائج فتترك هذه الأمور لفئة معينة من الناس وتكل إليها هذه المهام الشاقة.
والسبب الثاني: خاص بطبيعة الجاهلية عمومًا وطبيعة الليبرالية الديمقراطية على وجه الخصوص وهي التي يشرف عليها ويوجهها اليهود.
تتمثل هذه الخاصية في التلهية الدائمة لرجل الشارع، التلهية التي ينفق عليها أصحاب القرار من يهود ورأسماليين ملايين الدولارات، لإشغال الناس "الشعب" بأمور معاشهم ثم انشغالهم بأمور اللهو والاستمتاع، ليتفرغ أصحاب النفوذ والقرار لأمورهم ومشروعاتهم ومخططاتهم، دون تدخل أو
стр. 2173
حتى تنغيض من الجماهير المخدوعة، والملبس عليها باللعبة الكبيرة لعبة الديمقراطية، التي جعلت من هذه الوسائل غاية تتهافت عليها قطعان الشعوب المخدوعة بشعارات "الحرية".
السينما تقذف بالأفلام والمسارح تغص بالزوار، وحلبة الرقص، وأفلام الجنس، والنزهة بين الأصدقاء والصديقات، والحفلات الجنسية، والمسابقات الرياضية، ومسابقات ملكات الجمال، والأغاني الصاخبة ونوادي العراة، وجماعات الشاذيين والشاذات وغيرها وغيرها من الملهيات والمفسدات كلها تقوم بالدور التخديري للقطعان البشرية التي تزدحم على هذه الموارد وتشرب منها شرب الهيم، في جذل وسرور، وهنا تربح الرأسمالية -أو قل اليهودية- أرباحًا مركبة: تربح المال الذي ينفقه الهائمون في تيه اللهو والفساد من أبناء الدول الديمقراطية!!، وتربح إفساد "الأميين ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ (١) وتربح تلهيتهم عما يدور حولهم، ليخطط المخططون وهم في مأمن كامل عن يقظة "الشعب" المحكوم من قبل هذه الأقلية المتحكمة.
هذا هو حال الديمقراطية على الحقيقة، فأين هو "الرأي العام" الحقيقي الذي يوجه السياسة في الدول الديمقراطية الليبرالية الرأسمالية؟ صحيح أن هناك نوابًا وهناك برلمان يقول فيه النائب كل ما يريد أن يقول: ولكن من هم النواب في الواقع؟ وكيف يصلون إلى البرلمان؟.
وهل يتاح لأي إنسان أن يصل إلى البرلمان ويوجه الأمور من هناك، كما تقول النظرية الديمقراطية؟.
لابد أن يدخل النائب المعركة الانتخابية، وهو في حاجته إلى تكاليف عالية لا يقدر عليها إلَّا الأغنياء، فلابد أن يكون غنيًا أو يبحث عمن يتحمل عنه الأعباء الباهضة للمعركة الانتخابية، فلابد من حزب، والحزب لابد له من ممولين وهنا تعود الحبال مرة أخرى وبصورة أكثف إلى أيدي
стр. 2174
الرأسماليين "ولا ينبغي أن ننسى اليهود" ذوي المكر والدهاء والعنصرية وعبادة المال.
فإذا دخل الإنسان الحزب فإنه يصبح إنسانًا آخر؛ لأنه لكي يصبح "محترفًا" في عالم السياسة فعليه أن يكون مع حزبه، مع برامجه وخططه وأهدافه، التي سبق أن تعهد بها للممولين وجماعات الضغط، للرأسماليين، ولليهود على وجه الخصوص، فإن كان الحزب في سدة الحكم فهو ملتزم بتأييد الحكومة في كل تصرفاتها وبالدفاع عنها، سواء كان مقتنعًا في نفسه بالتأييد أو الدفاع أو كير مقتنع، وإن كان حزبه خارج الحكم فهو ملتزم بمعارضة الحكومة سواء كان مقتنعًا بالمعارضة أو غير مقتنع بها، وإن كان مستقلًا عن الأحزاب، فلابد أن يسعى في تحقيق رغبة مموليه، واستجلاب رضاهم، ولذلك تسمع الدعايات الانتخابية الكبيرة، وتسمع شعارات العدل والإنسانية والمبادئ، فإذا وصلوا إلى الحكم تصرفوا وفق رغبة الرأسماليين وجماعات الضغط، ولطالما سمع الناس هناك نقد الأحزاب المعارضة للحزب الحاكم، فإذا وصلت إلى الحكم سلكت ذات السلوك الذي كان تنتقده هذه الأحزاب، نعم هناك من الأحرار من يصل إلى البرلمان ويقول قولة الحق وينقد بمحراحة ويطالب بحقوق أصحاب الحقوق، ولكن كم عدد هؤلاء؟ وما هو ثقلهم في المجالس النيابية؟.
إن القرارات تؤخذ بالتصويت، وهنا تضيع أصوات القلة من الأحرار وأصحاب المبادئ والمواقف في الخضم الهائل من أصحاب المنافع والأهواء، أضف إلى ذلك أنه تتشكل في داخل المجالس النيابية مجموعات ضغط متكتلة، فأين يكون مثل هذه الأقلية النادرة من الأحرار؟ إن دخلوا في الكتل ذابوا، وإن انعزلوا عنها ضعفوا؟.
وهكذا تمضي الديمقراطية في لعبتها الكبيرة ومسرحيتها الضخمة، فأين إذن حكم "الشعب"؟ وأين هي"حرية الرأي"؟.
وقد يجد بعض الذين يستشعرون الظلم والاضطهاد تحت أنظمة الاستبداد أن الديمقراطية -حتى وهي بهذه الحالة من التلاعب الخداع- خير
стр. 2175
من الاستبداد والظلم الصريح، ولكنهم يغفلون أو يتغافلون عن الأصل الاعتقادي الذي تقوم عليه الديمقراطية، ويغفلون عن أن الوصول إلى تطبيقها كاملة كما هي في الغرب اليوم يحتاج إلى نضال طويل وجهاد مستمر، كما فعلت أوروبا، وخير من هذا وذاك أن تلتزم الأمة بعبادة ربها بتطبيق شرعه، وأن تبذل جهدها ونضالها في سبيل تحقيق المنهج السليم من الأهواء والأغراض والأدواء، بدلًا من بذل الجهد في سبيل تحقيق "الديمقراطية" بكل عاهاتها وأمراضها التي لا تفتأ تزداد مع تقدم الزمن.
نعم توجد حرية في النظم الديمقراطية، ولكنها في قضية الحكم والتشريع حرية ملجومة بلجام في أيدي السادة "الرأسمالية" كما سبق بيانه، أمَّا الحرية الحقيقية التي تتيحها للشعوب فهي "الحرية الشخصية" والتي تعني حرية الإلحاد وحرية الفساد الخلقي التي يلتقي في تأييدها والدفاع عنها الجميع: الحكام والمحكومون، الرأسماليون والفقراء، والأحزاب التي تحكم وأحزاب المعارضة!!.
أي أن الحرية هناك حرية موجهة، فحين تمس مصالح الرأسمالية وجماعات الضغط وخاصة "اليهود" فلا حرية على الإطلاق، ويكفي -مثلًا- أن يطلق على شخص من الهائمين بالحرية وصف المعاداة للسامية ليكون ذلك سببًا في القضاء المبرم عليه وعلى مستقبله.
أمَّا حين تكون الحرية حرية الفساد والإفساد والكفر والإلحاد، فتلك حرية مطلقة لا قيود عليها ولا حدود لها على الإطلاق، ولذلك أصبح من البدهيات أن تجد وتسمع كل أنواع الانحرافات الخلقية، والسلوكيات الجنسية متاحة بكل أنواعها إلَّا الاغتصاب؛ لأنها تقع بالقوة لا بالرضي، وحتى لو كان فعل الزوج مع زوجته من غير رضاها فهو عندهم اغتصاب!!، أمَّا بقية أنواع السلوكيات الجنسية فإنها من الحرية!!، الشذوذ، أندية العراة، الاختلاط الداعر، بل يُمكن القول بأن الغابات والحدائق العامة والمنتزهات مسارح لكل ألوان السلوك الجنسي فضلًا عن الفنادق والمنازل والنوادي، وقد سبق تفصيل بعض أحوالهم الخلقية والاجتماعية في الفصل
стр. 2176
المختص بالأخلاق فأغنى ذلك عن إعادته هنا، إذ المراد توضيح أن الحرية الديمقراطية المفتوحة هي ما يتعلق بالأمور الشخصية، وخاصة أمور الفساد الخلقي والانحراف الاعتقادي.
وما قيمة الإنسان بغير عقيدة صحيحة؟ وما قيمته بلا أخلاق؟.
والديمقراطية أبعد ما تكون عن العقيدة الصحيحة؛ لأنها ظلت تحت شعارات الحرية تشجع الإنسان الغربي على التحلل من دينه وعقيدته لكونها من الأمور الشخصية التي يتصرف فيها الإنسان على ما يريد، فمن شاء أن يبقى على عقيدة ودين فله ذلك، وليتحمل ما يأتيه من سخرية من المجتمع ومن الصحف ومن أهل الفكر وأهل الفن ومن القصاص والمسرحيين والإعلاميين ورسامي "الكريكاتير" وليستمتع بأجواء التخذيل والتهكم التي تتفنن في صرفه عن الدين والعقيدة، ومن شاء أن يلحد فليلحد ولن يعارضه أحد؛ لأن ذلك من حريته الشخصية، وسوف يجد التشجيع والتأييد لأنها "تحرر" و"اجتراء" و"تطور" و"تنور" وكذلك الأخلاق فمن شاء أن يكون صاحب أخلاق فليفعل وليصبر على كل أنواع النقد اللاذع والتهكم الدائم من كل طبقات المجتمع، الذي ينظر إليه باعتباره حالة مرضية تحتاج إلى علاج.
ومن شاء أن يتحلل من الأخلاق والقيم والتقاليد فيلفعل وسيجد الاحتفال والتأييد والتشجيع والتجيل من الكتاب المتحررين!! ومن أصحاب الفن والأعلام، وأصحاب النوادي والمواخير.
