← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 4545

مع الامام أبي إسحاق الشاطبي في مباحث من علوم القرآن الكريم وتفسيره

شايع الأسمري

Полный текст (140 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

حِكَايَة أَقْوَال الْعَرَب والإخبار عَنْهَا، وَهَذَا لَا إِشْكَال فِيهِ. وَأما الْجِهَة الثَّانِيَة: فَهِيَ الَّتِي يخْتَص بهَا لِسَان الْعَرَب فِي تِلْكَ الْحِكَايَة وَذَلِكَ الْإِخْبَار، فَإِن كل خبر يَقْتَضِي فِي هَذِه الْجِهَة أمورًا خادمة لذَلِك الْإِخْبَار بِحَسب الخَبر والمُخبِر والمخبَر عَنهُ والمُخبَر بِهِ، وَنَفس الْإِخْبَار فِي الْحَال والمساق، وَنَوع الأسلوب، من الْإِيضَاح، والإخفاء، والإيجاز، والإطناب، وَغير ذَلِك"١. ثمَّ ضرب أَبُو إِسْحَاق أَمْثِلَة لبَيَان الْجِهَة الثَّانِيَة وتوضيحها٢. ثمَّ قَالَ: "وَإِذا ثَبت هَذَا، فَلَا يُمكن من اعْتبر هَذَا الْوَجْه الْأَخير أَن يترجم كلَاما من الْكَلَام الْعَرَبِيّ بِكَلَام الْعَجم على حَال، فضلا عَن أَن يترجم الْقُرْآن، ويُنقل إِلَى لِسَان غير عَرَبِيّ إلَاّ مَعَ فرض اسْتِوَاء اللسانين فِي اعْتِبَاره عينا، كَمَا إِذا اسْتَوَى اللسانان فِي اسْتِعْمَال مَا تقدّم تمثيله وَنَحْوه، فَإِذا ثَبت ذَلِك فِي اللِّسَان الْمَنْقُول إِلَيْهِ مَعَ لِسَان الْعَرَب، أمكن أَن يترجم أَحدهمَا إِلَى الآخر وَإِثْبَات مثل هَذَا بِوَجْه بَين عسير جدًّا ... وَقد نفى ابْن قُتَيْبَة إِمْكَان التَّرْجَمَة فِي الْقُرْآن - يَعْنِي على هَذَا الْوَجْه الثَّانِي - فَأَما على الْوَجْه الأوَّل فَهُوَ مُمكن، وَمن جِهَته صَحَّ تَفْسِير الْقُرْآن وَبَيَان مَعْنَاهُ للعامّة، وَمن لَيْسَ لَهُ فهم يقوى على تَحْصِيل مَعَانِيه، وَكَانَ ذَلِك جَائِزا بِاتِّفَاق أهل الْإِسْلَام، فَصَارَ هَذَا الِاتِّفَاق حجّة فِي صِحَة التَّرْجَمَة على الْمَعْنى الْأَصْلِيّ"٣. التَّعْلِيق على مَبْحَث: حكم تَرْجَمَة الْقُرْآن الْكَرِيم الْكَلَام على مَسْأَلَة تَرْجَمَة الْقُرْآن يطول جدًّا، وَقد بحثها الْعلمَاء بحثا

стр. 72

مستفيضا١؛ وَلذَلِك سَوف أقتصر فِي هَذَا المبحث على التَّعْلِيق على كَلَام أبي إِسْحَاق الشاطبي بِذكر كَلَام بعض الْعلمَاء، ثمَّ أذكر أَنْوَاع التَّرْجَمَة، وَبَيَان الْجَائِز مِنْهَا والممنوع. ١ - قَالَ الشَّيْخ مناع الْقطَّان رَحمَه الله تَعَالَى٢ - بعد أَن نقل بعض كَلَام الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي -: "وَمَعَ هَذَا فَإِن تَرْجَمَة الْمعَانِي الْأَصْلِيَّة لَا تَخْلُو من فَسَاد، فَإِن اللَّفْظ الْوَاحِد فِي الْقُرْآن قد يكون لَهُ مَعْنيانِ، أَو معانٍ تحتملها الْآيَة، فَيَضَع المترجم لفظا يدل على معنى وَاحِد، حَيْثُ لَا يجد لفظا يشاكل اللَّفْظ الْعَرَبِيّ فِي احْتِمَال تِلْكَ الْمعَانِي المتعددة. وَقد يسْتَعْمل الْقُرْآن اللَّفْظ فِي معنى مجازي فَيَأْتِي المترجم بِلَفْظ يرادف اللَّفْظ الْعَرَبِيّ فِي مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيّ؛ وَلِهَذَا وَنَحْوه وَقعت أخطاء كَثِيرَة فِيمَا ترْجم لمعاني الْقُرْآن. وَمَا ذهب إِلَيْهِ الشاطبي واعتبره حجّة فِي صِحَة التَّرْجَمَة على الْمَعْنى الْأَصْلِيّ لَيْسَ على إطلاقِه؛ فَإِن بعض الْعلمَاء يخص هَذَا بِمِقْدَار الضَّرُورَة فِي إبلاغ الدعْوَة بِالتَّوْحِيدِ وأركان الْعِبَادَات، وَلَا يتَعَرَّض لما سوى ذَلِك، وَيُؤمر من أَرَادَ الزِّيَادَة بتَعَلُّم

стр. 73

اللِّسَان الْعَرَبِيّ"١. قلت: فَتبين لَك بِهَذَا أَن تَرْجَمَة الْمعَانِي الْأَصْلِيَّة غير مُمكن إِلَّا مَعَ وجود الْفساد والأخطاء الْكَثِيرَة، وَلَو كَانَ هَذَا الْفساد والأخطاء الْكَثِيرَة فِي غير الْقُرْآن لمُنع من يفعل ذَلِك، فَكيف بِالْقُرْآنِ الْكَرِيم؟!. ٢ - أَنْوَاع التَّرْجَمَة، وَبَيَان الجائر مِنْهَا والممنوع. هِيَ ثَلَاثَة أَنْوَاع٢، بيانُها فِيمَا يَلِي: أ - التَّرْجَمَة اللفظية المثلية: وَهِي إِبْدَال لفظ بِلَفْظ آخر يرادفه فِي الْمَعْنى، مَعَ الاحتفاظ بِمَا للمبدل مِنْهُ من التراكيب والنسق والأسلوب، والدلائل الْأَصْلِيَّة والتبعية، وَبِمَا لَهُ من خفَّة على الأسماع وتأثير على الْقُلُوب، وَبِمَا لَهُ من إحكام وتشابه وإعجاز٣. وَحكم هَذَا النَّوْع أَنه محَال عقلا وَشرعا. أما عقلا؛ فَلِأَن التجارب العلمية برهنت على أَن نقل كَلَام من لُغَة إِلَى أُخْرَى بِكُل مَا فِي الأَصْل مِمَّا ذكر فِي التَّعْرِيف مُسْتَحِيل فِي كَلَام الْبشر، فَكيف بِهِ فِي كَلَام الله المعجز٤. وَأما شرعا فَإِنَّهُ مُسْتَحِيل أَيْضا؛ لِأَن مَعْنَاهُ الْإِتْيَان بقرآن مثل هَذَا الْقُرْآن بلغَة أُخرى، وَقد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا

