أما التفصيلية فقد تقدمت في تفسير الآيات، وهي في مواضع:
١ ــ ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ﴾.
٢ ــ ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾.
٣، ٤، ٥ ــ ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾.
٦ ــ ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ ... ﴾.
٧ ــ ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ وهو يشتمل على عدة أوجه.
٨ ــ ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾.
وأما الإجمالية فمن وجوه:
١) تعيين مواريث ..... ص ١١
وأجاب الجيراجي (١) عن هذا الوجه بما مرَّ دفعُه في تفسير ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾.
٢) أن آية الوصية خاصة .... ص ١٣
٣) أن قسمة العليم الحكيم ... ص ١٣
وثَمَّ غيرُ ذلك من الدلالات أشرنا إلى بعضها في تفسير الآيات.
واستدلَّ الجيراجي (٢) على بقاء حكم الوصية لقرابته بآية الوصية في
стр. 72
المائدة، وقد بيَّنا بطلانَ استدلاله في تفسير الآية. والله أعلم.
وأما السنة فاستدلَّ الجيراجي (١) منها بحديث الصحيحين (٢): "ما حقُّ امرئ له شيءٌ يُوصي فيه يبيتُ ليلةً أو ليلتين إلّا ووصيته مكتوبة عنده".
ولا دليلَ فيه؛ لأن الوصية ليست قاصرة على الوصية التوريثية، بل من المشروع أن يُوصي الإنسانُ بما له وعليه من الديون والحقوق، وعليه يُحمل الحديث.
وبحديث ابن ماجه (٣): "من ماتَ على وصيةٍ مات على سبيلٍ وسنةٍ". وسنده ضعيف، ومع ذلك فلا دليلَ فيه أيضًا.
ثم لو فُرِض أنه ثبتَ شيء من السنة ينصُّ على الوصية التوريثية فهو محمول على أنه كان قبل نسخها، فيكون منسوخًا بما نُسِخت به الآية، والله أعلم.
أدلة النسخ من السُّنَّة:
عن ابن عباس قال: "كان المال للولد، وكانت الوصية للوالدين، فنسخَ الله من ذلك ما أحبَّ، فجعل للذكر مثلَ حظِّ الأنثيين، وجعل للأبوين لكلِّ واحدٍ منهما السدسَ، وجعل للمرأة الثُّمنَ والربعَ، وللزوج الشَّطْرَ والربع"
стр. 73
رواه البخاري في "صحيحه" (١) من طريق عطاء عن ابن عباس.
قال الحافظ في "الفتح" (٢): وهو موقوف لفظًا، إلّا أنه في تفسيره إخبارٌ بما كان من الحكم قبل نزول القرآن، فيكون في حكم المرفوع بهذا التقرير ... وقد أخرجه ابن جرير (٣) من طريق مجاهد بن جبر عن ابن عباس ....
وفي "سنن" أبي داود (٤) من طريق عكرمة عن ابن عباس: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾، فكانت الوصية لذلك حتى نسختْها آية المواريث.
وفي "الدر المنثور" (٥): وأخرج أبو داود والنحاس معًا في "الناسخ والمنسوخ" وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ قال: كان ولد الرجل يورثونه (٦)، و ﴿لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ قال: كان الوصية لهما، فنسختْها ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ الآية.
وأخرج وكيع وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر
стр. 74
والبيهقي (١) عن ابن عمر أنه سُئل عن هذه الآية ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾، قال: نسختْها آية الميراث.
وعن جابر قال: عادني رسول الله ﵌ وأبو بكر في بني سلمة ما شيَيْنِ، فوجدني النبي ﵌ لا أعقِلُ شيئًا، فدعا بماءٍ فتوضأ، ثم رشَّ عليَّ، فأفقتُ، فقلتُ: ما تأمرُ أن أصنع في مالي؟ فنزلت ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ متفق عليه (٢).
وله رواياتٌ قد تقدَّم الإشارةُ إلى بعضها في الكلالة. وفي رواية الإمام أحمد والنسائي (٣) من طريق أبي الزبير عن جابر قال: اشتكيتُ، فدخلَ عليَّ رسول الله ﵌، فقلت: يا رسولَ الله، أُوصِي لأخواتي بالثلث؟ قال: أحسن، قلتُ: بالشَّطْر؟ قال: أحسن. ثم خرج، ثم دخل عليَّ فقال: "لا أراكَ تموتُ في وجعك هذا، إن الله أنزل وبيَّنَ ما لأخواتك، وهو الثلثان".
فكان جابر يقول: نزلتْ هذه الآية فيَّ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾.
فجابر ﵁ أراد أن يوصي بناءً على آية الوصية، ولكنه استشار النبيَّ ﵌، فأنزل الله الميراث.
стр. 75
وعن سعد بن أبي وقّاص قال: مرضتُ عامَ الفتح مرضًا أَشْفَيْتُ [منه] على الموت، فأتاني رسول الله ﵌ يعودني، فقلتُ: يا رسولَ الله، إنّ لي مالاً كثيرًا وليس يَرِثني إلا ابنتي، أفأُوصي بمالي كلِّه؟ قال: لا، قلت: فثُلثَي مالي؟ قال: لا، قلت: فالشطر؟ قال: لا، قلتُ: فالثلث؟ قال: "الثلث، والثلث كثير، إنك أن تَذَرَ ورثتَك أغنياءَ خيرٌ من أن تَذَرَهم عالةً يتكفَّفُون الناسَ" متفق عليه (١).
فسعدٌ سأل عن الوصية لغير الورثة، ولم يتعرض لذكر الورثة، فلو كان حكم الوصية التوريثية باقيًا لما سكت عن ذلك، ولمَا أقرَّه النبي ﵌.
وفي رواية الترمذي (٢) عن سعد قال: عادني رسول الله ﵌ وأنا مريض، فقال: "أوصيتَ؟ " قلت: نعم، قال: "بكم؟ " قلت: بمالي كلِّه في سبيل الله، قال: "فما تركت لولدِك؟ " قلت: هم أغنياء بخير، فقال: "أَوصِ بالعُشر" فما زلتُ أناقِصُه حتى قال: "أوصِ بالثلث، والثلث كثير".
ففيها أن النبي ﵌ سألَه أوصيتَ، ففهمَ سعد أن المراد الوصية لغير الورثة، كما يدلُّ جوابُه، ولو كانت الوصية للورثة باقيةً لكانت أول ما يتبادر إلى ذهنه.
وعن النعمان بن بشير قال: أعطاني أبي عطيةً، فقالت عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تُشْهِدَ رسولَ الله ﵌، فأتى رسولَ الله ﵌ فقال: إني أعطيتُ ابني من عمرة بنت رواحة عطيةً، فأمرتْني أن أُشْهِدَك يا رسولَ الله، قال: "أعطيتَ سائرَ ولدِك مثلَ هذا؟ " قال: لا، قال: "فاتقوا الله واعدِلوا بين
стр. 76
أولادكم"، قال: فرجعَ فردَّ عطيتَه. وفي روايةٍ أنه قال: "لا أشهد على جورٍ" متفق عليه (١).
قال الحافظ في "الفتح" (٢): تمسَّك به من أوجبَ التسوية في عطية الأولاد، وبه صرَّح البخاري، وهو قول طاوس والثوري وأحمد وإسحاق، وقال به بعض المالكية. ثم المشهور عن هؤلاء أنها باطلة.
وإذا امتنع التفضيلُ في حال الصحة في حين لو أعطى المورث أجنبيًّا لجازت عطيته، فكيف في حال المرض حين يُحْجَر على المورث فيما زاد عن الثلث، كما جاء من حديث أبي بكر (٣) وعلي (٤)، وسعد بن أبي وقاص وقد تقدم، وابن عمر (٥) وابن عباس (٦) ومعاذ (٧) وأبي هريرة (٨) وأبي
стр. 77
الدرداء (١) وأبي أمامة (٢)
وشدَّاد بن أوس (٣) وعمران بن حصين (٤) وأبي زيد الأنصاري (٥) وخالد بن عبيد الله السلمي (٦). وفي بعضها التصريحُ بإبطال الوصية فيما زاد عن الثلث، وذلك فيما رُوي عن عمران بن حصين أن رجلًا أعتق ستةَ مملوكين له عند موته، لم يكن له مالٌ غيرُهم، فدعا بهم رسول الله ﵌، فجزَّأهم أثلاثًا، ثم أقرعَ بينهم، فأعتقَ اثنين وأرقَّ أربعةً، وقال له قولًا شديدًا. رواه مسلم (٧).
