← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 4545

مع الامام أبي إسحاق الشاطبي في مباحث من علوم القرآن الكريم وتفسيره

شايع الأسمري

Полный текст (140 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مُقَدّمَة ... مَعَ الإِمَام أبي اسحاق الشاطبي فِي مبَاحث من عُلُوم الْقُرْآن الْكَرِيم وَتَفْسِيره إعداد: د. شايع بن عَبده بن شايع الأسمري الْأُسْتَاذ المساعد فِي كُلية الْقُرْآن الْكَرِيم فِي الجامعة خطْبَة الْبَحْث إنّ الْحَمد لله نحمده ونستعينه وَنَسْتَغْفِرهُ، ونعوذُ بِاللَّه من شرور أَنْفُسنَا وَمن سيئات أَعمالنَا من يهده الله فَلَا مضل لَهُ، وَمن يُضلل فَلَا هادي لَهُ، وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ، وَأشْهد أنَّ مُحَمَّدًا عَبده ورسولُه. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ١ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ ٢ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ ٣. أما بعد: فَإِن عُلَمَاء الأندلس لَهُم مكانةٌ عالية فِي تَارِيخ حضارة الْمُسلمين؛ لما قدموه من بحوث قيِّمة فِي جَمِيع المجالات - دينية ودنيوية - إِلَّا أَن هَذِه المكانة الْعَالِيَة أَتَت عَلَيْهَا أقدارُ الله تَعَالَى الَّتِي لَا رادّ لَهَا، فَكَانَ مصير هَذِه الحضارة الْعَالِيَة، والأبحاث الْقيمَة على ثَلَاثَة أَقسَام:

стр. 2

الْقسم الأول - وَهُوَ الْأَكْثَر الْأَعْظَم - قضى عَلَيْهِ الإفرنج عَبدة الصَّلِيب وأبادوه، عِنْد استيلائهم على بِلَاد الأندلس، وَإِخْرَاج الْمُسلمين مِنْهَا. وَالْقسم الثَّانِي: ادّعاه أُولَئِكَ الأوغاد - النَّصَارَى - ونسبوه لأَنْفُسِهِمْ، وَزَعَمُوا أَنهم أهل السَّبق فِيهِ. وَالْقسم الثَّالِث: بعضه لَا زَالَ مَدْفُونا مخطوطا فِي مكتبات الْعَالم - وَلَعَلَّه الْأَكْثَر من هَذَا الْقسم - وَبَعضه أُخرج لكنه لَا زَالَ بحاجة إِلَى دراسة لاستخراج درره ولآلئه، وتنبيه الدارسين عَلَيْهَا؛ علّهم يفيدون مِنْهَا فِي حياتهم العملية. ومؤلفات الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي الغرناطي من غرر ذَلِك التراث الْقيم، وَمَا خرج مِنْهَا فَهُوَ لَا يزَال بحاجة إِلَى بَيَان الْعُلُوم الَّتِي احتوى عَلَيْهَا، وتوجيه الدارسين إِلَى الإفادة مِنْهَا، خُصُوصا الأبحاث الْمُتَعَلّقَة بعلوم الْقُرْآن الْكَرِيم وَتَفْسِيره، فَإِن مؤلفات هَذَا الإِمَام قد حوت على جملَة مباركة طيبَة، لَكِن لَا يعرفهَا إِلَّا الْقَلِيل من الباحثين والدارسين، فجَاء هَذَا الْبَحْث ليُعرّف بِبَعْض أَنْوَاع عُلُوم الْقُرْآن الْكَرِيم وَتَفْسِيره الَّتِي اشْتَمَلت عَلَيْهَا مؤلفات الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي رَحمَه الله تَعَالَى، وَالَّتِي هِيَ فِي حَقِيقَتهَا قَوَاعِد وأصول عَامَّة، تهدي الدارسين وترشدهم إِلَى الإفادة من أعظم كتاب أُنزل من عِنْد الله تَعَالَى. وليوجه أنظار الباحثين والدارسين - من أهل الْقُرْآن وعلومه - إِلَى الاستفادة من مؤلفات الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي، رَحمَه الله تَعَالَى. وَهُوَ فِي الْوَقْت نَفسه إشادة واعتراف بِفضل الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي على أهل الْقُرْآن الْكَرِيم وعلومه.

стр. 3

هَذَا وَقد سميت هَذَا الْبَحْث "مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي مبَاحث من عُلُوم الْقُرْآن الْكَرِيم وَتَفْسِيره"١. وَالله تَعَالَى أسأَل أَن يَجعله خَالِصا لوجهه الْكَرِيم، وَأَن ينفع بِهِ الباحثين والدارسين، وَأَن يزِيد بِهِ الإِمَام أَبَا إِسْحَاق الشاطبي رفْعَة ومكانة. وَصلى الله على نَبينَا مُحَمَّد وعَلى آله وَصَحبه أَجْمَعِينَ

стр. 4

١ - أهمية الْمَوْضُوع، وَسبب اخْتِيَاره: إِن هَذَا الْمَوْضُوع - "مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي مبَاحث من عُلُوم الْقُرْآن الْكَرِيم وَتَفْسِيره" - لَهُ أهمية وَيسْتَحق الدراسة؛ لأسباب أَشرت إِلَى بَعْضهَا - إِجْمَالا - فِي خطْبَة الْكتاب، وأُفصّل أهمها فِيمَا يَلِي: ١ - هَذَا الْمَوْضُوع يتعلّق بِإِمَام، مَعْدُود من المجدّدين فِي الْإِسْلَام بِمَا قدم من أبحاث قيمَة فِي موضوعها ومضمونها. ٢ - هَذِه الدراسة هِيَ الأولى من نوعها، إِذْ لَا أعلم أَنه كُتب حول الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِيمَا يتَّصل بعلوم الْقُرْآن الْكَرِيم وَتَفْسِيره١. ٣ - هَذِه الدراسة سَتَكُون - بِإِذن الله تَعَالَى - توجيها للباحثين والدارسين فِي تَفْسِير الْقُرْآن الْكَرِيم وعلومه إِلَى الإفادة من كتب الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي؛ لأنّ كثيرا من الباحثين والدارسين يعدونه من أهل الْفِقْه وأصوله فَحسب. ٤ - هَذِه الدراسة جمعت طَائِفَة من أصُول التَّفْسِير وقواعده، وجَعَلَتْها فِي متناول الباحثين، مَعَ الْإِشَارَة إِلَى مواطنها من كتب الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي لمن أَرَادَ الدراسة والتوسع فِي تِلْكَ الْقَوَاعِد وَالْأُصُول. ٥ - تطرق أَبُو إِسْحَاق الشاطبي إِلَى مبَاحث قيّمة لم يُسبق إِلَيْهَا سَوَاء فِي أصُول التَّفْسِير، أَو فِي التَّفْسِير، فجَاء هَذَا الْبَحْث ليوجه أنظار الدارسين إِلَيْهَا، ويعطيهم صُورَة صَادِقَة عَنْهَا.