стр. 74

بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ ١. ب - التَّرْجَمَة المعنوية: وَهِي إِبْدَال لفظ بِلَفْظ آخر يرادفه فِي الْمَعْنى الإجمالي، أَو فِي الْمَعْنى الْقَرِيب بِصَرْف النّظر عَن الْمعَانِي التّبعِيَّة والبعيدة، وبصرف النّظر عَن الخصائص والمزايا، وَهَذِه مُمكنَة على وَجه الْإِجْمَال بِالْقدرِ المستطاع فِي بعض الْأَلْفَاظ دون بعض، وَفِي بعض اللُّغَات دون بعض، وَلَا تسلم من الْخَطَأ والبعد عَن المُرَاد٢. وَهَذَا النَّوْع من التَّرْجَمَة، وَإِن جَازَ فِي كَلَام النَّاس، فَإِنَّهُ يَحرُم فِي كَلَام الله الْقُرْآن الْكَرِيم؛ لأمورٍ كَثِيرَة يطول شرحُها، مِنْهَا: أَنَّهَا لن تسلم من الْخَطَأ والبعد عَن المُرَاد. وَمِنْهَا: أَن هَذِه التَّرْجَمَة تُؤدِّي إِلَى ضيَاع الأَصْل، كَمَا ضَاعَت أصُول الْكتب الْمُتَقَدّمَة. وَمِنْهَا: أَن ذَلِك يُؤَدِّي إِلَى انصراف النَّاس عَن كتاب رَبهم مكتفين بِمَا يزعمونه تَرْجَمَة لِلْقُرْآنِ. وَمِنْهَا: ضعف لُغَة الْقُرْآن وَالْقَضَاء عَلَيْهَا فِي النِّهَايَة. وَمِنْهَا: وجود الِاخْتِلَاف بَين الْمُسلمين، فكلُّ دولة تضع تَرْجَمَة لِلْقُرْآنِ وتزعمها أفضل الْمَوْجُود، وَهَكَذَا الدولة الْأُخْرَى، فَيحصل الِاخْتِلَاف بَين أمة مُحَمَّد ﷺ ، ونكونُ بِهَذَا قد خَالَفنَا مَا أمرنَا الله بِهِ ونهانا، حَيْثُ قَالَ: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ ٣، وَقَالَ: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٤. وَمِنْهَا: أَن نُصُوص عُلَمَاء الْمذَاهب تدلُّ على تَحْرِيم هَذَا النَّوْع من

стр. 75

التَّرْجَمَة. قَالَ الإِمَام الألوسي: "وَفِي مِعْرَاج الدِّرَايَة: مَن تعمّد قِرَاءَة الْقُرْآن أَو كِتَابَته بِالْفَارِسِيَّةِ فَهُوَ مَجْنُون، أَو زنديق. والمجنونُ يُداوى، والزنديق يُقتل"١. وَقَالَ الإِمَام النَّوَوِيّ: "مَذْهَبنَا أَنه لَا يجوز قِرَاءَة الْقُرْآن بِغَيْر لِسَان الْعَرَب، سَوَاء أمكنه الْعَرَبيَّة أَو عجز عَنْهَا، وَسَوَاء كَانَ فِي الصَّلَاة أوغيرها"٢. وَقَالَ الإِمَام ابْن قدامَة: "وَلَا تُجزئه الْقِرَاءَة بِغَيْر الْعَرَبيَّة، وَلَا إِبْدَال لَفظهَا بِلَفْظ عَرَبِيّ، سَوَاء أحسنَ قرَاءَتهَا بِالْعَرَبِيَّةِ أَو لم يحسن"٣. وَنَحْو هَذَا قَالَ الْمَالِكِيَّة٤، وَأهل الظَّاهِر٥. وَقَالَ الْعَلامَة مُحَمَّد رشيد رضَا: "المعوّل عَلَيْهِ عِنْد الْأَئِمَّة وَسَائِر الْعلمَاء أَنه لَا يجوز كِتَابَة الْقُرْآن وقراءته وَلَا تَرْجَمته بِغَيْر الْعَرَبيَّة مُطلقًا، إِلَّا فِيمَا نقل عَن أبي حنيفَة وصاحبيه من جَوَاز قِرَاءَة الْقُرْآن بِالْفَارِسِيَّةِ فِي خُصُوص الصَّلَاة"٦. وَمن الْأُمُور الَّتِي تمنع جَوَاز تَرْجَمَة الْقُرْآن: أَن الْمُلْحِدِينَ الَّذين يُرِيدُونَ هدم الْإِسْلَام يضللون النَّاس بِهَذِهِ التَّرْجَمَة، ويزعمون أَنَّهَا قُرْآن، وَقد وَقع ذَلِك فِي بعض الْبِلَاد الإسلامية الَّتِي كَانَت يَوْمًا تقودُ الْعَالم الإسلامي أجمع٧. ومَن أجَاز هَذَا النَّوْع من التَّرْجَمَة فَإِنَّمَا اعْتمد على شُبه سرعَان مَا

стр. 76

انهارت أَمَام نقد الْعلمَاء، فَلَا نطيلُ بذكرها والردِّ عَلَيْهَا١. ج - التَّرْجَمَة التفسيرية: وَهِي تَرْجَمَة تَفْسِير من التفاسير الَّتِي ألّفها الْعلمَاء باللغة الْعَرَبيَّة إِلَى لُغَة أُخرى٢. وَهَذِه التَّرْجَمَة عارضها بعض الْعلمَاء، وأجازها آخَرُونَ، وكأنّ الَّذين عارضوها لم يرَوا فرقا وَاضحا بَين هَذَا النَّوْع وَالَّذِي قبلَه - أَي: بَين التَّرْجَمَة المعنوية والترجمة التفسيرية - ٣، أَو رَأَوْا أَنَّهَا غطاء يُرِيد بعض من يَقُول بهَا الْوُصُول إِلَى التَّرْجَمَة المعنوية٤. وعَلى رَأس المجيزين لهَذَا النَّوْع من التَّرْجَمَة مشيخة الْأَزْهَر٥، ثمَّ فَتْوَى صدرت عَن دَار الْإِفْتَاء بالرياض مضمونُها جَوَاز هَذَا النَّوْع من التَّرْجَمَة بِشَرْط أَن يُفهم الْمَعْنى فهما صَحِيحا، وَأَن يعبّر عَنهُ من عالمٍ بِمَا يُحيل الْمعَانِي باللغات الْأُخْرَى تعبيرًا دَقِيقًا، يُفِيد الْمَعْنى الْمَقْصُود من نُصُوص الْقُرْآن، ونقلوا عَن شيخ الْإِسْلَام أَحْمد بن تَيْمِية مَا يُفيد جَوَاز هَذَا النَّوْع٦. وَقد وضعت اللجنة المنبثقة عَن فَتْوَى عُلَمَاء الْأَزْهَر قَوَاعِد خَاصَّة بالطريقة الَّتِي تتبعها فِي تَفْسِيرهَا مَعَاني الْقُرْآن الْكَرِيم - الَّذِي سيترجم - نوردُها فِيمَا يَلِي:

стр. 77

١ - تبحث أَسبَاب النُّزُول وَالتَّفْسِير بالمأثور، فتفحص مروياتها وتنقد ويدوّن الصحيحُ مِنْهَا بالتفسير، مَعَ بَيَان وَجه قُوَّة الْقوي، وَضعف الضَّعِيف من ذَلِك. ٢ - تبحث مُفْرَدَات الْقُرْآن الْكَرِيم بحثا لغويا، وخصائص التراكيب القرآنية بحثا بلاغيا وتدوّن. ٣ - تبحث آراء الْمُفَسّرين بِالرَّأْيِ وَالتَّفْسِير بالمأثور، ويختار مَا تفسر الْآيَة بِهِ، مَعَ بَيَان وَجه ردّ الْمَرْدُود وَقبُول المقبول. ٤ - وَبعد ذَلِك كُله يصاغ التَّفْسِير - مُسْتَوْفيا مَا نُص على اسْتِيفَائه فِي الْفَقْرَة الثَّانِيَة من الْقَوَاعِد السَّابِقَة١ - وَتَكون هَذِه الصياغة بأسلوب مُنَاسِب لإفهام جمهرة المتعلمين خَال من الإغراب والصنعة٢. قلت: ولعلّ هَذَا القَوْل أقرب من قَول المانعين - إِن شَاءَ الله تَعَالَى - لِأَن ذَلِك وَسِيلَة من وَسَائِل أَدَاء وَاجِب الْبَلَاغ، لمن لَا يعرف اللُّغَة الْعَرَبيَّة، بِشَرْط الِالْتِزَام التَّام بِمَا جَاءَ فِي الْقَوَاعِد السَّابِقَة، وبغيرها من الْقَوَاعِد الَّتِي لَا يتسعُ الْمقَام لذكرها٣.