стр. 78
وفي رواية أبي داود (١) أنه ﵌ قال في هذا المعتق: "لو شهدتُه قبلَ أن يُدفَن لم يُدفَنْ في مقابر المسلمين".
ومن الحكمة ــ والله أعلم ــ في هذا أن الإنسان في حال صحته شحيحٌ، يأملُ طولَ الحياة ويخشى الفقرَ، فاكتفى الشرع بوازعِه الطبعي عن أن يَحجُر عليه، مع أنه إن أعطى لا يُعطي إلّا بسببٍ شديد يُجبِره على عصيانِ شُحِّ نفسِه. ولكن هذا بالنسبة إلى الأجانب، فأما بالنسبة إلى ولده فإنه يُؤثِرهم على نفسه، فمنعَ الله من تفضيل بعضهم على بعضٍ سدًّا للذريعة.
وأما حالة المرض فإن المرء يخِفُّ شُحُّه، ويَضعُفُ أملُه، وكثيرًا ما يكون له هوًى غيرُ مشروعٍ في أجنبي، أو بُغضٌ لوارثه، فيحمله ذلك على إعطاء الأجنبي وحرمان الوارث، وكثيرًا ما يكون لبعض الأجانب عليه حقوق عظيمة لم يتمكن من أدائها حالَ صحتِه، فجعلَ الله له الثلث يُوصِي به حيث أراد، مع التصريح بكراهية ذلك في قوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا ... ﴾ كما تقدم، وقوله ﵌: "والثلث كثير"، وأحاديث كثيرة في هذا المعنى.
عن عمرو بن خارجة أن النبي ﵌ خطبَ على ناقته وأنا تحتَ جِرانِها، وهي تَقْصَعُ بجِرَّتها وإنّ لُعابَها يَسِيل بين كَتِفَيَّ، فسمعته يقول: "إن الله قد أعطى كلَّ ذِي حقٍّ حقَّه، فلا وصيةَ لوارِثٍ" رواه الإمام أحمد والترمذي وحسَّنه، والنسائي وابن ماجه والدارقطني والبيهقي (٢).
стр. 79
وعن أبي أمامة قال: سمعتُ النبي ﵌ يقول: "إنَّ الله قد أعطى كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، فلا وصيةَ لوارث". رواه الإمام أحمد والترمذي وحسَّنه، وأبو داود وابن ماجه (١)، وحسَّنه الحافظ ابن حجر أيضًا (٢). وفي سنده إسماعيل بن عياش، رُمي بالتدليس، ولكنه هنا صرَّح بالتحديث. وغمزه بعض الأئمة، ولكن بيَّن حالَه جماعةٌ من الأئمة أنه إنما يُضعَّف إذا روى عن الحجازيين، قال بعضهم: لأن كتابه عنهم ضاع، فخلّط في حفظه، أما إذا روى عن الشاميين فأكثر الأئمة يُقَوُّون حديثه، ومنهم من يصححه، منهم: الإمام أحمد وابن معين وابن المديني والفلَّاس والبخاري ويعقوب بن سفيان وصالح بن محمد الأسدي والترمذي والنسائي وأبو أحمد الحاكم والبرقي والساجي والدولابي (٣).
وقد رُوِي الحديث موصولًا من أوجهٍ ضعيفةٍ عن علي (٤) وابن عباس (٥) وجابر (٦) وعبد الله بن عمرو (٧)، ومرسلًا عن مجاهد (٨) وعطاء
стр. 80
الخراساني (١)، وأما الموقوفات والمقطوعات فكثيرة في هذا الباب.
وقد مال الشافعي إلى تواتر حديث "لا وصية لوارث" (٢). وكثير من العلماء يقول بأن خبر الآحاد ينسخ القرآن، وحجتهم قوية؛ لأن النسخ إنما هو بيان انتهاء مدَّة الحكم، وهذا إنما يعارض دوامه، ودوامه ظنّي، فكيف لا يكفي في معارضته ظنّي؟
على أنك إذا تأملت ما تقدَّم، وتتبَّعتَ المواريث التي قُسِمتْ في حياة النبي ﵌ وأحوال الصحابة، وأنه لم يُوصِ أحدٌ منهم وصيةً توريثية= علمتَ أن معنى الحديث متواتر. والله أعلم.
الإجماع:
الإجماع على نسخ حكم الوصية معلوم، فلا حاجةَ لتعداد أسماء ناقليه. والاختلاف في الناسخ لا يلزم منه الاختلاف في النسخ كما لا يخفى. والله أعلم.
* * * *
стр. 81
(ذوو الفروض)
قال (١): "جعل الفقهاء أولاد الأم من ذوي الفروض، وألحقوا بني الأعيان والعلات بالعصبة، واستدلُّوا عليه بقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً ... ﴾ ... ".
أقول: قد مرَّ في تفسير هذه الآية ما يُغنِي عن الإعادة.
قال (٢): "فنقول: إن من الأقسام الثلاثة للإخوة والأخوات أولادهم بالميراث بنو الأعيان ثم بنو العلَّات، كما جاء في الحديث: "إنّ أعيان بني الأم يتوارثون دون بني العلَّات" (٣)، لأن قرابة بني الأعيان إلى المورث من جهتي الأب والأم معًا، فهم أقربون (٤) إليه من بني العلَّات الذين ليس اتصالهم به إلّا من جهة الأب وحده، وأما أولاد الأم فهم أبعدُ الكلِّ، لأنهم ربما لا يكونون من أولاد آباء المورث، بل من عائلاتٍ أخر".
أقول: قوله: "فهم أقربون إليه من بني العلّات" يريد به الاستدلال على حَجْبهم لهم بقوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾. ولكنه
стр. 82
فسَّر "الأقربين" في الحجب بقوله (١): "والمراد بالأقرب أن لا تكون واسطةٌ بينه وبينَ المورث، إما مطلقًا أو كانت لكن انتفتْ قبل وفاة المورث". وسيأتي تمام البحث في الحجب إن شاء الله تعالى.
قال (٢): "فالفقهاء ظلموا الأقرباء؛ لأنهم جعلوا الأباعدَ من أولاد الأم ذوي فرض، والأقربين من بني الأعيان والعلَّات عصبةً، التي لا يُصيبها إلّا ما بقي بعد ذوي الفروض".
أقول: إذا تأملتَ ما قدَّمنا في تفسير الآية علمتَ أن الفقهاء لم يأتوا بشيء من عند أنفسهم، وإنما قبلوا ما جاءهم عن الله وآمنوا به. ومع ذلك فندفع شبهته بمعونة الله .
قد قدَّمنا في تفسير الآيات أن مدار المواريث على أمرين: استحقاق الصلة والتعصيب، وجعل الفروض المعيَّنة بإزاء الأول، وما يبقى بإزاء الثاني، وفصَّلنا هناك بعض التفصيل. ونزيد هنا أن الضرب الأول هم الذين يستحقون المالَ حقيقةً، وأما الضرب الثاني فغاية الأمر أنه إذا لم يكن هناك أحدٌ يستحقُّ المالَ كانوا أولى من غيرهم.
فالحاصل أن استحقاق الضرب الأول آكدُ من الضرب الثاني, وقد يكون الشخص الواحد مستحقًّا للصلة ومن العصبة، وهذا قد يكون أضعفَ استحقاقًا ممن هو من الضرب الأول. كان ذلك ــ والله أعلم ــ لأنَّ من لم يكن من العصبة فلا يحتمل النقصَ ولا الحرمان، بخلاف مَن كان من
стр. 83
العصبة، فإنه يحتمل ذلك، لأنّ من شأنِه المحاماةَ عن مولاه والدفاع عنه بدون التماس مقابل، فينبغي أن يكون من شأنه الحرصُ على أداء الحقوق اللازمة لمولاه ولو من ماله، أعني العصبة، فضلًا عن المسامحة بما يستحقُّه على المولى. ومما يؤيد هذا حكمُ الشرع بدية الخطأ على عاقلة الجاني.
