وفيه (١): قال: "قال ابن عون: قلت له: عَمَّن تُحَدِّث هذه الأحاديث؟ قال: عنك، وعن ذا، وعن ذا".
وفي ترجمته في "تهذيب التهذيب" (٢) أيضًا: "ووقع في "سنن النسائي" من طريق أيوب عن الحسن عن أبي هريرة في المختلعات، قال الحسن: لم أسمع عن أبي هريرة غير هذا الحديث. أخرجه عن إسحاق بن راهويه عن المغيرة بن سلمة عن وهيب عن أيوب، وهذا إسناد لا مطعن في أحد من رواته".
أقول: وقد روى عن أبي هريرة عدة أحاديث بالعنعنة، وهذا هو التدليس.
وقال في "الفتح" (٣) في الكلام على هذا الحديث: "وقد أعلَّه بعضهم بأنَّ الحسن عنعنه، وقيل: إنه لم يسمع من أبي بكرة، وإنما يروي عن الأحنف عنه. وردَّ هذا الإعلال برواية سعيد بن أبي عروبة عن الأعلم قال: حدثني الحسن أنَّ أبا بكرة حدَّثه، أخرجه أبو داود والنسائي".
قلت: الذي في "سنن أبي داود" (٤): "أنَّ أبا بكرة حدَّث" بدون هاء، وهذه صيغة تدليس، ومع هذا فسعيد بن أبي عروبة مدلس أيضًا.
стр. 142
وفي "مسند أحمد" (١) أحاديث من طريق المبارك بن فضالة عن الحسن؛ مصرَّحٌ فيها بسماعه من أبي بكرة.
والمبارك بن فضالة مختلف فيه، وأنكروا عليه رواياته عن الحسن ثنا عمران بن حصين، وثنا معقل.
قلت: فهذا من ذاك. وذكر جماعة أنَّ المبارك كان يدلِّس. وقال أبو داود: كان شديد التدليس.
وفي "المسند" (٢): ثنا سفيان عن أبي موسى ــ ويقال له إسرائيل ــ قال: سمعت الحسن قال: سمعت أبا بكرة. وقال سفيان مرَّة: عن أبي بكرة؛ فذكر حديثًا.
قلت: فكأنَّ سفيان شكَّ، والله أعلم.
فإن قيل: فإنَّ البخاري قد أخرج هذا الحديث في "صحيحه" (٣)، ومذهبه اشتراط ثبوت اللقاء؛ فلا يقبل إعلال الحديث بعدم اللقاء ولا بالتدليس؛ كما عرف.
قلت: أما ثبوت اللقاء فلعلَّه اعتمد ما تقدَّم. وأما التدليس فقد تقدَّم الكلام في هذا.
وعلى تسليمه فالبخاري لم يخرِّج تلك الزيادة التي نقلها ابن حجر عن الطبراني، ومن الجائز أن يكون الحسن سمع الحديث من أبي بكرة، بدون
стр. 143
تلك الزيادة، وسمعها من غيره عنه بتلك الزيادة؛ [ص ٨٣] كما تقدَّم عن البخاري في حديث قتادة عن أبي غلاب (١).
فإن قيل: هب الحسن دلَّسه فقد علم أنَّ الواسطة هو الأحنف، والأحنف ثقة.
قلت: لم يعلم في هذا الحديث بعينه أنَّ الواسطة هو الأحنف، وإن كان الحسن قد حدَّث بأحاديث أخر عن الأحنف عن أبي بكرة. إذ لا يلزم من ذلك أنه لم يسمع غير الأحنف يحدِّث عن أبي بكرة.
وقد قال أبو زرعة وأبو حاتم في قول الحسن "خطبنا ابن عباس بالبصرة": إنما أراد خطبَ أهل البصرة (٢).
وقال ابن المديني: رُوِي عن علي بن زيد بن جدعان عن الحسن: أنَّ سراقة حدثهم، وهذا إسناد ينبو عنه القلب؛ أن يكون الحسن سمع من سراقة؛ إلَاّ أن يكون معنى "حدَّثهم": حدَّث الناسَ، فهذا أشبه.
وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول وذكر حديثًا حدَّثه مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا ربيعة بن كلثوم قال: سمعت الحسن يقول: حدثنا أبو هريرة. قال أبي: لم يعمل ربيعة شيئًا، لم يسمع الحسن من أبي هريرة شيئًا".
أقول: وربيعة ثقة؛ فالظاهر إن كان هذا الحديث غير حديث المختلعات الذي عند النسائي (٣) أنَّ الحسن قال: حدثنا أبو هريرة؛ يريد حدَّث الناسَ أو
стр. 144
نحو ذلك، كعادته.
فإن قلت: فإنَّ الحافظ ابن حجر ذكر الحسن وابن أبي عروبة في الطبقة الثانية من طبقات المدلِّسين، وقد ترجم هذه الطبقة بقوله (١): "من احتمل الأئمة تدليسه وأخرجوا له في الصحيح، لإمامته وقلة تدليسه في جنب ما روى؛ كالثوري، أو كان لا يدلِّس إلَاّ عن ثقة؛ كابن عيينة". وعلى هذا فتُحتَمل عنعنة الحسن، وتُصحَّح، ويحتجُّ بها، ولا يلتفت إلى أنه كان يدلِّس، وكذا ابن أبي عروبة.
قلت: هذا مشكلٌ جدًّا، لا يتمشَّى على [ص ٨٤] القواعد. وقد نصَّ الشافعي في "الرسالة" على أنَّ التدليس يثبت بمرَّة، وعبارته (٢): "ومن عرفناه دلَّس مرَّة فقد أبان لنا عورته في روايته، وليست تلك العورة بكذب فنردَّ بها حديثه، ولا النصيحة في الصدق؛ فنقبل منه ما قبلنا من أهل النصيحة في الصدق، فقلنا: لا نقبل من مدلِّسٍ حديثًا، حتى يقول فيه: حدثني أو سمعت".
وجلالة الرجل وإمامته إذا عُرِف بالتدليس لا تنافي أن يدلِّس رجلًا يُحْسِن الظنَّ به، وغيرُه يعرف أنه مجروح، وتُقوِّي التهمة بالتدليس؛ لأنَّ مما يبعث عليه أن يكون الشيخ غير مرضي عند الناس. ولو كانت جلالة الرجل وإمامته توجب اغتفار تدليسه لأوجبت اغتفار إرساله، وليس هذا مذهب أهل الحديث.
стр. 145
وقد عدَّ ابن حجر سليمان التيمي في الطبقة الثانية (١)؛ مع أنَّ البخاري طعن في زيادته في حديث قتادة عن أبي غلاب؛ بقوله: "ولم يذكر سليمان في هذه الزيادة سماعًا من قتادة، ولا قتادة من يونس بن جبير". ذكره في "جزء القراءة" (٢).
وقال البزَّار (٣) في سعيد بن أبي عروبة: "يحدِّث عن جماعة لم يسمع منهم؛ فإذا قال: "سمعت وحدثنا" كان مأمونًا على ما قال".
مفهومه أنه ليس مأمونًا فيما عنعنه.
وقال فيه ابن عدي (٤): "كان ثبتًا عن كل من روى عنه؛ إلَاّ من دلَّس عنهم".
فجعله غير ثبت إذا دلَّس.
وقد تأوَّل السخاويُّ في "فتح المغيث" كلامَ شيخه ابن حجر؛ فإنه ذكر عباراتهم في اغتفار عنعنة المدلِّس إذا وقعت في "الصحيحين"، ثم قال (٥): "وأحسن من هذا كلِّه قول القطب الحلبي في "القدح المعلَّى": أكثر العلماء أنَّ المعنعنات التي في "الصحيحين" منزَّلة منزلة السماع؛ يعني: إما لمجيئها من وجهٍ آخر بالتصريح، أو لكون المعنعن لا يدلِّس إلَاّ عن ثقةٍ أو عن بعض
стр. 146
شيوخه، أو لوقوعها من جهة بعض الحفَّاظ النقَّاد المحققين سماع المعنعن".