стр. 78

المبحث الْعَاشِر: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي التَّفْسِير العلمي لِلْقُرْآنِ الْكَرِيم ١ ذكر الإِمَام الشاطبي ﵀ أَن الشَّرِيعَة الإسلاميّة أُمية وَأَنَّهَا جَارِيَة على مَذَاهِب أَهلهَا٢، ثمَّ بنى على هَذِه الْمَسْأَلَة أَشْيَاء: "مِنْهَا: أَن كثيرا من النَّاس تجاوزوا فِي الدَّعْوَى على الْقُرْآن الحدَّ فأضافوا إِلَيْهِ كل علم يُذكر للْمُتَقَدِّمين أَو الْمُتَأَخِّرين من عُلُوم الطبيعيات، والتعاليم٣، والمنطق، وَعلم الْحُرُوف، وَجَمِيع مَا نظر فِيهِ الناظرون من هَذِه الْفُنُون وأشباهها؛ وَهَذَا إِذا عرضناه على مَا تقدم لم يَصح. وَإِلَى هَذَا فَإِن السّلف الصَّالح من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمن يليهم كَانُوا أعرف بِالْقُرْآنِ وبعلومه وَمَا أودع فِيهِ، وَلم يبلغنَا أَنه تكلم أحد مِنْهُم فِي شَيْء من هَذَا الْمُدعى ... وَلَو كَانَ لَهُم فِي ذَلِك خوض وَنظر لبلغنا مِنْهُ مَا يدلنا على أصل الْمَسْأَلَة، إلَاّ أَن ذَلِك لم يكن؛ فَدلَّ على أَنه غير مَوْجُود عِنْدهم، وَذَلِكَ دَلِيل على أَن الْقُرْآن لم يقْصد فِيهِ تَقْرِير لشَيْء مِمَّا زَعَمُوا، نعم تضمن علوما هِيَ من جنس عُلُوم الْعَرَب، أَو مَا يَنْبَنِي على معهودها مِمَّا يتعجب مِنْهُ أولو الْأَلْبَاب، وَلَا تبلغه إدراكات الْعُقُول الراجحة دون الاهتداء بأعلامه والاستنارة بنوره، أما أَن فِيهِ مَا لَيْسَ من ذَلِك فَلَا. وَرُبمَا استدلوا على دَعوَاهُم بقوله تَعَالَى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ

стр. 79

شَيْءٍ﴾ ١، وَقَوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٢، وَنَحْو ذَلِك، وبفواتح السُّور وَهِي مِمَّا لم يعْهَد عِنْد الْعَرَب، وَبِمَا نقل عَن النَّاس فِيهَا، وَرُبمَا حُكي من ذَلِك عَليّ بن أبي طَالب ﵁ وَغَيره أَشْيَاء. فَأَما الْآيَات فَالْمُرَاد بهَا عِنْد الْمُفَسّرين مَا يتَعَلَّق بِحَال التَّكْلِيف والتعبد٣، أَو المُرَاد بِالْكتاب فِي قَوْله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٤ اللَّوْح الْمَحْفُوظ٥، وَلم يذكرُوا فِيهَا مَا يَقْتَضِي تضمنه لجَمِيع الْعُلُوم النقلية والعقلية. وَأما فواتح السُّور، فقد تكلم النَّاس فِيهَا بِمَا يَقْتَضِي أَن للْعَرَب بهَا عهدا كعدد الْجمل الَّذِي تعرَّفوه من أهل الْكتاب، حَسْبَمَا ذكره أَصْحَاب السّير، أَو هِيَ من المتشابهات الَّتِي لَا يعلم تَأْوِيلهَا إلَاّ الله تَعَالَى، وَغير ذَلِك، وَأما تَفْسِيرهَا بِمَا لَا عهد بِهِ فَلَا يكون، وَلم يَدعه أحد مِمَّن تقدّم، فَلَا دَلِيل فِيهَا على مَا ادعوا،

стр. 80

وَمَا ينْقل عَن عليّ أَو غَيره فِي هَذَا لَا يثبت١. فَلَيْسَ بجائز أَن يُضَاف إِلَى الْقُرْآن مَا لَا يَقْتَضِيهِ، كَمَا أَنه لَا يَصح أَن يُنكر مِنْهُ مَا يَقْتَضِيهِ، وَيجب الِاقْتِصَار فِي الِاسْتِعَانَة على فهمه على كل مَا يُضَاف علمه إِلَى الْعَرَب خاصّة فبه يُوصل إِلَى علم مَا أودع من الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة، فَمن طلبه بِغَيْر مَا هُوَ أَدَاة لَهُ ضل عَن فهمه، وَتقول على الله وَرَسُوله فِيهِ ... "٢. التَّعْلِيق على مَبْحَث: التَّفْسِير العلمي لِلْقُرْآنِ الْكَرِيم اخْتلف الْعلمَاء فِي التَّفْسِير العلمي لِلْقُرْآنِ الْكَرِيم، فَنقل السُّيُوطِيّ عَن ابْن أبي الْفضل المرسي٣ أَنه قَالَ: "جمع الْقُرْآن عُلُوم الْأَوَّلين والآخرين"٤، ثمَّ عدد أنواعا من الْعُلُوم حَتَّى ذكر الْخياطَة، والحدادة، والنجارة، والغزل، والنسج، والفلاحة، والملاحة، وَالْخبْز، والطبخ، وَالْغسْل٥. وَتَابعه على هَذَا الاتجاه بعض المعاصرين، وعَلى رَأْسهمْ الشَّيْخ طنطاوي جوهري فِي كِتَابه "الْجَوَاهِر الحسان" الَّذِي هُوَ أشبه بِكِتَاب عُلُوم مدرسي، فِيهِ صور الْحَيَوَانَات والنباتات وَغير ذَلِك مِمَّا زعم أَن الْقُرْآن دلّ عَلَيْهِ وطالبنا بالبحث فِيهِ٦.

стр. 81

وَذهب أَبُو إِسْحَاق الشاطبي إِلَى خلاف هَذِه الفكرة، كَمَا رَأَيْت فِي كَلَامه، وَذهب إِلَى فكرته طَائِفَة من الْعلمَاء المعاصرين١. وَلكُل من الْفَرِيقَيْنِ أدلّة، أَشَارَ أَبُو إِسْحَاق الشاطبي إِلَى بَعْضهَا، وأتى على أَكْثَرهَا الْأُسْتَاذ الدكتور فَهد بن عبد الرَّحْمَن الرُّومِي٢. وَهُنَاكَ رَأْي يَقُول: بِقبُول التَّفْسِير العلمي لِلْقُرْآنِ الْكَرِيم بِالشُّرُوطِ التالية٣: ١ - ألَاّ تطغى تِلْكَ المباحث عَن الْمَقْصُود الأول من الْقُرْآن الْكَرِيم، وَهُوَ الْهِدَايَة والإعجاز. ٢ - أَن تذكر تِلْكَ الأبحاث على وَجه يدْفع الْمُسلمين إِلَى النهضة، ويلفتهم إِلَى جلال الْقُرْآن الْكَرِيم، ويحركهم إِلَى الِانْتِفَاع بقوى هَذَا الْكَوْن الْعَظِيم - الَّذِي سَخَّرَهُ الله لنا - انتفاعا يُعِيد لأمة الْإِسْلَام مجدَها. ٣ - أَن تذكر تِلْكَ الْعُلُوم لأجل تعميق الشُّعُور الديني لَدَى الْمُسلم، والدفاع عَن العقيدة ضد أعدائها. ٤ - أَن لَا تذكر هَذِه الأبحاث على أَنَّهَا هِيَ التَّفْسِير الَّذِي لَا يدل النَّص القرآني على سواهُ، بل تذكر لتوسيع الْمَدْلُول، وللاستشهاد بهَا على وَجه لَا يُؤثر بُطْلَانهَا فِيمَا بعد على قداسة النَّص القرآني، ذَلِك أَن تَفْسِير النَّص القرآني بنظرية قَابِلَة للتغيير والإبطال يثير الشكوك حول الْحَقَائِق القرآنية فِي أذهان النَّاس، كلما تعرضت نظرية للرَّدّ أَو الْبطلَان. وَهَذَا الرَّأْي الْأَخير هُوَ وسط بَين الْقَوْلَيْنِ، وَيُؤَيِّدهُ أَن فِي الْقُرْآن الْكَرِيم إشارات علمية سيقت مساق الْهِدَايَة، فالتلقيح فِي النَّبَات ذاتي وخلطي، والذاتي

стр. 82

مَا اشْتَمَلت زهرته على عضوي التَّذْكِير والتأنيث. والخلطي: هُوَ مَا كَانَ عُضْو التَّذْكِير فِيهِ مُنْفَصِلا عَن عُضْو التَّأْنِيث كالنخيل، فَيكون التلقيح بِالنَّقْلِ، وَمن وَسَائِل ذَلِك الرِّيَاح، وَجَاء فِي هَذَا قَول الله تَعَالَى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ ١". و"الأوكسجين" ضَرُورِيّ لتنفس الْإِنْسَان، ويقل فِي طَبَقَات الجو الْعليا، فَكلما ارْتَفع الْإِنْسَان فِي أجواء السَّمَاء أحس بِضيق الصَّدْر وصعوبة التنفس، وَالله تَعَالَى يَقُول: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ " ٢.

