بأحاديث إيجاب الفاتحة [ص ٦٢]؛ فإنَّ منها ما يُعلم أنه متأخر عن هذا التأريخ؛ كما تقدَّم في المسألة الأولى.
وأما حديث أبي موسى فهو متأخر عن هذا التاريخ حتمًا؛ لأنه إنما قدم على النبي ﵌ أيام خيبر، وقد صرَّح في حديثه بقوله (١): "إنَّ رسول الله ﵌ خطبنا؛ فبيَّن لنا سنَّتنا، وعلَّمنا صلاتنا؛ فقال ... " الحديث.
فإن صحَّت تلك الزيادة فيه فالإنصات عند أهل اللغة قد يطلق على ترك الجهر؛ كما تقدَّم عن الواحدي مع شواهده.
نعم، الظاهر أنَّه بهذا الإطلاق مجاز ولكن قد قدمنا بيان القرينة الدالة عليه في الآية، فلنا: أن نقول بأنه في الحديث ــ إن صحَّ ــ مجاز، جمعًا بينه وبين أدلَّة وجوب الفاتحة. ومثل هذا الجمع أولى من النسخ.
ولنا أن نسلِّم أنه على حقيقته؛ وهي السكوت لأجل الاستماع، ثم نقول: السكوت الذي تضمنه الإنصات عبارة عن ترك الكلام. فقوله: "أنصتوا" في قوة قولنا: "اتركوا الكلام لكي تسمعوا". والكلام في هذا عام، قراءة الفاتحة فردٌ من أفراده، وحديث مكحول عن محمود ونافع عن عبادة عن النبي ﵌ خاص، وقد عضدَه عمومات كثيرة وما قدمناه عن الصحابة ﵃؛ فوجب العمل به.
على أنه لو لم يصحَّ حديث مكحول لوجب أيضًا تخصيص الكلام الذي نُهِي عنه في قوله: ﴿وَأَنْصِتُوا﴾ بتلك العمومات الكثيرة؛ لأنَّ تخصيص عموم دليل أولى من تخصيص عموم دليلين، وتخصيص عموم
стр. 107
دليلين أولى من تخصيص عموم ثلاثة أدلة، وهكذا. ولأنَّ الأمر بالفاتحة مشدَّدٌ فيه بأنه لا صلاة إلَاّ بها، ونحو ذلك، والأمر بالإنصات غير مشدَّدٍ فيه للاتفاق أنه لو لم ينصت لم تبطل صلاته.
لا يقال: إنَّ لعموم الكلام المنهي عنه بالإنصات مرجحًا أيضًا؛ وهو أنه لم يخصَّص قبل هذا.
فإننا نقول: بل قد خُصِّص بحديث "الصحيحين" (١): "من نابَه شيءٌ في صلاته فليسبِّح"، وأحاديث الفتح على الإمام.
مع أنَّنا نختار ما اختاره البخاري وجماعة من الشافعية أنَّ المأموم إذا لم يقرأ الفاتحة لا يدرك الركعة وإن أدرك الإمام راكعًا (٢). وعلى هذا فتكون أحاديث إيجاب الفاتحة غير مخصَّصة إلَاّ بما هو في قوة الاستثناء المتصل كما قدَّمنا ذلك، وذلك لا يضر.
وهذا الكلام بعينه يجيء في تخصيص آية الإنصات؛ على تسليم أنَّ الإنصات فيها على حقيقته، وأنها في أمر المأمومين بالإنصات للإمام، والله أعلم.
[ص ٦٣] وأما حديث ابن شهاب عن ابن أكيمة الليثي عن أبي هريرة: أنَّ النبي ﵌ انصرف من صلاةٍ جهر فيها بالقرآن؛ فقال: هل قرأ معي أحدٌ منكم آنفًا؟ فقال رجل: نعم، أنا يا رسول الله؛ فقال رسول الله ﵌: "إني
стр. 108
أقول مالي أُنازَع القرآن" (١).
وبُيِّن في روايةٍ (٢): أنَّ تلك الصلاة كانت الصبح.
وفي بعض الروايات (٣) زيادة: "فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر به رسول الله ﵌ ".
وقد أخرج [ص ٦٤] أبو داود (٤) هذا الحديث عن القعنبي عن مالك عن ابن شهاب قال في آخره: "فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﵌ فيما جهر فيه النبي ﵌ بالقراءة من الصلوات؛ حين سمعوا ذلك من رسول الله ﵌ ".
ثم أخرجه (٥) عن مسدَّد، وأحمد بن محمد المروزي، ومحمد بن أحمد بن أبي خلف، وعبد الله بن محمد الزهري، وابن السرح عن سفيان عن الزهري؛ فذكره بدون هذه الزيادة. ثم قال: قال مسدَّد في حديثه: قال معمر: "فانتهى الناس ... "، وقال ابن السرح في حديثه: قال معمر عن الزهري قال أبو هريرة: "فانتهى الناس". وقال عبد الله بن محمد الزهري من بينهم: قال سفيان: "وتكلَّم الزهري بكلمة لم أسمعها"؛ فقال معمر: "إنه قال: فانتهى الناس".
стр. 109
قال أبو داود: ورواه عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري، وانتهى حديثه إلى قوله: "مالي أُنازع القرآن". ورواه الأوزاعي عن الزهري قال فيه: قال الزهري: "فاتعظ المسلمون بذلك؛ فلم يكونوا يقرؤون معه فيما يجهر به ﵌ ".
قال أبو داود: سمعت محمد بن يحيى بن فارس قال: قوله: "فانتهى الناس" من كلام الزهري.
وأخرجه البخاري في "جزء القراءة" (١) عن عبد الله بن محمد عن الليث عن يونس عن ابن شهاب، وفيه: "قال: فانتهى الناس ... ".
قال البخاري (٢): وقوله: "فانتهى الناس" من كلام الزهري، وقد بيَّنه لي الحسن بن صبَّاح قال: حدثنا مبشِّر عن الأوزاعي قال الزهري: فاتعظ المسلمون ... وقال مالك: قال ربيعة للزهري: "إذا حدثتَ فبيِّنْ كلامك من كلام النبي ﵌ ".
ثم رواه (٣) عن [أبي] الوليد عن الليث عن الزهري؛ فذكره بدون تلك الزيادة.
أقول: يبقى النظر في ما قاله ابن السرح، والظاهر أنه سمع سفيان يقول ما ذكره عبد الله بن محمد الزهري. ففهم من ذلك أنَّ تلك الزيادة من تمام الحديث، وخشي إن قال كما قال مسدَّد، أن يكون ظاهر ذلك أنَّ هذه الزيادة
стр. 110
من قول معمر؛ فعبَّر عبارة صريحة بما فهمه، بناءً على جواز الرواية بالمعنى.
وفي صحَّة هذا الحديث كلام؛ قال البيهقي (١): "راويه ابن أُكيمة الليثي، وهو رجلٌ مجهولٌ لم يحدِّث إلَاّ بهذا الحديث وحده، ولم يحدِّث عنه غير الزهري، ولم يكن عند الزهري من معرفته أكثر من أنْ رآه يحدِّث سعيد بن المسيِّب".
ثم أسند (٢) عن الحميدي شيخ البخاري [ص ٦٥] قال: "هذا حديث رواه رجل مجهول، ولم يرو عنه غيره قطُّ".
اعترضه صاحب "الجوهر" (٣)؛ فقال: "أخرج حديثه ابن حبان في "صحيحه" (٤)، وحسَّنه الترمذي (٥)، وقال: اسمه عُمارة، ويقال: عمرو. وأخرجه أيضًا أبو داود (٦)، ولم يتعرَّض له بشيءٍ، وذلك دليل على حسنه عنده؛ كما عُرِف.
وفي "الكمال" لعبد الغني: روى عن ابن أُكيمة مالك ومحمد بن عمرو، وقال ابن سعد (٧): توفي سنة إحدى ومئة، وهو ابن تسع وسبعين.
стр. 111
وقال ابن أبي حاتم (١): سألت أبي عنه؛ فقال: صحيح الحديث، حديثه مقبول.
وقال ابن حبان في "صحيحه" (٢) اسمه عَمْرو، هو وأخوه عُمر ثقتان.
وقال ابن معين (٣): روى عنه محمد بن عمرو وغيره، وحسبك برواية ابنِ شهاب عنه.
وفي "التمهيد" (٤): كان يحدِّث في مجلس سعيد بن المسيِّب؛ وهو يصغي إلى حديثه، وبحديثه قال ابن شهاب (٥)، وذلك دليل على جلالته عندهم وثقته" (٦).
قلت: وتتمة عبارة ابن سعد (٧): روى عنه الزهري حديثًا واحدًا؛ ومنهم من لا يحتج بحديثه، ويقول: هو [شيخ] مجهول.
