وقوله: "كلمة فوق تدلّ على الكسر" ليس بلازم، وإنما هو بمعنى "أكثر من" كما هو معروف عند مَن له علم بالعربية. ثم إن تأويله هذا مع بطلانه لا يدفع الإشكال، وهو السكوت عن ذكر فرض الثنتين، وهلّا قيل: اثنتين فما فوقهما.
﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان ميراث أولاد الأولاد في الحجب.
﴿وَ﴾ في آبائكم، يُوصي الله كلَّا منكم في أولاده وفي أبويه ﴿لأَبَوَيهِ﴾ وبهذا علمتَ سبب التثنية والإضافة إلى ضمير المفرد الغائب مع قوله أولَ الآية ﴿فِي أَوْلَادِكُمْ﴾، فتأمَّلْه. ويؤيد هذا التقديرَ قولُه فيما يأتي: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾. والجملة مستقلة لا مبنية على ما قبلها؛ لأن الضمير يعود إلى الأحد المعلوم مما تقدم، وهو أحد مجرد، ويبيِّن هذا قوله: ﴿إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾، والمورث المفهوم من أول الآية ذو أولاد. وهكذا جميع الضمائر الآتية تعود إلى الأحد المجرد، وإن شئت فقلْ: إلى المورث. والمراد بالأبوين: الأب والأم، قيل لهما "أبوانِ" تغليبًا.
(الأب)
الأب معروف، ولا يُطلق على الجدّ إلا مجازًا، على هذا عامة أهل اللغة، وهو الذي يتعيَّن عند عرضِه على العلامات التي ذكرها أهل العلم لتمييز الحقيقة من المجاز، ولا ينافي ذلك ما ورد في الكتاب من إطلاقِه على الجدّ، فإنه مجاز، ولا جَعْلُ بعضِ الصحابة الجدَّ أبًا، فإن المراد أنهم جعلوه كالأب، ولا استدلالُهم بإطلاق القرآن عليه أبًا، فإنهم إنما استدلُّوا
стр. 37
بذلك لأن المجاز لابُدَّ له من علاقة، ولاسيَّما إذا كان في كلام العليم الحكيم، فإطلاقُه على الجدّ أبًا يدلُّ أنه كالأب، وهذه الدلالة مما يصلح لتمسُّك المجتهد إذا لم يجد أقوى منها.
نرجع إلى تفسير الآية:
﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ﴾ مرَّ ما فيه من الدلالة. ﴿إِنْ كَانَ لَهُ﴾ المورث ﴿وَلَدٌ﴾. مقتضى الظاهر أن يفسَّر "ولد" بابن، ولكن الجمهور [على] أن المراد: ابن أو بنت أو ابنُ ابنٍ أو بنتُ ابن وإن سفلا، وهذا من عموم المجاز كما تقدم. ومن المفسِّرين من يفهم معنى قوله: "والباقي للولد"، وأنت تعلم أن هذا ليس على إطلاقه، وإنما لهم الباقي بعد ميراث الأبوين وبعد ميراث أحد الزوجين، والتزام الإطلاق والتقييد تكلُّف، إلّا أن يقال: والباقي بعد الفروض التي لا تسقط للولد، وهو كما ترى.
فإن قلت: لكن ما ذكرتَ لا يرد على الجيراجي؛ لأنه يقول: إن ميراث الزوجين وصية داخل تحت قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾، وأن الفروض منسوبة إلى ما بقي بعد فرض أحد الزوجين.
قلت: سيأتي إن شاء الله تعالى إبطالُ قوله هذا.
﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ﴾ المورث ﴿وَلَدٌ﴾ قد تقدم تفسيره ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾، الجملة ــ قوله: "فإن ... " ــ مستأنفة، لا مبنية على ما قبلها. ﴿فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ قدَّر بعضهم هنا: وللأب الباقي، وفيه مثل ما تقدم. والآية ظاهرة في أن للأم الثلث مع الأب، وإن كان هناك زوج أو زوجة، وعليه جماعة من الصحابة كعلي وابن عباس ﵄، وهو الحق الذي لا ينبغي العدولُ عنه.
стр. 38
وتأوَّل عمر ﵁ وغيره، فذهبوا إلى أن للأم ثلث الباقي بعد بقية ..... ، قالوا: لا تفضل الأم على الأب، ولا يكتفى بتفضيله عليها إلّا بأن يكون له مثلها.
وهذه معارضة للقرآن وللنظر، أما القرآن فظاهر، ودعوى أن المراد: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ أي فقط، تقدم ردُّها. وزَعْمُ الجيراجي أن الفروض منسوبة إلى ما بعد ميراث؟ ؟ ؟ ؟ وصي؛ لأن ميراثهما وصية، تقدمّ إبطالُها، ويأتي له مزيد إن شاء الله تعالى.
وأما النظر فلأن الأم أبلغ في الاستحقاق من الأب، وقد جاء في الحديث أن رجلًا قال: يا رسول الله، مَن أَبَرُّ؟ قال: "أمك"، قال: ثم مَن؟ قال: "ثم أمَّك"، قال: ثم مَن؟ قال: "ثمّ أمَّك"، قال: ثم مَن؟ قال: "ثمَّ أباك" (١). وكيف لا يكون للأم هذه المزية وهي التي تحمله تسعةَ أشهر تتكبَّدُ فيها صنوف البلاء والمِحن، ثم تُرضِعه حولَينِ يمتصُّ فيهما قوَّتَها، ويَشْغَلُها عن أكلها وشربها ونومها، ويلطخها بقَذَرِه كلَّ يوم مرارًا. وشفقتُها عليه أضعاف شفقة الأب.
فأما قولهم: إنه غير معروف في الفرائض تفضيل أنثى على ذكرٍ في مرتبتها مجتمعين.
فيجاب عنه بأنه قد عُهِد التساوي في الإخوة لأم، وإنما لم يُعهَد تفضيل الأنثى لأن البنت مساوية للابن لا مزية لها، وتتقوى بوجوده وتعتضد كما
стр. 39
سيأتي، وكذا الأخت مع الأخ، وليس كذلك الأم مع الأب، فقد تقدم بيانُ مزيتها عليه، ولا يلزم من وجوده معها تقوِّيها واعتضادُه، إذ ربما يفارقها. فتدبَّر.
وسيأتي أن المواريث على ضربين: الأول: سببه استحقاق الصلة والمواساة، والثاني: سببه العصبية. وأن الله جعل الفروض بإزاء الأول، والباقي بعد الفروض بإزاء الثاني. وسيأتي تفصيل ذلك قريبًا إن شاء الله تعالى.
وعلى هذا فلا بِدعَ أن يفرضَ للأم ضِعْفَي فرض الأب، لأنها آكدُ حقًّا منه. فأما تفضيله عليها إذا انفردا فإنما هو لأنها قد استوفت حقَّها وهو الثلث، فهو يستوفي حقَّه وهو السدس، ويأخذ الباقي تعصيبًا. فالسدس هو استحقاقه الذي لا ينبغي أن يُغضَّ عنه، وأما التعصيب فلم يأخذه باستحقاق الصلة، وإنما أخذه بالتعصيب، وإذا لم يحصل على هذا التعصيب في بعض الصور لم يجز لنا أن نعوِّضه مما فُرِض للأم باستحقاقها.
ولم يُصرَّح بأن له السدس فيما إذا لم يكن حقه ذلك إذ لا فائدة لذلك، لأنه لا يُخشَى أن يُنقَص عنه، وصُرِّح به حيث خِيفَ أن يُنقص أو يُحرَم منه، وذلك فيما إذا كان هناك ولد، فإنه إذا كان الولد ذكرًا أخذ الباقي بعد الفرائض، ويُحرم الأب لو لم يُسَمَّ له السدس.
وإذا كانت أنثى في: بنت ... زوج ... أم
٦ ... ٣ ... ٢
لا يبقى للأب إلّا واحدٌ. وإذا كانت بنتان لا يبقى له شيء، فسمَّى الله
стр. 40
تعالى له السدس لذلك، والله أعلم.
﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ أي معًا كما هو ظاهر، ويحتمل أوجهًا:
١ ــ أنه قيدٌ لِيُفَهم منه أنه إذا انفردت الأم لم يكن لها الثلث، وفي هذا متمسَّك للجيراجي القائل (١): إنها إذا انفردت كان لها حكم آخر.