ثم قال بعد ذلك: "وما أشار إليه شيخنا من إطلاق تخريج أصحاب الصحيح لطائفةٍ منهم حيث جعل منهم قِسمًا احتمل الأئمةُ تدليسَه، وخرَّجوا له في الصحيح لإمامته وقلة تدليسه كالثوري، يتنزَّل على هذا؛ لاسيَّما وقد جعل من هذا القسم: من كان لا يدلِّس إلَاّ عن ثقة كابن عيينة. وكلام الحاكم يساعده؛ فإنه قال: ومنهم جماعة من المحدثين المتقدِّمين والمتأخرين، مخرَّج حديثهم في الصحيح؛ لأنَّ المتبحِّر في هذا العلم يميِّز بين ما سمعوه وبين ما دلَّسوه".
فكلام السخاوي ينبِّهك على أنَّ اغتفار عنعنة تلك الطبقة مخصوص بأحاديثهم التي في "الصحيحين".
وكلام الحلبي والحاكم ظاهر في أنَّ الاغتفار إنما هو للظنِّ بأنَّ صاحب الصحيح اطَّلع على روايةٍ مصرَّحٍ فيها بالسماع. أو يكون المعنعن لا يدلِّس إلَاّ عن ثقة؛ يعني: ثقة متفق عليه كما صرَّحوا به، وقد ذكر ابن حبَّان أنَّ هذا خاص بابن عيينة. أو على أنه كان لا يدلِّس إلَاّ عن بعض شيوخه، أي ولم يكن يدلِّس عن شيخه هذا. أو لوقوعها من جهة بعض الحفاظ النقاد؛ أي الذين صرَّحوا بأنهم لا يروون عن ذلك المدلِّس إلَاّ ما اطلعوا على أنه سمعه.
أقول: ومع هذا فقد ناقش ابن دقيق العيد وغيره في المسألة من أصلها كما ذكره السخاوي. وقد نُقِل عنه أنه قال (١): "هذه إحالة على جهالة،
стр. 147
وإثبات أمر بمجرَّد الاحتمال".
أقول: وقد يجوز في بعض المواضع أنَّ صاحب الصحيح لم يطلع على أنَّ الشيخ كان يدلِّس.
والحاصل: قد يقال (١) اختصاص اغتفار عنعنة الحسن وابن أبي عروبة وأهل تلك الطبقة بما وقع في "الصحيحين"؛ فلا يدخل في ذلك ما وقع من عنعنتهم في غيرهما؛ كالسنن والمسانيد ومعاجم الطبراني، والله أعلم.
ولعلنا لو اطلعنا على إسناد الطبراني لهذا الحديث بتلك الزيادة لاستغنينا عن هذا التطويل (٢).
ثم رأيت في "جزء القراءة" (٣) للبخاري: حدثنا محمد بن مرداس أبو عبد الله الأنصاري قال: حدثنا عبد الله بن عيسى أبو خلف الخزاز عن يونس عن الحسن عن أبي بكرة: أنَّ النبي ﵌ صلَّى صلاة الصبح، فسمع نَفَسًا شديدًا أو بُهْرًا من خلفه، فلما قضى رسول الله ﵌ الصلاة قال لأبي بكرة: أنت صاحب هذا النَّفَس؟ قال: نعم، جعلني الله فداءك، خشيتُ أن تفوتني ركعةٌ معك، فأسرعتُ المشي؛ فقال رسول الله ﵌: "زادك الله حرصًا ولا تَعُدْ، صلِّ ما أدركتَ واقضِ ما سبق".
وأظنُّ الطبراني إنما رواه من هذه الطريق (٤).
стр. 148
ومحمد بن مرداس مجهول؛ قاله أبو حاتم، ولا يدفع ذلك ذِكْرُ ابن حبان إياه في "الثقات" كما عرف (١).
وعبد الله بن عيسى (٢)؛ قال أبو زرعة: منكر الحديث، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال ابن القطان: لا أعلم له موثقًا.
ثم إن الحسن كان يروي بالمعاني؛ كما قاله هشيم عن ابن عون؛ فلا يبعد أن لا يكون تثبت عنده تلك الزيادة بذلك اللفظ، ولكنه فهم من القصة ذلك المعنى؛ كما فهمه منها كثيرون؛ فلما روى بالمعنى جاءت تلك العبارة، والله أعلم.
وفي "المسند" (٣): عن عبد العزيز بن أبي بكرة أن أبا بكرة جاء والنبي ﵌ راكعٌ، فسمع النبي ﵌ صوتَ نعلِ أبي بكرة، وهو يُحْضِر يريد أن يدرك الركعة؛ فلما انصرف النبي ﵌ قال: من الساعي، قال أبو بكرة: أنا، قال: "زادك الله حرصًا ولا تَعُدْ".
وفي سنده بشار الخيّاط (٤) ضعَّفه ابن معين، على أنَّ ظاهره الإرسال، والله أعلم.
هذا، ومن قال بأنَّ الركعة تدرك بإدراك الركوع، ويتحمَّل الإمام الفاتحة
стр. 149
عنه، لا يلزمه أنَّ الإمام يتحمَّل عن الموافق؛ للفرق الواضح. فإن له أن يقول: إنَّ الشارع لما أمر المسبوق أن يدخل في الصلاة فورًا، سواءٌ أكان الإمام راكعًا أم ساجدًا أم جالسًا أم غير ذلك، فقد ألزم هذا المسبوق إذا أدرك الإمام راكعًا أن يركع معه، ثم نظر فإذا هو قد أدرك معظم الركعة، وأدرك الأركان التي تتميَّز بها الصلاة تميُّزًا واضحًا؛ وهي الركوع والسجود، وعلم الشارع أنَّ تكليفه المسبوق بالموافقة، وتكليفه بقضاء تلك الركعة يشقُّ عليه، وهذه المشقة وإن كانت خفيفة إلَاّ أنه يحتمل تكرُّرها مرارًا كل يوم، فناسبَ أن يسقط عنه فاتحة تلك الركعة، وإن كانت ركنًا؛ كما أسقط القراءة عن الأبكم والأمي وإن كان منفردًا، وكما أسقط القيام عن المأمومين إذا كان الإمام لا يستطيع القيام، وكما أسقط القيام والركوع والسجود عن العاجز. ولم يَلزم المسبوقَ بدلُ الفاتحة؛ لأنه لا يمكن له بدلٌ إذا كان عليه الموافقة في الركوع فورًا؛ فكان مشغولًا بعد ذلك بأعمال أخرى.
فإن قيل: فإنَّ من أدرك الإمام في الاعتدال لا تحسب له ركعة مع أنَّ المشقة عليه قريب من المشقة على من أدركه في الركوع.
قلت: ولكنها أخفُّ بالنسبة، ومع ذلك فليس العلة هي المشقة وحدها؛ بل المشقة مع إدراك معظم الركعة، وإدراك الأركان التي تتميَّز بها الصلاة تميُّزًا واضحًا. وأما الموافق فلا مشقة عليه؛ فكيف يقاس على المسبوق؟
[ص ٨٥] وأما حديث موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شدَّاد فقد أطلق الحفَّاظ المتقدِّمون أنه لم يجئ موصولًا بذكر جابر إلَاّ من رواية الإمام أبي حنيفة ــ رحمه الله تعالى ــ والحسن بن عمارة، ولم يناقش في ذلك أحد من الحفاظ الحنفية وغيرهم.
стр. 150
وقد رُوي الحديث من طريق سفيان وشريك في عدَّة كتب (١) بدون ذكر جابر.
وقد كان "مسند أحمد بن منيع" مشهورًا متداولًا بينهم؛ فيبعد غاية البعد أن يكون فيه الحديث موصولًا عن سفيان وشريك، ولا ينبِّه عليه أحد من المتقدمين. فهذا يبيِّن أنَّ ما نقله ابن الهمام (٢) عن "مسند أحمد بن منيع" خطأ في تلك النسخة، ولا يُعلم بخط من هي، وكيف حالها؟
والظاهر أنه وقع فيها سقط أو تحريف؛ فإنَّ إسحاق الأزرق ــ الذي وقع في النسخة الروايةُ عنه عن سفيان وشريك ــ يروي هذا الحديث بعينه عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى.