стр. 5

٢ - خطة الْبَحْث: يتكون هَذَا الْبَحْث من مُقَدّمَة، وَثَلَاثَة فُصُول، وخاتمة. الْمُقدمَة: وتشمل: ١ - أهمية الْمَوْضُوع، وَسبب اخْتِيَاره. ٢ - خطة الْبَحْث. ٣ - الْمنْهَج المتبع فِي إِخْرَاج الْبَحْث. الْفَصْل الأول: عَن حَيَاة الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي؛ ويشمل - بإيجاز - مَا يَلِي: ١ - اسْم الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي وَنسبه. ٢ - مولد الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي ونشأته. ٣ - بعض شُيُوخ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي. ٤ - بعض تلاميذ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي. ٥ - مَذْهَب الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي. ٦ - مقاومة الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي للبدع والمبتدعة. ٧ - ثَنَاء الْعلمَاء على الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي. ٨ - آثَار الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي العلمية. ٩ - مكانة الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي عُلُوم الْقُرْآن الْكَرِيم وَتَفْسِيره. ١٠ - شعر الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي. ١١ - وَفَاة الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي، رَحمَه الله تَعَالَى. الْفَصْل الثَّانِي: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي مبَاحث من عُلُوم الْقُرْآن الْكَرِيم (وَفِيه اثْنَا عشر مبحثا) :

стр. 6

المبحث الأول: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي١فِي أَسبَاب النُّزُول. المبحث الثَّانِي: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي الْأَقْوَال المحكية فِي الْقُرْآن الْكَرِيم. المبحث الثَّالِث: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي مَنْهَج الْقُرْآن الْكَرِيم فِي التَّرْغِيب والترهيب. المبحث الرَّابِع: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي أَقسَام الْعُلُوم المضافة إِلَى الْقُرْآن الْكَرِيم. المبحث الْخَامِس: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي التَّفْسِير الإشاري لِلْقُرْآنِ الْكَرِيم. المبحث السَّادِس: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي قَوْله: إِن الْمدنِي من السُّور يَنْبَغِي أَن يكون منزلا على الْمَكِّيّ فِي الْفَهم وَكَذَلِكَ الْمَكِّيّ بعضه مَعَ بعض وَالْمَدَنِي بعضه مَعَ بعض. المبحث السَّابِع: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي أَن تَفْسِير الْقُرْآن الْكَرِيم يتبع فِيهِ الْمُفَسّر التَّوَسُّط والاعتدال ويجتنب فِيهِ الإفراط والتفريط المبحث الثَّامِن: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي بَيَان الْمَقْصُود بِالرَّأْيِ المذموم والرأي الممدوح فِي تَفْسِير الْقُرْآن الْكَرِيم. المبحث التَّاسِع: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي حكم تَرْجَمَة الْقُرْآن الْكَرِيم المبحث الْعَاشِر: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي التَّفْسِير العلمي لِلْقُرْآنِ الْكَرِيم المبحث الْحَادِي عشر: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي أَسبَاب الِاخْتِلَاف غير المؤثرة فِي تَفْسِير الْقُرْآن الْكَرِيم.

стр. 7

المبحث الثَّانِي عشر: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي وجود المعرَّب فِي الْقُرْآن الْكَرِيم. الْفَصْل الثَّالِث: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي مبَاحث من تَفْسِير الْقُرْآن الْكَرِيم (وَفِيه عشرَة مبَاحث) : المبحث الأول: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي تَفْسِير الْقُرْآن بِالْقُرْآنِ. المبحث الثَّانِي: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي تَفْسِير الْقُرْآن بِالسنةِ. المبحث الثَّالِث: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي تَفْسِير الْقُرْآن بأقوال الصَّحَابَة ﵃. المبحث الرَّابِع: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي تَفْسِير الْقُرْآن بأقوال التَّابِعين وأتباعهم. المبحث الْخَامِس: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي شَيْء من تعقيباته وآرائه فِي التَّفْسِير. المبحث السَّادِس: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي نَحْو الْقُرْآن وبلاغته. المبحث السَّابِع: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي ذكر الْقرَاءَات وتوجيهها. المبحث الثَّامِن: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي تَفْسِير آيَات العقيدة. المبحث التَّاسِع: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي أَحْكَام الْقُرْآن الْكَرِيم. المبحث الْعَاشِر: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي الإفادة من أصُول الْفِقْه فِي تَفْسِير الْقُرْآن الْكَرِيم. الخاتمة: أهم النتائج الَّتِي ظَهرت لي من خلال هَذَا الْبَحْث، والتوصيات.

стр. 8

٣ - الْمنْهَج المتبع فِي إِخْرَاج الْبَحْث: ١ - تأمّلت فِي كتب الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي، ودونت كثيرا من المباحث الَّتِي رَأَيْت أَن لَهَا صلَة بعلوم الْقُرْآن الْكَرِيم وَتَفْسِيره. ٢ - رتبت هَذِه المباحث على حسب الخطّة الْمَذْكُورَة فِي الْفَصْلَيْنِ: الثَّانِي، وَالثَّالِث. ٣ - قابلت النُّصُوص المنقولة على أُصُولهَا المطبوعة للتأكد من سَلامَة النَّقْل. ٤ - أَشرت إِلَى الْكَلَام الْمَحْذُوف - أثْنَاء النَّقْل من النُّصُوص - بِوَضْع ثَلَاث نقاط، وَفِي هَذِه الْحَالة أطلب من الْقَارئ مُرَاجعَة الْكتاب الْمَنْقُول مِنْهُ بِقَوْلِي: انْظُر، وَأما إِذا كَانَ الْكَلَام لم يُحذف مِنْهُ شَيْء أَشرت إِلَى الْمرجع بِقَوْلِي: الموافقات - مثلا - ثمَّ أذكر الْجُزْء والصفحة، وَهَذَا فِي الْغَالِب. ٥ - نقلت من كتب الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي مَا يوضِّح عنوان المبحث، وَأحلت الْقَارئ على بَاقِي الْكَلَام فِي الْكتاب الْمَنْقُول مِنْهُ، وحرصت أَن يكون الْكَلَام الْمَنْقُول هُوَ الزبدة وَالْخُلَاصَة الَّتِي يَسْتَفِيد مِنْهُمَا أهل التَّفْسِير وعلوم الْقُرْآن. ٦ - كَانَ لي بعض المداخلات والتعليقات على كثير من المباحث تجدها أَحْيَانًا فِي آخر المبحث - تَحت عنوان بارز - وَقد تكون فِي أَثْنَائِهِ، وَقد تكون فِي أَوله، وَقد تكون فِي الْحَاشِيَة. ٧ - أَشرت إِلَى اسْم السُّورَة، ورقم الْآيَة، فِي كل الْآيَات المنقولة - فِي الأَصْل - وَذَلِكَ فِي الْحَاشِيَة. ٨ - خرجت الْأَحَادِيث والْآثَار من مظانها، وحرصت أَن أذكر كَلَام أهل الْعلم على الحَدِيث (تَصْحِيحا، وتحسينا، وتضعيفا) مَا لم يكن فِي الصَّحِيحَيْنِ، أَو أَحدهمَا. وَأما الْآثَار عَن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فَقُمْت