وفي "التهذيب" (٨): وقال أبو بكر البزَّار: ابن أكيمة ليس مشهورًا بالنقل، ولم يحدِّث عنه إلَاّ الزهري.
стр. 112
وقد حقَّق في "تهذيب التهذيب" (١) أنَّ الذي روى عنه الزهري اسمه عمارة بن أكيمة، ولم يرو عنه غير الزهري، وأما الذي روى عنه مالك ومحمد بن عمرو؛ فذاك حفيده عَمْرو بن مسلم بن عمارة.
أقول: والحق أنه وإن لم يرو عنه إلَاّ ابن شهاب؛ فإنَّ ذلك مع شهرة الرجل كافٍ في معرفته، رافع لجهالة عينه، وتبقى جهالة حاله.
وقد قال ابن معين: كفاك بقول الزهري: سمعت ابنَ أُكيمة يحدِّث سعيدَ بن المسيِّب.
وقال الدوري عن يحيى: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث مقبول؛ كذا في "تهذيب التهذيب" (٢).
وقال صاحب "الجوهر" (٣): "صحيح" بدل: "صالح".
وذكره ابن حبان في "الثقات" (٤)، وأخرج له في "صحيحه" (٥)، وإن خبط في اسمه ونسبه، وزعم أنَّ حفيده أخوه. وحسَّن الترمذيُّ حديثَه.
ومنشأ ما قاله هؤلاء أمران:
الأول: أنَّ الزهري سمعه يحدِّث سعيد بن المسيِّب؛ فاستدلَّ ابن معين
стр. 113
بهذا على أنه كان مقبولًا عند ابن المسيِّب.
فأما رواية الدوري فيردُّ عليها أنَّ ابن معين كان يظنُّ أنَّ هذا الرجل ــ أعني ابن أُكيمة ــ هو وحفيده واحد؛ ولذلك قال: "روى عنه محمد بن عمرو وغيره". ويحتمل أنه إنما عرف الثقة في الذي روى عنه محمد بن عمرو، وظنَّه شيخ الزهري. وهذا الاحتمال مانع من العمل بتوثيقه.
الثاني: أنهم لم يستنكروا حديثه، وهذا الأمر هو حاصل عبارة أبي حاتم، وعمدة ابن حبَّان؛ فإنه يوثِّق المجهول الذي يروي عن ثقة، ويروي عنه ثقة؛ إذا كان حديثه غير منكر، ويُخرِّج له في "صحيحه". وأما الترمذي فإنه متساهلٌ في التحسين؛ حتى قال الذهبي في تصحيحه وتحسينه ما قال.
[ص ٦٦] فأما الأمر الأول فالمنصف يعلم أنَّ مثله لا يكفي في التوثيق؛ فقد يكون ابن المسيِّب يجهل حال هذا الرجل، ورأى أنَّ حديثه يمكن أن يكون صحيحًا بالتأويل الذي سنذكره إن شاء الله تعالى، ومنعه تواضعه وكرم أخلاقه أن يستقبل ابن أكيمة بما يكره مع احتمال صحَّة حديثه.
وقد وقع لغير ابن أكيمة كما وقع له فلم يُعدَّ ذلك توثيقًا؛ فقد روى الزهري عن أبي الأحوص مولى بني ليث عن أبي أيوب وأبي ذر وغيرهما. وقال الزهري في بعض الروايات الصحيحة عنه: سمعت أبا الأحوص مولى بني ليث في مجلس ابن المسيِّب، ومع ذلك قال الدوري عن ابن معين: ليس بشيء.
فقال ابن عبد البر (١): قد تناقض ابن معين، وذكر قوله في ابن أكيمة؛
стр. 114
قال: فيلزمه مثل هذا في أبي الأحوص.
أقول: ليس هذا اللزوم بأولى من عكسه؛ بل العكس أولى، وهو أنه يلزمه أن يقول في ابن أكيمة مثل قوله في أبي الأحوص، والله أعلم.
وأما الأمر الثاني فالاستناد إليه في التوثيق ضعيف جدًا؛ فإنَّ الضعيف والكذَّاب قد يروي حديثًا ليس بمنكر. فإذا لم يروِ الرجل إلَاّ حديثًا واحدًا، وكان غير منكر؛ فأنَّى يُعلَمُ بذلك أنه ثقة؟
على أنَّ الأفهام تختلف في الحكم بالنُّكْرة، وقد لا يستنكر العالم الحديث؛ لأنه ينزِّله على معنى معروف، فيصحِّحه بناءً على ذلك؛ فيجيء من يتمسَّك بالحديث وينزِّله على معنى آخر.
[ص ٦٧] وإن حكمنا بتوثيق ابن أكيمة فقد علمتَ أنَّ زيادة "فانتهى الناس" إلخ مدرج من قول الزهري؛ فلا يبقى إلَاّ سؤال النبي ﵌ أصحابه: "هل قرأ معي أحدٌ منكم آنفًا؟ "، وقول أحدهم: نعم، أنا يا رسول الله، وقوله ﵌: "وأنا أقول مالي أنازع القرآن".
فقوله ﵌: "هل قرأ ... " إلخ، صريح في أنهم لم يكونوا قبل ذلك مأمورين بالقراءة التي سألهم عنها؛ إذ لو كانوا مأمورين لما كان للسؤال وجهٌ؛ لأنه ﵌ يعلم أنهم لا يذرون ما هو واجبٌ عليهم.
ويؤيِّد هذا قوله: "أحدٌ"، فإنه ظاهرٌ أنهم لم يكونوا مأمورين؛ بل ظاهر أنهم كانوا منهيين عن القراءة التي سألهم عنها. ولهذا علم النبي ﵌ أنهم لا يقرؤون تلك القراءة، وإنما ظنَّ أنَّ بعضهم لم يبلغه النهي أو نسي.
ويؤكِّد ذلك أنه لم يجبه إلَاّ رجلٌ واحدٌ، قال: نعم، أنا يا رسول الله.
стр. 115
ويزيده وضوحًا قوله ﵌: "وأنا أقول مالي أنازع القرآن"؛ فإنَّ هذا تعجُّبٌ؛ كما قاله أهل المعاني وغيرهم في قوله تعالى: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ [النمل: ٢٠].
ولا يخفى أنَّ النبي ﵌ كان يعلم أنَّ القراءة معه تقتضي المنازعة، فلو كان يعلم أنهم مأمورون بالقراءة لعلم أنهم قرأوا، وأن المنازعة حصلت بسبب قراءتهم؛ فكيف يتعجَّب.
فقد بان أنَّ القراءة التي حصلت بها المنازعة وسألهم عنها قراءة لم يكونوا مأمورين بها قبل ذلك.
وقد زعم الشارح أنَّ الاستفهام الأول للإنكار، وقد يقول هو أو غيره في الثاني ــ أعني قوله: ﴿مَا لِيَ﴾ ــ إنه للإنكار أيضًا.
وهذا مدفوع؛ أما في الأول فلأنه إخراج للاستفهام عن حقيقته بدون حجة، ولأنه لو كان إنكاريًّا لما أجابه أحدهم بقوله: نعم، أنا يا رسول الله؛ لأنَّ الاستفهام الإنكاري لا يستدعي الجواب.
وأما الثاني فلأنَّ قوله: "وأنا أقول" يدفع احتمال الإنكار؛ لأنَّ ظاهره: وأنا أقول حال المنازعة في نفسي، وذلك ظاهرٌ في التعجُّب.
وهبْ أنَّ الاستفهامين للإنكار فلا بد من القول بأنهم لم يكونوا مأمورين بتلك القراءة؛ لأنَّ الاستفهام الإنكاري على ضربين.
الأول: الإبطالي، وهو يقتضي أنَّ ما بعد أداة الاستفهام غير واقع، وأنَّ مدَّعيه كاذبٌ.
стр. 116
والضرب الثاني: التوبيخي؛ وهو يقتضي أنَّ ما بعد أداة الاستفهام واقعٌ، وأنَّ فاعله ملومٌ [ص ٦٨]، قاله ابن هشام في "المغني" (١) وغيره. وهو معلومٌ من تتبُّع موارد الاستفهام الإنكاري في الكتاب والسنة وكلام العرب.
والضرب الأول لا معنى لادعائه هنا؛ فلم يبقَ إلَاّ الضرب الثاني، ولا ريب أنهم لو كانوا مأمورين بتلك القراءة التي أوجبت المنازعة لما استحقُّوا أن يوبّخوا عليها. بل إذا طرأ النسخ حينئذٍ يقول لهم ﵌: "كنت أمرتكم فلا تفعلوا" أو نحو ذلك؛ كقوله: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها" (٢).
