← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 4545

مع الامام أبي إسحاق الشاطبي في مباحث من علوم القرآن الكريم وتفسيره

شايع الأسمري

Полный текст (140 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

إِلَّا أَن الإِمَام مُحَمَّد بن الْعَبَّاس التلمساني١قد شهد لأبيات أبي إِسْحَاق بِأَنَّهَا أحسن مَا قيل فِي مدح الشفا٢.

стр. 37

١١ - وَفَاة الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي رَحمَه الله تَعَالَى: قَالَ تِلْمِيذه أَبُو عبد الله المجاري: وَتُوفِّي ﵀ فِي شعْبَان عَام تسعين وَسَبْعمائة٣. وَكَذَلِكَ قَالَ أَحْمد بَابا، إِلَّا أَنه زَاد يَوْم الثُّلَاثَاء٤. وتبعهما على ذكر سنة وَفَاته كل من جَاءَ بعدهمَا مِمَّن رَأَيْت٥. رحم الله تَعَالَى أَبَا إِسْحَاق الشاطبي وجمعنا بِهِ فِي مُسْتَقر رَحمته وَدَار كرامته.

стр. 38

الْفَصْل الثَّانِي: مَعَ الامام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي مبَاحث من عُلُوم الْقُرْآن الْكَرِيم (وَفِيه اثْنَا عشر مبحثاً) المبحث الأول: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي أَسبَاب الترول ... تَابع مَعَ الإِمَام أبي اسحاق الشاطبي فِي مبَاحث من عُلُوم الْقُرْآن الْكَرِيم وَتَفْسِيره الْفَصْل الثَّانِي مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي مبَاحث من عُلُوم الْقُرْآن الْكَرِيم (وَفِيه اثْنَا عشر مبحثا) سنصحب - بِإِذن الله تَعَالَى - الإِمَام أَبَا إِسْحَاق الشاطبي فِي مبَاحث من عُلُوم الْقُرْآن الْكَرِيم، وسيتبيّن لنا من خلال هَذِه المباحث أنّ الإِمَام أَبَا إِسْحَاق الشاطبي مُفَسّر مؤصل لعلم التَّفْسِير، يضع الْقَوَاعِد والأسس الَّتِي يُعتمد عَلَيْهَا فِي فهم كتاب الله تَعَالَى. وَكنت أود أَن يكون عنوان هَذَا الْفَصْل "مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي أصُول التَّفْسِير"، لكنّ هَذَا العنوان يُخرج بعض المباحث النفيسة الْمُتَعَلّقَة بعلوم الْقُرْآن الْكَرِيم، ففضلت أَن يكون العنوان شَامِلًا لأصول التَّفْسِير وَغَيره؛ إذْ لَا ريبَ أنّ أصُول التَّفْسِير يدْخل ضمن عُلُوم الْقُرْآن الْكَرِيم. فَإلَى هَذِه المباحث نَتْرُكك، ونسأل الله أَن ينفعنا وإيّاك بِمَا نَقْرَأ وندرس. المبحث الأول: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي أَسبَاب النُّزُول١ قَالَ رَحمَه الله تَعَالَى: "معرفَة أَسبَاب التَّنْزِيل لَازِمَة لمن أَرَادَ علم الْقُرْآن، وَالدَّلِيل على ذَلِك أَمْرَانِ: أَحدهمَا: أَن علم الْمعَانِي وَالْبَيَان الَّذِي يعرف بِهِ إعجاز نظم الْقُرْآن

стр. 39

- فضلا عَن معرفَة مَقَاصِد كَلَام الْعَرَب - إِنَّمَا مَدَاره على معرفَة مقتضيات الْأَحْوَال، حَال الْخطاب من جِهَة نفس الْخطاب، أَو المخاطِب، أَو المخاطَب، أَو الْجَمِيع؛ إِذْ الْكَلَام الْوَاحِد يخْتَلف فهمه بِحَسب حَالين، وبحسب مخاطبين، وبحسب غير ذَلِك كالاستفهام لَفظه وَاحِد، ويدخله معَان أُخر من تَقْرِير وتوبيخ وَغير ذَلِك. وكالأمر يدْخلهُ معنى الْإِبَاحَة والتهديد والتعجيز وأشباهها، وَلَا يدل على مَعْنَاهَا المُرَاد إِلَّا الْأُمُور الْخَارِجَة، وعمدتها مقتضيات الْأَحْوَال ... وَمَعْرِفَة الْأَسْبَاب رافعةٌ لكل مُشكل فِي هَذَا النمط، فَهِيَ من الْمُهِمَّات فِي فهم الْكتاب.... الْوَجْه الثَّانِي: وَهُوَ أَن الْجَهْل بِأَسْبَاب التَّنْزِيل موقع فِي الشّبَه والإشكالات، ومورد للنصوص الظَّاهِرَة مورد الْإِجْمَال حَتَّى يَقع الِاخْتِلَاف، وَذَلِكَ مَظَنَّة وُقُوع النزاع"١. ثمَّ ضرب أَبُو إِسْحَاق الشاطبي أَمْثِلَة توضّح مَا ذكره ثَانِيًا، نذْكر بَعْضهَا فِيمَا يَلِي: أ - "روى ابْن وهب عَن بكير، أَنه سَأَلَ نَافِعًا كَيفَ كَانَ رَأْي ابْن عمر فِي الحروريّة؟ ٢، قَالَ: "يراهم شرار خلق الله إِنَّهُم انْطَلقُوا إِلَى آيَات أنزلت فِي الْكفَّار فجعلوها على الْمُؤمنِينَ"٣.

стр. 40

ب - "ورُوي أَن مَرْوَان١أرسل بوابه إِلَى ابْن عَبَّاس، وَقَالَ: قل لَهُ: لَئِن كَانَ كل امْرِئ فَرح بِمَا أُوتِيَ، وَأحب أَن يحمد بِمَا لم يفعل معذبا، لنُعذبن أَجْمَعُونَ. فَقَالَ ابْن عَبَّاس: مالكم ولهذه الْآيَة؟ إِنَّمَا دَعَا النَّبِي ﷺ يهود فَسَأَلَهُمْ عَن شَيْء فَكَتَمُوهُ إيَّاه، وَأَخْبرُوهُ بِغَيْرِهِ، فأروه أَن قد استحمدوا إِلَيْهِ، بِمَا أَخْبرُوهُ عَنهُ فِيمَا سَأَلَهُمْ، وفرحوا بِمَا أُوتُوا من كتمانهم، ثمَّ قَرَأَ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب ... ﴾ إِلَى قَوْله: ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ ٢فَهَذَا السَّبَب بيَّن أَن الْمَقْصُود من الْآيَة غير مَا ظهر لمروان"٣. ج - "ورُوي أَن عمر اسْتعْمل قدامَة بن مَظْعُون على الْبَحْرين، فَقدم الْجَارُود٤ على عمر فَقَالَ: إِن قدامَة شرب فَسَكِرَ. فَقَالَ عمر: من يشْهد على مَا تَقول؟. قَالَ الْجَارُود: أَبُو هُرَيْرَة يشْهد على مَا أَقُول. وَذكر الحَدِيث، فَقَالَ عمر: يَا قدامَة إِنِّي جالدُك. قَالَ: وَالله لَو شربت كَمَا يَقُولُونَ مَا كَانَ لَك أَن تجلدني. قَالَ عمر: وَلم؟. قَالَ: لِأَن الله يَقُول: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا

стр. 41

الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ﴾ ١الخ. فَقَالَ عمر: إِنَّك أَخْطَأت التَّأْوِيل يَا قدامَة، إِذا اتَّقَيْت الله اجْتنبت مَا حرم الله"٢. ثمَّ قَالَ أَبُو إِسْحَاق الشاطبي: "فَفِي الْحَدِيثين بَيَان أَن الْغَفْلَة عَن أَسبَاب التن - زيل تؤدِّي إِلَى الْخُرُوج عَن الْمَقْصُود بِالْآيَاتِ"٣. ثمَّ سَاق أَبُو إِسْحَاق الشاطبي الْأَثر الَّذِي فِيهِ إِنْكَار ابْن مَسْعُود على من قَالَ: إِن الْمَقْصُود بالدخان فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ ٤ يَوْم الْقِيَامَة، ثمَّ ذكر قَول ابْن مَسْعُود فِي الْآيَة، وَأَن الدُّخان إِنَّمَا كَانَ فِي الدُّنْيَا استجابة لدَعْوَة الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم٥. ثمَّ قَالَ أَبُو إِسْحَاق: "وَهَكَذَا شأنُ أَسبَاب النُّزُول فِي التَّعْرِيف بمعاني المنزَّل، بِحَيْثُ لَو فقد ذكر السَّبَب، لم يعرف من الْمنزل مَعْنَاهُ على الْخُصُوص، دون تطرق من الِاحْتِمَالَات، وَتوجه الإشكالات ... "٦.