٢ ــ ليس قيدًا، بل جيء به لدفع ما يُتوهَّم من أن الأمّ لا تحوز الثلث حتمًا إلا إذا انفردت، فأما إذا كانت مع الأب فإنها لا تحوز إلّا مثل نصف ما يحوز هو، سواء أكان ذلك هو الثلث فيما إذا انفردا، أو السدس فيما إذا كان معهما زوج، أو الربع فيما إذا كان معهما زوجة. وهذا متمسَّكٌ لمن يخالف مذهب عمر في العمريتين.
٣ ــ أنه قد يدعى أن فيه معنى الحصْر، أي وورثه أبواه فقط، فيُفهَم منه أنه إذا ورث معهما غيرهما، وذلك الغير لا يكون إلا أحد الزوجين، فلذلك حكم آخر. وفي هذا متمسَّك لمن يذهب مذهب عمر ﵁ في العمريتين.
والثالث ضعيف؛ لأن فيه دعوى الحصْر، وليس هنا ما يفيده. والثاني أرجح من الأول، لما تقرر في الأصول أن مفهوم المخالفة لا يُعتدُّ به إلّا حيث لم يظهر للقيد فائدة غير نفي حكم غيره، وقد ظهرت هنا فائدة جليلة، وهي ما بيَّناها في الوجه الثالث، وفائدة أخرى، وهي الدلالة على أن الجملة ــ أعني قوله: "فإن لم يكن له ولد ... " ــ مستقلة لا مبنيَّة على التي قبلها؛ إذ لو كانت مبنيَّة لكان المعنى: فإن لم يكن للمورث الذي له أبوان ولدٌ وورثه
стр. 41
أبواه، وهو كما ترى، وفي هذا الإشارةُ إلى أن الجملة الآتية ــ قوله: "وإن كان له أخوة ... " ــ مستقلة أيضًا.
﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ﴾ المورث ﴿إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ الجملة مستأنفةٌ كما علمتَ، فالإخوة يحجبون الأمَّ إلى السدس مطلقًا، سواء أكان هناك أبٌ أم لا. وقد زعم قوم أن هذه الجملة مبنية على ما قبلها، كأنهم يعنون أن الضمير يعود على مُورِث مخصوص، أي الذي له أبوان، أو أن المعنى: (فإن كان له) مع ذلك أي مع الأبوين (إخوة)، وهو غير ظاهر، وقد تقدم ما يردُّه. وعلى تسليمه فليس فيه تقييد كما توهَّمه الجيراجي (١)، وإنما أريد به النصُّ على أن الأخوة يحجبون الأمَّ إلى السدس مع وجود الأب، ويُفهم منه أنهم يحجبون الأم مع عدم الأب من بابِ أولى، لأنهم إذا حجبوها مع ضعفهم بوجوده، فمع قوتهم عند عدمه أولى وأحرى.
(الإخوة)
اختلف الأصوليون في أصل الجمع: أهو اثنان أم ثلاثة، والصحيح أن العرب مختلفون فيه، ففي لسان قريش أن أقلَّ ما يصدق عليه "الإخوة" ثلاثة، كما صحَّ عن ابن عباس في مراجعته لعثمان (٢). وفي لسان الأنصار وغيرهم أنه يصدُق على اثنين، كما صحَّ عن زيد بن ثابت (٣). وفي القرآن مواضع نزلت بلغة قريش، ومواضع بلغة غيرهم، فإجماع الصحابة ــ وفيهم
стр. 42
أكابر المهاجرين من قريش ــ على الاعتداد بالاثنين دليلٌ على إرادة لغة الأنصار وغيرهم.
وزعم الجيراجي (١) أن المراد بـ"إخوة" الجنس، فيدخل الأخ الواحد والأخت الواحدة، واستدل بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً ... ﴾، قال: "وهذا يتناول الأخ الواحد والأخت الواحدة بإجماع الفقهاء، مع أن الإخوة والرجال والنساء كلها جمع".
أقول: إجماعُهم على تفسير كلمةٍ بمعنىً في موضع لا يلزم منه كونها كذلك في جميع المواضع، ولاسيَّما إذا كان ذلك التفسير مخالفًا للأصل كما هنا، ثم إن الذين أجمعوا هنا هم الذين أجمعوا هناك، فكيف تحتجُّ بإجماعهم تارةً وتردُّه أخرى؟ الله المستعان.
فإن قلت: لم أُرد الاحتجاج، وإنما أردتُ الإلزام.
قلت: لا إلزام، فإنهم بحمد الله تعالى لم يُجمعوا على ما ذكرتَ في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً﴾، وإنما أجمعوا على أن حكم الأخ الواحد مع الأخت الواحدة للذكر مثل حظِّ الأنثيين، وحجتهم في ذلك القياسُ، لا تفسيرهم الجمع بالجنس. والله أعلم.
وحَجْبُ الإخوةِ الأمَّ مُفهِمٌ أنهم يرثون، إذ لا يحجبُ الوارثَ إلا وارث، مع أنهم حجبوا وارثًا قويًّا، وحجبُهم إياها نصٌّ صريح في أنهم يرثون معها؛ إذ لا يُعقل كونهم يحجبونها وهي تحجبهم، ولا نظير لذلك في المواريث، وإذا حجبوها مع ضعفهم بوجود الأب، فمع قوتهم بعدمه أولى وأحرى كما تقدم.
стр. 43
وأجاب الجيراجي عن هذا (ص ٤١ و ٤٢) بأن الإخوة لا يرثون إلّا من كلالة، أي ممن ليس له ولدٌ ولا أبوان.
أقول: هذا التفسير باطل كما سيأتي.
ثم قال: "أما سبب التفريق فهو أنه عند عدم الولد والإخوة لما لم يكن الفرع مطلقًا انتقل حظُّه إلى أبويه".
أقول: هذا أمر تخيُّلي، بدليل حَجْبِ الولد للزوج إلى الربع والزوجة إلى الثمن، ولا كذلك الأبوان. وانظر المثال الآتي:
- ابن ... بنت ... زوج
١ ... ٢ (١) ... ١
- أب ... أم ... زوج
١ ... ٢ ... ٣ ... بنصّ كتاب الله تعالى
٢ ... ١ ... ٣ ... بتأويل عمر ﵁
وحَجْبُهم إيّاها إلى السدس يقتضي أنهم كالولد، لكن هذا في الاثنين منهم فما فوق، وبقي حكم الواحد والواحدة مجملًا.
وسكت هنا عن حكم الأب معهم، فاحتمل أن يكون إشارة إلى أنه يحجبهم.
فإن قيل: هذا لا يستقيم، لأنه قد سكت أيضًا عن حكمهما مع الزوجين.
قلنا: لكنه هنا بيَّن مواريث الأبوين، ثم ذكر حكم الأمّ مع الإخوة، فكان
стр. 44
مظنَّةَ أن يذكر حكمُ الأب معهم، فالسكوت عن ذكره في مظنته لا يخلو من إشارةٍ إلى أن حكمه لا يتغير بوجودهم، وهو معنى الحجب. لكن تُعارضُه الآيةُ التي آخرَ السورة، فإنه شرط في توريث الإخوة عدم الولد، وسكت عن ذكر الأب، ففيه إشارة إلى أنه لا ينقصهم عن شيء كتب لهم.
ويرجِّح ما هنا أنه قال أولًا: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾، ولم يقل: "أو إخوة"، فدلَّ أنهم لا يساوون الولدَ في حجب الأبوين، ثم ذكر حكم الأم معهم فقط، فدلَّ أن حكم الأب بخلاف ذلك، فهي دلالة مضاعفة. وما في آية الكلالة يقابل الدلالة الأولى فقط.
وقد يجاب: أن الدلالة الأولى غايتها إفهام أن الإخوة لا يحجبون كلًّا من الأب والأم إلى السدس، ثم أخرجت الأم، فبقي من الدلالة الأولى أن الإخوة لا يحجبون الأب إلى السدس، وهذا لا يقتضي أنه يحجبهم، فبقيت الدلالة الثانية، أعني السكوت عن بيان حكمه معهم، وهي وحدها لا تقوى على معارضة دلالة آية الكلالة مع ما يعضدها، كما يأتي إن شاء الله تعالى.