فتبيَّن أنه على تقدير الاستفهام إنكاريًّا يلزم من ذلك أنهم لم يكونوا مأمورين بتلك القراءة.
إذا تقرَّر هذا فهناك احتمالان:
أحدهما: أن يكون المراد بالقراءة في قوله: "هل قرأ" ما يصدق بالفاتحة، ويكونوا لم يؤمروا بقراءة الفاتحة معه إذا جهر أصلًا، أو يكونوا قد أُمِروا أولًا، ثم نُهوا عنها قبل هذه الواقعة.
الثاني: أن يكون المراد بالقراءة غير الفاتحة.
قد يرجَّح الاحتمال الأول بأنَّ ظاهر السؤال الإطلاق، ويرد بأنَّ الصرف عن مثل هذا الظاهر متعيِّنٌ إذا كانت هناك قرينةٌ.
فإن قيل: وما القرينة؟
стр. 117
قلت: ما قدَّمناه من الأدلة على وجوب الفاتحة على المأموم وإن جهر إمامُه. فإذا كان الصحابة عالمين بأنَّ الفاتحة واجبة عليهم، وأنَّ النبي ﵌ يعلم أنهم لا يَدَعونها، ثم سمعوه يسألهم ذلك السؤال ويتعجَّب ذلك التعجُّب؛ فإنهم يفهمون أنه لا يريد الفاتحة، وإنما يريد قراءة لم يكونوا مأمورين بها.
فإن قيل: قد يجوز أن يكون قد سبق قبل هذه الواقعة نصٌّ يخصِّص الأدلة العامة وينسخ الخاصة.
قلت: مجرَّد احتمال؛ مع أنَّ من النصوص الخاصة قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ﴾ كما تقدَّم، والقرآن لا يُنسخ بخبر الواحد الصريح؛ فضلًا عن مجرَّد الاحتمال. لعلك لا تسلم دلالة الآية فلا حرج، ولكن عموم الأدلة العامة لا تستطيع إنكاره، وتخصيص تلك الأدلة المتضافرة بمجرَّد هذا الاحتمال لا يسوغ.
فإن قلت: لكن هذا الاحتمال يؤيده إطلاق اللفظ.
قلت: إنما يلزمنا التشدُّد في المحافظة على ظاهر اللفظ إذا كان من القواعد التشريعية العامة؛ كقوله: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"، وقوله: "كل صلاة لا يُقرأ فيها بأمِّ القرآن فهي خداج"، ونحو ذلك. فأما ما كان محاورة مع المخاطبين مثل هذا السؤال فلا.
وكلام النبي ﵌ كله حقٌ؛ ولكن النصوص التشريعية العامة يُحتاط لها ما لا يُحتاط للمحاورات الخاصة. [ص ٦٩] فإنه ﵌ يعتمد في هذه على القرائن التي يعلمها المخاطب، وإن لم يكن في ظاهر اللفظ دلالةٌ عليها.
стр. 118
فإن قيل: الظنُّ بالراوي أنه لو كانت هناك قرينة لبيَّنها.
قلت: والظنُّ به أنه لو لم تكن قرينة لما خالف ظاهر اللفظ. وقد ثبت في "صحيح مسلم" (١) وغيره عن أبي هريرة أنه كان يفتي بوجوب القراءة على المأموم وإن جهر الإمام، ومع ذلك فلعلَّه اتكل على الأدلة المتضافرة في وجوب الفاتحة فرأى أنها تغني عن القرينة.
فإن قيل: الأصل عدم القرينة.
قلت: والأصل عدم التخصيص والنسخ.
هذا، وقد عُلم من القصة أنه لم يقرأ تلك القراءة في تلك الواقعة إلَاّ رجلٌ واحد؛ فما ظنك بالصحابة ﵃ بعد هذه الواقعة؛ أظنك تجزم بأنه لا يعود لتلك القراءة أحدٌ منهم، فاسمع الآن:
ثبت عن جماعةٍ من الصحابة ﵃ أنهم كانوا يقرؤون ويفتون بالقراءة بعد الإمام في الجهرية بعد وفاة النبي ﵌ (٢). منهم: أبو هريرة راوي القصة، وأمير المؤمنين عمر بن الخطَّاب، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وراوي حديث: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" عبادة بن الصامت؛ شهد العقبتين وبدرًا والمشاهد، وهو أحد النقباء.
وعن جماعة من الصحابة ــ ﵃ ــ القراءة خلف الإمام مطلقًا. منهم: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وأمّ المؤمنين عائشة، وسيِّد
стр. 119
المسلمين أُبي بن كعب، وصاحب السرِّ حذيفة بن اليمان، وأبو سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وهشام بن عامر.
وعن جماعةٍ منهم القراءة خلف الإمام في الظهر والعصر، ولم ينفوا ما سوى ذلك. منهم: عبد الله بن مغفَّل، وعبد لله بن الزبير، وعبد الله بن عَمْرو بن العاص.
واختلفت الرواية عن الحبر عبد الله بن مسعود، والبحر عبد الله بن عباس، والقانت عبد الله بن عمر بن الخطاب، وجابر بن عبد الله، وأبي الدرداء.
وجاء عن زيد بن ثابت وحده أنه قال: "لا قراءة مع الإمام في شيءٍ"، ولم يُنقل عنه خلاف ذلك، وقد يحتمل أنه أراد قراءة ما عدا الفاتحة.
وقال القاسم بن محمد: كان ابن عمر لا يقرأ خلف الإمام؛ جهر أو لم يجهر. وكان رجال أئمة يقرؤون وراء الإمام.
قلت: وقد روي عن ابن عمر القراءة؛ فهي ممن اختلفت عنه الرواية، وقد يحتمل أنه أراد: لا يقرأ زيادة على الفاتحة. وكذا يحتمل ما نقل عن ابن مسعود وابن عباس وأبي الدرداء.
فأما ما صحَّ عن جابر من قوله: "من صلَّى ركعةً لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصلِّ، إلَاّ وراء الإمام"؛ فقد يجوز أن يكون أراد بالاستثناء المسبوق فقط. وهذا الحمل خلاف الظاهر؛ ولكن يجوز ارتكابه جمعًا بين ما ثبت عنهم وعن غيرهم، وتوفيقًا بين قولهم وبين ما ثبت عن النبي ﵌.
стр. 120
وقال البخاري (١): "وقال ابن خُثيم: قلت لسعيد بن جبير: أَقْرأُ خلف الإمام؟ [ص ٧٠]، قال: نعم، وإن كنت تسمع قراءته؛ فإنهم قد أحدثوا ما لم يكونوا يصنعونه، إنَّ السلف كان إذا أمَّ أحدهم الناس كبَّر ثم أنصت حتى يظنَّ أنَّ من خلفه قرأ بفاتحة الكتاب، ثم قرأ وأنصتوا".
انظر أسانيد هذه الآثار في "جزء القراءة" للبخاري (٢) و"سنن الدارقطني" (٣) و"السنن الكبرى" للبيهقي (٤).
فقل لي الآن: أتراهم كانوا قد نُهوا عن قراءة الفاتحة خلف الإمام إذا جهر قبل واقعة حديث ابن أُكَيمة؛ فامتثلوا حتى لم يقرأ في تلك الصلاة إلَاّ رجل واحدٌ، ثم أكَّد النهي في ذلك الحديث، ثم خالفوه كما رأيت؟
فإن جوَّزتَ ذلك عليهم فبأيٍّ عقلٍ تمنع أن يسكت أحدهم عن بيان القرينة الصارفة، اتكالًا على ما تكاثر وتضافر من الأدلة على ما يخالف ذلك الظاهر الضعيف، وعلى ما عُرِفَ من مذهبه ومذهب غيره؟
ولعلَّه ذكر القرينة ولكن أهملها ابن أُكيمة ذلك الرجل الذي لم يحدِّث إلَاّ بهذا الحديث الواحد، ولم يُعرف من عدالته أكثر من كونه حدَّث في مجلس سعيد بن المسيِّب، وهذا إن دلَّ على عدالته بعد اللتيا والتي لا يدلُّ على ضبطه.
стр. 121
أبمثل هذا تُنْطَح جبال الأدلة، وتُرْجَم أركانُ الملَّة؟ هيهات، هيهات!
ونقل الحازمي في "الاعتبار" (١) عن الحميدي كلامًا ذكر فيه أنَّ حديث ابن أكيمة عن أبي هريرة ــ يعني على فرض صحَّته ــ منسوخ بحديث عبادة؛ لأنَّ فتوى أبي هريرة بعد النبي ﵌ بوجوب القراءة خلف الإمام ولو جهر دليلٌ على تقدُّم حديثه على حديث عبادة.