وهنا يُمكن أن نرى الأصابع اليهودية التي من شأنها الإفساد في الأرض ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ (١) تعبث بكل ما يُمكن أن يحسب لصالح الإنسان وإنسانيته، وكل ما يُمكن أن يكون ملجأ للإنسان من الشتات والضياع والتمزق؛ لكي يصبح الإنسان -بعد أن يتردى في الإلحاد والبهيمية
стр. 2177
- عجينة لينة يُمكن توجيهه حيث تريد هذه القوى الفاعلة والمؤثرة، وحيث يشتهي أصحاب "رأس المال".
وهنا يُمكن لنا أن نعلم من المستفيد من لعبة "الديمقراطية" ونعلم الظروف التي ألبست فيها الشعوب هذا الثوب الشفاف فإذا هي كاسية عارية، كاسية بالدعاية والتنظير والشعارات البراقة، عارية من الحقيقة والمضمون الصحيح للعدالة والحرية.
إن تلك الحقوق والضمانات التي تنص عليها الديمقراطية تتبخر أمام استمداد وسيطرة الطبقة المتنفذة، ويضيع الخير الضئيل الذي كسبته الشعوب بالحقوق والضمانات في وسط هذا الشر الهائل الذي يحققه الأشرار والمفسدون في الأرض من وراء هذا النظام المخلخل المليء بالعيوب والثقوب والمثالب (١).
القضية الثانية:
أن الديمقراطية الليبرالية تحولت إلى وثن مؤله، وأصبح أبناء ما يسمى العالم الثالث يتنافسون في تأليه هذا الوثن فالحكام والدول تحاول أن تظهر
стр. 2178
في ثوب الديمقراطية، والمستغربون من أبناء هذا العالم يرون أنه لا منقذ لهم من التخلف والاستبداد والظلم إلَّا باستيراد الديمقراطية، وبرز المثقفون والأدباء والكتاب والإعلاميون على صالة العرض يسوّقون الديمقراطية الليبرالية ويدعون لها ويبشرون بمجيئها باعتبارها المنقذ الوحيد والمخلص الفريد لكل الآلام.
وكل هذه الفئات تحاول أن تظهر بمظهر الداعي المخلص، والمحامي البارع عن الليبرالية والديمقراطية وسائر رموزها وممارساتها.
وبعيدًا عن شعارات أسواق المزاد القائمة اليوم في الأنظمة العلمانية في البلدان الإسلامية، والمنابر الصحفية والثقافية التي يسيطر عليها العلمانيون والحداثيون، والتي تتنافس جميعًا في إثبات ولائها وانتمائها للديمقراطية الليبرالية، بعيدًا عن كل ذلك، وعن ما سبق ذكره من المضامين الاعتقادية والأخلاقية والسياسية الفاسدة التي تحتويها الديمقراطية في واقعها الغربي الراهن؛ نجد أن هؤلاء الذين تفننوا في رفع شعارات الديمقراطية لم يأخذوا منها إلَّا الأسواء والأرداء والأخبث، أمّا ما فيها من حقوق وضمانات فإنهم أبعد الناس عنها تطبيقًا، وأكثر تشدقًا بها حتى من الغربيين أنفسهم.
ولنأخذ فئة الحداثيين والعلمانيين الذين يعتبرون أنفسهم الدعاة الخلص للديمقراطية والليبرالية الغربية؛ نجد أنهم يتشدقون بحرية الرأي، وأنهم يطرحون الرأي والرأي الآخر؛ لأن ذلك من مقتضيات الليبرالية، ولكننا نجدهم في واقع الأمر يمارسون الاستبداد الإعلامي والثقافي، فلا يسمحون لغيرهم بالكتابة أو التحدث من منابرهم، حتى ولو كان حداثيًا صرفًا أو علمانيًا خالصًا ما دام لا يحمل التوجه الذي تتجه فيه المؤسسة الإعلامية أو الثقافية.
وقد رأينا أنه حين سيطر بعض أدباء الواقعية على بعض الملاحق أو الأندية الأدبية كيف استبعد ومنع أدباء الألسنية والبنيوية من المشاركة، وكذلك العكس.
стр. 2179
وما حصل من صراع بين مجلة شعر التي تمثل التيار الليبرالي الغربي الأمريكي خاصة، ومجلة آداب التي تمثل التيار الليبرالي الوجودي، ومجلة الثقافة الجديدة التي تمثل التيار الماركسي أكبر شاهد على مقدار ديمقراطية القوم (١)!!.
هذا هو موقفهم "التحرري" من بعضهم، أمّا غيرهم ممن يتبنى الأصالة، وينتمي إلى الأمة، ويحترم التراث فليس له عندهم أي مكان، بل هو محروم مطرود حتى ولو ظهر في غاية الوداعة والتلطف والحوار الهادئ!! فأين هي الديمقراطية والحرية؟!.
أمّا الإداريون والاقتصاديون الذين يتشدقون بالديمقراطية في البلدان الإسلامية، فهم في الحقيقة ذئاب في جلود نعاج، يتخذون الديمقراطية شعارًا للتمكين واستدرار العطف والدعم من أسيادهم الغربيين الذين يعلمون أحوالهم مفصلة، ولكنهم يبقونهم لينفذوا المخطط الغربي "اليهودي والنصراني" الذي يهدف إلى بقاء الأمة في دائرة التبعية والضعف.
في الغرب تجري المسرحية الديمقراطية بشكل متقن، ويؤدي الجميع أدوارهم بدقة، أمّا المستغربون من أبناء البلاد الإسلامية فهم يؤدون المسرحية ببشاعة القرود، إلى حد أن نتائج الانتخابات!! تظهر بنسبة ٩٩.٩٩ % أمّا المجالس النيابية فحدّث عن مهزلتها ولا حرج!!.
وعلى رغم بشاعة وانحراف الديمقراطية في الغرب إلَّا أنها تعتبر بالنسبة للديمقراطية المدعاة عند المقلدين في الشرق، نوعًا من التفوق والعدالة، لم يستطع المقلدون ولم يريدوا أن يكونوا على هذا المستوى، كما أن أسيادهم في الغرب لا يريدون لهم أكثر مما هم عليه، بل قد يريدون منهم أن يمارسوا البشاعة تحت رداء الديمقراطية بأكثر مما هم عليه.
стр. 2180
وكلا الطائفتين من المستغربين والمؤلهين للديمقراطية نجحوا في أخذ الجانب الأشد ظلامًا في ليبرالية وديمقراطية الغرب، "حرية الفساد والإفساد".
فمن شاء أن يرتد عن دينه ويلحد فهو حر، يجب أن تحميه الدولة، وتشيد به وسائل الإعلام، ولا أدل على ذلك من قضية علاء حامد ونصر حامد أبو زيد.
أمَّا حرية الفساد الأخلاقي فتنبئك عنها المسارح ودور السينما ونجوم الفن، وشواطئ العري والاختلاط الموجه والمبرمج والمحمي، والعفة المطاردة والمحاربة، والخمور والمخدرات، والرشاوى والعمالة للأعداء!! وغير ذلك مما يطول شرحه.
أمَّا حرية الفساد الاقتصادي فتجد خبرها في البنوك الربوية والمعاملات المالية الظالمة، والاحتكارات والغش والعمولات وغير ذلك مما يندرج تحت أخلاقيات "الرأسمالية".
القضية الثالثة:
إذا كان الغرب يتشدق بالحرية والديمقراطية، ويقوم وكلاؤه بالدفاع عنه والدعوة إلى الاستقسام بأزلامه.
يدعي الدفاع عن حقوق الإنسان ورفع المظالم عن المضطهدين، ورد عدوان المعتدين، والحكم بالقسط بين المتحاكمين، إلى غير ذلك من الشعارات والعبارات التي تأتي مرة باسم النظام الدولي الجديد، ومرة باسم الديمقراطية، ومرة باسم الليبرالية التحررية، ومرة باسم الإرادة الدولية، إلى غير ذلك من الأسماء واللافتات.
ولكننا إذا نظرنا إلى موقفهم من قضايا المسلمين، وجدنا أن الأمور تختلف والمعايير تضطرب والأحكام تتأرجح.
وما موقف الغرب الديمقراطي الليبرالي من قضية المسلمين في البوسنة
стр. 2181
والشيشان وكشمير والفلبين ومسلمي الحبشة إلَّا بعض الشواهد على عدوانية الغرب وعدوانه واضطهاده.
وما من قضية في العصر الحاضر حصلت بين المسلمين وغيرهم إلَّا كان الغرب في الصف المقابل!!، وما القضية المحورية في حياة المسلمين أعني قضية فلسطين ببعيدة عن الأذهان، فقد وهبت بريطانيا فلسطين لليهود وحمتهم ومكنت لهم، ثم لما ورثت أمريكا إرث العرش الملكي البريطاني اعتبرت دولة اليهود ولاية من ولاياتها بل أهم.
الغرب الديمقراطي بقيادة أمريكا وضع ثقله المادي والمعنوي في جانب دولة اليهود المغتصبة الظالمة ضاربًا عرض الحائط بكل القيم الديمقراطية التي يتشدق بها.
الديمقراطية الليبرالية هي التي غرست الكيان اللقيط في وسط بلاد المسلمين، وهي التي أمدته بالقوة البشرية والمالية والعسكرية، وما تزال الديمقراطية الليبرالية هي التي تحمي وتدافع عن هذا الكيان حتى من مجرد النقد أو الاحتجاج، وهي التي تقوم ولا تنام إذا حصل لأحد من اليهود ما يؤذيه!!.
الديمقراطية الغربية بقيادة أمريكا هي التي أنشأت المصانع الحربية لليهود، والمفاعلات النووية، وهي التي تمنع أي مساواة عسكرية للدول العربية بدولة اليهود فضلًا عن التفوق عليها.
والديمقراطية الغربية هي التي تقف اليوم خلف عملية السلام ليتحقق لليهود بالانفتاح والتطبيع ما لم يتحقق بالضغط والتهديد.