стр. 83

المبحث الْحَادِي عشر: مَعَ الْأَمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي أَسبَاب الِاخْتِلَاف غير الْمُؤثر فِي تَفْسِير الْقُرْآن الْكَرِيم ... المبحث الْحَادِي عشر: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي أَسبَاب الِاخْتِلَاف غير المؤثرة فِي تَفْسِير الْقُرْآن الْكَرِيم ذكر الإِمَام أَبُو إِسْحَاق الشاطبي أَن من الْخلاف خلافًا لَا يعْتد بِهِ، وَهُوَ الْخلاف الَّذِي وَقع مُخَالفا لمقطوع بِهِ فِي الشَّرِيعَة١. ثمَّ قَالَ: "وَالثَّانِي مَا كَانَ ظَاهره الْخلاف وَلَيْسَ فِي الْحَقِيقَة كَذَلِك، وَأكْثر مَا يَقع ذَلِك فِي تَفْسِير الْكتاب وَالسّنة، فتجد الْمُفَسّرين ينقلون عَن السّلف فِي مَعَاني أَلْفَاظ الْكتاب أقوالاً مُخْتَلفَة فِي الظَّاهِر، فَإِذا اعتبرتها وَجدتهَا تتلاقى على الْعبارَة كالمعنى الْوَاحِد، والأقوال إِذا أمكن اجتماعها وَالْقَوْل بجميعها من غير إخلال بمقصد الْقَائِل فَلَا يَصح نقل الْخلاف فِيهَا عَنهُ ... وَهَذَا الْموضع مِمَّا يجب تَحْقِيقه فَإِن نقل الْخلاف فِي مَسْأَلَة لَا خلاف فِيهَا فِي الْحَقِيقَة خطأ، كَمَا أَن نقل

стр. 84

الْوِفَاق فِي مَوضِع الْخلاف لَا يَصح"١. بعد هَذِه الْمُقدمَة الممتعة عدد لنا أَبُو إِسْحَاق أَسبَاب الِاخْتِلَاف غير المؤثرة - نورد مِنْهَا فِي هَذَا المبحث مَا نرى أَنه يخصّ التَّفْسِير - فَقَالَ: "أَحدهَا: أَن يُذكر فِي التَّفْسِير عَن النَّبِي ﷺ فِي ذَلِك شَيْء، أَو عَن أحد من أَصْحَابه أَو غَيرهم، وَيكون ذَلِك الْمَنْقُول بعض مَا يَشْمَلهُ اللَّفْظ، ثمَّ يذكر غير ذَلِك الْقَائِل أَشْيَاء أخر مِمَّا يَشْمَلهُ اللَّفْظ أَيْضا، فينصهما الْمُفَسِّرُونَ على نصهما، فيظن أَنه خلاف، كَمَا نقلوا فِي "الْمَنّ" أَنه خبز رقاق، وَقيل: زنجبيل، وَقيل: الترنجبين٢، وَقيل: شراب مزجوه بِالْمَاءِ، فَهَذَا كُله يَشْمَلهُ اللَّفْظ؛ لِأَن الله مَنَّ بِهِ عَلَيْهِم؛ وَلذَلِك جَاءَ فِي الحَدِيث: "الكمأة من المنِّ الَّذِي أنزل الله على بني إِسْرَائِيل"٣. فَيكون الْمَنّ جملَة نعم، ذكر النَّاس مِنْهَا آحادًا. وَالثَّانِي: أَن يذكر فِي النَّقْل أَشْيَاء تتفق فِي الْمَعْنى بِحَيْثُ ترجع إِلَى معنى وَاحِد، فَيكون التَّفْسِير فِيهَا على قَول وَاحِد، ويوهم نقلهَا على اخْتِلَاف اللَّفْظ أَنه خلاف مُحَقّق، كَمَا قَالُوا فِي "السلوى" إِنَّه طير يشبه السماني، وَقيل: طير أَحْمَر صفته كَذَا، وَقيل: طير بِالْهِنْدِ أكبر من العصفور، وَكَذَلِكَ قَالُوا فِي "الْمَنّ": شَيْء يسْقط على الشّجر فيؤكل، وَقيل: صمغة حلوة، وَقيل: الترنجبين، وَقيل: مثل رب غليظ، وَقيل: عسل جامد، فَمثل هَذَا يصحّ حمله على الْمُوَافقَة وَهُوَ الظَّاهِر فِيهَا.

стр. 85

وَالثَّالِث: أَن يذكر أحد الْأَقْوَال على تَفْسِير اللُّغَة، وَيذكر الآخر على التَّفْسِير الْمَعْنَوِيّ، وَفرق بَين تَقْرِير الْإِعْرَاب، وَتَفْسِير الْمَعْنى، وهما مَعًا يرجعان إِلَى حكم وَاحِد؛ لِأَن النّظر اللّغَوِيّ رَاجع إِلَى تَقْرِير أصل الْوَضع، وَالْآخر رَاجع إِلَى تَقْرِير الْمَعْنى فِي الِاسْتِعْمَال، كَمَا قَالُوا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَتَاعاً لِلْمُقْوِينَ﴾ ١ أَي للمسافرين، وَقيل: النازلين بِالْأَرْضِ القَوَاءَ وَهِي القفر. وَكَذَلِكَ قَوْله: ﴿تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَة﴾ ٢ أَي داهية تفجؤهم، وَقيل: سَرِيَّة من سَرَايَا رَسُول الله ﷺ ، وَأَشْبَاه ذَلِك. وَالرَّابِع: يخْتَص بالآحاد فِي خَاصَّة أنفسهم، كاختلاف الْأَقْوَال بِالنِّسْبَةِ إِلَى الإِمَام الْوَاحِد، بِنَاء على تَغْيِير الِاجْتِهَاد وَالرُّجُوع عَمَّا أفتى بِهِ إِلَى خِلَافه، فَمثل هَذَا لَا يَصح أَن يعْتد بِهِ خلافًا فِي الْمَسْأَلَة؛ لِأَن رُجُوع الإِمَام عَن القَوْل الأوّل إِلَى القَوْل الثَّانِي اطّراح مِنْهُ للْأولِ وَنسخ لَهُ بِالثَّانِي، وَفِي هَذَا من بعض الْمُتَأَخِّرين تنَازع، وَالْحق فِيهِ مَا ذكر أَولا.... وَالْخَامِس: أَن يَقع تَفْسِير الْآيَة أَو الحَدِيث من الْمُفَسّر الْوَاحِد على أوجه من الِاحْتِمَالَات، وَيَبْنِي على كل احْتِمَال مَا يَلِيق بِهِ من غير أَن يذكر خلافًا فِي التَّرْجِيح، بل على توسيع الْمعَانِي خَاصَّة، فَهَذَا لَيْسَ بمستقر خلافًا؛ إِذْ الْخلاف مَبْنِيّ على الْتِزَام كل قَائِل احْتِمَالا يعضده بِدَلِيل يرجحه على غَيره من الِاحْتِمَالَات حَتَّى يبْنى عَلَيْهِ دون غَيره، وَلَيْسَ الْكَلَام فِي مثل هَذَا. وَالسَّادِس: أَن يَقع الْخلاف فِي تَنْزِيل الْمَعْنى الْوَاحِد فيحمله قوم على الْمجَاز مثلا، وَقوم على الْحَقِيقَة، وَالْمَطْلُوب أَمر وَاحِد، كَمَا يَقع لأرباب التَّفْسِير

стр. 86

كثيرا فِي نَحْو قَوْله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيّ﴾ ١، فَمنهمْ من يحمل الْحَيَاة وَالْمَوْت على حقائقهما، وَمِنْهُم من يحملهما على الْمجَاز، وَلَا فرق فِي تَحْصِيل الْمَعْنى بَينهمَا ... وَمثل ذَلِك قَوْله: ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ ٢فَقيل: كالنهار بَيْضَاء لَا شَيْء فِيهَا، وَقيل: كالليل سَوْدَاء لَا شَيْء فِيهَا، فالمقصود شَيْء وَاحِد، وَإِن شبه بالمتضادين اللَّذين لَا يتلاقيان٣. التَّعْلِيق على مَبْحَث: أَسبَاب الِاخْتِلَاف غير المؤثرة فِي التَّفْسِير هَذَا المبحث مُهِمّ جدًّا؛ لِأَن كتب التَّفْسِير قد ملئت بتعديد الْأَقْوَال الَّتِي تُذكر على سَبِيل الِاخْتِلَاف، أَو تذكر على أَنَّهَا مِمَّا جَاءَ عَن الْعلمَاء، وَعند النّظر فِيهَا وَالتَّحْقِيق على ضوء مَا ذكره الإِمَام أَبُو إِسْحَاق الشاطبي وَغَيره نجد كثيرا مِنْهَا مؤتلف، غير مُخْتَلف. وَمِمَّنْ نبه على هَذِه الْمَسْأَلَة شيخ الْإِسْلَام أَحْمد بن عبد السَّلَام بن تَيْمِية رَحمَه الله تَعَالَى٤. وَكم هُوَ جدير بالمتأخرين المعاصرين من عُلَمَاء التَّفْسِير أَن يولوا هَذِه الْمَسْأَلَة اهتماما بِالْكِتَابَةِ فِي ذَلِك وتوجيه الباحثين إِلَيْهَا، فهم بذلك يقربون تراث الْمُتَقَدِّمين إِلَى الْمُتَأَخِّرين، ويحببونهم فِيهِ، وينقونه مِمَّا شابه من الشوائب الْكَثِيرَة.

