الرسالة الخامسة والعشرون
مسائل القراءة في الصلاة
والرد على أحد شرَّاح الترمذي
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلَاّ الله وحده لا شريك له ولا معين، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله إلى الناس أجمعين، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه والتابعين بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد؛ فإني وقفت على شرح لبعض أجلة علماء العصر من الحنفية لـ "جامع الترمذي"، اعتنى فيه بالمسائل الخلافية، وسرد الأدلة وتنقيحها رواية ودراية، ولم يتقيَّد بأقوال المتقدمين في طرق التأويل والاستدلال، وإن تقيَّد بمذهبه في الأحكام.
وقد طالعت منه من أوله إلى أواخر كتاب الصلاة، وكان يظهر لي عند المطالعة مواضع تحتمل التعقب والمناقشة؛ فقيَّدتُ بعض ذلك.
ثم رأيت أنَّ الكلام في مسائل القراءة في الصلاة يطول؛ فأفردته مرتبًا في هذه الورقات، وقد علمت أنَّ التآليف في هذه المسائل كثيرة، وأنَّ من لم يعرف مقدار حسن ظن الإنسان بنفسه وبتأليفه وشعره لابد أن يُسدِّد إليَّ وإلى أمثالي سهام الملام. ولكني أرجو أن لا أَعدَمَ مَنْ عسى أن يَعْذِرني؛ بل أكاد أجزم أنَّ من طالع رسالتي هذه اضطرَّه الإنصافُ إلى أن يشكرني.
وإلى الله تعالى أَضْرَع أن يُطهِّر قلبي من الهوى والعصبية، ويخلص عملي كلَّه لوجهه الكريم ونصرةِ شريعته المرضية، وهو حسبي ونعم الوكيل.
[ ............................................................... ] (١)
стр. 3
[ص ١٢] فإن كان الواقع هو الأول فقد ثبتت الفاتحة نصًّا، وإن كان الثاني فتثبت استدلالًا، لما عُرِف (١) أنَّ هذا الحديث إنما اشتمل على الواجبات، وليس بين تكبيرة الإحرام وقراءة ما تيسَّر حمد وثناء وتمجيد يحتمل الوجوب إلَاّ الفاتحة، وهذا ظاهر.
ومما يؤيده: حديث مسلم (٢) وغيره، عن أبي هريرة ﵁: سمعت رسول الله ﵌ يقول: قال الله تعالى: "قَسَمْتُ الصلاةَ بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل؛ فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله تعالى: حمِدَني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: أثنى عليَّ عبدي، وإذا قال: مالك يوم الدين، قال: مجَّدني عبدي .. " الحديث.
نصَّ فيه على أنَّ الفاتحة: حمد وثناء وتمجيد.
وجاء في حديث رفاعة (٣) تارة الأمر بالفاتحة، وتارة الأمر بالحمد والثناء والتمجيد، فتدبَّر.
وقد وجدت متابعًا لمحمد بن عمرو (٤)، وهو: بُكَير بن عبد الله بن الأشجّ، رواه عن علي بن يحيى، أخرجه البخاري في "جزء القراءة" (٥)،
стр. 4
وسنده على شرط الصحيح، إلَاّ عبد الله بن سُويد، وهو صدوق كما قال أبو زرعة (١)، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٢)، ولا مخالفَ لهما.
ولكن فيه: عن علي بن يحيى، عن أبي السائب ــ رجل من أصحاب النبي ﵌ ــ وفيه: "ابدأ فكبِّر، وتحمد الله، وتقرأ بأم القرآن، ثم تركع" الحديث.
وذكر الحافظ في "الإصابة" (٣) أنَّ ابن منده ذكر أبا السائب هذا في الصحابة، وقال: عداده في أهل المدينة.
قال الحافظ: "وتعقبه أبو نعيم (٤) بأنَّ المحفوظ رواية إسحاق بن عبد الله ... وغيرهم كلهم عن علي بن يحيى عن أبيه عن عمه رفاعة بن رافع. انتهى، ولا يمتنع أن يكون لعلي بن يحيى فيه شيخان".
أقول: فعلى هذا، هذه رواية صحابي ثالث مصرِّحة بالفاتحة بلا خلاف.
وأقوى الأجوبة بعد هذا: احتمال النسخ؛ فإنَّ الأحاديث الصريحة في إيجاب الفاتحة منها ما صرَّح فيه أبو هريرة بسماعه من النبي ﵌، وكان إسلام أبي هريرة سنة سبع. وقصة المسيء صلاته كانت قبل ذلك ببضع سنوات، أي قبل غزوة بدر؛ لأنَّ صاحب القصة مدني أنصاري بدري
стр. 5
اتفاقًا (١)، ومثل هذا لا يُعقل أن يبقى مع النبي ﵌؛ يجالسه، ويصلي معه، ويغزو معه سنة أو سنتين ولا يُحسِن الصلاة، فضلًا عن ست أو سبع سنوات!
وهذا واضح جدًّا، مستغنٍ عن قول ابن الكلبي: إن صاحب القصة استشهد ببدر (٢).
وإذا صحَّ النسخ فكأنه قبل الأمر بالفاتحة كان الواجب الحمد والثناء والتمجيد مطلقًا، ثم قراءة ما تيسَّر من القرآن؛ على ظاهر رواية إسحاق بن أبي طلحة (٣). ثم جمع الله تعالى لهم الأمرين في الفاتحة.
ولما علم رفاعة أو من بعده ذلك عبَّر تارةً بأصل الحديث، وتارةً بما آل إليه الأمر من فرض الفاتحة، وإنما زاد: "ثم اقرأ ما شئت" ظنًّا أنَّ الفاتحة إنما جاءت بدلًا عن الحمد والثناء والتمجيد.
وقد بيَّنت الأحاديث الأخرى الثابتة في الاقتصار على الفاتحة أنَّ الفاتحة جامعة للأمرين: الحمد والثناء والتمجيد، والقراءة.
ومما يبيِّن ما قدَّمناه: أنَّ أبا هريرة ــ راوي الحديث ــ مذهبه الذي كان يفتي به أنَّ الفاتحة بعينها واجبة، ولا يجب غيرها.
стр. 6
[ص ١٣] وفي "الصحيحين" (١) وغيرهما عنه: "وإن لم تَزِدْ على أمِّ القرآن أجزأتْ، وإن زدتَ فهو خير".
وفي "سنن أبي داود" (٢) وغيره عن أبي هريرة أن النبي ﵌ أمره فنادى: "أن لا صلاة إلَّا بفاتحة الكتاب فما زاد".
وهذا مما يقوي احتمال النسخ؛ إلَاّ أنَّ في سنده جعفر بن ميمون، مختلف فيه، وقال العقيلي (٣) في حديثه هذا: "لا يتابع عليه".
وسيأتي ــ إن شاء الله تعالى ــ الكلام على قوله: "فما زاد"، وأنها لا تدلُّ على وجوب الزيادة.
فأما الجواب باحتمال أنَّ النبي ﵌ قد كان علم أنَّ الرجل لا يحفظ الفاتحة فليس بذاك، وإن ساعده لفظ "معك".
ولما كان النزاع إنما هو مع الحنفية، والحديث وارد عليهم، كما هو وارد علينا فلا حاجة إلى التطويل، وفيما قدمناه كفاية لطالب الحق إن شاء الله تعالى.
[ص ١٤] سؤالان وجوابهما:
الأول: وقع في بعض روايات حديث رفاعة (٤) الصحيحة: فقال النبي
стр. 7
- ﵌: "إنه لا تتمُّ صلاةٌ لأحدٍ من الناس حتى يتوضأ" وذكر الحديث، وفي آخره ــ في رواية (١) ــ: "فإذا فعل ذلك فقد تمَّتْ صلاته".
وفي رواية (٢): "لا تتمُّ صلاةُ أحدِكم حتى يفعلَ ذلك".
وفي أخرى (٣): "فإذا لم يفعلْ هكذا لم تَتِمَّ صلاتُه".
وفي أخرى (٤): "فإذا صنعتَ ذلك فقد قضيتَ صلاتك، وما انتقصتَ من ذلك فإنما تَنقُصُه من صلاتك".