стр. 42

ثمَّ سَاق أَبُو إِسْحَاق الشاطبي عَن بعض الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ آثارًا تحرض طَالب الْعلم على تعلم علم الْأَسْبَاب، وتشير إِلَى أَن علم الْأَسْبَاب من الْعُلُوم الَّتِي يكون الْعَالم بهَا عَالما بِالْقُرْآنِ١. التَّعْلِيق على مَبْحَث: أَسبَاب النُّزُول: هَذَا المبحث من المباحث المهمة فِي عُلُوم الْقُرْآن الْكَرِيم، ولأهميّته فقد أفرده طَائِفَة من الْعلمَاء بالتأليف، مِنْهُم الإِمَام عَليّ بن الْمَدِينِيّ٢، وَالْإِمَام الواحدي، وَكتابه مَشْهُور مَعْرُوف٣، وَالْإِمَام ابْن حجر الْعَسْقَلَانِي فِي كِتَابه "العجاب فِي بَيَان الْأَسْبَاب" قَالَ عَنهُ تِلْمِيذه السُّيُوطِيّ: "مَاتَ عَنهُ مسوَّدة فَلم نقف عَلَيْهِ كَامِلا"٤. ثمَّ ألف فِيهِ الإِمَام السُّيُوطِيّ كتابا حافلاً موجزًا محررًا، سمّاه "لباب النقول فِي أَسبَاب النُّزُول"٥. ثمَّ أفرد الشَّيْخ مقبل بن هادي الوادعي الصَّحِيح من أَسبَاب النُّزُول بمؤلف سَمَّاهُ "الصَّحِيح الْمسند من أَسبَاب النُّزُول"٦. وَأما من تكلّم على هَذَا المبحث ضمن مؤلّف فهم كَثِيرُونَ جدًّا، فَإِنَّهُ لَا

стр. 43

يكَاد يَخْلُو مؤلف فِي التَّفْسِير من هَذَا المبحث١، وَكَذَلِكَ لَا يَخْلُو كتاب بحث فِي عُلُوم الْقُرْآن الْكَرِيم من هَذَا المبحث٢. هَذَا، وَلَا يخفى على من قَرَأَ كَلَام أبي إِسْحَاق الشاطبي أَنه قد اختصر فِي حَدِيثه على هَذَا المبحث على بعض أهمية أَسبَاب النُّزُول، وَهُوَ مَعْذُور فِي ذَلِك؛ إِذْ إِن كِتَابه الموافقات إِنَّمَا هُوَ فِي أصُول الْفِقْه، وَلَيْسَ فِي عُلُوم الْقُرْآن. وَإِلَيْك بعض مَا قَالَه الْعلمَاء فِي فَوَائِد معرفَة أَسبَاب النُّزُول٣. ١ - معرفَة حِكْمَة الله تَعَالَى، الَّتِي دعت إِلَى تشريع حكم من الْأَحْكَام، فَيَزْدَاد الْمُؤمن إِيمَانًا، وتسوق الْكَافِر إِلَى الْإِيمَان والتصديق٤. ٢ - معرفَة السَّبَب يُعين على فهم الْآيَة، وَيدْفَع الْإِشْكَال عَنْهَا، ويكشف الغموض الَّذِي يكتنف تَفْسِيرهَا، وَهَذَا أَشَارَ إِلَيْهِ أَبُو إِسْحَاق الشاطبي، وَنَصّ عَلَيْهِ الواحدي، وَابْن دَقِيق الْعِيد، وَابْن تَيْمِية٥. ٣ - دفع توهم الْحصْر عَمَّا يُفِيد بِظَاهِرِهِ الْحصْر٦.

стр. 44

٤ - تَخْصِيص حكم مَا نزل - إِن كَانَ بِصِيغَة الْعُمُوم - بِالسَّبَبِ عِنْد من يرى أَن الْعبْرَة بِخُصُوص السَّبَب لَا بِعُمُوم اللَّفْظ١، وَهِي مَسْأَلَة خلافية. ٥ - معرفَة أَن سَبَب النُّزُول غير خَارج عَن حكم الْآيَة إِذا ورد مُخَصص لَهَا٢. ٦ - معرفَة من نزلت فِيهِ الْآيَة على التَّعْيِين حَتَّى لَا يشْتَبه بِغَيْرِهِ، فيتهم البريء، وَيبرأ الْمُرِيب٣. ٧ - تيسير الْحِفْظ، وتسهيل الْفَهم، وتثبيت الْوَحْي فِي ذهن كل من يسمع الْآيَة إِذا عرف سَببهَا؛ وَذَلِكَ أَن ربط الْأَسْبَاب بالمسببات، وَالْأَحْكَام بالحوادث، والحوادث بالأشخاص والأزمنة والأمكنة، كل ذَلِك من دواعي تقرر

стр. 45

الْأَشْيَاء وانتقاشها فِي الذِّهْن١.

стр. 46

المبحث الثَّانِي: مَعَ الإِمَام أبي الشاطبي فِي الْأَقْوَال المحكية فِي الْقُرْآن الْكَرِيم ... المبحث الثَّانِي: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي الْأَقْوَال المحكية فِي الْقُرْآن الْكَرِيم١ قَالَ الإِمَام أَبُو إِسْحَاق رَحمَه الله تَعَالَى: "كل حِكَايَة وَقعت فِي الْقُرْآن فَلَا يَخْلُو أَن يَقع قبلهَا أَو بعْدهَا - وَهُوَ الْأَكْثَر - رد لَهَا، أَو لَا، فَإِن وَقع رد فَلَا إِشْكَال فِي بطلَان ذَلِك المحكي وَكذبه، وَإِن لم يَقع مَعهَا رد فَذَلِك دَلِيل على صِحَة المحكى وَصدقه. أما الأول فَظَاهر، وَلَا يحْتَاج إِلَى برهَان، وَمن أَمْثِلَة ذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٢ فأعقب بقوله: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ ٣.... وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُون﴾ ٤ فَرد عَلَيْهِم بقوله: ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْماً وَزُوراً﴾ ٥. وَقَالَ: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً﴾ ٦ ثمَّ رد عَلَيْهِم بأوجه كَثِيرَة ثبتَتْ فِي

стр. 47

أثْنَاء الْقُرْآن كَقَوْلِه: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ ١، وَقَوله: ﴿بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَاأَرْض﴾ ٢، وَقَوله: ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ ٣ الْآيَة، وَقَوله: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ﴾ ٤ إِلَى آخِره، وَأَشْبَاه ذَلِك"٥. وَقد ذكر أَبُو إِسْحَاق أَمْثِلَة كَثِيرَة أكتفي مِنْهَا بِمَا أوردت، وَمن أَرَادَ الْوُقُوف عَلَيْهَا فَلْينْظر كِتَابه الموافقات٦.ثمَّ قَالَ رَحمَه الله تَعَالَى: "وَأما الثَّانِي فَظَاهر أَيْضا، وَلَكِن الدَّلِيل على صِحَّته من نفس الْحِكَايَة وإقرارها، فَإِن الْقُرْآن سُمي فرقانا، وَهدى، وبرهانا، وبيانا، وتبيانا لكل شَيْء، وَهُوَ حجَّة على الْخلق على الْجُمْلَة وَالتَّفْصِيل وَالْإِطْلَاق والعموم، وَهَذَا الْمَعْنى يَأْبَى أَن يحْكى فِيهِ مَا لَيْسَ بِحَق ثمَّ لَا يُنَبه عَلَيْهِ. وَأَيْضًا فَإِن جَمِيع مَا يحْكى فِيهِ من شرائع الأوّلين وأحكامهم، وَلم يُنَبه على إفسادهم وافترائهم فِيهِ فَهُوَ حق، يَجْعَل عُمْدَة عِنْد طَائِفَة فِي شريعتنا ويمنعه قوم، لَا من جِهَة قدح فِيهِ، وَلَكِن من جِهَة أَمر خَارج عَن ذَلِك، فقد اتَّفقُوا على أَنه حق وَصدق كشريعتنا، وَلَا يفْتَرق مَا بَينهمَا إلاّ بِحكم النّسخ فَقَط"٧. "وَمن أَمْثِلَة هَذَا الْقسم: جَمِيع مَا حُكي عَن الْمُتَقَدِّمين من الْأُمَم السالفة

стр. 48

مِمَّا كَانَ حَقًا، كحكايته عَن الْأَنْبِيَاء والأولياء، وَمِنْه قصَّة ذِي القرنين، وقصة الْخضر مَعَ مُوسَى ﵇، وقصة أَصْحَاب الْكَهْف، وَأَشْبَاه ذَلِك"١.

стр. 49

المبحث الثَّالِث: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي مَنْهَج الْقُرْآن الْكَرِيم فِي التَّرْغِيب والترهيب ١ قَالَ الإِمَام أَبُو إِسْحَاق الشاطبي: "إِذا ورد فِي الْقُرْآن التَّرْغِيب قارنه التَّرْهِيب، فِي لواحقه أَو سوابقه أَو قرائنه وَبِالْعَكْسِ، وَكَذَلِكَ الترجية مَعَ التخويف، وَمَا يرجع إِلَى هَذَا الْمَعْنى مثله، وَمِنْه ذكر أهل الْجنَّة يقارنه ذكر أهل النَّار، وَبِالْعَكْسِ؛ لِأَن فِي ذكر أهل الْجنَّة بأعمالهم ترجية، وَفِي ذكر أهل النَّار بأعمالهم تخويفا، فَهُوَ رَاجع إِلَى الترجية والتخويف. وَيدل على هَذِه الْجُمْلَة عرض الْآيَات على النّظر فَأَنت ترى أَن الله جعل الْحَمد فَاتِحَة كِتَابه، وَقد وَقع فِيهِ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ٢إِلَى آخرهَا. فجيء بِذكر الْفَرِيقَيْنِ. ثمَّ بدئت سُورَة الْبَقَرَة بذكرهما أَيْضا، فَقيل: ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ ٣ ثمَّ قَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ ٤، ثمَّ ذُكِرَ بإثرهم المُنَافِقُونَ وهم صنف من الْكفَّار، فَلَمَّا تمّ ذَلِك أعقب الْأَمر بالتقوى، ثمَّ بالتخويف بالنَّار، وَبعده بالترجية فَقَالَ: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ﴾