ولا عجب أن يقف الغرب وخاصة أمريكا هذه المواقف من دولة اليهود، فإن صناع الحياة في الغرب هم الرأسماليون والإعلاميون، والسياسيون اليهود (١).
стр. 2182
ولكن العجب هو غرق بعض أبناء البلدان الإسلام في الأوهام والسير خلف السراب والتسابق نحو الهاوية، عمالة، أو انخداعًا بشعارات الحرية "الليبرالية" والديمقراطية، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (١)، وقال سبحانه: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى
стр. 2183
مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (٥٢)﴾ (١).
الوجه الثاني: الائتماء لأعداء الأسلام والمسلمين، والعمالة لهم:
لم يكتف المنهزمون باستعارة أنماط الفكر السياسي والاقتصادي الغربي، بشقيه الماركسي والليبرالي، حتى انخرطوا ملتمسين رضا الأسياد - في انتماء صريح وعمالة واضحة لأعداء الإسلام والمسلمين.
يقول يوسف الخال: (إن الحضارة الغربية هي حضارتنا نحن بقدر ما هي حضارة الفرنسي والألماني والروسي الخ ونحن لا قيمة لنا في العالم العربي إن بقينا في خارجها ولم نتبنها من جديد، ونتفاعل وننفعل بها، إن هذه الحضارة هي نحن بقدر ما هي هم) (٢).
بل يصل به الحال الاندماجي مع الغرب أن يرد على من يقول بأن أوروبا سوف تنهار وتنحط فيقول: (وانحطاط أوروبا وهم يتعلل به الخصوم، وجهل يذهب ضحيته السطحيون، هل الانحطاط في الحرية الإنسانية؟) (٣).
ويتضح من خلال هذا الطرح أن الغرب بكل مؤسساته الفكرية والسياسية والاقتصادية هو الهوية التي تتم بها حقيقة الحداثة، التي لا تكتفي بمجرد المحاكاة والاستعارة والتقليد، بل تواصل حتى تصل إلى الاندماج الكامل، ويصبح المنتمي الحداثي ممثلًا لحضارة الغرب وسياسته وأنماط حياته ولئن كانت عصابة "شعر" أصرح في إعلان اندماجها في الغرب، وكذلك التيارات اليسارية وخاصة الماركسية أصرح في إعلان اندماجها بالكتلة الشيوعية، إلَّا أن هناك من يكابر هذه الحقائق ويحاول أن يغطيها بكافة الأغطية.
стр. 2184
علمًا بأن التصور العقلي المجرد يدل على هذا الانتماء، والعمالة لتلك النظم والمؤسسات الليبرالية أو الماركسية، فمن اعتقد عقيدة قوم فلابد أن ينتمي إليهم، ويواليهم ويحبهم، ويتمنى سيادة نظامهم ومنهجهم، هذه بديهية أولية، ومع ذلك فلن نقف عند حدودها وإن كانت واضحة المعالم بل سوف نأتى بالشواهد من كلامهم هم.
هذه مجلة "شعر" بشخصياتها الحداثية الشهيرة: أدونيس والخال وخليل حاوي قبل انتقاله عنهم، تقود -حسب زعمها- المشروع النهضوي، ولكن كيف؟ إنه مشروع الاندماج والذوبان الكامل في الغرب، حيث يقرر أدونيس إنه في (الأصل لا شرق ولا غرب، في الأصل الإنسان) (١).
إنها التتمة العملية للمشروع السياسي الذي أعلنه أنطون سعادة بعد عودته من أمريكا، والذي سارت على خطواته عصابة شعر.
يقول باروت واصفًا مشروع "المعاصرة" عندهم وهو غير منكر عليهم: (هكذا تأسست أطروحة "المعاصرة" ليس بوصفها اقتلاعًا بل بوصفها "نهضة" دعوة إلى الجذور، وستعبر "الحضارة المتوسطية" عن ذلك تمامًا، فيوسف الخال يشير من إنكلترا إلى البحر المتوسط "بحرنا العظيم الخالد) (٢).
إن الاندماج بالغرب عند هؤلاء لا يعني الاندماج الفكري أو الثقافي أو الفني فحسب كما قد يتصور البعض بل هو أيضًا الاندماج السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وقد أطنب باروت وأكثر من الشواهد الدالة على هذا الارتباط الاعتقادي والعضوي بين أعضاء "شعر" والغرب (٣).
ومن خلاصة أقواله قوله: (. . . بدا مشروع الحداثة الذي قادته "شعر" وكانه المشروع الغربي الحداثي في الثقافة العربية، لم تستطع "شعر" أن تنفصل عن هذا المشروع، بل كان هاجسها في "المعاصرة" يرتكز على إنتاج
стр. 2185
حداثة شعرية متماهية مع حداثة النموذج) (١).
وهم في مشروعهم هذا ينطلقون من عداوة عقائدية للإسلام والتراث، ومن منطلقات طائفية، فأكثرهم من نصارى لبنان الذين يرون حتى مجرد الدعوة إلى القومية العربية، على مخالفتها للإسلام، يرونها مرادفة للإسلام، ومحاربة للنصرانية، ولذلك ركزوا على الانفصال عن التراث والعربية، والانتماء إلى الغرب إلى البحر إلى الحضارة المتوسطية كما يقولون (٢).
وما استخدامهم للأسطورة وشعوبيتهم القاحلة وعداوتهم الصريحة للدين إلَّا بعض الأدلة على هذا الانتماء والارتماء.
ولكن هل هذا وحده هو الذي حفزهم للانتماء للغرب أم أن هناك أشياء أخرى؟.
يجيب على هذا السؤال مؤلف كتاب "بحثًا عن الحداثة" فيقول: (. . . بعد حركة التغاير المتواصلة منذ أوائل القرن،. . . أضيف عناصر احتدام جديدة ببروز الدور الأمريكي في المنطقة بعد العام ١٩٥٣ م على الصعيد الثقافي، فقد قامت في مصر مؤسسة فرنكلين للطباعة والنشر، وبدأت بمدفوعاتها السخية باستقطاب أعمدة الثقافة العربية آنذاك من كل الاتجاهات (٣). . . إن التدخل الأمريكي كان يحمل طابع توجيه حركة التغاير العربية إلى أفق محدد، وسنرى كيف لعبت مجلة "شعر" دورًا في سياق هذا التوجيه وبأية لغة، وكيف وفرت لها اتجاهات من خارجها مستندًا أوليًا لتحاول شق طريق إلى مستقبل خاص للشعر العربي) (٤).
وما هو نبأ مؤسسة فرنكلين التي أشار إليها الكاتب والتي ذكر أنها استقطبت أعمدة الثقافة العربية من كل الاتجاهات؟.
стр. 2186
أنشأت المخابرات الأمريكية " C.I.A" منظمة ظاهرها الثقافة وباطنها تجنيد العملاء من الكتاب والمثقفين، وتسمى هذه المنظمة "المنظمة العالمية لحرية الثقافة"، وقد بقيت هذه المنظمة تعمل أعمالها السرية من خلال كتاب وشعراء ونقاد الحداثة حتى انكشفت علاقتها بالمخابرات المركزية الأمريكية، حين نشرت النيويورك تايمز في التحقيقات التي قام بها كارل برنشتين والذي بين أن هذه المنظمة ومجلاتها التي تصدرها بمختلف اللغات، ومنها العربية، ليست سوى أحد أقنعة المخابرات الأمريكية، وقد نوقشت هذه القضية في الكونغرس الأمريكي عام ١٣٨٤ هـ/ ١٩٦٥ م (١).
ومن المجلات والمؤسسات والنشاطات الثقافية التابعة لهذه المنظمة:
١ - مجلة "حوار" التي كانت تصدر في بيروت وكان رئيس تحريرها توفيق صايغ.
ولما انكشفت علاقة المنظمة العالمية لحرية الثقافة بالمخابرات الأمريكية كابر توفيق صائغ ونافح، ولكنه اضطر للاعتراف بذلك عندم! نشر "ستيفن سبندر" الشاعر الانكليزي ورئيس تحرير مجلة "انكاونتر" التابعة للمنظمة العالمية لحرية الثقافة اعترافه، بأنه خدع من قبل المخابرات المركزية الأمريكية (٢)، وقد وجد اليسار العربي في مصر والعراق الفرصة سانحة لشن الهجوم على التيار الذي كانوا يعتبرونه عميلًا للإمبريالية يوم كان لليسار صولة وجولة، وكان في الوقت ذاته يخضع بعمالة مشابهة للكتلة الشيوعية.
وسوف أنقل هنا قول أحد الراصدين لهذه القضية التي تصدى لها من منطلق الدفاع عن توفيق صايغ، يقول: (واجه توفيق صايغ أزمة "حوار" الأولى حين منع العدد "٥" تموز - أب، يوليو أغسطس ١٩٦٣ م من دخول العراق في ٢٥/ ٧/ ١٩٦٣ م بعث توفيق برسالة إلى وزير الإرشاد في
стр. 2187
الجمهورية العراقية يسأله فيها عن سبب منع "حوار" ومصادرتها "ولما لم يتلق ردًا بعث برسالة أخرى في أب - أغسطس ١٩٦٣ م، وقبل ذلك كانت صحف بيروت والقاهرة قد بدأت حملتها على "حوار" في أيلول - سبتمبر ١٩٦٢ م بدأت مجلة "الصياد" البيروتية بمهاجمة "حوار" لارتباطها بالمنظمة العالمية لحرية الثقافة في باريس، وحتى قبل صدور "حوار" ثم تكثفت الحملة الهجومية على "حوار" في القاهرة، ثم انتقلت مجددًا إلى بيروت في أواخر ١٩٦٣ م.