وفي رواية يحيى بن علي بن يحيى عن جده عن رفاعة بن رافع: "أنَّ رسول الله ﵌ بينما هو جالس في المسجد يومًا ــ قال رفاعة: ونحن معه ــ إذ جاء رجلٌ كالبدوي، فصلَّى فأخفَّ صلاته"، ثم ساق الحديث، إلى أن قال: "فخاف الناس، وكَبُر عليهم أن يكون من أخفَّ صلاته لم يُصلِّ"، ثم ذكر الحديث، وقال في آخره: "فإذا فعلتَ ذلك فقد تمَّتْ صلاتك، وإن انتقصْتَ منه شيئًا انتقصْتَ من صلاتك". قال: "وكان هذا أهونَ عليهم من الأول: أنه مَن انتقصَ من ذلك شيئًا انتقص من صلاته، ولم تذهبْ كلها".
رواه الترمذي (٥)، وقال عقبه: حديث رفاعة حديث حسن.
وقد روي عن رفاعة هذا الحديث من غير وجهٍ (٦).
стр. 8
وقال في "الفتح" (١): "وقع في حديث رفاعة بن رافع عند ابن أبي شيبة في هذه القصة: دخل رجلٌ، فصلَّى صلاةً خفيفةً، لم يتم ركوعها ولا سجودها".
فقد يقال: إنما قال النبي ﵌: "لا تتمُّ صلاة لأحدٍ"، ولم يقل: "لا تصحُّ"، وقال له: "وإن انتقصتَ منه شيئًا انتقصتَ من صلاتك" أو نحوه؛ فهذا يدلُّ على أنَّ فيما أمره به أشياء تصحُّ الصلاة بدونها. وقد فهم الصحابة ذلك؛ كما صرَّح به في رواية يحيى بن علي بن يحيى.
ويؤخذ من قوله: "فأخفَّ صلاته"، وقوله: "وكبُر عليهم أن يكون من أخفَّ صلاتَه لم يُصَلِّ" أنَّ تلك الأشياء هي ما كان من قبيل التخفيف؛ فيدخل فيها تخفيف القيام بتقصير القراءة، وتخفيف الركوع والسجود بعدم الاطمئنان. وفي رواية ابن أبي شيبة ما يظهر منه التخفيف في الركوع والسجود.
الجواب: أما رواية يحيى بن علي فلا تقوم بما زاده فيها حجة؛ لجهالته، ولا يُلتفت إلى أنَّ ابن حبَّان ذكره في "الثقات" (٢)؛ لأنَّ من أصل ابن حبَّان إيراد المجاهيل فيها. والترمذي إنما حسَّن الحديث من حيث هو، وأشار إلى ذلك بقوله: "وقد رُوي من غير وجهٍ"، ولا يلزم من هذا توثيق يحيى بن علي. والزيادة إنما تقبل من الثقة الضابط.
وأما قوله: "إنه لا تتمُّ" وما يُشبِه ذلك، فإنه يقال لمن صلَّى من الظهر ثلاث ركعات، ثم قطع الصلاة عمدًا: إنه لم يُتِمَّ صلاته. ويقال لمن صلَّى
стр. 9
وترك بعض المستحبَّات: لم يُتِمَّ صلاته. ويظهر لي أنَّ المعنى الأول هو المتبادر.
وأما قوله: "وما انتقصتَ من ذلك فإنما تنقُصُه من صلاتك" فهي عند النسائي من رواية ابن عجلان عن علي بن يحيى، وابن عجلان يدلِّس؛ كما يأتي بيان ذلك في حديث الإنصات. فيُخشى أن يكون سمع الحديث بهذه الزيادة من يحيى بن علي، وقد مرَّ ما فيه.
وعلى فرض ثبوت هذه الزيادة فالانتقاص مقابل لعدم الإتمام، وقد مرَّ ما فيه.
وعلى فرض أنَّ قوله: "لا تتمُّ"، وقوله: "فإنما تنقصه من صلاتك" ــ على فرض ثبوتها ــ يُشِعر أو يدلُّ على أنه إذا ترك شيئًا مما أمره به لا تبطل صلاته، فيجب إلغاء هذا الإشعار؛ لأنه قد أمره ــ في جملة ما أمره به ــ بالفرائض القطعية إجماعًا، ومن انتقص شيئًا منها فصلاته باطلة قطعًا.
ودعوى حمل هذا على ما كان من قبيل التخفيف مردودة فإنه ساق تحت قوله: "لا تتمُّ صلاة أحدٍ منكم حتى ... " جميع الأعمال، واسم الإشارة في قوله "وما انتقصت من ذلك" يعود إلى جميع الأعمال.
وإذا قلنا: إنَّ الذي أساء فيه هذا الرجل هو عدم الاطمئنان في الركوع والسجود، بدليل رواية ابن أبي شيبة= وجب أن لا يدخل ذلك فيما يشعر به قوله: "لا يتم"، وقوله: "تنقصه من صلاتك"؛ لأنه قد قال له باتفاق الروايات كلها: "ارجعْ فصَلِّ فإنك لم تصلِّ". ونفيُ الشارع للصلاة صريح في نفي وجودها الشرعي، وهو إنما يكون بصحتها. والله أعلم.
стр. 10
[ص ١٥] السؤال الثاني:
إذا كانت الصلاة الأولى التي صلاها هذا الرجل باطلة فلمَ لمْ يبيِّن له النبي ﵌ في أثنائها؟ وكيف تركه يتعبد عبادة باطلةً؟
وهكذا يقال في الثانية والثالثة، بل أولى.
أَوَ لا يكون إقرار النبي ﵌ إياه على الاستمرار فيها دالًّا على صحتها؟
الجواب: هذا سؤال لا يخلو من صعوبة، وقد ذكر الحافظ في "الفتح" (١) أجوبة:
منها: قول ابن دقيق العيد: "ليس التقرير بدليل على الجواز مطلقًا؛ بل لا بد من انتفاء الموانع، ولا شكَّ أنَّ في زيادة قبول المتعلِّم ما يُلقى إليه بعد تكرار فعله واستجماعِ نفسه وتوجُّهِ سؤاله مصلحةً مانعةً من وجوب المبادرة إلى التعليم؛ لاسيَّما مع عدم خوف الفوات؛ إما بناءً على ظاهر الحال، وإما بوحي خاص".
أقول: أما دلالته على الجواز فلا مفرَّ منها؛ ولكن لا يلزم من الدلالة على الجواز الدلالةُ على الصحة، وشاهده ما في "الصحيحين" (٢) عن ابن المنكدر قال: رأيت جابر بن عبد الله يحلف بالله أنَّ ابن الصيَّاد الدجال، قلت: تحلف بالله؟! قال: إني سمعت عمر يحلف على ذلك عند النبي ﵌؛ فلم ينكره النبي ﵌.
стр. 11
وقد صحَّ عن النبي ﵌ أنه كان أولًا يشكُّ في ابن صيَّاد أهو الدجال أم لا (١).
فأقول: إنَّ العبادة الباطلة إنما يكون التلبُّس بها معصيةً إذا علم المتلبِّس بها أنها باطلة، ولم يتحقَّق هذا في المسيء صلاته؛ فلذلك أقرَّه النبي ﵌ على التلبُّس بها، ثم بيَّن له بطلانها.
فالتقرير مجمل؛ لأنه يحتمل أن يكون لأنها صحيحة، ويحتمل أن يكون لما ذكرنا. وتأخير بيان مثل هذا جائز، والحجج عليه كثيرة، ولم يأت من نازع فيه بحجة.
وهكذا قوله ﵌: "صلِّ فإنك لم تصلِّ" مجمل؛ لأنه لم يبيِّن فيه وجه البطلان، ثم بيَّنه أخيرًا.
فإن قيل: فهلَاّ بيَّن له أوَّل مرَّة؟
قلت: في الأجوبة التي نقلها في "الفتح" (٢): أجاب المازري بأنه أراد استدراجه بفعل ما يجهله مرَّات؛ لاحتمال أن يكون فعله ناسيًا أو غافلًا؛ فيتذكَّره فيفعله من غير تعليم، وليس ذلك من باب التقرير على الخطأ؛ بل من باب تحقُّق الخطأ.
وقال النووي (٣) نحوه، قال: وإنما لم يعلِّمه أولًا ليكون أبلغ في تعريفه وتعريف غيره بصفة الصلاة المُجزِئة.
стр. 12
وقال ابن الجوزي (١): يحتمل أن يكون ترديده لتفخيم الأمر وتعظيمه عليه، ورأى أنَّ الوقت لم يَفُتْه فرأى إيقاظ الفطنة للمتروك.