стр. 50

إِلَى قَوْله: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ١ الْآيَة"٢. وَقد أَطَالَ أَبُو إِسْحَاق الشاطبي فِي تتبع آيَات سُورَة الْبَقَرَة، وتنزيلها على الْقَاعِدَة الْمَذْكُورَة٣، ثمَّ أورد بعض آيَات سُورَة الْأَنْعَام، وبيّن كَيفَ تنطبق على الْقَاعِدَة٤. ثمَّ قَالَ: "وَقد يغلب أحد الطَّرفَيْنِ بِحَسب المواطن ومقتضيات الْأَحْوَال، فَيرد التخويف ويتسع مجاله، لكنه لَا يَخْلُو من الترجية كَمَا فِي سُورَة الْأَنْعَام، فَإِنَّهَا جَاءَت مقررة للحق، ومنكرة على من كفر بِاللَّه، واخترع من تِلْقَاء نَفسه مَا لَا سُلْطَان لَهُ عَلَيْهِ، وَصد عَن سَبيله، وَأنكر مَا لَا يُنكر، ولدَّ فِيهِ وَخَاصم، وَهَذَا الْمَعْنى يَقْتَضِي تَأْكِيد التخويف، وإطالة التأنيب والتعنيف، فكثرت مقدماته ولواحقه، وَلم يخل مَعَ ذَلِك من طرف الترجية؛ لأَنهم بذلك مدعوون إِلَى الْحق، وَقد تقدم الدُّعَاء وَإِنَّمَا هُوَ مزِيد تكْرَار، إعذارًا وإنذارًا، ومواطن الاغترار يطْلب فِيهَا التخويف أَكثر من طلب الترجية؛ لِأَن دَرْء الْمَفَاسِد آكِد. وَترد الترجية أَيْضا ويتسع مجالها، وَذَلِكَ فِي مَوَاطِن الْقنُوط ومظنته، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ ٥ الْآيَة فَإِن نَاسا من أهل الشّرك كَانُوا قد قتلوا وَأَكْثرُوا، وزنوا وَأَكْثرُوا فَأتوا مُحَمَّدًا ﷺ فَقَالُوا: إِن الَّذِي

стр. 51

تَقول وَتَدْعُو إِلَيْهِ لحسن لَو تخبرنا ألنا لما عَملنَا كَفَّارَة، فَنزلت١. فَهَذَا موطن خوف يخَاف مِنْهُ الْقنُوط، فجيء فِيهِ بالترجية غالبة، وَمثل ذَلِك الْآيَة الْأُخْرَى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ ٢ وَانْظُر فِي سَببهَا فِي التِّرْمِذِيّ، وَالنَّسَائِيّ، وَغَيرهمَا. وَلما كَانَ جَانب الْإِخْلَال من الْعباد أغلب كَانَ جَانب التخويف أغلب، وَذَلِكَ فِي مظانه الْخَاصَّة، لَا على الْإِطْلَاق؛ فَإِنَّهُ إِذا لم يكن هُنَالك مظنَّة هَذَا، وَلَا هَذَا أَتَى الْأَمر معتدلاً"٣. ثمَّ أورد أَبُو إِسْحَاق اعتراضا على مَا قَرَّرَهُ سَابِقًا فَقَالَ: "فَإِن قيل: هَذَا لَا يطرد فقد ينْفَرد أحد الْأَمريْنِ فَلَا يُؤْتى مَعَه بِالْآخرِ، فَيَأْتِي التخويف من غير ترجية، وَبِالْعَكْسِ، أَلا ترى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ ٤ إِلَى آخرهَا فَإِنَّهَا كلهَا تخويف، وَقَوله: ﴿كَلا إِنَّ الأِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ ٥إِلَى آخر السُّورَة، وَقَوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ ٦إِلَى آخر السُّورَة ... وَفِي الطّرف الآخر قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ ٧ إِلَى آخرهَا،

стр. 52

وَقَوله تَعَالَى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ١ إِلَى آخرهَا"٢. وَأورد الإِمَام الشاطبي من الْآيَات أَيْضا مَا يؤيّد هَذَا الِاعْتِرَاض٣. ثمَّ قَالَ: "فَالْجَوَاب إِن مَا اعْترض بِهِ غير صَاد عَن سَبِيل مَا تقدم، وَعنهُ جوابان: إجمالي وتفصيلي: فالإجمالي أَن يُقَال: إِن الْأَمر الْعَام والقانون الشَّائِع هُوَ مَا تقدّم، فَلَا تنقضه الْأَفْرَاد الْجُزْئِيَّة الأقلية؛ لِأَن الْكُلية إِذا كَانَت أكثرية فِي الوضعيات انْعَقَدت كُلية، واعتمدت فِي الحكم بهَا وَعَلَيْهَا، شَأْن الْأُمُور العادية الْجَارِيَة فِي الْوُجُود، وَلَا شكّ أَن مَا اعْترض بِهِ من ذَلِك قَلِيل، يدل عَلَيْهِ الاستقراء، فَلَيْسَ بقادح فِيمَا تأصل. وَأما التفصيلي: فَإِن قَوْله: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ ٤ قَضِيَّة عين فِي رجل معِين من الْكفَّار، بِسَبَب أَمر معِين، من همزه النَّبِي ﵊ وعيبه إيَّاه، فَهُوَ إِخْبَار عَن جَزَائِهِ على ذَلِك الْعَمَل الْقَبِيح، لَا أَنه أُجري مجْرى التخويف، فَلَيْسَ مِمَّا نَحن فِيهِ. وَهَذَا الْوَجْه جَار فِي قَوْله: ﴿كَلا إِنَّ الأِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ ٥ ... وَكَذَلِكَ سُورَة وَالضُّحَى، وَقَوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ٦ غير مَا نَحن فِيهِ، بل هُوَ أَمر من الله للنَّبِي ﵊ بالشكر لأجل مَا أعطَاهُ من الْمنح"

стр. 53

المبحث الرَّابِع: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي أَقسَام الْعُلُوم المضافة إِلَى الْقُرْآن الْكَرِيم ٢ قسم أَبُو إِسْحَاق الْعُلُوم المضافة إِلَى الْقُرْآن إِلَى أَرْبَعَة أَقسَام، فَقَالَ: "قسم: هُوَ كالأداة لفهمه واستخراج مَا فِيهِ من الْفَوَائِد، والمعين على معرفَة مُرَاد الله تَعَالَى مِنْهُ، كعلوم اللُّغَة الْعَرَبيَّة - الَّتِي لَا بُد مِنْهَا - وَعلم الْقرَاءَات، والناسخ والمنسوخ، وقواعد أصُول الْفِقْه، وَمَا أشبه ذَلِك"٣. ثمَّ ذكر أَبُو إِسْحَاق أَن هَذَا الْجَانِب قد يُدخل فِيهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ، كَقَوْل من قَالَ: إِن علم الْهَيْئَة وَسِيلَة إِلَى فهم قَوْله تَعَالَى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ ٤، وَقَول من قَالَ: إِن عُلُوم الفلسفة مَطْلُوبَة إِذْ لَا يُفهم الْمَقْصُود من الشَّرِيعَة إِلَّا بهَا٥. ثمَّ رد أَبُو إِسْحَاق على قَائِل ذَلِك بقوله: "وَلَو قَالَ قَائِل إِن الْأَمر بالضد مِمَّا قَالَ لما بَعُد فِي الْمُعَارضَة. وَشَاهد مَا بَين الْخَصْمَيْنِ شَأْن السّلف الصَّالح فِي تِلْكَ الْعُلُوم، هَل كَانُوا آخذين فِيهَا، أم كَانُوا تاركين لَهَا، أَو غافلين عَنْهَا؟ مَعَ الْقطع بتحققهم بفهم الْقُرْآن، يشْهد لَهُم بذلك النَّبِي ﷺ والجم الْغَفِير، فَلْينْظر امْرُؤ أَيْن يضع قدمه"٦. ثمَّ ذكر أَبُو إِسْحَاق الْقسم الثَّانِي بقوله: "وَقسم هُوَ مأخوذٌ من جملَته

стр. 54

من حَيْثُ هُوَ كَلَام لَا من حَيْثُ هُوَ خطاب بِأَمْر أَو نهي أَو غَيرهمَا، بل من جِهَة مَا هُوَ هُوَ، وَذَلِكَ مَا فِيهِ من دلَالَة النُّبُوَّة، وَهُوَ كَونه معْجزَة لرَسُول الله ﷺ فَإِن هَذَا الْمَعْنى لَيْسَ مأخوذًا من تفاصيل الْقُرْآن كَمَا تُؤْخَذ مِنْهُ الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة، إِذْ لم تنص آيَاته وسوره على ذَلِك مثل نَصهَا على الْأَحْكَام بِالْأَمر وَالنَّهْي وَغَيرهمَا، وَإِنَّمَا فِيهِ التَّنْبِيه على التَّعْجِيز أَن يَأْتُوا بِسُورَة مثله، وَذَلِكَ لَا يخْتَص بِهِ شَيْء من الْقُرْآن دون شَيْء، وَلَا سُورَة دون سُورَة، وَلَا نمط مِنْهُ دون آخر ... "١. ثمَّ ذكر الْقسم الثَّالِث بقوله: "وَقسم هُوَ مَأْخُوذ من عَادَة الله تَعَالَى فِي إنزاله، وخطاب الْخلق بِهِ ... ويشتمل على أَنْوَاع من الْقَوَاعِد الْأَصْلِيَّة والفوائد الفرعية، والمحاسن الأدبية"٢. ثمَّ ذكر على هَذَا الْقسم تِسْعَة أَمْثِلَة٣، جدير بِأَهْل الْقُرْآن أَن يراجعوها فَفِيهَا من الْفَوَائِد الشَّيْء الْكثير. ثمَّ ذكر الْقسم الرَّابِع بقوله: "وَقسم هُوَ الْمَقْصُود الأول ... وَذَلِكَ أَنه محتوٍ من الْعُلُوم على ثَلَاثَة أَجنَاس ... أَحدهَا: معرفَة المتوجَّه إِلَيْهِ، وَهُوَ الله المعبود سُبْحَانَهُ. وَالثَّانِي: معرفَة كَيْفيَّة التَّوَجُّه إِلَيْهِ. وَالثَّالِث: معرفَة مآل العَبْد ليخاف الله بِهِ ويرجوه"٤. ثمَّ شرح هَذِه الْأَجْنَاس الثَّلَاثَة بِكَلَام نَفِيس، نحيل الْقَارئ على مُرَاجعَته٥.