стр. 87

وَأما أَسبَاب الِاخْتِلَاف الْحَقِيقِيَّة فَلم يذكرهَا أَبُو إِسْحَاق الشاطبي هُنَا؛ لِأَنَّهَا مَعْرُوفَة، طرقها الباحثون ضمن مؤلفاتهم١، وأفردها بَعضهم بالتأليف٢.

стр. 88

المبحث الثَّانِي عشر: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي وجود المعرَّب فِي الْقُرْآن الْكَرِيم أَشَارَ أَبُو إِسْحَاق إِلَى هَذِه الْمَسْأَلَة إِشَارَة تَبَعِيَّة١تَحت عنوان وَضعه بقوله: "النَّوْع الثَّانِي فِي بَيَان قصد الشَّارِع فِي وضع الشَّرِيعَة للإفهام ويتضمن مسَائِل"٢. فَقَالَ: "وَأما كَونه جَاءَت فِيهِ أَلْفَاظ من أَلْفَاظ الْعَجم، أَو لم يَجِيء فِيهِ شَيْء من ذَلِك فَلَا يحْتَاج إِلَيْهِ إِذا كَانَت الْعَرَب قد تَكَلَّمت بِهِ، وَجرى فِي خطابها، وفهمت مَعْنَاهُ، فَإِن الْعَرَب إِذا تَكَلَّمت بِهِ صَار من كَلَامهَا، أَلا ترى أَنَّهَا لَا تَدعه على لَفظه الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ عِنْد الْعَجم، إِلَّا إِذا كَانَت حُرُوفه فِي المخارج وَالصِّفَات كحروف الْعَرَب، وَهَذَا يقل وجوده، وَعند ذَلِك يكون مَنْسُوبا إِلَى الْعَرَب، فَأَما إِذا لم تكن حُرُوفه كحروف الْعَرَب، أَو كَانَ بَعْضهَا كَذَلِك دون بعض، فَلَا بُد لَهَا من أَن تردها إِلَى حروفها، وَلَا تقبلهَا على مُطَابقَة حُرُوف الْعَجم أصلا، وَمن أوزان الْكَلم مَا تتركه على حَاله فِي كَلَام الْعَجم، وَمِنْهَا مَا

стр. 89

تتصرف فِيهِ بالتغيير كَمَا تتصرف فِي كَلَامهَا، وَإِذا فعلت ذَلِك صَارَت تِلْكَ الْكَلم مَضْمُومَة إِلَى كَلَامهَا كالألفاظ المرتجلة والأوزان المبتدأة لَهَا، هَذَا مَعْلُوم عِنْد أهل الْعَرَبيَّة لَا نزاع فِيهِ وَلَا إِشْكَال. وَمَعَ ذَلِك فَالْخِلَاف الَّذِي يذكرهُ الْمُتَأَخّرُونَ فِي خُصُوص الْمَسْأَلَة لَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ حكم شَرْعِي، وَلَا يُسْتَفَاد مِنْهُ مَسْأَلَة فقهية، وَإِنَّمَا يُمكن فِيهَا أَن تُوضَع مَسْأَلَة كلامية يبْنى عَلَيْهَا اعْتِقَاد، وَقد كفى الله مُؤنَة الْبَحْث فِيهَا بِمَا اسْتَقر عَلَيْهِ كَلَام أهل الْعَرَبيَّة فِي الْأَسْمَاء الأعجميّة"١. التَّعْلِيق على مَبْحَث: وجود المعرَّب فِي الْقُرْآن الْكَرِيم يُفهم من كَلَام أبي إِسْحَاق فِي هَذِه الْمَسْأَلَة أَنه لَا يستبعد وجود بعض الْكَلِمَات فِي الْقُرْآن أَصْلهَا لَيْسَ عَرَبيا، إلَاّ أَنه يرى أَن الْعَرَب بعد أَن تَكَلَّمت بهَا، وغيَّرت فِيهَا حَتَّى تتناسب مَعَ الْعَرَبيَّة أَصبَحت فِي هَذِه الْحَالة عَرَبِيَّة وَبهَا نزل الْقُرْآن الْكَرِيم. وَهَذَا الَّذِي ذهب إِلَيْهِ أَبُو إِسْحَاق هُوَ مَذْهَب من أَرَادَ الْجمع بَين قَوْلَيْنِ، أَحدهمَا: يَنْفِي وجود المعرَّب فِي الْقُرْآن الْكَرِيم، وَالْآخر: يثبت وجود المعرَّب. وَإِن أردْت الْإِحَاطَة بِهَذِهِ الْمَسْأَلَة من جَمِيع جوانبها فَانْظُر فِيهَا آراء الْأَئِمَّة: الشَّافِعِي٢، وَابْن جرير الطَّبَرِيّ٣، وَأبي عُبَيْدَة٤، وَابْن فَارس٥،

стр. 90

وَابْن عَطِيَّة١، والجواليقي٢، والسيوطي٣، وَغَيرهم٤.

стр. 91

الْفَصْل الثَّالِث: مَعَ الامام أبي إِسْحَاق الشاطبيفي مبَاحث من تَفْسِير الْقُرْآن الْكَرِيم (وَفِيه عشرَة مبَاحث) المبحث الأول: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي تَفْسِير الْقُرْآن بِالْقُرْآنِ ... تَابع مَعَ الإِمَام أبي اسحاق الشاطبي فِي مبَاحث من عُلُوم الْقُرْآن الْكَرِيم وَتَفْسِيره الْفَصْل الثَّالِث مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي مبَاحث من تَفْسِير الْقُرْآن الْكَرِيم (وَفِيه عشرَة مبَاحث) فِي الْفَصْل الثَّانِي صَحِبنَا الإِمَام أَبَا إِسْحَاق الشاطبي فِي مبَاحث من عُلُوم الْقُرْآن الْكَرِيم، وَفِي هَذَا الْفَصْل سنصحبه - بِإِذن الله تَعَالَى - فِي أهم المباحث التفسيريّة، الَّتِي يعْتَمد عَلَيْهَا فِي تَفْسِير الْقُرْآن الْكَرِيم، ضاربين على هَذَا أَمْثِلَة مِمَّا قَالَه فِي ثنايا مؤلّفاته، فَإلَى هَذِه المباحث نَتْرُكك، غير شاكين فِي إفادتك مِنْهَا بِإِذن الله تَعَالَى. المبحث الأول: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي تَفْسِير الْقُرْآن بِالْقُرْآنِ قرر أَبُو إِسْحَاق الشاطبي أَن الْقُرْآن يتَوَقَّف فهمُ بعضه على بعض، فَقَالَ: "يتَوَقَّف - يَعْنِي الْقُرْآن الْكَرِيم - فهم بعضه على بعض بِوَجْه مَا، وَذَلِكَ أَنه يبين بعضه بَعْضًا، حَتَّى إِن كثيرا مِنْهُ لَا يُفهم مَعْنَاهُ حقّ الْفَهم إِلَاّ بتفسير مَوضِع آخر، أَو سُورَة أُخرى"١. وَإِلَيْك بعض الْأَمْثِلَة مِمَّا قَالَ أَبُو إِسْحَاق فِي تَفْسِير الْقُرْآن بِالْقُرْآنِ: (١) يرى أَبُو إِسْحَاق أنّ قَوْله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَه﴾ ٢بَيَان لقَوْله: ﴿قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ٣خلافًا لمن قَالَ: إِنَّهَا نسختها٤.