وقال ابن دقيق العيد: .... (٢).
وقال التوربشتي: إنما سكت عن تعليمه أولًا لأنه لما رجع لم يستكشف الحال من مورد الوحي، وكأنه اغترَّ بما عنده من العلم، فسكت عن تعليمه؛ زجرًا له وتأديبًا وإرشادًا إلى استكشاف ما استبهم عليه، فلما طلب كشف الحال من مورده أرشد إليه.
أقول: أما المرة الأولى فلِمَا قال المازري.
وأما في الثانية والثالثة فلِمَا قاله النووي وابن الجوزي وابن دقيق العيد، ولما قاله التوربشتي معًا، والله أعلم.
وقد خلط الشارح الكلام على مسألة ركنية الفاتحة بالكلام على وجوب الزيادة عليها مع الكلام على ركنيتها على المأموم، وسألخِّص هنا ما يتعلَّق بهذه المسألة خاصة:
زعم أنَّ زيادة "فصاعدًا" في حديث عبادة ثابت، وأنه يقتضي ركنية الزيادة. ثم كرَّ على هذا الحديث بأنه متروك العمل باتفاق، وأن ترك العمل به دليل [على] نسخه، أو على خطأ وقع من بعض رواته، وكأنه يريد أنَّ ذلك دليل على نسخ ركنية الفاتحة.
والجواب: أنَّ زيادة "فصاعدًا" غير ثابت، ولو ثبت لم يدلَّ على وجوب
стр. 13
الزيادة، ولو دلَّ على وجوب الزيادة فقد قال بذلك بعضُ أهل العلم كما يأتي، نعم ذاك متروك باتفاق الحنفية والشافعية، ولكنَّ المتروك هو الزيادة فقط. فترك الأخذ بها إنما يدلُّ على الخطأ فيها خاصة، وإن دلَّ على نسخٍ فلها خاصة، ودلالته على الخطأ أولى؛ لأنَّ ثَمَّ دلائل أخرى على الخطأ؛ كما يأتي إن شاء الله تعالى.
وقد ادعى الشارحُ أنَّ الزيادة نُسِخَت أولًا، وهذا اعتراف بأنَّ نسخ الزيادة لا يلزم منه نسخ المزيد عليه.
ثم لو فُرِضَ سقوط الاحتجاج على وجوب الفاتحة بحديث عبادة فالأحاديث على وجوبها كثيرة، على أنَّ زَعْم الاتفاق على عدم وجوب الزيادة غير مسلَّم؛ فقد حكاه الحافظ في "الفتح" (١) عن بعض الصحابة وغيرهم، وهو رواية في مذهب أحمد؛ بل هو قول الحنفية، وإن لم يجعلوه فرضًا.
стр. 14
[ص ١٦] واستدلَّ الشارحُ على نسخ ركنية الفاتحة بحديث المسيء صلاته، وقد مرَّ الكلام عليه، وبيَّنا أن تلك القصة كانت قبل بدر، وأحاديث إيجاب الفاتحة متأخرة عن هذا التاريخ، وأنَّ في بعض طرقه تعيين الفاتحة، فإن ثبَّتنا تلك الزيادة فذاك، وإن ادَّعينا النسخَ فأحاديث إيجاب الفاتحة هي الناسخة لتأخرها.
ثم قال الشارح: (وأيضًا يدلُّ عليه ما رواه مسلمٌ (١) بسند صحيح عن أبي هريرة: "لا صلاة إلَاّ بقراءة").
أقول: هو مرفوع، وغاية ما فيه أنه مطلقٌ وأحاديث إيجاب الفاتحة تُقيِّده.
فإن زعم زاعمٌ أنه إنما يقول بالتقييد في مثل هذا إذا كان متصلًا، فإن لم يكن متصلًا فالمتأخر ناسخٌ، فإن جُهل التاريخ فالترجيح.
قلنا له: مذهب أبي هريرة تعيين الفاتحة، وذلك يدلُّ إنْ كان نسخٌ على أنَّ المطلق هو المنسوخ.
ويؤكِّد هذا أننا لو قلنا: إنَّ المطلق هو الناسخ لزم من يحتجُّ بالإطلاق في حديث المسيء صلاته أنَّ الحكم كان على الإطلاق، ثم نُسخ بتعيين الفاتحة، ثم نسخ تعيين الفاتحة بالإطلاق. ومثل هذا إن وُجِد في الشريعة فنادر، والحمل على الغالب أولى.
ثم قال: (وأيضًا روى مسلمٌ (٢) عن أبي هريرة قال: "في كل صلاةٍ
стр. 15
قراءةٌ، ومن قرأ بأم القرآن أجزأتْ عنه" لعلَّه أراد: أجزأت عن قراءة القرآن، وفتوى الراوي خلاف روايته دليلٌ على نسخ روايته).
أقول: لفظ مسلم: "قال أبو هريرة: في كل صلاةٍ قراءة؛ فما أسْمَعَنا النبي ﵌ أسمَعْناكم، وما أخفَى منا أخفيناه منكم، ومن قرأ بأم الكتاب فقد أجزأتْ عنه، ومن زاد فهو أفضل".
وكأنَّ مراد الشارح أنَّ قوله: "في كل صلاة قراءة" يدلُّ على أنَّه يُجزئ ما يحصل به اسم القراءة؛ لأنَّ لفظ "قراءة" مطلقٌ، وأنَّ قوله: "ومن قرأ بأم الكتاب فقد أجزأتْ عنه" لا ينافي الإطلاق.
وإنما المعنى: أنه يحصل بها ما يسمَّى "قراءة" كما يحصل بغيرها، وهذا قريب؛ ولكن قوله: "ومن زاد فهو أفضل" يُبطِل هذا الاحتمال، وإنما وِزانُه وِزانُ قولك لخادمك: اشترِ لنا فاكهة العنب وحده يكفي، وإن زدتَ فهو أحسن. فمدلول هذا الكلام: أنَّ العنب لا بد منه على كل حال، ويحسنُ زيادة فاكهة أخرى معه.
وتحريره: أنَّ النكرة قد ترِدُ للإطلاق، وقد تردُ للإبهام. وقولك: "اشترِ لنا فاكهة" مبهم فسَّرته بآخر كلامك؛ فكذا لفظ "قراءة" في كلام أبي هريرة.
ومع ذلك فمذهب أبي هريرة في تعيين الفاتحة مشهور، فإذا ورد عنه فتوى [ص ١٧] بصورة الإطلاق وجب تقييدها بما عُرِفَ من مذهبه.
ثم ذكر الشارح قول ابن حجر: إنَّ أقوى أجوبة الشافعية عن حديث المسيء صلاته حملُه على العاجز عن تعلُّم الفاتحة؛ جمعًا بينه وبين حديث: "لا تُجزِئ صلاةٌ لا يَقرأ الرجل فيها بأمِّ القرآن" (١).
стр. 16
ثم اعترضه الشارح بأنه لا يتعيَّن ذلك، قال: (ويمكن أن يكون الأمر كما قلنا: إنَّ ركنية الفاتحة وضمِّ شيءٍ معها من القرآن كان في أول الأمر، وفيه حديث: "لا تجزيء صلاةٌ لا يَقرأ الرجل فيها بأم القرآن"، وغيره من الأحاديث التي تدلُّ بهذا المعنى. ثم لمَّا وقعت المنازعة مع النبي ﵌ والمخالجة في قراءته ﵌ أمر النبي ﵌ بترك السورة والاكتفاء على الفاتحة. ثم لما نزلت: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ ... ﴾ إلخ [الأعراف: ٢٠٤] أمر النبي ﵌ بترك القراءة مطلقًا. وعلى هذا تتوافق جميع الأحاديث بدون تعارضٍ فيها، والتوافق هو المتعيِّن عند التعارض لو يمكن. ومن هذا الوقت نُسِخت فرضية الفاتحة لما نزل فيه: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠])، فأمر النبي ﵌ بعده للمسيء: "واقرأ ما تيسَّر معك من القرآن").
[ص ١٨] أقول: أما حديث المسيء صلاته فقد مرَّ الكلام عليه بما يغني، والحمد لله.
وأما ما أبداه الشارح من التوفيق فأقلُّ ما فيه أنه (لَخْبطة).
