[ص ٢٩] المسألة الثالثة
هل تجب الزيادة على الفاتحة ؟
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال (١) في شرح الترمذي: (باب ما جاء أنه لا صلاة إلَاّ بفاتحة الكتاب)، ثم ذكر حديث: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"، وزيادة: "فصاعدًا"، وأنها صحيحة؛ لأنَّ مسلمًا ذكرها في "صحيحه" (٢)، وسكت عليها أبو داود (٣).
ثم قال: (ولم أقف على علَّة فيه؛ فهذا الحديث يدلُّ على أنَّ فاتحة الكتاب فصاعدًا ركن الصلاة، لاتجوز الصلاة بدونها، وما نُقل عن الإمام البخاري (٤) ﵀ بأنه ورد لدفع توهُّم قصر الحكم على الفاتحة ففيه أنه ليس في الحديث حكم إلَاّ أنَّ الفاتحة ركن. فيكون معنى الحديث على هذا: أنَّ الركنية ليست منحصرةً في الفاتحة؛ بل تتجاوز عنها إلى زائد عليها؛ فتكون الفاتحة مع زائد ركنًا لها.
ولو قيل: إنَّ معناه أنَّ القراءة ليست مقصورة على الفاتحة؛ بل لابد من
стр. 37
الفاتحة، ولو زاد عليها يجوز.
قلنا: ليس الحكم ههنا بقراءة الفاتحة في الصلاة مطلقًا؛ بل الحكم أنَّ القراءة ركن الصلاة، لا تجوز الصلاة بدونها).
أقول: زيادة "فصاعدًا" قال فيها إمام الفن محمد بن إسماعيل البخاري (١) رفع الله درجته: "وقال معمر عن الزهري: "لا صلاة لمن لم يقرأ بأم الكتاب فصاعدًا"، وعامة الثقات لم يتابع معمرًا في قوله: "فصاعدًا"، مع أنه قد أثبت فاتحة الكتاب، وقوله: "فصاعدًا" غير معروف ما أردته [ما أريد به] حرفًا أو أكثر من ذلك؛ إلَاّ أن يكون كقوله: "لا تقطع اليد إلَاّ في ربع دينار فصاعدًا" (٢)، فقد يُقطع اليد في دينار وفي أكثر من دينار. قال البخاري: "ويقال: إنَّ عبد الرحمن بن إسحاق تابع معمرًا، وإنَّ عبد الرحمن ربما روى عن الزهري، ثم أدخل بينه وبين الزهري غيره، ولا نعلم أنَّ هذا من صحيح حديثه أم لا". (جزء القراءة ص ١).
وحاصله أنه أورد على هذه الزيادة أمورًا:
الأول: أنَّ معمرًا تفرَّد بها، ولم يذكرها الأكثر، ومنهم من هو أجلُّ منه وأفقه، ومنهم من هو مثله.
وأجاب عن متابعة عبد الرحمن بن إسحاق بما يعلم منه أنه يدلِّس؛ فلا يؤمن أن يكون بينه وبين الزهري ضعيف، لا يصلح للمتابعة.
стр. 38
وقد ذكر البخاري عبد الرحمن في موضع آخر من هذا الجزء (١)، وأورد له عدَّة مخالفات، يخالف فيها الثقات.
ويجاب عن هذا الأمر بما اشتهر من قبول زيادة الثقة، ويدفع هذا بأنَّ قبولها مطلقًا غير متفق عليه؛ ففي "فتح المغيث" (ص ٨٨) (٢): "وقيَّده ابن خزيمة باستواء الطرفين في الحفظ والاتقان، فلو كان الساكت عددًا أو واحدًا أحفظ منه، أو لم يكن هو حافظًا ولو كان صدوقًا فلا، وممن صرَّح بذلك ابن عبد البر؛ فقال في "التمهيد" (٣): "إنما تُقبل إذا كان راويها أحفظ وأتقنَ ممن قصَّر أو مثله في الحفظ ... ".
ومن قال بقبولها ولو كان المقصِّر أحفظ أو أكثر لا ينكر أن سكوت الأكثر أو الأحفظ عنها يوهِّنها، وهذا مما لا يخفى على ذي معرفةٍ.
وعليه؛ فإذا انضمَّ إلى ذلك موهِّن آخر لم ينكر على المجتهد في هذا الفن الماهر فيه أن يردَّها بمجموع [ص ٣٠] الأمرين، وإن كان كل منهما لا يكفي على انفراده.
وقد ذكر البخاري ﵀ موهِّنًا آخر لهذه الزيادة.
وهو الأمر الثاني: أنَّ معناها مجمل، لا يُدرى أحرفٌ واحدٌ أم أكثر؛ يعني: والشارع شأنه البيان لا الإجمال.
ولها موهِّنٌ ثالثٌ: أنَّ الحديث من رواية الزهري عن محمود بن الربيع
стр. 39
عن عبادة، وقد ثبت هذا الحديث نفسه بهذا الإسناد نفسه (١) في قصَّة، ولفظه: صلى رسول الله ﵌ الصبح؛ فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف قال: "أراكم تقرءون وراء إمامكم؟ " قال: قلنا: إي والله يا رسول الله، قال: "أما لا تفعلوا إلَاّ بأم القرآن؛ فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها".
وقد جزم بعض الحفَّاظ (٢) بأنه حديث واحدٌ جرَّده الراوي تارةً عن قصته، وذكره أخرى بقصته. ولا يخفى على من مارس صناعة الحديث، وعرف تصرُّف الرواة أنَّ هذا هو الظاهر. فقول الشارح فيما يأتي: "إنه لا دليل عليه" ليس مما يلتفت إليه. فإذا عرف هذا عرف أن زيادة "فصاعدًا" لا موقعَ لها في الحديث، بل هي مناقضة له، والله أعلم.
ثم إنَّ الإمام البخاري رحمه الله تعالى لم يبتَّ الحكم في ردِّ هذه الزيادة؛ بل ذكر الأمر الثالث؛ وهو أنَّ هذه الزيادة إن صحَّت فلا تقتضي أنه لا صلاة لمن لم يزد على الفاتحة.
كما أنَّ هذه اللفظة قد ثبتت في قوله ﵌: "لا تُقطع اليدُ إلَاّ في ربع دينار فصاعدًا"، ولم يفهم منه أحد أنها لا تقطع اليد فيما لم يزد على ربع دينار؛ بل فهموا منه أنها لا تقطع إلَاّ في ربع دينار أو فيما زاد على ربع دينارٍ.
وأما ما نقله المفتي عن البخاري فتلك عبارة "فتح الباري"، وكأنها
стр. 40
تفسير لتنظير البخاري الزيادة في حديث الفاتحة بها في حديث القطع.
وهذا لفظ "الفتح" (١): "زاد معمر ... واستدل به على وجوب قدر زائد على الفاتحة، وتعقِّب بأنَّه ورد لدفع توهم قصر الحكم على الفاتحة. قال البخاري في "جزء القراءة" (٢): هو نظير قوله: "تقطع اليد في ربع دينار فصاعدًا".
واعتراض المفتي على تلك العبارة بأنها تقتضي أنَّ الركنية ليست قاصرة على الفاتحة يجيء مثله في حديث القطع، فيقال: إنَّ تلك الزيادة إذا قيل إنها لدفع توهُّم قصر الحكم على ربع دينار، اقتضى ذلك أنَّ نصاب السرقة ليس قاصرًا على ربع دينار.
ولعلَّ المفتي يُقْدِم على الاعتراض على حديث القطع أيضًا، والله المستعان.
وتحقيق الحق: أنه ليس المراد بالحكم في قولهم (دفع توهُّم قصر الحكم) هو النصاب والركنية؛ بل المراد ما يُقطع فيه، وما تصح به الصلاة. وهذا وإن لم يكن هو الحكم المنصوص إلَاّ أنَّ المنصوص يتضمَّنه.
