← Акыда

Акыда · id 45

بدر التمام شرح لامية شيخ الإسلام

عبد الرحمن بن عبد العزيز العقل

Полный текст (111 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

- المسألة العاشرة: كم عدد الصحابة؟ ليس هناك إحصاء دقيق لعددهم ﵃ وقد اشتهر قول أبي زرعة ﵀: «قبض النبي ﷺ عن مائة ألف وأربعة عشر ألفًا». قال العراقي: «وهذا القول عن أبي زرعه لم أقف على سنده». وروى الساجي في المناقب بسند جيد عن الرافعي أنه قال: «قُبض الرسول ﷺ والمسلمون ستون ألفا، ثلاثون ألفًا بالمدينة وثلاثون ألفًا في قبائل العرب». - المسألة الحادية عشرة: مَنْ آخر الصحابة موتًا؟ هو أبو الطفيل عامر بن واثلة، جزم بذلك الإمام مسلم وابن منده والمِزِّي وغيرهم, وقد جاء في «صحيح الإمام مسلم» عن أبي الطفيل أنه قال: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَمَا عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ رَجُلٌ رَآهُ غَيْرِي» (١). وتوفي أبو الطفيل سنة (١١٠ هـ)، وجاء في «صحيح مسلم» أن النبي ﷺ قال قبل وفاته في السنة العاشرة: «مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ الْيَوْمَ تَأْتِي عَلَيْهَا مِائَةُ سَنَةٍ وَهِيَ حَيَّةٌ يَوْمَئِذٍ» (٢)، وهذا قاله النبي ﷺ في عام (١٠) من الهجرة، ومات أبو الطفيل بعد مائة سنة من كلامه هذا، فكان كما أخبر النبي ﷺ ، وهذا من دلائل نبوته ﷺ . - المسألة الثانية عشرة: من أفضل الصحابة؟ أفضل الصحابة: أهل الحديبية، وأفضل أهل الحديبية: أهل أحد،

стр. 37

وأفضل أهل أحد: أهل بدر، وأفضل أهل بدر: العشرة، وأفضل العشرة: الخلفاء الأربعة، وأفضل الأربعة: أبو بكر الصديق ﵁. - المسألة الثالثة عشرة: مَن أعلم الصحابة؟ أعلم الصحابة أبو بكر ﵁، وقد نص عليه ابن تيمية ﵀ في «منهاج السنة» ونقل عن السمعاني أنه حكى الإجماع على ذلك (١). ومن الأدلة على ذلك: حديث أبي سعيد الخدري ﵁ في «الصحيحين»: «إِنَّ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا مَا شَاءَ وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَهُ» , فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ: فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا, فَعَجِبْنَا لَهُ، وَقَالَ النَّاسُ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا الشَّيْخِ يُخْبِرُ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ عَبْدٍ خَيَّرَهُ اللهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ وَهُوَ يَقُولُ: فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا» (٢). وهذا من دقة فهمه ﵁ حيث علم أن هذا من علامات موته ﷺ ، أما بقية الصحابة ﵃ فلم يدركوا هذا من أول وهلة، ولذا قال أبو سعيد الخدري ﵁ في آخر الحديث: «فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ هُوَ الْمُخَيَّرَ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ هُوَ أَعْلَمَنَا بِهِ». ومما يدل على أنه أعلم الصحابة ما حصل في صلح الحديبية حيث وافق أبو بكر ﵁ الحق، وكان موقفه كموقف النبي ﷺ ، وأيضًا حينما

стр. 38

.................... ... وَمَوَدَّةُ القُرْبَى بِها أَتَوَسَّلُ مات النبي ﷺ ثبَّت الصحابة ﵃، وقاتل مانعي الزكاة، قال عمر ﵁ كما في «الصحيحين»: «فَوَاللهِ مَا هُوَ إِلا أَنْ رَأَيْتُ الله قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ» (١)، وهذه بعض الأدلة التي تدل على فضيلة أبي بكر ﵁ وعلمه، وسبقه. قوله: (وَمَوَدَّةُ القُرْبى بِها أَتَوَسَّلُ) أي: أتقرب إلى الله بمحبة ومودة قرابة النبي ﷺ ؛ لأن محبتهم من الأعمال الصالحة التي يثاب عليها المسلم. وقرابة النبي ﷺ هم أهل بيته الذين لا تحل لهم الصدقة؛ فيدخل في ذلك أزواجه الطاهرات المطهرات ﵅ وأرضاهن بدلالة القرآن كما في قوله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٢، ٣٣]، فالخطاب في هذه الآية موجه إلى نساء النبي ﷺ ، وبهذا يتبين أنهن من أهل بيته ﷺ بنص القرآن. وأولاد النبي ﷺ من أهل بيته؛ ودليل ذلك ما جاء في «صحيح مسلم» عن عائشة لأنها قالت: «خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ غَدَاةً وَعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَحَّلٌ مِنْ

стр. 39

شَعَرٍ أَسْوَدَ، فَجَاءَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ فَأَدْخَلَهُ، ثُمَّ جَاءَ الْحُسَيْنُ فَدَخَلَ مَعَهُ، ثُمَّ جَاءَتْ فَاطِمَةُ فَأَدْخَلَهَا، ثُمَّ جَاءَ عَلِىٌّ فَأَدْخَلَهُ، ثُمَّ قَالَ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣]» (١). وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال لعلي وفاطمة والحسن والحسين: «اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي، فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا» (٢). وأيضًا يدخل في أهل بيت النبي ﷺ : آل علي، وآل جعفر، وآل عقيل، وآل العباس، وبنو الحارث بن عبد المطلب؛ ويدل لذلك ما جاء في «صحيح مسلم»: أن الفضل بن عباس وعبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب طلبا من النبي ﷺ أن يوليهما على الصدقة فقال: «إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَنْبَغِي لآلِ مُحَمَّدٍ، إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ» (٣)، فبيَّن أن ولد العباس وولد الحارث بن عبد المطلب من آل محمد تَحْرم عليهم الصدقة. وفي «صحيح البخاري» أن النبي ﷺ أعطى من سهم ذوي القربى لبني المطلب بن عبد مناف، وقال: «إِنَّمَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ، إِنَّهُمْ لَمْ

стр. 40

يُفَارِقُونِي فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلا إِسْلامٍ، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ» (١). فهؤلاء الخمسة الذين سبق ذكرهم من بني هاشم وهم: (آل علي، وآل جعفر، وآل عقيل، وآل العباس، وبنو الحارث بن عبد المطلب) أقرب إلى النبي ﷺ من بني المطلب، فدخولهم في أهل بيت النبي ﷺ من باب أولى، ولهذا ذهب أهل العلم إلى أن بني هاشم من آل محمد الذين تَحرم عليهم الصدقة ويدخلون في الصلاة على آل محمد، ويستحقون الخمس. وتنازع أهل العلم في بني المطلب بن عبد مناف: هل تحرم عليهم الصدقة ويدخلون في آل محمد ﷺ ؟ على قولين، هما روايتان عن أحمد. والراجح أنهم يدخلون في آل البيت للحديث المتقدم، ولكن هذا لا يكون إلا للمؤمنين منهم، والضابط في معرفة آل بيت النبي ﷺ هو كل من تحرم عليه الصدقة كما في الحديث المتقدم الذي رواه مسلم ﵀ (٢). قال شيخ الإسلام ﵀ -عن آل بيت النبي ﷺ : «هم بنو هاشم كلهم: ولد العباس، وولد علي، وولد الحارث بن عبد المطلب، وسائر بني أبي طالب، وغيرهم» (٣).

