← Акыда

Акыда · id 45

بدر التمام شرح لامية شيخ الإسلام

عبد الرحمن بن عبد العزيز العقل

Полный текст (111 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الحمد لله الذي جعل العلم النافع طريقًا موصلًا لرضاه، وصراطًا يتبعه من أراد هداه، ويحيد عنه من ضل واتبع هواه، ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠]، ونشهد أن لا إله إلا الله، رفع شأن العلم وأهله حتى وصلوا من المجد منتهاه، ومن العز أعلى ذراه، فمن سلك طريقاً يبتغي فيه علماً؛ سهل الله له به طريقاً إلى جنته وعلاه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الهداة التقاة، ومن سار على نهجه إلى يوم لقاه، أما بعد: فهذا هو الكتاب الأول (١) من المرحلة الأولى من المنهجية العلمية التأصيلية التي تعين طالب العلم وتأخذ بيده على طريق واضح نير لينشد غايته من العلم الشرعي الصحيح على ضوء الكتاب والسنة بخطوات ثابتة مدروسة. تُرَكِّز منهجية التميز على جوانب غايةٍ في الأهمية في مسيرة طالب العلم نحو هدفه، ومن تلك الجوانب: - اختيار أبرز وأهم المتون العلمية وشرحها شرحاً مناسباً يقرب العلم ويسهل إتقانه. - القراءة الفردية المستمرة في مختلف الفنون مع المناقشة الجماعية لما تمت قراءته.

стр. 2

المتابعة والمراجعة للشروح وفوائد الدروس وتسميع المحفوظات للطلاب الراغبين. - جلسة شهرية حوارية مفتوحة: للترويح وتنمية ملكة الحوار العلمي بحيث يختار فيها موضوع علمي معاصر يناقش من قبل الطلاب. - تستمر المنهجية أكثر العام بأجوائها العلمية المميزة بمعدل ثلاثة دروس في الأسبوع بعد صلاة المغرب يوم الثلاثاء ومغرب وعشاء الجمعة, ويمكن الاستزادة من الدروس لاحقاً إذا لزم ذلك، أو الالتحاق بدروس الفجر اليومية. - يتم توفير كتب الشروح مع وضع خطة للمراجعة المستمرة لجميع المشروحات بشكل دوري. - رعاية طالب العلم مع متابعته في مسيرته العلمية والحرص على إتقان الطالب للمتون المشروحة. - تخصيص سجل خاص لطالب العلم الراغب في متابعته في حفظ المتون ومراجعة الشروح، والقراءة الفردية الموسعة. - المتابعة والتواصل مع الطلاب عن طريق رسائل الجوال. - تذليل العقبات أمام طالب العلم الجاد ووضع البرامج والخطط العلمية الإضافية لمن يجد لديه همة وطموحاً وسعة من الوقت. - الاهتمام بالجوانب الإيمانية والسلوكية والخلقية من خلال الدروس والشروح والجلسات الحوارية. - لطالب العلم الراغب في الالتحاق بالمنهجية إمكانية اللحاق واستدراك ما فاته وذلك بالتواصل المباشر مع اللجنة العلمية من خلال

стр. 3

الجوال الخاص بالمنهجية, أو التواصل المباشر مع الشيخ عبد الرحمن بن عبد العزيز العقل، ويفضل الحضور لأجل المتابعة بشكل دوري ثابت حسب ظروف المشارك، ويمكن أن يلتحق بالمنهجية طالب العلم الذي لا يتمكن من الحضور سواء في منطقة القصيم أو خارجها أو خارج المملكة, بتوفير شروح المنهجية, ومتابعة الطالب في قراءتها وإتقانها من خلال التواصل عن طريق جوال المنهجية أو موقع مشروع النخبة العلمي على الشبكة العالمية (قريباً)، أو الاتفاق مع الشيخ عبد الرحمن حفظه الله. أمدنا الله وإياكم بالعلم النافع، ووهبنا من لدنه رحمة وفضلًا. إدارة الشؤون التعلمية - مركز النخب العلمية جوال المنهجية: ٠٥٣٠١٢٣١٢٧ بريد إلكتروني: alnokhab@hotmail.com

стр. 4

نص اللامية يا سَائِلي عَنْ مَذْهَبِي وعَقيدَتِي ... رُزِقَ الهُدى مَنْ لِلْهِدايةِ يَسْأَلُ اسمَعْ كَلامَ مُحَقِّقٍ في قَولِه ... لا يَنْثَني عَنهُ ولا يَتَبَدَّلُ حُبُّ الصَّحابَةِ كُلِّهِمْ لي مَذْهَبٌ ... وَمَوَدَّةُ القُرْبَى بِها أَتَوَسَّلُ وَلِكُلِّهِمْ قَدْرٌ علَا وفضائلٌ ... لكِنَّما الصِّدِّيقُ مِنْهُمْ أَفْضَلُ وَأَقُولُ فِي القُرآنِ ما جاءَتْ بِهِ ... آياتُهُ فَهُوَ الكَريمُ المُنْزَلُ وأقولُ قَالَ اللهُ ﷻ ... والمصطفى الهادي ولَا أَتأوَّلُ وجميعُ آياتِ الصِّفاتِ أُمِرُّها ... حَقًّا كما نَقَلَ الطِّرازُ الأَوَّلُ وأَرُدُّ عُهْدَتَها إلى نُقَّالِهَا ... وأَصُونُها عَنْ كُلِّ مَا يُتَخَيَّلُ قُبْحًا لِمَنْ نَبَذَ القُرَانَ وراءَهُ ... وإذا اسْتَدَلَّ يقولُ قالَ الأخطَلُ والمؤمنونَ يَرَوْنَ حقًّا ربَّهُمْ ... وإلى السَّماءِ بِغَيْرِ كَيْفٍ يَنْزِلُ وأُقِرُّ بالميزانِ والحَوضِ الذي ... أَرجُو بأنِّي مِنْهُ رِيًّا أَنْهَلُ وكذا الصِّراطُ يُمَدُّ فوقَ جَهَنَّمٍ ... فَمُسَلَّمٌ نَاجٍ وآخَرُ مُهْمَلُ والنَّارُ يَصْلاها الشَّقيُّ بِحِكْمَةٍ ... وكذا التَّقِيُّ إلى الجِنَانِ سَيَدْخُلُ ولِكُلِّ حَيٍّ عاقلٍ في قَبرِهِ ... عَمَلٌ يُقارِنُهُ هناك وَيُسْأَلُ هذا اعتقادُ الشافِعيِّ ومالكٍ ... وأبي حنيفةَ ثم أحمدَ يُنْقَلُ فإِنِ اتَّبَعْتَ سبيلَهُمْ فَمُوفَّقٌ ... وإنِ ابْتَدَعْتَ فَما عَلَيْكَ مُعَوَّلُ