ويُرَدُّ بأنه إذا سُلِّم أن الدلالة الأولى تقتضي أن الإخوة لا يحجبون الأب إلى السدس، فما يكون حكمه معهم إن جعلنا له ما بقي؟ كحاله مع أحد الزوجين كان معرضًا للسقوط، وكيف يسقط مع الإخوة ولم يسقط مع البنين؟
وإن قلنا غير ذلك كان تخرُّصًا بلا دليل، فوجب أن نرجع إلى النظر، نجد النظر يقتضي أن الإخوة لا يرثون مع الأب: أما إذا كانوا ذكورًا أو ذكورًا وإناثًا أشقَّاءَ أو لأبٍ فلأنهم عصبة، والأب أقرب تعصيبًا منهم. وأما إن كنَّ
стр. 45
إناثًا شقائقَ أو لأبٍ فلأنهن يَقْوَيْنَ بوجود الأب أشدَّ مما يَقْوَيْنَ بوجودِ أخٍ لهن، فيضعُفُ جانب الاستحقاق فيهن، فيرجعن إلى التعصيب، فيقدَّم الأب لأنه أقربُ تعصيبًا. وأما الإخوة لأمٍّ فلأن الله إنما فرض لهم ممن يورث كلالةً، أي فيمن إذا كان له إخوة أشقَّاء أو لأبٍ لم يكونوا محجوبين. وقد علمت أن الأشقاء أو لأبٍ لا يرثون مع الأب، فلا يَرِث الإخوة من أمٍّ مع الأب.
فأنت ترى أن الأبوين لم يقوما مقامَ الولد.
وتفريقه بأن ميراث الزوجين وصية من الله، وباقي المواريث فريضة، لا يُجدِي، وسيأتي ردُّه إن شاء الله تعالى في العَوْل.
قال (١): "أما مع الإخوة الذين هم فرعٌ لأصل المورث، ويقومون مقام فرع المورث عند عدمه".
أقول: ليس على إطلاقه، فإن الإخوة لا يحجبون أحدَ الزوجين، وإذا لم يحجبوه اختلفت المقادير، فلم يقوموا مقام الفرع.
قال (٢): "فنصيبُ كلٍّ من الأبوين لا يكون إلّا السدس، كما كان مع فرع المورث".
أقول: قد علمتَ أن الإخوة ليسوا بقائمين مقامَ الفرع في كلِّ شيء، ولم يحجبوا أحد الزوجين، وبالأولى أن لا يحجبوا الأب. بل لم يفرض الله للأب قطُّ ثلثًا ولا ثلثين حتى يُحجَب إلى السدس.
стр. 46
قال (١): "لكن الإخوة لما كانوا يُدْلُون إلى الميت بهما، لا يصل إليهم حظُّ الفرع ما دام أحدهما موجودًا".
أقول: لا دليلَ على ذلك من النصوص، بل ولا من النظر؛ لأن النظر إما أن يكون قياسًا على ولد الولد مع أبيه، والجدّ مع الأب، والجدة مع الأم، فهو قياس مع الفارق؛ فإن إدلاءَ هؤلاء لا يُشبِهه إدلاءُ الإخوة بالأبوين. والإدلاء ضربان: أحدهما: ابن ابنك، وأبو أبيك. والثاني: ابن أبيك.
وحَجْبُ الأب للإخوة الأشقّاء أو لأبٍ في مذهب الجمهور ليس لأنهم يُدلُون به، بل لما سيأتي قريبًا أنهم لا يكونون معه إلّا عصبةً، وهو أقربُ تعصيبًا منهم، فهو مقدَّم عليهم، وعليه فلا تُقاسُ عليه الأم، لأنها ليست بعصبة.
وأما حَجْبُه للإخوة لأمٍّ فلأن الله لم يفرض لهم إلّا ممن يورث كلالة، أي ممن لو كان له إخوة أشقّاء أو لأبٍ لم يكونوا محجوبين، وقد تبيَّن أن هؤلاء يُحجَبون بالأب.
قال (٢): "بل ينتقل ... ".
أقول: أما انتقاله إلى الأب فمسلَّم، لكن لكونه أقربَ عصبةً لا للإدلاء، فلا تُقاس عليه الأم، والله أعلم.
وهذا التقسيم يكون ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا﴾ المورث.
стр. 47
نقل الآلوسي (١) عن الفخر ما يفيد أن في هذا القيد دلالةً على نسخ آية الوصية، وعكسَ الجيراجي (٢) فزعمَ أن فيه دلالةً على عدم النسخ، وسيأتي ذلك مبسوطًا في الموضع الرابع إن شاء الله تعالى.
﴿أَوْ دَيْنٍ﴾ يكون عليه أي المورث، وفي تأخير الدين عن الوصية والإجماع على تقدمها ثم أدائه بحثٌ لا يُهِمُّنا؛ إذ ليس ذلك من مواضع الخلاف.
قال : ﴿آبَاؤُكُمْ﴾ أيها الرجال المورثون ﴿وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ أي: هؤلاء المبيَّنُ ميراثُهم آباؤكم وأبناؤكم، ﴿لَا تَدْرُونَ﴾ أنتم أيها المورثون ﴿أَيُّهُمْ﴾ الآباء والأبناء ﴿أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ في الدنيا والآخرة، لقصور علمكم وما يغلب عليكم من الهوى، ولم يذكر "الإخوة" وإن كان قد تقدَّم الرمزُ إلى ميراثهم، لأنه ليس بيانًا تامًّا كما علمتَ.
وههنا دليلٌ على نسخ آية الوصية هاكَ بيانَه، وخصّ الآباء والأبناء لأنهم أخصُّ وألصقُ بالمورث، فإذا جُهِل حالُهم فحالُ غيرهم من باب أولى.
في تفسير الآلوسي (٣): وعن ابن عباس [أنهم كانوا يعطون الميراث الأكبر فالأكبر] (ص ١٨ رقم ١) (٤).
стр. 48
ويؤيِّد هذا الوجهَ في الدلالة على النسخ وجهٌ آخر، وهو أن الله أكَّد معنى ..... (ص ١٩ رقم ١) (١).
ووجهٌ آخر، وهو في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ .... (ص ١٩ رقم ٢) (٢).
واعلم أن المواريث على ضربين:
الضرب الأول: مَن كان مستحقًّا للصلة والمواساة من الورثة.
الضرب الثاني: مَن كان من العصبة الذين من شأنهم الحماية عن المورث والدفاع عنه.
وباستقراء المواريث يُعلَم أن الله جعل للمستحقين فرائض معلومة، وترك العصبة على ما بقي، ولا يختلف هذا إلّا لعلةٍ، فالأب جامعٌ بين الأمرين، فقدَّر له الفرض حيث خِيفَ أن ..... عن السدس، وذلك مع الولد، وحيث لم يكن ولد لم يُفرض له، لا لأنه ليس .... الاستحقاق، بل لأن ...................
ثم إن من الورثة مَن يجتمع فيه الأمران، كالأب والابن، ويقرب منهما الإخوة الأشقّاء أو لأب. ومنهم مَن ينفرد بالاستحقاق، كالأم والبنت والأخت وأحد الزوجين والإخوة لأم. ومنهم من يضعف استحقاقه، فلا يُعتدّ إلا بعصوبته كالأعمام وبنيهم. ومنهم من ضعف استحقاقه وليس بعصبة.
стр. 49
فأما القسم الثالث والرابع فلم يُذْكرا في القرآن إلا بالإجمال في قوله: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ﴾ إلخ، كما قدمنا.
وقدَّم الله تعالى الأول، فذكَر أهم أركانه، وهم الأب والابن والأخ شقيقًا أو لأبٍ، وترك ذِكْر الجدود وأبناء الأبناء إلى الاجتهاد والنظر، وذَكَر الأم مع الأب لأنها قرينته، وكذا البنت مع الابن، مع أنها إذا كانت معه كان لها حكم خاص. وأما الإخوة فإنما ذكرهم إجمالًا على ما تقدم، لأنهم دون الآباء والأبناء في الاستحقاق وفي العصبية، مع أن القرآن كان ينزل بحسب الوقائع والدواعي. وقد عُلِم من ذكر الإخوة في النوع الأول أنهم جامعون بين الاستحقاق والعصبية، وهذا إنما يصحُّ في الأشقاء أو لأب. هذا من حيث استحقاقهم، فأما من حيث حَجْبُهم للأم فلا يلزم ذلك. وبهذا فُهِم من كون الإخوة يحجبون الأمّ أنهم الأخوة من أيّ نوعٍ كانوا، وفُهِم من حَجْبهم الوارثَ أنهم يرثون.