стр. 55

المبحث الْخَامِس: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي التَّفْسِير الإشاري لِلْقُرْآنِ الْكَرِيم ١ قَالَ - رَحمَه الله تَعَالَى -: "من النَّاس من زعم أَن لِلْقُرْآنِ ظَاهرا وَبَاطنا ... "٢. ثمَّ ذكر أَبُو إِسْحَاق الْأَدِلَّة على ذَلِك، وَأَطْنَبَ٣، وَسَيَأْتِي بَعْضهَا - إِن شَاءَ الله تَعَالَى - فِي التَّعْلِيق على هَذَا المبحث. ثمَّ ذكر أَبُو إِسْحَاق أَمْثِلَة على التَّفْسِير الإشاري الْبَاطِل٤. ثمَّ خلص أَبُو إِسْحَاق إِلَى ذكر شُرُوط التَّفْسِير الإشاري المقبول فَقَالَ: "فصل: وَكَون الْبَاطِن هُوَ المُرَاد من الْخطاب قد ظهر أَيْضا مِمَّا تقدم فِي الْمَسْأَلَة قبلهَا، وَلَكِن يشْتَرط فِيهِ شَرْطَانِ: أَحدهمَا: أَن يَصح على مُقْتَضى الظَّاهِر الْمُقَرّر فِي لِسَان الْعَرَب، وَيجْرِي على الْمَقَاصِد الْعَرَبيَّة. وَالثَّانِي: أَن يكون لَهُ شَاهد نصا أَو ظَاهرا فِي مَحل آخر يشْهد لصِحَّته من غير معَارض. فَأَما الأوّل: فَظَاهر من قَاعِدَة كَون الْقُرْآن عَرَبيا، فَإِنَّهُ لَو كَانَ لَهُ فهم لَا يَقْتَضِيهِ كَلَام الْعَرَب، لم يُوصف بِكَوْنِهِ عَرَبيا بِإِطْلَاق؛ وَلِأَنَّهُ مَفْهُوم يُلصق بِالْقُرْآنِ لَيْسَ فِي أَلْفَاظه، وَلَا فِي مَعَانِيه مَا يدل عَلَيْهِ، وَمَا كَانَ كَذَلِك فَلَا يَصح أَن ينْسب إِلَيْهِ أصلا ... وَأما الثَّانِي: فَلِأَنَّهُ إِن لم يكن لَهُ شَاهد فِي مَحل آخر، أَو

стр. 56

كَانَ لَهُ معَارض صَار من جملَة الدَّعَاوَى الَّتِي تدّعى على الْقُرْآن، وَالدَّعْوَى الْمُجَرَّدَة غير مَقْبُولَة بِاتِّفَاق الْعلمَاء. وبهذين الشَّرْطَيْنِ يتبيّن صِحَة مَا تقدّم أَنه الْبَاطِن؛ لأنّهما مُوَفّران فِيهِ، بِخِلَاف مَا فسّر بِهِ الباطنية١، فَإِنَّهُ لَيْسَ من علم الْبَاطِن كَمَا أَنه لَيْسَ من علم الظَّاهِر"٢. ثمَّ ذكر أَمْثِلَة من تفاسير الباطنية تخَالف هذَيْن الشَّرْطَيْنِ٣. ثمَّ قَالَ: "وَقد وَقعت فِي الْقُرْآن تفاسير مشكلة يُمكن أَن تكون من هَذَا الْقَبِيل، أَو من قبيل الْبَاطِن الصَّحِيح، وَهِي منسوبة لِأُنَاس من أهل الْعلم، وَرُبمَا نسب مِنْهَا إِلَى السّلف الصَّالح"٤ ثمَّ ذكر أَمْثِلَة على هَذِه التفاسير المشكلة٥. التَّعْلِيق على مَبْحَث: التَّفْسِير الإشاري لِلْقُرْآنِ الْكَرِيم التَّعْلِيق على هَذَا المبحث من ثَلَاثَة أوجه: الأوّل: أَن الْمُعْتَمد لمن ذهب إِلَى هَذَا التَّفْسِير - التَّفْسِير الإشاري - هُوَ مَا أخرجه الإِمَام البُخَارِيّ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: "كَانَ عمر يدخلني مَعَ أَشْيَاخ بدر، فكأنَّ بَعضهم وجد فِي نَفسه فَقَالَ: لم تدخل هَذَا مَعنا، وَلنَا أَبنَاء مثله؟. فَقَالَ عمر: إِنَّه من حَيْثُ علمْتُم. فَدَعَا ذَات يَوْم٦

стр. 57

فَأدْخلهُ مَعَهم فَمَا رُئيت أَنه دَعَاني يَوْمئِذٍ إِلَّا لِيُرِيَهُمْ. قَالَ مَا تَقولُونَ فِي قَول الله تَعَالَى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ ١ فَقَالَ بَعضهم: أُمرنا نحمد الله وَنَسْتَغْفِرهُ إِذا نصرنَا وَفتح علينا، وَسكت بَعضهم فَلم يقل شَيْئا. فَقَالَ لي: أكذاك تَقول يَا ابْن عَبَّاس؟ فَقلت: لَا. قَالَ: فَمَا تَقول؟ قلت: هُوَ أجل رَسُول الله ﷺ أعلمهُ لَهُ، قَالَ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ ٢ وَذَلِكَ عَلامَة أَجلك ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾ ٣ فَقَالَ عمر: مَا أعلم مِنْهَا إلَاّ مَا تَقول"٤. وَقد ذكر أَبُو إِسْحَاق هَذَا الدَّلِيل٥. وَالثَّانِي أَن أَبَا إِسْحَاق لم يرد التَّفْسِير الإشاري جملَة، وَلم يقبله جملَة، بل فصّل فِي ذَلِك وَهَذَا هُوَ الْحق. وَالثَّالِث: قد أَتَى أَبُو إِسْحَاق الشاطبي على أهم الشُّرُوط الَّتِي تشْتَرط لصِحَّة هَذَا التَّفْسِير، وَقد أضَاف بعض الْعلمَاء مَا يَلِي٦: ١ - ألَاّ يُدَّعى أَنه المُرَاد وَحده دون الظَّاهِر. ٢ - أَن يُبيَّن الْمَعْنى الْمَوْضُوع لَهُ اللَّفْظ الْكَرِيم أَولا. ٣ - ألَاّ يكون من وَرَاء هَذَا التَّفْسِير الإشاري تشويش على المفسَّر لَهُ.

стр. 58

المبحث السَّادِس: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي قَوْله: إِن الْمدنِي من السُّور يَنْبَغِي أَن يكون منزلا على الْمَكِّيّ فِي الْفَهم ، وَكَذَلِكَ الْمَكِّيّ بعضه مَعَ بعض، وَالْمَدَنِي بعضه مَعَ بعض١ قَالَ أَبُو إِسْحَاق الشاطبي: "الْمدنِي من السُّور يَنْبَغِي أَن يكون منزلا فِي الْفَهم على الْمَكِّيّ، وَكَذَلِكَ الْمَكِّيّ بعضه مَعَ بعض، وَالْمَدَنِي بعضه مَعَ بعض على حسب ترتيبه فِي التَّنْزِيل، وإلَاّ لم يَصح، وَالدَّلِيل على ذَلِك أَن معنى الْخطاب الْمدنِي - فِي الْغَالِب - مَبْنِيّ على الْمَكِّيّ، كَمَا أَن الْمُتَأَخر من كل وَاحِد مِنْهُمَا مَبْنِيّ على متقدمه، دلّ على ذَلِك الاستقراء، وَذَلِكَ إِنَّمَا يكون بِبَيَان مُجمل، أَو تَخْصِيص عُمُوم، أَو تَقْيِيد مُطلق، أَو تَفْصِيل مَا لم يفصل، أَو تَكْمِيل مَا لم يظْهر تكميله. وأوّل شَاهد على هَذَا أصل الشَّرِيعَة؛ فَإِنَّهَا جَاءَت متممة لمكارم الْأَخْلَاق، ومصلحة لما أُفسد قبل من مِلَّة إِبْرَاهِيم ﵇. ويليه تَنْزِيل سُورَة الْأَنْعَام فَإِنَّهَا نزلت مبينَة لقواعد العقائد، وأُصول الدّين، وَقد خرَّج الْعلمَاء مِنْهَا قَوَاعِد التَّوْحِيد الَّتِي صنف فِيهَا المتكلّمون، من أول إِثْبَات وَاجِب الْوُجُود إِلَى إِثْبَات الْإِمَامَة ... ثمَّ لما هَاجر رَسُول الله ﷺ إِلَى الْمَدِينَة كَانَ من أول مَا نزل عَلَيْهِ سُورَة الْبَقَرَة، وَهِي الَّتِي قررت قَوَاعِد التَّقْوَى المبنية على قَوَاعِد سُورَة الْأَنْعَام؛ فَإِنَّهَا بيّنت من أَقسَام أَفعَال الْمُكَلّفين جُمْلَتهَا، وَإِن تبيّن فِي غَيرهَا تفاصيل لَهَا كالعبادات الَّتِي هِيَ قَوَاعِد الْإِسْلَام، والعادات من أصل الْمَأْكُول والمشروب وَغَيرهمَا، والمعاملات من الْبيُوع