стр. 92

(٢) يرى أَبُو إِسْحَاق أَن قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ١بيّنه قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا﴾ ٢خلافًا لمن قَالَ: بالنسخ بَين الْآيَتَيْنِ٣. (٣) يرى أَبُو إِسْحَاق أَن قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ ٤بَيَان لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ ٥، وَيُوجه قَول من قَالَ بالنسخ بَين الْآيَتَيْنِ إِلَى أَن مَقْصُوده الْبَيَان، إِذْ أَن آيَة الشورى خبر مَحْض، وَالْأَخْبَار لَا نسخ فِيهَا٦. (٤) يرى أَبُو إِسْحَاق أَن قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ٧تَقْيِيد - وَالتَّقْيِيد نوع من الْبَيَان - لقَوْله تَعَالَى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ ٨، وَهُوَ مُرَاد من قَالَ بالنسخ بَين الْآيَتَيْنِ٩. وَفِي معرض الرَّد على الْفرق الْمُخَالفَة لأهل السّنة ذكر أَبُو إِسْحَاق الشاطبي طَائِفَة من الْآيَات الَّتِي يُفسر بَعْضهَا بَعْضًا فَقَالَ: "... عُدّت الْمُعْتَزلَة من أهل الزيغ؛ حَيْثُ اتبعُوا نَحْو قَوْله تَعَالَى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ ١٠، وَقَوله:

стр. 93

﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ ١وَتركُوا مبينه وَهُوَ قَوْله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ ٢. وَاتبع الْخَوَارِج نَحْو قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ﴾ ٣، وَتركُوا مبينه وَهُوَ قَوْله: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ ٤، وَقَوله: ﴿فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا﴾ ٥. وَاتبع الجبرية نَحْو قَوْله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ٦وَتركُوا بَيَانه وَهُوَ قَوْله: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ٧وَمَا أشبهه"٨.

стр. 94

المبحث الثَّانِي: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي تَفْسِير الْقُرْآن بِالسنةِ يعرف أَبُو إِسْحَاق مَا لهَذَا النَّوْع من تَفْسِير الْقُرْآن الْكَرِيم من أهمية، وَلِهَذَا حرص أَن يشْرَح بِهِ الْآيَات الَّتِي احْتَاجَ إِلَى تَفْسِيرهَا فِي مؤلفاته، وَقد احتوت مؤلفاته على الشَّيْء الْكثير من هَذَا، خُصُوصا فِي كِتَابه الموافقات، وَلَكِن بِمَا أَن الْفَصْل الثَّانِي كَانَ الِاعْتِمَاد فِيهِ على كتاب الموافقات، فَسَوف نحرص فِي هَذَا الْفَصْل أَن يكون أَكثر الِاعْتِمَاد فِيهِ على غَيره من كتب أبي إِسْحَاق الشاطبي؛ ليتبين للقارئ أَن كتب هَذَا الإِمَام مشحونة بالتفسير وعلوم الْقُرْآن. (١) قَالَ ﵀ عِنْد قَوْله تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ...﴾ ١الْآيَة -: "وَصَحَّ عَنْهَا (يَعْنِي عَائِشَة ﵂ أَنَّهَا قَالَت: سُئل رَسُول الله ﷺ عَن هَذِه الْآيَة: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ ... ﴾ إِلَى آخر الْآيَة فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : "إِذا رَأَيْتُمْ الَّذين يتبعُون مَا تشابه مِنْهُ، فَأُولَئِك الَّذين سمى الله فاحذروهم٢" ٣. ثمَّ أَطَالَ ﵀ بِذكر الرِّوَايَات الَّتِي جَاءَت عَن الرَّسُول ﷺ فِي بَيَان معنى الْآيَة٤.

стр. 95

(٢) وَقَالَ - رَحمَه الله تَعَالَى، عِنْد قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ١ -: "وَفِي التِّرْمِذِيّ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: "إِن رجلا أَتَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُول الله إِنِّي إِذا أصبت اللَّحْم انتشرت للنِّسَاء وأخذتني شهوتي فَحرمت عليَّ اللَّحْم فَأنْزل الله الْآيَة" ٢٣. وَقد أَطَالَ رَحمَه الله تَعَالَى بِذكر الرِّوَايَات الأُخر الَّتِي قيل: إِنَّهَا سَبَب نزُول الْآيَة٤. (٣) وَقَالَ رَحمَه الله تَعَالَى - عِنْد قَوْله تَعَالَى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ٥ -: "فخرَّج التِّرْمِذِيّ عَن عَدي بن حَاتِم قَالَ: أتيت النَّبِي ﷺ وَفِي عُنُقي صَلِيب من ذهب فَقَالَ: "يَا عَدي اطرَح عَنْك هَذَا الوثن"، وسمعته يقْرَأ فِي سُورَة بَرَاءَة: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ٦قَالَ: "أما إِنَّهُم لم يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ وَلَكِن

стр. 96

إِذا أحلُّوا لَهُم شَيْئا اسْتَحَلُّوهُ، وَإِذا حرمُوا عَلَيْهِم شَيْئا حرَّموه" ١حَدِيث غَرِيب"٢.

стр. 97

المبحث الثَّالِث: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي تَفْسِير الْقُرْآن بأقوال الصَّحَابَة ﵃ اهتم أَبُو إِسْحَاق الشاطبي بِنَقْل تَفْسِير الصَّحَابَة فِي الْآيَات الَّتِي احْتَاجَ إِلَى تَفْسِيرهَا فِي مؤلفاته، وَمَا ذَلِك إلَاّ دراية مِنْهُ بأهمية ذَلِك، فالصحابة هم الَّذين حَضَرُوا التن - زيل، وتلقوا علومهم من رَسُول الله ﷺ ، وهم الْعَرَب الَّذين يحْتَج بكلامهم فِي فهم مَعَاني الْقُرْآن الْكَرِيم. وَإِلَيْك بعض الْأَمْثِلَة مِمَّا نَقله أَبُو إِسْحَاق رَحمَه الله تَعَالَى: (١) قَالَ ﵀ عِنْد قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ ١ -: "وَفِي رِوَايَة يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن مَا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم؟ قَالَ: تركنَا رَسُول الله ﷺ فِي أدناه، وطرفه فِي الْجنَّة، وَعَن يَمِينه جوادٌّ، وَعَن يسَاره جوادٌّ، وَعَلَيْهَا رجال يدعونَ من مر بهم: هَلُمَّ لَك، هَلُمَّ لَك، فَمن أَخذ مِنْهُم فِي تِلْكَ الطّرق انْتَهَت بِهِ إِلَى

стр. 98

النَّار، وَمن استقام إِلَى الطَّرِيق الْأَعْظَم انْتهى بِهِ إِلَى الْجنَّة، ثمَّ تَلا ابْن مَسْعُود: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ ...﴾ ١الْآيَة كلهَا"٢. (٢) وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق - رَحمَه الله تَعَالَى -: "وخرَّج هُوَ٣وَغَيره عَن عبد الله بن عَبَّاس ﵁ فِي قَول الله: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ ٤قَالَ: "مَا قدمت من عمل خير أَو شَرّ، وَمَا أخرت من سنة يَعمل بهَا من بعده""٥. (٣) وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق - نقلا عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَنه قَالَ -: "كنت لَا أَدْرِي مَا ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْض﴾ ٦حَتَّى أَتَانِي أَعْرَابِيَّانِ يختصمان فِي بِئْر فَقَالَ أَحدهمَا: أَنا فطرتها، أَي ابْتَدَأتهَا"٧.

стр. 99

(٤) "وَفِيمَا يرْوى عَن عمر ﵁ أَنه سَأَلَ وَهُوَ على الْمِنْبَر عَن معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ ١فَأخْبرهُ رجل من هُذَيْل أَن التخوف عِنْدهم هُوَ التنقص"٢.