المنظّر الأساسي لهذه الحملة كان رجاء النقاش على صفحات "أخبار اليوم" وفي بيروت شنت الهجوم على حوار وصايغ "الأنوار" و"الصياد" و"الشعب" و"النداء" و"الآداب" و"صوت العروبة" ولكن الحملة لم تشتد إلَّا في أواسط ١٩٦٥ م، وعنفت بعد رفض يوسف إدريس لجائزة "حوار" ولا يُمكن فهم هذا الهجوم على "حوار" وعلى "المنظمة العالمية" بمعزل عن ازدياد معاداة الغرب في مطلع الستينات وتسلم اليسار المصري مقاليد الصحافة في القاهرة، رأى رجاء النقاش أن مجلة حوار تدافع عن حرية زائفة و"غريبة علينا" ثم شهد مطلع ١٩٦٦ م هجومًا عنيفًا على "حوار" في مجلة "العلوم " محررها "منير البعلبكي" في عدد شباط - فبراير ١٩٦٦ م، حمل عبد العزيز الدسوقي "القاهرة" حملة شعواء على حوار وعلى مقالة لويس عوض "الأهرام ١٩/ ١١/ ١٩٦٥ م" التي شخص فيها أزمة الثقافة في مصر، معتبرًا الدسوقي أن هذا التشخيص دفاع مبطن عن حوار، وفي عدد أيار ١٩٦٦ م هاجم ياسين نزال النصير "البصرة" حوار ودافع عن عوض، وفي العدد نفسه رأى طلعت همام "القاهرة" أن حوار تميع الاشتراكية.
المعركة مع حوار احتاجت إلى وقت، إلى حين نشرت صحيفة "النيويورك تايمز" ٢٧/ ٤/ ١٩٦٦ م مقالة زعمت فيها أن "المنظمة العالمية لحرية الثقافة" تدعمها وكالة المخابرات المركزية "سي. آي. إي"، وأن هذه المنظمة تمول مجلات "أنكاونتر" الإنكليزية و"بروف" الفرنسية و"حوار" العربية. كانت صحيفة روز اليوسف القاهرية، بالمرصاد فأشارت في عددها الصادر بتاريخ ٢٣/ ٥/ ١٩٦٦ م إلى مقالة نيويورك تايمز وبدأت المعركة مع
стр. 2188
حوار على مستوى عالي ومحتدم، وفي ٣٠/ ٥/ ١٩٦٦ م ذكرت روز اليوسف ما يلي: "بعث الكاتب غالي شكري إلى روز اليوسف صورة من الرسالة التي بعث بها إلى توفيق صايغ رئيس تحرير مجلة حوار جاء فيها: "واليوم وقد نشرت روز اليوسف هذا الخبر المرفق بتعليق الدكتور لويس عوض، أرى من واجبي أن أضيف هذا السبب الجديد "تبعية حوار للمخابرات الأمريكية" في امتناعي عن الكتابة في حوار، راجيًا باسم علاقتنا الشخصية أن تعيد النظر في موقفك أيضًا فلست أشك أنك أكبر من أن تشارك أو تتعامل مع جهة أجنبية (١) لم تعد مشبوهة بل مدموغة بالتبعية لوكالة المخابرات الأمريكية") (٢).
(وفي أوائل حزيران يونيو ١٩٦٦ م أصدر نائب رئيس الوزراء للثقافة والإرشاد القوي والسياحة في مصر عبد القادر حاتم، قرارًا بمنع حوار من دخول مصر بعد أن تأكدت السلطات المصرية أن المخابرات المركزية الأمريكية تمول "حوار" الأهرام ٦/ ٦/ ١٩٦٦ م، روز اليوسف ٦/ ٦/ ١٩٦٦ م) (٣).
وكان لويس عوض قد انبرى يدافع عن مجلة حوار وابن ملته توفيق صايغ، ومما قاله في هذا الدفاع: (. . . أسباب دفاعي (٤) الأدبي عن توفيق صايغ ومجلته في الماضي فبسيطة وواضحة، فأنا قد عرفت توفيق صايغ في فترة ما بين ١٩٥١ م و ١٩٥٣ م بجامعة برنستون، ووجدت فيه مثقفًا فلسطينيًا أهلًا لكل احترام وجدته رجلًا متحرر الفكر في هدوء. . . هذه الاتهامات
стр. 2189
كانت تأتي من جوانب متناقضة، كانت تاتي من جانب الشيوعيين فأقول لنفسي: ربما في الأمر مغالاة فقد دأب بعض الشيوعيين أن يقولوا عن كل من خالفهم في الرأي إنه عميل الاستعمار، وكانت تأتي من جانب الأخوان المسلمين فأقول لنفسي: وهؤلاء بيتهم من زجاج فهم آخر من يحل له أن يقذف الحجارة، وكانت تأتي من بعثيين تائبين فأقول لنفسي: هؤلاء في أواصرهم في لبنان حيث المجلات الأدبية تقتتل حتى الموت في سبيل الرواج. . . كنت أقول: للنقاد المصريين والعرب: ربما كنتم تغالون في أمر حوار، إن كل ما أراه فيها هو ما أراه في المنظمة العالمية لحرية الثقافة، وهو أنها منبر ثقافي تجمع حوله اليسار المعادي للماركسية، وأكثرهم من الماركسيين الذين ثاروا على الماركسية: ستيفن سبندر، ايناتزيو سيلوني، ارثر كيسلر، الخ، كلهم كانوا شيوعيين وكلهم ثاروا على الشيوعية، إن هذه أحدث الأساليب العلمية في مقاومة الشيوعية أن يخاطب المثقفون التقدميون بلغة الثقافة التقدمية حتى لا ينحرفوا إلى الشيوعية، والمنظمة العالمية لحرية الثقافة انشئت لتجميع المثقفين التقدميين ضد الشيوعية على أسس ثقافية تقدمية، وهذا أمر مشروع في حرب العقائد الدائرة رحاها اليوم في العالم ونحن نفعله في مصر حين تصدر مجلة "الفكر المعاصر" التي يرأس تحريرها الدكتور زكي نجيب محمود (١) أن الاعتراض الوحيد الذي أرى وجاهته في موضوع المنظمة وحوار هو أنهما قائمتان بتمويل مؤسسات ثقافية أجنبية، وهما تعترفان بهذا صراحة، وتعلنانه في كل مناسبة، وهذا أشرف ألف مرة من أولئك السادة الذين يقبضون من الأجانب في الظلام ويمشون بين الوطنيين كالشرفاء) (٢)(٣).
هذا الدفاع الذي استبسل فيه لويس عوض عن حوار والمنظّمة العالمية وتوفيق صايغ، ليس دفاعًا عن هؤلاء فحسب بل هو دفاع عن نفسه أيضًا،
стр. 2190
وبوابة خلفية لتسويغ عمله المشابه لعملهم وسوف يأتي ذكر ذلك بعد قليل، بيد أن من أهم ما يذكر هنا أن لويس عوض يدافع عن المنظمة وعملائها مثل مجلة حوار ومجلة انكاونتر؛ لأنه من المشاركين فيها وقد نشر فيهما الكثير من مقالاته وشعره وفصول من روايته العنقاء (١).
ورغم دفاعات لويس عوض عن أشباهه، فقد توالت الحملات على توفيق صايغ ومجلته "حوار" ونشرته "النهار" حتى أغلقها بعد أن أصبحت عمالتها للمخابرات الأمريكية أظهر إنجازاتها، وذلك في ٢١/ ٥/ ١٩٦٧ م الموافق ١٣٨٧ هـ، ولكن بعد أن استقطبت أقلام مجموعة كبيرة من الكتاب الحداثيين (٢).
وقد اعترف توفيق صايغ بعلاقة مجلته بالمنظمة العالمية لحرية الثقافة وأن هذه المنظمة تابعة لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية، وأنها قد أمدته بالمال طوال سنين عديدة (٣).
٢ - مجلة "شعر": التي قامت أصلًا على أفكار أنطون سعادة، ودعواته للاندماج في الغرب والانفصال عن العرب والإسلام، تحت شعار الفكرة المتوسطية، وقد سبق تفصيل هذه القضية، وهذه وحدها كافية في الدلالة على العمالة التي هي أساس فكرة المجلة، فلقد تبنت مجلة شعر الاتجاه الأسطوري الوثني وأغرقت في ذلك غاية الإغراق، وسعت في ترويج أفكار الاندماج بالغرب، في جذوره التاريخية وواقعه المعاصر أديبًا من خلال منبر مجلة شعر المؤسسة لهذا الغرض أصلًا، وسياسيًا من منبر
стр. 2191
الحزب القومي السوري لأنطون سعادة (١).
وكانت عصابة شعر تتلقى الدعم السخي من المخابرات الأمريكية من خلال "المنظمة العالمية لحرية الثقافة" وفرعها المسمى "مؤسسة فرنكلين" التي بدأت بمدفوعاتها السخية تستقطب أعمدة الثقافة العربية الحديثة (٢).
يقول أحد الحداثيين: (إن التدخل الأمريكي كان يحمل طابع توجيه حركة التغاير الغربية إلى أفق محدد، وسنرى كيف لعبت مجلة "شعر" دورًا في سياق هذا التوجيه وبأية لغة، وكيف وفرت لها إتجاهات من خارجها مستندًا أوليًا لتحاول شق طريق إلى مستقبل خاص للشعر العربي) (٣).
في عام ١٣٧٦ هـ/ ١٩٥٧ م برزت إلى الوجود مجلة شعر وافتتح أول أعدادها بمقتطفات لشاعر أمريكي (٤)، وفي ذلك أبلغ دلالة على انقطاع بين المجلة -كما يقول أحد نقاد الحداثة- وبين السياق التاريخ - الاجتماعي الذي ولدت فيه (٥).
ويطرح هذا الناقد في دراسته للبنية التحتية لمجلة شعر بعض المقولات التي طرحتها مجلة شعر وأصرت على ترويجها، وبيان المغزى من هذه المقولات، يقول: (إن مقولات من نوع "الشعر في عالم اليوم" و"التجارب المعاصرة" و"أعماق الوجود الإنساني" تمحو كل الفروقات الثقافية (٦)، وتمحو بالتالي إشكالياتها جذريًا، وتصل -ويبدو أن هذا هو الهدف- إلى طمس أي نوع من الانقسام الذي يعانيه عالم اليوم بين ثقافات تعرضت للتخريب والتشويه وثقافات مسيطرة، أي أنها بالنتيجة تنفي ما هو جوهري
стр. 2192
في الإشكالية العربية السياسية لتصل إلى موقف سياسي مغاير للمواقف السياسية التي مثلها كتاب وشعراء آخرون، إذن يستهدف نفي السياسي التمهيد لدعوة سياسية أخرى، فما معنى هذا؟.