стр. 59

والأنكحة وَمَا دَار بهَا، والجنايات من أَحْكَام الدِّمَاء وَمَا يَليهَا. وَأَيْضًا فَإِن حفظ الدّين فِيهَا، وَحفظ النَّفس وَالْعقل والنسل وَالْمَال مضمن فِيهَا، وَمَا خرج عَن الْمُقَرّر فِيهَا فبحكم التَّكْمِيل، فغيرها من السُّور المدنية الْمُتَأَخِّرَة عَنْهَا مَبْنِيّ عَلَيْهَا، كَمَا كَانَ غير الْأَنْعَام من الْمَكِّيّ الْمُتَأَخر عَنْهَا مَبْنِيا عَلَيْهَا، وَإِذا تنزلت إِلَى سَائِر السُّور بَعْضهَا مَعَ بعض فِي التَّرْتِيب وَجدتهَا كَذَلِك، حَذْو القذة بالقذة، فَلَا يغيبن عَن النَّاظر فِي الْكتاب هَذَا الْمَعْنى؛ فَإِنَّهُ من أسرار عُلُوم التَّفْسِير، وعَلى حسب الْمعرفَة بِهِ تحصل لَهُ الْمعرفَة بِكَلَام ربه سُبْحَانَهُ"١. التَّعْلِيق على مَبْحَث: الْمدنِي من السُّور يَنْبَغِي أَن يكون منزلا على الْمَكِّيّ فِي الْفَهم التَّعْلِيق على هَذَا المبحث من وَجْهَيْن: الأوّل: أَن الإِمَام أَبَا إِسْحَاق الشاطبي قد سبق من كتب فِي عُلُوم الْقُرْآن - وَتعرض للمكي وَالْمَدَنِي - إِلَى دراسة هَذِه الْمَسْأَلَة٢. وَمن كتب فِي هَذَا المبحث فَهُوَ تبع للْإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي، على أَن أهمّ كتابين متداولين فِي عُلُوم الْقُرْآن لم يتَعَرَّض مؤلّفاهما لهَذَا المبحث بِهَذِهِ الطَّرِيقَة الَّتِي سلكها أَبُو إِسْحَاق٣. الثَّانِي: أَن هَذَا المبحث بِهَذَا النَّحْو الَّذِي طرقه الإِمَام أَبُو إِسْحَاق الشاطبي فِيهِ أحسن رد على أُولَئِكَ الْمَلَاحِدَة الَّذين زَعَمُوا أَن لَا صلَة بَين الْمَكِّيّ

стр. 60

وَالْمَدَنِي فِي الْقُرْآن الْكَرِيم١. وَفِي ظَنِّي أَن الَّذِي رد على هَذِه الشُّبْهَة وفندها٢لَو تنبه لكَلَام الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي لنقله؛ لِأَن فِيهِ الْبُرْهَان الدامغ المزهق لشُبْهَة أُولَئِكَ الْمَلَاحِدَة.

стр. 61

المبحث السَّابِع: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي أَن تَفْسِير الْقُرْآن الْكَرِيم يتبع فِيهِ الْمُفَسّر التَّوَسُّط والاعتدال ويتجنب فِيهِ الإفراط والتفريط ... المبحث السَّابِع: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي أَن تَفْسِير الْقُرْآن الْكَرِيم يتبع فِيهِ الْمُفَسّر التَّوَسُّط والاعتدال، ويجتنب فِيهِ الإفراط والتفريط١ قَالَ أَبُو إِسْحَاق عِنْد هَذِه الْمَسْأَلَة: "رُبمَا أَخذ تَفْسِير الْقُرْآن على التَّوَسُّط والاعتدال، وَعَلِيهِ أَكثر السّلف الْمُتَقَدِّمين، بل ذَلِك شَأْنهمْ، وَبِه كَانُوا أفقه النَّاس فِيهِ، وَأعلم الْعلمَاء بمقاصده وبواطنه. وَرُبمَا أَخذ على أحد الطَّرفَيْنِ الخارجين عَن الِاعْتِدَال: إِمَّا على الإفراط وَإِمَّا على التَّفْرِيط، وكلا طرفِي قصد الْأُمُور ذميم"٢. ثمَّ بيّن رَحمَه الله تَعَالَى أَن الَّذين فسروه على التَّفْرِيط هم الَّذين قصروا فِي فهم اللِّسَان الَّذِي جَاءَ بِهِ، وَهُوَ الْعَرَبيَّة، وَمن هَؤُلَاءِ الباطنية وَغَيرهم٣. ثمَّ قَالَ: "وَلَا إِشْكَال فِي اطِّراح التعويل على هَؤُلَاءِ"٤.

стр. 62

ثمَّ وضَّح رَحمَه الله تَعَالَى أَن الَّذين اتبعُوا الإفراط فِي تَفْسِير الْقُرْآن هم الَّذين دققوا فِي الْأَلْفَاظ المفردة والمعاني البلاغية، وَلم ينْظرُوا إِلَى الْمَعْنى الَّذِي سيق الْكَلَام من أَجله؛ لأنّ هَذِه الْأَشْيَاء إِنَّمَا تبحث بِقدر مَا تُؤدِّي بِهِ الْمعَانِي الْأَصْلِيَّة، الْمَقْصُودَة من سِيَاق الْكَلَام١. ثمَّ شرح أَبُو إِسْحَاق الوسطية الَّتِي يَنْبَغِي أَن يسير عَلَيْهَا الْمُفَسّر فَقَالَ: "وَالْقَوْل فِي ذَلِك - وَالله الْمُسْتَعَان - أَن المساقات تخْتَلف باخْتلَاف الْأَحْوَال والأوقات والنوازل، وَهَذَا مَعْلُوم فِي علم الْمعَانِي وَالْبَيَان، فَالَّذِي يكون على بَال من المستمع والمتفهم ... الِالْتِفَات إِلَى أول الْكَلَام وَآخره بِحَسب القضيّة، وَمَا اقْتَضَاهُ الْحَال فِيهَا، لَا ينظر فِي أَولهَا دون آخرهَا، وَلَا فِي آخرهَا دون أَولهَا؛ فَإِن الْقَضِيَّة وَإِن اشْتَمَلت على جمل فبعضها مُتَعَلق بِالْبَعْضِ؛ لأنّها قَضِيَّة وَاحِدَة نازلة فِي شَيْء وَاحِد، فَلَا محيص للمتفهم عَن ردّ آخر الْكَلَام على أَوله، وأوله على آخِره، وَإِذ ذَاك يحصل مَقْصُود الشَّارِع فِي فهم المكلَّف، فَإِن فرق النّظر فِي أَجْزَائِهِ، فَلَا يتَوَصَّل بِهِ إِلَى مُرَاده؛ فَلَا يَصح الِاقْتِصَار فِي النّظر على بعض أَجزَاء الْكَلَام دون بعض، إلَاّ فِي موطن وَاحِد وَهُوَ النّظر فِي فهم الظَّاهِر بِحَسب اللِّسَان الْعَرَبِيّ وَمَا يَقْتَضِيهِ، لَا بِحَسب مَقْصُود الْمُتَكَلّم، فَإِذا صَحَّ لَهُ الظَّاهِر على الْعَرَبيَّة، رَجَعَ إِلَى نفس الْكَلَام، فعمّا قريب يَبْدُو لَهُ مِنْهُ الْمَعْنى المُرَاد، فَعَلَيهِ بالتعبد بِهِ وَقد يُعينهُ على هَذَا الْمَقْصد النّظر فِي أَسبَاب التَّنْزِيل؛ فَإِنَّهَا تبين كثيرا من الْمَوَاضِع الَّتِي يخْتَلف مغزاها على النَّاظر ... "٢. ثمَّ سَاقه الْكَلَام على الْقَاعِدَة الْمُتَقَدّمَة إِلَى التَّعَرُّض إِلَى مَقَاصِد بعض سور

стр. 63

الْقُرْآن الْكَرِيم، فجَاء فِيهِ بالفوائد الممتعة١. فمما قَالَ فِي ذَلِك قَوْله رَحمَه الله تَعَالَى: "وَقَوله تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ ٢ نازلة فِي قَضِيَّة وَاحِدَة. وَسورَة "اقْرَأ" نازلة فِي قضيتين الأولى إِلَى قَوْله: ﴿عَلَّمَ الأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ ٣، وَالْأُخْرَى مَا بَقِي إِلَى آخر السُّورَة. وَسورَة الْمُؤمنِينَ نازلة فِي قَضِيَّة وَاحِدَة، وَإِن اشْتَمَلت على معَان كَثِيرَة فَإِنَّهَا من الْمَكِّيَّاتِ، وغالب الْمَكِّيّ أَنه مُقَرر لثَلَاثَة معَان - أَصْلهَا معنى وَاحِد وَهُوَ الدُّعَاء إِلَى عبَادَة الله تَعَالَى - أَحدهَا: تَقْرِير الوحدانية لله الْوَاحِد الْحق ... وَالثَّانِي: تَقْرِير النُّبُوَّة للنَّبِي مُحَمَّد، وَأَنه رَسُول الله إِلَيْهِم جَمِيعًا، صَادِق فِيمَا جَاءَ بِهِ من عِنْد الله ... وَالثَّالِث: إِثْبَات أَمر الْبَعْث وَالدَّار الْآخِرَة، وَأَنه حق لَا ريب فِيهِ بالأدلة الْوَاضِحَة، وَالرَّدّ على من أنكر ذَلِك، بِكُل وَجه يُمكن الْكَافِر إِنْكَاره بِهِ.... فَهَذِهِ الْمعَانِي الثَّلَاثَة هِيَ الَّتِي اشْتَمَل عَلَيْهَا الْمنزل من الْقُرْآن بِمَكَّة فِي عامّة الْأَمر، وَمَا ظهر ببادئ الرَّأْي خُرُوجه عَنْهَا فراجع إِلَيْهَا فِي محصول الْأَمر، وَيتبع ذَلِك التَّرْغِيب والترهيب، والأمثال والقصص، وَذكر الْجنَّة وَالنَّار، وَوصف يَوْم الْقِيَامَة، وَأَشْبَاه ذَلِك"٤. ثمَّ رَجَعَ أَبُو إِسْحَاق إِلَى تطبيق الْمعَانِي الثَّلَاثَة على سُورَة الْمُؤمنِينَ، يقف على ذَلِك من أحب فِي موطنه من كتاب الموافقات٥.