أقول: ويؤيده عمل عبادة، وفتواه طبق حديثه، وكذا جمهور الصحابة ﵃ كما تقدَّم.
وقد زعم الشارح أنه يبعد أن يكون حديث عبادة متأخرًا؛ لأنَّ فيه أنهم كانوا يقرؤون الفاتحة وغيرها هذًّا؛ فكيف يُظنُّ بهم أن يفعلوا ذلك بعد حديث ابن أكيمة.
والجواب: بأنَّهم قد بَقُوا يقرؤون الفاتحة ويأمرون بها ولو في الجهرية بعد وفاة النبي ﵌، ومنهم أبو هريرة نفسه. فإذا وقع ذلك منهم بالفعل، وأنت تجوِّز أن يكون حديث ابن أكيمة متأخرًا مطلقًا لم يُنسخ؛ فكيف تستبعد أن يقع من بعضهم مثل ذلك؟
ومع هذا فالأولى ما قدَّمناه، ويظهر منه أنَّ حديث عبادة متقدِّم؛ فلما سمعوه انتهوا عن قراءة غير الفاتحة وحافظوا على الفاتحة؛ لقوله ﵌ في حديث عبادة: "لا تفعلوا ــ أي لا تقرؤوا فيما جهرت به ــ إلَاّ بفاتحة الكتاب؛ فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها"، ثم في واقعة حديث ابن أكيمة قرأوا كلهم الفاتحة، وزاد أحدهم فقرأ غيرها مع النبي ﵌ السورةَ التي قرأها بعدها؛
стр. 122
[ص ٧١] كأنَّ هذا الرجل لم يبلغه حديث عبادة أو غفل عنه؛ فأحسَّ النبي ﵌ بأنه ينازع في السورة؛ فدلَّه ذلك على أنَّ رجلًا ممن بعده يقرأ معه السورة. كما وقع نظير ذلك في حديث عمران بن حصين في "صحيح مسلم" (١): صلى بنا رسول الله ﵌ صلاة الظهر أو العصر؛ فقال: "أيكم قرأ خلفي بسبِّح اسم ربِّك الأعلى؟ "؛ فقال رجلٌ: أنا، ولم أُرِدْ بها إلَاّ الخير، قال: "قد علمتُ أنَّ بعضكم خالجنيها". ولكنه ﵌ في واقعة حديث ابن أكيمة استبعد أن يقرأ معه أحدٌ السورة وهو يجهر بها بعد أن نهاهم عن ذلك في واقعة حديث عبادة؛ فلهذا تعجَّب من المنازعة.
وإنما نصَّ في حديث عمران على عين السورة؛ لأنَّ الصلاة كانت سريَّة، والنبي ﵌ قرأ بسبِّح اسم ربِّك الأعلى سرًّا، ولم يسمعوه، فلو اكتفى بقوله: "أيكم قرأ معي؟ " لم يعلموا المقصود؛ لأنَّ كلًا منهم قرأ بالفاتحة وغيرها؛ فاحتاج أن ينصَّ لهم على نفس السورة التي قرأها، واستدلَّ بالمخالجة على أنَّ بعضهم قرأها معه.
وأما في واقعة ابن أكيمة فكانت الصلاة جهرية؛ قد علموا السورة التي قرأ بها نبي الله ﵌ بعد الفاتحة، فاكتفى بقوله: "هل قرأ معي أحدٌ منكم آنفًا"؟ فعلموا أنه لا يسألهم عن الفاتحة لما تقدَّم، وأنه إنما يسألهم عن قراءة السورة التي قرأ بها؛ فأجابه الذي قرأ: نعم، أنا يا رسول الله.
وإنما قلت: إن ذلك القارئ قرأ السورة التي قرأها النبي ﵌ عينها؛ لأمرين:
стр. 123
الأول: حديث عمران؛ فإنه يدلُّ أنَّ المنازعة لم تكن تحصل إلَاّ إذا قرأ المأموم السورة التي قرأها النبي ﵌ بعد الفاتحة. إذ لو كانت تحصل بمطلق القراءة بعد الفاتحة، لما استدلَّ النبي ﵌ بالمخالجة إلَاّ على أنَّ بعض من خلفه قرأ سورة ما بعد الفاتحة؛ فلمَّا نصَّ على السورة علمنا أنَّ المنازعة إنما كانت تحصل إذا قرأ المأموم السورة التي قرأ بها النبي ﵌. وقوله ﵌: "خالجنيها" ظاهرٌ في ذلك.
الثاني: قوله في حديث ابن أُكيمة: "قرأ معي"، فإنك إذا قلتَ: قرأت سورة كذا، وقرأ معي فلانٌ كان الظاهر أنه قرأ معك تلك السورة التي قرأتَها.
وبما قدَّمناه تتفق الأدلة، ونَسْلَم من سوء الظن بالصحابة، ومن دعوى النسخ [ص ٧٢] ونحوه؛ فإنَّ أحاديث الزيادة على الفاتحة لم تصحَّ كما تقدَّم، وإنما عُلمت الزيادة من فعله ﵌؛ إذ كان يقرأ الفاتحة، ويزيد عليها إمامًا أو منفردًا. فكأنَّ أصحابه ﵃ قاسوا المأموم على الإمام والمنفرد؛ فكانوا يقرؤون زيادة على الفاتحة خلفه ﵌، فأقرَّهم على ذلك في السريِّة؛ كما في حديث عمران.
فقد روى البخاري في "جزء القراءة" (١) حديث عمران، من طريق شعبة عن قتادة، وزاد: "قال شعبة: فقلت لقتادة: كأنه كرهه، فقال: لو كرهه لنهانا عنه".
وسيأتي ما يؤيده إن شاء الله تعالى.
وبيَّن لهم بطلان ذلك القياس فيما جهر به، وذلك في حديث عبادة.
стр. 124
ووجه ذلك ــ والله أعلم ــ أنه قياسٌ مع الفارق؛ فإنَّ قراءة المأموم مع النبي ﵌ فيما يجهر به تُخِلُّ باستماع قراءته ﵌، وتوجب منازعته في قراءته؛ بخلاف قراءة الإمام والمنفرد؛ فافترقا. فأما في السريّة فإنه لا إخلال بالاستماع، ولا تحصل المنازعة إلَاّ نادرًا بدون تعمُّدٍ من المأموم لقراءة السورة التي يقرأ بها النبي ﵌؛ لأنه لا يسمع قراءة النبي ﵌ حتى يمكن منه تعمُّد قراءة تلك السورة، فإن اتفق ذلك فبلا عمدٍ.
ولهذا ــ والله أعلم ــ عبَّر النبي ﵌ بالمخالجة، وفي حديث عبادة بالمنازعة، والمخالجة أخفُّ من المنازعة.
وإنما أخبرهم النبي ﵌ في حديث عمران ليعلموا تلك المعجزة.
فعُلِمَ أنَّ قراءة الصحابة ﵃ زيادةً على الفاتحة في الجهرية خلف النبي ﵌ كما في واقعة حديث عبادة إنما كان اجتهادًا منهم أخطأوا فيه. فنهيه ﵌ ليس بنسخ ولا تخصيص، وإنما هو بيان لخطأ القياس، وليس فيما ذكر سوء ظنٍّ بالصحابة؛ لأنهم كانوا يفعلون ذلك اجتهادًا، والمجتهد إذا أخطأ كان معذورًا مأجورًا.
ثم لما نهاهم انتهوا عن قراءة غير الفاتحة مع النبي ﵌ فيما جهر به؛ حتى كانت واقعة ابن أكيمة؛ ففعل ذلك رجل منهم كأنه لم يبلغه حديث عبادة؛ فاجتهد كما اجتهدوا أولًا؛ فبيَّن له النبي ﵌ الحكم.
وقوله ﵌ في حديث عبادة: "إني أراكم تقرؤون" إن كانت الرواية بفتح همزة "أراكم" فمعناه: أعلمكم. أو بضمها؛ فمعناه: أظنكم. وكلاهما محتملٌ من حيث المعنى.
стр. 125
أما كونه ﵌ علم أنهم يقرؤون؛ فلأنه يعلم أنهم يعلمون أنَّ الفاتحة فرضٌ عليهم [ص ٧٣]، وأنهم لا يذرونها. ودلَّته المنازعة على أنهم قرأوا معه غيرها، ولم يستبعد ذلك؛ لأنهم لم يكونوا قد نهوا عن ذلك.
وعلم أنهم قاسوا المأموم في الجهرية على الإمام والمنفرد والمأموم في السرية.