ثم إن للأخ من الأم حقًّا آكدَ من حقِّ الأخ للأب، وذلك أولًا من حيثُ كونُه ولدَ الأمّ التي أُمِرْنا بصلتها أكثرَ من الأب، فوردَ: "بِرَّ أمَّك ثمَّ أمَّك ثمَّ أمَّك ثم أباك" (١) أو كما قال. ووردَ أن مِن بِرِّ الوالدين بِرَّ القرابة التي كانت قرابةً بواسطتهما، وبِرَّ أهلِ وُدِّهما (٢).
فُضِّلت على الأب [في الميراث] أيضًا، فجُعل فرضها ......... عدم الولد الثلث، وليس للأب إلّا ما بقي، فنتجَ من ذلك أن تنالَ ضِعفَه إذا كان معهما زوج. وهذا صريح القرآن، وخلاف ذلك خطأ.
وسِرُّ المسألة أن الأب جامع بين السببين اللذين أوضحناهما أولَ هذا البحث، أعني استحقاق الصلة والعصوبة، فاستحقاق الصلة غايته السُّدس، ففُرِض له مع الولد خشيةَ أن ينقصَ منه، ولم يُفرَض له مع عدم الولد لأنه لا يَنقُص عنه. وعلى هذا فأخذُه أكثرَ من الأمّ في بعض الصور ليس تفضيلًا له عليها من حيث استحقاق الصلة، وإنما بقي هناك شيء غير مستحق، والعصبة أولى به، والأب أولى عصبةً هنا.
وإذا ثبت أن الأم آكد استحقاقًا من الأب، فكذا يكون ولدها بالنسبة إلى
стр. 84
ولده، فأما الأشقَّاء فلأنهم جامعون بين الوجهين: الاستحقاق من حيث الصلة والعصبية، وقد تقدم أولَ البحث أن الجامع بين الوجهين أضعفُ حقًّا من المنفرد بالاستحقاق من حيث الصلة، وبيَّنا حكم ذلك بحمد الله تعالى ...
فإن قلت: يستلزم من هذا أن الإخوة للأم إذا كانوا من العصبة بأن كانوا أبناءَ عم مثلًا يفضلوا على الأشقَّاء؟
قلت: كلّا، فإن العصوبة هنا لا حكم لها؛ لأن ابن العم لا يُعتَدُّ بعصوبته مع وجود الأخ.
وثانيًا: الغالب أن الرجل لا يواصل في حياته أخاه لأمه كما ينبغي، بل هو عنده في عداد الأجانب.
وثالثًا: يريد الله التأليف بين الناس، ولاسيَّما بين أولاد الأم الواحدة، وإنما يتم هذا بأن يعلموا أن لأحدهم حقًّا على الآخر قد يكون آكدَ من حقِّ الشقيقِ، فضلًا عن الأخ لأب، لعلَّهم إذا علموا هذا قوِيَ ارتباطُهم وتمكَّن اتصالُهم، بخلاف الأشقَّاء والإخوة لأبٍ، فإن الارتباط بينهم مألوف، سواء طمعوا في الميراث أم لا.
فإن قلت: فلِمَ لم يُفضِّل الأخ لأم على الشقيق، أو الأخ لأب مطلقًا؟
قلت: الأخ لأم له حقٌّ محدود، لا ينبغي أن يُزاد عليه ولا يُنقَص، وهكذا سائر أصحاب الفروض. وأما العاصب فليس له حقٌّ مبتوت، وإنما له ما فضَلَ، فأصحاب الفروض كأصحاب الديون.
فلما جاء الإسلام ..................................................
стр. 85
وبنى المواريث على أصول أخرى يطولُ بيانُها، وإنما نذكر بعون الله أمثلةً منها:
الزوج:
الزوج: مكلَّفٌ بتسليم مَهْر زوجته ونفقتها طولَ حياتها، وحاملُ المشقَّات في التماسِ رضاها، والصبر على عِوَجها وكفرانها، الذي شهد به النبي ﵌ (١). وبهذه الأمور وغيرها جُعِلَ نصيبُه فرضًا لا يسقط بحالٍ.
والزوجة تشبه الزوج في بعض الأمور المتقدمة، ولكنها دونه، فجُعِلت على النصف منه مع المحافظة على أن لا تسقط.
الأب:
الغالب أن يكون ابنه قد بَرَّه وواساه وخَدَمه في حياته بما يستطيع، فلم يكن حقه بمؤكَّدٍ كالزوج، ولكن يكون مؤكَّدًا في الجملة في الأحوال التي يُخشى فيها من سقوط؟
الابن:
هو أحقُّ الورثة لأسبابٍ عديدة، ولكن لم يجعل له الله فرضًا لأنه آمِنٌ من السقوط.
البنت:
هي آكدُ حقًّا من الابن لضعفها وعجزها، فلذلك رُجِّحتْ عليه بأن جُعِل لها فرضٌ لا يُنْقَص عنه. ولكن إذا كان لها أخٌ فإنها ترجع عصبةً، وذلك
стр. 86
لاشتدادِ ساعدِها وانجبارِ ضعفِها ووهنِها، فصارت في حكم الابن.
الأخ:
حق الأخ ضعيف؛ إذ ليس مكلَّفًا بشيء مما تقدم، ولكن له حقٌّ في الجملة، فجعله الله عاصبًا، أي إذا بقي شيء بعد الحقوق أخذه.
أخت:
لها حقٌّ آكدُ من حقّ الأخ؛ لأنها تكون في حياتها أحنَى وأشفقَ على أخيها من الأخ على أخيه، وأيضًا هي أنثى ضعيفةٌ تستحق المواساة في الحياة وبعد الوفاة، فلذلك سمَّى لها الله فرضًا يُؤْمَنُ من سقوطه، إلّا إذا كان هناك أبٌ للميت، لأنه أبوها، فوجوده يَشُدُّ من عضدها ويتكفَّلُ بمواساتها، وجَعْلُ المالِ في يده أولى من جعلهِ في يدها.
وكذا إذا كان هناك ابنٌ للميت، أولًا لأن حقَّ الابن آكدُ، وثانيًا لأنها عمَّتُه، فهو أيضًا مكلَّفٌ بصلتها ومواساتها.
ولم يُحْرَم الزوج مع الأب؛ لأن الزوج لا يبقى صلةٌ بينه وبين أبي زوجته بعد وفاتها، ولم يُحرم الزوج مع الولد، لأنه إن كان ابنه فالأمر ظاهر، وإن كان ابنَ غيره فلأنه لا صلةَ بينهما. فإذا وَرِث مع الأخت أخ شقيق فإنها تُجعَل عصبةً؛ لأنها بوجود شقيقٍ لها انجبر ضعفُها وكسْرُها، فصارت في حكم الأخ.
قال (١): "ومن نتائجه أن في بعض الأحيان تَرِث أولاد الأم ويُحرَم بنو
стр. 87
الأعيان والعلَّات مثلًا" ثم ذكر المسألة المشتركة، ثم قال: "كيف يجوز ..... " (ص ٩٧) (١).
* * * *
стр. 88
(العصبة)
نبدأ فنسوقُ أدلة القول بالتعصيب، ثم نعطف على اعتراضات الجيراجي إن شاء الله تعالى.
قد قدَّمنا أن مدار الوراثة على أمرين: استحقاق الصلة والعصبية، وأن الأول هو مدار الفروض، والثاني مدار ما يبقى. ولنبسط هنا الكلامَ على هذا الأصل وإن وقعَ تكرارٌ لبعض ما تقدم.
أَجَلْنا النظرَ في المواريث المبيَّنة في كتاب الله تعالى فإذا هي فروضٌ مقدَّرة وإرثٌ مطلق، بيَّنت السنة ثم اتفقت الأمة أن المراد بإطلاقه أن جميع المال عند عدم الفروض، والباقي بعد الفروض عند وجودها.
ثم أَجَلْنا النظرَ في ذوي الفروض، فإذا هم إما إناث وإما رجال، ليسوا من رجال عشيرة المورث الذين يغضبون له ويعصبون حوله، ولم يخرج من ذلك إلّا الأب عند وجود الولد.
وأَجَلْنا النظر في الضرب الآخر، فإذا هم كلهم من عشيرة المورث بلا استثناء، ثم نظرنا فإذا هم إما رجالٌ فقط، وإما رجالٌ مع أخواتهم، ولم يخرج من ذلك إلا الأخوات مع البنات.