стр. 5

نسبة نظم اللامية لشيخ الإسلام ابن تيمية اختلف أهل العلم قديمًا وحديثًا في نسبة المنظومة اللامية لشيخ الإسلام ابن تيمية على ثلاثة آراء: الرأي الأول: صحة نسبة نظم اللامية لشيخ الإسلام ابن تيمية، وقال بذلك: ١ - الشيخ أحمد بن عبد الله المرداوي ﵀ (ت:١٢٣٦ هـ)، في شرحه على اللامية، المسمى: «اللآلئ البهية في شرح لامية شيخ الإسلام ابن تيمية»، فقد نسب القصيدة لشيخ الإسلام ابن تيمية كما في اسم شرحه على اللامية (١). ٢ - الشيخ محمد بن عبد الله الجبَرتِي ﵀ (ت:١٢٨٦ هـ) في شرحه على اللامية، حيث يقول في مقدمة كتابه: «أما بعد: فيقول العبد الفقير إلى مولاه العلي الكبير، محمد بن عبد الله الجبَرتِي: هذا شرح لطيف على منظومة الشيخ العالم العلامة، والبحر الفهَّامة، تقي الدين، أبي العباس، أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية، الحراني يُبَيِّن حقائقها، ويكشف دقائقها، وسميته: (زاد المعاد في اعتقاد خيار العباد)» (٢). ٣ - الشيخ خير الدين، الآلوسي ﵀ (ت:١٣١٧ هـ)، حيث قال في كتابه «جلاء العينين»: «اعلم أولاً أن عقيدة الشيخ ابن تيمية الموافقة للكتاب

стр. 6

والسنة وأقوال سلف الأمة مستفيضة مفصلة في تصنيفاته، وحبه وتعظيمه للصحابة الكرام لاسيما (الشيخين) طافحة به عباراته وذلك أظهر من الشمس في رابعة النهار خصوصًا لمن تتبعها في تأليفاته، ونقلها بأسرها يفضي إلى الملل إلا أني أحرر لك البعض: (وعن البحر اكتفاء بالوشل) فمنه قوله: يا سَائِلي عَنْ مَذْهَبِي وعَقيدَتِي ... رُزِقَ الهُدى مَنْ لِلْهِدايةِ يَسْأَلُ» ثم ذكر المنظومة بأكملها (١). ٤ - الشيخ عبد العزيز بن ناصر الرشيد ﵀ (ت:١٤٠٨ هـ)، فقد قال في شرحه على العقيدة الواسطية: «قال الشيخ تقي الدين ﵀ في لاميته المشهورة: قُبْحاً لِمَنْ نَبَذَ القُرَانَ وراءَهُ ... وإذا اسْتَدَلَّ يقولُ قالَ الأخطَلُ إلخ» (٢). ٥ - الشيخ صالح بن إبراهيم البليهي ﵀ (ت:١٤١٠ هـ)، حيث قال: «قال: شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ نظمًا في اعتقاد الأئمة الأربعة، وهو اعتقاده مجيبًا من سأله عن ذلك، قال قدس الله روحه: يا سَائِلي عَنْ مَذْهَبِي وعَقيدَتِي ... رُزِقَ الهُدى مَنْ لِلْهِدايةِ يَسْأَلُ» ثم ذكر المنظومة بأكملها (٣).

стр. 7

٦ - الشيخ أحمد بن حجر آل بوطامي ﵀ (ت:١٤٢٣ هـ)، حيث قال: «ولشيخ الإسلام ابن تيمية عقيدة وجيزة, وهي منظومة لامية من بحر الرجز وها هي ذا فأقرأها: يا سَائِلي عَنْ مَذْهَبِي وعَقيدَتِي ... رُزِقَ الهُدى مَنْ لِلْهِدايةِ يَسْأَلُ» ثم ذكرها بأكملها (١). ٧ - الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الجبرين ﵀ (ت:١٤٣٠ هـ) قال في مقدمة شرحه على نظم اللامية: «هذه الأبيات تُنسب إلى شيخ الإسلام أبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام المعروف بابن تيمية شيخ الإسلام، وعَلَم الهداة الأعلام ﵀، وأكرم مثواه، وهذه الأبيات لم تكن مشهورة، ولأجل ذلك ما أوردها الشيخ عبد الرحمن بن القاسم في مجموع الفتاوى، ولعله لم يجزم بأنها لشيخ الإسلام، أو أنها ليست من الفتاوى التي لها مكانتها، ولا شك أنها عقيدة لها أهميتها، ولو كانت مختصرة، تضمنت مجمل عقيدة أهل السنة، وتضمنت القول الصحيح الذي عليه أئمة الإسلام من سلف الأمة وأئمتها، وقد جزم بصحتها عن شيخ الإسلام الشيخ العالم محمد الغنامي ﵀ وطبعها في رسالته التي هي بعنوان: «القول السديد في عقيدة التوحيد» وطبعت قديمًا، وقرأتها يمكن قبل خمس وخمسين سنة أو نحوها، جزم بأنها لشيخ الإسلام، ورأيتها أيضًا مكتوبة عند أحد أجدادنا بخط قديم في صفحة واحدة؛ ولكنه ذكر قال: هذه أبيات تُنسب إلى شيخ الإسلام، ولا شك أن اشتهارها يدل على مكانتها، وعلى أنها من نظمه ﵀، وأيضًا قد شرحها بعض المتأخرين: شرحها المرداوي وطُبِعَ شرحه محققًا، وجزم بأنها

стр. 8

لشيخ الإسلام ﵀، وذلك علامة على شهرتها وعلى مكانتها» (١). ٨ - الشيخ محمد بن إبراهيم الشيباني حيث عزاها لشيخ الإسلام في ترجمته له، وقال: «وقال في عقيدته وأتباعه: يا سَائِلي عَنْ مَذْهَبِي وعَقيدَتِي ... رُزِقَ الهُدى مَنْ لِلْهِدايةِ يَسْأَلُ» ثم ذكر المنظومة بأكملها (٢). ٩ - الشيخ يوسف بن عبد الله السالم في مقدمة شرحه لنظم اللامية، حيث قوَّى احتمال نسبتها لشيخ الإسلام، فقال: «فهذا شرح لامية شيخ الإسلام التي تنسب إليه والتي لخص فيها مذهبه وعقيدته ... ولم تجد اهتماما من الشراح، ربما لوضوحها أو لقلة أبياتها، أو لعدم ثقة بعضهم بنسبتها إلى الشيخ، ومتمسكهم في ذلك أنه لم يرد لها ذكر في مؤلفات الشيخ ولا في مؤلفات تلامذته، والأولى أن تجد العناية حتى وإن ثبت أنها ليست له لاحتوائها على مسائل في صميم معتقد المسلم، مع تقريبي أن تكون له لموافقتها معتقد الشيخ، والثابت في أمكنة أخرى من رسائله وكتبه، مع ثبوت مخطوطات متقدمة لها يقوي بعضها بعضًا» (٣).