وما جاء في بعض الروايات من زيادة: "وأنا أقول مالي أنازع القرآن" في حديث عبادة محمول ــ إن صحَّ ــ على أنه ﵌ استبعد أولًا أن يقرأوا معه غير الفاتحة، ولم يأمرهم بذلك، ثم تبيَّن له أنهم قاسوا كما ذكرنا.
وأما كونه ظنَّ أنهم قرأوا معه ظنًّا فقط، فكأنَّ ثِقلَ القراءة لم يكن دليلًا كافيًا للعلم بقراءتهم معه غير الفاتحة؛ كأنه كان قد يحصل بسبب ذلك، وقد يحصل لسبب آخر.
وعلى هذا فلا تكون الفاتحة داخلة في قوله: "إني أراكم تقرأون"، وإنما قال ﵌: "فلا تفعلوا إلَاّ بأمَّ القرآن؛ فإنه لا صلاة إلَاّ بها" فاستثناها احتياطًا لئلا يتوهموا دخولها في النهي، وقال: "فإنه لا صلاة إلا بها" تنبيهًا على الفرق بينها وبين غيرها.
فأما حديث ابن أكيمة فليس فيه نهيٌ صريح يُتوهَّم دخول الفاتحة فيه حتى يُحتاج إلى الاستثناء.
وقد علموا بحديث عبادة أنه لا يصحُّ قياسها على غيرها، وظهر من سكوتهم عن الجواب ــ إلَاّ ذلك الرجل الواحد ــ أنهم فهموا أنَّ النبي ﵌ إنما سألهم عن قراءة غير الفاتحة معه؛ فعلم ﵌ أنهم إذا فهموا نهيًا يعلمون
стр. 126
أنه متوجِّهٌ إلى ذلك فقط، والله أعلم.
وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ حديث عبادة وحديث ابن أكيمة عن أبي هريرة كلاهما حكاية عن قصة واحدة؛ لأنَّ في كل منهما أنَّ الصلاة كانت صلاة الصبح، وأنَّ النبي ﵌ سألهم عن القراءة معه، وأنَّ بعضهم أجاب بنعم، وأنَّ النبي ﵌ قال: "وأنا أقول مالي أنازع القرآن".
وزاد عبادة قوله ﵌: "فلا تفعلوا إلَاّ بأمِّ القرآن؛ فإنه لا صلاة إلَاّ بها". وكأنَّ أبا هريرة كان بعيدًا فلم يسمع هذه الكلمة إلَاّ أنه قد علم بها؛ فساق الحديث سياقًا يفهم منه النهي عن غيرها دونها، بمعونة الأدلة الأخرى، وبما عُرِفَ من مذهبه.
وهذا محتمل، ولكن يبعده اختلاف السؤال والجواب. فالذي يظهر أنهما واقعتان، وقد علمت أنَّ حديث ابن أكيمة موافقٌ لحديث عبادة وغيره من الأدلة الثابتة بلا نسخ ولا تخصيص ولا خروج عن الظاهر بغير حجة، والحمد لله الذي بنعمته تتمُّ الصالحات.
[ص ٧٤] وأما حديث أبي إسحاق السبيعي (١) عن الأرقم بن شرحبيل عن ابن عباس في صلاة النبي ﵌ في مرض موته= فالسبيعي على جلالته مشهورٌ بالتدليس؛ وصفه بذلك شعبة وابن المديني وأبوجعفر الطبري وحسين الكرابيسي وابن حبان وغيرهم. قال ابن المديني في "العلل" (٢): قال شعبة: سمعت أبا إسحاق يحدِّث عن الحارث بن الأزمع بحديث؛
стр. 127
فقلت له: سمعت منه؟ فقال: حدثني به مجالد عن الشعبي عنه.
ومما يبيِّن ضعف هذا الحديث ما في الصحيحين (١) وغيرهما عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: دخلت على عائشة، فقلت: ألا تحدِّثيني عن مرض رسول الله ﵌؟ قالت: بلى، ثَقُلَ النبي ﵌؛ فذكرت الحديثَ إلى أن قالت: ثم إن النبي ﵌ وجد من نفسه خفَّةً، فخرج بين رجلين أحدهما العبَّاس لصلاة الظهر، وأبو بكر يصلِّي بالناس. فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر، فأومأ إليه النبي ﵌ أن لا يتأخر. قال: أَجْلِساني إلى جنبه؛ فأجلَساه إلى جنب أبي بكر، الحديث.
قال عبيد الله: فدخلتُ على عبد الله بن عباس، فقلت له: ألا أَعرِض عليك ما حدثتني عائشة عن مرض رسول الله ﵌؟ قال: هات؛ فعرضتُ عليه حديثها؛ فما أنكر منه شيئًا؛ غير أنه قال: أسمَّتْ لك الرجل الذي كان مع العبَّاس؟ قلت: لا، قال: هو علي بن أبي طالب ﵁.
وصلاة الظهر سريَّةٌ فأنى يعلم كيف قرأ النبي ﵌؟
وفي "مسند أحمد" (ج ١ ص ٢٣٤) (٢): ثنا وكيع ثنا سفيان عن سلمة عن الحسن ــ يعني العُرَني ــ قال: قال ابن عباس: "ما ندري أكان رسول الله ﵌ يقرأ في الظهر والعصر؛ ولكنا نقرأ".
وأخرج نحوه من طرق أخرى (٣).
стр. 128
وقد يحتمل أن تكون الواقعة المذكورة في حديث أبي إسحاق السبيعي غير الواقعة الثابتة في "الصحيحين"؛ ولكن حديثه لم يصحَّ حتى تتكلَّف له الاحتمالات.
ومع هذا فليس في الحديث نفي الفاتحة، فقد يجوز أن تكون الصلاة جهرية، ويكون النبي ﵌ لما دخل في الصلاة قرأ الفاتحة في نفسه ولم يجهر بها؛ لأنَّ الإمام قبله قد جهر بها، ثم أخذ النبي ﵌ في قراءة السورة من حيث وقف أبو بكر.
ولم يذكر ابن عباس قراءة النبي ﵌ الفاتحة؛ [ص ٧٥] لأنه لم يسمعه يقرأها. ولا يستبعد هذا؛ فقد صحَّ عن ابن عباس أنه سئل: هل كان النبي ﵌ يقرأ في الظهر والعصر؟ قال: لا، فقيل: فلعلَّه كان يقرأ في نفسه؟ فقال: خمشا؛ إنَّ رسول الله ﵌ كان عبدًا مأمورًا، بلَّغ ما أُمِر به، الحديث. "مسند أحمد" (ج ١ ص ٢٤٩) (١).
بقي ما نُقِلَ عن الإمام أحمد ﵀؛ فأما قوله: "ما سمعنا أحدًا من أهل الإسلام يقول: إنَّ الإمام إذا جهر بالقراءة لا تجزئ صلاة من خلفه"؛ يعني: إذا لم يقرأ. ثم قال: "هذا النبي وأصحابه والتابعون".
فيقال له: يغفر الله لك أبا عبد الله؛ أما النبي ﵌ فقد تقدَّمت نصوصه العامة والخاصة القاضية بأنَّ هذا الرجل لا صلاة له، ولا تجزئه صلاته، وأن صلاته كالخِدْج الذي تُلقِيه الناقة ميتًا مستقذرًا لا حياة له، ولا ينتفع به في شيء، إلى غير ذلك.
стр. 129
وأما أصحابه والتابعون فقد رووا أحاديثه وأفتوا بها، ولا داعي لاتهامهم بأنهم حملوها على غير ما تقتضيه. فإن صحَّ عن بعضهم ما يخالفها فقد صحَّ عن جمهورهم ما يوافقها.
وإذا كانت الأدلة تقتضي بطلان صلاة من لم يقرأ الفاتحة وإن جهر إمامه، وقد رواها الصحابة ﵃، واحتجُّوا بها على وجوب الفاتحة في هذه الصورة وغيرها، وأمروا بقراءة الفاتحة في هذه الصورة وغيرها= فقد ظهر من ذلك أنهم كانوا يرون بطلان من لم يقرأ بها، وإن جهر إمامه، وهذا كافٍ في إثبات ذلك؛ فمن ادعى خلافه فعليه البيان.
وفي حديث عبادة (١) أنه قرأ الفاتحة خلف الإمام في الجهرية، ثم احتجَّ بأنَّ النبي ﵌ أمر بقراءتها خلف الإمام في الجهرية، وقال: لا صلاة إلَاّ بها.
وحكى البخاري في "جزء القراءة" (٢) عن علي ابن المديني أنه لم يُجِز إدراك الركعة بإدراك الركوع مع الإمام من الصحابة إلا من كان لا يرى القراءة خلف الإمام.
فيؤخذ من هذا أنَّ الذين كانوا يرون قراءة الفاتحة خلف الإمام كانوا يرون أنها لا تجزئ الصلاة بدونها، وقد تقدَّم ذكر بعضهم.