فإنه زعم أنَّ ترتيب نزول الأحكام هكذا: أحاديث وجوب الفاتحة وشيءٍ معها، ثم أحاديث نهي المأموم عن الزيادة، ومنها حديث عمران (١) وأبي هريرة في المخالجة والمنازعة، ثم نزول آية الإنصات، ثم نهي النبي ﵌ المأموم عن القراءة مطلقًا، ثم نزول آية القراءة، ثم قصة المسيء صلاته.
والترتيب الصحيح الثابت بالأدلة العلمية هكذا:
آية القراءة؛ فإنها من سورة المزَّمل، وسورة المزَّمل مكية اتفاقًا.
стр. 17
وفي "الإتقان" (١) عن جابر بن زيد: "أنَّ أول ما نزل (اقرأ)، ثم (ن والقلم)، ثم المزمل، ثم المُدثِّر، ثم الفاتحة"، ثم ذكر ثلاثًا وثلاثين سورة، ثم قال: "ثم الأعراف"، وذكر الباقي.
وفي "الصحيحين" (٢) عن جابر قال: قال رسول الله ﵌: "إني جاورتُ بحراءَ؛ فلما قضيتُ جِواري نزلتُ، فاستبطنتُ الوادي، فنظرت أمامي وخلفي، وعن يميني وشمالي، ثم نظرت إلى السماء؛ فإذا هو ــ يعني: جبريل ــ فأخذتْني رجفةٌ، فأتيت خديجة، فأمرتُهم فدثَّروني؛ فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: ١، ٢] ".
وهذا ظاهر أنَّ سورة المدثر نزلت في أوائل النبوَّة، وقد قال جابر بن زيد: "إنَّ سورة المزمِّل نزلت قبل سورة المدَّثر".
وفي "صحيح مسلم" و"مسند أحمد" (٣) وغيرهما عن عائشة: ذكرتْ سورة المزمِّل، ثم قالت: "فإنَّ الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة؛ فقام نبي الله وأصحابه حولًا، وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهرًا في السماء، حتى أنزل الله تعالى في آخر السورة التخفيف، وصار قيام الليل تطوُّعًا".
وقد زعم بعضهم أنَّ آية القراءة وما بعدها مدنيٌّ؛ ذكره الحافظ في "الفتح" (٤) في أول كتاب الصلاة، وردَّه، فإن شئت فارجع إليه.
стр. 18
ثم بعدها آية الإنصات؛ لأنها من سورة الأعراف، وهي متأخرة عن سورة المزمل بكثير، على ما تقدَّم عن جابر بن زيد. واحتمالُ أن يكون ترتيب نزول الآيتين على عكس ترتيب نزول السورتين فيه بُعدٌ. والذي لا نشكُّ فيه أنَّ آية الإنصات مكيَّة اتفاقًا، وسيأتي إيضاح ذلك في مسألة قراءة المأموم، إن شاء الله تعالى.
ثم آية القنوت، وحديث المسيء صلاته.
أما آية القنوت فلِما يأتي في الكلام على آية الإنصات. ولم يذكر الشارح آية القنوت، وإنما زدتها تتميمًا للفائدة.
وأما قصة المسيء صلاته فإنها وقعت قبل بدر؛ كما مرَّ تحقيقه، ولم يتبيَّن لي أيُّ هذين كان قبلُ: آية القنوت أم قصة المسيء صلاته؟ فالله أعلم.
ثم أحاديث إيجاب الفاتحة وبقية الأحاديث، ولم يقم عندي دليل على ترتيبها. ولعلَّ من أحاديث وجوب الفاتحة ما تقدَّم على قصة المسيء صلاته؛ بناءً على صحَّة [ص ١٩] زيادة الأمر بالفاتحة بعينها في حديث المسيء صلاته، ويمكن خلاف ذلك؛ على ما قدَّمناه في الكلام على حديث المسيء صلاته.
والذي لا نشكُّ فيه أنَّ حديث أبي هريرة في وجوب الفاتحة متأخر؛ لأنَّ إسلامه كان سنة سبعٍ أيامَ خيبر، وقد صرَّح بالسماع.
ولفظه عند البيهقي (١) من طريق إسحاق بن راهويه والحميدي عن ابن
стр. 19
عيينة بسنده عن أبي هريرة قال: سمعتُ رسول الله ﵌ يقول: "كل صلاةٍ لا يُقرأ فيها بأمِّ الكتاب فهي خِداجٌ، ثم هي خِداجٌ، ثم هي خِداجٌ". فقال: يا أبا هريرة! فإني أكون أحيانًا وراء الإمام؟ ، قال: يا فارسي! اقرأ بها في نفسك؛ فإني سمعتُ رسول الله ﵌ يقول: قال الله : "قَسَمتُ الصلاةَ بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل؛ فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله: حمدني عبدي". وذكر الحديث، وهو في "صحيح مسلم" (١).
وفي حديث أبي داود (٢) وغيره من طريق جعفر بن ميمون عن أبي عثمان النهدي عن أبي هريرة قال: قال لي رسول الله ﵌: "اخرُجْ، فنادِ في المدينة أنه لا صلاةَ إلَاّ بقرآنٍ، ولو بفاتحة الكتاب فما زاد".
وفي روايةٍ لأبي داود (٣): "أمرني رسول الله ﵌ أن أناديَ أنه لا صلاة إلَاّ بقراءة فاتحة الكتاب فما زاد".
وجعفر بن ميمون مختلفٌ فيه.
وفي "الصحيحين" (٤) وغيرهما عن عبادة قال: قال رسول الله ﵌: "لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن".
وفي روايةٍ لابن حبان (٥) وغيره: "لا تُجزِئ صلاةٌ لا يُقرأ فيها بفاتحة
стр. 20
الكتاب".
وفي روايةٍ لأبي داود والترمذي وأحمد وابن حبان في "صحيحه" (١)، عن عبادة قال: "كنا خلف رسول الله ﵌ في صلاة الفجر؛ فقرأ رسول الله ﵌ فثقلت عليه القراءة؛ فلما فرغ قال: "لعلكم تقرءون خلف إمامكم؟ ! " قلنا: نعم هَذًّا يا رسول الله، قال: "لا تفعلوا إلَاّ بفاتحة الكتاب؛ فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها".
وفي روايةٍ لأبي داود (٢) وغيره: " ... هل تقرءون إذا جهرتُ بالقراءة؟ فقال بعضنا: إنا نصنع ذلك، قال: "فلا، وأنا أقول: مالي ينازعني القرآن، فلا تقرؤوا بشيءٍ من القرآن إذا جهرتُ إلَاّ بأم القرآن".
وفي "سنن أبي داود" (٣) وغيره: عن أبي هريرة قال: "صلَّى بنا رسول الله ﵌ صلاةً نظنُّ أنها الصبح؛ فلما قضاها قال: "هل قرأ منكم أحد؟ " فقال رجلٌ: نعم أنا يا رسول الله، فقال رسول الله ﵌: "إني أقول مالي أُنازَع القرآن".
وذكر البيهقي (٤) عن سفيان: فنظرت في شيءٍ عندي؛ فإذا هو: "صلى بنا رسول الله ﵌ صلاة الصبح"؛ بلا شكٍّ.
стр. 21
[ص ٢٠] والحفَّاظ يرون أنَّ حديث عبادة الذي في الصحيحين وغيرهما مختصر من حديثه الذي ذكر فيه القصة.
وقد قيل: إنَّ حديث أبي هريرة في المنازعة هو في واقعة حديث عبادة بعينها؛ لاتفاقهما في أكثر الأمور. ويشهد لذلك مذهب أبي هريرة في وجوب قراءة الفاتحة على المأموم في الجهرية وغيرها، وهذه القرائن كافية في إفادة الظنِّ عند أهل العلم، فلا التفاتَ إلى قول الشارح: "لا نسلِّم".
فعلى ما تقدَّم يكون حديث عبادة متأخرًا عن حديث المسيء صلاته جزمًا؛ لأنَّ أبا هريرة شهد القصة.
وفي الاتحاد نظر؛ كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
ولكن سيأتي في المسألة الرابعة حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: "صلَّينا مع النبي ﵌؛ فلما انصرف قال: "هل تقرءون إذا كنتم معي في الصلاة؟ "، قلنا: نعم، قال: "فلا تفعلوا إلَاّ بأم القرآن" (١). وإسلام عبد الله بن عمرو بن العاص متأخر، والظاهر أنَّ قصته هي قصة عبادة، وذلك كافٍ في الدلالة على تأخُّر حديث عبادة.