فتبين لنا أن مدار الفروض على استحقاق الصلة، ومدار ما يبقى على العصبية. ولكن من الورثة مَن يجمع الأمرين، فاقتضت الحكمة في هذا أنه إذا لم يُخشَ من سقوطه لم يُفرض، وذلك الابن والأب عند عدم الولد، وإذا خُشِي سقوطُه فُرِض له، وذلك الأب عند وجود الولد.
стр. 89
ومن الورثة مَن يكون من نساء العصبة، ولها حالات:
إحداها: أن لا يكون معها أحدٌ من رجال العصبة ولا من ذوي الحقوق، ففي هذه الحال لها فرض معين بمقتضى استحقاقها، كالبنات والأخوات الشقائق والأخوات لأبٍ، إذا انفرد كلٌّ من ثلاثة الأنواع عما تقدم.
الحال الثانية: أن يكون معها ذو حقّ، فلا يخلو أن يكون الاستحقاقان سواءً أو أحدهما أولى، فإن استويا فلكلٍّ فرضُه، ويشتركون، وإن جرَّ ذلك إلى العَول. وإن كان أحدهما أولى فلابدَّ من تنفيذه، ثم إن كانا من نوعٍ واحد فُرِض للمرجوح ما بقي من استحقاق النوع إن كان، وهذا حال بنت الابن مع البنت، والأخت لأب مع الشقيقة. وإن كانا من نوعين قُدِّم الراجح وما يساويه من الحقوق، فإن بقي شيء فللمرجوح. وهذا حال الأخوات مع البنات.
الحال الثالثة: أن يكون معها أحدٌ من رجال العصبة، فإنها في هذه الحال تتقوَّى به، ويشتدُّ جانبها، وينجبر ضعفُها. ثم إن كان ذلك العاصب أضعفَ منها، بحيث إنها تُقدَّم عليه لو كانت ذكرًا، فإن كان لها فرض تناله، فإنها تستوفي فرضَها كاملًا، وهذا كالبنت مع ابن الابن، وكالأخت الشقيقة مع الأخ لأب. وإن لم يكن لها فرض فإنها تكون معه عصبةً، للذكر مثل حظّ الأنثيين، وهذه مسألة التشبيب.
وإن كان مساويًا لها فإنها تتحوَّل عن فرضها، وترجع معه عصبةً، للذكر مثل حظّ الأنثيين، كالبنت مع الابن، والشقيقة مع الشقيق، والأخت لأب مع الأخ لأب، وبنت الابن مع ابن الابن.
стр. 90
وإن كان أولى منها فإنه يُسقِطها، وهذا كبنت الابن مع الابن، وبنت ابن الابن مع ابن الابن، وكالأخت مع الأب والابن وابن الابن، وكالأخت لأبٍ مع الشقيق.
ويبقى النظر بين الجدّ والأخت: أهما متساويان أم أحدهما أولى من الآخر؟
فتبيَّن لنا أن الإرث المطلق مداره على الرجال من العشيرة، وإنما يكون للنساء بالعرض ولنساءٍ مخصوصات، وهن ذوات الاستحقاق الذي ثبت الفرض لهنّ من حين انفرادهن، أعني البنات والأخوات.
ثم نظرنا في التعصيب الأصلي، فإذا هو مرتَّبٌ على الأولوية الذكرية: الابن فالأب فالأخ.
ونظرنا في مدارِه ــ وهي العصبية ــ فإذا هي ثابتة فيما بعدُ لبني الإخوة والأعمام وبني الأعمام ثبوتًا لا شكَّ فيه، بحيث يكاد يُساوي عصبية الإخوة بالنسبة إلى الأجنبي. ففهمنا من هذا أن السلسلة ستستمر على الترتيب المذكور: الأولوية الذكرية.
ونظرنا في مدار الفروض ــ وهي استحقاق الصلة ــ فوجدناها قويةً في بنات البنين وضعيفة فيما عداهن، فعلمنا من ذلك أن السلسلة الفرضية مستمرة في بنات البنين على الترتيب، وأما فيما عداهن كبنات الأخ والعمَّات وبنات الأعمام فلا، وإذا لم يكن هؤلاء مستحقاتِ فرضٍ فلا يمكن أن يُشاركن إخوتهن في التعصيب.
ونظرنا في الفروض المقدرة فإذا هي مبنية على الاستحقاق كما مرَّ، وكلٌّ من أهلها قد فُرِض له ما يستحقه، ولم يبقَ له حقٌّ في الباقي، لأن المال
стр. 91
إنما يُستَحقُّ باستحقاقِ صلةٍ وقد استوفاها، أو بتعصيبٍ وليس بعصبة، فلا ينبغي أن يُزَاد لذلك المستَحَقّ الذي قد استوفى استحقاقه شيءٌ ما دام هناك عصبة، وذلك في مثل: بنت، ابن عم.
هذا مقتضى النظر المستند إلى الأصول القطعية، وجاءت النصوص طِبْقَه، فروى ابن عباس عن النبي ﵌ أنه قال: "أَلْحِقوا الفرائضَ بأهلها، فما بقي فهو لأَولَى رَجلٍ ذكر" متفق عليه (١).
وفهم منه جماعة أن المراد بالفرائض الفروض المقدَّرة، وعلى هذا التفسير بنى الجيراجي اعتراضاتِه في:
(١) أم ... بنت ... ابن
(٢) أم ... بنت ... أخت ... أخ
(٣) بنتان ... أخت ... ابن الأخ (٢)
قائلًا: إن هذه الثلاثة الأمثلة تَنقُض هذا الأصل (٣).
فأقول: بل المراد بالفرائض المواريث المبيَّنة في كتاب الله تعالى أو في سنةِ رسولِه غيرِ هذا الحديث، ويدلُّ على ذلك ما في بعض الروايات الصحيحة (٤): "اقْسِمُوا المالَ بين أهل الفرائض على كتاب الله ﵎، فما تركتِ الفرائضُ فلأَولَى رجلٍ ذكرٍ".
стр. 92
وهذا الاستعمال هو المعروف، قال الله : ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ إلى قوله: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾. وكثُر في الأحاديث إطلاقُ الفرائض على مطلق المواريث، واتفقت الأمة على تسمية علم المواريث بالفرائض.
ثم إن كان اشتقاقها من الفرض بمعنى الإيجاب ــ أي لأن الله أوجبها بعد أن كانت موكولةً إلى اختيار المورث ــ فظاهرٌ، وكذا إذا كان من الفرض بمعنى الإنزال أو التبيين أو الإعطاء بغير عوض.
وإن كان من الفرض بمعنى التقدير والتحديد فلأن جميع المواريث مقدَّرة محدَّدة، إن لم تكن بأحد الكسور الستة فبغيرها، وإن لم تكن بالتصريح فباللزوم، فالابن إذا انفرد فرضُه الجميع، وإذا كان مع زوج فله ثلاثة أرباعٍ، أو مع زوجةٍ فسبعةُ أثمانٍ، وهكذا، وجميعها مقدَّرة محدودة.
وعلى هذا فلا تَرِدُ الأمثلةُ التي اعترض بها الجيراجي؛ لأنها كلَّها من الفرائض المبينة في كتاب الله تعالى وسنة رسوله، فدخلتْ تحت قوله: "ألْحِقوا الفرائضَ بأهلها". ففي المثال الثالث ألحقنا الثلثينِ بالبنتين لأنه فرضُهما بنصّ القرآن، وألحقنا الباقي بالأخت لأنه مفروضٌ لها بمقتضى السنة، ولم يبقَ شيء حتى نجعله لأولى رجلٍ ذكرٍ، وهو ابن الأخ.
ومع هذا فمَن يقول بالتفسير الأول يُجيب عن تلك الأمثلة بأنها مما خُصِّص فيه عمومُ هذا الحديث، المثال الأول والثاني بالقرآن، والثالث بالسنة، وتخصيص العموم غير مستنكر، فلا معنى لقول الجيراجي: "يقعُ
стр. 93
مباينًا للقرآن ومناقضًا لما أجمع الفقهاء عليه" (١) إلّا أنه يمكن أن يناقش في هذا التخصيص، وكيف كان أولى من عكسه، وغير ذلك. ولا حاجة لبسط الاعتراض والجواب، إذ كان المعنى الأول هو الراجح.