ثم ختم هذا النوع بقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ وكان مقتضى الظاهر بالقياس على ما يأتي أن يُذكَر هذا القيد عَقِبَ ميراث الأولاد، فتركه هناك اكتفاءً بهذا إشارةً ــ والله أعلم ــ إلى إرادة التقسيم الذي ذكرناه، وأنهم نوع واحد. وأكّد ذلك بقوله: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ ... ﴾، فتبيَّن بذلك أن هذه الآية خاصة بنوع.
وكرَّر هذا القيد فيما يأتي ثلاثًا، ولم يكتفِ في التقييد في الأخير لأمرين، الأول: الإشارة ــ والله أعلم ــ إلى أن هناك اختلافًا بين ميراث الزوجين والميراث الذي ذكره بقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ ... ﴾، وهذا
стр. 50
الاختلاف ظاهر على قول عامة المسلمين: إن هذا ميراث الإخوة لأم، فإن الاختلاف بينهم وبين الزوجين من حيث إن صلة الزوجين سببية وصلتهم سببية، وذكره عَقِبَ ميراث الأزواج ثم عَقِب ميراث الزوجات، ولم يكتفِ بالأخير منهما لأن الميراثين لا يجتمعان، والله أعلم.
ولما خرج عن النوع الأول إلى النوع الثاني يئس السامع أن يبيِّن في هذا الموضع ميراث الداخلين في النوع الأول من الإخوة، وهم الأشقّاء أو لأب، ولم ييأس من بيان حكم الإخوة لأمّ، لأنهم من النوع الثاني، فذكر الله النوع الثاني، وهم الأزواج أو الزوجات والإخوة لأم.
ولما كان ميراث الأزواج آكدَ من ميراث الإخوة لأمّ، بدليل عدم سقوطه بحال، ويُحتاج إليه في دفع ما يتوهم مما تقدم أن للأولاد جميع المال بعد سدس الأبوين، وللأب جميع المال بعد ثلث الأم وغير ذلك= بدأ به فقال: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ ... ﴾.
وهل هذا داخل تحت قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ كما بيَّنا دخول قوله: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ ... ﴾؟ عندي أنه داخل أيضًا، والتقدير هكذا: (يوصيكم الله في أولادكم) كلًّا منكم في أولاده، ( ..... و) في آبائكم كلًّا منكم في أبويه أن يكون (لأبويه .... و) في أزواجكم كلًّا منكم في زوجه أن يكون (لكم .... ).
فإن قلت: قد مرَّ أن توجيه الوصية إلى الرجال بصفتهم مورثين المراد منه تحذيرهم من تغيير المواريث بالوصية، وهذا لا يأتي هنا، لأن الأزواج هنا وارثون.
стр. 51
قلت: إن الأزواج غالبًا يكونون ذوي نفوذٍ وسلطانٍ على أزواجهم، يضطرُّونهن إلى الإيصاء لهم، أو يستأثرون بأموالهن بدون وصية، فكانوا هم الذين ينبغي توجيه الوصية إليهم؛ إذ الوصية إنما وُجِّهت إلى مَن يُخشى منه مضارَّة المواريث، وهي هنا مخشيَّة من الأزواج، فتدبَّر.
﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَ﴾ أن يكون ﴿لَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ﴾ منكم ﴿يُورَثُ﴾ ميراثَ ﴿كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ﴾ تورث كلالةً، وسيأتي في الآية التي آخرَ السورة أن الكلالة هنا هي قرابة الإخوة العصبيين، فالمعنى على هذا: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ﴾ ميراثَ ﴿كَلَالَةً﴾ أي إخوة عصبية، يعني مستحقًّا أن يَرِثه الإخوة العصبيون بأن لم يكن هناك حاجبٌ لهم، وليس في هذا حصرٌ كما لا يخفى. وعليه ففي الآية الدلالةُ على أن الإخوة لأمٍّ لا يحجُبُهم إلا مَن يحجب الإخوة العصبيين. وسيأتي تحقيق ذلك إن شاء الله تعالى في الحجب.
والقول الآخر: إن الكلالة اسم للمورث الذي ليس له ولدٌ ولا أب، والكلام عليه ظاهر.
﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَـ﴾ أن يكون ﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا﴾ الأخ أو الأخت ﴿السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا﴾ الإخوة ﴿أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾.
стр. 52
وانعقد الإجماع على أن المراد بالأخ والأخت وأكثر من ذلك: الإخوة لأم، وروى البيهقي (١) بسند صحيح إلى سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه كان يقرؤها: "وله أخ أو أخت من أم"، ونُسب مثله إلى ابن مسعود وأُبي بن كعب.
ولعله ــ والله أعلم ــ نَسْخُ لفظ "من أم" له في الآيات ما يدلُّ عليه:
أولًا: ما قدَّمنا من أن المذكور في الآيتين الأوليين من كان جامعًا بين الاستحقاق والعصبية، وذكر معهم غيرهم تبعًا، وأجمل ميراث الإخوة فبقيت النفس متطلعة إلى بيانه، فلما خرج من النوع الأول ودخل في النوع الثاني يئس من بيان حكم الأشقّاء أو لأب في هذا الموضع، ولم ييأس من بيان حكم الإخوة لأم، فلما ذكر حكم الإخوة في النوع الثاني كان معلومًا أنهم الإخوة من أم أولًا، لأن النفس إنما بقيت متطلعةً إليهم.
وثانيًا: لذكرهم في النوع الثاني: وليس الأشقاء والإخوة لأب منه.
وأمر ثالث: وهو أنه فرض للأخ السدس مطلقًا، وقد علمتَ مما تقدم أن الفرائض إنما جُعِلت بإزاء الاستحقاق، والأخ الشقيق أو لأبٍ الغالبُ فيه جانب العصبية.
وأمر رابع: وهو أن الكلالة المراد بها قرابة الإخوة العصبيين، كما يأتي في تفسير الآية التي آخر السورة، فكأنه تعالى قال: "وإن كان رجل يورث
стр. 53
بالإخوة العصبية وله أخ أو أخت". فقوله: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ لا يمكن أن يكون تفسيرًا للكلالة، لأنه عطف عليها بالواو، والعطف يقتضي التغاير، فتعين أن يكون أراد: أخ أو أخت غير عصبيّ، أعني من أمٍّ فقط.
وهذا الأمر يأتي على تفسير الكلالة بالمورث الذي ليس له ولدٌ ولا أبٌ، لأن قوله: ﴿يُورَثُ كَلَالَةً﴾ معناه ــ والله أعلم ــ يُورث من حيث هو كلالة، وإنما يَرِثه مِن حيثُ هو كلالةٌ إخوتُه العصبيون، فكأنه قال: وإن كان رجل يورث بالإخوة العصبية. والله أعلم.
وقد نازع الجيراجي في تفسير الآية، ودفع قولَ عامة المسلمين بوجوه، فقال (١) (ص ١٠٣ مسودة) ....
قال تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ أي الإخوة كما يأتي إن شاء الله.
﴿الْكَلَالَةِ﴾
الكلام على الكلالة يحتاج إلى بسط وتحقيق، أما الجيراجي فإنه مرَّض القول فيها، وبنى الكلام على ما زعمه من أن الوارث في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً﴾ هو العهدي، وقد علمتَ بطلانه. وعلى أن الإخوة لا يرثون مع الولد والأب بالاتفاق، وهو غلط. فإن أراد بالولد ما يتناول البنت كما هو قوله، فإن الجمهور يُورِّثون الإخوةَ مع البنت والبنتين،
стр. 54
وصحَّ ذلك في أحاديث كثيرة كما ستأتي إن شاء الله تعالى. وإنما نازع ابن عباس في ذلك، ونزاعه ضعيف من حيث الدليل، ويحتمل التأويل كما يأتي إن شاء الله تعالى.
ومن الأمة مَن يُورِّث الإخوة مع الأب، وهو مذهب الشيعة ومرويّ عن ابن عباس، وهو مقتضى الرواية عن عمر ﵁، ومعترك الخلاف في الكلالة هو هذا، أيَرِثُ الإخوة مع الأب أم لا؟ فادّعاءُ الاتفاق فيه غلط محض.