ثمة صفحة مطوية بعناية وإن كانت قد نشرت جزئيًا في أواخر الخمسينات تتعلق بالنشاط التحتي لمثل هذه التوجيهات الأدبية، وتلقي هذه الصفحة الضوء على ما يبدو دعوة للتجديد.
هذه الصفحة هي صفحة الممارسات التي مارسها بعض أصحابها مجلة "شعر" في الوقت نفسه الذي كانوا يدعون فيه إلى "اللاسياسية" و"اللاتخريب" فقد تبنوا سياسات مضادة للتيارات القومية والاشتراكية العربية آنذاك، حين عقدوا بمساهمة "منظمة حرية الثقافة" المعروفة كأحد وجوه وكالة المخابرات الأمريكية مؤتمر روما للأدب العربي في العام ١٩٦١ م. . .) (١).
(. . . وجاءت الأسطورة لتلعب هذا الدور مدعومة بمرجعية ثقيلة الوزن والتأثير بفعل التضخيم الإعلامي المقصود، والمرجعية التي نعنيها هي طرح أسماء بعض الشعراء الغربيين مع إحاطتهم بهالة خرافية تجعلهم مثلًا يحتذى في كل إبداع. . .
يدلنا إلى هذا أن تعبير "الشعر المعاصر" كان يعني حقيقة ما يكتبه الغير وفق انتفاء واضح لا يترك مجالًا للتأويل في أن ما هو "عالمي" و"معاصر" هو الغربي تحديدًا، فطوال أحد عشر عددًا من أعداد مجلة شعر بين عامي ١٩٥٧ - ١٩٥٩ م اقتصرت ترجماتها للشعر في عالم اليوم على الشعر الغربي: ١١ شاعرًا من الثقافة الانجلو - ساكسونية، ٩ شعراء فرنسيين، أسباني واحد.
. . . فالتيار التغريبي الحديث يحاول صياغة الإشكالية الثقافية وضمنها إشكالية البحث عن الحداثة بمعزل عن كل الفروقات التي تبعثها علاقات
стр. 2193
الأقطار العربية بالغرب في ذروة تصاعد التغلغل الأمريكي، وبداية احتلاله لمواقع الاستعمار القديم) (١).
إن الناظر في شخصيات مجلة شعر يدرك عمق العمالة والولاء لأعداء الأمة، فها هو يوسف الخال رئيس تحرير المجلة ورئيس اللقاء الأسبوعي "خميس مجلة شعر"، تخرج في الفلسفة من الجامعة الأمريكية في بيروت، وأقام في نيويورك ثماني سنوات التحق خلالها بالأمم المتحدة ثم عاد إلى لبنان عام ١٣٧٤ هـ/ ١٩٥٥ م وهو مغمور مجهول ليقوم بإنشاء مجلة "شعر" ويجمع معه أدونيس وخليل حاوي ونذير عظمة وأسعد رزوق وأنسي الحاج وخالدة سعيد، وكل من هؤلاء له تاريخه المجهول أو المشبوه (٢)، وكل منهم -أيضًا- مليء بالحقد الدفين على الأمة، والتطلع والسعي لإذابة الأمة والمجتمع والثقافة في أحماض الحياة الغربية.
ويظهر بجلاء من خلال الاتجاهات الداعية إلى الليبرالية الديمقراطية الغربية، أن هذه المجلة هي إحدى الجسور المطلية بطلاء الثقافة والأدب، هذه الاتجاهات الموجودة داخل مجلة شعر هي الاتجاه القومي السوري نسبة إلى الحزب القومي السوري، وهو الاتجاه الذي غلب على المجلة منذ بداية صدورها، وينتمي إلى هذا الاتجاه كل من يوسف الخال وأدونيس ونذير عظمه وفؤاد رفقة وخالدة سعيد ومنير بشور ومحمد الماغوط وغيرهم، والاتجاه الثاني: اتجاه إقليمي لبناني، وهو الاتجاه الذي بدأ مع بداية المجلة ثم نما مرحلة بعد أخرى حتى غلب عليها في المرحلة الأخيرة من حياتها وينتمي إليه كل من أنسي الحاج وشوقي أبو شقرا وعصام محفوظ وأسعد رزوق وغيرهم (٣).
وكلا الاتجاهين اجتمعا في محورين أساسيين أحدهما طائفي نصراني ونصيري، والثاني ليبرالي غربي، كما عبر عن ذلك أحد نقاد الحداثة في
стр. 2194
قوله: (أمَّا على المستوى الفكري فقد جمعت الطرفين اتجاهاتهما اليمينية، ونزعتهما الشديدة إلى التغرب "نسبة إلى الغرب" والتشبث بأطراف الدعوات الليبرالية في مواجهة ما يعتبرانه بطريقة أو أخرى، قمعًا عنصريًا وطائفيًا) (١).
ويضيف هذا الناقد تصنيفًا آخر لجماعة شعر غير ما سبق فيقول: (. . . وبحكم عوامل أخرى تربوية ودراسية ودينية توزع هؤلاء، ومن تعاون معهم من خارج المجلة بين الثقافتين: الفرنسية والانكلوسكسونية فكان من أبرز ممثلي الثقافة الأولى: أدونيس وأنسي الحاج وشوقي أبو شقرا وعصام محفوظ، وخالدة سعيد، وأبرز ممثلي الثقافة الأخرى: يوسف الخال وجبرا إبراهيم جبرا وتوفيق صايغ وإبراهيم شكر اللَّه، وكان كثيرون ممن ساندوا المجلة في نشاطها موزعين، بقدر أو آخر، بين هؤلاء، وكان ثمة استثناء وحيد بينهم هو فؤاد رفقة الذي وجد ضالته في الثقافة الألمانية) (٢).
ثم يضيف قائلًا: (. . . إن تجمع شعر كان يدعي خلاف ما يمارس كان يرفض "السياسة" و"الإيديولوجيا" وهو مسيس ومؤدلج إلى عنقه، بل كان هذا التجمع يعمل عمل حزب سياسي كامل: مجلة، وندوة أسبوعية، ودار نشر تصدر كتبًا ذات لون خاص، وجوائز تمنحها المجلة، وامتداد إلى الصحف اليومية، ومبشرون ومراسلون، واتصالات عربية، وأخرى عالمية، ومجلة أخرى "أدب" وتهريب أعداد ممنوعة الخ، بل كان التجمع يطمح إلى عقد مؤتمرات سنوية، وإنشاء رابطة وإعانة النابهين على الدراسة أو الإقامة مدة في الخارج، فماذا بقي من أساليب العمل الحزبي؟!.
يقول يوسف الخال، والحديث عن خميس مجلة شعر، بعد ستة شهور من صدورها "هذا الخميس ندوة لا تتوخى أن تكون هيئة منظمة تنظيمًا مسبقًا، بل جماعة تنمو نموًا عضويًا، يتخذ شكله التنظيمي الخارجي مع الزمن وفق حيوية أفرادها واستعدادهم الفكري والروحي" ترى هل تبدأ الأحزاب والحركات السياسية عملها بطريقة أخرى؟ ويضيف الخال إلى ذلك
стр. 2195
قوله: "إن هذه الندوة ستظل قائمة مهما كان عدد حضورها، كما ستظل مفتوحة لجميع الشعراء ومحبي الشعر في هذا البلد".
ولكننا سنجد الندوة قد تحولت بعد حين إلى ندوة مغلقة، فانتقلت من صالة فندق "بلازا" إلى إحدى قاعات نادي خريجي الجامعة الأمريكية في بيروت، ثم إلى بيت يوسف الخال، وعدل التجمع صيغة اجتماعاته، فلم يسمح بحضورها إلَّا للأعضاء ومدعويهم، ولم تفتح إلَّا لمدعويين معنيين يدعوهم التجمع من لبنان ومن أقطار عربية أخرى) (١).
٣ - ومن منابر المؤسسة الأمريكية، المنظمة العالمية لحرية الثقافة مجلات "أدب" و"أصوات" و"مواقف"، وقد ولغت فيما ولغت فيه كل من "حوار" و"شعر" وتعتبر من الأوكار الثقافية ذات المقاصد السياسية، والاستخباراتية، المرتبطة بالمخابرات المركزية الأمريكية (٢).
٤ - مؤتمر روما الذي عقد في تشرين الأول ١٩٦١ م/ ١٣٨٠ هـ، ويعتبر المؤتمر أحد مناشط جماعة شعر، وقد أسهم في إعداده وتمويله "منظمة حرية الثقافة" التابعة لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية، وقد تحدث محمد الأسعد في كتابه "بحثًا عن الحداثة" عن هذا المؤتمر ونشاطات جماعة مجلة "شعر" قائلًا: (. . . عقدوا بمساهمة "منظمة حرية الثقافة" المعروفة كأحد وجوه وكالة المخابرات الأمريكية مؤتمر روما للأدب العربي في العام ١٩٦١ م، وبعد ٢١ عامًا من عقد هذا المؤتمر اعترفت إحدى المشاركات فيه في حديث شخصي ليس للنشر بأن المنظمين لم يكونوا أميريكيين فقط، بل ومن الصهاينة أيضًا) (٣).
ويضيف في الهامش قائلًا: (في اللقاء الشخصي ذكرت الشاعرة سلمى الجيوسي التي حضرت المؤتمر: إن منظميه لم يكونوا أميركيين فقط، بل
стр. 2196
كانوا من الصهاينة أيضًا، وقد عللت استجابة بعض الأدباء العرب إلى مثل هذه الأنشطة بالسذاجة التي كانت صفة غالبة في رأيها على أدباء الخمسينات!!) (١).
ولا ينبغي أن ننسي الدور الذي قام به "سيمون جارجي" مسؤول الفرع العربي لمنظمة حرية الثقافة، في تدبير العملاء لهذه المنظمة واستقطابهم لأعمالها تحت أقنعة الثقافة والحداثة، كما أنه كان العقل المحرك لمؤتمر روما (٢).