стр. 9

واستدل أصحاب هذا الرأي بأمور منها: الأمر الأول: أن هذه المنظومة وُجِدَت مع كتب شيخ الإسلام ابن تيمية في كثير من النسخ المخطوطة. ونُوقِش هذا الأمر: بأن مجرد وجود المنظومة بين كتب شيخ الإسلام لا يكفي لإثبات نسبتها إليه. الأمر الثاني: أن بعض النسخ المخطوطة تُعَنْوَن بنسبة المنظومة لشيخ الإسلام، وتُخْتَم بذلك. ونُوقِش هذا الأمر: بأن بعض النسخ ليس فيها نسبة لشيخ الإسلام، ولو ثبت أن بعضها يُعَنْوَن بنسبتها إليه فلا يكفي ذلك لإثبات نسبتها إليه ما لم توجد قرائن أخرى تؤكد هذا الأمر، وهذا مشهور ومعروف في علم التحقيق في مبحث إثبات نسبة الكتاب لمؤلفه. الأمر الثالث: اشتهار نسبتها لشيخ الإسلام ابن تيمية حيث نسبها إليه عدد من العلماء، وتلقوها بالقبول. ونُوقِش هذا الأمر: بأن كثيرًا من المؤلفات اشتهرت نسبتها إلى أشخاص، وعند التحقيق وُجِدَ أنها منحولة عليهم، وليست لهم بل هي لأُناسٍ آخرين، ومجرد الشهرة لا تُثبت نسبة كتاب إلى صاحبه. ٤ - أن عددًا من العلماء المتقدمين شرح هذه المنظومة على أساس أنها لشيخ الإسلام ابن تيمية. ونُوقِش هذا الأمر: بأن أغلب الذين شرحوا هذه المنظومة دعاهم إلى ذلك ما حوته من عقيدة السلف، لا لأنها من مصنفات شيخ الإسلام،

стр. 10

وبعضهم اعتمد على شهرة نسبتها إليه. الرأي الثاني: عدم صحة نسبتها لشيخ الإسلام ابن تيمية، وقال بذلك: ١ - الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀ (ت:١٤٢١ هـ)، فقد قال في «شرح السَّفارِينية»: «الظاهر أنها لا تصح أصلًا عن الشيخ» (١). ٢ - الشيخ بكر عبد الله أبو زيد ﵀ (ت:١٤٢٩ هـ)، حيث ذكر هذه المنظومة في كتابه «المداخل إلى آثار شيخ الإسلام ابن تيمية»، تحت باب «الكتب المنحولة على شيخ الإسلام» (٢). واستدل أصحاب هذا الرأي بأمور منها: الأمر الأول: أن هذه المنظومة لم يذكرها أحد من الذين اهتموا بذكر مصنفات شيخ الإسلام كابن رُشَيّق، وابن القيم، وابن عبد الهادي، وابن رجب وغيرهم، ولم ينسبها إليه أحد من تلاميذه ومعاصريه، وفي هذا أكبر دليل على عدم نسبتها إليه. ونُوقِش هذا الأمر: بأن مصنفات شيخ الإسلام كثيرة جدًا، ومن الصعب إحصاؤها، والذين ذكروا مصنفاته لم يدَّعوا أنهم استقصوها كلها، بل إنهم ذكروا أشهرها وأكبرها، وأما «اللامية» فلصغرها وقلة أبياتها أُغْفِلت أمام المصنفات الكثيرة. ويؤيد هذا ما ذكره الحافظ ابن رجب، حيث قال - في سياق الكلام عن مؤلفات شيخ الإسلام -: «قد جاوزت حدّ الكثرة، فلا يمكن أحدًا حصرها،

стр. 11

ولا يتسع هذا المكان لعد المعروف منها، ولا ذكرها .. »، وعدّ منها شيئا، ثم قال: «وأما القواعد المتوسطة والصغار وأجوبة الفتاوى، فلا يمكن الإحاطة بها لكثرتها وانتشارها وتفرقها» (١). الأمر الثاني: أنَّ شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى» عند حديثه عن صفة الكلام، قال: «وقد أنشد فيهم المنشد: قُبْحاً لِمَنْ نَبَذَ القُرَانَ وراءَهُ ... وإذا اسْتَدَلَّ يقولُ قالَ الأخطَلُ» وهذا البيت أحد أبيات «اللامية» ولم ينسبه لنفسه، وهذا يشعر بأنها ليست له. ونُوقِش هذا الأمر: بأن شيخ الإسلام ربما لم ينسب هذا البيت إليه تواضعًا، وقد درج على هذا المسلك بعض العلماء قديمًا وحديثًا منهم تلميذه ابن القيم ﵀ حيث أثبت له بعض المحققين أبياتًا ذكرها في بعض كتبه ولم ينسبها لنفسه (٢)، وكثيرًا ما كان الشيخ ابن عثيمين يشرح نظمه ويقول: قال الناظم، ويقصد بذلك نفسه. واحتمال آخر وهو: أنه لما كان يجادل ويناقش في مسألة الكلام أراد أن يستشهد بهذا البيت، ورأى أنه ليس من المناسب في أسلوب المناقشة أن يستشهد بكلام ثم ينسبه لنفسه.

стр. 12

الأمر الثالث: أن في هذه المنظومة ما يخالف تقريرات شيخ الإسلام ابن تيمية وسائر السلف، وذلك ما ورد في البيت الرابع من المنظومة: وَأَقُولُ فِي القُرآنِ ما جاءَتْ بِهِ ... آياتُهُ فَهُوَ القديمُ المُنْزَلُ فلفظ (القديم) من ألفاظ المتكلمين، التي أنكرها شيخ الإسلام ابن تيمية نفسه في كثير من كتبه، فوجودها في هذه المنظومة يدل على أنها ليس له. ونُوقِش هذا الأمر: بأنه قد ورد في بعض نسخ اللامية المخطوطة لفظ (الكريم المنزل) بدل (القديم المنزل)، ويمكن أيضًا أن يقال: إن شيخ الإسلام صنف هذه المنظومة في بدايات حياته العلمية، وهذا ما أشار إليه الشيخ العثيمين ﵀ من أن الاحتمال قائم بأن يكون ابن تيمية قد صنف هذه القصيدة في بداية طريقه في الطلب (١). الرأي الثالث: الشك في صحة نسبتها لشيخ الإسلام ابن تيمية، وقال بذلك: ١ - الشيخ سليمان بن سحمان النجدي ﵀ (ت:١٣٤٩ هـ)، حيث قال: «وأما ما ذكره في القول السديد في الأبيات التي نسبها لشيخ الإسلام قدس الله روحه إن صح النقل بذلك عنه حيث قال: وَأَقُولُ فِي القُرآنِ ما جاءَتْ بِهِ ... آياتُهُ فَهُوَ القَدِيمُ المُنْزَلُ فهذا القول إن صح لا ينافي كونه سبحانه يتكلم فيما لم يزل بقدرته ومشيئته كما هو مذهب أهل السنة والجماعة خلافًا لأهل الكلام من

стр. 13

المبتدعة وغيرهم، والله أعلم» (١). ٢ - الشيخ عبد العزيز بن محمد السلمان ﵀ (ت:١٤٢٢ هـ)، حيث قال: «مِمَّا نُسِبَ إلى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: يا سَائِلي عَنْ مَذْهَبِي وعَقيدَتِي ... رُزِقَ الهُدى مَنْ لِلْهِدايةِ يَسْأَلُ ثم ذكرها بأكملها (٢). ٣ - الشيخ عبد الله الغنيمان حفظه الله، حيث قال في تقديمه لكتاب «شرح اللامية» ليوسف السالم: «فقد قرأت هذا الشرح للأبيات المنسوبة لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وألفيتها مفيدة ... ولعل هذا الشرح يجعل لها من الاهتمام والقبول لدى طلبة العلم ما يناسبها، وإن كان بعض أهل العلم يشك أن تكون لشيخ الإسلام، ولكن ما دامت تشتمل على حق وإفادة، فالحق ضالة المؤمن» (٣). ٤ - الشيخ علي بن محمد العِمران، حيث قال: «لامية شيخ الإسلام نشرها الأخ خالد الحيان معتمدًا على عدة نسخ خطية متأخرة، وذكر بعض أدلة ثبوتها، وإن كنت لا أوافقه على الجزم بنسبتها إليه، بل فيه نظر كبير. ثم وقفت على نسخة خطية منها على طرة مجموع فيه فتوى لابن تيميه بخط أحد أبناء عمومته، بتاريخ (٧٦٢ هـ) في غاية الجودة والنفاسة، لكنه لم يجزم بنسبتها لشيخ الإسلام، فيبقى أن تجمع هذه الدلائل والقرائن إذا أردنا