وحديث عبادة وحديث أبي هريرة أشهر الأحاديث في وجوب الفاتحة. وبقيتْ أحاديث أخرى عن جماعة من الصحابة قد جمع أكثرها البخاري رحمه الله تعالى في "جزء القراءة".
فقد ثبت أنَّ أحاديث وجوب الفاتحة متأخرة عن الآيات الثلاث: آية القراءة، وآية الإنصات، وآية القنوت، ومتأخرة عن حديث المسيء صلاته.
стр. 22
فلم يبق بيد الشارح ما يستدلُّ به على نسخ أحاديث فرضية الفاتحة، وقد تقدَّم الجواب عن حديث مسلم: "لا صلاة إلَاّ بقراءة"؛ فثبتت فرضية الفاتحة على الإطلاق.
فأما أحاديث المخالجة والمنازعة وما ورد في نهي المأموم عن القراءة، فسنتكلَّم عليها في مسألة قراءة المأموم، إن شاء الله تعالى.
ثم إنَّ الشارح لم تطب نفسه بما كانت سمحت به من الاعتراف بأنَّ حديث عبادة يدلُّ على الركنية، فقال: (يحتمل حديث: "لا صلاة إلَاّ بفاتحة الكتاب" معنى غير معنى الركنية؛ كما في حديث عائشة الذي رواه مسلم (١)، قالت: سمعت رسول الله ﵌ يقول: "لا صلاةَ بحضرة الطعام، ولا وهو يدافعه الأخبثانِ". وفي "الشرح الكبير" (٢): قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه لو صلَّى بحضرة الطعام فأكمل صلاته أنَّ صلاته تُجزِئه، كذلك إذا صلَّى حاقنًا).
أقول: لفظ الحديث عند الترمذي (٣): "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب".
ثم اعلم أنه لا يرتاب مسلمٌ أنَّ كلمة التوحيد (لا إله إلَاّ الله) صريحةٌ في نفي وجود إله غير الله تعالى، وقوله: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" مثلها؛ فهي صريحةٌ في نفي وجود صلاة لمن لم يقرأ الفاتحة.
стр. 23
ومن توهَّم أنَّ نفي وجود الصلاة بدون الفاتحة لا يصحُّ وإن قلنا بأنها ركنٌ، لأنها قد توجد في الخارج بدون الفاتحة وإن كانت باطلة= فقد غفل غفلةً شديدة؛ لأنَّ الصلاة في لسان الشارع إنما تصدُق على الصحيحة [ص ٢١]، وهذا إجماع.
حتى قال الحنفية: إنَّ نهي الشارع عن صلاة مخصوصة يقتضي صحتها؛ لأنها لو كانت لا تصحُّ لما قدر المكلَّف على تحصيلها، فكيف ينهى عنها؟
فقيل لهم: إنما نهى الشارع عن الصورة الظاهرة من الصلاة الباطلة، وهو قادرٌ على تحصيلها. فردُّوه بأنَّ الصلاة في لسان الشارع محمولة على الصحيحة، هذه حقيقتها، فلا يجوز صرفها عنها بغير حجة.
إذا تقرَّر هذا ثبت أنَّ وجود الصورة الباطلة لا يقدح في نفي وجود الصلاة، وهذا واضحٌ جدًّا.
فحديث عبادة صريح في نفي وجود الصلاة بدون قراءة فاتحة الكتاب، وذلك صريح في أنها ركنٌ فيها، لا تصحُّ بدونها.
وهكذا نقول في حديث: "لا صلاة بحضرة الطعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان" بأنه صريح في أنَّ الصلاة لا تصحُّ في هذين الموضعين. وإنما لم يعملوا بهذا الحديث لقيام الإجماع القطعي عندهم على خلافه؛ فقالوا: إنَّ الإجماع يدلُّ على نسخ الحديث، أو على أنَّ النبي ﵌ لما تكلَّم به كانت هناك قرائن فهم منها السامعون صرف اللفظ عن حقيقته.
ولا يرتاب ذو علم أنَّ الكلمة إذا صُرِفت عن حقيقتها لدليل ثم وقعت تلك الكلمة بعينها في كلام آخر لا يسوغ صرفها عن حقيقتها فيه لغير دليل،
стр. 24
ولو ساغ ذلك لسقطت ظواهر الكلام كلها؛ لأنه ما من كلمة إلَاّ وقد استعملت أو يجوز استعمالها في خلاف ظاهرها مع نصب القرينة على ذلك، ولا يقول بذلك مسلمٌ، بل ولا عاقلٌ.
على أنَّ حديث: "لا صلاة بحضرة الطعام" قد ورد بلفظ: "لا يصلي أحدكم بحضرة الطعام" إلخ. كذا هو في "صحيح ابن حبان" (١)، ذكره الحافظ في "الفتح" (٢) ثم قال: "أخرجه مسلمٌ من طريق حاتم بن إسماعيل وغيره عن يعقوب بن مجاهد عن القاسم. وابن حبان من طريق حسين بن علي وغيره عن يعقوب به. وأخرج له ابن حبان (٣) أيضًا شاهدًا من حديث أبي هريرة بهذا اللفظ". يعني بلفظ: "لا يصلي أحدكم".
وقوله: "لا يصلي" إما نهي وإما نفي بمعنى النهي، فلا يكون صريحًا في البطلان، بل يدلُّ عند الحنفية على الصحة، ويحمل عليه لفظ: "لا صلاةَ بحضرة الطعام" جمعًا بين الروايات. بخلاف "لا صلاة بفاتحة الكتاب"، فإنه صريحٌ في النفي المقتضي للبطلان اتفاقًا. ولم يقم دليلٌ يُسوِّغ صرفَه عن ظاهره إلى معنى النهي، والله أعلم.
وقد زعم بعضهم أنَّ نفي الشيء شاع استعماله في المجاز، وهو نفي الكمال؛ حتى صار هذا المجاز حقيقة عرفية، وهذا بهتان عظيم! وكيف يجعل الله ﵎ (لا إله إلَاّ الله) عنوان التوحيد إذا كان ظاهرها لا يفيد التوحيد
стр. 25
على زعم ذلك القائل؟ ونعوذ بالله من حبٍّ للمذهب يؤدِّي إلى مثل هذا.
على أنَّ مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنَّ الحقيقة المستعملة أولى من المجاز المتعارف الأسبق منها، ذكروه في أصولهم (١).
فإن قيل: إنَّ عموم الحديث مخصوص اتفاقًا، فإنَّ الأبكم ومن لا يُحسِن الفاتحة تصحُّ صلاتهما بدونها، وجمهور العلماء يقولون: إنَّ من أدرك الإمام راكعًا تصحُّ ركعته مع أنه لم يقرأ. وقال الشافعية: إنَّ ذلك قد يتفق في الصلاة كلها، وتصوير ذلك موجود في كتبهم.
وكثير من العلماء أو أكثرهم يقولون: لا قراءة على المأموم في جهرية الإمام. وطائفة منهم قالوا: لا قراءة على المأموم مطلقًا. ودلالة العموم المخصوص على بقية أفراده ضعيفة [ص ٢٢] حتى ردَّها بعض النظَّار.
قلت: أما دعوى أنَّ المأموم لا قراءة عليه مطلقًا أو في ما جهر به الإمام فلا نسلِّمه، وسيأتي بيان هذه المسألة، إن شاء الله تعالى.
وأما المسبوق فقد اختار الإمام البخاري رحمه الله تعالى، ونقله عن بعض الصحابة: أنه لا يدرك الركعة. وهو قول جماعة من أصحابنا الشافعية، وبه أعمل (٢).
ومع ذلك فالقائلون بسقوط القراءة عن المأموم مطلقًا أو في ما جهر به الإمام يرون أنَّ قراءة الإمام الفاتحةَ أجزأتْ عن ذلك المأموم، وعلى هذا فيصدق على صلاة هذا المأموم أنه قرأ فيها بفاتحة الكتاب؛ فلا يكون هذا
стр. 26
تخصيصًا للحديث، وإنما فيه لزوم تأويل "يقرأ" في الحديث بما يعمُّ قراءته بنفسه وما يقوم مقامها من قراءة إمامه، وهذا تأويل للفظ "يقرأ"، لا تخصيص للعموم.