وقد تأوَّل الحديث بقوله: "وعندي أنه ليس بحكمٍ كلِّيٍ، بل قضَى به ﵌ في قضيةٍ خاصة ... " (٢).
أقول: أولًا هذا مجرد احتمال ... (ص ٩٤).
وسيأتي في الحجب في بحث ميراث الإخوة أدلةٌ أخرى إن شاء الله تعالى. وقد ثبت في الصحيحين (٣) وغيرهما مطالبةُ العباس ﵁ بميراثه من رسول الله ﵌، ولم ينكر عليه أحدٌ بحجة أن العمّ لا يرث مع البنت، وإنما دفعوه بحجة أخرى، وإجماع الأمة بعد ذلك، والله أعلم.
قال الجيراجي (٤): "ومن أجل اعتبار العصوبة يقع في مسائل الوراثة خلل عظيم نوضّحها (؟ ) (٥) بالأمثلة:
(١) عشْرُ بنات ... وابن
١٠ ... ٢
ولو كان مكان الابن أخت أو أخ أو ابنه لأخذ ثلثَ التركة بالعصوبة، أي
стр. 94
ضِعْفَ ما أخذه الابن، فكأن كلًّا من هؤلاء أكبر وارث (؟ ) (١) عند الفقهاء من ابن المورث".
أقول: إن الشرع جعل البنين شيئًا واحدًا، فالابن الواحد والمئة سواء، فلا يصح أن يُفرَد نصيب واحد من جملة العدد ويُوازَن بينه وبين الأخ مثلًا. وقد فرض الله للبنات إذا لم يكن ابنٌ الثلثينِ بنصّ كتابه، وفرضَ إذا كان ابنٌ أن يكون للذكر مثل حَظّ الأنثيين. فهلَّا اعترض الجيراجي على هذين الحكمين، بأنه في مثاله المذكور أخذت البناتُ أكثر من الثلثين مع أنَّ معهنَّ ابنًا، وأنه لو كان بدلَ الابنِ أبٌ لما أخذنَ إلّا الثلثين. وأيضًا أخذ الابنُ في المثال سدسًا، ولو كان بدلَه أبٌ أخذ ثلثًا.
والمقصود أن نقص الابن في المثال إنما جاءه من زيادة نصيب أخواته على الثلثين، فإن كان للجيراجي اعتراض فليعترضْ على هذا.
وخذْ مثالاً آخر: ثلاثون بنتًا ابن
للابن هنا نصف الثُّمُن، ولو كانت مكانَه زوجةٌ لحازت الثمنَ، أو زوجٌ لحازَ الربعَ، أو أمٌّ لحازت السدسَ، أو أبٌ لحاز الثلثَ. هذا، مع أن نصيب الزوج لا يجاوز النصفَ، والزوجة الربع، أما الأخ فقد يكون نصيبه الكلّ.
ثم إن هذا الحكم ــ أعني كون الأخت أو الأخ أو ابنه يحوز الباقي ــ ثابت بالأدلة المتقدمة، وسيأتي نصٌّ في الأولينِ في بحث ميراث الإخوة من الحجب إن شاء الله تعالى.
стр. 95
قال (١): " (٢) زوج ... أب ... أم ... ابنان
٣ ... ٢ ... ٢ ... ٥
لو كان ههنا مكانَ الابنين بنتانِ لأخذتا ثُلثين من المال، أي أزيد بكثير من الابنين، والله تعالى جعل حظّ الأنثى نصفًا من الذكر".
أقول: هذا الاعتراض يحسُن إيرادُه على العَوْل لا على التعصيب، لأنك تُوافِق أن الابنين ليس لهما إلّا ما بقي، وتُوافِق على أن للبنتين الثلثينِ، وإنما تُخالِف في العَوْل، فتقول: إن نصيب الزوج يخرج من الرأس، ثم تُقسَم التركة على حسب الفرائض فيكون القَسْم عندك على ما يأتي:
زوج ... أب ... أم ... ابنان
٢ ... ١ ... ١ ... ٤
وكذا لو كان بدلَ الابنين ابنتانِ.
وسيأتي إن شاء الله تعالى نقضُ اختراعِك هذا، وبيانُ فساده ومخالفتِه لكتاب الله ، في فصل العَوْل. وإنما نقول هنا: إنّ غاية ما فيه مساواة البنتين والابنين، فأينَ فيه جَعْلُ حظِّ الأنثى نصفًا من الذكر.
قال (٢): "مسألة"، وذكر مسألة التشبيب، وسيأتي الجواب في بحث ميراث الأولاد مع أولاد الأولاد من الحجب إن شاء الله تعالى.
* * * *
стр. 96
(ذوو الأرحام)
قال في فصل العصبة (١): "والناس كلهم من أولاد آدم ﵇، فلا يمكن أن يخلو ميتٌ من عصبة، فذوو الأرحام ــ الذين يرثون عندهم إذا لم يكن للميت عصبةٌ ــ لا تصل إليهم التركة أبدًا".
أقول: هم لا يريدون بقولهم: "إن ذوي الأرحام لا يرثون إلّا إذا لم يكن هناك عصبة" انتفاءَ العصبة في نفس الأمر، بل انتفاء العلم بها، وأنت خبير أن الغالب في الناس جهل الأنساب بعد بضعة آباء، فحينئذٍ يكون الغالب الجهل بالعصبة البعيدة. ولا تحسبنّ هذا الحكم خاليًا عن الحكمة، بل الحكمة فيه بيِّنة، وهو أن العصبة إنما يَرِث لمكان العصبية، أعني كونه يغضب للمتوفى، ويَحمي عنه، ويبذل دمه وماله في الذبّ عنه، وطبعًا إن هذا إنما يكون فيمن يعلم أنه عصبته، أعني أنه ابن عمه أو ابن عمّ أبيه مثلًا، فأما عند الجهل فهذا السبب مفقود، فليسقط اعتبار ما بُني عليه من الميراث.
ثم استدل بالآيات التي سبق تفسيرها وإبطالُ ما ادَّعى دلالتها عليه، ثم قال (٢): "وكان عمر ﵁ يتعجب من أن العمة تورث ولا ترث".
أقول: تعجبُ عمر من ذلك دليلٌ على أنها لا ترث، وبيانه أنه ﵁ كان إمامًا صارمًا لا تأخذه في الله لومةُ لائم، فما بالُه يتعجب هنا تعجبًا؟ والتعجب إنما يكون عند رؤية شيء عجيب، والعجيب في الأحكام على وجهين:
стр. 97
الأول: ما يُعلَم أنه منافٍ للحكمة ومخالفٌ لها.
الثاني: ما لم يُدرِك المتعجب حكمتَه مع إيمانه بأن له حكمة.
والأول لا يجيء هنا؛ لأن عمر ﵁ كان إمامًا صارمًا لا تأخذه في الحق لومةُ لائم، فلو علم أن هذا الحكم خطأ بأن كان من حكم أبي بكر أو غيره من الصحابة لخالفهم، كما خالفهم في أحكام كثيرة، فإذْ لم يخالف هذا الحكم علمنا أنه يعلم أنه حكم ممن لا يجوز عليه الخطأ، ولا تنبغي مخالفته، فيكون قد علمه من حكم النبي ﵌، ولم تتبيَّن له حكمته، فكان يتعجب لذلك.
ومع هذا فإننا لا نرى عجبًا في هذا الحكم:
أولًا: لأننا نقول: إن العمة ترِث في الجملة، وذلك إذا لم يستغرق الفروض ولم يُعلَم العصبة، وهذا كافٍ في المقابلة، كما أن الأخت ترِث من أخيها النصف فرضًا، ولا يرِث منها إلّا ما أَبْقَت الفروضُ تعصيبًا.
وثانيًا: الوراثة ليست مبنيةً على المقابلة، بل على الأسباب، فأيُّ مانعٍ أن يثبت لزيدٍ حقٌّ على عمرو ولا يثبت لعمرو حقٌّ على زيد؟ وهذا واضح هنا، فإن عصبية ابن الأخ لعمتِه ظاهرة بيِّنة، واستحقاقها صلته ضعيف، وانظر هذا المثال:
لو أن أخوينِ أحدهما منقطع، والآخر ذو ولد، فلو مات المنقطع لَورِثه ذو الولد، ولو مات ذو الولد لم يكن لذلك المنقطع شيء.