стр. 14

الجزم بإثباتها أو نفيها» (١). والذي يبدو لي التوقف في نسبة هذه المنظومة لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀؛ وذلك لأنه من الصعب الجزم بإثباتها له، ويصعب أيضًا نفي نسبتها إليه، وكلا الفريقين المثبتين والنافين ليس لديهم القرائن الكافية على النفي أو الإثبات (٢). وعلى كل حال: فهذا الخلاف في نسبتها لا ينقص من قيمتها العلمية شيئًا، ولا يوجب ردها، فهي منظومة مباركة، تضمنت مجمل عقيدة أهل السنة والجماعة، وما عليه أئمة الإسلام من سلف الأمة وأئمتها، مع سهولة عبارتها وقلة أبياتها. وعدد أبيات هذه «اللامية» ستة عشر بيتًا، كما هو الأكثر في نسخها، وسميت بـ «اللامية»؛ لأن قافيتها مختومة باللام، وفيها سُئل الناظم عن جملة من المسائل، فأجاب بقوله: «يا سَائِلي عَنْ مَذْهَبِي وعَقيدَتِي ... » إلى آخر المنظومة.

стр. 15

شرح المنظومة اللامية يا سَائِلي عَنْ مَذْهَبِي وعَقيدَتِي ... .................................. قوله: (يا سَائِلي): (يا): حرف نداء، (سَائِلي) سؤال هداية واسترشاد. • السؤال يأتي على أنواع منها: - النوع الأول: أن يكون السؤال لطلب المال، والمشروع في هذا النوع عدم نهر السائل، كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ [الضحى:١٠]، وجاء في سنن أبي داود: «لِلسَّائِلِ حَقٌّ، وَإِنْ جَاءَ عَلَى فَرَسٍ» (١). - النوع الثاني: أن يكون السؤال في مسألة من مسائل الشرع، فهذا تُشرع إجابته إذا تبيَّن صدقُهُ في طلب الحق، وهذه وظيفة أهل العلم, كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]. فإذا توقف الحق على بيان المسؤول كان البيان وعدم الكتمان واجبًا عليه وجوبًا عينيًا؛ لأن هذا هو الميثاق الذي أخذه الله تعالى على كل من

стр. 16

أعطاه الكتاب وعلمه العلم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران:١٨٧]. ولا يجوز كتمان العلم إلا إذا خاف الضرر على نفسه، قال أبو هريرة ﵁: «حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وِعَاءَيْنِ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثْتُهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ هَذَا الْبُلْعُومُ» (١)، وهذا العلم الذي لم يبثه هو العلم المتعلق بولاية الأمويين، فقد جاء في ولايتهم أحاديث فلم يكن أبو هريرة ﵁ يبثها خشية الفتنة. • وهناك أحوال يُنهى عن السؤال فيها: - الحالة الأولى: السؤال عمَّا لا ينفع، وعليه يُحْمَل قول النبي ﷺ في «الصحيحين»: «إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَثْرَةُ مَسَائِلِهِمْ» (٢)، وفي «الصحيحين» أيضًا عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ أَشْيَاءَ كَرِهَهَا، فَلَمَّا أُكْثِرَ عَلَيْهِ غَضِبَ، ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ: «سَلُونِي عَمَّا شِئْتُمْ»، قَالَ رَجُلٌ: مَنْ أَبِي؟ قَالَ: «أَبُوكَ حُذَافَةُ»، فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: مَنْ أَبِي يَا رَسُولَ اللهِ؟ َقَالَ: «أَبُوكَ سَالِمٌ مَوْلَى شَيْبَةَ» , فَلَمَّا رَأَى عُمَرُ مَا فِي وَجْهِ رسول الله

стр. 17

مِنَ الغَضَبِ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّا نَتُوبُ إِلَى اللهِ » (١). وهذا هو الشاهد حيث غضب النبي ﷺ لما سُئل هذه الأسئلة التي لا طائل من ورائها. - الحالة الثانية: السؤال عما لم يكن، وقد جاء عند الدارمي عن عبدالله بن عمر ب قال: «لا تَسْأَلُوا عَمَّا لَمْ يَكُنْ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ عُمَرَ يَلْعَنُ السَّائِلَ عَمَّا لَمْ يَكُنْ» (٢). - الحالة الثالثة: السؤال عن المغيَّبات التي سكت الشارع عن بيانها، ولم يرد فيها شيء عنه، فلا يُشرع مثل هذه الأسئلة إنما يقتصر فيها على ما جاءت به الشريعة. كمن يَسْأَل ويقول: كيف يعذب الفاسق في قبره؟ وكمن يسأل ويقول: كيف يُنعم المؤمن في قبره ويمد له مد البصر؟ وكيف يكون قبره روضة من رياض الجنة؟ هذا مما سكت الشارع عنه، وكان من منهج الصحابة ﵃ عدم الخوض في السؤال عن مثل هذا وغيره أيضا، قال أنس ﵁: «نُهِينَا أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ، فَكَانَ يُعْجِبُنَا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ الْعَاقِلُ فَيَسْأَلَهُ وَنَحْنُ نَسْمَعُ» (٣).

стр. 18

وهذا ليس معناه النهي عن السؤال مطلقاً، ولكن عن فَرْضِيَّة المسائل، وعن كيفية المغيبات التي لا يمكن أن تدركها العقول، وتقف أمامها حائرة. - الحالة الرابعة: سؤال التنطع، ويدل عليه قوله ﷺ : «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ (١)» (٢)، ويدخل فيه سؤال بعض الناس لأهل العلم بقصد إظهار العلم والمعرفة! وقد يسأل السائل وهو يعلم، لكن بنية تعليم الناس، فلا بأس بذلك. - الحالة الخامسة: سؤال المراء والجدال، وقد قال النبي ﷺ : «أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا» (٣). - الحالة السادسة: سؤال العالم اختبارًا له فهذا ليس محمودًا، وكل

стр. 19

هذه الأسئلة من التكلف الذي نُهي عنه شرعًا. قوله: (عَنْ مَذْهَبِي): يعني عمَّا أذهب إليه وأقول به وأراه في مسائل الشرائع والأحكام. والمذهب يُطلق ويراد به الأحكام العملية، ويسمى بالفقه الأصغر، ويطلق ويراد به أصول الدين وعلم التوحيد والأسماء والصفات، ويُسمَّى بالفقه الأكبر. وقد اشتهر عند بعض أهل العلم تقسيم الدين إلى فروع وأصول، ويعنون بأصول الدين ما يتعلق بعقائده وأصوله الكبرى، ويعنون بالفروع الأحكام العملية. ولكن يُشكل عليه أن من الأحكام العملية: الصلاة، فهل يستقيم أن تكون الصلاة من فروع الدين؟ وقد قال النبي ﷺ : «بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلاةِ» (١). والصلاة هي عمود الدين، فمتى تُركت سقط الدين كله، وقد أفاض في بيان هذا شيخ الإسلام (٢) , وتلميذه ابن القيم (٣)، والشيخ ابن عثيمين وغيرهم، والمقصود أن هذا التقسيم فيه نظر.