وقال البخاري في "جزء القراءة" (٣): "وقال الحسن وسعيد بن جبير وميمون بن مهران وما لا أُحصي من التابعين وأهل العلم: إنه يقرأ خلف
стр. 130
الإمام وإن جهر. وكانت عائشة ﵂ تأمر بالقراءة خلف الإمام ... وقال مجاهد: إذا لم يقرأ خلف الإمام أعاد الصلاة. وكذلك قال عبد الله بن الزبير".
وذكر ممن كان يرى القراءة خلف الإمام وإن جهر من التابعين: القاسم بن محمد وأبا سلمة بن عبد الرحمن وحميد بن هلال وعطاء بن أبي رباح.
وقد مرَّ قول البخاري: "ومن لا أحصي من التابعين وأهل العلم". وظاهر أنَّ من قال: يقرأ، يعترف بأنه داخل في النصوص العامة؛ وهي مقتضية للفرضية الموجبة أنَّ الصلاة لا تصحُّ إلَاّ بها.
وإن صحَّ عن بعضهم الأمر بالقراءة مع التصريح بأنه لو لم يقرأ أجزأته صلاته= لم يكن ذلك مسوِّغًا للجزم بأنَّ القائلين بالقراءة كلهم يقولون بذلك؛ [ص ٧٦] لأنَّ ذلك خلاف الظاهر.
فأما مالك والأوزاعي وسفيان والليث فقد كان مع كل واحد منهم عدة من المجتهدين في بلده؛ فضلًا عن غيرها من أقطار المسلمين المتباعدة. فهل نقل عن كل عالم كان في ذلك العصر مثل ما نقل عن هؤلاء مما يخالف الأدلة العامة والخاصة التي تقدَّمت؟
وقد زاد ابن قدامة فادَّعى أنَّ ذلك إجماع.
وقد قال الإمام أحمد نفسه: "ما يدَّعي فيه الرجلُ الإجماعَ فهو كذب، من ادَّعى الإجماع فهو كاذبٌ؛ لعلَّ الناس اختلفوا، ما يُدريه، ولم ينتهِ إليه؟ فلْيقل: لا نعلم الناس اختلفوا، هذه دعوى بشر المريسي والأصمّ، ولكنه
стр. 131
يقول: لا نعلم الناسَ اختلفوا، ولم يبلغني ذلك". "إعلام الموقعين" (ج ١ ص ٣٣) (١).
وللشافعي رحمه الله تعالى كلام في معنى هذا، وفي إبطال ما يسمَّى الإجماع السكوتي، انظر "الأم" (ج ١ ص ١٣٤ ــ ١٣٥) (٢).
وقد تتبعت ما جاء من الكتاب والسنة وآثار الصحابة ﵃ في الإجماع، ثم تأملت ما نقل عن الإمامين الشافعي وأحمد؛ فتحرَّر لي من ذلك كله: أنَّ الإجماع إنما يتحقَّق في الفرائض القطعية كفرضية الصلوات الخمس ونحوها. وأما ما عدا ذلك فإنما يحصل العالم منه على عدم العلم بمخالف.
وهذا في نصوص الصحابة ثم في نصوص الإمامين حجة اضطرارية؛ أي: أنه يكون حجة إذا لم يوجد من كتاب الله تعالى ولا سنة رسوله حجة. فإن ثبت من كتاب الله تعالى أو سنة رسوله حجة مخالفة له لم يلتفت إليه، ولكنه إذا وجدت من الكتاب والسنة نصوص كثيرة ظاهرة في معنى، متظافرة عليه، ثم لم نعلم أحدًا من السلف صرفها عن ذلك الظاهر= كان ذلك عاضدًا لتلك الظواهر؛ ربما يبلغه درجة القطع، حتى يكفر من يخالف ذلك، والله أعلم.
* * * *
стр. 132
ما يحتجُّ به من يقول بأنَّ المأموم لا يقرأ مطلقًا
احتجُّوا بآية الإنصات، وبزيادة "وإذا قرأ فأنصتوا" [في حديث أبي موسى وحديث أبي هريرة]؛ بناءً على أنَّ الإنصات هو السكوت مطلقًا.
وبحديث ابن أُكيمة؛ بناءً على أنَّ ما يشعر به من النهي يعمُّ الجهرية والسرية؛ لأنَّ النهي متوجِّهٌ إلى ما سألهم عنه. وإنما قال في السؤال: "هل قرأ معي أحدٌ منكم آنفًا؟ ". فقوله "آنفًا" أي: وأنا إمام وهو مأموم؛ فيؤخذ من هذا نهي المأموم أن يقرأ مع إمامه.
قالوا: ويؤيد هذا قوله: "وأنا أقول مالي أنازع القرآن؟ "؛ فإنَّ هذا في قوة تعليل النهي بالمنازعة، والمنازعة تحصل بالقراءة خلفه في السرية؛ بدليل حديث عمران.
قالوا: وزيادة "فانتهى الناس ... إلخ" من كلام الزهري؛ كما قلتم.
واحتجُّوا بحديث أبي إسحاق السبيعي عن الأرقم بن شرحبيل؛ وعسى أن يقولوا: فإن تلك الصلاة [ص ٧٧] هي الظهر؛ كما في "الصحيحين". ولعلَّ أبا بكر كان يعلم أنَّ السنة أن يبني الإمام الثاني على قراءة الأول؛ فرفع صوته بالآية ليسمعه النبي ﵌، فيبني على قراءته. ولعلَّ النبي ﵌ رفع صوته بالآية التي بعدها؛ ليعلم الناس السنة في ذلك، فسمعها ابن عباس أو بلغه ذلك.
واحتجُّوا بالإجماع الذي ادعاه ابن قدامة. قالوا: لأنه يدلُّ على نسخ فرضية الفاتحة؛ لأنَّ في حديث عبادة أن النبي ﵌ أمرهم بقراءة الفاتحة خلفه إذا جهر؛ معلِّلًا ذلك بأنه لا صلاة إلَاّ بها. وقد دلَّ الإجماع على نسخ هذا الحكم؛ فدلَّ ذلك على زوال علَّته.
стр. 133
هذا توضيح استدلال الشارح بهذا الإجماع.
واحتجُّوا بسقوط الفاتحة عن المسبوق، قالوا: فسقوطها عنه يدلُّ على أنها ليست فرضًا عليه أصلًا؛ إذ لو كانت فرضًا عليه لما تحمَّلها عنه كما لا يتحمَّل عنه غيرها.
واحتجُّوا بما رواه الإمام أبو حنيفة (١) ــ رحمه الله تعالى ــ عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شدَّاد بن الهاد عن جابر بن عبد الله: أنَّ النبي صلى اله عليه وآله وسلَّم صلَّى ورجلٌ خلفه يقرأ؛ فجعل رجلٌ من أصحاب النبي ﵌ ينهاه عن القراءة في الصلاة، فلمَّا انصرف أقبل عليه الرجل؛ قال: أتنهاني عن القراءة خلف رسول الله ﵌؟ ! فتنازعا، حتى ذكر ذلك للنبي ﵌، فقال ﵌: "من صلَّى خلف إمام فإنَّ قراءة الإمام له قراءة".
وفي رواية عن أبي حنيفة (٢) ﵀: أنَّ رجلًا قرأ خلف رسول الله ﵌ في الظهر أو العصر؛ فأومأ إليه رجلٌ فنهاه؛ فلما انصرف قال: أتنهاني؟ الحديث.
قالوا: وقد تابع أبا حنيفة على وصله سفيان وشريك.
نقل ابن الهمام (٣) عن "مسند أحمد بن منيع": أخبرنا إسحاق الأزرق حدثنا سفيان وشريك عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شدَّاد عن
стр. 134
جابر عن رسول الله ﵌: "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة".
ثم قال: وحدثنا جرير عن موسى عن عبد الله عن النبي ﵌؛ فذكره ولم يذكر جابرًا.
قالوا: وقد روى الإمام أحمد في "مسنده" (١) عن أسود بن عامر، وروى عبد بن حميد في "مسنده" (٢) عن أبي نعيم، وروى ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣) عن مالك بن إسماعيل= ثلاثتهم عن الحسن بن صالح [ص ٧٨] عن أبي الزبير عن جابر عن النبي ﵌: "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة".
قالوا: وقد صحَّ من رواية مالك (٤) عن وهب بن كيسان عن جابر أنه قال: "من صلَّى ركعةً لم يقرأ فيها بأمِّ القرآن فلم يصلِّ؛ إلَاّ وراء الإمام".