قال الدارقطني (٣): "حدثنا علي بن عبد الله بن مبشر ثنا محمد بن حرب الواسطي ثنا إسحاق الأزرق عن أبي حنيفة عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شدَّاد عن جابر قال: قال رسول الله ﵌: "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة".
والإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى عَدْل رضًا مأمون، وأكبر من ذلك، ولكن أئمة الحديث من أصلهم إذا تعارض الوصل والإرسال الاجتهادُ
стр. 151
بالترجيح؛ كما تقدَّم عن "فتح المغيث" (١). ومن المرجحات عندهم الكثرة.
وقد رواه الدارقطني (٢) من طريق ابن أخي ابن وهب ثنا عمي ثنا الليث بن سعد عن يعقوب عن النعمان عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شدَّاد عن أبي الوليد عن جابر؛ فذكره، في قصة ستأتي.
ثم قال الدارقطني: "أبو الوليد هذا مجهول".
والظاهر أنَّ "عن" في قوله "عن أبي الوليد" زائدة، والصواب عن عبد الله بن شدَّاد أبي الوليد؛ فإنَّ عبد الله بن شدَّاد كنيته أبو الوليد. أو أنَّ قوله "عن أبي الوليد" بدلٌ من قوله "عن عبد الله بن شدَّاد".
ثم رأيت الطحاوي أخرج الحديث في "معاني الآثار" (٣) عن أبي بكرة قال: ثنا أبو أحمد قال: ثنا إسرائيل عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شدَّاد عن رجل من أهل البصرة عن رسول الله ﵌ نحوه.
وجابر بن عبد الله بن حرام الأنصاري لم يكن من أهل البصرة.
ثم وجدت في "الإصابة" (٤) ترجمةً لفظها: "جابر بن عبد الله الراسبي، قال صالح جزرة: نزل البصرة. وقال أبو عمر (٥): روى عنه أبو شدَّاد. وروى
стр. 152
ابن منده من طريق عمر بن برقان (١) عن أبي شدّاد عن جابر بن عبد الله الراسبي عن النبي ﵌ حديثًا قال: "من عفا عن قاتله دخل الجنة" (٢). قال: هذا حديث غريب، إن كان محفوظًا. قال أبو نعيم: قوله "الراسبي" وهمٌ، وإنما هو الأنصاري".
فأخشى أن يكون جابر بن عبد الله الذي وقع في سند الحديث من رواية الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى هو هذا البصري. وبهذا التقدير يتم قوله في رواية إسرائيل: "عن رجل من أهل البصرة". ويجوز أن تكون كنية هذا الرجل أبا الوليد؛ فتكون رواية الدارقطني على ظاهرها، وإن كان زيادة "عن جابر" يعكِّر على ذلك.
وأخشى أن لفظ "أبي شدَّاد" الواقع في السند المذكور في ترجمة هذا الرجل صوابه "ابن شدَّاد".
وفي "لسان الميزان" (٣): "أبو شدَّاد عن مجاهد ... وأخرج أبو يعلى (٤) من طريق عمر بن نبهان عن أبي شدَّاد عن جابر حديثًا؛ فما أدري هو هذا أم لا؟ ولم أقف على ترجمته عند الحاكم أبي أحمد".
قلت: وعمر بن نبهان يروي عن الحسن البصري ونحوه؛ فلا يبعد أن يروي عن عبد الله بن شدَّاد.
стр. 153
وعبد الله بن شدَّاد غير معروف بالرواية عن جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام، [ص ٨٦] وحديث جابر في "مسند أحمد" في أربعٍ وخمسين ورقة (١) ليس فيه شيء من رواية ابن شدَّاد عنه.
وجابر بن عبد الله الراسبي البصري لم تثبت له صحبة، وهو رجلٌ مجهول.
ويحتمل أن يكون جابر الواقع في رواية الإمام أبي حنيفة هو الأنصاري على ما هو المتبادر، ويكون ابن شدَّاد لم يسمع هذا الحديث منه؛ بل سمعه عن رجل من أهل البصرة يقال له أبو الوليد عن جابر. ولعلَّ ابن أبي عائشة إنما اختار الإرسال غالبًا لأحد هذين الاحتمالين، أو لأنه كان يشكُّ.
وقد روى ابن المبارك الحديث عن أبي حنيفة مرسلًا (٢) كالجماعة؛ فهو المتيقِّن، ولا يصح الحكم بوصله لاضطراب ابن أبي عائشة فيه كما رأيت.
فأما زيادة "في الظهر أو العصر" فما إخالها إلَاّ مدرجة، فقد أخرج الدارقطني (٣) من طريق ابن أخي ابن وهب بسنده المتقدِّم، عن عبد الله بن شدَّاد بن الهاد عن جابر بن عبد الله أنَّ رجلًا قرأ خلف رسول الله ﵌ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، فلما انصرف النبي ﵌ قال: "من قرأ منكم بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾؟ " فسكت القوم، فسألهم ثلاث مرات، كلَّ ذلك يسكتون، ثم
стр. 154
قال رجل: أنا، قال: "قد علمت أنَّ بعضكم خالجنيها".
وقال (١) عبد الله بن شدَّاد عن أبي الوليد عن جابر بن عبد الله: أنَّ رجلًا قرأ خلف النبي ﵌ في الظهر والعصر، فأومأ إليه رجل فنهاه، فلما انصرف قال: أتنهاني أن أقرأ خلف النبي ﵌؛ فتذاكرا ذلك حتى سمع النبي ﵌، فقال رسول الله ﵌: "من صلَّى خلف الإمام فإنَّ قراءته له قراءة".
فالحديث الأول هو حديث عمران بن الحصين عينه، ولفظه عند مسلم (٢) في روايةٍ: عن عمران بن حصين قال: صلَّى بنا رسول الله ﵌ صلاة الظهر أو العصر؛ فقال: "أيكم قرأ خلفي بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾؟ "، فقال رجل: أنا، ولم أُرِدْ بها إلَاّ الخير، قال: "قد علمتُ أنَّ بعضكم خالجنيها".
وسقط ذكر الظهر أو العصر من حديث ابن شدَّاد الأول، وأدرج في الثاني. فكأنَّ الأصل ــ والله أعلم ــ أنَّ لفظ: "في الظهر والعصر" مدرج في الثاني، وأصل موضعه في الأول.
ومما يدلُّ على هذا أنَّ محمد بن الحسن أخرج الحديث الثاني في "كتاب الآثار" (٣)، وليس فيه لفظ: "في الظهر أو العصر".
وكذلك رواه الحاكم والبيهقي (٤) من طريق مكي بن إبراهيم عن أبي
стр. 155
حنيفة، وليس فيه ذكر الظهر أو العصر. وهكذا روي من طرق أخرى بدونها.
وأما رواية الأسود بن عامر ومن معه عن الحسن بن صالح عن أبي الزبير (١)؛ فقد رواه يحيى بن أبي بكير وإسحاق بن منصور وغيرهما عن الحسن بن صالح عن جابر الجعفي وليث بن أبي سليم عن أبي الزبير (٢)، وهذا هو الراجح.
قال العراقي في خَفِيِّ الإرسال (٣):
فعدم السماع واللقاءِ ... يبدو به الإرسال ذو الخفاء
كذا زيادة اسم راوٍ في السند ... إن كان حذفه بعَنْ فيه ورد
ويؤكِّده أنَّ الحسن بن صالح لم يثبت له لقاء أبي الزبير، وإن كان أدركه.
وأما قول مسلم [ص ٨٧] ﵀: إنه يكفي في الحكم بالاتصال المعاصرة لغير المدلس؛ فذاك خاص بما إذا لم يرد الحديث من جهة أخرى بذكر واسطة كما هنا.
ولعلَّ الحسن بن صالح علم أنَّ الأسود ومن وافقه يعلمون أنه لم يلق أبا الزبير؛ فلذلك أرسل الحديث عن أبي الزبير.
стр. 156
وجابر الجُعفي متروك، خصوصًا إذا قال "عن"؛ فإنه يدلِّس عن الوضَّاعين.