стр. 100

المبحث الرَّابِع: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي تَفْسِير الْقُرْآن بأقوال التَّابِعين وأتباعهم اعتنى أَبُو إِسْحَاق الشاطبي - رَحمَه الله تَعَالَى - بِنَقْل أَقْوَال التَّابِعين وأتباعهم فِي الْآيَات الَّتِي فَسرهَا فِي كتبه، وَمَا ذَلِك إلَاّ معرفَة مِنْهُ بأهميّة أَقْوَالهم؛ لأَنهم - التَّابِعين ﵏ أخذُوا غَالب علمهمْ عَن الصَّحَابَة، فحري بهم إِصَابَة الْحق فِي تَفْسِير كَلَام الله تَعَالَى. وهاك بعض الْأَمْثِلَة نسوقها تقريرًا لهَذَا المبحث: (١) قَالَ أَبُو إِسْحَاق: "وَعَن مُجَاهِد: ﴿قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ ١أَي: المقتصد مِنْهَا بَين الغلو وَالتَّقْصِير"٢، وَذَلِكَ يُفِيد أَن الجائر هُوَ الغالي أَو المقصر، وَكِلَاهُمَا من أَوْصَاف الْبدع"٣. (٢) وَقَالَ أَيْضا: "وَعَن عِكْرِمَة: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ ٤يَعْنِي فِي الْأَهْوَاء ﴿إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّك﴾ ٥هم أهل السّنة"٦.

стр. 101

(٣) وَقَالَ أَيْضا: "وَعنهُ١ أَيْضا فِي قَول الله تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ٢قَالَ: "كتب الله صِيَام رَمَضَان على أهل الْإِسْلَام كَمَا كتبه على من كَانَ قبلهم، فَأَما الْيَهُود فرفضوه، وَأما النَّصَارَى فشق عَلَيْهِم الصَّوْم فزادوا فِيهِ عشرا، وأخروه إِلَى أخف مَا يكون عَلَيْهِم فِيهِ الصَّوْم من الْأَزْمِنَة""٣. (٤) وَقَالَ رَحمَه الله تَعَالَى: "وَخرج ابْن وهب عَن زيد بن أسلم فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ ٤فَهَذَا يَوْم أَخذ ميثاقهم، لم يَكُونُوا أمة وَاحِدَة غير ذَلِك الْيَوْم"٥. (٥) وَقَالَ أَيْضا: "وَخرج ابْن وهب عَن عمر بن عبد الْعَزِيز أَنه قَالَ فِي قَوْله: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ ٦خلق أهل الرَّحْمَة ألَاّ يَخْتَلِفُوا"٧.

стр. 102

٦ - وَذكر الإِمَام أَبُو إِسْحَاق عَن الإِمَام مَالك أَنه قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى: " ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ ١إِلَى آخر الْآيَات ... قَالَ: فهم أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ الَّذين هَاجرُوا مَعَه، وأنصاره ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ﴾ ٢فَمن عدا هَؤُلَاءِ فَلَا حق لَهُم فِيهِ"٣.

стр. 103

الْبَحْث الْخَامِس: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي شيئ من تعقيباته وآرائه فِي التَّفْسِير ... المبحث الْخَامِس: مَعَ الإِمَام أبي إِسْحَاق الشاطبي فِي شَيْء من تعقيباته وآرائه فِي التَّفْسِير (١) قَالَ الإِمَام أَبُو إِسْحَاق الشاطبي - فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ ٤ -: "فالمغضوب عَلَيْهِم هم الْيَهُود؛ لأَنهم كفرُوا بعد معرفتهم نبوّة مُحَمَّد ﷺ ، أَلا ترى إِلَى قَول الله فيهم: ﴿الَّذِينَ

стр. 104

آتَيْنَاهُم الكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ ١يَعْنِي الْيَهُود. والضالون هم النَّصَارَى؛ لأَنهم ضلوا فِي الْحجَّة فِي عِيسَى ﵇، وعَلى هَذَا التَّفْسِير أَكثر الْمُفَسّرين٢، وَهُوَ مَرْوِيّ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم٣وَيلْحق بهم فِي الضلال الْمُشْركُونَ الَّذين أشركوا مَعَ الله إِلَهًا غَيره؛ لأنّه قد جَاءَ فِي أثْنَاء الْقُرْآن مَا يدل على ذَلِك؛ ولأنّ لفظ الْقُرْآن فِي قَوْله: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ يعمهم وَغَيرهم، فَكل من ضل عَن سَوَاء السَّبِيل دَاخل فِيهِ. وَلَا يبعد أَن يُقَال: إِن ﴿الضَّالِّينَ﴾ يدْخل فِيهِ كل من ضل عَن الصِّرَاط الْمُسْتَقيم، كَانَ من هَذِه الْأمة أَو لَا، إِذْ قد تقدم فِي الْآيَات الْمَذْكُورَة قبل هَذَا مثله، فَقَوله تَعَالَى: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ ٤عَام فِي كل ضال كَانَ ضلاله كضلال الشّرك أَو النِّفَاق، أَو كضلال الْفرق المعدودة فِي الْملَّة الإسلامية، وَهُوَ أبلغ وَأَعْلَى فِي قصد حصر أهل الضلال، وَهُوَ اللَّائِق بكليّة فَاتِحَة الْكتاب والسبع المثاني وَالْقُرْآن الْعَظِيم، الَّذِي أُوتيه مُحَمَّد ﷺ "٥.

стр. 105

(٢) وَقَالَ - رَحمَه الله تَعَالَى، فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ١الْآيَة -: "فوصفهم الله تَعَالَى بأوصاف، مِنْهَا: أَنهم أحْصرُوا فِي سَبِيل الله، أَي: منعُوا وحبسوا حِين قصدُوا الْجِهَاد مَعَ نبيه ﷺ ، كَأَن الْعذر أحصرهم، فَلَا يَسْتَطِيعُونَ ضربا فِي الأَرْض؛ لاتخاذ الْمسكن، وَلَا للمعاش؛ لِأَن الْعَدو قد كَانَ أحَاط بِالْمَدِينَةِ، فَلَا هم يقدرُونَ على الْجِهَاد حَتَّى يكسبوا من غنائمه، وَلَا هم يتفرغون للتِّجَارَة أَو غَيرهَا لخوفهم من الْكفَّار؛ ولضعفهم فِي أوّل الْأَمر، فَلم يَجدوا سَبِيلا للكسب أصلا. وَقد قيل: إِن قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأَرْضِ﴾ ٢أَنهم قوم أَصَابَتْهُم جراحات مَعَ رَسُول الله ﷺ فصاروا زمنى٣. وَفِيهِمْ أَيْضا نزل قَوْله تَعَالَى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ [الْمُهَاجِرِينَ] ٤ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ ٥أَلا ترى كَيفَ قَالَ: "أُخرجوا" وَلم يقل: (خَرجُوا من دِيَارهمْ وَأَمْوَالهمْ) ؟! فَإِنَّهُ قد كَانَ يُحتمل أَن يخرجُوا اخْتِيَارا، فَبَان أَنهم إِنَّمَا خَرجُوا اضطرارًا، وَلَو وجدوا سَبِيلا أَن لَا يخرجُوا لفعلوا، فَفِيهِ مَا يدل على أَن

стр. 106

الْخُرُوج من المَال اخْتِيَارا لَيْسَ بمقصود للشارع، وَهُوَ الَّذِي تدل عَلَيْهِ أَدِلَّة الشَّرِيعَة"١. (٣) وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق أَيْضا - بعد أَن أورد قَوْله تَعَالَى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ ٢، وَبَعض الْآثَار فِي مَعْنَاهَا -: "وَيحْتَمل أَن يكون الِاسْتِثْنَاء فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ ٣مُتَّصِلا، ومنفصلاً. فَإِذا بنينَا على الِاتِّصَال، فَكَأَنَّهُ يَقُول: مَا كتبناها عَلَيْهِم إلَاّ على هَذَا الْوَجْه الَّذِي هُوَ الْعَمَل بهَا ابْتِغَاء رضوَان الله، فَالْمَعْنى أَنَّهَا مِمَّا كتبت عَلَيْهِم - أَي مِمَّا شرعت لَهُم - لَكِن بِشَرْط قصد الرضْوَان. ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ ٤يُرِيد أَنهم تركُوا رعايتها حِين لم يُؤمنُوا برَسُول الله ﷺ ، وَهُوَ قَول طَائِفَة من الْمُفَسّرين؛ لِأَن قصد الرضْوَان إِذا كَانَ شرطا فِي الْعَمَل بِمَا شُرع لَهُم، فَمن حَقهم أَن يتبعوا ذَلِك الْقَصْد، فَإلَى أَيْن سَار بهم سَارُوا، وَإِنَّمَا شرع لَهُم على شَرط أَنه إِذا نسخ بِغَيْرِهِ، رجعُوا إِلَى مَا أُحكم، وَتركُوا مَا نُسخ، وَهُوَ معنى ابْتِغَاء الرضْوَان على الْحَقِيقَة، فَإِذا لم يَفْعَلُوا وأصروا على الأول، كَانَ ذَلِك اتبَاعا للهوى، لَا اتبَاعا للمشروع، وَاتِّبَاع الْمَشْرُوع هُوَ الَّذِي يحصل بِهِ الرضْوَان، وَقصد الرضْوَان بذلك.