وقد سجل بدر شاكر السياب موقفه من "المنظمة العالمية لحرية الثقافة" ومؤتمر روما الذي كان السياب أحد أركانه، يقول السياب: (لا يسعني وأنا أمر في أعقاب المحنة القاسية التي ظللت أعانيها لأكثر من عام، إلَّا أن أذكر الدور المشرف الذي وقفته تجاهي "المنظمة العالمية لحرية الثقافة" والحق أنها كانت الجهة الوحيدة التي أمدتني بالعون السخي دون "مدائح" أكيلها لها وأستجديها فيها أن تساعدني.
أوفدتني "المنظمة" إلى المملكة المتحدة في زمالة لمدة سنة لتتيح لي الفرصة كي أعالج نفسي هناك، وخصصت لي راتبًا شهريًا قدره ستون جنيهًا استرلينيًا، وبعد أن راجعت الأطباء والأخصائيين وحجز لي سرير في واحد من أحسن مستشفيات لندن، أرسلت لي المنظمة شيكًا بخمسمائة جنيه أسترليني أنفقها على علاجي. . . أرسلت المنظمة مستشارها الأستاذ سيمون جارجي كي يراني ويطمئن على وضعي ويدبر أمر سفري إلى باريس للمعالجة هناك، وتم. الاتفاق على أن أطير إلى باريس برفقة صديق يعتني بي، وأن يكون كل ذلك -بما فيه تكاليف إقامتنا في باريس- على نفقة المنظمة، وفي باريس وجدت نفسي محاطًا بالرعاية والعناية من موظفي المنظمة والعاملين فيها. . . وزودت بالأدوية التي وصفها لي الطبيب على
стр. 2197
حساب المنظمة. . . وإنني ليؤلمني، وأنا في هذه الحال أن أقرأ التهم الباطلة التي تكال للمنظمة، لمجرد أنها أصدرت مجلة قد تنافس المجلة الفلانية، وعملت على إبراز أدباء قد ينافسون الأدباء الفلانيين.
كان أول ما عرفت المنظمة في مؤتمر الأدب العربي الذي عقد في روما في شتاء ١٩٦١ م وكانت المنظمة هي التي عملت على عقده، لقد كان ذلك المؤتمر تظاهرة قومية عربية في وسط أوروبا. . . وأشهد أن المستشرقين المدعوين إلى المؤتمر كانوا أكثر عروبة في مواقفهم من بعض الجهات العربية. . . أن موقف أية منظمة ثقافية غربية، لا يُمكن أن يختلف كثيرًا عن أحسن موقف غربي من قضايا العرب، وفيما يخص قضية فلسطين: الحياد بين العرب واليهود. . .) (١).
هذا الكلام يناقض كل المناقضة ما أثبتناه سابقًا من كتابات الحداثيين واعترافاتهم حول ارتباط المنظمة العالمية لحرية الثقافة وسائر مناشطها بالمخابرات الأمريكية.
ولندع هذا كله جانبًا ونسأل، لماذا تنفق هذه المنظمة كل هذه الأموال وترعى كل هذه الرعاية هذا الإنسان المشلول؟ هل عُرفت المخابرات الأمريكية أو أية مخابرات أخرى أنها تعمل الأعمال الإنسانية من أجل الإحسان؟ أو من أجل الثقافة؟ إلَّا إذا كانت لها مآرب من وراء هذا الدعم والمساعدة!!.
ولقد كان السياب يعي أي شيء تريده المنظمة ومجلة شعر ففي (رسالة من السياب إلى يوسف الخال في ٤/ ٤/ ١٩٦١ م ذكر حول محاضرته التي كان يعدها لمؤتمر روما أنه "انتهى من كتابة المحاضرة وجاءت مليئة بأفكار تتفق وأفكار منظمة الثقافة الحر من حيث نظرتنا "أسرة مجلة شعر" إلى الالتزام ونظرة الآخرين. . .) (٢).
стр. 2198
وبعيدًا عن نظرية التآمر لنا أن نسأل أيضًا: ما العلاقة بين التنشئة والرعاية التي لقيها السياب من أستاذه الإنجليزي أثناء دراسته في دار المعلمين (١)، وعلاقته باليهود يوسف سلمان "فهد" وساسون دلال ويهودا صديق الذين كانوا يرأسون الحزب الشيوعي العراقي (٢)، ثم علاقته الأخيرة بمنظمة حرية الثقافة ومجلة حوار ومجلة شعر؟.
وعلى كل حال فقد كان مؤتمر روما تحت إدارة ورعاية اليهود الصهاينة، كما أقر بذلك بعض من حضر (٣)، وكانت عناوين ندواته ومداولاته تصب في إطار تقوية النشأة الحديثة التي غرست في جسد الأمة باسم الحداثة، وقد أسهم في هذا المؤتمر مجموعة كبجرة من العرب من بلدان عديدة، ومن المستشرقين (٤)
٥ - مؤسسة فرنكلين: وهي أيضًا من فروع وكالة الاستخبارات الأمريكية، وكانت تستقطب كتاب الحداثة: (. . . فقد قامت في مصر مؤسسة فرنكلين للطباعة والنشر، وبدأت بمدفوعاتها السخية باستقطاب
стр. 2199
أعمدة الثقافة العربية آنذاك من كل الاتجاهات، وكان الأسرع إلى خدمتها أقطاب التقليدية، فقدموا لكتبها المترجمة وبحثوا في الموضوعات التي اقترحتها) (١) هذا ما قاله صاحب كتاب "بحثًا عن الحداثة".
ثم أضاف قي الهامش: (في إعلان واحد من إعلانات مؤسسة فرنكلين عن مطبوعاتها المترجمة وردت أسماء: طه حسين ومحمد عوض محمد، وسهير القلماوي ولويس عوض، وأحمد زكي أبو شادي، وتوفيق الحكيم، وكانت مهمة بعضهم الترجمة وبعضهم الإشراف والتقديم "الآداب يناير ١٩٥٥ م"، ويبدو أن نشاط هذه المؤسسة قد امتد إلى بيروت والعراق أيضًا، حيث ورد في مراسلات السياب المنشورة ما يفيد أن يوسف الخال وجبرا إبراهيم جبرا كانا من متعهدي توزيع أعمال الترجمة على الأدباء العرب. . .) (٢).
٦ - جهات أخرى تمولها المنظمة العالمية لحرية الثقافة التابعة للمخابرات الأمريكية، ذكر مؤلف كتاب "توفيق صايغ سيرة شاعر ومنفى" أسماء جهات غير حوار وشعر تأخذ الدعم من هذه المنظمة وذلك في معرض الدفاع عن الصايغ وحوار ناقلًا الكلام عن توفيق الصائغ نفسه، وقد ذكر أن المنظمة (تتبنى حلقات دراسية دولية ذات أهمية لطبقة المثقفين العرب، ومن بين هذه المؤسسات لجنة التخطيط القومي في الجمهورية العربية المتحدة (٣)، وجمعية المهندسين المصرية، ومعهد الإدارة العامة بالقاهرة وجامعة الخرطوم) (٤).
٧ - أسماء كانت لها علاقة بالمنظمة: ذكر أنسي الحاج في معرض دفاعه عن توفيق صايغ ومجلة حوار ومجلة شعر، بل في دفاعه أيضًا عن
стр. 2200
"المنظمة العالمية لحرية الثقافة" ذكر مجموعة من الأسماء الذين كانوا على علاقة بهذه المنظمة، كما ذكر لويس عوض مجموعة أخرى (١) وقد أعلنت المنظمة عن اعتزازها باستقطاب الكتاب والمثقفين الحداثيين من جميع الاتجاهات فقالت: (نحن فخورون بأننا قد ساعدنا على إعانة عدد لا يحصى من الأساتذة والكتاب والصحفيين، ومن بينهم السياب وتوفيق صايغ، سواء أكانوا ليبراليين أم محافظين أم اشتراكيين في كفاحهم من أجل حرية التعبير الثقافي في أية بقعة من بقاع الأرض) (٢).
ولنا أن نستطلع نتاج هؤلاء الذين كافحوا من أجل حرية التعبير الثقافي كما أرادت "المنظمة العالمية لحرية الثقافة" لنجد أن نتاجهم مسخر لهدم دين الإسلام ونقض تعاليمه، ومضادة أحكامه وتكذيب أخباره، والسخرية والاستخفات بكل ما له علاقة بالمسلمين من أخلاق وسلوكيات وحياة اجتماعية ومسيرة حضارية تاريخية، ومسخر كذلك -في الوقت نفسه- لبناء الوثنيات الجاهلية، والعقائد الإلحادية، والمذاهب المادية وترويج النظم الغربية من ماركسية إلى وجودية إلى ليبرالية ديمقراطية رأسمالية، وتسويق النمط الغربي في الأخلاق والسلوك والمجتمع.
من هنا فقط كان فخر هذه المنظمة الاستخبارية، واحتفالها ودعمها لهؤلاء الذين ينفذون خططها، أو على الأقل يلتقون معها في هدف واحد، بل ويلتقون حتى مع أضداد هم من اليساريين الماركسيين وغيرهم في غاية واحدة، وهذا ما شهد به أحدهم قائلًا: (إن بعض المثقفين لا يعطون سوى السم في الدسم، باسم التجديد، وباسم الرفض وباسم التقدمية وما إلى ذلك، ومن الغريب أن يلتقي التقدمي مع عميل "منظمة حرية الثقافة" في نفس المنطلقات، فكيف يُمكن أن تكون ماركسيًا، ونفس منطلقاتك هي
стр. 2201
نفس منطلقات جماعة حرية الثقافة التي كانت تصدر "حوار" وسواها؟ عندما كنا نقول: إن "حوار" وجماعتها مخابرات أمريكية كانوا يقولون لنا: لا، أنتم تشتمون العالم، ثم اعترف الرجل نفسه وأغلق مجلته، وقال: أنا كنت مضللًا أو مغررًا به، ولكن أنت الماركسي الذي لا يُمكن أن تكون مع الرأسمالي كيف تكون منطلقاتك الفكرية نفس منطلقات الرأسمالي والاستعماري والرجعي؟) (١).