وفائدة هذه الزيادة في حديث القطع ظاهرة؛ لأنها لو لم تزد لكان ظاهر اللفظ أنَّ من سرق أكثر من ربع دينار لا يُقطع.
وأما في حديث الفاتحة فقد يقال هكذا، وهو أنه لو لم يُؤتَ بها لأمكن أن يتوهَّم متوهِّمٌ أنَّ المراد من لم يقرأ بفاتحة الكتاب فقط؛ فيفهم منه أن من
стр. 41
لم يقتصر على فاتحة الكتاب فلا صلاة له. ولكن في هذا ضعف.
والأولى أن يقال: الفائدة الإشارة إلى أنَّ الزيادة على الفاتحة مرغَّب فيها؛ كما تقول لعُمَّالك: "لا أجرة لمن لم يعمل إلى العصر فصاعدًا". تنبِّههم بقولك (فصاعدًا) على أنَّ الزيادة في العمل بعد العصر مرغوبٌ لك، وإن لم يكن شرطًا لاستحقاق الأجرة.
ولو فرضنا صحة ما ذكره المفتي فذلك لا يفيده؛ لأننا نقول: إنَّ الخمس من الإبل نصابٌ، والست نصابٌ، وهكذا السبع والثمان والتسع؛ والواجب في كل ذلك شاةٌ فقط. من كان له خمسٌ وجبت عليه الشاة، ومن كان عنده تسع وجبت عليه الشاة، وهكذا ما بينهما، ومن كانت عنده تسع فالشاة عنها جميعًا، لا عن خمس منها فقط.
فأنت ترى أنَّ كون التسع نصابًا تجب فيه الشاة لا يستلزم أن تكون الخمس ليست [ص ٣١] بنصاب تجب فيه الشاة.
فهكذا نقول: إنَّ ربع دينار نصاب يجب في سرقته القطع، وإنَّ ثلث دينار ــ مثلًا ــ نصاب، يجب بسرقته القطع.
وهكذا نقول: إنَّ قراءة الفاتحة ركن تتم به الصلاة، وإنَّ قراءة الفاتحة وسورة البقرة ــ مثلًا ــ ركن تتم به الصلاة.
والسرُّ في هذا أننا نقول: القراءة مثل القيام؛ فكما أنه إذا قام مقدار دقيقة كان قيامه ركنًا، وإذا قام مقدار ساعةٍ كان قيامه ركنًا؛ فكذا القراءة. وكأنه ﵌ ــ إن كان تكلَّم بهذه الكلمة ــ زادها دفعًا لما يُتوهَّم من تعيين الفاتحة أنها هي الركن، حتى لو زاد عليها شيئًا من القرآن لا يكون حكمه حكم الركن.
стр. 42
وثمرة كون القيام كله ركنًا وإن طال، وأنَّ ما قُرئ من القرآن بعد الفاتحة حكمه حكم الركن ــ على ما تقدَّم ــ هي زيادة الثواب؛ فإنَّ ثواب الفرض أعظم من ثواب النفل، والله أعلم.
واعلم أنَّ ما فهمه الشارح وبعض من تقدَّمه من أنَّ زيادة "فصاعدًا" في حديث الفاتحة يقتضي وجوب الزيادة على الفاتحة= فَهْمٌ تأباه اللغة.
قال إمامها أبو عمرو سيبويه في "كتابه" (١): "هذا باب ما ينتصب على إضمار الفعل المتروك إظهاره في غير الأمر والنهي؛ وذلك قولك: أخذته بدرهمٍ فصاعدًا، أو أخذته بدرهمٍ فزائدًا، حذفوا الفعل لكثرة استعمالهم إياه، ولأنهم أمنوا أن يكون على الباء. لأنك لو قلت: "أخذته بدرهم فصاعدٍ" كان قبيحًا؛ لأنه صفة، ولا يكون في موضع الاسم؛ كأنه قال: أخذته بدرهمٍ، فزاد الثمن صاعدًا، أو فذهب الثمن صاعدًا. ولا يجوز أن تقول: "وصاعدٍ"؛ لأنك لا تريد أن تخبر أنَّ الدرهم مع صاعدٍ ثمنٌ لشيء؛ كقولك: بدرهمٍ وزيادة. ولكنك أخبرت بأدنى الثمن؛ فجعلته أولًا، ثم قرَّرت شيئًا بعد شيءٍ لأثمان شتى ... ".
أقول: إيضاح عبارته: أنَّ قوله: "أخذته بدرهمٍ فصاعدًا" يقال على ما ذكر الرضي (٢) في "ذي أجزاء أخذ بعضها بدرهمٍ، والبواقي بأكثر". فكأنَّ تقديره: أخذت هذا الزيت رطلًا بدرهمٍ فصاعدًا؛ تريد أنَّ بعض الأرطال بحساب الرطل بدرهمٍ فقط، وبعضها بحساب الرطل بدرهمٍ وزيادة.
стр. 43
أقول: ويحتمل أن يقال المثال المذكور في شيءٍ واحدٍ، ولكن عند الشك أو التشكيك؛ كأنه يقول: أخذته بدرهمٍ فقط، أو بدرهمٍ وزيادة. فإذا قلت: بِعْهُ [ص ٣٢] بدرهمٍ فصاعدًا، وهو شيءٌ واحدٌ، كان للتخيير؛ كأنك قلت: بعْهُ بدرهمٍ فقط، أو بدرهمٍ وزيادة.
هذا أصل المعنى، وإن كان بين العبارتين فرق من وجهين:
الأول: أنَّ قولك: "بِعْهُ بدرهمٍ فصاعدًا" لا يُشعِر باستواء الأمرين عندك، بل يرجع إلى القرائن، والقرينة في هذا المثال تقتضي رغبتك في الزيادة.
وفي قولك لوكيلك: "اشتره بدرهمٍ فصاعدًا" تُشعِر برغبتك في عدم الزيادة.
وقولك: "بِعْهُ بدرهمٍ فقط" أو "بدرهمٍ وزيادة"، "واشتره بدرهمٍ فقط" أو "بدرهمٍ وزيادة" يشعر باستواء الأمرين.
الوجه الثاني: أنَّ قولهم: "فصاعدًا" يقتضي زيادة مترقِّية من قليل إلى كثير.
وقولنا: "أو بدرهمٍ وزيادة" لا يشعر لفظ "زيادة" بالترقِّي، وإن كان صالحًا له.
وفي "لسان العرب" (١): "وقولهم: صنع أو بلغ كذا وكذا فصاعدًا؛ أي: فما فوق ذلك، وفي الحديث: "لا صلاة ... " أي: فما زاد عليها؛ كقولهم: اشتريته فصاعدًا، قال سيبويه: ... ".
стр. 44
وفي "القاموس" (١): "وبلغ كذا فصاعدًا؛ أي: فما فوق ذلك".
وقد رُوي حديث القطع بلفظ: "فما فوق" (٢) بدل "فصاعدًا"، وقد قال الله ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦]. وليس المعنى بعوضة مع ما فوقها.
وهكذا ما في "صحيح مسلم" (٣) عن عائشة ﵂ ترفعه: "ما من مسلمٍ يُشاك شوكةً فما فوقها إلَاّ كُتِبتْ له بها درجة، ومُحِيتْ عنه بها خطيئة". المعنى: يصيبه شوكة أو ما هو فوقها، وليس المعنى: تصيبه شوكة مع زيادة فوقها، أعني أنَّ الأجر المذكور متحقِّقٌ بإصابة الشوكة فقط، وليس المعنى: أنه لا يتحقَّق إلَاّ إذا انضمَّ إلى الشوكة زيادة.
واعلم أنَّ قولهم: "فما فوقه" يجيء على وجهين:
الأول: أن يكون المراد ما هو أعظم مما قبل الفاء، بدون أن يتضمَّن ما قبل الفاء؛ كما في الآية والحديث.
والثاني: أن يكون المراد به ما هو أزيد مما قبل الفاء؛ أي: بحيث يتضمَّن ما قبل الفاء وزيادة؛ كما في حديث القطع؛ لأنَّ المراد بربع دينار فيه ما يساوي ربع دينار اتفاقًا. فكل مالٍ يكون فوق ما يساوي [ص ٣٣] ربع دينار فهو عبارة عما يساوي ربع دينار مع زيادة.