стр. 20

...................... ... رُزِقَ الهُدى مَنْ لِلْهِدايةِ يَسْأَلُ قوله: (وعَقيدَتِي) العقيدة لغة: مأخوذة من العقد، وهو شدُّ الشيء وربطُهُ بإحكام، ومنه عَقْدُ الإزار؛ لأنه يُشدُّ بإحكام، واعتقدت كذا إذا عَقدتَ عليه القلب والضمير. واصطلاحًا: هي الإيمان الجازم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وبكل ما جاء في القرآن الكريم والسنة الصحيحة من أصول الدين وأموره وأخباره, وما أجمع عليه السلف الصالح، والتسليم لله تعالى في الحكم والأمر والقدر والشرع، ولرسوله ﷺ بالطاعة والتحكيم والاتباع (١). قوله: (رُزِقَ الهُدى مَنْ لِلْهِدايةِ يَسْأَلُ) (مَنْ) اسم موصول: فيكون المعنى رزق الهدى الذي يسأل سؤال هداية واسترشاد، فهذا الشطر من البيت فيه دعاء، حيث دعا الناظم للسائل بالهداية، والدعاء بالهداية للنفس مشروع, قال تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦]، وفي «صحيح مسلم»: «اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» (٢)، كما يُشرع الدعاء للغير بالهداية كما في دعاء النبي

стр. 21

اسمَعْ كَلَامَ مُحَقِّقٍ في قَولِه ... .................................. ﷺ لدوس: «اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا وَأْتِ بِهِمْ» (١)، وكدعائه ﷺ لأم أبي هريرة ﵁ بقوله: «اللَّهُمَّ اهْدِ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ» (٢). قوله: (اسمَعْ) فعل أمر، وفيه حث وتحريض وترغيب على سماع العلم النافع؛ لأن من العلم ما ليس بنافع، وكان النبي ﷺ يدعو: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا» (٣)، فينبغي للداعي إذا دعا الله بالعلم أن يقيد ذلك بالعلم النافع، والناظم هنا يقول: (اسمَعْ) أي سماع انتفاع واستجابة. • والسماع على نوعين: - النوع الأول: سماع انتفاع واستجابة؛ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ

стр. 22

إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور:٥١]. - النوع الثاني: سماع مجرد لا يراد من ورائه الانتفاع والاستجابة، كما قال تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء:٤٦]، فهم يسمعون لكن يعاندون. قوله: (كَلامَ مُحَقِّقٍ) أي: كلام عبدٍ مقرٍّ بلسانه، معتقد بجنانه لما يقول, محقق في دينه لا يعتريه شكٌّ ولا رجوع. • والكلام على قسمين: - القسم الأول: الكلام بالحق الذي ينفع صاحبه، وقد يكون مستحبًّا، ويكون واجبًا على حسب ما يقتضيه الحال والمقام. - القسم الثاني: الكلام بالباطل، وهذا محرم، وهو على درجات، فقد ينطق الرجل بكلمة ويخرج بها عن الإسلام، وقد ينطق بها ويكون فاسقًا، ويدخل في هذا القسم علم الكلام الذي حذر منه السلف , وقال عنه الشافعي: «ما تردى أحد بالكلام فأفلح» (١)، والكلام في هذا الموضوع مشهور في كتب العقائد.

стр. 23

وعلماء الكلام قد وقعوا في حيرة وتناقض واضطراب لبعدهم عن الصراط المستقيم والهدي القويم، الذي جاء به كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . وقد رجع كثير من أئمة الكلام الذين بلغوا الغاية فيه إلى مذهب السلف، وتبرؤوا من علم الكلام، وأعلنوا توبتهم منه، فهذا الرازي أحد أكابر أئمة علم الكلام يندب نفسه ويبكي عليها ويقول: نِهَايَةُ إِقْدَامِ الْعُقُولِ عِقَالُ ... وَغَايَةُ سَعْيِ الْعَالَمِينَ ضَلَالُ وَأَرْوَاحُنَا فِي وَحْشَةٍ مِنْ جُسُومِنَا ... وَحَاصِلُ دُنْيَانَا أَذًى وَوَبَالُ وَلَمْ نَسْتَفِدْ مِنْ بَحْثِنَا طُولَ عُمْرِنَا ... سِوَى أَنْ جَمَعْنَا فِيهِ: قِيلَ وَقَالُوا فَكَمْ قَدْ رَأَيْنَا مِنْ رِجَالٍ وَدَوْلَةٍ ... فَبَادُوا جَمِيعًا مُسْرِعِينَ وَزَالُوا وَكَمْ مِنْ جِبَالٍ قَدْ عَلَتْ شُرُفَاتِهَا ... رِجَالٌ، فَزَالُوا وَالْجِبَالُ جِبَالُ (١) قال ابن الصلاح: «أخبرني الطوغائي مرتين أنه سمع فخر الدين الرازي يقول: يا ليتني لم أشتغل بعلم الكلام وبكى».

стр. 24

وقال الرازي أيضًا: العلمُ للرحمنِ ﷻ ... وسِوَاه في جَهَلاتِه يَتَغَمْغَمُ ما للتُّرابِ وللعلومِ وإنَّما ... يسعى ليعلمَ أنَّهُ لا يعلمُ وممن اعترف منهم بالوقوع في الحيرة والأمور المشكلة المتعارضة ابن أبي الحديد المعتزلي، وهو من كبرائهم, حيث قال بعد توغله في علم الكلام: فِيكَ يَا أُغْلُوطَةَ الْفِكَرِ ... حَارَ أَمْرِي وَانْقَضَى عُمُرِي سَافَرَتْ فِيكَ الْعُقُولُ فَمَا ... رَبِحَتْ إِلَّا أَذَى السَّفَر فَلَحَى الله (١) الْأُلَى زَعَمُوا ... أَنَّكَ الْمَعْرُوفُ بِالنَّظَر كَذَبُوا إِنَّ الَّذِي ذَكَرُوا ... خَارِجٌ عَنْ قُوَّةِ الْبَشَر وقال أيضًا: وحسبْتُ أَنِّي بَالغٌ أمَلِي ... فِيمَا طَلَبْتُ ومبرئ شَجَنِي فإذا الذي استكثرتُ منه هو الـ ... جاني عليَّ عظائم المحن فضللتُ في تيهٍ بلا عَلَم ... وغرقتُ في يمٍّ بلا سفن