وفي "تهذيب التهذيب" (١) عن مسعر قال: كنت عند جابر فجاءه رسول أبي حنيفة: ما تقول في كذا وكذا؟ قال: سمعت القاسم بن محمد وفلانًا وفلانًا، حتى عدَّ سبعةً؛ فلما مضى الرسول قال جابر: إن كانوا قالوا.
وقال أبو يحيى الحِمَّاني عن أبي حنيفة: ما لقيتُ فيمن لقيت أكذب من جابر الجعفي، ما أتيته بشيء من رأيي إلَاّ جاءني فيه بأثر (٢).
وأما ليث بن أبي سليم فصدوق، كثير الغلط، واختلط بأخرة.
ولو ثبت الحديث عن أبي الزبير فأبو الزبير مشهور بالتدليس، وقد عنعن.
وأجاب الشارح عن هذا بأنَّ أبا الزبير مكثر عن جابر؛ فتُحمل عنعنته عنه على السماع؛ كما قال الذهبي في "الميزان" (٣) في ترجمة الأعمش، ولفظه: "قلت: هو مدلِّس، وربما دلَّس عن ضعيف، ولا يدري به؛ فمتى قال: "ثنا فلان" فلا كلام، ومتى قال: "عن" تطرَّق إليه احتمال التدليس؛ إلَاّ في شيوخ له أكثر عنهم؛ كإبراهيم وأبي وائل وأبي صالح السمَّان؛ فإنَّ روايته عن هذا الصنف محمولة على الاتصال".
قلت: فيما قاله الذهبي نظر، ومع ذلك فلا يصحُّ قياس أبي الزبير على
стр. 157
ذلك؛ لأنه قد ثبت عنه التدليس عن جابر. قال ابن أبي مريم عن الليث بن سعد: قدمت مكة، فجئت أبا الزبير، فدفع إليَّ كتابين، فانقلبت بهما، ثم قلت في نفسي: لو عاودته فسألته هل سمع هذا كله من جابر؟ فقال: منه ما سمعت، ومنه ما حُدِّثت عنه، فقلت له: أعلِمْ لي على ما سمعت، فأعلَمَ لي على هذا الذي عندي (١).
وأما ما رواه مالك (٢) عن وهب بن كيسان عن جابر فهو صحيح من قوله، وما ذكره صاحب "الجوهر" (٣) عن البيهقي في "الخلافيات" لا يصحُّ. فقد أخرج الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٤) من طريق يحيى بن سلام عن مالك، فرفعه.
ثم قال: "حدثنا يونس قال أنا ابن وهب أنَّ مالكًا حدَّثه عن وهب بن كيسان عن جابر مثله، ولم يذكر النبي ﵌.
حدثنا فهد قال: ثنا إسماعيل بن موسى ابن ابنة السدِّي قال: ثنا مالك، فذكر مثله يإسناده. قال: فقلت لمالك: أَرَفَعَه؟ فقال: خذوا برجله".
ولو فُرِض أنَّ إسماعيل رفعه عن مالك، فإسماعيل وإن كان صدوقًا فليس مثله بالذي يقبل فيما يزيده على أصحاب مالك الحفّاظ، والله أعلم.
стр. 158
[ص ٨٨] وأما الأثر الآخر عن جابر (١)، ففي سنده الضحاك بن عثمان؛ وثَّقه الأكثر. وقال أبو زرعة: ليس بقوي، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتجُّ به، وهو صدوق. وقال ابن عبد البر: كان كثير الخطأ، ليس بحجَّة (٢).
وقد أخرج ابن ماجه والبيهقي (٣) بسند صحيح عن يزيد الفقير ــ وهو ثقة، احتجَّ به الشيخان وغيرهما ــ عن جابر بن عبد الله قال: "كنا نقرأ في الظهر والعصر خلف الإمام في الركعتين الأُولَيين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب".
وأخرجه البيهقي في موضع آخر (٤) بسند صحيح أيضًا، ولفظه: "سمعت جابر بن عبد الله ﵄ يقول: يقرأ في الركعتين ــ يعني الأُولَيين ــ بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب، قال: وكنا نتحدَّث أنه لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب فما فوق ذاك، أو قال: ما أكثر من ذاك".
قال صاحب "الجوهر النقي" (٥): "مضطرب المتن".
أقول: ليس هذا باضطراب؛ بل سمع يزيد من جابر هذا اللفظ مرة، واللفظ الآخر مرة أخرى، وليس بين اللفظين تناقض حتى يقال: مضطرب.
стр. 159
وقد جمع البيهقي (١) بين ما رُوِيَ عن جابر بأنه كان يرى القراءة خلف الإمام فيما لا يجهر فيه، ولا يراها فيما يجهر فيه.
أقول: وهذا محتمل، ويحتمل أن يكون هذا فيما دون الفاتحة؛ بدليل قوله: "وكنا نتحدَّث أنه لا صلاة إلَاّ بفاتحة الكتاب".
فأما قوله في رواية وهب بن كيسان: "من صلَّى ركعةً لم يقرأ فيها بأم القرآن إلَاّ وراء الإمام فيمكن أن يحمل قوله: "إلَاّ وراء الإمام" على المسبوق، والله أعلم.
وقد عُلِم بما مرَّ عن جابر ما يدلُّ على بطلان زيادة: "في الظهر أو العصر" في حديث ابن شدّاد؛ إن صحَّ كونه من رواية جابر المشهور. إذ كيف يكون هذا الحديث بتلك الزيادة عن جابر، ثم يقول: "كنا نقرأ في الظهر والعصر خلف الإمام" إلى آخره، ولا يبيِّن ما يخالفه؟
وبما ذُكِر يترجَّح ــ على فرض صحة تلك القصة ــ أنها كانت في صلاة جهرية، وعلم جابر بالقرائن أنَّ قوله: "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة" خاص بالجهرية.
ثم يحمل ــ كما قاله البخاري وغيره ــ على ما عدا الفاتحة؛ للأدلة المتكاثرة على وجوب الفاتحة على المأموم، ومنها حديث مكحول عن محمود عن عبادة، وهو نصٌّ يُخصَّص به عموم هذا مع ما يعضد حديث عبادة من النصوص العامة والخاصة التي تقدَّم بعضها، والله أعلم.
стр. 160
هذا على فرض صحَّة الحديث، وقد علمت ما فيه.
وفي "التعليق المغني على سنن الدارقطني" (١)، نقلًا عن "معرفة السنن" للبيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت سلمة بن محمد الفقيه [ص ٨٩] يقول: سألت أبا موسى الرازي الحافظ عن حديث: "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة"؛ فقال: لم يصحَّ عن النبي ﵌ فيه شيءٌ؛ إنما اعتمد مشايخنا فيه على الروايات عن علي وابن مسعود وغيرهما من الصحابة. قال أبو عبد الله الحافظ: أعجبني هذا لما سمعته؛ فإنَّ أبا موسى أحفظ من رأينا من أصحاب الرأي على أديم الأرض.
أقول: والثابت عن أمير المؤمنين علي ﵁ الأمر بالقراءة خلف الإمام (٢).
وأما ابن مسعود فقال البخاري في "جزء القراءة" (٣): "وقال لنا إسماعيل بن أبان: حدثنا شريك عن أشعث بن أبي الشعثاء عن أبي مريم: سمعت ابن مسعود ﵁ يقرأ خلف الإمام".
وأخرجه البيهقي (٤) من طريق علي بن حُجر ثنا شريك عن أشعث بن سليم عن عبد الله بن زياد الأسدي قال: صلَّيت إلى جنب عبد الله بن مسعود ﵁ خلف الإمام؛ فسمعته يقرأ في الظهر والعصر.
стр. 161
وفي "الجوهر النقي" (١): "وقال ابن أبي شيبة ثنا أبو الأحوص عن منصور عن أبي وائل قال: جاء رجلٌ إلى عبد الله فقال: أَقْرَأُ خلف الإمام؟ فقال: إنَّ في الصلاة شغلًا، وسيكفيك قراءة الإمام".
وقدح صاحب "الجوهر" (٢) في الأثر الأول بأنَّ في سنده شريكًا، وذكر كلام البيهقي فيه.