فأما قولهم: "فصاعدًا" فإنما تصلح في الوجه الثاني؛ كما يعرف من
стр. 45
موارد استعمالها.
فإن زعم زاعمٌ أنها تستعمل على الوجه الأول أيضًا قلنا له: هب أنّ ذلك كذلك؛ إلَاّ أنها في حديث الفاتحة على الوجه الثاني؛ بدليل الأحاديث الكثيرة في تعين الفاتحة، والإجماعِ على ترك القول بأنَّ الواجب إما الفاتحة وإما سورة أكبر منها أو بعض سورة يكون أكبر منها، والله أعلم.
ثم ذكر الشارح حديث أبي داود (١) عن قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد: "أُمِرْنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسَّر"، وذكر ما يطعن به على هذا الحديث من أنَّ قتادة مدلِّس، وقد عنعن، وأجاب عنه بأنَّ أبا مسلمة قد رواه عن أبي نضرة.
وذكر ما يدفع به هذا الجواب؛ من أنَّ أبا مسلمة روى الحديث موقوفًا (٢)، وأجاب عن هذا الدفع بما معناه: أنَّ رواية قتادة بيَّنت كون الحديث مرفوعًا، ورواية أبي مسلمة بيَّنت أنَّ أبا نضرة حدَّث بهذا الحديث؛ فكل من الروايتين تَجبُر ما في الأخرى من الخلل.
وهذا جوابٌ عجيبٌ، وردُّه واضحٌ؛ وهو أنه إذا ثبتت رواية أبي مسلمة عن أبي نضرة فإنما يثبت بها أنَّ أبا نضرة روى هذا الحديث موقوفًا، ورواية قتادة لا يثبت بها شيءٌ؛ لأننا لا نأمن أن يكون قتادة سمع الحديث من رجل ضعيف، وهذا الضعيف سمع هذا الحديث من أبي نضرة موقوفًا، كما سمعه أبو مسلمة؛ ولكنه زاد الرفع من عنده كذبًا أو غلطًا.
стр. 46
وقد أجاب الشارح عن تدليس قتادة بأنَّ النووي (١) ذكر أنَّ ما كان في "الصحيحين" وشِبْههما من عنعنة المدلِّسين محمول على السماع.
ويُرَدُّ بأنَّ مراد النووي بقوله: "وشبههما" الكتب التي اقتصر جامعوها على إيراد الصحيح فيها، وليس "سنن أبي داود" من ذلك. وهذا أمر معروفٌ بين أهل الفن، مبيَّنٌ في كتبهم.
على أنَّ ابن دقيق العيد ناقش في حمل ما في "الصحيحين" من ذلك على السماع (٢)، وكذلك الذهبي أشار إلى التوقُّف في ذلك؛ في ترجمة أبي الزبير من "الميزان" (٣).
وأوضح من هذا أنَّ إمام الفن محمد بن إسماعيل البخاري قد طعن في هذا الحديث بقوله: "ولم يذكر قتادة سماعًا من أبي نضرة في هذا". "جزء القراءة" (ص ١١) (٤).
ثم ذكر الشارح حديث أبي داود (٥) وغيره؛ عن أبي هريرة: أنَّ النبي ﵌ أمره فنادى: "أن لا صلاة إلَاّ بفاتحة الكتاب فما زاد".
стр. 47
والجواب عنه: بأنَّ جعفرًا ضعَّفه المتقدمون من جهة حفظه (١)، وقال العقيلي في حديثه هذا: لا يتابع عليه (٢).
على أنَّ قوله: "فما زاد" في معنى قوله: "فصاعدًا"، وقد تقدَّم معناها، وأنها لا تدلُّ على وجوب الزيادة.
ويشهد لذلك أنَّ مذهب أبي هريرة الذي كان يفتي به أنه لا يجب [ص ٣٤] إلَاّ الفاتحة.
ثم ذكر الشارح حديث ابن ماجه (٣) عن أبي سعيد الخدري ﵁ يرفعه: "لا صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة بالحمد لله وسورة في فريضة أو غيرها".
والجواب عنه: أنه من رواية أبي سفيان السعدي؛ مجمع على ضعفه، وعبارة الإمام أحمد: ليس بشيء، ولا يكتب حديثه (٤).
ووجوب سورة مع الفاتحة لم يُنقل عن أحد.
وقوله: "في كل ركعة" تردُّه الأحاديث الصحيحة في اقتصار النبي ﵌ على الفاتحة في الركعتين الأخريين.
فإن قيل: هَبْ أن كلَّ حديث من هذه الأحاديث لا يتمُّ الاستدلال به على انفراده؛ أفلا يتمُّ الاستدلال بمجموعها؟
стр. 48
قلت: كلا؛ أما حديث ابن ماجه فلا يصلح متابعًا ولا شاهدًا.
وأما زيادة "فصاعدًا" ورواية "فما زاد" فلا دلالة فيها على وجوب الزيادة حتى يستشهد بها لهذه المسألة. بل إذا تأملت ما قدَّمنا عرفت أنها تدلُّ على عدم الوجوب.
فلم يبق إلَاّ حديث قتادة وحده، وهو لا يصلح حجَّةً، على أنه لو صحَّ لأمكن تأويله؛ بأنَّ المراد بقوله: "أمرنا" القدر المشترك بين الأمر الموجب، والأمر المرغَّب؛ بدليل ما ثبت من أدلة قصر الوجوب على الفاتحة.
وهذا التأويل أولى عند أهل العلم من دعوى النسخ التي صار إليها الشارح، والله أعلم.
ثم جاء الشارح بالفِتَكْرِيْن (١)؛ فقال: حديث عبادة متروك العمل باتفاق.
يريد أنه قد ثبت فيه زيادة "فصاعدًا"، وهي تقتضي وجوب الزيادة على الفاتحة، ووجوب الزيادة متروك باتفاق؛ فلزم أن يكون الحديث كله متروكًا باتفاق، وهذا كما ترى.
والطريق المستقيم المعروف بين أهل العلم أن يكون الاتفاق على ترك العمل بهذه الزيادة دليلًا على سقوطها فقط، كيف وقد انضمَّ إلى ذلك ما تقدَّم من توهينها.
بل لو اتفق الرواة جميعًا على إثبات هذه الزيادة لما لزم من ترك العمل بها وحدها ترك العمل بالحديث كله، ولا مِن وهن الاحتجاج بها وهنُ
стр. 49
الاحتجاج بالحديث كله.
[ص ٣٥] ثم ذكر الشارح قولهم: (إنَّ اتفاق الأمة على ترك حديث دليل نسخه أو خطأ رواته).
أقول: إنما يصلح هذا لدفع وجوب الزيادة على الفاتحة؛ لأنَّ الأمة اتفقت ــ فيما زعم الشارح ــ على عدم القول بها. فأما الفاتحة فجمهور الأمة قائلون بفرضيتها، وقال الحنفية بوجوبها؛ مع أنَّ دعوى الشارح اتفاق الأمة على عدم القول بما تضمَّنته تلك الأحاديث من الزيادة عجيب، فإنَّ مذهب أصحابه الحنفية أنفسهم أنَّ الزيادة على الفاتحة واجبة.
فإن قال: ظاهر الحديث أنها فرض؛ قلت: الحديث عندكم خبر واحد لا يثبت به إلَاّ الوجوب، وإن كان نصًّا في الفرضية.
وفي "الفتح" (١): "وصحَّ إيجاب ذلك عن بعض الصحابة ــ كما تقدَّم ــ وهو عثمان بن أبي العاص، وقال به بعض الحنفية، وابن كنانة من المالكية، وحكاه القاضي الفرَّاء الحنبلي في الشرح الصغير رواية عن أحمد".