стр. 41

وقال أيضًا: «فمحبة أهل بيت النبي ﷺ واجبة» (١). والدليل على ذلك ما جاء عند الإمام أحمد من حديث العباس ﵁ قال: «يَا رَسُولَ الله إِنَّا لَنَخْرُجُ فَنَرَى قُرَيْشًا تَحَدَّثُ فَإِذَا رَأَوْنَا سَكَتُوا، فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَدَرَّ عِرْقٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «وَالله لا يَدْخُلُ قَلْبَ امْرِئٍ إِيمَانٌ حَتَّى يُحِبَّكُمْ لله وَلِقَرَابَتِي» (٢). ويدل لذلك أيضًا حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يُبْغِضُنَا أَهْلَ الْبَيْتِ رَجُلٌ إِلَّا أَدْخَلَهُ الله النار» (٣). والخلاصة: أن حب أهل البيت واجب، لكن في أحاديث النبي ﷺ السابقة دليل على وجوب حبهم حبًّا منضبطًا لا كما يفعل الرافضة حيث أوصلوهم إلى الألوهية، ولا شك أن هذا شرك، وأكثر الرافضة اليوم مشركون، وقعوا في الشرك، وإن كان الشيعة في أول الأمر لم يكونوا كذلك، ولكن يُلاحظ في كل البدع أنها تبدأ صغيرةً ثم تكبر وتتطور، حتى تصبح مجمعًا للخرافات والبدع والشركيات التي لا نهاية لها. قوله: (بِها أَتَوَسَّلُ) أي بمحبة آل البيت.

стр. 42

والوسيلة هي: ما يتقرب به إلى الغير. يقال: وَسَلَ فلانٌ إلى ربه وسيلة، وتَوَسَّل إليه بوسيلة إذا تقرب إليه بعمل، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥]، يعني القربة الموصلة إلى رضوانه جل وعلا. والوَاسِلُ: هو الراغب إلى الله تعالى, قال لبيد: أرى الناسَ لا يَدرُونَ ما قَدرُ أمرِهمْ ... بلى كلُّ ذي لبٍّ إلى اللهِ وَاسلُ • و التوسل ينقسم إلى قسمين: - القسم الأول: التوسل المشروع، وله أمثلة كثيرة منها ما يلي: أولًا: التوسل بتوحيد الله كما في دعاء يونس ﵇، كما في قوله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. ثانيًا: التوسل إلى الله بالإيمان، قال تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٣]. ثالثًا: التوسل بأسماء الله الحسنى وصفاته العلى، ودليل التوسل بالأسماء قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠]. وأما التوسل بالصفات فدليله ما جاء عند الترمذي من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا كربه أمر قال: «يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ

стр. 43

أَسْتَغِيثُ» (١). وقد ذكر أهل العلم أن من آداب الدعاء: التوسل إلى الله بذكر الاسم المناسب للمسألة, فإذا أراد أن يسأل الله المغفرة فيتوسل بالغفور، وإذا أراد أن يسأل الله رزقًا فيتوسل إليه بالرزَّاق، ومن أراد أن يسأل الله علمًا نافعًا فإنه يتوسل إليه بالعليم، أو بأي اسم يدل على ذلك وهكذا في بقية الأسماء. رابعًا: التوسل بالأعمال الصالحة كما في قصة الثلاثة الذين انحطت على فم غارهم صخرة، فانطبقت عليهم فتوسلوا بأعمالهم الصالحة ففرج الله لهم (٢). - القسم الثاني التوسل الممنوع، ومن أمثلته ما يلي: أولًا: التوسل إلى الله بسؤال ودعاء الميت وطلبه الشفاعة، وهذا كفر وشرك أكبر مخرج من الملة؛ لأن من فعل ذلك فقد صرف نوعًا من أنواع العبادة لغير الله وهو الدعاء، ومن صرف نوعًا من أنواع العبادة أو فردًا من أفرادها لغير الله فقد كفر به وأشرك معه غيره؛ قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧]. ووجه الدلالة من هذه الآية: أن الله بيَّن أن من يدع مع الله إلهًا

стр. 44

آخر فإنه كافر، حيث قال في آخرها: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾، وفي قوله: ﴿لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ بيان أنه لا يمكن أحدًا أن يكون عنده برهانٌ على تعدد الآلهة (١). وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر:١٣،١٤]، فسمى الله دعاءهم شركًا (٢). «ومن دعا ميتًا أو غائبًا فإنه مشرك؛ لأن الميت أو الغائب لا يمكن أن يقوم بمثل هذا، فدعاؤه إياه يدل على أنه يعتقد أن له تصرفًا في الكون فيكون بذلك مشركًا» (٣). ومما يجب الإحاطة به أن من صرف شيئًا من العبادة لغير الله فإنه يكفر، ولو لم يعتقد فيه الربوبية, خلافًا لمن يقول: إنه لا يكفر إذا عبد غير الله حتى يعتقد فيه الربوبية, والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر:٣]. والشاهد أن هذه الآية فيها أسلوب حصر في قوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزُّمَر:٣]، والحصر هنا يفيد النفي والإثبات فـ (ما) نافية، و (إلا)

стр. 45

مثبة، والحصر هو وجود الحكم في المحصور ونفيه عما سواه. ومن المعلوم أن أسلوب الحصر من أقوى الدلالات على المقصود، فيكون معنى هذا الأسلوب أننا ما عبدناهم إلا لغاية واحدة فقط، وهي طلب القربة، وليس من أجل أن نتخذهم أربابًا من دون الله، ثم ذكر الله في آخر هذه الآية أنهم كفار فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ فكفرهم بهذا الطلب. ثانيًا: التوسل بذات أو جاه أحد الأنبياء أو الصالحين فضلًا عن غيرهم ممن هو دونهم، فهذا العمل بدعة منكرة، لم يدل عليها دليل، ولم يُنقل عن أحد من الصحابة أو سلف الأمة فعل ذلك. يقول شيخ الإسلام ﵀: «من تعبد بعبادة ليست واجبة ولا مستحبة وهو يعتقدها واجبة أو مستحبة فهو ضال مبتدع بدعةً سيئة لا بدعة حسنة باتفاق أئمة الدين، فإن الله لا يُعبد إلا بما هو واجب أو مستحب» (١). شبهة: قد يقول قائل: ماذا عن قول عمر ﵁ كما في «صحيح البخاري»: «اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا قَالَ: فَيُسْقَوْنَ» (٢). وأهل البدع يستدلون بهذا الدليل على جواز التوسل بالصالحين.