стр. 9

بتخريجها، وَإِذا وجدت لأهل الْعلم عَلَيْهَا كلَاما نقلته، وَإِن لم أجد حاولت إِعْطَاء الْقَارئ شَيْئا عَن حَال رجال إسنادها. ٩ - شرحت الْكَلِمَات الغريبة، وَلم أتوسع فِي ذَلِك. ١٠ - ترجمت لبَعض الْأَعْلَام الَّذين رَأَيْت أَنهم يَحْتَاجُونَ لترجمة، وَلم أتوسع فِي هَذَا الْجَانِب خشيَة إثقال الْحَوَاشِي. ١١ - أَشرت إِلَى أَمَاكِن بعض النقولات الَّتِي نقلهَا الإِمَام الشاطبي عَن بعض الْعلمَاء، وَقد أترك الْبَعْض، إِذْ لَيْسَ الْمقَام مقَام تَحْقِيق فليزم تَوْثِيق كل نَص من مرجعه، أضف إِلَى ذَلِك أَنه قد ينْقل عَن عُلَمَاء مشافهة، وَقد ينْقل من مؤلفات هِيَ فِي عداد الْمَفْقُود الْآن. ١٢ - أَشرت إِلَى المباحث الَّتِي استفادها بعض الْمُفَسّرين الْمُتَأَخِّرين من كتب الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي، وَذَلِكَ فِي الْحَاشِيَة. ١٣ - وثقت الْقرَاءَات الَّتِي ذُكرت فِي أثْنَاء المباحث من كتب الْقرَاءَات الْمُعْتَمدَة، وبينت الْمُتَوَاتر مِنْهَا والشاذ. ١٤ - لم أجيء بِكُل المباحث الَّتِي حوتها كتب الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي - مِمَّا يتَعَلَّق بعلوم الْقُرْآن وَتَفْسِيره - وَإِنَّمَا جِئْت بِمَا يُعْطي الْقَارئ صُورَة جَيِّدَة عَن الْقيمَة العلمية، الَّتِي حوتها مؤلفات الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي، من عُلُوم الْقُرْآن الْكَرِيم وَتَفْسِيره. ١٥ - ذكرت بَين يَدي الْفَصْلَيْنِ الثَّانِي وَالثَّالِث تمهيدًا قَصِيرا. ١٦ - ذكرت تَرْجَمَة موجزة للْإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي، حرصت أَن آتِي فِيهَا بِبَعْض الْجَدِيد، مثل إِظْهَار مكانة الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي عُلُوم الْقُرْآن الْكَرِيم وَتَفْسِيره، وَغير ذَلِك مِمَّا لَا تَجدهُ فِي الدراسات الَّتِي سبقتني.

стр. 10

١٧ - اعتمدت فِي نقل كَلَام الإِمَام أبي إِسْحَاق من كِتَابه الموافقات على النُّسْخَة الَّتِي حققها الشَّيْخ مَشْهُور بن حسن، وَقد أرجع إِلَى النُّسْخَة الَّتِي حققها العلاّمة عبد الله دراز عِنْد الْحَاجة. ١٨ - وضعت خَاتِمَة لهَذَا الْبَحْث بيّنت فِيهَا أهم النتائج الَّتِي ظَهرت لي خلال الْمدَّة الَّتِي عشتها مَعَ هَذَا الْبَحْث، مَعَ إبداء بعض التوصيات الَّتِي أَرْجُو أَن يُؤْخَذ بهَا. ١٩ - وضعت الفهارس اللَاّزمة للإفادة من هَذَا الْبَحْث، وَهِي على النَّحْو التَّالِي: ١ - فهرس آيَات الْقُرْآن الْكَرِيم. ٢ - فهرس الْأَحَادِيث الشَّرِيفَة. ٣ - فهرس الْآثَار. ٤ - فهرس المصادر والمراجع. ٥ - فهرس مَوَاضِع الْبَحْث. هَذِه أهم الركائز الَّتِي اتبعتها فِي إِخْرَاج هَذَا الْبَحْث، وَأَرْجُو أَن أكون قد وُفقت فِي ذَلِك. هَذَا وَقد اجتهدت فِي السَّلامَة من الزلل، لكنني لَا أَشك فِي وُقُوعه، فأستغفر الله تَعَالَى من ذَلِك. وَأَرْجُو أَن أكون قد أدّيت شَيْئا من حق الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي على أهل الْقُرْآن الْكَرِيم بِهَذَا الْبَحْث المتواضع، كَمَا أَرْجُو أَن أكون قد أسديت شَيْئا لمكتبة التَّفْسِير وعلوم الْقُرْآن الْكَرِيم. وَكتبه: شايع بن عَبده بن شايع الأسمري

стр. 11

الْفَصْل الأول: عَن حَيَاة الامام أبي إِسْحَاق الشاطبي (وَفِيه مايلي) اسْم الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي وَنسبه ... الْفَصْل الأول عَن حَيَاة الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي ويشمل - بإيجاز١ - مَا يَلِي: ١ - اسْم الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي وَنسبه: هُوَ الإِمَام إِبْرَاهِيم بن مُوسَى بن مُحَمَّد اللَّخْمِيّ٢الغرناطي، أَبُو إِسْحَاق، الشهير بالشاطبي٣.

стр. 12

٢ - مولد الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي ونشأته: لم تُسلط - كتب التراجم الْمُعْتَمدَة - الأضواء على مَكَان وِلَادَته، وَلَا عَن تاريخها، وَلَا عَن كيفيّة نشأته. إِلَّا أَن الَّذِي يَبْدُو - وَالله أعلم - أَن أَصله كَانَ من مَدِينَة شَاطِبَة١، وَأَنه ولد فِي مَدِينَة غرناطة٢، قبيل سنة ٧٢٠هـ٣. أما عَن نشأته: فقد نَشأ على حبّ الْعلم، ومتابعة الدَّرْس مُنْذُ نعومة أَظْفَاره، حَدثنَا هُوَ بذلك فِي مُقَدّمَة كِتَابه الِاعْتِصَام، نقتطف من ذَلِك قَوْله: "لم أزل مُنْذُ فُتق للفهم عَقْلِي، وَوجه شطر الْعلم طلبي، أنظر فِي عقلياته، وشرعياته، وأصوله، وفروعه، لم أقتصر مِنْهُ على علم دون علم، وَلَا أفردت عَن أَنْوَاعه نوعا دون آخر حَسْبَمَا اقْتَضَاهُ الزَّمَان والإمكان ... "٤.