ثم إنَّ الشارح اختار أنَّ الزيادة نسخت أولًا، واحتجَّ بحديث "الصحيحين" (٢)، عن أبي قتادة، وفيه: "أنَّ النبي ﵌ كان يقرأ في الظهر في الأوليين بأم الكتاب وسورتين، وفي الركعتين الأخريين بأم الكتاب" الحديث.
وعليه تعقبات:
الأول: أنَّ الزيادة لم تثبت كما تقدَّم، وتوهين الرواية التي لم تثبت ثبوتًا
стр. 50
واضحًا أو تأويلها أولى من دعوى النسخ.
الثاني: أنها لو ثبتت فليس في الأحاديث التي ساقها الشارح لإثبات الزيادة تصريح بأنها في كل ركعة؛ بل ظاهرها أنها في جملة الصلاة، وفي مذهب الحنفية أنفسهم ما يوافق هذا.
الثالث: أنَّ تلك الأحاديث قولية، وحديث أبي قتادة فعلي.
ثم ذكر دليلًا آخر؛ وهو حديث عبادة (١): "صلى رسول الله ﵌ الصبح؛ فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف قال: أراكم تقرءون وراء إمامكم؟ قال: قلنا: يا رسول الله إي والله، قال: أما لا تفعلوا إلَاّ بأم القرآن؛ فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها".
وحديث مسلم (٢) وغيره؛ عن عمران: "أنَّ رسول الله ﵌ صلَّى الظهر؛ فجعل رجلٌ يقرأ خلفه: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]؛ فلما انصرف قال: "أيكم قرأ، أو أيكم القارئ"، قال رجلٌ: أنا، قال: "قد ظننت أنَّ بعضكم خالجنيها".
[ص ٣٧] (٣) أقول: أما حديث عبادة فلفظه في بعض الروايات (٤): "لا
стр. 51
يقرأنَّ أحدُكم إذا جهرتُ بالقراءة إلَاّ بأمِّ القرآن". وبقية الروايات بيَّنت أنَّ تلك الصلاة كانت جهرية، وأنَّ القراءة ثقلت على النبي ﵌. فالحديث حجَّة أنَّه ﵌ نهى المقتدين به أن يقرأوا إذا جهر إلَاّ بأم القرآن.
ويظهر من ذلك أنَّ الزيادة على الفاتحة ليست بمرتبة الفاتحة، وهذا عندنا مبيَّنٌ؛ لما قدمناه أنَّ وجوب زيادةٍ على الفاتحة لم يثبت وجوبه أصلًا، وشاهدٌ لما قدمنا في حديث المسيء صلاته؛ من احتمال أنه كان الواجب أولًا الحمد والثناء والتمجيد، وقراءة شيءٍ من القرآن، ثم نسخ ذلك بالفاتحة؛ فكانت هي الواجبة وحدها.
وأما الشارح فعنده أنَّ هذا ناسخ الأحاديث الآمرة بالزيادة على الفاتحة. وأنت خبيرٌ أنَّ دعوى النسخ مفتقر (١) إلى إثبات تأخُّر هذا الحديث عن تلك، وليس بيد الشارح دليل؛ إلَاّ أنه يقول: دلَّ هذا الحديث أنهم كانوا يقرءون غير الفاتحة، ولا يُظَنُّ بهم أن يقرءوا إلَاّ بإذن شرعي؛ فيظهر أنَّ الإذن هو تلك الأحاديث.
ولقائل أن يقول: لا يتعيَّن هذا، لاحتمال أنهم كانوا يقرءون؛ لِما علموا من أنَّ الصلاة موضع القراءة وذكر الله تعالى في الجملة، أو قياسًا على الإمام، أو غير ذلك.
ويدلُّ على هذا سؤاله ﵌ إياهم بقوله: "أراكم تقرءون وراء إمامكم"، قالوا: إي والله يا رسول الله، ولو كان قد أمرهم بالقراءة قبل ذلك صريحًا لما اقتضى الحال الاستفهام؛ بل كان حق الكلام أن يقول: كنت أمرتكم بقراءة
стр. 52
الفاتحة وما تيسَّر إذا كنتم تصلُّون معي؛ فلا تفعلوا إلَاّ بأم القرآن؛ كما قال: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور؛ فزوروها" الحديث (١).
فالتعارض بين هذا الحديث وبين أحاديث الزيادة من باب العموم والخصوص، مع الجهل بالتاريخ.
ومذهب الجمهور حمل العام على الخاص؛ تخصيصًا لا نسخًا.
ومذهب الإمام أبي حنيفة وأكثر أصحابه رحمهم الله تعالى التوقُّف أو الترجيح.
وعلى قول الجمهور فإنَّ الذي يصحُّ من أحاديث الزيادة إنما يفيد الندب، وهذا الحديث مخصِّصٌ لها، مخرج عنها المقتدي برسول الله ﵌ فيما يجهر به ﵌، هذا ما يدلُّ عليه هذا الحديث.
فأما دلالته على أنَّ غير النبي ﵌ مثله في ذلك فلا يصحُّ بالقياس؛ لأنَّ العلَّة هي ثقل القراءة، وهذا أمرٌ روحاني كان يدركه النبي ﵌، ولا ندرك نحن.
[ص ٣٨] (٢) وأما على القول بالتوقُّف فيرجع إلى الأصل؛ وهو عدم الوجوب، وأما على القول بالترجيح فالأحاديث المبينة لعدم ندب الزيادة أرجح وأثبت، والله أعلم.
стр. 53
[ص ٣٩] وأما حديث عمران فليس فيه نهيٌ، وإنما فيه أنه ﵌ قرأ بسبِّح اسم ربِّك الأعلى فأحسَّ بأنه يُخالَج فيها؛ فعرف أنَّ بعض المأمومين قرأها أيضًا، فسألهم لتظهر لهم هذه المعجزة.
وهذه المخالجة أمر روحاني كان يحسُّ به النبي ﵌؛ ففي حديث عبادة نهاهم عن قراءة غير الفاتحة، لا للمخالجة فقط، بل لها ولإخلالها باستماع القراءة لغير موجب؛ لأنَّ الصلاة جهرية كما علمت.
وفي حديث عمران لم ينههم؛ لأنَّ المخالجة وحدها ليست علَّة تامة، ولأنها إنما تحصل إذا قرأ المأموم عين السورة التي يقرؤها النبي ﵌، وهذا لا يتفق دائمًا.
وقد ذكر البخاري في "جزء القراءة" (ص ٩) (١) هذا الحديث من رواية شعبة عن قتادة، ثم قال: "قال شعبة: فقلت لقتادة: كأنه كرهه؛ فقال: لو كرهه لنهانا عنه".
ومع هذا ففي بعض روايات حديث عمران ما يدلُّ أنَّ ذلك القارئ رفع صوته، وسيأتي بيان ذلك، إن شاء الله تعالى. وعليه فيصح قول البيهقي: "وكأن النبي ﵌ إن كره من القاريء خَلْفَه شيئًا كره الجهر بالقراءة" (سنن ج ٢ ص ١٦٢).
ثم قال الشارح: (وعُلم من هذا الحديث ــ يعني حديث عبادة ــ أنَّ آية: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] نزلت بعد هذا؛
стр. 54
لأنَّ فيها نهيًا عن القراءة مطلقًا إذا قُريءَ القرآن، وبعيدٌ عن الصحابة القراءة في الصلاة حال قراءته ﵌، وكذا إجازته ﵌ بقراءة أم القرآن خلفه مطلقًا بعد نزول الآية ... ).
أقول: الآية مكية اتفاقًا، وحديث عبادة ونحوه وقع بالمدينة اتفاقًا، وسأعقد للآية فصلًا مستقلًّا إن شاء الله تعالى. وإنما أذكر هاهنا ما يردُّ على استدلال الشارح على تأخر نزول الآية.