стр. 25

وكذلك يقول قائلهم مبيِّنًا أنه لم يجد عند الفلاسفة والمتكلمين إلا الحيرة والندم: لَعَمْرِي لَقَدْ طُفْتُ الْمَعَاهِدَ كُلَّهَا ... وَسَيَّرْتُ طَرْفِي بَيْنَ تِلْكَ الْمَعَالِم فَلَمْ أَرَ إِلَّا وَاضِعًا كَفَّ حَائِرٍ ... عَلَى ذَقَنٍ أَوْ قَارِعًا سِنَّ نَادِمِ (١) وقد أجابه محمد بن إسماعيل الصنعاني، مبينًا أثر التمسك بالسنة: لعلَّك أهملت الطَّواف بمعهد الـ ... رَّسول ومن والاه من كلِّ عالمٍ فما حار من يهدي بهدي محمدٍ ... ولست تراه قارعًا سنَّ نادمٍ وقال أبو الفتح القشيري: تجاوزت حد الأكثرين إلى العلا ... وسافرت واستبقيتهم في المفاوز وخضت بحارًا ليس يُدْرَك قعْرُها ... وسيَّرت نفسي في فسيح المفاوز ولجَّجْتُ في الأفكار ثم تراجع اخـ ... ـتياري إلى استحسان دين العجائز

стр. 26

ومن الذين خاضوا في علم الكلام وندموا على ذلك: الجويني حيث قال: «يا أصحابنا: لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي إلى ما بلغ ما اشتغلت به» (١). وقال عند موته: «لقد خضت البحر الخضم، وخليت أهل الإسلام وعلومهم، ودخلت في الذي نهوني عنه، والآن فإن لم يتداركني ربي برحمته فالويل لابن الجويني، وها أنا ذا أموت على عقيدة أمي، أو قال: على عقيدة عجائز نيسابور» (٢). قال شمس الدين الخسروشاهي (٣)، لبعض الفضلاء، وقد دخل عليه يومًا، فقال: ما تعتقد؟ قال: ما يعتقده المسلمون، فقال: وأنت منشرح الصدر لذلك مستيقن به؟ أو كما قال، فقال: نعم، فقال: اشكر الله على هذه النعمة، لكني والله ما أدري ما أعتقد، والله ما أدري ما أعتقد، والله ما أدري ما أعتقد، وبكى حتى أخضل لحيته.

стр. 27

والخلاصة: أن الانشغال بعلم الكلام عديم الفائدة، فالعلم به لا ينفع، والجهل به لا يضر. وفي الحقيقة أن أهل الكلام لا للسنة نصروا، ولا للفلاسفة كسروا، بل غاصوا في بحار الحيرة والشك فاضطربوا في تقرير عقائدهم فحاروا وحيروا، وتعبوا وأتعبوا، ولم يكن ذلك ليحصل لهم لو اعتصموا بالله وأخذوا بما جاء في كتابه وسنة رسوله ﷺ . قال تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران:١٠١]، وقال تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه:١٢٣ - ١٢٦]. قال ابن عباس ب: «تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة» (١). قوله: (مُحَقِّقٍ) أي: أقول هذا القول عن تحقيق, وليس عن ظن, ولا عن تخرص, ولكني جازم بصحة ما أقول. والتحقيق: مأخوذ من الحقيقة التي لا يشوبها شبهة, والتحقيق عند

стр. 28

.................... ... لا يَنْثَني عَنهُ ولا يَتَبَدَّلُ حُبُّ الصَّحابَةِ كُلِّهِمْ لي مَذْهَبٌ ... .................................. أهل العلم: إثبات مسائل العلم بالأدلة الشرعية، والمحقق هو المتثبت المتيقن، المحرر للمسائل حيث لا يعتريه شك ولا رجوع عما اعتقده، ويُطلق على بعض أهل العلم محققون مثل: شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وغيرهما من أهل العلم الراسخين. قوله: (لَا يَنْثَني عَنهُ) أي لا يرجع ولا يتزحزح عمَّا قاله بلسانه واعتقده بجنانه في مسائل الاعتقاد المجمع عليها عند أهل السنة والجماعة. قوله: (ولَا يَتَبَدَّلُ) يعني لا يغير ولا يبدل مذهب سلف الأمة بغيره من المذاهب الباطلة؛ وذلك لأن مذهب السلف مبني على الكتاب والسنة، فاكتسب صفة الثبوت واللزوم وعدم التبديل لا سيما في باب الاعتقاد. وهذا ما يدل على رسوخ الناظم في علمه، واطلاعه على نصوص الكتاب والسُّنة، وما اتفق عليه سلف هذه الأمة، مما دعاه إلى الثبات وعدم التزعزع والتلون في معتقده. قوله: (حُبُ الصَّحابَةِ كُلِّهِمْ) يعني جميعاً بلا استثناء لأحد منهم ﵃ وأرضاهم. قوله: (لي مَذْهَبٌ) أذهب إليه وأُعَوِّلُ في الاعتقاد عليه, وهذه أُولى عقائد أهل السنة التي ذكرها الناظم. وحب الصحابة واجبٌ بإجماع أهل السنة والجماعة؛ لسابقتهم في

стр. 29

الإسلام، ولقربهم من النبي ﷺ ، والحب هو ميل القلب إلى المحبوب لسبب ظاهر أو باطن. قال الطحاوي في «عقيدته»: «ونحب أصحاب رسول الله ﷺ ، ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم, ونبغض من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم, ولا نذكرهم إلا بخير, وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان» (١). وقال أيضًا: «وَمنْ أَحْسَنَ القول في أصحاب رسول الله ﷺ ، وأزواجه الطاهرات من كل دنس، وذرياته المقدسين من كل رجس، فقد برئ من النفاق» (٢). وقال شيخ الإسلام: «المؤمنون يحبون لله ويبغضون لله، كما في «الصحيحين» عن النبي ﷺ أنه قال: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ» (٣)، وفي رواية في «الصحيح»: «لَا يجد حلاوة الْإِيمَان إِلَّا من كَانَ فِيهِ ثَلَاثُ خِصَال: أَن يكون الله ُوَرَسُولُه أحبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سواهُمَا، وَأَن يحب الْمَرْء لَا يُحِبهُ إِلَّا لله، وَأَن يكره أَن يرجع فِي الْكفْر بعد إِذْ أنقذه الله مِنْهُ كَمَا يكره أَن يُلقَى

стр. 30

فِي النَّار»» (١). وعند «أبي داود» من حديث أبي أمامة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «مَنْ أَحَبَّ لله، وَأَبْغَضَ للهِ، وَأَعْطَى لله، وَمَنَعَ للهِ، فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الإِيمَانَ» (٢). ولا يخفى على كل ذي لُبٍّ أن أصحاب رسول الله ﷺ هم أولى من يحب لله وفي الله، كيف لا وهم سادات المؤمنين، وأقوى الناس يقينًا، وأطهرهم قلوبًا، وأزكاهم نفوسًا، وأشدهم إخلاصًا، وأكثرهم بذلًا ونصرًا لدين الله ولرسوله ﷺ . والمقصود أن هذه المسألة - وهي حب الصحابة - من أصول مذهب أهل السنة والجماعة في باب الاعتقاد. قال شيخ الإسلام: «أهل السُّنة والجماعة وسط في أصحاب رسول الله ﷺ بين الغالي في بعضهم, والجافي فيهم، الذي يُكفِّر بعضهم أو يُفسِّقه، وهم خيار هذه الأمة» (٣). وقال أيضًا: «أهل السُّنة في أصحاب رسول الله ﷺ وسط بين الرافضة