стр. 46

وَلِكُلِّهِمْ قَدْرٌ علَا وفضائلٌ ... لكِنَّما الصِّدِّيقُ مِنْهُمْ أَفْضَلُ الجواب: أن عمر ﵁ لم يتوسل بذات أو جاه أو حق العباس ﵁، وإنَّما توسل بدعائه؛ والتوسل بدعاء الشخص الحي الحاضر جائز ولا إشكال فيه، وبهذا يتحقق الجمع بين الأدلة. ثالثًا: التوسل بحق المخلوق كما في قول بعض الناس: «اللهم إني أتوسل إليك بحق فلان عليك، اللهم إني أتوسل بحق الجيلاني عليك أو بحق البدوي أو بحق العالم الفلاني أن تعطيني كذا وكذا». هذا غير مشروع، وليس لأحد من المخلوقين على الله تعالى حق، فعطاءُ الله جل وعلا لأحد من المخلوقين هو تفضلٌ وإحسانٌ منه إليهم، وليس حقًّا على الله لهم، والله أعلم. قوله: (وَلِكُلِّهِمْ قَدْرٌ عَلا وفضائلٌ) جاء في بعض النسخ: «وَلِكُلِّهِمْ قَدْرٌ وَفَضْلٌ سَاطعٌ»، والمثبت في أكثر النسخ: (وَلِكُلِّهِمْ قَدْرٌ عَلا وَفضائل). قوله: (وَلِكُلِّهِمْ) الضمير هنا يعود على جميع الصحابة. (قَدْرٌ) عظيم وشأنٌ رفيع. (عَلا) أي سما على غيره، وهذا معلوم, فهم خير أمة أخرجت للناس، وهم خير القرون كما أخبر بذلك النبي ﷺ جاء ذلك في «الصحيحين» من حديث عمران بن حصين ب (١). قوله: (لكِنَّما الصِّديقُ مِنْهُمْ أَفْضَلُ) (لكنَّ): حرف استدراك وتعقيب، و (ما) زائدة كافة، ولما كان أبو بكر الصديق ﵁، أفضل خلق الله بعد النبيين والمرسلين، كما هو معلوم عند الأمة، ومجمع عليه عند الأئمة

стр. 47

استدرك الناظم ﵀ بقوله: (لكِنَّما الصِّديقُ) يعني أبا بكر ﵁ وأرضاه. (مِنْهُمْ) أي من جملة الصحابة. (أَفْضَل) وهذا بالإجماع، فهو أكثر الصحابة فضائل، واسمه: عبد الله بن عثمان (أبي قحافة) ابن عامر بن عمرو ابن كعب بن سعد بن تيم بن مرة التيمي القرشي، يلقب بالصديق، ويكنى بأبي بكر. وفضائله كثيرة مشهورة جدًّا، منها أنه أول من أسلم من الرجال الأحرار (١)، وأول من جمع القرآن (٢). وكان ﵁ يتحلى بالورع والبعد عن الشبهات حتى إنه قاءَ ما أكل حين علم أنه من كسب حرام (٣)، وصدَّقَ الرسول ﷺ حين كذَّبهُ الناس ولم يتردد

стр. 48

في قبول دعوته إلى الإسلام حين تردَّد وأبى غيره, وواسى رسول الله ﷺ بنفسه وماله حتى قال فيه النبي ﷺ : «إِنَّ الله بَعَثَنِي إِلَيْكُمْ فَقُلْتُمْ كَذَبْتَ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ صَدَقَ, وَوَاسَانِي بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ, فَهَلْ أَنْتُمْ تَارِكُو لِي صَاحِبِي» (١). وهو أخص الصحابة برسول الله ﷺ وصاحبه في الغار (٢)، قال تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠]، فنص القرآن على ثبوت صحبته، وهذه فضيلة لم يشاركه فيها أحد من الصحابة؛ لهذا قال العلماء: من قال: إن أبا بكر لم يكن من الصحابة كفر؛ لتكذيبه نص القرآن. وقد تواتر عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: «خير الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر» (٣). قال شيخ الإسلام: «ونقل عن علي بن أبي طالب ﵁ من نحو ثمانين

стр. 49

وجهًا: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، ويذكر ذلك عن ابن الحنفية كما رواه البخاري، والشيعة تكذبه؛ فهم معه كالنصارى مع المسيح واليهود مع موسى» (١)، يعني: أن الشيعة يكذبون عليًّا كتكذيب النصارى لعيسى واليهود لموسى. وقال الإمام الحافظ الذهبي: «هذا متواتر عن علي ﵁، فلعنة الله على الرافضة ما أجهلهم» (٢). وقد جاء في فضله ﵁ أحاديث، منها ما جاء في «الصحيحين» من حديث أبي سعيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا غَيْرَ رَبِّي لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ وَمَوَدَّتُهُ» (٣). وأيضًا ما جاء في «البخاري» عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُونَ لِي صَاحِبِي, هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُونَ لِي صَاحِبِي, إِنِّي قُلْتُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعًا فَقُلْتُمْ: كَذَبْتَ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: صَدَقْتَ» (٤). ومما قيل فيه شعرًا:

стр. 50

إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة ... فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا خير البرية أوفاها وأعدلها ... بعد النبي وأولاها بما حملا والثاني التالي المحمود مشهده ... وأول الناس منهم صدق الرسلا وقيل فيه أيضًا: وثاني اثنين في الغار المنيف وقد ... طاف العدو به إذ صعد الجبلا وكان حب رسول الله قد علموا ... من البرية لم يعدل به رجلا وكذلك قول الشاعر: وَلكنِّي أُحِبُّ بِكُلِّ قَلْبي ... وَأَعْلَمُ أَنَّ ذَاكَ مِنَ الصَّوَابِ رَسُولَ اللهِ وَالصِّدِّيقَ حُبًّا ... بِهِ أَرْجُو غَدًا حُسْنَ الثَّوَاب وكانت خلافته سنتين وأربعة أشهر، وأما وفاته ﵁ فكانت في جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة للهجرة عن ثلاث وستين سنة. ويأتي بعد أبي بكر في الأفضلية أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بن نفيل العدوي القرشي، يكنى بأبي حفص، ويلقب بالفاروق، أسلم في السنة السادسة من البعثة وفرح المسلمون بإسلامه فرحًا شديدًا فكان عزًّا للإسلام