فأقول: قد كان الصحابة ﵃ يقرؤون خلف الإمام بعد وفاته ﵌، وسنثبت ذلك فيما يأتي إن شاء الله تعالى. والظاهر البيِّن أنهم كانوا يقرؤون خلف النبي ﵌ إلى أن توفَّاه الله ، ولا شكَّ أنَّ ذلك بعد نزول الآية؛ فكيف يستبعد هذا الأمر الذي قام الدليل على وقوعه؟
ثم من الجائز أن يكونوا فهموا أنَّ الآية خاصة بمن ليس في صلاة؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨]؛ حيث سمَّى الصلاة قرآنًا.
أو فهموا أنَّ المراد الإنصات عن الكلام الأجنبي لا عن القراءة نفسها؛ ظنًّا أنَّ المقصود من الإنصات فهم القرآن وتدبُّره. فإذا كان السامع نفسه يقرأ القرآن فقد حصل له تدبُّر ما يقرأه بنفسه مع زيادة التلاوة.
أو فهموا أنَّ المراد بالإنصات ترك رفع الصوت؛ لقوله بعدها: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ﴾ الآية [الأعراف: ٢٠٥]، كما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى، والاحتمالات كثيرة.
стр. 55
وأما استبعاد أنَّ يأمر النبي ﵌ بقراءة الفاتحة بعد نزول الآية فخيال عجيب، أَوَلا يكون ﵌ علمَ أنَّ هذه الآية مُخَصَّصة بقوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ وغيرها.
[ص ٤٠] مع قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧]، والمراد بالسبع المثاني والقرآن العظيم: الفاتحة؛ كما في "الصحيح" (١).
وقوله تعالى في الحديث القدسي المشهور: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي ... " الحديث (٢). فسَّر الصلاة فيه بالفاتحة.
أو علمَ أنَّ المراد بالإنصات ترك رفع الصوت.
فأما الفاتحة فالمأموم مأمور بقراءتها سرًّا؛ لقوله تعالى عقب آية الإنصات: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ﴾ الآية؛ كما يأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى.
وفوق هذا كلِّه لا يمتنع أنَّ الله أعلم رسوله بما يفيد تخصيص الآية، ولو لم يدلَّ على ذلك قرآن. والآية مخصصة اتفاقًا فدلالتها على بقية الأفراد ضعيفة؛ حتى قال بعضهم: إنَّ دلالة العام المخصوص على بقية أفراده لا يحتجُّ بها أصلًا، وقال الحنفية: إنَّها دلالة ضعيفة؛ بحيث يرجَّح خبر الواحد عليها.
стр. 56
وبالجملة فقضيَّة استدلال الشارح أنه إذا تعارض دليلان عام وخاص، ولم يعلم التاريخ يرجَّح العام مطلقًا. وهذا عكس قول أكثر أهل العلم، وخلاف قول الإمام أبي حنيفة وأصحابه، فالله المستعان.
стр. 57
[ص ٤١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
المسألة الرابعة
قراءة المأموم الفاتحة
يستدلُّ من أوجبها بقول الله : ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]، وقوله : ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾، وبحديث المسيء صلاته، فإنَّ في رواية أبي هريرة: "ثم اقرأ بما تيسَّر معك من القرآن"، وفي بعض روايات حديث رفاعة: "ثم اقرأ بأم القرآن" (١).
فإنَّ الحنفية احتجُّوا بما ذُكر على فرضية القراءة في الصلاة، وقد قدَّمنا أنَّ أحاديث فرضية الفاتحة إما متواترة وإما مشهورة؛ يلزمهم تقييد القرآن بها، ولو لم تكن متواترة ولا مشهورة لكانت كافية في تقييد القرآن بها عند الشافعية وغيرهم.
وأما حديث المسيء صلاته فإذا ثبت فيه ذكر الفاتحة فذاك، وإلَاّ فقد قدَّمنا أنَّ ما فيه من قراءة ما تيسَّر نُسِخ بقراءة الفاتحة. ولما كانت قراءة ما تيسَّر في كلِّ ركعة فكذلك الفاتحة؛ لأنها بدلٌ من ذلك. والنبي ﵌ علَّم الرجل أركان الصلاة، ولم يبيِّن له أنه إذا كان مأمومًا لا يقرأ.
وفيه في بعض الروايات: "إنها لا تتم صلاة رجلٍ حتى ... "، وعلى هذه الرواية يكون اللفظ عامًّا يتناول صلاة المأموم.
стр. 58
ومما يستدلُّون به أحاديث فرضية الفاتحة، وقد تقدَّم بعضها، وهي عامة تتناول صلاة المأموم.
ومما يستدلُّون به ما رواه البخاري في "جزء القراءة" والإمام أحمد وابن حبان في "صحيحه" (١) وغيرهم بسند صحيح، عن أبي قلابة عن محمد بن أبي عائشة عن رجل من أصحاب النبي ﵌ قال: صلى النبي ﵌، فلما قضى صلاته قال: "أتقرؤون والإمام يقرأ؟ " قالوا: إنا لنفعل، قال: "فلا تفعلوا؛ إلَاّ أن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه".
الحديث على شرط مسلم، وفي "سنن البيهقي" (٢) تصريح أبي قلابة بالسماع؛ فزالت تهمة تدليسه.
ومن ذلك: ما أخرجه ابن حبان (٣) وغيره بسند صحيح إلى أبي قلابة عن أنس بن مالك: أنَّ النبي ﵌ لما قضى صلاته أقبل عليهم بوجهه؛ فقال: أتقرؤون في صلاتكم والإمام يقرأ؟ فسكتوا؛ فقال لهم ثلاث مرَّات؛ فقال قائل أو قائلون: إنا لنفعل، قال: فلا تفعلوا [ص ٤٢]، ليقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه.
قال ابن حبان في "صحيحه" (٤): "سمعه ــ يعني أبا قلابة ــ من أنس،
стр. 59
وسمعه من ابن أبي عائشة؛ فالطريقان محفوظان".
قلت: وجَزْم ابن حبان بأنَّ أبا قلابة سمعه من أنس ربما يرفع تهمة التدليس، وأما البيهقي (١) فزعم أنَّ المحفوظ رواية أبي قلابة عن محمد بن أبي عائشة. والراجح كلام ابن حبان، ولا يجوز الحكم على الثقة بالغلط إلَاّ بحجة بيِّنة.
ومن ذلك: قال البخاري في "جزء القراءة" (٢): "حدثنا شجاع بن الوليد قال: حدثنا النضر قال: حدثنا عكرمة قال: حدثني عمرو بن سعد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه قال: قال رسول الله ﵌: تقرؤون خلفي؟ قالوا: نعم، إنا لنهذُّ هذًّا، قال: فلا تفعلوا إلَاّ بأم القرآن".
النضر هو ابن محمد بن موسى الجُرَشي: ثقة. وعكرمة هو ابن عمَّار: ثقة إذا حدَّث عن غير يحيى بن أبي كثير، وإنما يخشى تدليسه، وقد صرَّح هنا بالسماع. وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه فيه كلام، والراجح توثيقه، وإن صحَّ ما قالوه: إنَّ حديثه عن أبيه عن جدِّه غالبه من صحيفة جدِّه عبد الله بن عمرو، فإنَّ صحيفة عبد الله بن عمرو كتبها بإذن النبي ﵌، ثم بقيت محفوظة عند ذرِّيته؛ فهي حجَّة بلا شبهة.
وقد عدَّ ابن حجر (٣) عَمْرًا وأباه من المدلِّسين؛ لأنهما كانا يرويان من الصحيفة ولا يبيِّنان، ومثل هذا التدليس لا يضرُّ. فالحديث حسنٌ ولا يعلَّل هذا الحديث بالذي بعده؛ إذ لا يجوز تغليط الثقة إلَاّ بحجة بيِّنة.
стр. 60
ومن ذلك: قال البخاري في "جزء القراءة" (١) أيضًا: حدثنا عتبة بن سعيد عن إسماعيل عن الأوزاعي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال النبي ﵌ لأصحابه: "تقرؤون القرآن إذا كنتم معي في الصلاة؟ " قالوا: نعم يا رسول الله نهذُّ هذًّا، قال: "فلا تفعلوا إلَاّ بأم القرآن".