وأنت ترى أن فرض الزوج من زوجته ضِعْفُ فرضها منه وفرض الأب من بنته ثُلُثُ فرضِها منه. وإذا جاز الاختلاف زيادةً ونقصًا جاز وجودًا وعدمًا.
стр. 98
وقد تقدم حديث ابن عباس: "ألِحقوا الفرائضَ بأهلها، فما بقي فلأولَى رجلٍ ذكر". وفي "الفتح" (١): قال الخطابي: إنما كَرَّر البيانَ في نعتِه بالذكورة ليُعْلَم أن العصبة إذا كان عمًّا أو ابنَ عمٍّ مثلًا، وكان معه أختٌ له، أن الأخت لا ترِث، ولا يكون المال بينهما للذكر مثل حظّ الأنثيين.
ولا يُعتَرض بأن هذا معلوم من لفظ "ذكر"، لأننا نقول: أكَّده لدفع التجوُّز والتغليب، والله أعلم.
وقد جاءت أحاديث في نفي ميراث العمة والخالة، انظرها في "تلخيص الحبير" (٢).
وقد ثبت في الصحيحين (٣) وغيرهما في كتب الحديث والسير والتاريخ مطالبةُ العباس عمِّ النبي ﵌ بميراثه من رسول الله ﵌، ولم يُنقَل البتةَ أن صفيَّة عمة رسول الله ﵌ طالبت لا هي ولا ورثتُها، ولا ذُكِرتْ في تلك المحاورات، وهي إنما توفيت في خلافة عمر ﵁.
قال (٤): "ولو رأى الفقه اليوم لازداد عجبًا، فإن فيه ابن البنت يورث ولا يرِث، وأمّ الأمّ ترِث ولا تورث".
أقول: هذه صورة واحدة جعلَها صورتين، فإن ابن البنت إنما ترِثه أمُّ أمِّه لا أبو أمِّه. وقد علمتَ الجوابَ مما تقدم، فابن البنت يرث من ميراث ذوي
стр. 99
الأرحام، فلا وجه لنفي إرثِه. وسيأتي ما يتعلق بهذا في بحث ميراث أولاد الأولاد من الحجب إن شاء الله تعالى.
قال (١): "وكذلك ابن الابن مع ابن الميت لا يَرِث عن جدّه، وجدُّه يَرِث عنه".
أقول: أما هذه فهي كمسألة الأخوين المنقطع وذي الولد، وقد تقدمت. وسيأتي بَسْط هذا في الحجب إن شاء الله تعالى.
(العول) (٢)
стр. 100
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال الله ﵎: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١].
قوله: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ﴾ أي المتوفى، فيعمُّ كلَّ متوفى كما لا يخفى، وهذا خبر، والظاهر أن مبتدأه محذوف، تقديره: "إرث" أو نحوه. وقدَّره بعضهم "الثلث". وقال بعضهم: المبتدأ هو (١) قوله: ﴿السُّدُسُ﴾، وقوله: ﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا﴾ بدل بعض. وقد رُدَّ هذا القول الأخير وأجيبَ عن الرد كما في "روح المعاني" (٢). ولا أرى الجواب مُقنِعًا، ثمّ كلٌّ من القولين الأخيرين يقتضي أن الكلام انتهى عند قوله: ﴿إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾، ثم استأنف ما بعده. والظاهر هو القول الأول، فيكون قوله: ﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ دَيْنٍ﴾ تفصيل (٣) لقوله: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ﴾ أي إرثٌ. كما أن قوله في أول الآية: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ تقديره على الصواب: "في توريث أولادكم"، ثم فصَّله بما بعده.
وقوله: ﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ ظاهر،
стр. 101
ومنطوق الآية خاص بحكم الأبوين عند اجتماعهما معًا مع الولد، ويؤخذ منها بمفهوم الموافقة أنه إذا انفرد أحدهما مع الولد فله السدس. أما أنه لا ينقص عنه فلأنه إذا لم ينقص عنه مع وجود الآخر فكذلك عند فقده، إذ لا يُعرف في الفرائض ذَوا فرضٍ ينقص أحدهما عن فرضه بسبب فقدان الآخر. وأما أنه لا يزيد عليه فلأن سبب النقص هو الولد، وهو موجود، فينقص أحدهما كما ينقص كلّ واحدٍ منهما.
ويؤخذ منها بمفهوم المخالفة أنه إذا لم يكن ولدٌ فللأبوين حكم آخر. هذا، ومع وجود الولد والأبوين أو أحدهما قد لا يبقى شيء، كأن يكون الولد ذكرًا. وقد يبقى شيء، كبنتٍ وأبوين، أو وأب فقط. وفي هذه الحال قد يكون ذو فرضٍ كأحد الزوجين، فيأخذ فرضه، فإن لم يكن، أو كان وبقي بعد فرضه شيء ــ كبنتٍ وأبوين فقط يبقى السدس، أو مع زوجة يبقى ربع السدس ــ فالجمهور أن ما بقي فللأب، يأخذه بحق العصوبة، لحديث الصحيحين وغيرهما عن ابن عباس مرفوعًا: "ألحِقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولَى رجلٍ ذكر". وحُكي عن الإمامية أن الباقي يُردّ على الورثة ــ أي دون الزوجة فيما يظهر ــ على حسب سهامهم. وهو خلاف ما دلَّت عليه السُّنَّة ومضى عليه الجمهور.
فإن قيل: فإن القرآن وكَّد أن للأب مع الولد السدس، ومفهوم ذلك أنه ليس له غيره.
قلت: وكذلك يقال في الرد في صورة أبوين وبنت: قد نصَّ القرآن أن للبنت النصف، وللأبوين السدسان، فمفهوم ذلك أن لا يُزاد أحد منهم. والحق أن نصَّ القرآن إنما هو في الفرض المحتوم، فلا ينافي أن يؤخذ غيره
стр. 102
بغير طريق الفرض تعصيبًا أو ردًّا على ما يقتضي الدليل.
ثم بيَّن تعالى ما أجملَه بمفهوم قوله: ﴿إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾، فقال: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾. فقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ﴾ أي: وبقية القضية بحالها، وهي اجتماع الأبوين كما هو ظاهر، فقد يستشكل قوله مع ذلك: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾.
والجواب يختلف باختلاف المذهب، أو يختلف باختلافه المذهب. وهنا مذهبان:
الأول: مذهب الجمهور أنه إذا لم يكن ولدٌ ولا إخوةٌ، وكان أبوانِ، فللأمّ ثلثُ ما يأخذانِه، فإن لم يكن معهما أحد الزوجين أخذتْ ثلثَ التركة، وإن كان معهما زوجة أخذت الأمُّ ثلثَ الباقي، وهو الربع، وإن كان بدل الزوجة زوج (١) لم يكن للأم إلا السدس.
الثاني: مذهب ابن عباس، وهو أن للأم ثلث التركة في الصور الثلاث.
فلنبدأ بالجواب الموافق لمذهب ابن عباس فنقول ــ على فرض التزامنا مذهبَه ــ: قوله تعالى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ تأكيد، وحَسُن لأنه لو قيل: "فإن لم يكن له ولد فلأمه الثلث" لقال قائل: هذا إذا لم يكن معها أبٌ، زاعمًا أن هذه الجملة مستقلة عما قبلها، فلا يلزم موافقتها لها في كونها في اجتماع الأبوين. ويؤيد قوله بأن هذه لو كان المعْنِيَّ فيها على اجتماع الأبوين لبيَّن حكم الأب، فلما اقتصر على بيان حكم الأمّ دلَّ أن هذه الجملة إنما هي في حكم الأم عند عدم الأب.