وجعل الجيراجي الأمَّ مثل الأب بلا دليل غير مجرَّد الإدلاء (١)، والإدلاء ــ مع كونه لا يتحقق إلّا في الإخوة وفي نصيبها من الأشقّاء ــ لا يصلح أن يكون دليلًا، إذ لا نصَّ من الشارع أنه لا يرث أحدٌ مع مَن يُدلِي به. وبناؤه على تفسيره "الأقربين" قد بطل ببطلان ذلك التفسير كما تقدم. والإجماع إنما انعقد في الإدلاء المسلسل: أبو الأب، أُم الأم، ابن الابن، فلا يقاس عليه الإدلاء غير المسلسل: ابن الأب، ابن الأم.
فأما الإجماع في عدم توريث ابن الأخ مع الأخ وابن العم مع العم فإنما هو مبني على أن ابن العم وابن الأخ عصبة محض، وذهاب الجمهور إلى أن الإخوة لا يرثون مع الأب ليس للإدلاء، وإنما هو لأنهم لا يكونون معه إلّا عصبة، وهو أقربُ تعصيبًا منهم، كما تقدم في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾.
أما نحن فنقول في الكلالة: إنها مصدر من: كَلَّ السيفُ إذا ضعُفَ حدُّه،
стр. 55
والطَّرْفُ: إذا ضعُفَ بصره، والرجلُ: إذا ضعُفَ اقتدارُه. تُطلَق على القرابة الضعيفة، يقولون: هذا ابن عمِّي لَحًّا، وذاك ابن عمِّي كلالةً، يريدون أن بنوَّة عمِّ الأول تامَّة، وبنوَّة عمِّ الثاني ضعيفة.
وأحسن ما ذكره أهل اللغة فيها: قول الزمخشري ﵀ في "أساس البلاغة" (١): " [كلَّ فلانٌ كلالةً: إذا لم] يكن ولدًا ولا والدًا، أي كلَّ عن [بلوغ القرابة المماسَّة] ".
لكن لابدَّ من اشتراط كونه ذا قرابةٍ، إذ لا يقال لمن لا قرابة له أصلًا: كلالة. ثم رأيتُ في "شرح السراجية" للسيد الشريف ما لفظه: "لفظ الكلالة في الأصل بمعنى الإعياء وذهاب القوة، كقوله (٢):
فآليتُ لا أرثي لها من كلالةٍ
ثم استعيرتْ لقرابة مَن عدا الولد والوالد، كأنها كلالةٌ ضعيفة بالقياس إلى قرابة الولادة.
ومما ذُكِر علمتَ أن تُطلَق على الإخوة والأخوات، لكن إذا كانوا من الأقربين، أي أشقَّاء أو لأبٍ، فإنهم لا يعتدُّون بقرابة الأمّ كما قدَّمنا في "الأقربين".
ويشهد له قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ ... ﴾ كما قدَّمنا، فإنها
стр. 56
تدلُّ على أن الإخوة لأمٍّ ليسوا بكلالةٍ، للعطف المقتضي للتغاير. وكذا تشهد لذلك الأدلّةُ التي دلَّت على أن المراد بالإخوة في هذه الآية الأشقَّاء أو لأبٍ، ومنها الإجماع.
وفي البخاري (١) في بعض روايات حديث جابر أنه قال: "يا رسولَ الله، إنما يَرِثني كلالة". وفي بعض الروايات في "الصحيح" (٢): "كيف أصنعُ في مالي ولي أخواتٌ". ففي هذا إطلاق الكلالة على الأخوات، وكانت أخواته شقائقَ أو من أبيه، فقد جاء بيانُ ذلك في أحاديث أخرى من رواية جابر (٣) ﵁.
وأخرج الإمام أحمد (٤) عن عمرو القاريّ أن رسول الله ﷺ دخل على سعدٍ وهو وَجِعٌ مغلوب، فقال: يا رسول الله، إنَّ لي مالًا وإنِّي أورث كلالةً". وقد ثبت في "الصحيح" (٥) أنه كان له ابنةٌ. فإما أن يكون أطلق الكلالة على البنت لضعفها المعنوي، وإما أن يكون أراد أنه يَرِثه مع ابنته بنو أخيه عتبة وغيرهم، والثاني هو الظاهر.
وقد قُرِئ في الآية التي أوّلَ النساء "يُورِث" بكسر الراء مخففةً، وبكسرها مشدَّدة. والظاهر على هاتين القراءتين أن "كلالةً" منصوب على
стр. 57
المفعولية، فهو يُطلَق على الورثة، والمراد ذوو كلالةٍ، وهو لا يخالف قراءةَ الفتح على ما قدَّرناه في تفسيرها.
وجاء في بعض عبارات الصحابة: الكلالة ما دونَ الولد والوالد، وهو ظاهر في أنه يُطلق على الورثة. ففي "سنن البيهقي" (١) عن الشعبي قال عمر ﵁: الكلالة ما عدا الولد. وقال أبو بكر: الكلالة ما عدا الولد والوالد ... إلخ.
وهذا هو الراجح عندي أن الكلالة اسم لقرابة الإخوة العصبيين وغيرهم من العصبية، لا للورثة ولا للمورث ولا للوراثة. على أنه لا مانعَ من إطلاقها على كلٍّ من هذه تجوُّزًا، وأكثرها الأول، فيقال: هم كلالةٌ، كما يقال: قرابة، أي ذَوُو كلالةٍ، وإطلاقُها على المورث بمعنى: ذُو ذَوي كلالة، أي ذو أقاربَ ذوي كلالةٍ، ففيه كثرة الحذفِ، فهو أضعف من الأول. إلّا أن لفظ الكلالة في القرآن لا يُحمل إلّا على المعنى المشهور المعروف أو ما يُقاربه، كيف وقد صحَّ في حديث جابر بن عبد الله كما تقدم، وسؤاله سبب نزول هذه الآية التي في آخر النساء، كما أخرجه الإمام أحمد والنسائي (٢) من حديث أبي الزبير عن جابر، وهو في "سنن أبي داود" (٣): ثنا أحمد بن حنبل ثنا سفيان قال: سمعتُ ابن المنكدر أنه سمع جابرًا ... فقلتُ: يا رسول الله،
стр. 58
كيف أصنع في مالي ولي أخواتٌ؟ قال: فنزلت آية الميراث: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾. وهو في "صحيح مسلم" (١) من طريق أخرى عن سفيان.
وأطلق في بعض الروايات الثابتة في "الصحيحين" (٢) فقال: "فنزلت آية الميراث". ووقع في بعض الروايات الصحيحة (٣): "فنزلت: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ... ﴾ "، وهذا في قول بعض العلماء تفسيرٌ من الراوي على ما ظنَّه، أو لعله انتقل ذهنُه إلى قصة بنتَي سعد بن الربيع التي هي سببٌ لنزول قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ ... ﴾، فإنها من رواية جابر. والدليل على ذلك أن جابرًا كما ثبت في "الصحيح" لم يكن له إلّا أخوات (٤).
أما الحافظ ابن حجر (٥) فاختار الجمعَ بين الروايات بأن قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ الآيات، وقوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ الآية، نزلتا معًا في جابرٍ وبنتَيْ سعد بن الربيع، والمتعلق بجابر من الأولى ذكر الكلالة.
وأقول: لا ريبَ أن الجمع أولى من ردّ بعض الروايات الصحيحة، ولكن قد يُتعقَّب هذا الجمع بأمرين:
أحدهما: أن قضية كون ذكر الكلالة في أول السورة متعلقًا بجابر أن
стр. 59
يكون لجابر أختٌ أو أخ .................... إما شقائق وإما من أب ........... بيانه في الأحاديث ............ في "الصحيحين" عن عمر سؤال عن الكلالة وقول النبي ............ آية الصيف.
وهذا يقتضي أن الآية الأولى نزلت في غير الصيف، وكون الاثنتين نزلتا في جابر يستلزم نزولهما في وقتٍ واحد.
ويجاب عن الأول بأن غاية ما في الأحاديث الإخبار بأن لجابرٍ أخواتٍ شقائقَ أو لأب، وليس فيها نفي أن يكون له أخ أو أخت أو إخوة لأم.
وعن الثاني بأنه قد لا يكون أراد بقوله "آية الصيف" تمييزها عن (١) الآية الأخرى في الكلالة، بل التمييز عن سائر آيات القرآن النازلة في تلك السنة، وربما يُستأنَس لهذا بقوله: "التي آخرَ سورة النساء".