إسماعيل هو ابن عيَّاش؛ وثَّقه الأئمة فيما رواه عن ثقات الشاميين، وحديثه هذا عن الأوزاعي، وهو إمام أهل الشام؛ فالحديث حسن.
ومنها: ما في "الجوهر النقي" (٢) قال: "وقال عبد الحق: رواه الأوزاعي عن مكحول [عن رجاء بن حيوة] عن عبد الله بن عمرو قال: صلينا مع النبي ﵌؛ فلما انصرف قال: "هل تقرؤون إذا كنتم معي في الصلاة؟ "، قلنا: نعم، قال: "فلا تفعلوا إلَاّ بأم القرآن". وفي "التمهيد": خُولِفَ فيه ابن إسحاق؛ فرواه الأوزاعي عن مكحول عن رجاء بن حَيوَة عن عبد الله بن عمرو؛ فذكره.
ومنها: قال الإمام أحمد (٣): ثنا يزيد بن هارون أنا سليمان ــ يعني ــ التيمي قال: حُدِّثتُ عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه أنَّ رسول الله ﵌ قال: "تقرؤون خلفي؟ " قالوا: نعم، قال: "فلا تفعلوا إلَاّ بأم الكتاب".
стр. 61
وشيخ التيمي مبهم، والاعتماد على ما تقدَّم. والله أعلم (١).
ومن ذلك: قال البخاري في "جزء القراءة" (٢): حدثنا يحيى بن صالح قال حدثنا فليح عن هلال عن عطاء بن يسار عن معاوية بن الحكم السلمي ﵁ قال: دعاني النبي ﵌؛ فقال: "إنما الصلاة لقراءة القرآن، ولذكر الله، ولحاجة المرء إلى ربِّه؛ فإذا كنت فيها فلْيَكُن ذلك شأنك".
فليح هو ابن سليمان، اعتمد عليه الشيخان في "صحيحيهما"، وضعَّفه جماعة.
والحديث في "صحيح مسلم" (٣) من طريق يحيى بن أبي كثير عن هلال مطوَّلًا. وفيه بيان السبب، وهو: أنَّ معاوية بن الحكم صلَّى مع النبي ﵌ فعطس رجلٌ؛ فقال معاوية بن الحكم: يرحمه الله؛ فزجره الصحابة ﵃[ص ٤٣]، فسكت؛ فلمَّا سلَّم النبي ﵌ دعاه؛ فقال: "إنَّ هذه الصلاة لا يصلُح فيها شيءٌ من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن"، أو كما قال رسول الله ﵌.
ففي الحديث أمره بالقراءة في الصلاة، مع أنه كان في تلك الصلاة مأمومًا.
стр. 62
فهذه الأحاديث تنصُّ على أمر المأموم بالقراءة، وهي مؤكِّدة لعموم أحاديث إيجاب الفاتحة وغيرها مما تقدَّم. وهذه الأحاديث تعمُّ الصلاة السريَّة والجهريَّة.
ولهم أدلَّةٌ تنصُّ على الجهرية؛ فمنها قول الله ﵎: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤) وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤، ٢٠٥].
وسيأتي إن شاء الله تعالى تفسير الآيات مفصَّلًا، وفيه ــ نقلًا ــ عن ابن جرير (١): "يقول تعالى ذكره: ﴿وَاذْكُرْ﴾ أيها المستمع المنصت للقرآن إذا قُرِئ في صلاة أو خطبة ﴿رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ ... وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ يقول: ودعاءٌ باللسان لله في خفاء لا جهار، يقول: ليكن ذكر الله عند استماعك القرآن؛ في دعاء ــ إن دعوت ــ غير جهار؛ ولكن في خفاء من القول".
وفي "روح المعاني" (٢): "ويُشعر كلام ابن زيد أنَّ المراد بالجهر مقابل الذكر في النفس، والآية عنده خطاب للمأموم المأمور بالإنصات؛ أي: اذكر ربَّك أيها المنصت في نفسك، ولا تجهر بالذكر".
أقول: وعلى هذا يكون المراد بالإنصات ترك الجهر.
стр. 63
وسيأتي عن الواحدي (١) قوله: "والعرب تسمِّي تارك الجهر منصتًا، وإن كان يقرأ في نفسه؛ إذا لم يُسمع أحدًا".
وفي "الصحيحين" (٢) عن أبي هريرة قال: "كان رسول الله ﵌ إذا كبَّر في الصلاة سكت هُنيَّةً قبل أن يقرأ؛ فقلت: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي، أرأيتَ سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: "أقول: اللهم باعدْ بيني وبين خطاياي" الحديث، وهذا لفظ مسلم.
ففيه إطلاق السكوت على الحال التي يتكلَّم فيها سرًّا، وسيأتي إيضاح أنَّ الاستماع والإنصات إنما يكون لما يجهر به؛ فإذا كان المراد بقوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ﴾ أي في الصلاة ــ كما عليه أكثر المفسِّرين ــ فالمراد به الصلاة التي يجهر الإمام فيها بالقراءة قطعًا، وسيأتي إيضاح هذا كله إن شاء الله تعالى.
والمقصود هنا أنَّه مع أمر المأموم أن يستمع وينصت لجهر إمامه بالقراءة أمره بأن يذكر الله تعالى في نفسه؛ تضرُّعًا وخيفة ودون الجهر، ويجب حمل هذا الذكر على قراءة الفاتحة؛ لأنَّ غيرها من الأذكار سواء أكان قرآنًا أو غيره لا ينبغي للمأموم [ص ٤٤] حين يسمع جهر إمامه بالقراءة إجماعًا.
فإن ثبت أنَّ الواجب أولًا في القيام كان الجهر والثناء والتمجيد وقراءة ما تيسَّر غير مقيَّد بالفاتحة، وأنَّ الفاتحة إنما وجبت بعد ذلك على احتمال
стр. 64
تقدَّم في الكلام على حديث المسيء صلاته، وأنَّ الآية نزلت قبل إيجاب الفاتحة بمدَّة= فإنا نقول: الذكر المأمور به في الآية هو ذلك الواجب، ولما نسخ أحلَّت الفاتحة محلَّه. فلما كان مأمورًا به المأموم عند جهر إمامه بالقراءة، فكذلك يكون مأمورًا ببدله وهو الفاتحة. والله أعلم.
ومن الأدلة التي تنصُّ على الجهرية: قال الإمام أحمد (١): ثنا يعقوب ثنا أبي عن ابن إسحاق حدثني مكحول عن محمود بن الربيع الأنصاري عن عبادة بن الصامت قال: "صلَّى بنا رسول الله ﵌ الصبح، فثقلت عليه فيها القراءة؛ فلما انصرف رسول الله ﵌ من صلاته أقبل علينا بوجهه فقال: "إني لأراكم تقرؤون خلف إمامكم إذا جهر"، قال: قلنا: أجلْ والله إذن يا رسول الله، إنه لهذًّا؛ فقال رسول الله ﵌: "لا تفعلوا إلَاّ بأمِّ القرآن؛ فإنه لا صلاة إلَاّ بها" (مسند ج ٥ ص ٣٢٢).
وأخرجه الدارقطني (٢) من طرق عن ابن إسحاق.
وابن إسحاق ثقة، إنما يخشى تدليسه، وقد صرَّح بالسماع. ومكحول إمام؛ ولكن قال البخاري: إنه لم يذكر سماعًا، وهذا من البخاري ــ بناءً على رأيه ــ أنه يشترط للاتصال العلم باللقاء. وقد ردَّ مسلمٌ في مقدِّمة "صحيحه" (٣) هذا القول، وحكى الإجماع على أنه يكفي إمكان اللقاء إذا لم يكن الراوي مدلسًا.
стр. 65
وإمكان لقاء مكحول لمحمود واضح؛ لأنَّ مكحولًا سكن الشام، ومحمود كان بإيلياء.