وأما الأبكم ومن لا يُحسِن الفاتحة فإنهما مُستثنيان بالعقل، لامتناع تكليف ما لا يُطاق، وقد قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
وحقَّق صدر الشريعة من أئمة الحنفية أنَّ التخصيص بالعقل لا يُضعف دلالة العام. وعبارته في "التنقيح" و"توضيحه" (١): "لكن يجب هناك فرق؛ وهو أنَّ المخصوص بالعقل ينبغي أن يكون قطعيًّا؛ لأنه في حكم الاستثناء، لكنه حذف الاستثناء مُعْتَمِدًا على العقل، على أنه مفروغ عنه (٢)، حتى لا نقول: إنَّ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦] ونظائرَه دليلٌ فيه شبهة، وهذا فرق قد تفرَّدتُ به، وهو واجب الذكر؛ حتى لا يُتوهَّم أنَّ خطابات الشرع التي خصَّ منها الصبي والمجنون بالعقل دليل فيه شبهةٌ؛ كالخطابات الواردة بالفرائض، فإنه يكفر جاحدها مع كونها مخصوصة عقلًا، فإنَّ التخصيص بالعقل لا يورث شبهة، فإنَّ كل ما يوجب العقلُ تخصيصَه يخصُّ، وما لا فلا".
فإن قلت: العقل إنما يدلُّ على أنَّ العاجز لا تلزمه الفاتحة، ولا يدلُّ على صحة صلاته، لأن كونه لا تلزمه الفاتحة يصدق بأحد حكمين: إما أن
стр. 27
تصحَّ صلاته بدونها، وإما أن لا تلزمه الصلاة أصلًا.
قلت: الاحتمال الثاني كان منتفيًا عند الصحابة الذين خُوطبوا بالحديث، وكذا عند غيرهم من الأمة؛ بما علموه من القاعدة الشرعية المقرَّرة للصلاة؛ وهي أنَّ من عجز عن شيءٍ من أركانها كان عليه أن يصلِّي، ويأتي بما قدر عليه. وإذا كان هذا مقرَّرًا عندهم فهو في قوَّة الاستثناء؛ لأنه دليل مقارن للنص، فهو كالعقل فيما ذكره صدر الشريعة.
[ص ٢٣] وقد حاول بعضهم (١) أن يجيب عن حديث أبي هريرة، فقال: إنَّ الخِداج معناها الناقصة، ويوضِّح ذلك تفسيره بقوله: "غير تمام"، وهذا يدلُّ أنها صحيحة.
والجواب: أنَّ الخِداج عند أهل اللغة: إلقاء الناقة ولدها لغير تمام الأيام، وإن كان تامَّ الخلق. وقيل: إلقاؤها إياه ناقصًا قبل الوقت. وقيل: إلقاؤها إياه دمًا. وقيل: إلقاؤها إياه أملطَ، لم ينبتْ عليه شعر. قال الأزهري (٢): ويقال إذا ألقتْه دمًا: قد خَدجتْ وهو خِداج.
وعلى كل حال فالمعنى: إلقاؤها إياه ميتًا، ولم يصرِّحوا فيما رأيت بقولهم "ميتًا" لأنَّ الإلقاء يدلُّ عليه؛ فإنهم لا يقولون: ألقتْ ولدها إلَاّ إذا كان ميتًا. وفي "اللسان" (٣): "أجهضت الناقةُ إجهاضًا وهي مُجهِضٌ: ألقت
стр. 28
ولدها لغير تمام ... أبو زيد: إذا ألقت الناقة ولدها قبل أن يستبين خلقُه قيل: أجهضت. وقال الفرَّاء: خِدْجٌ، وخَدِيجٌ، وجِهْضٌ، وجَهِيضٌ: للمُجْهَض".
وفيه (١): "أسقطت المرأة ولدها إسقاطًا، وهي مُسقِط: ألقتْه لغير تمام ... وأسقطت الناقةُ وغيرها: إذا ألقت ولدها".
وفيه (٢): "أَزلقَتِ الفرسُ والناقةُ: أسقطتْ، وهي مُزْلِق: ألقتْه لغير تمام".
وفيه (٣): "غَضَنتِ الناقةُ بولدها وغضَّنَتْ: ألقتْه لغير تمام، قبل أن ينبت الشعر عليه ويستبينَ خلقُه".
وقولهم: "وإن كان تامَّ الخلق" لا ينافي الموت كما لا يخفى. فأما إذا كان حيًّا فإنما يقولون: ولدتْ، وضعتْ.
وفي "جزء القراءة" للبخاري (٤): "قال أبو عبيد: يقال: أخدجت الناقةُ: إذا أسقطتْ، والسقط ميت، لا ينتفع به".
فحاصل الحديث: أنَّ الصلاة التي لا تقرأ فيها الفاتحة مثل السقط المُلقَى ميتًا، ولا يرتاب منصفٌ أنَّ حياة الصلاة هي صحتها. فأما على ما قاله الأزهري من أنَّ الخداج "إلقاؤها إياه دمًا" فدلالته على البطلان أصرح وأوضح. فأما قوله: "غير تمام" فهو مجملٌ؛ لأنه يقال لمن صلَّى من الظهر
стр. 29
ثلاث ركعاتٍ ثم قطعَها: لم يتمَّ صلاته، ومنه حديث "الصحيحين" (١): "فما أدركتم فصلُّوا، وما فاتكم فأتمُّوا". ويقال لمن صلَّى وترك بعض السنن: لم يُتِمَّ صلاتَه. وعلى هذا فلا ينافي ما اقتضاه قوله: "فهي خداج" من معنى البطلان؛ بل يجب حمله على المعنى الموافق لذلك.
وفي "جزء القراءة" (٢) للبخاري: عن عائشة قالت: سمعت رسول الله ﵌ يقول: "من صلَّى صلاةً لم يقرأ فيها بأمِّ القرآن فهي خداج، فهي خداج".
وفيه (٣): عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه: أنَّ النبي ﵌ قال: "كل صلاة لم يقرأ فيها بأم الكتاب فهي مُخدِجة".
ليس في روايتهما "غير تمام". وكذا في بعض روايات حديث أبي هريرة ليس فيها "غير تمام". فيحتمل ــ والله أعلم ــ أنَّ يكون أبو هريرة زادها مرَّةً تفسيرًا، وقد عُلِمَ مذهبه في وجوب الفاتحة، والله أعلم.
وحديثه الآخر في قول الله تعالى: "قَسَمتُ الصلاةَ بيني وبين عبدي" صريح في الركنية؛ لأنه جعل الفاتحة هي الصلاة، وهو يقتضي أنَّ الفاتحة أعظم ما في الصلاة، ولهذا أكّد به أبو هريرة الحديث الأول، والله أعلم.
ولعلَّ قائلًا يقول: لكن لفظ "صلاة" في كلام الشارع يُحمَل على الصحيحة.
فأقول: أرأيتَ لو قال: "هذه صلاة باطلة" أتحتجُّ بذلك على صحتها؟
стр. 30
فإن قال: لا، بل أقول: إنَّ قوله: "باطلة" دليل على أنه استعمل لفظ "صلاة" مجازًا في الصورة الخارجة، بقرينة قوله: "باطلة".
قلت: فكذلك تقول في الحديث، بقرينة قوله: "فهي خداج"، وقد مرَّ معناه، وأنه في قوَّة قوله: "فهي باطلة"، والله أعلم.
[ص ٢٤] ثم رأيت الطحاوي (١) احتجَّ على أنَّ قوله: "خداج" لا يدلُّ على البطلان؛ بما روي عن النبي ﵌ أنه قال: "الصلاة مثنى مثنى؛ تَشَهَّدُ في كل ركعتين، وتَخشَّعُ، وتَضرَّعُ، وتَمَسْكَنُ، وتُقْنِعُ بيديك، يقول: ترفعُهما إلى ربك، مستقبلًا ببطونهما وجهك، وتقول: يا ربِّ يا ربِّ، ومن لم يفعل ذلك فهو كذا وكذا". وفي رواية: "فهو خداج" (٢).
وهذا حديث مضطرب اضطرابًا شديدًا، قد بين الطحاوي بعض ذلك في "مشكل الآثار" (ج ٢ ص ٢٣) (٣). ومع ذلك ففي سنده عبد الله بن نافع بن العمياء؛ قال ابن المديني: مجهول، وقال البخاري: لم يصحَّ حديثه. يعني هذا الحديث.