وهذا الجواب ليس بالقوي، ولكنه أولى من تغليط بعض الروايات الصحيحة. والله أعلم.
فتحصَّل ممّا قدَّمنا أن الكلالة اسم للقرابة الضعيفة، والمراد بها قرابة مَن عَدا الولد والأب، لأن الولد والأب أقرب من غيرهم، وإن كانوا لشدة القرب لا يتناولهم لفظ "الأقربين"، فهي على هذا اسمٌ لقرابة الإخوة العصبيين وغيرهم من العصبة، وفي الآية التي آخرَ النساء اسم لقرابة الإخوة؛ لأنه اقتصر في جواب السؤال عن الكلالة على بيان ميراثهم، فدلَّ على أنهم هم المراد.
стр. 60
﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ فيه احتمالانِ على قول مَن يجعل الكلالة اسمًا للمورث:
أحدهما: أن يقول: إن المراد بـ "امرؤ": كلالة، وعليه فما يكون قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾؟ أيُجعَل تكرارًا مع ما يتضمنه لفظ كلالة من عدم الولد؟ فما فائدةُ ذلك؟ قد زعم الجيراجي أنه تأكيد، أي لم يكن له ولدٌ إلى أسفل. فإن أراد أن لفظ الكلالة لا يتضمن نفي الولد إلى أسفل، فكيف يقول: تأكيدٌ، وإن أراد أنه يتضمن ولكن أكّد، فكيف يقول: أي لم يكن له ولد؟ وعلى كلِّ حال فالتأكيد غير ظاهر، فيلزم منه أن الشخص لا يمنعه وجودُ الولد عن أن يسمَّى كلالةً، فتكون الكلالة حينئذٍ المراد به من مات أبوه، وهو استعمال معروف، يقال لليتيم: كَلٌّ، ويحتمله قول الشاعر (١):
وإن أبا المرءِ أحمَى له ... ومولى الكلالةِ لا يَغضبُ
وقد رُوي عن عمر ما يوافق هذا، قال في الكلالة: هو ما خلا الأب (٢). وعلى هذا فيضطرب الكلام في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً﴾ إذا فُسِّرتْ كلالة بما فُسِّرت به هنا ــ أعني من توفي أبوه ــ اسمًا للمورث، فيكون الظاهر أن الإخوة لأمٍّ يرثون مع الولد. وعلى كلِّ حال إن هذا التفسير باطلٌ بدليل السياق، ولو أُريد لقيل: " ... في الكلالة إن هلك" أو "إن كلالة هلك".
стр. 61
ثانيهما: أن يقول: إنه أُريد بقوله: ﴿إِنِ امْرُؤٌ ... ﴾ بيانُ الكلالة، فيلزمه أن الكلالة هو مَن لا ولد له. وله وجهٌ في اللغة كما تقدم، ووجهٌ آخر وهو أن الرجل إذا لم يكن له ولدٌ كان ضعيفًا، وبموته ينقطع نسبُه، إذ لم يترك مَن ينتسب إليه، ويبقى النظر في البنات، فإنهن وإن كنّ أنفسهنَّ ينتسِبْنَ إلى المورث، إلّا أنهن ضعافٌ لا يُفِدْن قوةً، مع أنه بموتهنّ ينقطع النسب؛ لأن بَنِيهنّ لا يُنسَبون إليه.
وهذا الوجه هو الذي اختاره عمر بن الخطاب [رضي] الله عنه آخرَ عمرِه، فقد روى جماعة منهم الحاكم (١) بإسنادٍ ــ قال: على شرط الشيخين، وأقرَّه الذهبي ــ عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب ﵁ أوصى عند الموت، فقال: الكلالة ما قلتُ، قال ابن عباس: وما قلتَ؟ قال: مَن لا ولدَ له.
وفي "مسند" الطيالسي (٢) عن شعبة عن عمرو بن مُرَّة أنه قال لمرّة: ومَن شكَّ في الكلالة؟ أمَا هو دون الولد والوالد؟ قال: إنهم يشكُّون في الوالد.
وفي حواشي "السراجية": المرويُّ عن ابن عباس في أظهر الروايتين
стр. 62
أن الكلالة ما سوى الولد (١)، فإنه قد روى عطاء أنه قال: سألتُ ابن عباس ﵁ عن الكلالة، فقال: ما عدا الولد، فقلت: إنهم يقولون: ما عدا الوالد والولد، فغضب، قال: أنتم أعلم أم الله؟ قال الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ (٢).
وفي "سنن" البيهقي (٣) وغيره عن الحسن بن محمد بن الحنفية أنه سأل ابن عباس عن الكلالة، فقال: ما دون الوالد والولد، فقال الحسن: إنما قال الله : ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾. قال: فانتهرني.
وقد روى البيهقي في "السنن" (٤) حديث جابر من طريق أبي داود، وزاد في آخره: "من ليس له ولد وله أخوات". ولم أر هذه الزيادة في نسخة "سنن" أبي داود (٥)، لكن عقبَ هذا الحديث "باب من ليس له ولد وله أخوات"، فذكر حديث أبي الزبير عن جابر (٦). وعندي أن لفظ "باب"
стр. 63
مدرج، وأن الصواب ما في "سنن" البيهقي (١). وقد راجعتُ "مسند أحمد"، فإذا فيه الحديث (ج ٣ ص ٣٠٨) (٢)، وزاد بعد قوله: ﴿يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾: "كان ليس له ولد وله أخوات ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ﴾ " (٣).
فهذه الأدلة تقتضي أن الكلالة اسم للمورث الذي ليس له ولد.
وعلى كل حالٍ فالآية تقتضي أن الأب لا يحجب الإخوة. أما إذا قلنا: إن الكلالة هو المورث الذي ليس له ولد، فظاهر؛ لأنه لم يُشترط في توريث الإخوة غير تفسير الكلالة، أعني عدم الولد. وأما إذا قلنا: إنه اسم للإخوة فكذلك؛ لأنّ وجود الابن والأب لا يمنع إطلاق كلالة عليهم، فهم كلالةٌ وإن وُجِد الأب والابن. وإنما اشْتُرِط في توريثهم عدم الولد فقط، وهو يُفهِم أن
стр. 64
وجود الأب لا ينقصهم شيئًا. وهكذا إذا قلنا: إن الكلالة أُطلِقت على الوراثة.
فعلى كل حالٍ إن إطلاق هذه الآية يقتضي أن الإخوة يرثون مع الأب. فإذا أضفنا إلى هذا أن عمر ﵁ كان أشدَّ الناس سؤالًا للنبي ﷺ عن الكلالة، وقد أوصى بما علمتَ، وأن النبي ﷺ طعنَ في صدرِه وقال: "أما يكفيك آيةُ الصيف التي في آخر سورة النساء؟ " (١)، وهذه الآية تدلُّ على ما علمتَ، وأن هذه الآية وقعتْ جوابًا للاستفتاء عن الكلالة، وجوابُ الاستفتاء ينبغي أن يكون مستوفيًا= تَرجَّح (٢) أن الإخوة يرثون مع الأب.
ولكن قد قدّمنا في تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ ... ﴾ ما يدفع هذا، فارجع إليه. وعليه فيقال: إنه لما سكت هنا عن التقييد بعدم الوالد أحاله على ما تقدم هناك، والقرآن يُبيِّن بعضُه بعضًا. والله أعلم.
بقي أن الجيراجي (٣) زعم أن وجود الأمِّ يمنع إطلاق "كلالة".
وهو قول بلا دليل، أما إذا قلنا: إن الكلالة تُطلَق على الإخوة فظاهر، وأما إن قلنا: إنه يُطلَق على المورث، فهذه الآية تدلُّ أنه الذي لا ولد له، وإنما فهمنا نفيَ الأب مما تقدم في الآية التي أوَّلَ النساء، وليس فيها دليلٌ على نفي الأمّ كما تقدم هناك. وإطلاقُ بعض الصحابة وأهل اللغة أنه مَن لا ولدَ له ولا والد، أو على ما عدا الولد والوالد، مع كونه ليس بحجة، فالوالد إنما هو حقيقة في الأب كما تقدم.
стр. 65
وزعم (١) أن البنت وبنت الابن وبني البنات يدخلون تحت "الولد".