وفي "تهذيب التهذيب" (١) عن مكحول: "عتقت بمصر فلم أدعْ فيها علمًا إلا احتويت عليه فيما أدري، ثم أتيت العراق والمدينة والشام؛ فذكر كذلك". وعنه قال: "طفت الأرض كلها في طلب العلم". وعن الزهري قال: "العلماء أربعة ــ فذكرهم؛ فقال: ــ ومكحول بالشام".
وقد طُعِن في هذا الحديث بمطاعن واهية أشفُّها (٢) أنَّ ابن حبَّان (٣) قال: "إنَّ مكحولًا ربما دلَّس"، وتبعه الذهبي (٤).
فقال الحافظ ابن حجر في "طبقات المدلِّسين" (٥): "مكحول الشامي الفقيه المشهور، تابعيٌ؛ يقال إنه لم يسمع من الصحابة إلَاّ عن نفر قليل، ووصفه بذلك ابن حبَّان، وأطلق الذهبي أنه كان يدلِّس، ولم أره للمتقدِّمين إلَاّ في قول ابن حبَّان".
أقول: إنما أراد ابن حبَّان أنَّ مكحولًا روى عمن لم يلقه؛ فإنَّ علماء الفنِّ ذكروا ذلك في ترجمة مكحولٍ مفصَّلًا، واقتصر ابن حبان على قوله: "وربما دلَّس". وعند ابن حبان والذهبي أن الرواية عمَّن لم يلقه تسمَّى تدليسًا.
стр. 66
وقد بيَّن الأئمة أسماء الذين روى عنهم مكحول ولم يسمع منهم، ولم يذكروا محمودًا؛ وهذا يدلُّك أنَّ مكحولًا إنما كان يروي عمن لم يلقه حيث يعلم الناس أنه لم يلقه، وليس هذا بالتدليس المتعارف (١)؛ إذ ليس فيه إيهام.
والحديث صحَّحه ابن حبان والحاكم (٢) وغيرهما، وتصحيح ابن حبان له مما يدلُّك على تأويل قوله في مكحول: "ربما دلَّس" بنحو ما قلنا، أو على أنه اطلع على سماع مكحول من محمود لهذا الحديث، والله أعلم.
[ص ٤٥] ومنها: ما رواه الدارقطني (٣) وغيره بسند صحيح عن زيد بن واقد عن حرام بن حكيم ومكحول عن نافع بن محمود بن ربيعة (٤) قال نافع: "أبطأ عبادة عن صلاة الصبح؛ فأقام أبو نعيم المؤذِّنُ الصلاة، وكان أبو نعيم أول من أذَّن في بيت المقدس، فصلى بالناس أبو نعيم، وأقبل عبادة وأنا معه، حتى صففنا خلف أبي نعيم، وأبو نعيم يجهر بالقراءة؛ فجعل عبادة يقرأ بأمِّ القرآن، فلما انصرف قلت لعبادة: قد صنعت شيئًا، فلا أدري أسنة هي أم سهو كانت منك؟ قال: وما ذاك؟ قال: سمعتك تقرأ بأم القرآن وأبو نعيم يجهر. قال: أجل، صلَّى بنا رسول الله ﵌ بعض الصلوات التي يجهر فيها بالقراءة؛ فالتبست عليه القراءة؛ فلما انصرف أقبل علينا بوجهه؛ فقال: "هل تقرؤون إذا جهرت بالقراءة؟ " فقال بعضنا: إنا لنصنع ذلك، قال: "فلا تفعلوا،
стр. 67
وأنا أقول مالي أنازع القرآن؛ فلا تقرؤوا بشيءٍ من القرآن إذا جهرت إلَاّ بأمِّ القرآن".
قال الدارقطني: هذا إسناد حسنٌ ورجاله ثقات كلهم، ثم رواه من طرقٍ أخرى ضعيفة.
وقد تكلَّموا في هذا السند بأنَّ نافع بن محمود بن الربيع ــ ويقال: ابن ربيعة ــ مجهول الحال؛ لم يوثقه إلَاّ ابن حبان والدارقطني.
وابن حبان يوثِّق كل من روى عن ثقةٍ فأكثر، وروى عنه ثقةٌ فأكثر، ولم يكن حديثه منكرًا؛ كما بيَّن ذلك في كتاب "الثقات" (١).
والدارقطني نُقِلَ عنه في "فتح المغيث" (٢) أنه قال: "من روى عنه ثقتان فقد ارتفعت جهالته، وثبتت عدالته".
والجواب أنَّ الحنفية يوافقون الدارقطني في توثيق المستور؛ فالحديث إذن حجَّةٌ عليهم، وأما نحن فلم نحتجَّ به وحده؛ بل به مع ما انضمَّ إليه من الحجج المتقدِّمة، والله أعلم.
وقال ابن حبان في "الثقات" (٣): "نافع بن محمود بن ربيعة، من أهل إيلياء، يروي عن عبادة بن الصامت، روى عنه حرام بن حكيم ومكحول، مَتْنُ خَبَرِه في القراءة خلف الإمام يخالف متنَ خبرِ محمود بن الربيع عن
стр. 68
عبادة، كأنهما حديثان أحدهما أتمُّ من الآخر، وعند مكحول الخبران جميعًا عن محمود بن الربيع ونافع بن محمود بن ربيعة، وعند الزهري الخبر عن محمود بن الربيع مختصرٌ غير مستقصى".
ومن الغريب ما قاله البخاري في "جزء القراءة" (١): "والذي زاد مكحول وحرام بن معاوية ورجاء بن حيوة عن محمود بن الربيع عن عبادة فهو تبعٌ لما روى الزهري؛ لأنَّ الزهري قال: حدثنا محمود، وهؤلاء لم يذكروا سماعًا".
وهذا من البخاري بناءً على رأيه في اشتراط العلم باللقاء؛ ولكن لم نقف على رواية حرام بن معاوية في هذا الحديث، وكأنه أراد حرام بن حكيم؛ فإنه يقال فيه حرام بن معاوية. فيدلُّ هذا على أنهما عند البخاري رجلٌ واحدٌ، وإن فصل لهما ترجمتين في "التاريخ" (٢).
وبهذا [ص ٤٦] يندفع قول الخطيب ــ كما في "تهذيب التهذيب" (٣) ــ: "وهم البخاري في فصله بين حرام بن حكيم وبين حرام بن معاوية؛ لأنه رجلٌ واحدٌ، اختلف على معاوية بن صالح في اسم أبيه".
بقي أنَّ حرام بن حكيم لم يروِ عن محمود بن ربيعة، وإنما روى عن نافع بن محمود بن ربيعة؛ فهل يرى البخاري أنَّ نافع بن محمود بن ربيعة هو محمود بن الربيع؛ أخطأ بعض الرواة في اسمه؟ وقد يشهد لهذا أنَّ
стр. 69
البخاري لم يذكر نافع بن محمود في "تاريخه". فإن صحَّ هذا فالحديث صحيح والله أعلم.
وقد راجعت "تاريخ البخاري" فوجدته ذكر في ترجمة حرام بن حكيم أنه روى عن محمود بن ربيعة (١).
ووقع في "جزء القراءة" (٢): "حدثنا محمود حدثنا البخاري حدثنا صدقة بن خالد حدثنا زيد بن واقد عن حرام بن حكيم ومكحول عن ربيعة الأنصاري ... ".
كذا قال (٣)، وقد سقط من النسخة رجلٌ أو رجلان، بين البخاري وصدقة (٤)؛ فإنَّ صدقة مات قبل أن يولد البخاري بأربع عشرة سنة.
ولم أجد في "تاريخ البخاري" ترجمة لربيعة الأنصاري (٥)، ولا لمحمود بن ربيعة، ولا لنافع بن محمود؛ إلَاّ أنه في ترجمة حرام بن حكيم ذكر أنه روى عن محمود بن ربيعة، فالله أعلم.