أقول: شريك إمام. قال ابن معين: هو أحبُّ إليَّ من أبي الأحوص. وقال أيضًا: ولم يكن شريك عند يحيى ــ يعني القطان ــ بشيء، وهو ثقة ثقة. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن شريك وأبي الأحوص أيهما أحبُّ إليك؟ قال: شريك، وقد كان له أغاليط (٣).
وأبو الأحوص هو الواقع في سند الأثر الثاني. وقد أخطأ فيه، وخالفه الطَّوْدان سفيانُ وشعبةُ؛ رواه البيهقي (٤) من طريقهما عن منصور عن أبي وائل أنَّ رجلًا سأل ابن مسعود عن القراءة خلف الإمام؛ فقال: أنصت للقرآن؛ فإنَّ في الصلاة شغلًا، وسيكفيك ذاك الإمام.
قال البخاري في "جزء القراءة" (٥): "وقال أبو وائل، عن ابن مسعود: أَنصِتْ للإمام. وقال ابن المبارك: دلَّ أنَّ هذا في الجهر، وإنما يُقرأ خلف
стр. 162
الإمام فيما سكت الإمام".
أقول: ومع ذلك فليس نصًّا في ترك الفاتحة؛ فقد يجوز أن يكون أراد الإنصات عما عداها للعلم بوجوبها.
وقال صاحب "الجوهر النقي" (١): قال البزَّار: ثنا محمد بن بشَّار وعمرو بن علي قالا: ثنا أبو أحمد أنا يونس بن أبي إسحاق عن أبيه عن أبي الأحوص عن عبد الله قال: كانوا يقرؤون خلف النبي ﵇؛ فقال: "خلَّطتم عليَّ القرآن".
أقول: قد تقدَّم في الكلام على آية الإنصات نقلُ هذا الحديث عن "جزء القراءة" (٢) للبخاري، رواه عن محمد بن مقاتل قال: حدثنا النضر قال أنبأنا يونس بسنده هذا، ولفظه: قال النبي ﵌[ص ٩٠] لقوم كانوا يقرؤون القرآن، فيجهرون به: "خلَّطتم عليَّ القرآن". وكنا نسلِّم في الصلاة، فقيل لنا: "إنَّ في الصلاة لشغلًا".
стр. 163
[ص ٩١] المسألة الخامسة
هل يزيد المأموم في الأُولَيين من الظهر والعصر على الفاتحة
قد يستدلُّ على المنع بالأحاديث المتقدِّمة (١) في أوائل المسألة الرابعة.
ولفظ الحديث الأول منها: صلى النبي ﵌؛ فلما قضى صلاته قال: "أتقرؤون والإمام يقرأ؟ " قالوا: إنا لنفعل، قال: "فلا تفعلوا إلَاّ أن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه".
وقال في الثاني نحوه.
وفي الثالث: "تقرؤون خلفي؟ " قالوا: نعم، إنا لنهُذُّ هذًّا، قال: "فلا تفعلوا إلَاّ بأمِّ القرآن".
وفي الرابع: "تقرؤون القرآن إذا كنتم معي في الصلاة؟ " قالوا: نعم يا رسول الله، إنا لنهذُّ هذًّا، قال: "فلا تفعلوا إلَاّ بأم القرآن".
وفي الخامس: "هل تقرؤون إذا كنتم معي في الصلاة؟ " قلنا: نعم، قال: "فلا تفعلوا إلَاّ بأم القرآن".
وفي السادس: "تقرؤون خلفي؟ " قالوا: نعم، قال: "فلا تفعلوا إلَاّ بأم الكتاب".
ويجاب عن هذا بأنَّ في حديث عبادة: "إني لأراكم تقرؤون خلف إمامكم إذا جهر". وفي الرواية الأخرى: "هل تقرؤون إذا جهرت بالقراءة؟ "
стр. 164
فقال بعضنا: إنا لنصنع ذلك، قال: "فلا تفعلوا، وأنا أقول: مالي أُنازَع القرآنَ، فلا تقرؤوا بشيءٍ من القرآن إذا جهرتُ؛ إلَاّ بأمِّ القرآن". فقيَّد النهي بما إذا جهر؛ فتُحْمَل عليه تلك الأحاديث المطلقة.
فإن قيل: حديث عبادة وإن كان مقيَّدًا بما إذا جهر فهو من حيث المعنى يدلُّ أنَّ مثل ذلك ما إذا أسرَّ؛ لأنه علَّل بالمنازعة، واستثنى الفاتحة؛ معلِّلًا بأنها فرضٌ؛ كأنه يقول: تُغتفر المنازعة بالفاتحة لأنها فرض. وقد ثبت بحديث عمران أنَّ المنازعة تكون في السريِّة أيضًا، والزيادة في السرِّية ليست فرضًا على المأموم اتفاقًا؛ فيفهم من هذا المنعُ منها.
قلت: لا نسلِّم أنَّ المنازعة تكون في السرية، وإنما تلك المخالجة، وهي أخفُّ من المنازعة. وحديث عمران دليل لنا.
سلَّمنا أنهما واحد، ولكن لا نسلِّم أنَّ المنازعة كانت تحصل بمطلق القراءة خلفه ﵌، وإنما كانت تحصل بقراءة نفس السورة التي يقرأها بعد الفاتحة. وحديث عمران واضحٌ في ذلك؛ لأنَّ النبي ﵌ استدلَّ بالمخالجة على أنَّ بعض المقتدين به قرأ بسورة سبِّح اسم ربِّك الأعلى. ولو كانت المخالجة تحصل بالقراءة مطلقًا لما دلته المخالجة إلَاّ على قراءة بعضهم فقط.
ويوضِّح هذا قوله: "خالجنيها"؛ فإنه ظاهر في أنَّ النبي ﵌ قرأها، وذلك الرجل يقرؤها معه؛ فتخالجاها.
[ص ٩٢] وهكذا قوله في حديث ابن أُكيمة: "هل قرأ معي أحدٌ منكم آنفًا".
стр. 165
فقوله: "معي" يدلُّ أنَّ المراد: قرأ معي نفس السورة التي قرأتها. ألا ترى أنك لو قلت: قرأت سورة الكهف، وقرأ معي فلان؛ فَهِم السامع أنَّ فلانًا قرأ معك سورة الكهف عينها.
وإنما لم يُسمَّ في حديث ابن أُكيمة السورة كما سمَّاها في حديث عمران لأنَّ قصة حديث ابن أكيمة في صلاة الصبح وهي جهرية؛ فقد سمعوا قراءة النبي ﵌، وعلموا السورة التي قرأها. فاكتفى بقوله: "هل قرأ معي أحد منكم"؛ فعُلِمَ أنه أراد نفس السورة التي قرأها هو ﵌، فأجابه الذي قرأها معه بقوله: نعم، أنا يا رسول الله.
وأما في حديث عمران فكانت الصلاة سريَّة؛ فلو اقتصر على قوله: "من قرأ معي" لما علموا أيَّ سورة قرأ، وكلّ واحد منهم قد قرأ بسورة؛ فلهذا سمَّاها لهم، فتدبَّر.
فإن قلت: فمقتضى هذا الكلام أن يُمنع المأموم في السريَّة من قراءة غير الفاتحة مطلقًا؛ لأنه لا يدري لعله يقرأ السورة التي يقرأها النبي ﵌. ولا يُمنَع في الجهرية إلَّا من قراءة السورة التي يقرؤها النبي ﵌، وله أن يقرأ غيرها.
قلت: إنما يأتي هذا إذا قلنا إنَّ المنازعة هي العلَّة، ولسنا نقول ذلك، وإنما العلَّة عندنا هي الإخلال باستماع القراءة لغير موجب. وإنما ذكر ﵌ المنازعة إعلامًا لهم بالدليل الذي استدلَّ به على أنَّ بعضهم قرأ معه.
وفي ذلك معجزة يفيدهم الاطلاعُ عليها، فإنَّ المنازعة لا تحصل لغيره
стр. 166
- ﵌، فهي أمرٌ روحاني مختصٌّ به، بأبي هو وأمي. وذلك نظير إخباره إياهم بالمخالجة في حديث عمران.