ولو فرضنا أنَّ الحديث صحَّ، وأنَّ الأمة أجمعت على صحَّة صلاة من ترك جميع ما ذكر فيه؛ فذلك من قبيل صرف اللفظ عن ظاهره بدليل، ولا
стр. 31
يسوغ بذلك صرف ذلك اللفظ إذا وقع في كلام آخر عن ظاهره بغير دليل كما قدمناه.
وذكر الطحاوي (١) حديث صلاة النبي ﵌ في مرض موته، وسنذكره إن شاء الله في حججهم في المسألة الرابعة.
ثم قال الشارح: (ويدلُّ أيضًا على أنَّ الفاتحة ليست بركن ... )، وذكر حديث أبي بكرة أنه انتهى إلى النبي ﵌ وهو راكع؛ فركع قبل أن يصل إلى الصف؛ فقال له النبي ﵌: "زادك الله حرصًا ولا تعد" (٢).
ثم قال الشارح: (وفيه دلالة على أنَّ من أدرك الركوع فقد أدرك الركعة ... وبإدراك الركعة من إدراك الركوع ثبت أنَّ الفاتحة ليست بركن، ولو كانت ركنًا لفاتت الركعة بفوتها.
وأيضًا ثبت أنَّ قراءة الإمام قراءة له؛ بعين هذا الدليل؛ لأنَّ القراءة فرض بالاتفاق، عند البعض الفاتحة، وعند البعض مطلقًا).
أقول: فإذا كانت القراءة فرضًا بالاتفاق فكيف يدلُّ هذا الحديث على أنَّ الفاتحة ليست بركن، ولا يدلُّ على أنَّ القراءة ليست بركن، والمسبوق قد ترك القراءة كما ترك الفاتحة.
فالصواب أن يقتصر في الاستدلال بهذا الحديث على ما ذكره ثانيًا بقوله: "وأيضًا ثبت ... " إلخ.
стр. 32
فإن قيل: لعلَّه ذكر الاستدلال الأول على سبيل الإلزام؛ أي: أنَّ المسبوق صحَّت ركعته ولم يقرأ الفاتحة، فيلزمكم معشرَ الشافعية أن تقولوا: إن الفاتحة ليست بركن؛ بدليل صحة ركعة المسبوق بدونها. وليس لكم أن تقولوا: يحمل الإمامُ الفاتحةَ عن المسبوق؛ لإنكم لا تقولون بأنَّ قراءة الإمام قراءة للمأموم.
قلت: لو كان مراده هذا لما أردفه بالاستدلال الآخر؛ بل كان حق العبارة أن يقول: يلزمكم معشر الشافعية أحد أمرين: إما أنَّ الفاتحة ليست بركن، وإما أنَّ قراءة الإمام قراءة للمأموم.
إذا تقرَّر هذا فمن قال من الشافعية: إنَّ من أدرك الركوع أدرك الركعة يختار الشق الثاني في هذه الصورة فقط، فيقول: قراءة الإمام قراءة للمأموم الذي لم يدركه إلَاّ في الركوع. فإن طُولِبَ بالفرق بين المسبوق وغيره فهذا من موضوع مسألة قراءة المأموم، وستأتي إن شاء الله تعالى.
[ص ٢٦] (١) وذكر الشارح في باب ما جاء في القراءة خلف الإمام حديث ابن أُكَيمة، ودلالته على النهي عن القراءة خلف الإمام. ثم قال: (فثبت بحديث أبي هريرة النهي عن قراءة الفاتحة خلف الإمام، وهو دليل على نسخ ركنيتها، وعلى هذا إجماع.
قال ابن قدامة في "المغني" (٢): وأيضًا فإنه إجماع، قال أحمد: ما سمعنا أحدًا من أهل الإسلام يقول: إنَّ الإمام إذا جهر بالقراءة لا تجزئ
стр. 33
صلاة من خلفه إذا لم يقرأ. وقال: هذا النبي ﵌، وأصحابه، والتابعون، وهذا مالك في أهل الحجاز، وهذا الثوري في أهل العراق، وهذا الأوزاعي في أهل الشام، وهذا الليث في أهل مصر؛ ما قالوا لرجل صلّى وقرأ إمامه ولم يقرأ هو: صلاته باطلة. انتهى).
أقول: سيأتي الكلام على حديث ابن أُكيمة في المسألة الرابعة إن شاء الله تعالى، وهناك يتضح لك أنه إن صحَّ فليس فيه النهي عن قراءة الفاتحة، وأنه لو دلَّ على ذلك لكان إما منسوخًا وإما مطَّرحًا؛ لمعارضته ما هو أرجح منه.
وننبِّه هاهنا أنه لو صحَّ ودلَّ على نهي المأموم عن قراءة الفاتحة، ولم يكن منسوخًا ولا مطَّرحًا لما لزم من ذلك نسخ ركنية الفاتحة مطلقًا؛ بل تبقى على ركنيتها، ولكن يكفي المأمومَ فاتحةُ إمامه؛ كما يقول الحنفية في مطلق القراءة.
وأما الإجماع المزعوم فسيأتي نقضه في المسألة الرابعة إن شاء الله تعالى، ولو ثبت لما لزم منه نسخ الركنية؛ بل غايته الدلالة على أنَّ فاتحة الإمام تكفي المأمومَ في الجهرية؛ كما يقوله الحنفية في القراءة أيضًا.
ثم قال الشارح في ذلك الباب: (وإذا ثبت أنَّ صلاة من لم يقرأ خلف إمامه في الجهرية لم تبطل، فعُلِم به أنَّ الفاتحة ليست بركن؛ لأنها لو كانت ركنًا لبطل صلاة من لم يقرأ في الجهرية أيضًا؛ لأنَّ الجهرية والسريَّة سواء في حق الركن. وإذا لم تبق الفاتحة على ركنيتها فلا تجوز قراءتها خلف الإمام مطلقًا؛ لأن قراءتها خلف الإمام كانت مبنية على الركنية؛ كما هو مصرَّحٌ في حديث عبادة).
стр. 34
أقول: فيلزمك على هذا أنَّ مطلق القراءة ليست بركن؛ لأنَّ المأموم إذا لم يقرأ لم تبطل صلاته الخ.
فإن قال: قراءة الإمام عندنا قراءة للمأموم.
قلنا: وهكذا يقول من يزعم أنَّ المأموم لا يقرأ في الجهرية، يقول: قراءة الإمام في الجهرية قراءة للمأموم.
وقولك: "لأنَّ الجهرية والسريَّة سواء في حقِّ الركن" دعوى لا يسلِّمونها لك.
بل يقولون: دلَّ الدليل على أنَّ الفاتحة ركن، ودلَّ الدليل على أنه يكفي المأمومَ فاتحةُ إمامه إذا جهر لمصلحة الاستماع، فإذا أسرَّ الإمام زالت هذه المصلحة؛ فرجع إلى الأصل.
ولا نطيل النزاع معه، فإننا سنثبت إن شاء الله تعالى أنَّ قراءة الفاتحة لا بد منها للمأموم وإن جهر إمامه.
стр. 35
[ص ٢٨] المسألة الثانية
هل تجب الفاتحة في كل ركعة؟
في حديث المسيء صلاته في "الصحيحين" (١) وغيرهما: "إذا قمت إلى الصلاة فكبِّر، ثم اقرأ ما تيسَّر معك من القرآن ... "؛ فوصف له ركعة، ثم قال: "ثم اصنع ذلك في صلاتك كلها".
وفي رواية لأحمد وابن حبان ــ كما في الفتح (٢) ــ: "ثم افعل ذلك في كل ركعة".
وقد تقدَّم في الكلام على هذا الحديث بيان زيادة الفاتحة في بعض الروايات الصحيحة، وأوضحنا أنه إما أن يكون النبي ﵌ ذكر الفاتحة نصًّا؛ بدليل تلك الزيادة، وإما أن يكون لم يذكرها، وإنما ذكر الحمد والثناء والتمجيد وقراءة ما تيسَّر. ولكن الصحابي علم أنَّ ذلك نُسِخ أخيرًا بالفاتحة.
وعلى كلا الأمرين يثبت الأمر بالفاتحة في كل ركعة؛ أما على الاحتمال الأول فظاهر، وأما على الثاني فلأنَّ الفاتحة جُعلت بدلًا عن الحمد والثناء والتمجيد وقراءة ما تيسَّر. والمبدل منه ثابت في كل ركعة؛ فكذا البدل، ويؤكِّده ما تواتر عن النبي ﵌ من مواظبته على قراءة الفاتحة في كل ركعة، والله أعلم.