стр. 13

٣ - بعض شُيُوخ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي: تتلمذ الإِمَام أَبُو إِسْحَاق الشاطبي على جمَاعَة من الْعلمَاء، ذكر مِنْهُم بعض المعاصرين أَرْبَعَة وَعشْرين شَيخا١، أكتفي بِذكر من ذكرهم الْعَلامَة أَحْمد بَابا التنبكتي، حَيْثُ قَالَ: "أَخذ الْعَرَبيَّة وَغَيرهَا عَن أَئِمَّة مِنْهُم الإِمَام المفتوح عَلَيْهِ فِي فنها ابْن الفخار البيري٢.وَالْإِمَام الشريف رَئِيس الْعُلُوم اللسانية أَبُو الْقَاسِم السبتي٣ وَالْإِمَام الْمُحَقق أعلم أهل وقته الشريف أَبُو عبد الله التلمساني٤ ... وَالْإِمَام

стр. 14

علاّمة وقته بِإِجْمَاع أَبُو عبد الله الْمقري١ ... وقطب الدائرة ... الإِمَام الشهير أَبُو سعيد ابْن لب٢، وَالْإِمَام الْجَلِيل ... ابْن مَرْزُوق الْجد٣، والعلاّمة المحقّق الْمدرس الأصولي أَبُو عَليّ مَنْصُور بن مُحَمَّد الزاوي٤، والعالم الْمُفَسّر الْمُؤلف أَبُو عبد الله البلنسي٥ ... والعلامة الرحلة الْخَطِيب أَبُو جَعْفَر الشقوري٦ ... والعالم الْحَافِظ الْفَقِيه أَبُو الْعَبَّاس القباب٧، والمفتي المحدّث أَبُو عبد الله الحفّار٨، وَغَيرهم"٩.

стр. 15

٤ - بعض تلاميذ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي: قَالَ أَحْمد بَابا التنبكتي: "أَخذ عَنهُ جمَاعَة من الْأَئِمَّة كالإمامين العلامتين أبي يحيى بن عَاصِم الشهير١، وأخيه القَاضِي الْمُؤلف أبي بكر بن عَاصِم٢، وَالشَّيْخ أبي عبد الله

стр. 16

الْبَيَانِي١، وَغَيرهم"٢. قلت: وَمن هَؤُلَاءِ الْغَيْر أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن مُحَمَّد المجاري الأندلسي٣، وَأَبُو جَعْفَر أَحْمد الْقصار الأندلسي الغرناطي٤، وَأَبُو الْحسن عَليّ بن سَمِعت، الَّذِي أجَازه الإِمَام الشاطبي إجَازَة عَامَّة٥.

стр. 17

٥ - مَذْهَب الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي: هُوَ مالكي الْمَذْهَب، يدل على ذَلِك أَن عُلَمَاء الْمَالِكِيَّة أدخلوه فِي عداد طبقاتهم١، وَلم ينازعهم فِي ذَلِك أحد من أهل الْمذَاهب الْفِقْهِيَّة الْأُخْرَى، وَوَصفه المعتنين بالتراجم عُمُوما بِأَنَّهُ مالكي الْمَذْهَب٢. وَمن الْأَدِلَّة على هَذِه الْمَسْأَلَة أَن الإِمَام الشاطبي - نَفسه - قد اعتنى بِذكر أَقْوَال الإِمَام مَالك، وَغَيره من أَئِمَّة الْمَذْهَب، يظْهر ذَلِك جليا من خلال كتبه٣. وَهَذَا لَا يَعْنِي أَن الإِمَام الشاطبي مقلد أعمى متعصب، بل هُوَ يعْتَمد فِي

стр. 18

فَتَاوَاهُ على الْمَأْثُور من نُصُوص الْوَحْي، وأقوال أَعْلَام الْمَذْهَب الْمَالِكِي، وَإِذا لم يظفر بِشَيْء من ذَلِك فِي الْمَسْأَلَة، يجْتَهد بانيا على مُرَاعَاة مَقَاصِد الشَّرِيعَة الإسلامية١. وَأما مَذْهَب الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي العقيدة: فَهُوَ مَذْهَب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة، الْمَبْنِيّ على الْكتاب وَالسّنة، وَذَلِكَ فِي الْجُمْلَة؛ إِذْ أَنه لم يسلم من الْميل إِلَى رَأْي الأشاعرة فِي بعض الصِّفَات - وَفِي غير الصِّفَات -، فَمن ذَلِك قَوْله: "وَالْحب والبغض من الله تَعَالَى، إِمَّا أَن يُرَاد بهما نفس الإنعام أَو الانتقام، فيرجعان إِلَى صِفَات الْأَفْعَال على رَأْي من قَالَ بذلك، وَإِمَّا أَن يُرَاد بهما إِرَادَة الإنعام والانتقام فيرجعان إِلَى صِفَات الذَّات؛ لِأَن نفس الْحبّ والبغض المفهومين فِي كَلَام الْعَرَب حَقِيقَة محالان على الله تَعَالَى ... "٢. وَقَالَ: " ... قَوْله تَعَالَى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِم﴾ ٣، ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ ٤وَأَشْبَاه ذَلِك إِنَّمَا جرى على معتادهم فِي اتِّخَاذ الْآلهَة فِي الأَرْض، وَإِن كَانُوا مقرين بإلهيّة الْوَاحِد الحقّ، فَجَاءَت الْآيَات بِتَعْيِين الفوق وتخصيصه تَنْبِيها على نفي مَا ادَّعوه فِي الأَرْض فَلَا يكون فِيهِ دَلِيل على إِثْبَات الْجِهَة الْبَتَّةَ"٥. وَقَالَ: " (فصل) وَهل لِلْقُرْآنِ مَأْخَذ فِي النّظر على أَن جَمِيع سوره كَلَام

стр. 19

وَاحِد بِحَسب خطاب الْعباد، لَا بِحَسبِهِ فِي نَفسه؟. فَإِن كَلَام الله فِي نَفسه كَلَام وَاحِد لَا تعدّد فِيهِ بِوَجْه وَلَا بِاعْتِبَار، حَسْبَمَا يتَبَيَّن فِي علم الْكَلَام"١. فَأَنت ترى فِي الْمِثَال الأول أَن الإِمَام الشاطبي أوّل الْحبّ والبغض بِإِرَادَة الإنعام والانتقام، أَو أَنَّهُمَا نفس الإنعام والانتقام. وَفِي الْمِثَال الثَّانِي يؤوّل صفة الْفَوْقِيَّة الثَّابِتَة فِي النُّصُوص لله تَعَالَى على مَا يَلِيق بجلاله وعظمته. وَفِي الْمِثَال الثَّالِث يَجْعَل كَلَام الله تَعَالَى معنى قَائِما بِالنَّفسِ، مُجَردا عَن الْأَلْفَاظ والحروف. وَلَا شكّ أَن أَبَا إِسْحَاق - غفر الله لَهُ - قد فَاتَهُ الصَّوَاب فِي هَذِه الْأَمْثِلَة الثَّلَاثَة.