стр. 51

والمسلمين (١)، وكان ملهمًا مقدامًا شجاعًا قويًّا لا تأخذه في الله لومة لائم، وهو أول من لقب بأمير المؤمنين (٢)، وأول من وضع التاريخ الهجري، وافق ربه في عدة آيات؛ منها: اتخاذ مقام إبراهيم مصلى، وآية الحجاب، وأسارى بدر (٣). تولى الخلافة في السنة التي توفي فيها أبو بكر الصديق ﵁، فكان خير خلف لخير سلف، فقام بالأمر أتم قيام، وفتح بلاد الشام وكرمان وسجستان، وأصفهان ونواحيها، ومناقبه كثيرة، ﵁. وقد جاء في فضله أحاديث منها: ما جاء في «الصحيحين» عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يَا ابْنَ الْخَطَّابِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ سَالِكًا فَجًّا قَطُّ إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ» (٤). وفي «الصحيحين» عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 52

«إِنَّهُ قَدْ كَانَ فِيمَا مَضَى قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ مُحَدَّثُونَ، وَإِنَّهُ إِنْ كَانَ فِي أُمَّتِي هَذِهِ مِنْهُمْ فَإِنَّهُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ» (١). ومما قيل فيه شعرًا: في الجاهلية والإسلام هيبته ... تثني الخطوب فلا تعلو عواديها في طيِّ شدته أسرار رحمته ... للعالمين ولكن ليس يفشيها وبين جنبيه في أوفى صرامته ... فؤاد والدة ترعى ذراريها إن الذي برأ الفاروق نزهه ... عن النقائص والأغراض تنزيها (٢) ومناقبه كثيرة ﵁، من أشهرها أنه كان قويًّا في دين الله شديدًا في الحق لا تأخذه في الله لومة لائم، ثاقب الرأي، حاد الذكاء نير البصيرة، جعل الله الحق على لسانه وقلبه، وقد كان عادلًا فلا يزال المسلمون يذكرونه على مر العصور وتتابع الأزمان، ويتحدثون عن فضائله ومناقبه ويشيدون بعدله الذي صار مضربًا للمثل، وقد كانت خلافته فتحًا، إذ تهاوت في أيامه عروش كسرى وقيصر، فقضى على أعظم دولتين في ذلك الزمان. لكن أهل الغدر مدوا أيديهم ليبوءوا بإثم دم هذا الفاروق العظيم، فقد

стр. 53

قام أبو لؤلؤة المجوسي الخبيث بطَعنِهِ بخنجر في صلاة الصبح فاستشهد ﵁ لأربع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين للهجرة، وسنه آنذاك ثلاث وستون سنة. ويليه في الأفضلية والخلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁، تولى الخلافة في السنة التي توفي فيها عمر ﵁، هاجر الهجرتين، وزَوَّجَه رسول الله ﷺ ابنتيه: رقية، وأم كلثوم؛ ولذلك سُمي بذي النورين، وهو من السابقين الأولين، وأحد العشرة المبشرين، وهو أحد الستة الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض (١). ومما جاء في فضله أن النبي ﷺ جمع ثيابه حين دخل عثمان ﵁ وقال: «أَلَا أَسْتَحِي مِنْ رَجُلٍ تَسْتَحِي مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ» (٢). وأيضاً ما ثبت في «البخاري» من حديث ابن عمر ب أنه قال: «كُنَّا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَا نَعْدِلُ بِأَبِي بَكْرٍ أَحَدًا ثُمَّ عُمَرَ ثُمَّ عُثْمَانَ ثُمَّ نَتْرُكُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ لَا نُفَاضِلُ بَيْنَهُمْ» (٣).

стр. 54

فالمقصود أن له كثيرًا من الفضائل ﵁ وأرضاه، استشهد ثاني أيام التشريق في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين للهجرة النبوية بعد أن حوصر في بيته عشرين يومًا. ورابع الصحابة في الفضل: علي بن أبي طالب ﵁ فهو رابع الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشرين، وصهر النبي ﷺ ، وهو منه بمنزلة هارون من موسى (١)، يُحبُّ الله ورسوله، ويُحبُّه الله ورسوله (٢)، إلى غير ذلك من فضائله المعلومة ﵁. كانت وفاته في تسع عشرة من رمضان سنة أربعين للهجرة، وعمره ثلاث وستون سنة. ويأتي بعد الخلفاء الراشدين في الفضيلة الستة الباقون من العشرة المبشرين، وهم: أولًا: طلحة بن عبيد الله، وقد جاء في فضله ما ثبت في «صحيح مسلم» من حديث أبي هريرة ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ عَلَى حِرَاءٍ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ، فَتَحَرَّكَتِ الصَّخْرَةُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اهْدَأْ فَمَا عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ» (٣).

стр. 55

ثانيًا: سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، ومما جاء في فضله ما ثبت عن النبي ﷺ كما عند «الترمذي» وأحمد في «مسنده» عن عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله ﷺ : «أَبُو بَكْرٍ فِي الْجَنَّةِ، وَعُمَرُ فِي الْجَنَّةِ، وَعُثْمَانُ فِي الْجَنَّةِ، وَعَلِيٌّ فِي الْجَنَّةِ، وَطَلْحَةُ فِي الْجَنَّةِ، وَالزُّبَيْرُ فِي الْجَنَّةِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي الْجَنَّةِ، وَسَعْدٌ فِي الْجَنَّةِ، وَسَعِيدٌ فِي الْجَنَّةِ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ فِي الْجَنَّةِ» (١). ثالثًا: سعد بن أبي وقاص الذي قال له النبي ﷺ : «ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي» كما في «الصحيحين» عن علي ﵁ قال: «مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُفَدِّي رَجُلًا بَعْدَ سَعْدٍ؛ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي» (٢). رابعًا: عبد الرحمن بن عوف الذي جاء في فضائله قول النبي ﷺ : «اللَّهُمَّ اسْقِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ مِنْ سَلْسَبِيلِ الْجَنَّةِ» (٣). خامسًا: أبو عبيدة عامر بن الجراج جاء في فضله ما رواه حذيفة قال: «جَاءَ أَهْلُ نَجْرَانَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ ابْعَثْ إِلَيْنَا رَجُلًا أَمِينًا. فَقَالَ: «لأَبْعَثَنَّ إِلَيْكُمْ رَجُلًا أَمِينًا حَقَّ أَمِينٍ حَقَّ أَمِينٍ». قَالَ: فَاسْتَشْرَفَ لَهَا النَّاسُ، قَالَ: فَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ» (٤).