قالوا: وقد رويَ هذا عن جابر مرفوعًا (٥). قال البيهقي (٦): وقد رفعه
стр. 135
يحيى بن سلام وغيره من الضعفاء عن مالك.
قال صاحب "الجوهر النقي" (١): "ذكر البيهقي في "الخلافيات" أنه روي عن إسماعيل بن موسى السدِّي أيضًا عن مالك مرفوعًا، وإسماعيل صدوق، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال ابن عدي: احتمله الناس ورووا عنه، وإنما أنكروا عليه الغلو في التشيُّع".
وقال ابن أبي شيبة في "المصنف" (٢): ثنا وكيع عن الضحاك بن عثمان عن عبيد الله بن مِقْسم عن جابر قال: "لا يقرأ خلف الإمام".
قال في "الجوهر النقي" (٣): وهذا أيضًا سند صحيح متصل على شرط مسلم.
قالوا: وهذا من قوله يشهد بصحة ما تقدَّم عنه عن النبي ﵌.
الجواب:
أما آية الإنصات وزيادة "وإذا قرأ فأنصتوا"، فقد تقدَّم الكلام عليها.
وقولهم إنَّ الإنصات عند أهل اللغة: السكوت مطلقًا غير صحيح، وإنما الإنصات: السكوت للاستماع. هذا هو المعروف في اللغة، ولهذا يقال: أنصَتَ له، وأنصَت إليه؛ كما يقال: استمع له واستمع إليه، ولا يقال: سكتَ له، ولا سكتَ إليه.
стр. 136
[ص ٧٩] ويقرب من قولهم: أصغى إليه؛ لأنهم قد قالوا: أنصت للَّهو: إذا مال. ومن تتبَّع موارد هذه اللفظة، وكان له دُربة بالعربية وذوق فيها، لم يشكَّ أنَّ الإنصات هو السكوت لأجل الاستماع.
وأئمة اللغة منهم من أوضح ذلك، ومنهم من أطلق في بعض كلامه تفسير الإنصات بالسكوت، وبيَّن في موضع آخر من كلامه أنَّه السكوت للاستماع. وأهل اللغة كثيرًا ما يفعلون ذلك؛ يطلقون ما هو مقيد اعتمادًا على أنهم قد قيَّدوا في موضع آخر، أو اكتفاءً بأنَّ التقييد مشهور عند من يعرف اللغة، أو إشارةً إلى أنَّ الكلمة قد تُستعمل في ذلك المعنى بدون القيد مجازًا.
ونحن لا ننكر أنَّ الإنصات قد يستعمل في مطلق السكوت مجازًا، ولكن الأصل الحقيقة.
وقال البخاري في "جزء القراءة" (١): "وقال أبو مريم: سمعت ابن مسعود ﵁ يقرأ خلف الإمام. وقال أبو وائل عن ابن مسعود: "أنصِتْ للإمام". قال ابن المبارك: دلَّ أنَّ هذا في الجهر".
فأنت ترى ابن المبارك فهم من الإنصات أنه إنما يكون إذا جهر الإمام. وكلام السلف في ذلك كثير.
وقد جاء الإنصات في موضعين من القرآن؛ الأول: الآية المتقدِّمة. الثاني: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩].
стр. 137
وواضح أنَّ معناه في آية الأحقاف متضمِّنٌ للاستماع، وأما في الآية المتقدِّمة فقد قدَّمنا أننا إذا تقيَّدنا بتفسير السلف كان معنى قوله ﴿وَأَنْصِتُوا﴾: ودَعُوا الجهر بالكلام لكي تستمعوا. وإن نظرنا إلى ظاهر القرآن رجَّحنا ما قاله بعض الخلف؛ فيكون المعنى عليه: واسكُتوا مستمعين.
فإن قيل: فلماذا قال: ﴿وَأَنْصِتُوا﴾ بعد أن قال: ﴿فَاسْتَمِعُوا﴾؟
قلت: لأنَّ الاستماع لا يلزم منه إخفاء المستمع كلامه أو سكوته، وإن لزم من الكلام وقوع الخلل في الاستماع. وأنت ترى الناس عند حضورهم الخطب والقصص يتكلَّمون وهم يستمعون.
وإذا حملنا الآية على المعنى الثاني فيكون لذكرِ ﴿وَأَنْصِتُوا﴾ بعد ﴿فَاسْتَمِعُوا﴾ نكتةٌ أخرى؛ وهي الإشارة إلى قولهم الذي حكاه الله تعالى عنهم بقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦].
فقوله: ﴿فَاسْتَمِعُوا﴾ في مقابل قولهم: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ﴾.
وقوله: ﴿وَأَنْصِتُوا﴾ في مقابل قولهم: ﴿وَالْغَوْا فِيهِ﴾.
ولما كان معنى كلامهم: ﴿وَالْغَوْا فِيهِ﴾ لئلا تسمعوه ولا يسمعه غيركم= وجب أن يكون معنى: ﴿وَأَنْصِتُوا﴾: واسكتوا لتسمعوه أنتم وغيركم.
[ص ٨١] (١) ولو فُرِض أن معنى الإنصات هو السكوت مطلقًا، وأنَّ تلك
стр. 138
الزيادة صحيحة، فيجب تخصيصها بحديث مكحول عن محمود ونافع عن عبادة، مع ما اعتضد به من النصوص العامة.
وكذا آية الإنصات لو فرض أنَّ معناها أمر المأموم بالسكوت حين يقرأ إمامه، فإنَّ عمومها مخصَّصٌ اتفاقًا كما تقدَّم. فتُخصُّ منها قراءته سرًّا بدليل حديث عمران وشواهده. مع القياس أنَّ فائدة السكوت إنما هي الاستماع، ولا معنى لسكوت المأموم في السريَّة.
وتُخصُّ منها الفاتحة مطلقًا لحديث مكحول، مع ما اعتضد به من النصوص العامة في إيجاب الفاتحة، وعموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]، وقوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وغيرها من الآيات، التي تقتضي أنه لا يحسب للمأموم ما يصنعه إمامه، والله أعلم.
وأما حديث ابن أكيمة فقد مرَّ الكلام عليه، وقولهم إنه يعمُّ الجهرية والسريَّة خطأ؛ كما يأتي في المسألة الخامسة إن شاء الله تعالى.
[ص ٨٢] ومرَّ الكلام أيضًا على حديث السبيعي، وعلى الإجماع الذي ادَّعاه ابن قدامة.
وأما استدلالهم بسقوط الفاتحة عن المسبوق، فالذي أختاره لنفسي ما اختاره جماعةٌ من أصحابنا الشافعية، واختاره الإمام البخاري، ونقله هو وشيخه علي ابن المديني عن بعض الصحابة. بل قال (١): إنَّ كل من قال من الصحابة بأنَّ المأموم يقرأ الفاتحة قائل بأنه لا يدرك الركعة بدون قراءة
стр. 139
الفاتحة، وقد تقدم أن القول بأن المأموم يقرأ الفاتحة هو قول جمهور الصحابة.
و لم تقم حجة على إدراك الركعة بإدراك الركوع ، فإنَّ أقوى ما بأيديهم حديث الحسن عن أبي بكرة في ركوعه دون الصف. وهذا لفظه عند البخاري في "صحيحه" (١): عن أبي بكرة أنه انتهى إلى النبي ﵌ وهو راكعٌ؛ فركع قبل أن يصل إلى الصف؛ فذكر ذلك للنبي ﵌؛ فقال: "زادك الله حرصًا، ولا تَعُدْ".
ورواه أبو داود (٢) وغيره بمعناه، ووقع للحافظ ابن حجر سهو في "نصب الراية" (٣)، تبع فيه الزيلعي؛ فلا يُغترُّ به.
وليس في الحديث دلالة على إدراك الركعة؛ لأنه قد يكون الصحابي حَرَصَ على إدراك فضيلة الركوع مع النبي ﵌. فإنَّ من أدرك الإمام في السجود مثلًا فسجد معه، كان له أجر ذلك وإن لم تحسب له الركعة، فكذا
стр. 140
إدراك الركوع تحصل به الفضيلة قطعًا. والحرص على إدراك الفضيلة لا يُنكر؛ بل لعله هذا هو الذي يقتضيه حسن الظن بالصحابي مع قول النبي ﵌: "زادك الله حرصًا"؛ فإنه لو حرص على إدراك الركوع لأجل إدراك الركعة لكان في ذلك تهمة أنه إنما فعل ذلك لئلا تذهب أعماله بعد الركوع غير محسوبة له، ويلزمه بعد السلام ركعة تامة.
نعم ذكر الحافظ في "الفتح" (١) أنَّ في رواية الطبراني من طريق يونس بن عبيد عن الحسن عن أبي بكرة: "فقال: أيكم صاحب هذا النفس؟ قال: خشيتُ أن تفوتني الركعة معك"؛ فيجب النظر في إسناده.