стр. 36
[ص ٢٩] المسألة الثالثة
هل تجب الزيادة على الفاتحة ؟
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال (١) في شرح الترمذي: (باب ما جاء أنه لا صلاة إلَاّ بفاتحة الكتاب)، ثم ذكر حديث: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"، وزيادة: "فصاعدًا"، وأنها صحيحة؛ لأنَّ مسلمًا ذكرها في "صحيحه" (٢)، وسكت عليها أبو داود (٣).
ثم قال: (ولم أقف على علَّة فيه؛ فهذا الحديث يدلُّ على أنَّ فاتحة الكتاب فصاعدًا ركن الصلاة، لاتجوز الصلاة بدونها، وما نُقل عن الإمام البخاري (٤) ﵀ بأنه ورد لدفع توهُّم قصر الحكم على الفاتحة ففيه أنه ليس في الحديث حكم إلَاّ أنَّ الفاتحة ركن. فيكون معنى الحديث على هذا: أنَّ الركنية ليست منحصرةً في الفاتحة؛ بل تتجاوز عنها إلى زائد عليها؛ فتكون الفاتحة مع زائد ركنًا لها.
ولو قيل: إنَّ معناه أنَّ القراءة ليست مقصورة على الفاتحة؛ بل لابد من
стр. 37
الفاتحة، ولو زاد عليها يجوز.
قلنا: ليس الحكم ههنا بقراءة الفاتحة في الصلاة مطلقًا؛ بل الحكم أنَّ القراءة ركن الصلاة، لا تجوز الصلاة بدونها).
أقول: زيادة "فصاعدًا" قال فيها إمام الفن محمد بن إسماعيل البخاري (١) رفع الله درجته: "وقال معمر عن الزهري: "لا صلاة لمن لم يقرأ بأم الكتاب فصاعدًا"، وعامة الثقات لم يتابع معمرًا في قوله: "فصاعدًا"، مع أنه قد أثبت فاتحة الكتاب، وقوله: "فصاعدًا" غير معروف ما أردته [ما أريد به] حرفًا أو أكثر من ذلك؛ إلَاّ أن يكون كقوله: "لا تقطع اليد إلَاّ في ربع دينار فصاعدًا" (٢)، فقد يُقطع اليد في دينار وفي أكثر من دينار. قال البخاري: "ويقال: إنَّ عبد الرحمن بن إسحاق تابع معمرًا، وإنَّ عبد الرحمن ربما روى عن الزهري، ثم أدخل بينه وبين الزهري غيره، ولا نعلم أنَّ هذا من صحيح حديثه أم لا". (جزء القراءة ص ١).
وحاصله أنه أورد على هذه الزيادة أمورًا:
الأول: أنَّ معمرًا تفرَّد بها، ولم يذكرها الأكثر، ومنهم من هو أجلُّ منه وأفقه، ومنهم من هو مثله.
وأجاب عن متابعة عبد الرحمن بن إسحاق بما يعلم منه أنه يدلِّس؛ فلا يؤمن أن يكون بينه وبين الزهري ضعيف، لا يصلح للمتابعة.
стр. 38
وقد ذكر البخاري عبد الرحمن في موضع آخر من هذا الجزء (١)، وأورد له عدَّة مخالفات، يخالف فيها الثقات.
ويجاب عن هذا الأمر بما اشتهر من قبول زيادة الثقة، ويدفع هذا بأنَّ قبولها مطلقًا غير متفق عليه؛ ففي "فتح المغيث" (ص ٨٨) (٢): "وقيَّده ابن خزيمة باستواء الطرفين في الحفظ والاتقان، فلو كان الساكت عددًا أو واحدًا أحفظ منه، أو لم يكن هو حافظًا ولو كان صدوقًا فلا، وممن صرَّح بذلك ابن عبد البر؛ فقال في "التمهيد" (٣): "إنما تُقبل إذا كان راويها أحفظ وأتقنَ ممن قصَّر أو مثله في الحفظ ... ".
ومن قال بقبولها ولو كان المقصِّر أحفظ أو أكثر لا ينكر أن سكوت الأكثر أو الأحفظ عنها يوهِّنها، وهذا مما لا يخفى على ذي معرفةٍ.
وعليه؛ فإذا انضمَّ إلى ذلك موهِّن آخر لم ينكر على المجتهد في هذا الفن الماهر فيه أن يردَّها بمجموع [ص ٣٠] الأمرين، وإن كان كل منهما لا يكفي على انفراده.
وقد ذكر البخاري ﵀ موهِّنًا آخر لهذه الزيادة.
وهو الأمر الثاني: أنَّ معناها مجمل، لا يُدرى أحرفٌ واحدٌ أم أكثر؛ يعني: والشارع شأنه البيان لا الإجمال.
ولها موهِّنٌ ثالثٌ: أنَّ الحديث من رواية الزهري عن محمود بن الربيع
стр. 39
عن عبادة، وقد ثبت هذا الحديث نفسه بهذا الإسناد نفسه (١) في قصَّة، ولفظه: صلى رسول الله ﵌ الصبح؛ فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف قال: "أراكم تقرءون وراء إمامكم؟ " قال: قلنا: إي والله يا رسول الله، قال: "أما لا تفعلوا إلَاّ بأم القرآن؛ فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها".
وقد جزم بعض الحفَّاظ (٢) بأنه حديث واحدٌ جرَّده الراوي تارةً عن قصته، وذكره أخرى بقصته. ولا يخفى على من مارس صناعة الحديث، وعرف تصرُّف الرواة أنَّ هذا هو الظاهر. فقول الشارح فيما يأتي: "إنه لا دليل عليه" ليس مما يلتفت إليه. فإذا عرف هذا عرف أن زيادة "فصاعدًا" لا موقعَ لها في الحديث، بل هي مناقضة له، والله أعلم.
ثم إنَّ الإمام البخاري رحمه الله تعالى لم يبتَّ الحكم في ردِّ هذه الزيادة؛ بل ذكر الأمر الثالث؛ وهو أنَّ هذه الزيادة إن صحَّت فلا تقتضي أنه لا صلاة لمن لم يزد على الفاتحة.
كما أنَّ هذه اللفظة قد ثبتت في قوله ﵌: "لا تُقطع اليدُ إلَاّ في ربع دينار فصاعدًا"، ولم يفهم منه أحد أنها لا تقطع اليد فيما لم يزد على ربع دينار؛ بل فهموا منه أنها لا تقطع إلَاّ في ربع دينار أو فيما زاد على ربع دينارٍ.
وأما ما نقله المفتي عن البخاري فتلك عبارة "فتح الباري"، وكأنها
стр. 40
تفسير لتنظير البخاري الزيادة في حديث الفاتحة بها في حديث القطع.
وهذا لفظ "الفتح" (١): "زاد معمر ... واستدل به على وجوب قدر زائد على الفاتحة، وتعقِّب بأنَّه ورد لدفع توهم قصر الحكم على الفاتحة. قال البخاري في "جزء القراءة" (٢): هو نظير قوله: "تقطع اليد في ربع دينار فصاعدًا".
واعتراض المفتي على تلك العبارة بأنها تقتضي أنَّ الركنية ليست قاصرة على الفاتحة يجيء مثله في حديث القطع، فيقال: إنَّ تلك الزيادة إذا قيل إنها لدفع توهُّم قصر الحكم على ربع دينار، اقتضى ذلك أنَّ نصاب السرقة ليس قاصرًا على ربع دينار.
ولعلَّ المفتي يُقْدِم على الاعتراض على حديث القطع أيضًا، والله المستعان.
وتحقيق الحق: أنه ليس المراد بالحكم في قولهم (دفع توهُّم قصر الحكم) هو النصاب والركنية؛ بل المراد ما يُقطع فيه، وما تصح به الصلاة. وهذا وإن لم يكن هو الحكم المنصوص إلَاّ أنَّ المنصوص يتضمَّنه.
وفائدة هذه الزيادة في حديث القطع ظاهرة؛ لأنها لو لم تزد لكان ظاهر اللفظ أنَّ من سرق أكثر من ربع دينار لا يُقطع.
وأما في حديث الفاتحة فقد يقال هكذا، وهو أنه لو لم يُؤتَ بها لأمكن أن يتوهَّم متوهِّمٌ أنَّ المراد من لم يقرأ بفاتحة الكتاب فقط؛ فيفهم منه أن من