стр. 56

سادسًا: الزبير بن العوام، الذي قال عنه النبي ﷺ : «إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا وَحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ» (١). وقد جمع أحدهم العشرة في بيتين، فقال: للمصطفى خيرُ صحبٍ نَصَّ أنَّهم ... في جنةِ الخلدِ نصًّا زادهم شرفا هم طلحةٌ وابنُ عوفٍ والزبيرُ إلى ... أبي عبيدةَ والسعدانِ والخلفا وهناك نماذج لبعض فضائل الصحابة ﵃ من غير العشرة، فمن ذلك دعاؤه ﷺ لابن عباس ﵁: «اللَّهُمَّ فَقِّهه فِي الدِّينِ» (٢). وقوله عن ابن عمر ب كما في «الصحيحين»: «نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللهِ لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ» (٣)، ومن ذلك قوله ﷺ عن سعد بن معاذ ﵁:

стр. 57

«اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ» (١). وإخباره ﷺ عن عبد الله بن سلام: «أنه في الجنة» (٢). ومن ذلك أيضا دعاؤه ﷺ لحسان ﵁ بقوله: «اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ» (٣). ودعاؤه ﷺ لحافظ الأمة أبي هريرة ﵁ ولأمه حينما قال ﷺ كما في «الصحيحين»: «اللَّهُمَّ حَبِّبْ عُبَيْدَكَ هَذَا - يَعْنِي أَبَا هُرَيْرَةَ - وَأُمَّهُ إِلَى عِبَادِكَ الْمُؤْمِنِينَ وَحَبِّبْ إِلَيْهِم الْمُؤْمِنِينَ قال أبو هريرة ﵁: فَمَا خُلِقَ مُؤْمِنٌ يَسْمَعُ بِي وَلا يَرَانِي إِلا أَحَبَّنِي» (٤).

стр. 58

وَأَقُولُ ........................ ... .................................. ولذا أهل الإيمان كلهم مجمعون على محبته ﵁ بخلاف من في قلبه مرض كالرافضة، ومن يحارب السنة ويسعى إلى إسقاطها، فإنهم يطعنون في أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، ويتهمونه في أمانته، وبعضهم يتهمه في حفظه، ولا شك أن هذا خطير؛ لأن اتهامه ﵁ إسقاط لكثير من الأحكام التي نقلها، وإسقاط لجميع ما جاء عن النبي ﷺ من طريقه ﵁، لكن أهل العلم ﵏ تصدوا لهم، وألفوا الكتب الكثيرة في الدفاع عن أبي هريرة ﵁ (١). ومن أراد التوسع فليرجع إلى كتاب مناقب الصحابة في «الصحيحين»، ومن أوسع وأفضل ما أُلف في هذا الباب كتاب «فضائل الصحابة» للإمام أحمد ﵀، وقد خرج محققًا في مجلدين. قوله: (وَأَقُولُ) يعني بلساني معتقدًا بقلبي. والقول له إطلاقات: فتارة يطلق ويراد به الرأي، وتارة يطلق فيشمل قول القلب واللسان، كما هو الحال في هذا البيت، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [سورة البقرة: ١٣٦] أي: قولوا ذلك بقلوبكم إيمانًا واعتقادًا، وبألسنتكم نطقًا وتلفظًا.

стр. 59

وَأَقُولُ فِي القُرآنِ ما جاءَتْ بِهِ ... آياتُهُ فَهُوَ الكَريمُ المُنْزَلُ قوله: (فِي القُرآنِ) أي في مسألة القرآن العظيم. قوله: (ما جاءَتْ بِهِ آياتُهُ) (ما) موصولة بمعنى الذي، (جاءَتْ بِهِ آياتُهُ) البينات وسُوَرُه المنزلات. قوله: (فَهُوَ) أي القرآن فالضمير يرجع إليه. قوله: (الكَريمُ المُنْزَلُ) أي الذي أنزله الله تعالى على نبيه محمد ﷺ بواسطة جبريل ﵇. جاء في بعض النسخ (القديم المنزل) والأصح أنها (الكريم المنزل)، لسببين: الأول: أن أكثر النسخ على ذلك. الثاني: أن هذا هو الموافق لطريقة السلف، إذ لم يكونوا يستحبون التلفظ بلفظ القديم عن القرآن، ولهذا نص جماعة من أهل التحقيق كشيخ الإسلام ابن تيمية أن لفظة القديم ليست من كلام السلف، وبيَّن ﵀ في كتابه «التسعينية» أنه لم يقل أحد من السلف والأئمة: إن القرآن قديم. • والناظم وصف القرآن بوصفين: - الوصف الأول: أنه كريم كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة:٧٧]. - الوصف الثاني: أنه منزل كما قال تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ

стр. 60

عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء:١٠٦]. ويقول تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل:١٠٢]. ويقول : ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل:١٠١]، وغيرها من الآيات. وماذا نستفيد من وصف الناظم للقرآن بهذين الوصفين؟ ولماذا اختارهما دون بقية الأوصاف؟ o الجواب: لأجل اتباع طريقة القرآن والالتزام بالأوصاف التي جاءت في القرآن عن القرآن؛ وأولى من يؤخذ قوله في القرآن من تكلم به وهو الله . أما بالنسبة لكيفية نزول القرآن فالأصح عند أهل العلم أنه نَزَلَ إلى سماء الدنيا ليلة القدر جملة واحدة، ثم بعد ذلك نزل به جبريل منجمًا حسب الأحداث والوقائع خلال ثلاث وعشرين سنة. وقد صرَّح بذلك ابن عباس ﵁ حيث قال: «فُصِلَ القرآن من الذكر فوضع في بيت العزة من السماء الدنيا، فجعل جبريل ﵇ ينزل به على النبي ﷺ » (١). والمقصود أن الناظم ﵀ أراد أن يبين في هذا البيت أن قوله واعتقاده في

стр. 61

القرآن بأنه كلام الله لفظًا ومعنًى هو الصحيح الموافق لما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ويبين ذلك ما يلي: أولًا: أنه كتاب معجز، قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨]. يعني لو اتفقت الخلائق كلها من جن وإنس على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله، بل تحداهم الله بأن يأتوا بسورة مثله فلم يستطيعوا. ثانيًا: أنه منزل من عند الله ، كما قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩]، وقال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام:١٥٥]، وقال تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء:١٠٦]. ولهذا كان من الواجب اعتقاد أن القرآن كلام الله المنزل، خلافًا للمبتدعة الذين أنكروا أن يكون الله تعالى تكلم بالقرآن، كما كان من الجعد ابن درهم حيث أنكر أن الله تعالى كلَّمَ موسى ﵇ تَكْلِيمًا، وأنه اتخذ إبراهيم ﵇ خليلًا. ولهذا أفتى علماء ذلك العصر بردة الجعد؛ لأنه كذب بالقرآن، والتكذيب بالقرآن ولو بحرف واحد ردة عن دين الإسلام، وقد أفتى العلماء بوجوب قتله، وصرَّح بذلك الحسن البصري ﵀. فاستجاب لهذه الفتوى الإمام السُّنِّي خالد بن عبد الله القسري أمير العراق بواسط، ولما كان يوم العيد خطب الناس خُطبةً بليغةً جاء في آخرها:

стр. 62

«أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضحٍّ بالجعد بن درهم؛ فإنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا، ولم يكلم موسى تكليمًا، تعالى الله عما يقول الجعد وأضرابه علوًا كبيرًا» (١)، ثم نزل بعد ذلك أمام الناس وذبح الجعد، تقبل الله تعالى منه هذه الأضحية. والسلف -رحمهم الله تعالى- كانوا يحرصون على قطع دابر البدع والفتن، ومع أنهم رحمهم الله تعالى ورضي عنهم ضحوا بهذا المبتدع وقتلوه إلا أن بدعته قد سرت، وبقيت عند بعض أهل الضلال كالجهم بن صفوان، فقد أخذ هذه البدعة عن الجعد بن درهم ونشرها. والمقصود أن سلف الأمة -رحمهم الله تعالى- يثبتون أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وأن الله قد تكلم به على الحقيقة. قال شيخ الإسلام: «مذهب سلف الأمة وأئمتها من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وسائر أئمة المسلمين كالأئمة الأربعة وغيرهم، ما دل عليه الكتاب والسنة، وهو الذي يوافق الأدلة العقلية الصريحة أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق» (٢). وقال ﵀: «الكلام كلام الله حقيقة، والكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئًا لا إلى من قاله مبلغًا مؤديًا، فالكلام كلام البارئ والصوت هو

стр. 63

صوت القارئ» (١). • وما معنى قولهم عن القرآن «منه بدأ»؟ قال الإمام أحمد وغيره: منه بدأ، أي هو المتكلم به، ولم يبتدِ من غيره كما قالت الجهمية القائلون بأن القرآن مخلوق، قالوا: خلقه في غيره فهو مبتدأ من ذلك المحل المخلوق (٢). وقال ابن تيمية ﵀ في «التسعينية»: «وهنا قولان في مسألة القرآن الكريم: الأول: قول ابن كُلَّاب حيث قال: الحروف حكاية عن كلام الله وليس من كلام الله؛ لأن الكلام لا بد أن يقوم بالمتكلم، والله يمتنع أن يقوم به حروف وأصوات؛ فوافق الجهمية والمعتزلة في هذا النفي. الثاني: قول الأشعري حيث قال: إن القرآن عبارة عن كلام الله» (٣). والصحيح مذهب أهل السُّنة والجماعة وهو القول بأن القرآن كلام الله حقيقة. والخلاصة: أن السلف ﵏ يؤمنون بأن الله قد تكلم بالقرآن وأنه أنزله، فيصفون القرآن بأنه منزل وليس بمخلوق، وأن صفة الكلام صفة مدح وكمال ونفيها نقص وعيب في حق الله, تعالى الله عن ذلك علوًّا

стр. 64

كبيرًا، ويبدِّعون من قال: إن القرآن مخلوق أو توقف في ذلك ويسمونهم الواقفة وهم الذين سكتوا وتوقفوا؛ وتفصيل المسألة كما يلي: أولًا: الجهمية والمعتزلة: قالوا: إن القرآن مخلوق؛ وهو عبارة عن حروف وأصوات خلقها الله ونسبها إليه تشريفًا وتعظيمًا. ثانيًا: الواقفة: وهم الذين يقولون: إن القرآن كلام الله ولكنهم توقفوا، فلم يقولوا إنه مخلوق أو غير مخلوق، وخالفوا أهل السنة والجماعة الذين يفصحون ويصرحون بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، والحقيقة أنهم قوم شُكَّاكٌ من أتباع الجهمية، فهم لم يقولوا بذلك إلا لتأثرهم ببدعة الجهمية ولذلك قال الإمام أحمد: «الواقفة جهمية». وقد وصفهم ابن أبي داود في «حائيته» بأنهم أتباع لجهم فقال: وَلا تَكُ فِي القُرْآنِ بالوَقْفِ قَائِلًا ... كَمَا قَالَ أتْبَاعٌ لِجَهْمٍ وَأَسْجَحُوا أما أهل السُّنة والجماعة فقالوا: إن القرآن كلام الله تكلم به حقيقة بحرف وصوت مسموع، وأنه منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود. ولا شك ولا ريب أن مذهب أهل السنة والجماعة هو المذهب الحق في هذه المسألة العظيمة؛ لأنه موافق لما جاء في نصوص الوحيين التي من تمسك بها هُدِيَ إلى صراطٍ مستقيم، قال تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران:١٠١].

стр. 65

وأدلة مذهب السلف في ذلك كما يلي: أولًا: قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ الآية [الفتح:١٥]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]. فهاتان الآيتان وغيرهما دليل على أن القرآن هو كلام الله. ثانيًا: قولهم: إن الله تكلم به حقيقة بصوت مسموع، دليله ما جاء في حديث ابن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا تَكَلَّمَ اللهُ بِالْوَحْيِ سَمِعَ أَهْلُ السَّمَاءِ لِلسَّمَاءِ صَلْصَلَةً كَجَرِّ السِّلْسِلَةِ عَلَى الصَّفَا فَيُصْعَقُونَ، فَلَا يَزَالُونَ كَذَلِكَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ جِبْرِيلُ، حَتَّى إِذَا جَاءَهُمْ جِبْرِيلُ فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ. قَالَ: فَيَقُولُونَ: يَا جِبْرِيلُ مَاذَا قَالَ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: الْحَقَّ، فَيَقُولُونَ: الْحَقَّ الْحَقَّ» (١). فالحديث يدل على أن أهل السماء يسمعون كلام الله إذا تكلم بالوحي، والسماع لا يمكن أن يتحقق إلا إذا كان بصوت مسموع، ومن المعلوم أن القرآن يدخل في عموم لفظ الوحي. ثالثًا: وأما قولهم: «بحرف»، فدليله ما جاء أيضًا من حديث ابن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا لَا أَقُولُ ﴿الم﴾ حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ

стр. 66

حَرْفٌ» (١). رابعًا: وأما قولهم: «منزل غير مخلوق»، فدليله قول الله : ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة:١٨٥]، وقوله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء:١٠٦]. خامسًا: وأما قولهم: «منه بدأ» , فدليله قوله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل:١٠٢]. ﴿قُلْ نَزَّلَهُ﴾ أي: القرآن، ﴿رُوحُ الْقُدُسِ﴾ الرُّوحُ: هو جبريل ﵇، والْقُدُس: الطُّهْر، والمعنى نزله الروحُ المطَهَّرُ، فهو من باب إضافة الموصوف إلى صفته وقوله: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ (مِنْ) هنا لابتداء الغاية، فيكون المعنى أن ابتداء تنزيل القرآن من عند الله . سادسًا: وقولهم: «وإليه يعود»، أي: أن القرآن يرجعُ إلى اللهِ تعالى؛ لأنه يرفع في آخر الزمان فلا يبقى منهُ شيءٌ في الصدور ولا في المصاحف، وذلك من علامات الساعة، كما في حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُبْعَثَ رِيحٌ حَمْرَاءُ مِنْ قِبَلِ الْيَمَنِ، فَيَكْفِتُ اللهُ بِهَا كُلَّ نَفْسٍ تُؤْمِنُ بالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَمَا يُنْكِرُهَا النَّاسُ مِنْ قِلَّةِ مَنْ يَمُوتُ فِيهَا: مَاتَ شَيْخٌ فِي بَنِي فُلَانٍ، وَمَاتَتْ عَجُوزٌ فِي بَنِي فُلَانٍ، وَيُسْرَى عَلَى كِتَابِ الله، فَيُرْفَعُ إِلَى السَّمَاءِ، فَلَا