стр. 103
فإن قيل: بناء الجملة على ما قبلها ظاهر، ولو قيل: إنها في حكم الأم عند انفرادها عن الأب، رُدَّ ذلك بأن هذا القيد ــ وهو قولكم: "عند انفرادها عن الأب" ــ لا دليلَ عليه، فغاية ما هناك أن يكون قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ [وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ] فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ على إطلاقه، فيعُمُّ الحالين معًا، أعني أن يكون معها أب أو لا يكون، والحكم في ذلك صحيح، فإنها إذا كانت أمٌّ ولا ولد فلها الثلث، سواء أكان الأب موجودًا أم لا. وعلى هذا فلا محذورَ من أن يُفهم هذا، بل قد يقال: إن في فهم ذلك زيادة فائدة صحيحة، وعلى هذا فلا مقتضي للتوكيد. وأما سكوته عن بيان نصيب الأب فلا يدلّ على عدم دخوله في الكلام، إذ قد يترك لأن المعنى: أن الباقي له، أو لأن حكمه يختلف. وعلى فرض الإصرار على دعوى الدلالة فلا محذور فيها كما تقدم.
فالجواب أن أكثر أهل العلم قامت عندهم شبهاتٌ نظرية ألجأتْهم إلى القول بأنّ فرض الأم مع الأب والزوج السدس، ومع الأب والزوجة الربع. ولا ندري لعله لولا قوله: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ لقالوا: فرضُ الأم مع الأب السدسُ أبدًا. ولعلهم لا يُسلِّمون عمومَ قوله لو قيل: "فإن لم يكن له ولد فلأمه الثلث" لحال وجود الأب، بل يخصُّونها بحالِ انفراد الأم، ويُقوُّون ذلك بعدم ذكر ما للأب. ففائدة التأكيد هي دفع تلك الشبهات، وإثبات أن للأم مع الأب عند عدم الولد والإخوة الثلث مطلقًا، أي سواء كان هناك أحد الزوجين أم لا، كما هو مذهب ابن عباس ومَن وافقه.
فإن قيل: الذي حملَ الجمهورَ على ما ذكرتم إنما هو استبعاد أن تفضُلَ الأمُّ الأبَ في مسألة أبوين وزوج، وإنما قالوا في أبوين وزوجة أن للأمّ الربع
стр. 104
لما حملوا عليه الآية كما يأتي. والظاهر أنه لو لم يقل: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ لما زادوا على قولهم، وهو أن يكون للأم مثل نصف ما للأب حيث لم يكن ولد ولا إخوة، فلو أريد دفعُ ما قام لديهم من النظر لصرَّح بأن للأم مع الأب الثلث مع وجود الزوج مثلًا.
فالجواب أن سنة الله في إيراد الحجج الاكتفاء في أكثرها بالتنبيه عليها تنبيهًا كافيًا، لمن حَرَصَ على الحق وأنعمَ النظر ووُفِّق للصواب وما تقتضي الحكمة من ترجيح مقابله في نفسه، وأن يدع مناصًا لمن كان له هوًى أو قصَّر، ومجالًا لما قد تقتضيه الحكمة في بعض الجزئيات من ترجيح الله في فهم القاضي خلاف الراجح، لاقتضاء الحكمة ذلك في تلك الجزئية، وهذا موضَّح في موضع آخر.
وههنا تنبيه كافٍ، فإن التأكيد بقوله: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ قد دلَّ على شدّة العناية بتثبيت أن الكلام في حال اجتماع الأبوين، وإنما يكون ذلك لما ذكرنا، ثم قد عمَّت الآية الحالين، أعني أن يكون هناك أحد الزوجين أو لا، ونصَّت نصًّا قاطعًا على ذلك في الجملة، فكانت منه صورة قطعية، وهي أن ينفرد الأبوان وليس معهما أحد الزوجين، ولزم من ذلك أن يكون الحكم كذلك عند وجود أحد الزوجين، إذ المعروف في الفرائض أن الوارث إذا نقصَ فرضُه بسبب وارثٍ آخر كان وجوده ناقصًا لذاك باطّراد، كالولد مع الأم أو الأب أو أحد الزوجين ينقُصُهم على كلّ حال، وكالإخوة مع الأم ينقصونها على كل حال، ففي أبوين وأحد الزوجين من ينقص الأم؟ لا يمكن أن يكون الأب، فإنه إذا لم يكن أحد الزوجين لم ينقصها قطعًا، ولا يمكن أن يكون أحد الزوجين لأن أحدهما لا ينقصها عند عدم الأب.
стр. 105
فإن قيل: نختار أن الذي ينقصها الأب، ولكن نقْصَه لها مشروط بوجود أحد الزوجين، كما أنه ينقصها بوجود الإخوة.
فالجواب أنه في صورة أبوين وإخوة لم ينقصها الأب، وإنما الذي نقصَها الإخوة، كما ينقصونها عند عدم الأب.
فإن قيل: فإن الإخوة لا يرثون مع الأب شيئًا.
قلنا: قد نُقِل عن صاحبنا ــ أعني ابن عباس ﵁ ــ أن الإخوة مع الأب والأم يأخذون السدس الذي نقصتْه الأم، ولا يلزمه أن يورثهم مع الأب حيث لا أمّ، لأنهم إنما يأخذون ما لو فُرِض عدمُهم لم يأخذه الأب، وهو ذاك السدس الذي نقصته الأم، فإنه لولاهم لكان لها لا للأب.
فإن لم نقل به وقلنا: لا يأخذ الإخوة شيئًا، فعنه جوابان:
الأول: أنهم نقصوها والأب حجَبَهم.
فإن قيل: لا نظير لهذا في الفرائض ..... مذهب الجمهور فلها نظير، وهو الجد مع الأم لا ينقصها عن الثلث مع أحد الزوجين، فإن كان جدٌّ وأمٌّ وإخوةٌ لأمّ نقصَ الإخوةُ أمَّهم إلى السدس وحجبهم الجدُّ. وأما على مذهب صاحبنا ــ أعني ابن عباس ــ فلا يجيء هذا السؤال من أصله لما مرَّ أنه يجعل السدس المنقوص للإخوة، فلا يحجبهم الأب والجدُّ عنه.
الجواب الثاني: أن ذلك السدس في الاستحقاق لهم، ولكن الأب يأخذه كِفاءَ ما أنفقه أو يُنفقه عليهم، كما قال قتادة: كان أهل العلم يرون أنهم إنما حجبوا أمَّهم من الثلث لأن أباهم يَلِيْ نكاحَهم والنفقةَ عليهم دون أمِّهم. "تفسير ابن جرير" (٤/ ١٧٤) (١).
стр. 106
فإن قيل: فالإخوة لأمّ ينقصونها السدس ولا يُعطَونه، فكيف يأخذه أبو الميت وهو لا يلي نفقة هؤلاء الإخوة ولا نكاحهم؛ لأن لهم أبًا غيره؟
فالجواب: قد قال الزيدية ومَن وافقهم: إن الإخوة للأم لا ينقصونها، وهذا بعيد، والأولى مذهب صاحبنا أن السدس يكون للإخوة، فإن لم يقْوَ قولُه في الأشقاء أو لأب فهو قوي في بني الأم.
فأما على القول بأنهم ينقصونها ولا يعطون شيئًا، فالجواب: أن سبب نقصانها معهم غير سبب نقصانها مع الأشقاء أو لأب. وبيانه: أن بني الأم إن كانوا كبارًا فقد اعتضدتْ بهم أمهم، واستغنت بمعونتهم، فضعُفَ استحقاقُها، وإن كانوا صغارًا فالغالب أن يكون أبو الميت فارقها، فنكحت أباهم وثبتت قدمُها عنده بولادتها له أولادًا، فضعُفَ استحقاقها من ابنها الميت من جهتين: الأول: فراقها لابنه، الثانية: استغناؤها ببعلها الثاني.
فإن قيل: فلمن يكون السدس الذي نقصتْه؟
قلنا: هو باقٍ بعد الفرائض، فيأخذه الأب تعصيبًا.
فإن قيل: حاصل هذا الجواب أنه لم ينقصها الأب ولا بنوها، وإنما نقَصَها نقْصُ استحقاقها، فيُقْلَب سؤالكم عليكم، فيقال: لو كان نقصُ استحقاقها ينقصُها لنَقَصَها على كل حال.