стр. 107

قَالَ تَعَالَى: ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ ١فَالَّذِينَ آمنُوا هم الَّذين اتبعُوا الرهبانية ابْتِغَاء رضوَان الله، والفاسقون هم الخارجون عَن الدُّخُول فِيهَا بشرطها، إِذْ لم يُؤمنُوا برَسُول الله ﷺ . إِلَّا أَن هَذَا التَّقْرِير يَقْتَضِي أَن الْمَشْرُوع لَهُم يُسمى ابتداعا، وَهُوَ خلاف مَا دلّ عَلَيْهِ حدّ الْبِدْعَة. وَالْجَوَاب أَنه يُسمى بِدعَة من حَيْثُ أخلُّوا بِشَرْط الْمَشْرُوع، إِذْ شَرط عَلَيْهِم فَلم يقومُوا بِهِ، وَإِذا كَانَت الْعِبَادَة مَشْرُوطَة بِشَرْط، فَيعْمل بهَا دون شَرطهَا، لم تكن عبَادَة على وَجههَا، وَصَارَت بِدعَة، كالمخل قصدا بِشَرْط من شُرُوط الصَّلَاة، مثل اسْتِقْبَال الْقبْلَة، أَو الطَّهَارَة، أَو غَيرهَا، فَحَيْثُ عرف بذلك وَعلمه، فَلم يلتزمه، ودأب على الصَّلَاة دون شَرطهَا، فَذَلِك الْعَمَل من قبيل الْبدع، فَيكون ترهب النَّصَارَى صَحِيحا قبل بعث مُحَمَّد رَسُول الله ﷺ ، فَلَمَّا بُعِث وَجب الرُّجُوع عَن ذَلِك كُله إِلَى مِلَّته، فالبقاء عَلَيْهِ مَعَ نسخه بقاءٌ على مَا هُوَ بَاطِل بِالشَّرْعِ، وَهُوَ عين الْبِدْعَة. وَإِذا بنينَا على أَن الِاسْتِثْنَاء مُنْقَطع، وَهُوَ قَول فريق من الْمُفَسّرين، فَالْمَعْنى: مَا كتبناها عَلَيْهِم أصلا، وَلَكنهُمْ ابتدعوها ابْتِغَاء رضوَان الله، فَلم يعملوا بهَا بشرطها، وَهُوَ الْإِيمَان برَسُول الله ﷺ إِذْ بعث إِلَى النَّاس كَافَّة. وَإِنَّمَا سميت بِدعَة على هَذَا الْوَجْه لأمرين: أَحدهمَا: يرجع إِلَى أَنَّهَا بِدعَة حَقِيقِيَّة٢ - كَمَا تقدم - لِأَنَّهَا دَاخِلَة تَحت حد الْبِدْعَة.

стр. 108

وَالثَّانِي: يرجع إِلَى أَنَّهَا بِدعَة إضافية١؛ لأنّ ظَاهر الْقُرْآن دلّ على أَنَّهَا لم تكن مذمومة فِي حَقهم بِإِطْلَاق، بل لأَنهم أخلوا بشرطها، فَمن لم يخل مِنْهُم بشرطها، وَعمل بهَا قبل بعث النَّبِي ﷺ حصل لَهُ فِيهَا أجر، حَسْبَمَا دلّ عَلَيْهِ قَوْله: ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ ٢أَي أَن من عمل بهَا فِي وَقتهَا، ثمَّ آمن بِالنَّبِيِّ ﷺ بعد بَعثه وفيناه أجره. وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّهَا فِي هَذَا الْوَجْه إضافية؛ لأنّها لَو كَانَت حقيقيّة لخالفوا بهَا شرعهم الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ؛ لِأَن هَذَا حَقِيقَة الْبِدْعَة، فَلم يكن لَهُم بهَا أجر، بل كَانُوا يسْتَحقُّونَ الْعقَاب؛ لمخالفتهم لأوامر الله ونواهيه، فَدلَّ على أَنهم رُبمَا فعلوا مَا كَانَ جَائِزا لَهُم فعله، وَعند ذَلِك تكون بدعتهم جَائِزا لَهُم فعلهَا، فَلَا تكون بدعتهم حَقِيقِيَّة، لكنه ينظر على أَي معنى أطلق عَلَيْهَا لفظ الْبِدْعَة، وَسَيَأْتِي بعد بحول الله. وعَلى كل تَقْدِير: فَهَذَا القَوْل لَا يتَعَلَّق بِهَذِهِ الْأمة مِنْهُ حكم؛ لِأَنَّهُ نُسخ فِي شريعتنا، فَلَا رَهْبَانِيَّة فِي الْإِسْلَام، وَقَالَ النَّبِي ﷺ : "من رغب عَن سنتي فَلَيْسَ مني"٣. على أَن ابْن الْعَرَبِيّ نقل فِي الْآيَة أَرْبَعَة أَقْوَال:

стр. 109

الأول: مَا تقدم. وَالثَّانِي: أَن الرهبانية رفض النِّسَاء، وَهُوَ الْمَنْسُوخ فِي شرعنا. وَالثَّالِث: أَنَّهَا اتِّخَاذ الصوامع للعزلة. وَالرَّابِع: السياحة. قَالَ: وَهُوَ مَنْدُوب إِلَيْهِ فِي ديننَا عِنْد فَسَاد الزَّمَان١. وَظَاهره يَقْتَضِي أَنَّهَا بِدعَة؛ لِأَن الَّذين ترهبوا قبل الْإِسْلَام إِنَّمَا فعلوا ذَلِك فِرَارًا مِنْهُم بدينهم، ثمَّ سميت بِدعَة، وَالنَّدْب إِلَيْهَا يَقْتَضِي أَن لَا ابتداع فِيهَا، فَكيف يَجْتَمِعَانِ؟!. وَلَكِن للمسألة فقه يذكر بحول الله. وَقيل: إِن معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ ٢أَنهم تركُوا الْحق، وأكلوا لُحُوم الْخَنَازِير، وَشَرِبُوا الْخمر، وَلم يغتسلوا من جَنَابَة، وَتركُوا الْخِتَان ﴿فَمَا رَعَوْهَا﴾ ٣يَعْنِي: الطَّاعَة وَالْملَّة، ﴿حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ ٤فالهاء رَاجِعَة إِلَى غير مَذْكُور وَهُوَ الْملَّة، الْمَفْهُوم مَعْنَاهَا من قَوْله: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ ٥؛ لِأَنَّهُ يفهم مِنْهُ أَن ثَم مِلَّة متبعة كَمَا دلّ قَوْله: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ﴾ ٦على الشَّمْس حَتَّى عَاد عَلَيْهَا الضَّمِير فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ ٧وَكَانَ الْمَعْنى على هَذَا القَوْل: مَا كتبناها عَلَيْهِم على هَذَا الْوَجْه الَّذِي فَعَلُوهُ، وَإِنَّمَا أمرناهم بِالْحَقِّ، فالبدعة فِيهِ إِذا حَقِيقِيَّة لَا إضافية.

стр. 110

وعَلى كل تَقْدِير فَهَذَا الْوَجْه هُوَ الَّذِي قَالَ بِهِ أَكثر الْعلمَاء، فَلَا نظر فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى هَذِه الْأمة"١. تبين لنا من هَذَا المبحث أَن الإِمَام أَبَا إِسْحَاق لَهُ آراء فِي التَّفْسِير، ومناقشات، وَأَنه لَيْسَ مُجَرّد ناقل، يَأْخُذ كل مَا قيل مُسلما، بل يناقش، ويشرح، وَيَأْتِي بالجديد، وَمَا ذكرته أَمْثِلَة من كتاب وَاحِد لَهُ، هُوَ "الِاعْتِصَام" وَمَا ذكره من الآراء والمناقشات فِي كِتَابه "الموافقات" أَضْعَاف أَضْعَاف مَا جَاءَ بِهِ فِي "الِاعْتِصَام".
следующие страницы →