стр. 67

وأقولُ قَالَ اللهُ ﷻ ... والمصطفى الهادي ولَا أَتأوَّلُ يَبْقَى فِي الْأَرْضِ مِنْهُ آيَةٌ ... » (١). وجاء في حديث حذيفة بن اليمان ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «وَلَيُسْرَى عَلَى كِتَابِ الله فِي لَيْلَةٍ فَلَا يَبْقَى فِي الْأَرْضِ مِنْهُ آيَةٌ» (٢). وبهذا يتبين لنا أن مذهب أهل السنة والجماعة هو المذهب الحق الموافق لنصوص الكتاب والسنة بلا شك ولا ريب (٣). قوله: (وأقولُ قَالَ اللهُ) أي: أقول مثل ما قال سبحانه، وقد قال تعالى: ﴿تَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٣]. قوله: (والمصطفى الهادي) أي: وأقول كما قال النبي ﷺ ؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. ومما ينبغي الإشارة إليه هنا وسطية أهل السُّنة والجماعة في حق الرسول الكريم ﷺ حيث يشهدون له بالرسالة والاصطفاء ويتبعون جميع ما جاء به من أصول الدين والإيمان والشرائع والأحكام.

стр. 68

وأهل السنة وسط في محبة النبي ﷺ بين الغالين فيه والجافين عنه، فهم يحبونه ﷺ ويعتقدون أنه خير البشر وسيد المرسلين وخاتم النبيين، ويرون أن أكمل المؤمنين إيمانًا أكثرهم له محبة واتباعًا. وهم مع ذلك يعتقدون أنه بشر لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعًا ولا ضرًّا لأنه بشر، بخلاف الذين غلوا فيه فرفعوه فوق منزلته واعتقدوا أنه يجيب دعاء من دعاه، فصرفوا له العبادة من دون الله، وبذلك خالفوا ما جاء فيه من نصوص الوحيين، كحال غلاة الصوفية الذين يقول قائلهم في شأن النبي ﷺ : يا أكرمَ الخلقِ ما لي من أَلوذُ به ... سواكَ عند حلولِ الحادثِ العَمَم إن لم تكن آخذًا يوم المعاد يدي ... فضلًا وإلا فقل يا زلة القدم ... بيدي فإن من جودك الدنيا وضرَّتَها ... ومن علومك علم اللوح والقلم قال ابن رجب ﵀: «إنه لم يترك لله شيئًا ما دامت الدنيا والآخرة من جود الرسول ﷺ » (١). إلى غير ذلك من الغلو الذي يخرج صاحبه من دائرة الإسلام، نسأل الله السلامة والعافية، وأهل السُّنة أيضًا ليسوا جفاة في حقه كالذين أعرضوا عن شرعه ولم يعملوا بما جاء به، أو الذين ادعوا أن شريعته قد نسخت بشريعة

стр. 69

أخرى كحال غلاة الباطنية الذين يقول قائلهم (١): خُذي الدُّفَّ يا هذه واضربي ... وغني هزاريك ثم اطربي تولَّى نبيُّ بني هاشم ... وهذا نبيُّ بني يعرب لكل نبيٍّ مضى شرعةٌ ... وهذي شريعة هذا النبي فقد حطَّ عنا فروض الصلاة ... وفرض الصيام فلم نتعب إذا الناس صلوا فلا تنهضي ... وإن صَوَّموا فكلي واشربي ولا تطلبي السعي عند الصفا ... ولا زورة القبر في يثرب إلى آخر ما قاله من الكفر الصراح البواح. وبما سبق يتبين لنا وسطية أهل السُّنة والجماعة بين أهل الضلال في حق الرسول الكريم ﷺ . قوله: (ولا أَتأوَّلُ): التأويل له معنيان: الأول: بمعنى التفسير، كقول الطبري: «القول في تأويل قوله تعالى كذا». الثاني: بمعنى الحقيقة التي يؤول إليها الشيء: مثل قوله تعالى:

стр. 70

﴿ذلك خيرٌ وأحسن تأويلا﴾ [النساء: ٥٩]، وهذا معناه في القرآن. وهناك معنى ثالث: وهو صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه إلى معنًى آخر غير متبادر، وهذا اصطلاح حادث لدى العلماء، وهذا النوع من التأويل له ثلاث حالات: ١ - صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه لدليلٍ صحيحٍ من كتابٍ أو سنةٍ، فهذا النوع مقبولٌ بلا اختلاف. ٢ - صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه لشيءٍ يعتقده المجتهد دليلًا، وهو في نفس الأمر ليس بدليلٍ. ٣ - صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه لا لدليلٍ. فالنوع الأول: يُسمى تأويلًا صحيحًا وقريبًا، وهو الواجب اتباعه. وأما الثاني: فيسمى تأويلًا فاسدًا وبعيدًا، ولا يصح اتباعه؛ لأنه حملٌ للفظ على غير ظاهره لغير دليلٍ، وهذا كتأويلات بعض الفقهاء للنصوص الصحيحة الصريحة. والنوع الثالث: لا يسمى تأويلًا، بل هو تلاعبٌ بالكتاب والسنة، وهذا مثل تأويلات الروافض. وشيخ الإسلام ﵀ يقصد بالتأويل هذا النوع الثالث من التأويل، وقد يدخل في ذلك النوع الثاني أيضًا.