стр. 20

٦ - مقاومة الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي للبدع والمبتدعة: أُصِيب الْعَالم الإسلامي بعد الْقُرُون المفضّلة بِبَعْض الانحراف عمّا كَانَ عَلَيْهِ رسولُ الله ﷺ وَأَصْحَابه، وَكلما ابتعد آخر هَذِه الْأمة عَن أَولهَا ازْدَادَ ظُهُور الْبدع، حَتَّى كَانَ عصر الإِمَام الشاطبي - رَحمَه الله تَعَالَى - فزادت هَذِه الْحَال سَوَاء فِي شَرق الْعَالم الإسلامي، أم فِي غربه. وَكَانَت غرناطة - فِي عصر الإِمَام الشاطبي - مجمع فلول الهزائم، وملتقى آفَات اجتماعية نَشأ عَنْهَا انتشار بعض الْبدع الَّتِي أدَّت إِلَى ضعف الْمُسلمين١. وَكَانَت هَذِه الْحَال لَا ترضي الإِمَام الشاطبي، وَهُوَ يعلم أَنه مَأْمُور بإنكار الْمُنكر٢.

стр. 21

فَقَامَ فِي هَذَا الْجَانِب خير قيام، وَألف فِي ذَلِك كتابا حافلاً نصر بِهِ سنة الرَّسُول ﷺ وقمع بِهِ بدع المبتدعين١. وَقد تحدث هُوَ بِنَفسِهِ عَن بعض مِمَّا قَامَ بِهِ فِي هَذَا الشَّأْن فَقَالَ: " ... لم أزل أتتبع الْبدع الَّتِي نبّه عَلَيْهَا رَسُول الله ﷺ وحذر مِنْهَا، وبيَّن أَنَّهَا ضَلَالَة، وَخُرُوج عَن الجادة، وَأَشَارَ الْعلمَاء إِلَى تمييزها والتعريف بجملة مِنْهَا؛ لعَلي أجتنبها فِيمَا اسْتَطَعْت، وأبحث عَن السّنَن الَّتِي كَادَت تُطْفِئ نورها تِلْكَ المحدثات؛ لعَلي أجلو بِالْعَمَلِ سناها، وأُعد يَوْم الْقِيَامَة فِيمَن أَحْيَاهَا ... "٢. وَأثْنى عَلَيْهِ الْعلمَاء بذلك، فَمن ذَلِك قَول أَحْمد بَابا التنبكتي: " ... حَرِيصًا على اتِّبَاع السّنة، مجانبًا للبدع والشبهة، ساعيًا فِي ذَلِك، مَعَ تثبت تَامّ، منحرف عَن كلّ مَا ينحو للبدع وَأَهْلهَا، وَقع لَهُ فِي ذَلِك أُمُور مَعَ جمَاعَة من شُيُوخه وَغَيرهم فِي مسَائِل"٣. هَذَا وَلم يسلم الإِمَام الشاطبي من أَلْسِنَة المبتدعة أَعدَاء السّنة فنسبوا إِلَيْهِ مَا لم يقل، واتهموه بأَشْيَاء هُوَ برِئ مِنْهَا بَرَاءَة ذِئْب يُوسُف ﵇. وَقد أَشَارَ إِلَى ذَلِك بعض من ترْجم لَهُ، كَمَا تقدم قَرِيبا فِي كَلَام التنبكتي. كَمَا أَشَارَ هُوَ إِلَى شَيْء من الِابْتِلَاء الَّذِي أُصيب بِهِ فِي سَبِيل قَول الْحق ورد الْبَاطِل٤.

стр. 22

٧ - ثَنَاء الْعلمَاء على الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي: لم تسلط

стр. 23

الأضواء على حَيَاة الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي وفضائله - بِمَا يسْتَحق - وَمَا ذَلِك - فِي نَظَرِي - إلاّ لِأَنَّهُ خَالف مألوف المبتدعة فأحيا السّنة وأمات الْبِدْعَة، وإلاّ فَمَا معنى أَن يكْتب المقَّري صَاحب نفح الطّيب صفحات وصفحات كلهَا إطراء وثناء عَن الزنديق الحلولي ابْن عَرَبِيّ١، فَإِذا جَاءَ إِلَى الإِمَام الشاطبي يَكْتَفِي بِبَعْض النقولات من كتبه٢، وَلَا يجود علينا بِشَيْء من حَيَاته وإمامته. ويكتفي آخر - عَن الإِمَام الشاطبي - بقوله: "إِبْرَاهِيم الشاطبي الغرناطي أَبُو إِسْحَاق"٣. وَمَعَ ذَلِك فَلَا تَخْلُو هَذِه الْأمة مِمَّن يَقُول الْحق فَمن ذَلِك: قَول تِلْمِيذه أبي عبد الله المجاري: "الشَّيْخ الإِمَام الْعَلامَة الشهير، نَسِيج وَحده، وفريد عصره، أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن مُوسَى اللَّخْمِيّ الشاطبي"٤. وَقَالَ عَنهُ أَحْمد بَابا التنبكتي: "الإِمَام الْعَلامَة، الْمُحَقق الْقدْوَة، الْحَافِظ الْجَلِيل الْمُجْتَهد، كَانَ أصوليا مُفَسرًا، فَقِيها مُحدثا، لغويا بيانيا، نظارًا ثبتا، ورعا صَالحا زاهدًا، سنيا٥ إِمَامًا مُطلقًا، بحاثا مدققا جدليا، بارعا فِي الْعُلُوم، من أَفْرَاد الْعلمَاء الْمُحَقِّقين الْأَثْبَات، وأكابر الْأَئِمَّة المتقنين الثِّقَات ... "٦. وحسبك بِشَهَادَة هذَيْن الْإِمَامَيْنِ الفاضلين، وَإِنَّمَا يعرف الْفضل لأَهله أهلُه.

стр. 24

وَقد تابعهما فِي الثَّنَاء على الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي مُحَمَّد مخلوف١وَغَيره من الْمُتَأَخِّرين٢.

стр. 25

٨ - آثَار الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي العلمية: ألف الإِمَام أَبُو إِسْحَاق الشاطبي تآليف نفيسة فِي موضوعها ومضمونها "اشْتَمَلت على تَحْرِير للقواعد، وتحقيقات لمهمات الْفَوَائِد"١نشِير إِلَيْهَا فِيمَا يَلِي: ١ - الموافقات: وَهُوَ كتاب مَعْدُود فِي أصُول الْفِقْه، وَكَانَ قد سَمَّاهُ "عنوان التَّعْرِيف بأسرار التَّكْلِيف"؛ لأجل مَا أُودع فِيهِ من الْأَسْرَار التكليفية الْمُتَعَلّقَة بِهَذِهِ الشَّرِيعَة الحنيفيّة٢. لَكِن بعض شُيُوخ الشاطبي أخبرهُ برؤيا جعلت الإِمَام الشاطبي يُسَمِّي هَذَا الْكتاب باسم "الموافقات"٣. وَهُوَ كتاب عَظِيم الْقدر جليل النَّفْع، أثنى عَلَيْهِ المتقدمون من الْعلمَاء٤، والمتأخرون٥، وكُتبت حوله الدراسات العلمية٦، وَاخْتَصَرَهُ بعض الْعلمَاء٧