وليست العمالة والولاء للأعداء مقتصرة على المنظمة المذكورة وفروعها، بل هناك الكثير غيرها، ومما عرف:
• " جماعة إخوان الحرية ":
وكانت في مصر ويرأسها الجاسوس الإنجليزي المحترف "كرستوفر سكيف"، وقد حاكمت الثورة المصرية أعضاء هذه الجماعة باعتبارهم عملاء ومنهم لويس عوض الذي أهدى كتابه "بلوتولند وقصائد أخرى" إلى زعيمه كرستوفر سكيف في سنة ١٣٦٦ هـ/ ١٩٤٧ م، وكان سكيف هذا مبشرًا، وكان يقوم في الجامعة بعمل تبشيري وسياسي في آن واحد، ومن أعوانه ناظر المدرسة الخديوية الجاسوس "فرنسيس" وهو أحد مؤسسى جماعة أخوان الحرية، و"دافنيس الأعرج" و"بيفن" وكانوا جميعًا يتظاهرون بالعلم والثقافة، ويستقطبون العملاء لصالح أجهزة المخابرات البريطانية (٢).
ولئن ذهبت جماعة أخوان الحرية بذهاب ملك الخديوي فإن ورّاث العرش الملكي البريطاني واصلوا المخطط، فكان لويس عوض العضو القديم في جماعة إخوان الحرية التابعة للمخابرات البريطانية عضوًا جديدًا في المنظمة العالمية لحرية الثقافة التابعة للمخابرات الأمريكية (٣).
стр. 2202
وقد نشرت جريدة الجزيرة السعودية في صفحة أدب وثقافة ملخصًا لكتاب ألفه الصحفي اليهودي الصهيوني "موسى ايلمون" بعنوان "رحلة إلى مصر" وفيه يقول لويس عوض: (أعتقد أن اللقاء المتجدد بين المصريين والإسرائيليين سيخلق وضعًا ثقافيًا مثيرًا للاهتمام، وكلم أتمنى أن يحدث ذلك مثلما حدث قديمًا قبل خروج اليهود من مصر، إن مصر يجب أن تنفرد حضاريًا، ولذلك فعليها ألا تتجه شرقًا إلى دمشق أو بغداد، ولكن إلى الشمال والغرب حيث أوروبا، إنني لست قوميًا وأفتخر بأنني علماني) (١).
ثم ذكر المؤلف إن مجموعة أدباء مصريين تهافتوا إلى دولة اليهود يتقربون ويتملقون وخص بالذكر توفيق الحكيم (٢)، علمًا بأن هذا المؤلف اليهودي كان من أبرز السفاحين اليهود، وكان في عام ١٣٦٧ هـ/ ١٩٤٨ م ضابطًا في الجيش الإسرائيلي يمارس الذبح والإرهاب على المسلمين كغيره من اليهود المجرمين.
• مؤسسات "ركفلر" اليهودي الأمريكي و"فورد" و"فلبرايت ":
وهي مؤسسات تقدم الدعم للدارسين وللبحوث المتعلقة بالعالم الإسلامي، وبخاصة الدعوات الإسلامية فيه (٣)، إضافة إلى عنايتها بالمستغربين من أبناء البلاد الإسلامية، وخاصة الذين أعلنوا مواقفهم العلمانية والحداثية المضادة للإسلام أو المشككة فيه.
فها هي مؤسسة "فلبرايت" في القاهرة تستقطب هذه الفئة وتقربها، وتستكتبها وتوظفها، وتغدق عليها ألوان المساعدات المعنوية والمادية، وممن استقطبتهم "فلبرايت" الكاتب الحداثي العلماني نصر حامد أبو زيد، الذي نال الحظوة من هذه المؤسسة وغيرها، ولما قرر الهرب من مصر بعد أن قام بعض الغيورين على دينهم وأمتهم بالمطالبة بمحاكمته، وجد
стр. 2203
الأيدي التى تحتضنه والجامعات التي تستقبله من أسبانيا حتى فرنسا ومن أمريكلا حتى هولندا (١).
أمَّا المساعدات المالية لعلاء حامد وأشباهه، فمن أهم المناشط لهذه المؤسسات اليهودية الأمريكية، أضف إلى ذلك الأبحاث المشتراه بل المدفوعة الأتعاب سلفًا، والتي تصب كلها في تسويق الليبرالية الغربية والسلام مع اليهود، وفي التنفير من الإسلام وقضاياه باسم دراسة الإسلام السياسي.
• مجلة الآداب البيروتية:
وهي المجلة التي تبنت العقيدة الوجودية الإلحادية وراحت تدعو إليها وتبشر بها، وتنشر الكتب والقصص الوجودية من سارتر حتى كولن ولسن.
(والملاحظ أن مجلة "الآداب" قد لعبت دورًا في طرح "الالتزام" و"الشعر" و"الثقافة" في إطار الأطروحات الوجودية، وزاد هذا الميل في السنوات اللاحقة بوصف الوجودية أصفى تعبير عن مشكلات الإنسان العربي، وهكذا انعكست الصراعات الحقيقية في الحياة السياسية والاجتماعية على بنية الكتابة، ولم يبق إلَّا خطوة وتصل الصيغة الوجودية حركة الشعر العربي المعاصر بالصيغة "الأسطورية" التي تبنتها مجلة أخرى، وفي سياق آخر، تلك هي مجلة "شعر" التي قادت الصيغة الوجودية إلى نهايتا المنطقية أي إلى المفهوم الميتاقيزيقي للشعر) (٢)(٣).
إذن فقد التقت مجلة آداب مع مجلة شعر في صيغة واحدة، وإن كانتا في الظاهر تعلنان العداوة.
ويكفي في الدلالة على مسلكها التآمري المضاد للأمة والدين أنها تبنت
стр. 2204
"الوجودية" المادية الإلحادية، وروجت لأبشع أنواع الفساد الاعتقادي والاجتماعي، من خلال الدعوة إلى هذه العقيدة الوجودية الإلحادية، ونشر نتاج أصحابها، وصناعة نجوم من المنبهرين والمقلدين لهذه العقيدة الإلحادية.
ومع كل ذلك ودلالته على البراء من الأمة والولاء لأعدائها، فإننا نجد أن أحد أعلام الحداثة يؤكد هذا المعنى حيث وصف هذه المجلة وأصحابها بالعمل في خدمة الاستعمار.
جاء في مجلة الآداب نفسها أن (الأستاذ عبد الوهاب البياتي اتهم مجلة الآداب بالعمل في خدمة الاستعمار، وستقيم عليه الآداب دعوى قدح وذم لدى المحاكم العراقية. . .) (١).
وتلك تهمة لم يبرأ منها البياتي فقد كان هو بعقيدة الشيوعية وانتمائه الماركسي يمارس الدور نفسه ولكن لصالح الاتحاد السوفيتي والأممية الشيوعية العالمية.
ومما يؤسف له أن نجد بعض الناس يثني على مجلة الآداب وعلى رئيس تحريرها، ويشيد بدورهم في كشف خيانة أعداء الأمة العربية والإسلامية (٢)!!، بل يقول بصريح العبارة: (وأنتم تعلمون أنه بانتهاء الأمجاد الرومانسية ممثلة في توقف مجلة الرسالة -إذ أدت هذه المدرسة دورها- قامت مجلة الآداب وعمدتها المثقف الفذ سهيل إدريس لترعى أدب الحداثة بكل أجناسها.
ولست أقول أن مجلة الآداب تمثل خطًا إسلاميًا ملتزمًا، فالمفكر المسلم غائب عن أدب الحداثة.
وإنّما أقول إنها صاحبة موقف عربي ووطني، وما وقعت فيه من حماقات الوجودية إنَّما هو اجتهادات خاطيء، وليس عمالة ومؤامرة وقحة.
стр. 2205
وهي ذات الفضل في بلورة أدب الحداثة من منطلق النظرية الفنية.
بيد أن مجلة شعر -رغم قصر عمرها- استطاعت أن تسحب البساط من تحت سهيل إدريس وتفقده أهم جمهوره، ذلك أن سهيلًا ومجلته يعملان بإخلاص للنظرية، وأولئك قوى تدعمها المؤسسات الأجنبية والقوى المعادية. . . ويكفى سهيلًا ومجلته أنه أول المنتبهين للمفسدين في شعر وحوار ومواقف) (١).
وهذا القائل يعلم قبل غيره أن مجلة الآداب ورئيس تحريرها قامت على العقيدة الوجودية المتفرعة عن الإلحاد، ويكفي انسلاخها عن الإسلام في الحكم عليها، فكيف وقد أضافت إليه الدعوة إلى الإلحاد وأنواع الضلالات؟!.
فلماذا هذا التهوين والتسويغ والقول بأنها "حماقات وجودية جاءت من اجتهاد خاطيء"؟.
أي اجتهاد في نقض الإسلام وبناء الكفر؟، أليس هذا التلطيف لهذه الجرائم البشعة من خيانة اللَّه ورسوله وخيانة الأمانة ومخادعة الأمة؟.
لو أن شخصًا اعتدى على هذا الكاتب ثم جاء يشتكيه ويحاكمه إلى آخر، فأخذ هذا يثني على سمت المعتدي وحسن بزته، وجمال طلعته ويقول إن ما وقع فيه من حماقات بالاعتداء على فلان إنَّما هو اجتهاد خاطيء.
أيرضى الكاتب بهذا الحكم؟.
أمَّا زعمه أن هذه الحماقات الوجودية ليست عمالة ولا مؤامرة فيكذبه منزع هذا المذهب ومورده، واتجاهاته الاعتقادية والاجتماعية والسياسية،
стр. 2206
وشخصيات أصحابه، ثم يكذبه القول الذي نقلناه آنفًا عن البياتي وهو حداثي أعرف بأصحابه وزملائه وأهل ملته.