стр. 71

وجميعُ آياتِ الصِّفاتِ أُمِرُّها ... حَقًّا كما نَقَلَ الطِّرازُ الأَوَّلُ هذا ما لزم تقريره في هذا المقام باختصارٍ، والله الموفق (١). قوله: (وجميعُ آياتِ الصِّفاتِ) يعني الواردة في نصوص الوحيين. قوله: (أُمِرُّها حَقًّا) يعني على حقيقتها التي وردت فلا أصرف شيئًا من نصوص الصفات عن ظاهره بغير دليل؛ لأن التأويل ليس من مذهب أهل السنة والجماعة وإنما يتقيدون بما جاء عن الله وعن رسوله ﷺ . قوله: (كما نَقَلَ الطِّرازُ الأَوَّلُ) أي الرعيل الأول من سلف الأمة ابتداءً من الصحابة فمن دونهم من أئمة الدين والعلم، وأراد الناظم ﵀ أن يبين في هذا البيت: أنه يقول في هذا الباب بما جاء في القرآن، وما قال به النبي الكريم الذي وصف ربه بجملة من الصفات من ذلك قوله ﷺ : «يَنْزِلُ اللهُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ» (٢) , وأيضا وصف ربه بالضحك فقال ﷺ كما في «الصحيحين»: «يَضْحَكُ اللهُ إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ يَدْخُلانِ الْجَنَّةَ؛ يُقَاتِلُ هَذَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلُ, ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ عَلَى الْقَاتِلِ فَيُسْتَشْهَدُ» (٣) , كما وصف ربه بالعَجَبِ فقال ﷺ : «عَجِبَ رَبُّنَا مِنْ قَوْمٍ يُقَادُونَ إِلَى الْجَنَّةِ فِي

стр. 72

السَّلاسِلِ» (١)، وغير ذلك من الأوصاف التي جاءت عن النبي ﷺ وسيمر بنا التفصيل في ذلك في شرح الواسطية إن شاء الله تعالى. والخلاصة: أن أهل السُّنة والجماعة لا يتكلفون في صرف النصوص عن ظاهرها بغير دليل بل يَسَعُهم ما وَسِعَ الصحابة ومن بعدهم من أئمة الدين الأثبات. ومما ينبغي الإشارة إليه هنا أن المراد بإمرار الصفات الأخذ بمعانيها دون تكييفها، فأهل السنة والجماعة يثبتون معاني الصفات على ما يليق بجلال الله لكنهم لا يكيفونها، فيثبتون معاني للصفات ويفوضون كيفيتها، قال سفيان بن عيينة: «كل شيء وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره، لا كيف ولا مثل» (٢). • وهنا قد يرد سؤال وهو: هل معنى ذلك أنه ليس لصفات الله كيفية؟ أو نقول: لها كيفية لكن نجهلها؟ o الجواب: أن لها كيفيةً ولكن نجهلها؛ ولهذا لا يجوز أن نكيف هذه الصفات؛ لأن النصوص لم تكيفها، وكان العديد من السلف يعبر بقوله: «أَمِرُّوها كما جاءت بلا كيف» أي: بلا كيف معلوم لنا؛ فهو نفي للعلم بالكيفية، وليس نفيًا للكيفية؛ لأن ما لا كيفية له لا وجود له، تعالى الله عن

стр. 73

ذلك علوًّا كبيرًا. إذًا نقول: إن صفات الله لها كيفية لا نعلمها، ولذلك قال الإمام مالك: «والكيف مجهول» ولم يقل: الكيف معدوم. وهذه الجملة «أمروها كما جاءت بلا كيف» تحتها العديد من المعاني كالرد على المبتدعة من المعطلة والمشبهة وغيرهم. فالمعطلة أثبتوا الأسماء ونفوا الصفات، فالعبارة فيها ردٌّ عليهم حيث إنهم عطلوا الصفات خوفًا من أن يشبهوها بالمخلوق، وكذلك فيها ردٌّ على المشبهة الذين شبهوا أوصاف الله بأوصاف خلقه. قال شيخ الإسلام في «الحموية»: «فقولهم أمروها كما جاءت رد على المعطلة، وقولهم بلا كيف رد على المشبهة» (١). وأهل السُّنة وسط بين هؤلاء وهؤلاء، فأثبتوا الصفات وفق ما وصف الله به نفسه، ووصفه به رسوله ﷺ ، ولم يقعوا في التشبيه. وبهذا يتبين لنا أن طريقة أهل السُّنة والجماعة في صفات الله هي الإثبات بلا تشبيه والتنزيه بلا تعطيل؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].

стр. 74

• وهنا مسألة وهي ما الفرق بين المشبهة والمعطلة؟ o الجواب: المشبهة هم الذين شبهوا الله بخلقه، والمعطلة هم الذين عطلوا الصفات ونفوها. والتشبيه نوعان: الأول: تشبيه الخالق بالمخلوق: وهو أن يثبت لله تعالى في ذاته أو صفاته من الخصائص مثل ما يثبت للمخلوق، كقول القائل: إن يدي الله كأيدي المخلوقين، أو نزوله كنزوله، ونحو ذلك. الثاني: تشبيه المخلوق بالخالق: فهو أن يثبت شيئًا للمخلوق مما يختص به الخالق من الأفعال والحقوق والصفات، كفعل من أشرك في الربوبية أو كمن أشرك في الألوهية وكفعل الغلاة في مدح النبي ﷺ (١). والمعطلة ينقسمون إلى قسمين: ١ - المؤوِّلة: وهم الذين صرفوا معاني صفات الله تعالى عن ظاهرها المتبادر إلى معنى آخر غير متبادر لا دليل عليه ولا مرجح له. ٢ - المفوضة: وهم الذين يفوضون معاني الأسماء والصفات لله تعالى ولا يثبتون منها شيئًا.

стр. 75

وأَرُدُّ عُهْدَتَها إلى نُقَّالِهَا ... وأَصُونُها عَنْ كُلِّ مَا يُتَخَيَّلُ وقد اتفق المؤولة والمفوِّضة على صرف نصوص الصفات عن ظاهرها المتبادر المعتبر، ونفوا الصفات المأخوذة منها، ولكن المؤوِّلة أولوها بمعانٍ أخرى بعقولهم، بينما فوَّض المفوِّضة معانيها، ولم يفسروها. وهناك فرق بين أهل السُّنة والمفوضة: يتبيَّن بالمثال التالي: وهو أنَّ من أسماء الله تعالى (الرحمن) فأهل السُّنة يثبتون هذا الاسم، ويأخذون منه صفة الرحمة، أما المفوضة فهم يثبتون الأسماء ولكن يفوضون معانيها إلى الله، وهم بذلك يثبتون أن القرآن ليس له معانٍ مفهومة. ولهذا قال أهل السُّنة: المفوضة شر الطوائف؛ لأن ظاهرها التورع والاحتياط، وباطنها تكذيب القرآن، وأنه لا معنى ولا حقيقة له. قوله: (وأَرُدُّ عُهْدَتَها إلى نُقَّالِهَا) المراد بالذي تُرَدُّ العهدة فيه إلى النُقَّال هو باب الصفات فلا يُتَكَلَّم في شيء من هذا الباب إلا بوحي، والمراد بالنُقَّال هم أهل العلم الذين نَقَلُوا هذه الأحاديث من لدن الصحابة ﵃ ثم التابعين ومن جاء بعدهم. قوله: (وأَصُونُها عَنْ كُلِّ مَا يُتَخَيَّلُ) أي: يصون ما جاء في هذا الباب عن التأويل والتحريف والتعطيل والتكييف، ويصون الصفات أيضًا عن التخيل فإن الله أجل وأعظم من أن تتخيل صفاته. وأما الخواطر التي تَرِدُ على النفس، فلا يسلم منها أحد، بل لم يسلم منها الصحابة ﵃ حتى قالوا:
следующие страницы →