على أنَّ الحسن ــ على جلالته وإمامته ــ كان يدلِّس تدليسًا صعبًا. قال البزَّار (٢): كان يتأول فيقول: "حدَّثنا وخَطَبنا"؛ يعني: قومه الذين حُدِّثوا وخُطِبوا بالبصرة.
وقال ابن حجر: في "طبقات المدلِّسين" (٣): "كان مكثرًا من الحديث، وكان يرسل كثيرًا عن كل أحد، وصفه بتدليس الإسناد النسائي وغيره".
وفي "تهذيب التهذيب" (٤) في ترجمة الحسن: "وقال ابن حبان: ... وكان يدلِّس".
стр. 141
وفيه (١): قال: "قال ابن عون: قلت له: عَمَّن تُحَدِّث هذه الأحاديث؟ قال: عنك، وعن ذا، وعن ذا".
وفي ترجمته في "تهذيب التهذيب" (٢) أيضًا: "ووقع في "سنن النسائي" من طريق أيوب عن الحسن عن أبي هريرة في المختلعات، قال الحسن: لم أسمع عن أبي هريرة غير هذا الحديث. أخرجه عن إسحاق بن راهويه عن المغيرة بن سلمة عن وهيب عن أيوب، وهذا إسناد لا مطعن في أحد من رواته".
أقول: وقد روى عن أبي هريرة عدة أحاديث بالعنعنة، وهذا هو التدليس.
وقال في "الفتح" (٣) في الكلام على هذا الحديث: "وقد أعلَّه بعضهم بأنَّ الحسن عنعنه، وقيل: إنه لم يسمع من أبي بكرة، وإنما يروي عن الأحنف عنه. وردَّ هذا الإعلال برواية سعيد بن أبي عروبة عن الأعلم قال: حدثني الحسن أنَّ أبا بكرة حدَّثه، أخرجه أبو داود والنسائي".
قلت: الذي في "سنن أبي داود" (٤): "أنَّ أبا بكرة حدَّث" بدون هاء، وهذه صيغة تدليس، ومع هذا فسعيد بن أبي عروبة مدلس أيضًا.
стр. 142
وفي "مسند أحمد" (١) أحاديث من طريق المبارك بن فضالة عن الحسن؛ مصرَّحٌ فيها بسماعه من أبي بكرة.
والمبارك بن فضالة مختلف فيه، وأنكروا عليه رواياته عن الحسن ثنا عمران بن حصين، وثنا معقل.
قلت: فهذا من ذاك. وذكر جماعة أنَّ المبارك كان يدلِّس. وقال أبو داود: كان شديد التدليس.
وفي "المسند" (٢): ثنا سفيان عن أبي موسى ــ ويقال له إسرائيل ــ قال: سمعت الحسن قال: سمعت أبا بكرة. وقال سفيان مرَّة: عن أبي بكرة؛ فذكر حديثًا.
قلت: فكأنَّ سفيان شكَّ، والله أعلم.
فإن قيل: فإنَّ البخاري قد أخرج هذا الحديث في "صحيحه" (٣)، ومذهبه اشتراط ثبوت اللقاء؛ فلا يقبل إعلال الحديث بعدم اللقاء ولا بالتدليس؛ كما عرف.
قلت: أما ثبوت اللقاء فلعلَّه اعتمد ما تقدَّم. وأما التدليس فقد تقدَّم الكلام في هذا.
وعلى تسليمه فالبخاري لم يخرِّج تلك الزيادة التي نقلها ابن حجر عن الطبراني، ومن الجائز أن يكون الحسن سمع الحديث من أبي بكرة، بدون
стр. 143
تلك الزيادة، وسمعها من غيره عنه بتلك الزيادة؛ [ص ٨٣] كما تقدَّم عن البخاري في حديث قتادة عن أبي غلاب (١).
فإن قيل: هب الحسن دلَّسه فقد علم أنَّ الواسطة هو الأحنف، والأحنف ثقة.
قلت: لم يعلم في هذا الحديث بعينه أنَّ الواسطة هو الأحنف، وإن كان الحسن قد حدَّث بأحاديث أخر عن الأحنف عن أبي بكرة. إذ لا يلزم من ذلك أنه لم يسمع غير الأحنف يحدِّث عن أبي بكرة.
وقد قال أبو زرعة وأبو حاتم في قول الحسن "خطبنا ابن عباس بالبصرة": إنما أراد خطبَ أهل البصرة (٢).
وقال ابن المديني: رُوِي عن علي بن زيد بن جدعان عن الحسن: أنَّ سراقة حدثهم، وهذا إسناد ينبو عنه القلب؛ أن يكون الحسن سمع من سراقة؛ إلَاّ أن يكون معنى "حدَّثهم": حدَّث الناسَ، فهذا أشبه.
وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول وذكر حديثًا حدَّثه مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا ربيعة بن كلثوم قال: سمعت الحسن يقول: حدثنا أبو هريرة. قال أبي: لم يعمل ربيعة شيئًا، لم يسمع الحسن من أبي هريرة شيئًا".
أقول: وربيعة ثقة؛ فالظاهر إن كان هذا الحديث غير حديث المختلعات الذي عند النسائي (٣) أنَّ الحسن قال: حدثنا أبو هريرة؛ يريد حدَّث الناسَ أو
стр. 144
نحو ذلك، كعادته.
فإن قلت: فإنَّ الحافظ ابن حجر ذكر الحسن وابن أبي عروبة في الطبقة الثانية من طبقات المدلِّسين، وقد ترجم هذه الطبقة بقوله (١): "من احتمل الأئمة تدليسه وأخرجوا له في الصحيح، لإمامته وقلة تدليسه في جنب ما روى؛ كالثوري، أو كان لا يدلِّس إلَاّ عن ثقة؛ كابن عيينة". وعلى هذا فتُحتَمل عنعنة الحسن، وتُصحَّح، ويحتجُّ بها، ولا يلتفت إلى أنه كان يدلِّس، وكذا ابن أبي عروبة.
قلت: هذا مشكلٌ جدًّا، لا يتمشَّى على [ص ٨٤] القواعد. وقد نصَّ الشافعي في "الرسالة" على أنَّ التدليس يثبت بمرَّة، وعبارته (٢): "ومن عرفناه دلَّس مرَّة فقد أبان لنا عورته في روايته، وليست تلك العورة بكذب فنردَّ بها حديثه، ولا النصيحة في الصدق؛ فنقبل منه ما قبلنا من أهل النصيحة في الصدق، فقلنا: لا نقبل من مدلِّسٍ حديثًا، حتى يقول فيه: حدثني أو سمعت".
وجلالة الرجل وإمامته إذا عُرِف بالتدليس لا تنافي أن يدلِّس رجلًا يُحْسِن الظنَّ به، وغيرُه يعرف أنه مجروح، وتُقوِّي التهمة بالتدليس؛ لأنَّ مما يبعث عليه أن يكون الشيخ غير مرضي عند الناس. ولو كانت جلالة الرجل وإمامته توجب اغتفار تدليسه لأوجبت اغتفار إرساله، وليس هذا مذهب أهل الحديث.
стр. 145
وقد عدَّ ابن حجر سليمان التيمي في الطبقة الثانية (١)؛ مع أنَّ البخاري طعن في زيادته في حديث قتادة عن أبي غلاب؛ بقوله: "ولم يذكر سليمان في هذه الزيادة سماعًا من قتادة، ولا قتادة من يونس بن جبير". ذكره في "جزء القراءة" (٢).
وقال البزَّار (٣) في سعيد بن أبي عروبة: "يحدِّث عن جماعة لم يسمع منهم؛ فإذا قال: "سمعت وحدثنا" كان مأمونًا على ما قال".
مفهومه أنه ليس مأمونًا فيما عنعنه.
وقال فيه ابن عدي (٤): "كان ثبتًا عن كل من روى عنه؛ إلَاّ من دلَّس عنهم".
فجعله غير ثبت إذا دلَّس.
وقد تأوَّل السخاويُّ في "فتح المغيث" كلامَ شيخه ابن حجر؛ فإنه ذكر عباراتهم في اغتفار عنعنة المدلِّس إذا وقعت في "الصحيحين"، ثم قال (٥): "وأحسن من هذا كلِّه قول القطب الحلبي في "القدح المعلَّى": أكثر العلماء أنَّ المعنعنات التي في "الصحيحين" منزَّلة منزلة السماع؛ يعني: إما لمجيئها من وجهٍ آخر بالتصريح، أو لكون المعنعن لا يدلِّس إلَاّ عن ثقةٍ أو عن بعض