стр. 26

ونظمه بعض تلاميذ الْمُؤلف١، وطبع أَكثر من طبعة٢، وَلَا تكَاد تَخْلُو مِنْهُ مكتبة طَالب علم. ٢ - الِاعْتِصَام: وَهُوَ كتاب فِي غَايَة الإجادة٣، تنَاول فِيهِ الإِمَام أَبُو إِسْحَاق الشاطبي مَوْضُوع الْبدع، وبحثها بحثا علميا، وسبرها بمعيار الْأُصُول الشَّرْعِيَّة، بِحَيْثُ أَن من جَاءَ بعد الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فألف فِي رد الْبدع فَهُوَ عِيَال على كتاب الِاعْتِصَام٤، وَالْكتاب لم يتمه مُؤَلفه، وَقد طبع عدّة طبعات٥. ٣ - الإفادات والإنشادات: وَهُوَ كتاب لطيف الحجم يبدؤه الْمُؤلف بإفادة يتبعهَا بإنشادة، وَقد جمع فِيهِ الْمُؤلف طرفا وتحفا وملحا أدبية، وَهُوَ مطبوع بتحقيق أبي الأجفان٦ ٤ - الْمَقَاصِد الشافية فِي شرح الْخُلَاصَة الكافية ٧: نسبه إِلَيْهِ تِلْمِيذه المجاري باسم "شرح رجز ابْن مَالك"، وَكَذَلِكَ نسب إِلَيْهِ كتاب الموافقات، والاعتصام٨، وَأَشَارَ إِلَيْهِ أَحْمد بَابا التنبكتي بقوله: "شَرحه الْجَلِيل على الْخُلَاصَة فِي النَّحْو فِي أسفار أَرْبَعَة كبار لم يؤلف عَلَيْهَا مثله بحثا وتحقيقًا فِيمَا

стр. 27

أعلم"١. وَذكر الدكتور أَبُو الأجفان وجود نُسْخَة من الْكتاب بالخزانة الملكية بالرباط برقم (٢٧٦) ، وَقَالَ: وَيقوم مَرْكَز البحوث بجامعة أم الْقرى بتحقيق هَذَا الشَّرْح ونشره٢. قلت: وقفت على مجلدين مِنْهُ مطبوعين، حققهما الدكتور عيَّاد الثبيتي، ونشرتهما مكتبة دَار التراث بِمَكَّة المكرّمة عَام ١٤١٧هـ. تضمنا من النَّائِب عَن الْفَاعِل إِلَى نِهَايَة حُرُوف الْجَرّ، وَهُوَ شرح حافل يدل على إِمَامَة مُؤَلفه رَحمَه الله تَعَالَى فِي فنّ الْعَرَبيَّة. وَقد بَلغنِي أَن الْكتاب سيخرج كَامِلا فِي وَقت قريب إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَيقوم بالإشراف على إِخْرَاجه معهد البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي بجامعة أم الْقرى٣. ٥ - كتاب الْمجَالِس: شرح فِيهِ كتاب الْبيُوع من صَحِيح الإِمَام البُخَارِيّ، ذكر ذَلِك أَحْمد بَابا، وَقَالَ: "فِيهِ من الْفَوَائِد والتحقيقات مَا لَا يُعلمهُ إِلَّا الله"٤. ٦ - عنوان الِاتِّفَاق فِي علم الِاشْتِقَاق: نسبه إِلَيْهِ أَحْمد بَابا، وَإِسْمَاعِيل باشا٥.

стр. 28

٧ - أصُول النَّحْو: نسبه إِلَيْهِ - أَيْضا - أَحْمد بَابا١، وَقَالَ عَن الْكِتَابَيْنِ: "وَقد ذكرهمَا مَعًا فِي شرح الألفية، وَرَأَيْت فِي مَوضِع آخر أَنه أتلف الأول فِي حَيَاته، وَأَن الثَّانِي أُتلف أَيْضا"٢. ٨ - وَله فَتَاوَى كَثِيرَة: ذكر ذَلِك أَحْمد بَابا٣، وَأورد طَائِفَة مِنْهَا الدكتور أَبُو الأجفان فِي مُقَدّمَة كتاب الإفادات والإنشادات، وَكَذَلِكَ فِي آخِره٤، وَقد أوردهَا غَيره من الْمُتَقَدِّمين٥، وَجَمعهَا أَبُو الأجفان باسم "فَتَاوَى الإِمَام الشاطبي"٦. وَقد زَاد الدكتور أَبُو الأجفان كتابا آخر بعنوان "شرح جليل على الْخُلَاصَة فِي النَّحْو" عدّه كتابا، وعدّ "شرح رجز ابْن مَالك فِي النَّحْو" كتابا آخر٧، وَتَابعه على ذَلِك الشَّيْخ مَشْهُور بن حسن٨. وَالَّذِي يظْهر لي - وَالله أعلم - أَنه كتاب وَاحِد، ذكره تلميذ أبي إِسْحَاق الشاطبي بعنوان: "شرح رجز ابْن مَالك"٩، وَذكره أَحْمد بَابا فَلم يحدد اسْمه بل

стр. 29

قَالَ: "شرح جليل علىالخلاصة فِي النَّحْو"١، فظنهما الدكتور أَبُو الأجفان كتابين، وَإِنَّمَا هما كتاب وَاحِد. وَيدل على هَذَا أَن أحدا من الْمُتَقَدِّمين لم يذكر الْكِتَابَيْنِ مَعًا٢. ثمَّ اطَّلَعت بعد كِتَابَة هَذِه الأسطر على مُقَدّمَة الدكتور عياد للمقاصد الشافية فَوَجَدته قد سبقني إِلَى هَذَا التَّنْبِيه٣.

стр. 30

٩ - مكانة الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي عُلُوم الْقُرْآن الْكَرِيم وَتَفْسِيره: الإِمَام أَبُو إِسْحَاق الشاطبي برزت مواهبه فِي أَكثر من جَانب من جَوَانِب الْبَحْث العلمي، فَهُوَ فَقِيه، وأصولي، وعالم بمقالات الإسلاميين، ونحوي بارع، وَمَا من فنّ من هَذِه الْفُنُون، إِلَّا وَله فِيهِ مؤلف يشْهد بإمامته، عَلَيْهِ رَحْمَة الله تَعَالَى. وَالْإِمَام أَبُو إِسْحَاق الشاطبي لَيْسَ باحثا تقليديا يُعِيد مَا سبق إِلَيْهِ الْأَوَائِل، بل هُوَ باحث مُجَدد ابتكر وأضاف١. إِلَّا أَن كتابات هَذَا الإِمَام لم يكن شَيْء مِنْهَا فِي عُلُوم الْقُرْآن، أَو فِي تَفْسِيره، فِي حدّ علمي، وأعني أَنه لم يخص ذَلِك بمؤلف خَاص. وَإِنَّمَا تعرض لجَانب التَّفْسِير وعلوم الْقُرْآن من خلال مؤلفاته فجَاء فِي هَذَا