стр. 64

التَّعْلِيق على مَبْحَث: تَفْسِير الْقُرْآن الْكَرِيم يتبع فِيهِ الْمُفَسّر التَّوَسُّط والاعتدال قَضِيَّة التَّوَسُّط والاعتدال الَّتِي ألمح إِلَيْهَا أَبُو إِسْحَاق الشاطبي قضيّة مهمّة جدًّا سَوَاء فِي فهم الْقُرْآن الْكَرِيم وَتَفْسِيره، أَو فِي غير ذَلِك من حَيَاة الْمُسلم. وَلَو اتُّبع كل من فسر الْقُرْآن الْكَرِيم التَّوَسُّط والاعتدال فِي تَفْسِيره لما وجدنَا الأبحاث المطولة الَّتِي لَا علاقَة لَهَا بتفسير الْآيَة. وَلَو اتُّبع التَّوَسُّط والاعتدال لما جُعل تَفْسِير الْقُرْآن كتاب نَحْو تذكر فِيهِ الْقَوَاعِد النحوية ودقائق عُلُوم النَّحْو، والاعتراضات والردود، ورد الردود. وَلَو اتُّبع التَّوَسُّط والاعتدال لما وجدنَا بَين كتب التَّفْسِير مَا يشبه كتاب عُلُوم مدرسي فِيهِ صور الْحَيَوَانَات والنباتات، ثمَّ يَدعِي صَاحبه أَن هَذَا هُوَ مَقْصُود الله من إِنْزَال كِتَابه، وَأَن جَمِيع عُلَمَاء التَّفْسِير الْمُتَقَدِّمين أخطأوا عِنْدَمَا لم يظهروا هَذِه الْعُلُوم النباتية الحيوانية؟. وَلَو اتُّبع التَّوَسُّط والاعتدال لما وجدنَا بَين الْمُفَسّرين لهَذَا الْكتاب الْكَرِيم من يَقع فِي بِدعَة الاعتزال، والإرجاء، والتشبيه، والتكفير، وَغَيرهَا من الْبدع، ثمَّ يُفَسر الْقُرْآن على مَا يُوَافق بدعته، وَيَزْعُم أَن هَذَا هُوَ مَقْصُود الله من كَلَامه. وَلَو اتُّبع التَّوَسُّط والاعتدال فِي تَفْسِير الْقُرْآن الْكَرِيم لسلم تراثنا التفسيري من خزعبلات بني إِسْرَائِيل الَّتِي قُصد بهَا إِفْسَاد فهمنا لكتاب الله تَعَالَى. وَلَو اتُّبع التَّوَسُّط والاعتدال فِي تَفْسِير الْقُرْآن الْكَرِيم وتطبيقه لما وصلنا إِلَى هَذِه الْحَال - الَّتِي نَحن عَلَيْهَا الْيَوْم - من الانحطاط والتبعية لأمم الْكفْر من يهود ونصارى وَغَيرهم.

стр. 65

المبحث الثَّامِن: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي بَيَان الْمَقْصُود بِالرَّأْيِ المذموم والرأي الممدوح فِي تَفْسِير الْقُرْآن الْكَرِيم ... المبحث الثَّامِن١: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي بَيَان الْمَقْصُود بِالرَّأْيِ المذموم والرأي الممدوح فِي تَفْسِير الْقُرْآن الْكَرِيم٢ قَالَ أَبُو إِسْحَاق رَحمَه الله تَعَالَى: "إِعْمَال الرَّأْي فِي الْقُرْآن جَاءَ ذمه، وَجَاء أيض - اما يَقْتَضِي إعماله، وحسبك من ذَلِك مَا نقل عَن الصدِّيق، فَإِنَّهُ نقل عَنهُ أَنه قَالَ - وَقد سُئل فِي شَيْء من الْقُرْآن -: "أَي سَمَاء تُظِلنِي وَأي أَرض تُقِلني إِن أَنا قلت فِي كتاب الله مَا لَا أعلم ... " ٣. ثمَّ سُئل عَن الْكَلَالَة الْمَذْكُورَة فِي الْقُرْآن فَقَالَ: "أَقُول فِيهَا برأيي، فَإِن كَانَ صَوَابا فَمن الله، وَإِن كَانَ خطأ فمني وَمن الشَّيْطَان، الْكَلَالَة كَذَا وَكَذَا" ٤. فهذان قَولَانِ اقتضيا إِعْمَال الرَّأْي وَتَركه فِي الْقُرْآن، وهما لايجتمعان"٥. ثمَّ أجَاب أَبُو إِسْحَاق عَمَّا رُوي عَن أبي بكر ﵁ مِمَّا يَقْتَضِي إِعْمَال الرَّأْي وَتَركه فَقَالَ: "وَالْقَوْل فِيهِ أَن الرَّأْي ضَرْبَان: أَحدهمَا:

стр. 66

جَار على مُوَافقَة كَلَام الْعَرَب، وموافقة الْكتاب وَالسّنة، فَهَذَا لَا يُمكن إهمال مثله لعالم بهما لأمور: أَحدهَا: إِن الْكتاب لَا بُد من القَوْل فِيهِ بِبَيَان معنى، واستنباط حكم وَتَفْسِير لفظ، وَفهم مُرَاد، وَلم يَأْتِ جَمِيع ذَلِك عَمَّن تقدم، فإمَّا أَن يتَوَقَّف دون ذَلِك فتتعطل الْأَحْكَام كلهَا أَو أَكْثَرهَا، وَذَلِكَ غير مُمكن، فَلَا بُد من القَوْل فِيهِ بِمَا يَلِيق. وَالثَّانِي: أَنه لَو كَانَ كَذَلِك؛ للَزِمَ أَن يكون الرَّسُول ﷺ مُبينًا ذَلِك كُله بالتوقيف؛ فَلَا يكون لأحد فِيهِ نظر وَلَا قَول، والمعلوم أَنه ﵊ لم يفعل ذَلِك١، فَدلَّ على أَنه لم يُكَلف بِهِ على ذَلِك الْوَجْه، بل بيَّن مِنْهُ مَا لَا يُوصل إِلَى علمه إلَاّ بِهِ، وَترك كثيرا مِمَّا يُدْرِكهُ أَرْبَاب الِاجْتِهَاد باجتهادهم، فَلم يلْزم فِي جَمِيع تَفْسِير الْقُرْآن التَّوْقِيف. وَالثَّالِث: أَن الصَّحَابَة كَانُوا أولى بِهَذَا الِاحْتِيَاط من غَيرهم، وَقد علم أَنهم فسروا الْقُرْآن على مَا فَهموا، وَمن جهتهم بلغنَا تَفْسِير مَعْنَاهُ، والتوقيف يُنَافِي هَذَا؛ فإطلاق القَوْل بالتوقيف وَالْمَنْع من الرَّأْي لَا يصحّ. وَالرَّابِع: أَن هَذَا الْفَرْض لَا يُمكن؛ لأنّ النّظر فِي الْقُرْآن من جِهَتَيْنِ: من جِهَة الْأُمُور الشَّرْعِيَّة، فقد يسلم القَوْل بالتوقيف فِيهِ وَترك الرَّأْي وَالنَّظَر جدلاً. وَمن جِهَة المآخذ الْعَرَبيَّة؛ وَهَذَا لَا يُمكن فِيهِ التَّوْقِيف، وَإِلَّا لزم ذَلِك فِي السّلف الأوّلين، وَهُوَ بَاطِل، فاللازم عَنهُ مثله، وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ أوضح من إطناب

стр. 67

فِيهِ"١. ثمَّ وضَّح أَبُو إِسْحَاق الْمَقْصُود بِالرَّأْيِ المذموم فَقَالَ: "وَأما الرَّأْي غير الْجَارِي على مُوَافقَة الْعَرَبيَّة، أَو الْجَارِي على الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة٢ فَهَذَا هُوَ الرَّأْي المذموم من غير إِشْكَال كَمَا كَانَ مذموما فِي الْقيَاس أَيْضا حَسْبَمَا هُوَ مذكورٌ فِي كتاب الْقيَاس؛ لِأَنَّهُ تَقول على الله بِغَيْر برهَان، فَيرجع إِلَى الْكَذِب على الله تَعَالَى، وَفِي هَذَا الْقسم جَاءَ من التَّشْدِيد فِي القَوْل بِالرَّأْيِ فِي الْقُرْآن مَا جَاءَ"٣. ثمَّ أورد أَبُو إِسْحَاق الشاطبي عَن جملَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ ذمّ هَذَا النَّوْع من الرَّأْي٤. ثمَّ ختم هَذِه الْمَسْأَلَة بقوله: "فَالَّذِي يُسْتَفَاد من هَذَا الْموضع أَشْيَاء: مِنْهَا: التحفظ من القَوْل فِي كتاب الله تَعَالَى إلَاّ على بَيِّنَة، فَإِن النَّاس فِي الْعلم بالأدوات الْمُحْتَاج إِلَيْهَا فِي التَّفْسِير على ثَلَاث طَبَقَات: إِحْدَاهَا: من بلغ فِي ذَلِك مبلغ الراسخين كالصحابة وَالتَّابِعِينَ، وَمن يليهم، وَهَؤُلَاء قَالُوا مَعَ التوقي والتحفظ والهيبة وَالْخَوْف من الهجوم، فَنحْن أولى بذلك مِنْهُم، إِن ظننا بِأَنْفُسِنَا أَنا فِي الْعلم والفهم مثلهم، وهيهات. وَالثَّانيَِة: من علم من نَفسه أَنه لم يبلغ مبالغهم وَلَا داناهم، فَهَذَا طرف لَا إِشْكَال فِي تَحْرِيم ذَلِك عَلَيْهِ.