ولو كانت العلَّة هي المنازعة للزم أن لا يمنع المقتدي بغير النبي ﵌ من القراءة مطلقًا؛ لأنَّ المنازعة لا تحصل لغيره ﵌، والحكم يدور مع علَّته، والله أعلم.
ومن أدلتنا الحديث الصحيح (١) عن جابر: "قال: كنا نقرأ في الظهر والعصر خلف الإمام في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب".
وقد تقدَّم وصحَّ عن أمير المؤمنين عليٍّ أنه كان يأمر بذلك.
وصحَّ عن مجاهد قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يقرأ خلف الإمام في صلاة الظهر من سورة مريم (٢).
وروى البيهقي (٣) من طريق العوام بن حمزة (٤) عن ثابت عن أنس قال (٥): كان يأمرنا بالقراءة خلف الإمام. [ص ٩٣] قال: وكنت أقوم إلى جنب أنس؛ فيقرأ بفاتحة الكتاب وسورةٍ من المفصَّل، ويُسْمِعنا قراءته لنأخذ عنه.
стр. 167
اعترضه التركماني (١) بأنَّ العوَّام بن حمزة قال فيه ابن الجوزي في كتاب "الضعفاء": قال يحيى: ليس حديثه بشيء، وقال أحمد: له أحاديث مناكير.
قلت: في "فتح المغيث" (٢): عن ابن القطان أنَّ ابن معين إذا قال في الراوي: "ليس بشيء" إنما يريد أنه لم يرو حديثًا كثيرًا.
وفي "تهذيب التهذيب" (٣) عن يحيى القطان: ما أَقْربَه من مسعود بن علي، ومسعود لم يكن به بأس. وعن أحمد: له ثلاثة أحاديث مناكير. وعن ابن معين: ليِّن. وقال إسحاق بن راهويه: بصري ثقة. وعن أبي زرعة: شيخ، قيل: فكيف ترى استقامة حديثه؟ قال: لا أعلم إلَاّ خيرًا. وقال الآجريُّ عن أبي داود: ما نعرف له حديثًا منكرًا، وقال مرَّةً: ثقة. وقال النسائي: لا بأس به.
أقول: وقول أحمد "له ثلاثة أحاديث مناكير" كأنَّ الحمل فيها على من فوقه؛ بدليل قول أبي داود. فحديث الرجل لا ينزل عن درجة الحسن، والله أعلم.
стр. 168
[ص ٩٤] المسألة السادسة
إذا كان المأموم أصمَّ أو بعيدًا عن الإمام لا يسمع قراءته؛ فهل يقرأ غير الفاتحة والإمام يجهر ؟
ظواهر الأحاديث المتقدمة المنع من ذلك؛ هذا من حيث ألفاظها.
وأما من حيث المعنى فالظاهر عدم المنع؛ لأنَّ علة المنع هي ــ كما تقدَّم ــ كون القراءة تُخِلُّ باستماع قراءة الإمام، وهذه العلة منتفية ههنا. ومن قال: العلة المنازعةُ فعدم المنع أظهر، لما قدَّمنا أنَّ المنازعة لا تحصل لغير النبي ﵌.
وترجيح دلالة المعنى هنا من باب تخصيص الحكم لخصوص علته. والعلماء رحمهم الله تعالى يترددون في ذلك.
وفي "سنن البيهقي" (١) بسند صحيح عن أبي شيبة المَهرْي قال: سأل رجلٌ معاذ بن جبل عن القراءة خلف الإمام، قال: إذا قرأ فاقرأ بفاتحة الكتاب وقل هو الله أحد، وإذا لم تسمع فاقرأ في نفسك، ولا تؤذي مَن عن يمينك ولا مَن عن شمالك.
والذي أختاره لنفسي عدم القراءة بغير الفاتحة؛ لظواهر الأحاديث، ولأنه قد يُخِلُّ باستماع غيره من المقتدين الذين يسمعون، وهذا ظاهر في الأصم، وممكن في البعيد.
стр. 169
ولأنه يُرجى أنه إذا أنصت تمام الإنصات سمع. ولسدِّ الذريعة. والله ﵎ أعلم.
стр. 170
ــ ١ ــ (١)
[ص ٩] ولو كان الذي قرأ رفع صوته حتى سمعه النبي ﵌ لما كان للاستفهام والتعجب وجه، والله أعلم.
ثم قال الشارح: (وكذا القول بأنَّ حديث أبي هريرة مختصر من حديث عبادة، والواقعة واحدة= لا يصحُّ؛ لأنه قول بلا دليل).
أقول: القائل ذلك رأى اتفاق الحديثين في أمور:
منها: أنَّ الصلاة كانت الصبح.
ومنها: في حديث عبادة ثقل القراءة والتباسها، وفي حديث ابن أكيمة المنازعة، والمعنى واحد؛ لأن المنازعة تُوجب الثقل والالتباس.
مع أنَّ في رواية من روايات حديث عبادة: فقال رسول الله ﵌: «وأنا أقول: مالي أنازع القرآن، فلا يقرأنَّ أحد منكم شيئًا من القرآن إذا جهرتُ؛ إلَاّ بأم القرآن». أخرجه الدارقطني، وقال: هذا إسناد حسن، ورجاله ثقات كلهم. وهذا اللفظ ــ أعني قوله: «وأنا أقول: مالي أنازع القرآن» ــ هو عين اللفظ الواقع في حديث ابن أكيمة.
ومنها: الاستفهام عن القراءة.
ومنها: الجواب بالإثبات.
стр. 171
ومنها: في حديث عبادة: «فلا تفعلوا»، وحديث ابن أكيمة يُشعِر بذلك كما تقدَّم.
وزاد عبادة استثناء الفاتحة، وليس ذلك في حديث ابن أكيمة، ولكن ذلك ينجبر بما عُرِف من مذهب أبي هريرة. على أنَّ حديث ابن أكيمة لم تدخل فيه الفاتحة أصلًا، كما يأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى.
فرأى ذلك القائل أنَّ هذا الاتفاق يحصل به غلبة الظن بأنَّ الحديثين واقعة واحدة، هذا دليله.
ومع ذلك ففي النفس شيءٌ من ذلك؛ لأنَّ في حديث عبادة في رواية: «إني أراكم تقرؤون وراء إمامكم، قلنا: أجل والله يا رسول الله، إنا لنفعل هذًّا». وفي حديث ابن أكيمة: «هل قرأ معي أحد منكم آنفًا؟ فقال رجل: نعم، أنا يا رسول الله». فالاستفهام مختلف، والجواب مختلف، وسيتضح ذلك قريبًا إن شاء الله تعالى.
ثم قال الشارح: (وحملُ حديث أبي هريرة على ما عدا الفاتحة تعسُّفٌ، بل علَّة الشارع فيه العموم؛ لأنَّ الشارع منع عن القراءة مطلقًا، وبيَّن علة النهي المنازعة، وقراءة الفاتحة وغيرها مشتركة في المنازعة سواء فيها، بدون فرق؛ فهذه العلة تجري في قراءة الفاتحة كما تجري في قراءة غيرها سواء بسواء).
أقول: الحديث من رواية أبي هريرة، ومذهبه الذي كان يفتي به كما في «صحيح مسلم» وغيره وجوب القراءة على المأموم سواء أسرَّ الإمام أم جهر، ومذهب الإمام أبي حنيفة ﵀ أنَّ فتوى الراوي على خلاف
стр. 172
روايته قادح في ما رواه. والشارح عافاه الله حنفي، وقد احتجَّ بمثل هذا كما يأتي.
والشافعي والمحدثون وإن قالوا: العبرة بما روى دون ما رأى؛ فإنهم لا ينكرون أنَّ فتوى الراوي بخلاف ما روى تُورِث شبهة ما فيما روى، فإذا انضمَّ إلى ذلك وهنٌ في السند أو نحوه قويت الشبهة؛ فقد تبلغ إلى حدِّ يتعيَّن بسببه ردُّ الرواية أو تأويلها.
وقد انضمَّ إلى فتوى أبي هريرة لِينُ ابن أكيمة. فقد قال الحميدي وغيره: مجهول، لم يروِ عنه إلَاّ ابن شهاب هذا الحديث وحده.