стр. 31

الْجَانِب بفوائد قد لَا تُوجد عِنْد المتخصصين، الَّذين وهبوا حياتهم لكتاب الله بحثا فِي علومه وَتَفْسِيره. وَلأَجل هَذِه المباحث الْقيمَة - فِي عُلُوم الْقُرْآن وَتَفْسِيره - وَصفه عُلَمَاء التراجم بِالْإِمَامَةِ فِي ذَلِك، فَقَالَ أَحْمد بَابا التنبكتي: "لَهُ الْقدَم الراسخ والإمامة الْعُظْمَى فِي الْفُنُون فقه - اوأصولاً وتفسيرًا وحديثا، وعربية وَغَيرهَا"١. وَوَصفه مُحَمَّد مخلوف بالفقيه الأصولي، الْمُفَسّر الْمُحدث٢. وَكَذَا قَالَ عَنهُ عمر رضَا كحالة٣. واستفاد من أبي إِسْحَاق طائفةٌ من الباحثين الْمُتَأَخِّرين٤ فِي تَفْسِير الْقُرْآن وعلومه، وَهَذِه شَهَادَة لأبي إِسْحَاق بمعرفته بِهَذَا الْعلم الْجَلِيل. وَمن هَؤُلَاءِ الباحثين: الدكتور فَهد بن عبد الرَّحْمَن الرُّومِي، فِي كِتَابه "بحوث فِي أصُول التَّفْسِير ومناهجه"٥. والدكتور عبد الْعَزِيز بن عبد الفتاح الْقَارئ، فِي كِتَابه "تَفْسِير سُورَة الْعَصْر"٦. والدكتور خَالِد بن عُثْمَان السبت، فِي كِتَابه "قَوَاعِد التَّفْسِير

стр. 32

جمعا ودراسة"١. والأستاذ مصطفى إِبْرَاهِيم المشني، فِي كِتَابه "مدرسة التَّفْسِير فِي الأندلس"٢. والدكتور عبد الْوَهَّاب فَايِد، فِي كِتَابه "مَنْهَج ابْن عَطِيَّة فِي تَفْسِير الْقُرْآن الْكَرِيم"٣. والدكتور مُحَمَّد حُسَيْن الذَّهَبِيّ، فِي كِتَابه "التَّفْسِير والمفسرون"٤. والدكتور مُحَمَّد أشرف الملباري، فِي تَحْقِيق "نواسخ الْقُرْآن" لِابْنِ الْجَوْزِيّ٥. والدكتور سُلَيْمَان اللاحم، فِي تَحْقِيق "النَّاسِخ والمنسوخ" لأبي جَعْفَر النّحاس٦. والدكتور مُحَمَّد بن صَالح المديفر، فِي تَحْقِيق "النَّاسِخ والمنسوخ فِي الْقُرْآن الْعَزِيز" لأبي عبيد الْقَاسِم بن سلَاّم٧. والدكتور شايع بن عَبده الأسمري، فِي تَحْقِيق "نكت الْقُرْآن الدَّالَّة على الْبَيَان فِي أَنْوَاع الْعُلُوم وَالْأَحْكَام" للْإِمَام القصاب٨.

стр. 33

والدكتور رمزي نعناعة، فِي كِتَابه "بدع التفاسير فِي الْمَاضِي والحاضر"١. والدكتور عبد الْمجِيد عبد السَّلَام الْمُحْتَسب، فِي كِتَابه "اتجاهات التَّفْسِير فِي الْعَصْر الرَّاهِن"٢. والدكتور مُحَمَّد الصَّادِق عرجون، فِي كِتَابه "الْقُرْآن الْعَظِيم هدايته وإعجازه فِي أَقْوَال الْمُفَسّرين"٣. والعلامة ابْن عاشور فِي كِتَابه "التَّحْرِير والتنوير"٤. وعلاّمة الشَّام فِي زَمَانه القاسمي، فِي كِتَابه "محَاسِن التَّأْوِيل"٥. والدكتور سعود بن عبد الله الفنيسان، فِي كِتَابه "اخْتِلَاف الْمُفَسّرين أَسبَابه وآثاره"٦. والعلامة الشَّيْخ عبد الْعَظِيم الزّرْقَانِيّ، فِي كِتَابه "مناهل الْعرْفَان"٧. والعلامة الشَّيْخ مناع الْقطَّان، فِي كِتَابه "مبَاحث فِي عُلُوم الْقُرْآن"٨. وَالْخُلَاصَة مِمَّا تقدم أَن الإِمَام أَبَا إِسْحَاق الشاطبي لَهُ مكانته فِي التَّفْسِير وعلوم الْقُرْآن؛ لما يَلِي: ١ - لما دونه فِي مؤلفاته من دَقِيق المباحث فِي هَذَا الْجَانِب. ٢ - لشهادة عُلَمَاء التراجم لَهُ بِالْإِمَامَةِ فِي جَانب التَّفْسِير.

стр. 34

٣ - لاعتماد طَائِفَة من الباحثين فِي التَّفْسِير وعلوم الْقُرْآن على مؤلفات الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي.

стр. 35

١٠ - شعر الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي: بِلَاد الأندلس من الْبِلَاد الَّتِي اختصّها الله بالجمال فِي طبيعتها، فأثر ذَلِك فِي أبنائها الَّذين عاشوا على ترابها، وَكَذَلِكَ فِيمَن قدم إِلَيْهَا من بِلَاد أُخْرَى، فَقَالُوا الشّعْر من أعماق نُفُوسهم دونما تكلّف. وَالْإِمَام أَبُو إِسْحَاق الشاطبي كَانَ مِمَّن ينظم الشّعْر، وَلَكِن لم تمدنا المصادر بالكثير من نظمه١، الَّذِي قَالَ عَنهُ عبد الْوَهَّاب بن مَنْصُور: "وَله أشعار متوسطة مثل أشعار الْفُقَهَاء الَّتِي هِيَ أنظام فِي الْحَقِيقَة"٢. قلت: نقل أَحْمد بَابا طَائِفَة مِنْهَا فِي كِتَابه نيل الابتهاج٣. وَمِنْهَا مَا أوردهُ أَبُو إِسْحَاق الشاطبي فِي كِتَابه الإفادات والإنشادات فِي مدح الشفا لَمَّا طلب مِنْهُ الْوَزير ابْن زمرك ذَلِك فَقَالَ: يَا من سَمَا لمراقي الْمجد مَقْصَدُه ... فَنَفْسُهُ بِنَفِيسِ العِلْمِ قد كَلفت هَذِي ريَاضٌ يروق العقلَ مخبَرُها ... هِيَ الشِّفا لنفوسِ الْخلق إِن دَنفت٤ وَكَانَ مِمَّن نظم فِي هَذَا الْغَرَض جمَاعَة من الأدباء، مِنْهُم أَبُو الْقَاسِم بن رضوَان، وَغَيره ٥.

стр. 36

إِلَّا أَن الإِمَام مُحَمَّد بن الْعَبَّاس التلمساني١قد شهد لأبيات أبي إِسْحَاق بِأَنَّهَا أحسن مَا قيل فِي مدح الشفا٢.