فأما البنت وبنت الابن فقد وافقه غيرُه، وبيَّنّا في فصل الأولاد أن ذلك إن قيل له فهو من عموم المجاز، والأولى الوقوف عند الحقيقة، وإنما لا يُفرَض للأخت مع البنت وبنت الابن بأدلة أخرى، كالأحاديث الدالة على أن الإخوة والأخوات مع البنات عصبات. وسيأتي في مبحث ميراث الإخوة من الحجب إن شاء الله تعالى.
وقد جاء عن ابن عباس أنه كان ينكر في بنت وأخت أن تُعطَى الأختُ النصفَ، ويقول: إنما قال الله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ فقلتم أنتم: لها النصف وإن كان له ولد (٢).
وهذا ضعيف، أما إذا قلنا: إن البنت ليست داخلةً تحت كلمة "ولد" فظاهر، وأما إن قلنا: إنها داخلة فلأنّ الذي في الآية: ﴿فَلَهَا النِّصْفُ﴾ أي فرضًا كما هو ظاهر، ونحن لا نُعطيها النصف فرضًا، بل نُعطيها ما بقي بعد الفرائض. وكونُه يقع نصفًا في بعض الصور لا ينافي الآية، وهذا كما نُعطي الأب النصف في: بنت وأب، مع أن الله تعالى إنما فرض له السدس.
والعجب أن ابن عباس يورث الأخ مع البنت، مع أن دلالة الآية على عدم ميراثه معها أوضح من هنا كما سيأتي، وهذا مما يدفع به قوله. ومع هذا
стр. 66
فقد تضافرت الأدلة الصحيحة الصريحة بتوريث الإخوة مع البنات، كما سيأتي بسطها إن شاء الله تعالى.
فأما بنو البنات فإنهم ليسوا بأولادٍ حقيقةً كما هو ظاهر، ودعوى دخولهم بالمجاز لا دليلَ عليها إلا قياسُهم على بني البنين، وهو قياس في اللغة، مع أن قائلهم يقول (١):
بنونا بنو أبنائنا وبناتُنا ... بنوهنَّ أبناءُ الرجالِ الأباعد
ونحن إنما ورَّثنا أبناءَ البنين بالنصوص التي وردت في ذلك، كحديث ابن مسعود وغيره، ثم بالإجماع. وليس في بني البنات نصٌّ ولا إجماع، بل الإجماع على أنهم لا يرثون. والله أعلم.
﴿وَلَهُ أُخْتٌ﴾ شقيقة أو من الأب، لا أنها لا تكون كلالةً إلّا إذا كانت كذلك كما قدَّمنا، ولأن حكم الإخوة من الأمّ قد تقدم في موضعه على خلاف هذا، ولأن الإخوة هنا شُبِّهوا في فرائضهم بالأبناء، وهذا لا ينبغي إلّا في الأشقّاء أو لأبٍ، لأنهم من العصبة، فأما الإخوة من أم فإنهم أباعدُ، والإجماع فوق ذلك، والله المستعان.
﴿فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ المرء المورث، أي أخوها من أبيها وأمّها أو من أبيها، وقد تقدم ما تدلُّ عليه نسبة الفرض إلى "ما ترك" من إبطال رأي الجيراجي في العول.
стр. 67
﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ فيأخذ جميع مالها أو ما يبقى بعد الفرائض التي لا تسقط، وإن فُسِّر الولد هنا بما يعمُّ البنتَ كان ظاهره أن الأخ يسقط معها، ولا يأتي هنا الجواب المتقدم في الأخت، والجواب أن الدلالة إنما هي بمفهوم الشرط.
﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ تقدم ما فيه.
﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ﴾ منهم ﴿مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ قد تقدم ما فيه، ولم يكتفِ به هنا عن بيان ميراث الاثنتين، لأن في ذلك نوعَ غموض، فلا يحسن أن يكون غامضًا في الموضعين. وأغمضَ هنا ميراث ما فوق الاثنتين لأنه بيَّنه هناك، وهذا حثٌّ لطالب العلم أن يتدبَّر القرآن كلَّه، ولا يقتصر على بعضه، والله أعلم.
وقوله: ﴿إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً﴾ ثلاثتها جموعٌ، زعم الجيراجي أن المراد بها الجنس، حتى تصدُقَ على الأخ الواحد مع الأخت الواحدة مثلًا. وهذا غير لازم، أما "إخوة" فإنه صادق في الصورة المذكورة، لأن أقلّ الجمع اثنان في لسان الأنصار وغيرهم، وصحَّ ذلك في لفظ "إخوة" المتقدم في أول السورة، كما بيَّنا ذلك هناك.
وأما "رجال ونساء" فلا داعي لإخراجها عن ظاهرها، بل نقول: إنهما لا يَصدُقان في الصورة المذكورة، ولا يَصدُق "رجال" في صورة: أخ وأخوات، ولا "نساء" في صورة: إخوة وأخت، لكن حكم هاتين الصورتين يُعلَم بالقياس، والله أعلم.
стр. 68
﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ حكم الكلالة كراهيةَ ﴿أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
قال الجيراجي (١): "فإن قيل: أيُّ ضلالٍ أكبر من أنه ما اتفق عليها الصحابة ﵃، ولم يعلمها عمر ﵁، فكان يقول: اللهمَّ مَن كنتَ بيَّنتَها له فإنها لم تتبيَّنْ لي (٢). وما زال الخلاف إلى اليوم. قلنا: ليس هذا ضلالاً، هذا هو البيان الموعود .... ".
فقوله: "هذا هو البيان الموعود" لا أدري أشار إلى ما تقدَّم من أنه ما اتفق عليها الصحابة ... إلخ، أم إلى ما بيَّنه هو في تفسيرها؟ والأول بعيد جدًّا، فتعيَّن الثاني، وفيه من التبجُّح ما لا يخفى.
ولعَمر اللهِ ما أنصف إذ جعلَ الصحابة ﵃ ــ وهم المخاطَبون أولًا وبالذات بقوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ ــ جعلَهم وسائرَ الأئمة وعلماء الأمة وجميع أفرادها أجمعوا كلُّهم على ضلالٍ في بعض أحكام الكلالة لتوريث الإخوة مع الأم، ولم يَجْنِ جَنى البيانِ ولا رُزِقَه إلا الحافظ أسلم الجيراجي! فالله المستعان.
قال (٣): "فيُدرِك بعضهم الصوابَ فيؤجَر عشرة أجور، ويُقصِّر آخر فيؤجَر أجرًا واحدًا".
стр. 69
هذا خلاف الحديث المشهور (١): "إذا اجتهد القاضي فأصاب فله أجرانِ، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجرٌ واحد". وكأن الجيراجي ذهب إلى الحديث الآخر: "مَن همَّ بحسنةٍ لم يَعملْها كُتِبتْ له حسنةٌ واحدة، فإن عَمِلَها كُتِبْت له عشرةُ حسنات" (٢). ولم يعلم أن المراد بقوله: "ولم يعملها" بأن عرضَ له مانعٌ، فكفَّ عنها مختارًا، فأما مَن عمل عملًا ظنَّه حسنةً فلا يدخل في هذا، بل الظاهر أن يُؤتَى الأجر كاملًا، إنما الأعمال بالنيات (٣). والحديث الأول يدلُّ على هذا، ولكن أعطى الله المصيب أجرينِ، وذلك عبارةٌ عن عشرين حسنةً، وأعطى المخطئ أجرًا كاملًا، وهو عبارة عن عشر حسناتٍ ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١] (٤).
(الوصية)
استدلَّ الجيراجي (٥) بآية الوصية، وقد تقدم تفسيرها وأنها تحتمل وجهين، أحدهما لا دلالةَ فيه على المدَّعَى أصلًا، ولكننا لا نتمسك به، بل نبني كلامنا على الوجه الآخر، فنقول: إن هذه الآية منسوخة بدلالة الكتاب والسنة والإجماع.
стр. 70
أما الكتاب فأوّلًا هي نفسُها تدلُّ على أنها لا تصلُح أن تكون حكمًا دائمًا، وذلك أنه بيَّن فيها أن الموصي مُعرَّضٌ للجنف والإثم، ولم يشرع لذلك حلًّا كافيًا إلّا مجرد نفي الإثم عمن أراد أن يصلح بينهم، والصلح مداره على الرضا.
واعلم أن الإنسان غالبًا .... ص ٤ (١).