стр. 68

وَالثَّالِثَة: من شكّ فِي بُلُوغه مبلغ أهل الِاجْتِهَاد، أَو ظن ذَلِك فِي بعض علومه دون بعض فَهَذَا أَيْضا دَاخل تَحت حكم الْمَنْع من القَوْل فِيهِ؛ لِأَن الأَصْل عدم الْعلم، فعندما يبْقى لَهُ شكّ أَو تردد فِي الدُّخُول مدْخل الْعلمَاء الراسخين فانسحاب الحكم الأول عَلَيْهِ بَاقٍ بِلَا إِشْكَال، وكل أحد فَقِيه نَفسه فِي هَذَا المجال، وَرُبمَا تعدى بعض أَصْحَاب هَذِه الطَّبَقَة طوره، فَحسن ظَنّه بِنَفسِهِ، وَدخل فِي الْكَلَام فِيهِ مَعَ الراسخين، وَمن هُنَا افْتَرَقت الْفرق، وتباينت النَّحْل، وَظهر فِي تَفْسِير الْقُرْآن الْخلَل. وَمِنْهَا: أَن من ترك النّظر فِي الْقُرْآن، وَاعْتمد فِي ذَلِك على من تقدّمه، ووكل إِلَيْهِ النّظر فِيهِ غير ملوم، وَله فِي ذَلِك سَعَة، إلَاّ فِيمَا لَا بُد لَهُ مِنْهُ، وعَلى حكم الضَّرُورَة، فَإِن النّظر فِيهِ يشبه النّظر فِي الْقيَاس، كَمَا هُوَ مَذْكُور فِي بَابه، وَمَا زَالَ السّلف الصَّالح يتحرجون من الْقيَاس فِيمَا لَا نَص فِيهِ، وَكَذَلِكَ وجدناهم فِي القَوْل فِي الْقُرْآن، فَإِن الْمَحْظُور فيهمَا وَاحِد، وَهُوَ خوف التقول على الله، بل القَوْل فِي الْقُرْآن أَشد، فَإِن الْقيَاس يرجع إِلَى نظر النَّاظر، وَالْقَوْل فِي الْقُرْآن يرجع إِلَى أَن الله أَرَادَ كَذَا أَو عَنى كَذَا بِكَلَامِهِ الْمنزل، وَهَذَا عَظِيم الْخطر. وَمِنْهَا: أَن يكون على بالٍ من النَّاظر والمفسر، والمتكلِّم عَلَيْهِ أَن مَا يَقُوله تقصيد مِنْهُ للمتكلم، وَالْقُرْآن كَلَام الله، فَهُوَ يَقُول بِلِسَان بَيَانه: هَذَا مُرَاد الله من هَذَا الْكَلَام، فليتثبت أَن يسْأَله الله تَعَالَى: من أَيْن قلت عني هَذَا؟ فَلَا يَصح لَهُ ذَلِك إِلَّا بِبَيَان الشواهد، وَإِلَّا فمجرّد الِاحْتِمَال يَكْفِي بِأَن يَقُول: يحْتَمل أَن يكون الْمَعْنى كَذَا وَكَذَا، بِنَاء أَيْضا على صِحَة تِلْكَ الِاحْتِمَالَات فِي صلب الْعلم، وإلَاّ فالاحتمالات الَّتِي لَا ترجع إِلَى أصل غير مُعْتَبرَة، فعلى كل تَقْدِير لَا بُد فِي كل قَول يجْزم بِهِ أَو يحمّل من شَاهد يشْهد لأصله، وإلَاّ كَانَ

стр. 69

بَاطِلا وَدخل صَاحبه تَحت أهل الرَّأْي المذموم، وَالله أعلم"١. قلت: لَيْت شعري أَيْن يضع نَفسه من يسْتَقلّ بتفسير الْقُرْآن فِي زَمَاننَا هَذَا؟!. إِنَّه لَا يُمكن أَن يضع نَفسه مَعَ الطَّبَقَة الأولى فِي الْعلم بأدوات التَّفْسِير، فَلم يبْق إِلَّا الطَّبَقَة الثَّانِيَة، وَالثَّالِثَة، وَكِلَاهُمَا مَمْنُوعَة من القَوْل فِي الْقُرْآن وَتَفْسِيره، كَمَا وضَّح ذَلِك أَبُو إِسْحَاق، رَحمَه الله تَعَالَى.

стр. 70

المبحث التَّاسِع: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي حكم تَرْجَمَة الْقُرْآن الْكَرِيم ١ قدم أَبُو إِسْحَاق الشاطبي لهَذِهِ الْمَسْأَلَة بمقدمة بنى عَلَيْهَا حكم تَرْجَمَة الْقُرْآن، فَقَالَ فِي هَذِه الْمُقدمَة: "للغة الْعَرَبيَّة من حَيْثُ هِيَ أَلْفَاظ دَالَّة على معَان نظران: أَحدهمَا: من جِهَة كَونهَا ألفاظا وعبارات مُطلقَة ... وَهِي الدّلَالَة الأصليّة. وَالثَّانِي: من جِهَة كَونهَا ألفاظا وعبارات مقيّدة دَالَّة على معَان خادمة، وَهِي الدّلَالَة التابعة. فالجهة الأولى: هِيَ الَّتِي يشْتَرك فِيهَا جَمِيع الْأَلْسِنَة، وإليها تَنْتَهِي مَقَاصِد الْمُتَكَلِّمين، وَلَا تخْتَص بِأمة دون أُخْرَى؛ فَإِنَّهُ إِذا حصل فِي الْوُجُود فعل لزيد مثلا كالقيام، ثمَّ أَرَادَ كل صَاحب لِسَان الْإِخْبَار عَن زيد بِالْقيامِ، تأتىله مَا أَرَادَ من غير كلفة، وَمن هَذِه الْجِهَة يُمكن فِي لِسَان الْعَرَب الْإِخْبَار عَن أَقْوَال الأوّلين - مِمَّن لَيْسُوا من أهل اللُّغَة الْعَرَبيَّة - وحكاية كَلَامهم، ويتأتى فِي لِسَان الْعَجم

стр. 71

حِكَايَة أَقْوَال الْعَرَب والإخبار عَنْهَا، وَهَذَا لَا إِشْكَال فِيهِ. وَأما الْجِهَة الثَّانِيَة: فَهِيَ الَّتِي يخْتَص بهَا لِسَان الْعَرَب فِي تِلْكَ الْحِكَايَة وَذَلِكَ الْإِخْبَار، فَإِن كل خبر يَقْتَضِي فِي هَذِه الْجِهَة أمورًا خادمة لذَلِك الْإِخْبَار بِحَسب الخَبر والمُخبِر والمخبَر عَنهُ والمُخبَر بِهِ، وَنَفس الْإِخْبَار فِي الْحَال والمساق، وَنَوع الأسلوب، من الْإِيضَاح، والإخفاء، والإيجاز، والإطناب، وَغير ذَلِك"١. ثمَّ ضرب أَبُو إِسْحَاق أَمْثِلَة لبَيَان الْجِهَة الثَّانِيَة وتوضيحها٢. ثمَّ قَالَ: "وَإِذا ثَبت هَذَا، فَلَا يُمكن من اعْتبر هَذَا الْوَجْه الْأَخير أَن يترجم كلَاما من الْكَلَام الْعَرَبِيّ بِكَلَام الْعَجم على حَال، فضلا عَن أَن يترجم الْقُرْآن، ويُنقل إِلَى لِسَان غير عَرَبِيّ إلَاّ مَعَ فرض اسْتِوَاء اللسانين فِي اعْتِبَاره عينا، كَمَا إِذا اسْتَوَى اللسانان فِي اسْتِعْمَال مَا تقدّم تمثيله وَنَحْوه، فَإِذا ثَبت ذَلِك فِي اللِّسَان الْمَنْقُول إِلَيْهِ مَعَ لِسَان الْعَرَب، أمكن أَن يترجم أَحدهمَا إِلَى الآخر وَإِثْبَات مثل هَذَا بِوَجْه بَين عسير جدًّا ... وَقد نفى ابْن قُتَيْبَة إِمْكَان التَّرْجَمَة فِي الْقُرْآن - يَعْنِي على هَذَا الْوَجْه الثَّانِي - فَأَما على الْوَجْه الأوَّل فَهُوَ مُمكن، وَمن جِهَته صَحَّ تَفْسِير الْقُرْآن وَبَيَان مَعْنَاهُ للعامّة، وَمن لَيْسَ لَهُ فهم يقوى على تَحْصِيل مَعَانِيه، وَكَانَ ذَلِك جَائِزا بِاتِّفَاق أهل الْإِسْلَام، فَصَارَ هَذَا الِاتِّفَاق حجّة فِي صِحَة التَّرْجَمَة على الْمَعْنى الْأَصْلِيّ"٣. التَّعْلِيق على مَبْحَث: حكم تَرْجَمَة الْقُرْآن الْكَرِيم الْكَلَام على مَسْأَلَة تَرْجَمَة الْقُرْآن يطول جدًّا، وَقد بحثها الْعلمَاء بحثا