стр. 37

١١ - وَفَاة الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي رَحمَه الله تَعَالَى: قَالَ تِلْمِيذه أَبُو عبد الله المجاري: وَتُوفِّي ﵀ فِي شعْبَان عَام تسعين وَسَبْعمائة٣. وَكَذَلِكَ قَالَ أَحْمد بَابا، إِلَّا أَنه زَاد يَوْم الثُّلَاثَاء٤. وتبعهما على ذكر سنة وَفَاته كل من جَاءَ بعدهمَا مِمَّن رَأَيْت٥. رحم الله تَعَالَى أَبَا إِسْحَاق الشاطبي وجمعنا بِهِ فِي مُسْتَقر رَحمته وَدَار كرامته.

стр. 38

الْفَصْل الثَّانِي: مَعَ الامام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي مبَاحث من عُلُوم الْقُرْآن الْكَرِيم (وَفِيه اثْنَا عشر مبحثاً) المبحث الأول: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي أَسبَاب الترول ... تَابع مَعَ الإِمَام أبي اسحاق الشاطبي فِي مبَاحث من عُلُوم الْقُرْآن الْكَرِيم وَتَفْسِيره الْفَصْل الثَّانِي مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي مبَاحث من عُلُوم الْقُرْآن الْكَرِيم (وَفِيه اثْنَا عشر مبحثا) سنصحب - بِإِذن الله تَعَالَى - الإِمَام أَبَا إِسْحَاق الشاطبي فِي مبَاحث من عُلُوم الْقُرْآن الْكَرِيم، وسيتبيّن لنا من خلال هَذِه المباحث أنّ الإِمَام أَبَا إِسْحَاق الشاطبي مُفَسّر مؤصل لعلم التَّفْسِير، يضع الْقَوَاعِد والأسس الَّتِي يُعتمد عَلَيْهَا فِي فهم كتاب الله تَعَالَى. وَكنت أود أَن يكون عنوان هَذَا الْفَصْل "مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي أصُول التَّفْسِير"، لكنّ هَذَا العنوان يُخرج بعض المباحث النفيسة الْمُتَعَلّقَة بعلوم الْقُرْآن الْكَرِيم، ففضلت أَن يكون العنوان شَامِلًا لأصول التَّفْسِير وَغَيره؛ إذْ لَا ريبَ أنّ أصُول التَّفْسِير يدْخل ضمن عُلُوم الْقُرْآن الْكَرِيم. فَإلَى هَذِه المباحث نَتْرُكك، ونسأل الله أَن ينفعنا وإيّاك بِمَا نَقْرَأ وندرس. المبحث الأول: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي أَسبَاب النُّزُول١ قَالَ رَحمَه الله تَعَالَى: "معرفَة أَسبَاب التَّنْزِيل لَازِمَة لمن أَرَادَ علم الْقُرْآن، وَالدَّلِيل على ذَلِك أَمْرَانِ: أَحدهمَا: أَن علم الْمعَانِي وَالْبَيَان الَّذِي يعرف بِهِ إعجاز نظم الْقُرْآن

стр. 39

- فضلا عَن معرفَة مَقَاصِد كَلَام الْعَرَب - إِنَّمَا مَدَاره على معرفَة مقتضيات الْأَحْوَال، حَال الْخطاب من جِهَة نفس الْخطاب، أَو المخاطِب، أَو المخاطَب، أَو الْجَمِيع؛ إِذْ الْكَلَام الْوَاحِد يخْتَلف فهمه بِحَسب حَالين، وبحسب مخاطبين، وبحسب غير ذَلِك كالاستفهام لَفظه وَاحِد، ويدخله معَان أُخر من تَقْرِير وتوبيخ وَغير ذَلِك. وكالأمر يدْخلهُ معنى الْإِبَاحَة والتهديد والتعجيز وأشباهها، وَلَا يدل على مَعْنَاهَا المُرَاد إِلَّا الْأُمُور الْخَارِجَة، وعمدتها مقتضيات الْأَحْوَال ... وَمَعْرِفَة الْأَسْبَاب رافعةٌ لكل مُشكل فِي هَذَا النمط، فَهِيَ من الْمُهِمَّات فِي فهم الْكتاب.... الْوَجْه الثَّانِي: وَهُوَ أَن الْجَهْل بِأَسْبَاب التَّنْزِيل موقع فِي الشّبَه والإشكالات، ومورد للنصوص الظَّاهِرَة مورد الْإِجْمَال حَتَّى يَقع الِاخْتِلَاف، وَذَلِكَ مَظَنَّة وُقُوع النزاع"١. ثمَّ ضرب أَبُو إِسْحَاق الشاطبي أَمْثِلَة توضّح مَا ذكره ثَانِيًا، نذْكر بَعْضهَا فِيمَا يَلِي: أ - "روى ابْن وهب عَن بكير، أَنه سَأَلَ نَافِعًا كَيفَ كَانَ رَأْي ابْن عمر فِي الحروريّة؟ ٢، قَالَ: "يراهم شرار خلق الله إِنَّهُم انْطَلقُوا إِلَى آيَات أنزلت فِي الْكفَّار فجعلوها على الْمُؤمنِينَ"٣.

стр. 40

ب - "ورُوي أَن مَرْوَان١أرسل بوابه إِلَى ابْن عَبَّاس، وَقَالَ: قل لَهُ: لَئِن كَانَ كل امْرِئ فَرح بِمَا أُوتِيَ، وَأحب أَن يحمد بِمَا لم يفعل معذبا، لنُعذبن أَجْمَعُونَ. فَقَالَ ابْن عَبَّاس: مالكم ولهذه الْآيَة؟ إِنَّمَا دَعَا النَّبِي ﷺ يهود فَسَأَلَهُمْ عَن شَيْء فَكَتَمُوهُ إيَّاه، وَأَخْبرُوهُ بِغَيْرِهِ، فأروه أَن قد استحمدوا إِلَيْهِ، بِمَا أَخْبرُوهُ عَنهُ فِيمَا سَأَلَهُمْ، وفرحوا بِمَا أُوتُوا من كتمانهم، ثمَّ قَرَأَ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب ... ﴾ إِلَى قَوْله: ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ ٢فَهَذَا السَّبَب بيَّن أَن الْمَقْصُود من الْآيَة غير مَا ظهر لمروان"٣. ج - "ورُوي أَن عمر اسْتعْمل قدامَة بن مَظْعُون على الْبَحْرين، فَقدم الْجَارُود٤ على عمر فَقَالَ: إِن قدامَة شرب فَسَكِرَ. فَقَالَ عمر: من يشْهد على مَا تَقول؟. قَالَ الْجَارُود: أَبُو هُرَيْرَة يشْهد على مَا أَقُول. وَذكر الحَدِيث، فَقَالَ عمر: يَا قدامَة إِنِّي جالدُك. قَالَ: وَالله لَو شربت كَمَا يَقُولُونَ مَا كَانَ لَك أَن تجلدني. قَالَ عمر: وَلم؟. قَالَ: لِأَن الله يَقُول: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
следующие страницы →