стр. 31

والخوارج» (١). فالرافضة - قبحهم الله - يسبون الصحابة ﵃، ويلعنونهم، وربما كفروهم أو كفروا بعضهم، والغالبية منهم - مع سبهم لكثير من الصحابة والخلفاء - يغلون في علي وأولاده، ويعتقدون فيهم الإلهية. وأما الخوارج؛ فقد قابلوا هؤلاء الروافض، فكفروا عليًّا ومعاوية ومن معهما من الصحابة، وقاتلوهم واستحلوا دماءهم وأموالهم (٢). ولا يخفى ما قام به ابن ملجم الخارجي -لعنه الله- حين استحل قتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، ولا شك أن هذا عمل في غاية الزيغ والضلال، وقد قال عمران بن حطان في ذلك شعرًا يمدح ابن ملجم -لعنه الله-، يقول: يَا ضَرْبَةً مِنْ تَقِيٍّ مَا أَرَادَ بِهَا ... إِلَّا لِيَبْلُغَ مِنْ ذِي العَرْشِ رِضْوَانَا إِنِّي لأَذْكُرُهُ حِينًا فَأَحْسِبُهُ ... أَوْفَى البَرِيَّةِ عِنْدَ اللهِ مِيزَانَا فرد عليه شاعر السنة بقوله:

стр. 32

يا ضربة من شقي ما أراد بها ... إلا ليبلغ من ذي العرش خسرانا إني لأذكره حينا فألعنه ... لعنًا وألعن عمران بن حطانا (١) وأما أهل السنة والجماعة فكانوا وسطًا بين غلو هؤلاء وجفاء هؤلاء، فهداهم الله إلى الاعتراف بفضل الصحابة وأنهم أكمل الأمة إيمانًا وإسلامًا وعلمًا وحكمة ولكنهم لم يغلوا فيهم، ولم يعتقدوا عصمتهم، بل أحبوهم لحسن صحبتهم وعظم سابقتهم، وحسن بلائهم في نصرة الإسلام، وجهادهم مع رسول الله ﷺ (٢)، ومحبتهم من الدين. وهناك مسائل تتعلق بالصحابة: - المسألة الأولى: تعريف الصحابي: الصحابي كما قال الإمام البخاري في «الصحيح»: «من صحب النبي ﷺ ورآه من المسلمين فهو من أصحابه»، لكن تعريف البخاري يحتاج إلى قيدين مهمين: أولهما: أن تكون هذه الصحبة والرؤية حال حياة النبي ﷺ .

стр. 33

والثاني: ألا يتخلل ذلك ردة، فإذا تخلل ذلك ردة فليس بصحابي؛ لحبوط فضل الصحبة بالردة، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥]. نستفيد من هذه الآية أن جميع الأعمال تحبط بالشرك والردة، ويدخل في ذلك الصحبة وما فيها من الفضل، والبخاري يقول: «من المسلمين» والمرتد ليس من المسلمين. ولهذا عَرَّف بعض أهل العلم الصحابي بتعريف أدق فقال: «هو من لقي النبي ﷺ مؤمنا به ومات على ذلك»، وقولنا: «من لقي» يشمل من صحبه ﷺ ، ويشمل أيضا من رآه ولو لحظة واحدة, ويشمل أيضًا من لقي النبي ﷺ وهو أعمى. - المسألة الثانية: ما حكم من آمن بالنبي ﷺ ثم ارتد ثم أسلم؟ إذا كان إسلامه بعد الردة في حياة النبي ﷺ ، فهو صحابي؛ لأنه رجع وتاب ورأى النبي ﷺ وتحقق فيه الشرط، أما الرؤية الأولى فإنها حبطت بالشرك والردة، وهذا مفهوم قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥]. - المسألة الثالثة: ما حكم مَن رأى النبي ﷺ بعد ما مات وقبل أن يدفن؟ وقد حدث هذا لرجل جاء من اليمن إلى النبي ﷺ ليحوز شرف الصُّحبة، فلما قَدِم إلى المدينة إذا بخبر وفاة النبي ﷺ يصله. فهذا لا يحظى بشرف الصُّحبة؛ لأنه يشترط أن تكون هذه الرؤية

стр. 34

حال حياة النبي ﷺ . - المسألة الرابعة: ما حكم مَن رأى النبي ﷺ قبل أن يُبعث ولم يره بعد ما بعث، مثل: ورقة بن نوفل؟ قد اختلف في صحبته , والأقرب أنه لا يُعدُّ صحابيًّا؛ لأنه لم ير النبي ﷺ وهو نبيٌّ، وإنما مات قبل أن يبعث, وقد ثبت أن النبي ﷺ رآه وعليه ثِيَابُ بَيَاضٍ، وإنما كان كذلك لأنه على الحنيفية ملة إبراهيم ﵇.أخرج الإمام أحمد في «المسند» والترمذي في «جامعه» من حديث عائشة ﵂: أَنَّ خَدِيجَةَ ل سَأَلَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، فَقَالَ: «قَدْ رَأَيْتُهُ فِي الْمَنَامِ فَرَأَيْتُ عَلَيْهِ ثِيَابَ بَيَاضٍ فَأَحْسِبُهُ لَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ثِيَابُ بَيَاضٍ» (١). - المسألة الخامسة: ما حكم من رأى النبي ﷺ قبل أن يَعقل كمن حنكه صغيرًا مثل عبد الله بن أبي طلحة هل يُعدُّ صحابيًّا؟ الأقرب أنه لا يُعدُّ صحابيًا؛ لأنه يُشترط في الرؤية العقل أو التمييز. - المسألة السادسة: بِمَ تثبت الصُّحبة؟ تثبت بأمور:

стр. 35

أولًا: بالتواتر كصحبة أبي بكر ﵁. ثانيًا: بالشهرة كعُكَّاشة بن محصن فقد اشتهرت صحبته. ثالثًا: إخبار أحد الصحابة عن أحد بأنه صحابي كحمحمة بن أبي حمحمة الذي مات مبطوناً ﵁ وشهد له أبو موسى ﵁ بالصحبة. رابعًا: إخبار ثقة من التابعين، وثقات التابعين كُثر؛ كسعيد بن المسيب, والحسن البصري، وسعيد بن جبير وغيرهم. خامسًا: إخباره عن نفسه إن كان عدلًا بأنه صحابي. - المسألة السابعة: مَن أكثر الصحابة حديثًا؟ الجواب: أبو هريرة، ثم ابن عمر, ثم ابن عباس, ثم عائشة ﵃. - المسألة الثامنة: مَن أكثر الصحابة فتوى؟ الجواب: عبد الله بن عباس ب. - المسألة التاسعة: مَن عبادلة الصحابة ﵃؟ هم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص ﵃. أما ابن مسعود فهو كما قال الإمام أحمد: «ليس ابن مسعود منهم» (١)، قال البيهقي: لتقدم وفاته، وقد توفي سنة (٣٢ هـ).