стр. 72

مستفيضا١؛ وَلذَلِك سَوف أقتصر فِي هَذَا المبحث على التَّعْلِيق على كَلَام أبي إِسْحَاق الشاطبي بِذكر كَلَام بعض الْعلمَاء، ثمَّ أذكر أَنْوَاع التَّرْجَمَة، وَبَيَان الْجَائِز مِنْهَا والممنوع. ١ - قَالَ الشَّيْخ مناع الْقطَّان رَحمَه الله تَعَالَى٢ - بعد أَن نقل بعض كَلَام الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي -: "وَمَعَ هَذَا فَإِن تَرْجَمَة الْمعَانِي الْأَصْلِيَّة لَا تَخْلُو من فَسَاد، فَإِن اللَّفْظ الْوَاحِد فِي الْقُرْآن قد يكون لَهُ مَعْنيانِ، أَو معانٍ تحتملها الْآيَة، فَيَضَع المترجم لفظا يدل على معنى وَاحِد، حَيْثُ لَا يجد لفظا يشاكل اللَّفْظ الْعَرَبِيّ فِي احْتِمَال تِلْكَ الْمعَانِي المتعددة. وَقد يسْتَعْمل الْقُرْآن اللَّفْظ فِي معنى مجازي فَيَأْتِي المترجم بِلَفْظ يرادف اللَّفْظ الْعَرَبِيّ فِي مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيّ؛ وَلِهَذَا وَنَحْوه وَقعت أخطاء كَثِيرَة فِيمَا ترْجم لمعاني الْقُرْآن. وَمَا ذهب إِلَيْهِ الشاطبي واعتبره حجّة فِي صِحَة التَّرْجَمَة على الْمَعْنى الْأَصْلِيّ لَيْسَ على إطلاقِه؛ فَإِن بعض الْعلمَاء يخص هَذَا بِمِقْدَار الضَّرُورَة فِي إبلاغ الدعْوَة بِالتَّوْحِيدِ وأركان الْعِبَادَات، وَلَا يتَعَرَّض لما سوى ذَلِك، وَيُؤمر من أَرَادَ الزِّيَادَة بتَعَلُّم

стр. 73

اللِّسَان الْعَرَبِيّ"١. قلت: فَتبين لَك بِهَذَا أَن تَرْجَمَة الْمعَانِي الْأَصْلِيَّة غير مُمكن إِلَّا مَعَ وجود الْفساد والأخطاء الْكَثِيرَة، وَلَو كَانَ هَذَا الْفساد والأخطاء الْكَثِيرَة فِي غير الْقُرْآن لمُنع من يفعل ذَلِك، فَكيف بِالْقُرْآنِ الْكَرِيم؟!. ٢ - أَنْوَاع التَّرْجَمَة، وَبَيَان الجائر مِنْهَا والممنوع. هِيَ ثَلَاثَة أَنْوَاع٢، بيانُها فِيمَا يَلِي: أ - التَّرْجَمَة اللفظية المثلية: وَهِي إِبْدَال لفظ بِلَفْظ آخر يرادفه فِي الْمَعْنى، مَعَ الاحتفاظ بِمَا للمبدل مِنْهُ من التراكيب والنسق والأسلوب، والدلائل الْأَصْلِيَّة والتبعية، وَبِمَا لَهُ من خفَّة على الأسماع وتأثير على الْقُلُوب، وَبِمَا لَهُ من إحكام وتشابه وإعجاز٣. وَحكم هَذَا النَّوْع أَنه محَال عقلا وَشرعا. أما عقلا؛ فَلِأَن التجارب العلمية برهنت على أَن نقل كَلَام من لُغَة إِلَى أُخْرَى بِكُل مَا فِي الأَصْل مِمَّا ذكر فِي التَّعْرِيف مُسْتَحِيل فِي كَلَام الْبشر، فَكيف بِهِ فِي كَلَام الله المعجز٤. وَأما شرعا فَإِنَّهُ مُسْتَحِيل أَيْضا؛ لِأَن مَعْنَاهُ الْإِتْيَان بقرآن مثل هَذَا الْقُرْآن بلغَة أُخرى، وَقد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا

стр. 74

بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ ١. ب - التَّرْجَمَة المعنوية: وَهِي إِبْدَال لفظ بِلَفْظ آخر يرادفه فِي الْمَعْنى الإجمالي، أَو فِي الْمَعْنى الْقَرِيب بِصَرْف النّظر عَن الْمعَانِي التّبعِيَّة والبعيدة، وبصرف النّظر عَن الخصائص والمزايا، وَهَذِه مُمكنَة على وَجه الْإِجْمَال بِالْقدرِ المستطاع فِي بعض الْأَلْفَاظ دون بعض، وَفِي بعض اللُّغَات دون بعض، وَلَا تسلم من الْخَطَأ والبعد عَن المُرَاد٢. وَهَذَا النَّوْع من التَّرْجَمَة، وَإِن جَازَ فِي كَلَام النَّاس، فَإِنَّهُ يَحرُم فِي كَلَام الله الْقُرْآن الْكَرِيم؛ لأمورٍ كَثِيرَة يطول شرحُها، مِنْهَا: أَنَّهَا لن تسلم من الْخَطَأ والبعد عَن المُرَاد. وَمِنْهَا: أَن هَذِه التَّرْجَمَة تُؤدِّي إِلَى ضيَاع الأَصْل، كَمَا ضَاعَت أصُول الْكتب الْمُتَقَدّمَة. وَمِنْهَا: أَن ذَلِك يُؤَدِّي إِلَى انصراف النَّاس عَن كتاب رَبهم مكتفين بِمَا يزعمونه تَرْجَمَة لِلْقُرْآنِ. وَمِنْهَا: ضعف لُغَة الْقُرْآن وَالْقَضَاء عَلَيْهَا فِي النِّهَايَة. وَمِنْهَا: وجود الِاخْتِلَاف بَين الْمُسلمين، فكلُّ دولة تضع تَرْجَمَة لِلْقُرْآنِ وتزعمها أفضل الْمَوْجُود، وَهَكَذَا الدولة الْأُخْرَى، فَيحصل الِاخْتِلَاف بَين أمة مُحَمَّد ﷺ ، ونكونُ بِهَذَا قد خَالَفنَا مَا أمرنَا الله بِهِ ونهانا، حَيْثُ قَالَ: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ ٣، وَقَالَ: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٤. وَمِنْهَا: أَن نُصُوص عُلَمَاء الْمذَاهب تدلُّ على تَحْرِيم هَذَا النَّوْع من

стр. 75

التَّرْجَمَة. قَالَ الإِمَام الألوسي: "وَفِي مِعْرَاج الدِّرَايَة: مَن تعمّد قِرَاءَة الْقُرْآن أَو كِتَابَته بِالْفَارِسِيَّةِ فَهُوَ مَجْنُون، أَو زنديق. والمجنونُ يُداوى، والزنديق يُقتل"١. وَقَالَ الإِمَام النَّوَوِيّ: "مَذْهَبنَا أَنه لَا يجوز قِرَاءَة الْقُرْآن بِغَيْر لِسَان الْعَرَب، سَوَاء أمكنه الْعَرَبيَّة أَو عجز عَنْهَا، وَسَوَاء كَانَ فِي الصَّلَاة أوغيرها"٢. وَقَالَ الإِمَام ابْن قدامَة: "وَلَا تُجزئه الْقِرَاءَة بِغَيْر الْعَرَبيَّة، وَلَا إِبْدَال لَفظهَا بِلَفْظ عَرَبِيّ، سَوَاء أحسنَ قرَاءَتهَا بِالْعَرَبِيَّةِ أَو لم يحسن"٣. وَنَحْو هَذَا قَالَ الْمَالِكِيَّة٤، وَأهل الظَّاهِر٥. وَقَالَ الْعَلامَة مُحَمَّد رشيد رضَا: "المعوّل عَلَيْهِ عِنْد الْأَئِمَّة وَسَائِر الْعلمَاء أَنه لَا يجوز كِتَابَة الْقُرْآن وقراءته وَلَا تَرْجَمته بِغَيْر الْعَرَبيَّة مُطلقًا، إِلَّا فِيمَا نقل عَن أبي حنيفَة وصاحبيه من جَوَاز قِرَاءَة الْقُرْآن بِالْفَارِسِيَّةِ فِي خُصُوص الصَّلَاة"٦. وَمن الْأُمُور الَّتِي تمنع جَوَاز تَرْجَمَة الْقُرْآن: أَن الْمُلْحِدِينَ الَّذين يُرِيدُونَ هدم الْإِسْلَام يضللون النَّاس بِهَذِهِ التَّرْجَمَة، ويزعمون أَنَّهَا قُرْآن، وَقد وَقع ذَلِك فِي بعض الْبِلَاد الإسلامية الَّتِي كَانَت يَوْمًا تقودُ الْعَالم الإسلامي أجمع٧. ومَن أجَاز هَذَا النَّوْع من التَّرْجَمَة فَإِنَّمَا اعْتمد على شُبه سرعَان مَا
следующие страницы →