والذين قوَّوه إنما استندوا إلى أنَّ الزهري سمعه يحدِّث سعيد بن المسيِّب؛ فاستدلُّوا بذلك [ص ١٠] على أنه كان مقبولًا عند سعيد.
وهذا الاستدلال لا يكفي مثله في تثبيت حديث يلزم منه نسخ الأحاديث الصحيحة.
وانضمَّ إلى ذلك أيضًا اتفاقُ هذا الحديث مع حديث عبادة في أكثر الأمور. فلو لم يكن إلَاّ هذا لكان كافيًا في وجوب حمل القراءة في حديث ابن أكيمة على غير الفاتحة، أو على الأقل في منع أن يقال لهذا الحمل تعسُّف، فكيف وعندنا برهان واضح على هذا الحمل، فدونكه:
قد ثبت بالأوجه الثلاثة التي قدمناها في الكلام على قول الشارح أن الاستفهام للإنكار، والتمسنا منك التحفظ بها، وقلنا: إنه سيكون لها نبأ.
إنَّ الاستفهام والجواب والتعجُّب في هذا الحديث يدلُّ على أنهم لم يكونوا قبله مأمورين بالقراءة التي سألهم عنها، بل إما أن يكونوا لم يؤمروا
стр. 173
بها قط، وإما أن يكونوا أُمروا بها اولًا ثم نُهوا عنها قبل هذا الحديث؛ فارجع إلى تلك الأوجه، وتدبَّرها جيدًا.
ثم إنك تعلم أنَّ أحاديث وجوب الفاتحة عامة تتناول المأموم وإن جهر الإمام، وقد ثبت ذلك نصًّا بحديث عبادة وشواهده.
فحديث ابن أكيمة لا يخلو أن يكون قبلها أو بعدها.
فإن كان قبلها فهو منسوخ بها أو محمول عليها، وانقطع النزاع.
وإن كان بعدها ــ كما اختاره الشارح ــ فالأوجه الثلاثة المتقدمة توجب أحد أمرين:
إما أن يكون المراد بالقراءة التي سألهم عنها يصدق بالفاتحة، ويكون قد سبقه ناسخٌ لوجوبها؛ حتى صحَّ ذلك الاستفهام والجواب والتعجُّب.
وإما ان يكون المراد قراءة غير الفاتحة؛ وكأنَّ ذلك الرجل لم يبلغه حديث عبادة في النهي عن قراءة غير أم القرآن وراء الإمام إذا جهر، وتكون القرينة علمهم أنَّ النبي ﵌ يعلم أن الفاتحة واجبة عليهم، وأنهم لا يدعونها كلُّهم، فيعلمون أنه لا يقول لهم: هل قرأ معي أحدٌ منكم آنفًا؛ ويريد ما يصدق بالفاتحة، وأنه لا يتعجَّب من المنازعة التي تحصل بقراءتهم الفاتحة إن كانت تحصل بها. فهذه قرينة واضحة؛ تدلُّهم أنه ﵌ إنما أراد قراءة غير الفاتحة؛ فتدبَّر هذا الكلام جيدًا.
وإذ قد انحصر الواقع في هذين الاحتمالين فما بقي علينا إلَاّ أن ننظر أيهما أرجح، سائلين الله تعالى التوفيق.
قد يرجح الأول بأنَّ فيه إبقاء لفظ «قرأ» على إطلاقه.
стр. 174
ويرجح الثاني بأنَّ الآثار عن الصحابة تدلُّ أنه لما وقع هذا السؤال لم يفهموا منه الإطلاق، وإنما ذلك لقيام القرينة.
وبيان ذلك: أنَّ مذهب أبي هريرة نفسه ــ كما تقدَّم ــ وجوب القراءة خلف الإمام ولو جهر. ووافقه على ذلك جمهور الصحابة؛ منهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، [ص ١١] وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وراوي حديث: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» عبادة بن الصامت، شهد العقبتين وبدرًا، وهو أحد النقباء.
وجاء عن جماعة من الصحابة القراءة خلف الإمام مطلقًا؛ منهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وأم المؤمينن عائشة، وسيِّد المسلمين أبي بن كعب، وصاحب السرِّ حذيفة بن اليمان، وأبو سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وهشام بن عامر.
وجاء عن بعضهم القراءة خلف الإمام في الظهر والعصر، ولم ينفوا ما سوى ذلك؛ منهم: عبد الله بن مغفَّل، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص.
واختلفت الرواية عن الحبر عبد الله بن مسعود، والبحر عبد الله بن عباس، والناسك عبد الله بن عمر، وجابر، وأبي الدرداء.
وجاء عن زيد بن ثابت أنه قال: «لا قراءة مع الإمام في شيء»، ولم يُنقل عنه خلاف ذلك.
وقال القاسم بن محمد: كان ابن عمر لا يقرأ خلف الإمام جهر أولم يجهر، وكان رجال أئمة يقرؤون وراء الإمام.
стр. 175
قلت: وقد روي عن ابن عمر خلاف هذا.
وقال البخاري: وقال ابن خُثيم: قلت لسعيد بن جبير: أقرأُ خلف الإمام؟ قال: نعم وإن كنت تسمع قراءته؛ فإنهم قد أحدثوا مالم يكونوا يصنعونه، إنَّ السلف كان إذا أمَّ أحدهم الناس كبَّر ثم أنصت، حتى يظنَّ أنَّ من خلفه قرأ بفاتحة الكتاب، ثم قرأ وأنصتوا.
انظر أسانيد هذه الآثار في «جزء القراءة» للبخاري، و «السنن الكبرى» للبيهقي.
وفي حديث ابن أكيمة ما يُعلم منه أنه لم يقرأ في تلك الواقعة تلك القراءة التي سأل عنها إلَاّ رجلٌ واحدٌ من الصحابة؛ فما ظنك بهم بعد ذلك وقد سمعوا هذا الحديث؟ لا أراك ترتاب أن الظن بهم أن لا يعود أحد منهم لتلك القراءة التي سأل عنها النبي ﵌.
وقد جاء في آخر حديث ابن أكيمة في بعض الروايات زيادة: «فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر فيه الإمام، وقرؤوا في أنفسهم سرًّا فيما لا يجهر فيه الإمام». وقد حقَّق الأئمة محمد بن يحيى والبخاري وغيرهما أنَّ هذا من كلام الزهري.
وأنا أقول: هَبْهُ من كلام أبي هريرة فإنه يؤكِّد ذلك الظن. فكيف تجمع بين هذا وبين ما سمعته عن راوي هذا الحديث نفسِه وعن جمهور الصحابة؟ فهل هناك جامع غير أن يقال: إنَّ السؤال عن القراءة في حديث ابن أكيمة متوجِّهٌ إلى قراءة غير الفاتحة؟ وكانت عند الصحابة ﵃ عندما خاطبهم النبي ﵌ قرينة مبيِّنة لذلك. وأظهر القرائن هو ما تقدَّم،
стр. 176
وزيادة «فانتهى الناس ... » إلخ لو ثبتت تبع لذلك، والمعنى: فانتهى الناس عن القراءة بغير الفاتحة.
وإذا ثبتت القرينة الصارفة عن الإطلاق سقط ما يرجح به الاحتمال الأول من إبقاء اللفظ على إطلاقه.
[ص ١٦] فأما قول الشارح: (إنَّ علَّة النهي هي المنازعة؛ وهي تحصل بالفاتحة كما تحصل بغيرها) ففيه نظر.
فالجواب: أنَّ المنازعة قد حصلت في حديث عمران، وإن سمَّاها «المخالجة»، وفي حديث عبادة لثقل القراءة والتباسها؛ وذلك نتيجة المنازعة. مع أنه قد جاء في روايةٍ في حديث عبادة: « ... فقال رسول الله ﵌: «وأنا أقول مالي أنازع القرآن، فلا يقرأنَّ أحد منكم شيئًا من القرآن إذا جهرتُ إلَاّ بأم القرآن». أخرجه الدارقطني، وقال: هذا إسناد حسن، ورجاله ثقات كلهم.