فإذا تأملتَ هذا مع ما سيأتي بيانه من منافاة حكم الوصية للمصلحة الحقيقية، ولاحظتَ أن أهل الجاهلية كانوا يخصُّون أولادهم بأموالهم، إلى غير ذلك من أهوائهم، وكنتَ ممن يفهم حكمة الله في الخلق والأمر من بناء الإصلاح على التدريج، رِفقًا بالخلق وتألُّفًا لهم وتعليمًا لهم طُرُقَ الحكمة= علمتَ أن الله إنما شرع حكم الوصية تعديلًا لعادات الجاهلية مما لا يُنفِّر النفوس ويُعاكِس المألوف، فبيَّن أن للوالدين والأقربين حقًّا، ولم يُحتِّم أداءه، بل وكَلَه إلى رغباتهم، فمن شاء أكثر ومن شاء أقلَّ. وعلى كل حالٍ فالأمر يهونُ عليهم؛ لأنهم يرون أن الأمر راجعٌ إلى رضاهم، وليس قسرًا عليهم، ولكنه مع هذا نبَّههم على أنهم معرَّضون للجنف والإثم، ولم يجعل لذلك حلًّا كافيًا كما تقدم. ومن ذلك يعلم المتدبّر أن هذا حكم مؤقَّت، وفي هذا دلالة ظاهرة أن هذا الحكم سيُنْسَخ.
ثانيًا: آيات المواريث، والدلالة فيها على النسخ من طريقين، إجمالية وتفصيلية.
стр. 71
أما التفصيلية فقد تقدمت في تفسير الآيات، وهي في مواضع:
١ ــ ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ﴾.
٢ ــ ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾.
٣، ٤، ٥ ــ ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾.
٦ ــ ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ ... ﴾.
٧ ــ ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ وهو يشتمل على عدة أوجه.
٨ ــ ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾.
وأما الإجمالية فمن وجوه:
١) تعيين مواريث ..... ص ١١
وأجاب الجيراجي (١) عن هذا الوجه بما مرَّ دفعُه في تفسير ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾.
٢) أن آية الوصية خاصة .... ص ١٣
٣) أن قسمة العليم الحكيم ... ص ١٣
وثَمَّ غيرُ ذلك من الدلالات أشرنا إلى بعضها في تفسير الآيات.
واستدلَّ الجيراجي (٢) على بقاء حكم الوصية لقرابته بآية الوصية في
стр. 72
المائدة، وقد بيَّنا بطلانَ استدلاله في تفسير الآية. والله أعلم.
وأما السنة فاستدلَّ الجيراجي (١) منها بحديث الصحيحين (٢): "ما حقُّ امرئ له شيءٌ يُوصي فيه يبيتُ ليلةً أو ليلتين إلّا ووصيته مكتوبة عنده".
ولا دليلَ فيه؛ لأن الوصية ليست قاصرة على الوصية التوريثية، بل من المشروع أن يُوصي الإنسانُ بما له وعليه من الديون والحقوق، وعليه يُحمل الحديث.
وبحديث ابن ماجه (٣): "من ماتَ على وصيةٍ مات على سبيلٍ وسنةٍ". وسنده ضعيف، ومع ذلك فلا دليلَ فيه أيضًا.
ثم لو فُرِض أنه ثبتَ شيء من السنة ينصُّ على الوصية التوريثية فهو محمول على أنه كان قبل نسخها، فيكون منسوخًا بما نُسِخت به الآية، والله أعلم.
أدلة النسخ من السُّنَّة:
عن ابن عباس قال: "كان المال للولد، وكانت الوصية للوالدين، فنسخَ الله من ذلك ما أحبَّ، فجعل للذكر مثلَ حظِّ الأنثيين، وجعل للأبوين لكلِّ واحدٍ منهما السدسَ، وجعل للمرأة الثُّمنَ والربعَ، وللزوج الشَّطْرَ والربع"
стр. 73
رواه البخاري في "صحيحه" (١) من طريق عطاء عن ابن عباس.
قال الحافظ في "الفتح" (٢): وهو موقوف لفظًا، إلّا أنه في تفسيره إخبارٌ بما كان من الحكم قبل نزول القرآن، فيكون في حكم المرفوع بهذا التقرير ... وقد أخرجه ابن جرير (٣) من طريق مجاهد بن جبر عن ابن عباس ....
وفي "سنن" أبي داود (٤) من طريق عكرمة عن ابن عباس: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾، فكانت الوصية لذلك حتى نسختْها آية المواريث.
وفي "الدر المنثور" (٥): وأخرج أبو داود والنحاس معًا في "الناسخ والمنسوخ" وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ قال: كان ولد الرجل يورثونه (٦)، و ﴿لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ قال: كان الوصية لهما، فنسختْها ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ الآية.
وأخرج وكيع وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر
стр. 74
والبيهقي (١) عن ابن عمر أنه سُئل عن هذه الآية ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾، قال: نسختْها آية الميراث.
وعن جابر قال: عادني رسول الله ﵌ وأبو بكر في بني سلمة ما شيَيْنِ، فوجدني النبي ﵌ لا أعقِلُ شيئًا، فدعا بماءٍ فتوضأ، ثم رشَّ عليَّ، فأفقتُ، فقلتُ: ما تأمرُ أن أصنع في مالي؟ فنزلت ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ متفق عليه (٢).
وله رواياتٌ قد تقدَّم الإشارةُ إلى بعضها في الكلالة. وفي رواية الإمام أحمد والنسائي (٣) من طريق أبي الزبير عن جابر قال: اشتكيتُ، فدخلَ عليَّ رسول الله ﵌، فقلت: يا رسولَ الله، أُوصِي لأخواتي بالثلث؟ قال: أحسن، قلتُ: بالشَّطْر؟ قال: أحسن. ثم خرج، ثم دخل عليَّ فقال: "لا أراكَ تموتُ في وجعك هذا، إن الله أنزل وبيَّنَ ما لأخواتك، وهو الثلثان".
فكان جابر يقول: نزلتْ هذه الآية فيَّ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾.
فجابر ﵁ أراد أن يوصي بناءً على آية الوصية، ولكنه استشار النبيَّ ﵌، فأنزل الله الميراث.
стр. 75
وعن سعد بن أبي وقّاص قال: مرضتُ عامَ الفتح مرضًا أَشْفَيْتُ [منه] على الموت، فأتاني رسول الله ﵌ يعودني، فقلتُ: يا رسولَ الله، إنّ لي مالاً كثيرًا وليس يَرِثني إلا ابنتي، أفأُوصي بمالي كلِّه؟ قال: لا، قلت: فثُلثَي مالي؟ قال: لا، قلت: فالشطر؟ قال: لا، قلتُ: فالثلث؟ قال: "الثلث، والثلث كثير، إنك أن تَذَرَ ورثتَك أغنياءَ خيرٌ من أن تَذَرَهم عالةً يتكفَّفُون الناسَ" متفق عليه (١).
فسعدٌ سأل عن الوصية لغير الورثة، ولم يتعرض لذكر الورثة، فلو كان حكم الوصية التوريثية باقيًا لما سكت عن ذلك، ولمَا أقرَّه النبي ﵌.
وفي رواية الترمذي (٢) عن سعد قال: عادني رسول الله ﵌ وأنا مريض، فقال: "أوصيتَ؟ " قلت: نعم، قال: "بكم؟ " قلت: بمالي كلِّه في سبيل الله، قال: "فما تركت لولدِك؟ " قلت: هم أغنياء بخير، فقال: "أَوصِ بالعُشر" فما زلتُ أناقِصُه حتى قال: "أوصِ بالثلث، والثلث كثير".
ففيها أن النبي ﵌ سألَه أوصيتَ، ففهمَ سعد أن المراد الوصية لغير الورثة، كما يدلُّ جوابُه، ولو كانت الوصية للورثة باقيةً لكانت أول ما يتبادر إلى ذهنه.
وعن النعمان بن بشير قال: أعطاني أبي عطيةً، فقالت عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تُشْهِدَ رسولَ الله ﵌، فأتى رسولَ الله ﵌ فقال: إني أعطيتُ ابني من عمرة بنت رواحة عطيةً، فأمرتْني أن أُشْهِدَك يا رسولَ الله، قال: "أعطيتَ سائرَ ولدِك مثلَ هذا؟ " قال: لا، قال: "فاتقوا الله واعدِلوا بين