стр. 36

- المسألة العاشرة: كم عدد الصحابة؟ ليس هناك إحصاء دقيق لعددهم ﵃ وقد اشتهر قول أبي زرعة ﵀: «قبض النبي ﷺ عن مائة ألف وأربعة عشر ألفًا». قال العراقي: «وهذا القول عن أبي زرعه لم أقف على سنده». وروى الساجي في المناقب بسند جيد عن الرافعي أنه قال: «قُبض الرسول ﷺ والمسلمون ستون ألفا، ثلاثون ألفًا بالمدينة وثلاثون ألفًا في قبائل العرب». - المسألة الحادية عشرة: مَنْ آخر الصحابة موتًا؟ هو أبو الطفيل عامر بن واثلة، جزم بذلك الإمام مسلم وابن منده والمِزِّي وغيرهم, وقد جاء في «صحيح الإمام مسلم» عن أبي الطفيل أنه قال: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَمَا عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ رَجُلٌ رَآهُ غَيْرِي» (١). وتوفي أبو الطفيل سنة (١١٠ هـ)، وجاء في «صحيح مسلم» أن النبي ﷺ قال قبل وفاته في السنة العاشرة: «مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ الْيَوْمَ تَأْتِي عَلَيْهَا مِائَةُ سَنَةٍ وَهِيَ حَيَّةٌ يَوْمَئِذٍ» (٢)، وهذا قاله النبي ﷺ في عام (١٠) من الهجرة، ومات أبو الطفيل بعد مائة سنة من كلامه هذا، فكان كما أخبر النبي ﷺ ، وهذا من دلائل نبوته ﷺ . - المسألة الثانية عشرة: من أفضل الصحابة؟ أفضل الصحابة: أهل الحديبية، وأفضل أهل الحديبية: أهل أحد،

стр. 37

وأفضل أهل أحد: أهل بدر، وأفضل أهل بدر: العشرة، وأفضل العشرة: الخلفاء الأربعة، وأفضل الأربعة: أبو بكر الصديق ﵁. - المسألة الثالثة عشرة: مَن أعلم الصحابة؟ أعلم الصحابة أبو بكر ﵁، وقد نص عليه ابن تيمية ﵀ في «منهاج السنة» ونقل عن السمعاني أنه حكى الإجماع على ذلك (١). ومن الأدلة على ذلك: حديث أبي سعيد الخدري ﵁ في «الصحيحين»: «إِنَّ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا مَا شَاءَ وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَهُ» , فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ: فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا, فَعَجِبْنَا لَهُ، وَقَالَ النَّاسُ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا الشَّيْخِ يُخْبِرُ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ عَبْدٍ خَيَّرَهُ اللهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ وَهُوَ يَقُولُ: فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا» (٢). وهذا من دقة فهمه ﵁ حيث علم أن هذا من علامات موته ﷺ ، أما بقية الصحابة ﵃ فلم يدركوا هذا من أول وهلة، ولذا قال أبو سعيد الخدري ﵁ في آخر الحديث: «فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ هُوَ الْمُخَيَّرَ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ هُوَ أَعْلَمَنَا بِهِ». ومما يدل على أنه أعلم الصحابة ما حصل في صلح الحديبية حيث وافق أبو بكر ﵁ الحق، وكان موقفه كموقف النبي ﷺ ، وأيضًا حينما

стр. 38

.................... ... وَمَوَدَّةُ القُرْبَى بِها أَتَوَسَّلُ مات النبي ﷺ ثبَّت الصحابة ﵃، وقاتل مانعي الزكاة، قال عمر ﵁ كما في «الصحيحين»: «فَوَاللهِ مَا هُوَ إِلا أَنْ رَأَيْتُ الله قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ» (١)، وهذه بعض الأدلة التي تدل على فضيلة أبي بكر ﵁ وعلمه، وسبقه. قوله: (وَمَوَدَّةُ القُرْبى بِها أَتَوَسَّلُ) أي: أتقرب إلى الله بمحبة ومودة قرابة النبي ﷺ ؛ لأن محبتهم من الأعمال الصالحة التي يثاب عليها المسلم. وقرابة النبي ﷺ هم أهل بيته الذين لا تحل لهم الصدقة؛ فيدخل في ذلك أزواجه الطاهرات المطهرات ﵅ وأرضاهن بدلالة القرآن كما في قوله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٢، ٣٣]، فالخطاب في هذه الآية موجه إلى نساء النبي ﷺ ، وبهذا يتبين أنهن من أهل بيته ﷺ بنص القرآن. وأولاد النبي ﷺ من أهل بيته؛ ودليل ذلك ما جاء في «صحيح مسلم» عن عائشة لأنها قالت: «خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ غَدَاةً وَعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَحَّلٌ مِنْ

стр. 39

شَعَرٍ أَسْوَدَ، فَجَاءَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ فَأَدْخَلَهُ، ثُمَّ جَاءَ الْحُسَيْنُ فَدَخَلَ مَعَهُ، ثُمَّ جَاءَتْ فَاطِمَةُ فَأَدْخَلَهَا، ثُمَّ جَاءَ عَلِىٌّ فَأَدْخَلَهُ، ثُمَّ قَالَ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣]» (١). وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال لعلي وفاطمة والحسن والحسين: «اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي، فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا» (٢). وأيضًا يدخل في أهل بيت النبي ﷺ : آل علي، وآل جعفر، وآل عقيل، وآل العباس، وبنو الحارث بن عبد المطلب؛ ويدل لذلك ما جاء في «صحيح مسلم»: أن الفضل بن عباس وعبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب طلبا من النبي ﷺ أن يوليهما على الصدقة فقال: «إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَنْبَغِي لآلِ مُحَمَّدٍ، إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ» (٣)، فبيَّن أن ولد العباس وولد الحارث بن عبد المطلب من آل محمد تَحْرم عليهم الصدقة. وفي «صحيح البخاري» أن النبي ﷺ أعطى من سهم ذوي القربى لبني المطلب بن عبد مناف، وقال: «إِنَّمَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ، إِنَّهُمْ لَمْ

стр. 40

يُفَارِقُونِي فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلا إِسْلامٍ، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ» (١). فهؤلاء الخمسة الذين سبق ذكرهم من بني هاشم وهم: (آل علي، وآل جعفر، وآل عقيل، وآل العباس، وبنو الحارث بن عبد المطلب) أقرب إلى النبي ﷺ من بني المطلب، فدخولهم في أهل بيت النبي ﷺ من باب أولى، ولهذا ذهب أهل العلم إلى أن بني هاشم من آل محمد الذين تَحرم عليهم الصدقة ويدخلون في الصلاة على آل محمد، ويستحقون الخمس. وتنازع أهل العلم في بني المطلب بن عبد مناف: هل تحرم عليهم الصدقة ويدخلون في آل محمد ﷺ ؟ على قولين، هما روايتان عن أحمد. والراجح أنهم يدخلون في آل البيت للحديث المتقدم، ولكن هذا لا يكون إلا للمؤمنين منهم، والضابط في معرفة آل بيت النبي ﷺ هو كل من تحرم عليه الصدقة كما في الحديث المتقدم الذي رواه مسلم ﵀ (٢). قال شيخ الإسلام ﵀ -عن آل بيت النبي ﷺ : «هم بنو هاشم كلهم: ولد العباس، وولد علي، وولد الحارث بن عبد المطلب، وسائر بني أبي طالب، وغيرهم» (٣).
следующие страницы →