وقد روى الدارقطني (٦) الحديث من طريق الوليد بن مسلم حدثني غير
стр. 70
واحد منهم سعيد بن عبد العزيز عن مكحول عن محمود عن أبي نعيم أنه سمع عبادة بن الصامت عن النبي ﵌ قال: "هل تقرؤون في الصلاة معي؟ قلنا: نعم، قال: فلا تفعلوا إلَاّ بفاتحة الكتاب".
ثم قال الدارقطني: "وقال ابن صاعد: قوله "عن أبي نعيم" إنما كان أبو نعيم المؤذن، وليس هو كما قال الوليد: عن أبي نعيم عن عبادة".
أقول: محمود بن الربيع كنيته أبو نعيم، فالله أعلم.
* * * *
стр. 71
حجج القائلين بأنَّ المأموم لا يقرأ فيما يجهر فيه إمامه
قال الله ﵎: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤].
قالوا: اتفق السلف على أنَّ هذه الآية نزلت في القراءة في الصلاة. ولما كان الاستماع والإنصات إنما يكون لما يسمع، علمنا أنها خاصة بما جهر فيه الإمام.
وقد أخرج مسلم (١) حديث قتادة عن يونس بن جبير عن حطان بن عبد الله الرقاشي عن أبي موسى مرفوعًا: "إذا صليتم فأقيموا صفوفكم، ثم ليؤمَّكم أحدكم؛ فإذا كبر فكبروا" الحديث، عن جماعة.
ثم رواه (٢) من طريق جرير عن سليمان التيمي عن قتادة، ثم قال: "وفي حديث جرير عن سليمان عن قتادة من الزيادة: "وإذا قرأ فأنصتوا" ... ".
وفي بعض النسخ (٣) زيادة أدرجها أبو إسحاق إبراهيم بن سفيان راوي "الصحيح" عن مسلم؛ لفظها: "قال أبو إسحاق: قال أبو بكر ابن أخت أبي النضر في هذا الحديث، فقال مسلم: تريد أحفظَ من سليمان؟ فقال له أبو بكر: فحديث أبي هريرة؟ فقال: هو صحيح؛ يعني: "وإذا قرأ فأنصتوا". فقال: هو عندي صحيح. فقال: لِمَ لمْ تضعه ههنا؟ قال: ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ههنا؛ إنما وضعتُ ههنا ما أجمعوا عليه".
стр. 72
قالوا: وقد تُوبع سليمان؛ فرواه الدارقطني (١) من طريق سالم بن نوح ثنا عمر بن عامر وسعيد بن أبي عروبة عن قتادة فذكره، ومتنه: "إنما جُعل الإمام ليؤتمَّ به؛ فإذا كبَّر فكبِّروا، وإذا قرأ فأنصتوا".
وأما حديث أبي هريرة فرواه أبو داود والنسائي وغيرهما.
فروى أبو داود (٢) الحديث من طريق مصعب بن محمد عن أبي صالح بدون هذه الزيادة، ثم قال (٣): "حدثنا محمد بن آدم المصيصي ثنا أبو خالد عن ابن عجلان عن زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﵌ قال: "إنما جُعل الإمام ليُؤتمَّ به" بهذا الخبر، زاد: "وإذا قرأ فأنصتوا".
قال أبو داود: وهذه الزيادة "وإذا قرأ فأنصتوا" ليست بمحفوظة، الوهم من أبي خالد".
قالوا: قد تُوبِع أبو خالد؛ فرواه النسائي (٤) عن محمد بن عبد الله المخرَّمي عن محمد بن سعد ــ هو الأنصاري الأشهلي ــ[ص ٤٧] عن ابن عجلان به، والأشهلي ثقة.
стр. 73
وذكروا متابعات أخرى ساقطة لا نعرِّج عليها (١).
قالوا: وقد روى مالك (٢) عن ابن شهاب عن ابن أُكيمة الليثي عن أبي هريرة: أنَّ رسول الله ﵌ انصرف من صلاةٍ جَهَر فيها بالقراءة؛ فقال: "هل قرأ معي أحدٌ منكم آنفًا؟ " فقال رجل: نعم يا رسول الله، قال: "إني أقول مالي أُنازَع القرآن". قال: فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﵌ فيما جهر فيه النبي ﵌ بالقراءة من الصلوات؛ حين سمعوا ذلك من رسول الله ﵌.
ورواه أبو داود (٣) عن جماعة منهم ابن السرح، قالوا: ثنا سفيان عن الزهري قال: سمعت ابن أُكيمة يحدِّث سعيد بن المسيِّب قال: سمعت أبا هريرة يقول: "صلَّى بنا رسول الله ﵌ صلاةً نظنُّ أنها الصبح ــ بمعناه إلى قوله ــ: مالي أنازع القرآن".
قال أبو داود: قال مسدَّد في حديثه: قال معمر: "فانتهى الناس ... "، وقال ابن السرح في حديثه: قال معمر عن الزهري قال أبو هريرة: "فانتهى الناس ... ".
стр. 74
قالوا: وقد قال يحيى بن معين ــ وهو هو ــ: كفاك قول الزهري: سمعت ابن أُكيمة يحدِّث سعيد بن المسيِّب. وقال الدوري عن يحيى: عمارة بن أكيمة ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، مقبول، وقال يعقوب بن سفيان: هو من مشاهير التابعين بالمدينة (١).
وقد عمل الراوي عنه ــ وهو الإمام الزهري ــ بحديثه؛ فإنَّ مذهب الزهري أن لا يقرأ المأموم فيما جهر به إمامه؛ سواءٌ أسمع القراءة أم لم يسمع. وهذا يدلُّ أنَّ ابن أكيمة عنده ثقة.
قالوا: وقد أخرج الإمام أحمد وابن ماجه (٢) وغيرهما بأسانيد صحيحة من طريق أبي إسحاق السَّبيعي عن الأرقم بن شُرحبيل عن ابن عباسٍ ﵄ قال: "لمَّا مرض رسول الله ﵌ مرضَه الذي مات فيه"، فذكر الحديث إلى أن قال: "فخرج أبو بكر فصلَّى بالناس، ووجد النبي ﵌ من نفسه خِفَّةً؛ فخرج يُهادَى بين رجلين، ورِجْلاه تَخُطَّان في الأرض؛ فلمَّا رآه الناس سبَّحوا أبا بكر؛ فذهب يتأخَّر، فأومأ إليه أيْ مكانَك؛ فجاء النبي ﵌ حتى جلس، قال: وقام أبو بكر عن يمينه، وكان أبو بكر يأتمُّ بالنبي ﵌، والناسُ يأتمُّون بأبي بكر، قال ابن عباس: وأخذ النبي ﵌ من القراءة من حيث بلغ أبو بكر ... الحديث.
قالوا: فهذا ظاهر أنَّ الصلاة كانت جهرية، وأنَّ النبي ﵌ بنى على قراءة أبي بكر، ولابد أن يكون أبو بكر قد قرأ الفاتحة أو بعضها. ففيه دلالة
стр. 75
واضحةٌ أنَّ قراءة الإمام في الجهرية كافية لمن يستخلفه؛ فأن تكفي قراءتُه المأمومين من باب أولى.
قالوا: فهذه الأدلة تخصِّص أدلَّتكم العامة، وتعارض الخاصة، وعند المعارضة يترجَّح ما عليه جمهور الأمة.
وقد قال الإمام أحمد (١): ما سمعنا أحدًا من أهل الإسلام يقول: إنَّ الإمام إذا جهر بالقراءة لا تجزئ صلاة من خلفه. وقال: هذا النبي، وأصحابه، والتابعون، وهذا مالك في أهل الحجاز، وهذا الثوري في أهل العراق، وهذا الأوزاعي في أهل الشام، وهذا الليث في أهل مصر ما قالوا لرجلٍ صلَّى وقرأ إمامه ولم يقرأ هو: صلاته باطلة.
[ص ٤٨] ولنشرع في الجواب، وتقدَّم الكلام على آية الإنصات، ونسأل الله تعالى التوفيق (٢).
[ص ٤٩] فصل
قال الله : ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣) وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤) وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (٢٠٥) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