أمّا ثناؤه على موقفها من عصابة شعر وحوار ومواقف، فيمكن النظر إليه من خلال الصراع المماثل بل والأكبر الذي كان بين الرأسمالية والشيوعية وأذيالهما في سائر البلدان.
فهل أصبح الشيوعيون في قائمة الإخلاص والنزاهة؛ لأنهم فضحوا مخططات خصومهم الرأسمالية؟، وهل أضحى الليبراليون في القائمة نفسها؛ لأنهم كشفوا مثالب وعيوب الشيوعيين؟.
إن طبيعة الباطل أنه ومنطقه على منوال ما أخبر اللَّه : ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ (١).
فلماذا يا أهل الإسلام تعطون الدنية في دينكم؟ ولماذا تشاركون ولو بشطر كلمة في تأييد الكفر وملله؟، ألم تقرأوا قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ (٢).
ولماذا هذا التدليس الخطير على الأمة بالثناء العاطر على رموز الردة والإلحاد والإدلاء بشهادات التبرئة لهم من العمالة والخيانة؟.
أليس من الجدير أن يعظ هذا المؤلف نفسه بأقوال أشياخ لهم في باب الولاء والبراء لسان صدق عالي الذكر؟، وهو القائل: (وليس من شيمة العربي أن تتجاذبه الظنون نتيجة أحداث تاريخية مضللة ثم قد يموت ولم يدرك سر هذه الأحداث.
стр. 2207
إن الأحداث - منذ وجدت الكواليس تظل رؤيتها معتمة، ولا يُعرف تأويلها إلَّا بعد عقد أو عقدين أو ثلاثة.
بل أقرب من ذلك تصفيق ذوي الغيرة الإسلامية - منذ أحمد شوقي للطاغية الماسوني مصطفى كمال يظنون أنه نصير الإسلام ولم يندموا إلَّا بعد إعلانه العلمانية (١)، فهؤلاء خدعتهم الأحداث السريعة المضللة؛ لأن بواعث الحدث التي صنعها سفلة الدونمة من يهود أسبانيا لم تكن على بالهم.
أمَّا اشتراط المنقاش والمبضع فيفرضه واقع التناقضات لقراءة الفكر في هذين القرنين.
سيرى القارئ بالمنقاش أن معظم الحركات الإصلاحية في الأدب والفكر والسياسة ذات انتماء سياسي، ومجمع سري منذ محفل إيزيس إلى محفل مصر الفتاة إلى محفل الأفغاني كوكب الشرق وإلى أن يشاء اللَّه، وسيرى أن الغلبة لهذه الحركات في الواقع المعاش، وسيرى أنها تتنافى مع ثوابته الفكرية فضلًا عن منافاتها لأعراف مجده التاريخي، وسيرى في أقزام هذين العصرين الذين خرقت شهرتهم الآفاق من هو من غير أبناء مجدنا. . حابانا بدعاية القومية والوطنية وهو عدو لتاريخنا بكل أمجاده، وفيهم أكثر من وجه قبيح مغرر به، وفيهم كثيرون لم يخفوا طائفيتهم، وإذا علمت أن المروج للدعاية الفكرية مدان -فضلًا عن كونه متهمًا- فذلك أحرى؛ لأن تحاكم دعايته بإيجابيات فكرية، وسيرى أن هذه الحركات ذات الغلبة لم تسفر عن خير لا في التصور ولا في السلوك، وسيرى أن الساحة خالية بإطلاق من اختلاف -أو مجرد حوار- في كيفية صنع إبرة. . .
رأيت أحد حاخامات الأدب الحديث في بلادي -من الأميين في ثقافتهم التافهين في تفكيرهم- لا يؤمن بشيء من علوم الآخرة والدنيا إلَّا
стр. 2208
بقصيدة التفعيلة والمزيد من القصة والرواية والمسرحية والموسيقى واللوحة التشكيلية والغرق في شهوات الإحساس الفني!، ولم يدر هذا المسكين أن هذه الفنون وسائل إيحاء وتسويل جمالي تحتاجها الأمة فنًا ملتزمًا بعد إرساء واقعها من قيمتي الحق والخير!) (١).
لقد صدق غاية الصدق وأجاد غاية الجودة في هذا الوصف، فيا ليته لم يستثن مجلة الآداب ولا البياتي ولا عبد الصبور ولا عبد المعطي حجازي (٢)؛ لأن الجميع ضمن إطار وضعه الذي ذكر وإن كانوا على درجات في ذلك "ليسوا سواء".
• الجوائز الأدبية والثقافية:
لقد اتخذ أعداء الإسلام وسائل عديدة لاجتذاب ذوي القلوب المريضة من الذين يسارعون فيهم ويقولون نخشى أن تصيبنا دائرة، ومن الذين يطلبون رضى الناس، بل رضى شر الناس.
وكان من أبرز وسائلهم إعطاء الجوائز ومنحها لاستقطاب بعض، واستهواء قلوب تتطلع إلى نيل ما نال غيرها.
وقد أحيطت هذه الجوائز بهالات الدعاية، وبهارج التزويق فأصبح الحصول عليها أمنية الأمنيات وغاية الغابات، عند من خف ميزانهم، وضعف إيقانهم باللَّه وبدينه، ومن أشهر الجوائز أظهرها "جائزة نوبل" التي يسيطر عليها ويوجهها زمرة من اليهود بل من الصهاينة.
وكان من آخر الأحداث الأدبية التي ضجت بها وسائل الإعلام نيل نجيب محفوظ لهذه الجائزة.
فقد اعتبرها المصفقون في مدرجات العبث والضياع قفزة إلى العالمية،
стр. 2209
وتنافسوا في إطراء الجائزة وصاحبها، وكان الأمة قد نالت نواصي العزة والتمكين لما حصل أحد القصاصين على جائزة يهودية!!.
لقد تراقص العلمانيون والحداثيون والفارغون فرحًا على دقات طبل "نوبل" وفرحوا بالجائزة التي "جعلت أدب العرب في مصاف الآداب العالمية!! " فرح الجعل بدحروجته فهل كانت الجائزة بريئة المقصد، أم أنها كغيرها من الجمعيات والمنظمات الثقافية والأدبية والفكرية الغربية لها وجهان ظاهره العلم والثقافة، وباطنه العمالة والفساد؟، وقد رصد الدكتور السيد أحمد فرج تفصيلات هذه القضية من بداية نجيب محفوظ حتى حصوله على جائزة نوبل، وقد أجاد في رصد "ظاهرة نجيب محفوظ" وحيثيات نيله هذه الجائزة.
وسوف أحاول هنا تلخيص أبرز ما ذكر مما له علاقة بهذا الموضوع:
أ) - بداية نجيب محفوظ: (قيل إن الذي اكتشف نجيب محفوظ ولفت الأنظار إليه هو المستشرق المبشر "جومييه" راهب دير الدمنيكان بحي العباسية بالقاهرة، ويؤكد رشيد الزواوي في كتابه: "أحاديث في الأدب" أنه بعد ظهور الثلاثية بدأ الناس يقرون بموهبة نجيب محفوظ، خاصة إثر المقال الذي كتبه الأب جومييه، فقد أحس هذا الراهب بذوقه الناقد أن فنًا جديدًا يولد في مصر، فكتب مقالًا عن الملحمة الروائية الجديدة لنجيب محفوظ بالفرنسية، ويقرأ طه حسين المقال، ويبادر بقراءة نجيب محفوظ، ويهتم به اهتمامًا خاصًا، ويكشف عن أن فن الرواية الأدبية قد بدأ يظهر في الساحة الأدبية على يد الروائي نجيب محفوظ) (١).
ب) - كان محفوظ وفديًا ثم تحول إلى اليسار الوفدي ثم بعد الثورة إلى الاشتراكية العلمية، ليصبح من غلاة التيار الاشتراكي أيام عبد الناصر، وفي تلك الفترة (برز بأهم نتاجه في عمل أرضى الزعيم. . . وهو عمل إبداعي شيطاني لم يسبق له مثيل في أي عمل أدبي من آداب الأمم قاطبة
стр. 2210
سواء كانت متدنية أو علمانية ملحدة، وأطلق عليه "أولاد حارتنا" نشر مسلسلًا في أكبر جريدة تنطق بلسان الحكومة هي جريدة الأهرام في نوفمبر وديسمبر سنة ١٩٥٩ م) (١).
جـ) - بدأ نجيب محفوظ غزله مع اليهود منذ كتب "خان الخليلي" أي منذ عام ١٣٦٥ هـ/ ١٩٤٦ م ومنحوه رضاهم قبل أن يمنح الجائزة، بدأ الغزل مع اليهود من قبل أن يقوم كيانهم الخبيث في بلاد المسلمين فلسطين، وفي عهد السادات تحول الغزل إلى صبابة، فصارح الرئيس باهمية الصلح مع اليهود (٢).
ومن إعجابه باليهود واهتمامه بهم إيراده لهم في رواياته في صورة جذابة طيبة ذكية وجميلة، كل ذلك في رواياته من "خان الخليلي" حتى "المرايا" حتى "زقاق المدق" حتى "الحب تحت المطر" و"قلب الليل" (٣).
د) - مبادرة نجيب محفوظ للتطبيع مع اليهود، حيث أكد أنه هو صاحب المبادرة وأن السادات تبعه في ذلك، وإقراره بدوره في مشووع إرضاء الصهيونية هو أحد أكبر العوامل لنيله جائزة نوبل.
يقول نجيب محفوظ: (في أعقاب نكسة ١٩٦٧ م جمع د. ثروت عكاشة "وزير الثقافة حينذاك" بعض المثقفين، وأصحاب الرأي لتبادل الأفكار وكان رأيي الذي أعلنته وقتها ضرورة العودة إلى الديمقراطية تمهيدًا للتفاوض مع إسرائيل ثم ناديت بالسلام مع إسرائيل بجريدة الأهرام، حضرها العقيد القذافي في أواخر ١٩٧٠ م في بداية حكم السادات) (٤).
(وكان في خلال أحاديثه الضحفية لا يفتأ يعيد إلى ذاكرة من يهمهم الأمر موافقته للصلح مع إسرائيل، والصداقة معها، وإذا أدلى