والشارح يوافقنا أنهم في واقعتي عمران وعبادة كانوا يقرؤون الفاتحة؛ فهل كانت تحصل المنازعة بقراءتهم لها أم لا؟
أما حديث عمران فلا دليل فيه على ذلك، وإنما فيه حصول المخالجة بقراءة: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، ولا يلزم من حصول المنازعة بقراءة غير الفاتحة حصولها بقراءة الفاتحة؛ لأنَّ المنازعة أمرٌ روحاني لا يُدرك بالقياس.
وأما حديث عبادة فقد يقال: إنَّ قوله ﵌: «إني أراكم تقرؤون» مطلقٌ يتناول الفاتحة، ولذلك استثناها لما قال: «فلا تفعلوا إلَاّ بأم القرآن». وقد قال الراوي: إنَّ القراءة التبست على النبي ﵌؛ وذلك دليل المنازعة، وقد
стр. 177
أوضحت ذلك رواية الدارقطني السابقة. فلما كانت المنازعة حصلت بسبب القراءة التي سألهم عنها بقوله: «إني أراكم تقرؤون»، وهذه القراءة شاملة للفاتحة كما مرَّ، فقد يؤخذ منه أنَّ المنازعة كانت تحصل بسبب قراءة الفاتحة، وإنما استثناها من النهي لأنها كانت واجبة، وأداء الواجب مقدَّمٌ على ترك المنازعة. وقد نصَّ ﵌ على هذه العلَّة بقوله: «فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها».
هذا أقصى ما يحتجُّ به لحصول المنازعة بقراءة الفاتحة، وفيه بعد ذلك نظر يظهر بالتأمل.
ولكننا نقول: هَب المنازعة كانت تحصل بقراءة الفاتحة؛ فإننا قد أثبتنا فيما تقدَّم أن السؤال في حديث ابن أكيمة إنما وقع عن قراءة غير الفاتحة. فإن ثبت أنه نهى فالنهي متوجِّهٌ إلى ذلك.
وإذا نهى عن قراءة غير الفاتحة معلِّلًا بالمنازعة لم يكن لهم ولا لنا أن نقيس الفاتحة على غيرها بجامع المنازعة؛ لتقدُّم حديث عبادة بالنصِّ على أنَّ المنازعة إنما تمنع القراءة بغير الفاتحة. فأما الفاتحة فلا؛ لأنه لا قراءة لمن لم يقرأ بها؛ فأداؤها لا بد منه. وإن لزم منه المنازعة. فهذا نصٌّ مبطلٌ للقياس، مبيِّنٌ للفرق الواضح.
بل لو لم يتقدَّم حديث عبادة لكفى في منع القياس ما علموه من فرضية الفاتحة دون غيرها، فهذا كافٍ لمنع القياس؛ لأنَّ منعه لهم من القراءة المندوبة لمفسدة المنازعة لا يلزم منه منعُه لهم من القراءة الواجبة؛ للفرق المعلوم بين الفرض والنفل، وهذا واضحٌ جدًّا، والله أعلم.
стр. 178
ــ ٢ ــ
[ص ٧] وأما حديث: «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة» فالحفَّاظ مجمعون على ضعفه، وسيأتي توجيه ذلك إن شاء الله تعالى بما لا يمسُّ عظمة الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى.
وقد تأوَّله البخاري رحمه الله تعالى على فرض صحَّته: بأنه عام مخصوص بحديث عبادة، فتخرج منه الفاتحة.
أقول: وتخرج أيضًا الزيادة على الفاتحة في السرية بحديث عمران بن حصين الذي تقدَّم.
وقد روى الإمام أبو حنيفة عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شدَّاد بن الهاد عن جابر بن عبد الله: أن رجلًا قرأ خلف رسول الله ﵌ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾؛ فلما انصرف النبي ﵌ قال: من قرأ منكم بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾؛ فسكت القوم، فسألهم ثلاث مرات، كل ذلك يسكتون، ثم قال رجل: أنا، قال: قد علمتُ أنَّ بعضكم خالجنيها.
وقال عبد الله بن شدَّاد عن أبي الوليد عن جابر بن عبد الله: أنَّ رجلًا قرأ خلف النبي ﵌ في الظهر والعصر فأومأ إليه رجلٌ فنهاه؛ فلما انصرف قال: أتنهاني أن أقرأ خلف النبي ﵌، فتذاكرا ذلك حتى سمع النبي ﵌؛ فقال رسول الله ﵌: من صلَّى خلف الإمام فإن قراءته له قراءة.
هكذا في «سنن الدارقطني»: حدثنا أبو بكر النيسابوري عن أحمد بن عبد الرحمن بن وهب ثنا عمِّي ثنا الليث بن سعد عن يعقوب عن النعمان، فذكره.
стр. 179
ثم قال الدارقطني: أبو الوليد هذا مجهول.
أقول: كنية عبد الله بن شدَّاد أبو الوليد، فالله أعلم.
وقد أخرج الطحاوي الحديث الثاني في «شرح معاني الآثار»، ولفظه: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن قال ثنا عمي عبد الله بن وهب قال أخبرني الليث عن يعقوب عن النعمان عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شدَّاد عن جابر بن عبد الله أنَّ النبي ﵌ قال: «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة».
أخرجه من طريق الثوري، ولم يذكر جابر.
وأخرجه من طريق إسرائيل عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شدَّاد عن رجل من أهل البصرة عن رسول الله ﵌ نحوه.
فالحديث الأول في قراءة سبح اسم ربك الأعلى هو حديث عمران بن الحصين بعينه. ولفظه عند مسلم: عن عمران بن حصين قال: صلى بنا رسول الله ﵌ صلاة الظهر أو العصر؛ فقال: أيكم قرأ خلفي بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾؟ فقال رجل: أنا، ولم أُرِدْ بها إلَاّ الخير، قال: قد علمتُ أنَّ بعضكم خالجنيها.
وقد روى محمد بن الحسن في «كتاب الآثار» الحديث الثاني عن أبي حنيفة ﵀، وليس فيه ذكر الظهر والعصر. وكذا رواه البيهقي وغيره من طريق مكي بن إبراهيم عن أبي حنيفة.
والذي يغلب على الذهن أنَّ قوله «في الظهر والعصر» إنما هي
стр. 180
في الحديث الأول، كما ثبتت في حديث عمران؛ فحذْفها من الحديث الأول وإدراجها في الثاني سهو لعلَّه [ص ٨] من ابن أخي ابن وهب، أو من أبي بكر النيسابوري، أو غيرهما، والله أعلم.
فالحديث الأول يدلُّ على مثل ما دلَّ عليه حديث عمران من جواز قراءة المأموم غير الفاتحة في السرية.
وأما الحديث الثاني فإن كان الأمر ما ظنناه من أنَّ ذكر «الظهر أو العصر» فيه مدرج، فقد تقدَّم الكلام عليه أنه عام وحديث عمران مع حديث جابر الأول خاص. وإلَاّ فالجمع بين الحديثين بأنَّ المأموم إذا لم يقرأ غير الفاتحة في السرية كَفتْه قراءة الإمام في حصول الثواب، وإن قرأ فلا حرج. ولهذا لم ينهَ النبي ﵌ الرجل عن القراءة، ولا ذكر له أنها تُخِلُّ بالصلاة، واقتصر على قوله: «قراءة الإمام له قراءة»، وهذا لا يُشعِر بالنهي عن القراءة، وإنما يشعر بأنه إذا لم يقرأ كَفتْه قراءة الإمام؛ أي: فيما سوى الفاتحة كما علمْت. والله أعلم.
ثم حكى الشارح عن ابن قدامة في «الشرح الكبير» قوله: (وممن كان لا يرى القراءة خلف الإمام: علي وابن عباس وابن مسعود وأبو سعيد وزيد بن ثابت وعقبة بن عامر وجابر وابن عمر وحذيفة بن اليمان. وبه يقول الثوري وابن عيينة وأصحاب الرأي ومالك والزهري والأسود وإبراهيم وسعيد بن جبير).
قلت: أكثر هؤلاء اختلفت الرواية عنهم؛ فروي عن بعضهم إيجاب الفاتحة على المأموم ولو في الجهرية. وعن بعضهم إيجابها في السرية فقط. وروي إيجابها ولو في الجهرية عن جماعة من الصحابة غير من ذكر.