فالجواب: أما في الحكم فنقصَها بنوها، وأما في الحكمة فنقَصَها نقْصُ استحقاقها، ولكنه لا ينضبط، فضبطه الشرع بوجود الإخوة، فيُقتَصر عليه، كما أن أهل العلم يُعلِّلون شرعَ قَصْر الصلاة في السفر بالمشقَّة، قالوا: ولكن المشقّة لا تنضبط، فضبطها الشرع بالسفر المخصوص، وصار الحكم مقصورًا عليه. على أنه لا يلزم فيمن نقصَ وارثًا عن فرضه أن يكون ذلك
стр. 107
المنقوص له، ألا ترى إلى مسألة بنت وأم وعصبة، فالبنت تنقص الأم السدس، ولا يكون ذاك السدس لها، بل لو استوفت الأمُّ الثلث لما نقصَ على البنت شيء. فالبنت نقَصَت الأمَّ، والعصبة أخذ.
فإن قيل: لكنها تظهر الفائدة إذا كثر الورثة، كبنات وزوج وأم، لو كمل للزوج النصف وللأم الثلث لعالت المسألة، فيكون أصلها ستة وتعول إلى تسعة، فينقص نصيب البنات؛ إذ يكون لهن ثمانية من ثمانية عشر، وبالنقصان صار لهن ثمانية من ثلاثة عشر.
قلنا: أما على رأي صاحبنا ــ أعني ابن عباس ــ فلا عول، وأما على رأي الجمهور فلو كان الأصل الذي نفيناه معتبرًا لاقتصر به على ما إذا لزم العول، ولا عول في المسألة التي فرضناها، وهي: بنت وأم وعصبة.
فإن قيل: إن الأب يحجب الإخوة، والإخوة ينقصون الأم، فيلزم أن يكون الأب ينقص الأم، لأنه إذا حجب من ينقصها فلأن ينقصها هو أولى.
قلنا: هذا منقوض بمسألة الأبوين عند انفرادهما، وبالجدّ يحجب الإخوة لأم، ولا ينقص الأم إذا انفرد معها، أو كان معهما أحد الزوجين والله الموفّق.
فصل
وأما على مذهب الجمهور فإذا التزمناه قلنا: ما تقدم من الجواب الموافق لمذهب ابن عباس حاصلُه أن قوله تعالى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ تأكيد، وله عندنا محامل أخرى يكون لكلٍّ منها تأسيسًا، والتأسيس أولى من التأكيد، وبذلك يندفع الإشكالُ البتةَ، وهاك المحامل:
стр. 108
الأول: أن قوله: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ توطئة لما بعده، ليُفهم أن المراد بقوله: ﴿فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ الثلثُ مما وَرِثاه، ولولا قوله: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ لما فُهِم ذلك.
أقول: هذا القول بعيد.
أولًا: لأن المطَّرد في الأنصباء التي تُذكَر في الفرائض في الكتاب والسنة أنها منسوبة إلى أصل التركة، وليس في قوله: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ ما يَصْرِف عن ذلك، غاية الأمر أن يقال: لو لم يقصد به ذلك لكان فضلًا أو تأكيدًا على ما تقدم، والتأسيس أولى منه. وأقول: التأكيد الواضح أولى من هذا التأسيس الذي لا يفهمه أحد، ولولا أن صاحب هذا القول اعتقدَ أن للأم ثلث الباقي ــ حيثُ كانت مع الأب وأحد الزوجين ــ لما وقعَ له هذا الفهم. وقاعدة "التأسيس أولى من التأكيد" محلُّها حيث يتعادل الاحتمالان، فأما حيث يكون احتمالُ التأسيس تعسُّفًا واحتمالُ التأكيد ظاهرًا فالتأكيد أولى.
المحمل الثاني: أن المراد بقوله: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ أن يَرِثاه فقط، بأن لا يكون معهما وارثٌ آخر، قالوا: والحصر مأخوذ من التخصيص الذكري كما تدلُّ عليه الفحوى.
أقول: لا شكَّ أن التخصيص الذكري قد يفيد الحصر، ولكنَّ محلَّ ذلك حيث يكون المقام مقتضيًا للاستيعاب، كأن يقال: مَن ورِثَ زيدًا؟ أو أخبِرْني بمن ورث زيدًا، فيقال: ورثه أبواه، فإن الاستخبار ههنا عامٌّ عن جميع الورثة، والأصل أن يكون الجواب مطابقًا للسؤال، فيظهر بذلك أن الجواب مستغرقٌ لجميع الورثة. غاية الأمر أن يقال: لو لم يقصد بقوله: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ الحصر لكان فضلًا أو تأكيدًا، وقد تقدم الجواب عنه.
стр. 109
المحمل الثالث ــ ولم أرَ مَن تعرَّض له ــ: أن الإرث إذا أُطلِق في القرآن ولم يُبيَّن النصيب فالمعنى على أنه تعصيب، قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، فلم يبيِّن كم لهم لأنهم عصبة، ثمَّ بيَّن حكم البنات إذا انفردنَ وسمَّى نصيبهن، لأنهنَّ ذوات فرضٍ. وقال تعالى في الأخ وأخته: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦]، فلم يُسمِّ له نصيبًا لأنه عصبة.
إذا تقرر هذا فنقول: قال تعالى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ ولم يُسمِّ لهما نصيبًا، فالمعنى أنهما عصبة، وإذا كانا عصبةً فقاعدة العصبة أن للذكر مثلَا (١) حظّ الأنثى. وأما قوله بعدُ: ﴿فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ فالمراد ثلث التركة كما هو ظاهر، ولكن قد دلَّ كونهما عصبة على أن هذا إنما يكون حيث يبقى للأب مِثلَا ذلك، وذلك إذا لم يكن معهم أحد الزوجين. ودلَّ ذلك أنه إذا كان معهما أحد الزوجين كان الباقي بينهما، له سهمان ولها سهم.
أقول: الظاهر أن القاعدة صحيحة، ولكن بناء قوله تعالى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ عليها على النهج المذكور ليس هناك، لأنه قد سمَّى نصيبَ الأم، فلم يبقَ إلّا أن يكون الأب عصبةً، وهو متفق عليه، ولا يفيد ما تقدم.
نعم، قد يقال: إنما سمَّى نصيبَ الأمّ بعد أن استقر أنها عصبة، وذلك أنه قال: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾، ولم يُسمِّ إرثهما معًا، فثبت بمقتضى القاعدة أنهما عصبة، ولا ينقضه تسميةُ نصيب الأمّ بعد ذلك.
стр. 110
وفيه نظر، إذ يقال: لم يقصد بقوله: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ إثبات إرثهما ولا بيان مالهما، وإنما المقصود به بيان وجودهما معه، كقوله: ﴿وَلَهُ أُخْتٌ﴾ من قوله: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ﴾ إلّا أنه قد يُخدَش في هذا بأنه لو كان هذا هو المقصود لقيل: "وله أبوان" مع أن وجود الأبوين معروف في الكلام بدون هذه الزيادة كما تقدم، وقد يُجاب عن هذا بأنه إنما عدل عن قوله: "وله أبوان" لأن التعبير بقوله: "وله كذا" إنما يَحسُن فيما قد يكون وقد لا يكون، كالولد والإخوة، فأما الأبوان فكلُّ إنسانٍ غير آدم وحواء وعيسى له أبوان.
وقد يُخدَش في هذا بأنه حيث جاء في آيات الفرائض "وله ولد" "وله إخوة" المقصود منها وجود من ذُكِرَ حيًّا غيرَ ممنوعٍ من الإرث، فلو قيل: "وله أبوان" لكان: وله أبوان حيَّان غير ممنوعَيْنِ، وهذا صحيح في حقّ كل إنسان.
وقد يُجاب بأن الأمر كذلك، ولكن الصورة الظاهرة من قوله: "وله أبوان" قد تُوهِم أن من الناس مَن ليس له أبوان مطلقًا، وهذا مما تقتضي البلاغة اجتنابه.
بلى، قد يقال: المعنيانِ محتملانِ، أن يكون المعنى: "وله أبوان"، أو يكون: "وورثه أبواه جميعَ ماله"، أو غير ذلك، ولم يُسمَع بما ذكرنا. وإذا كان الأمر كذلك فالتأسيس أولى من التأكيد.
أقول: على كل حال، ليس هذا المحملُ بذاك، والله أعلم.
المحمل الرابع ــ ولم أرَ مَن تعرَّض له أيضًا ــ: "ورث" ونحوه مما اشتقّ من الإرث قد يُعدَّى إلى المال ونحوه مما كان للموروث منه بدون ذكر