← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 461

صيام ستة أيام من شوال - ضمن «آثار المعلمي»

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (54 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الرسالة السابعة والعشرون صيام ستة أيام من شوال

стр. 2

[ص ١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين حمدًا يُوافي نِعَمَه ويكافئ مزيدَه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه. أما بعد، فإنني سُئلتُ عن صيام ستة أيام من شوال، وذُكِر لي عن رجلٍ من ذوي الفضل والصلاح أنه يقول: إن صيامها بدعة، وإن حديثها موضوع، لأنه تفرد به سعد بن سعيد الأنصاري، وقد طعن فيه أئمة الحديث. فأقول: أما قوله: "إن صيامها بدعة" فيُبطله ما ستعلمه من صحةِ الحديث وعملِ بعض الصحابة والتابعين به، وإطباقِ المذاهب على استحباب صيامها. وأما قوله: "إن الحديث موضوع" فعجيب، فإن أئمة الحديث منهم من صرَّح بصحته، ومنهم مَن عمل به وأفتى واقتضى ذلك تصحيحَه له، ومنهم من رواه ووثَّق رواته، ومنهم من بلغه ذلك ولم يأتِ عنه إنكارٌ له، اللهم إلّا عبارة لمالك ﵀ يُعلَم بتدبُّرها أنها لا تُخالف ذلك. ولم أر في كتب فقه الحديث نقلًا عن أحدٍ من أهل العلم أنه أنكر صحةَ الحديث فضلًا عن القول بأنه ضعيف، إلَّا أن يتردّد فيه بعضهم بالنظر إلى طُرقه. نعم قال التقي السبكي: "قد طعن في هذا الحديث مَن لا فهمَ له، مغترًّا بقول الترمذي: إنه حسن". ذكره في "سبل السلام" (١)، ثم قال: فوجهُ الاغترار أن الترمذي لم

стр. 3

يصفه بالصحة بل بالحسن، وكأنه في نسخةٍ، والذي رأيناه في "سنن الترمذي": " ... حديث أبي أيوب حديث حسن صحيح" (١). أقول: وهكذا هو في النسخ المطبوعة على اختلاف طبعها: "حسن صحيح". والظاهر اتفاق النسخ على ذلك. وكأنَّ المغترَّ إنما بنى اغتراره على ما قيل: إن كلمة "حسن صحيح" دون كلمة "صحيح" فقط، والصواب أنها مثلها بل أعلى منها. وتقرير ذلك له موضع آخر. فأما القول بأنه موضوع فلا يُتصوَّر أن يصدر عن عارفٍ بالحديث، وأعجب من ذلك توجيه وضعه بأنه تفرد به سعد بن سعيد. وستعلم حالَ سعد وتعلم طرقَ الحديث. فأقول: قد رُوي هذا الحديث عن جماعة من الصحابة ﵃ عن النبي ﵌، وقفتُ على رواية عشرةٍ منهم، وهم: أبو أيوب الأنصاري، وثوبان مولى رسول الله ﵌، وأبو هريرة حافظ الأمة، وجابر بن عبد الله، والبراء بن عازب، وابن عمر، وابن عباس، وغنَّام والد عبد الرحمن بن غنّام، ورجل لم يُسمَّ، وأم المؤمنين عائشة. وأرتِّب الكلام على فصول:

стр. 4

الفصل الأول في حديث أبي أيوب قال الإمام مسلم بن الحجاج في "صحيحه" (١): حدثنا يحيى بن أيوب وقتيبة بن سعيد وعلي بن حُجر جميعًا عن إسماعيل، قال ابن أيوب: حدثنا إسماعيل بن جعفر أخبرني سعد بن سعيد بن قيس عن عمر بن ثابت بن الحارث الخزرجي عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أنه حدَّثه أن رسول الله ﵌ قال: "من صام رمضان ثم أَتبعَه ستًّا من شوال كان كصيام الدهر". وحدثنا ابن نمير حدثنا أبي حدثنا سعد بن سعيد أخو يحيى بن سعيد أخبرنا عمر بن ثابت أخبرنا أبو أيوب الأنصاري ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﵌ يقول بمثله. وحدثناه أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن المبارك عن سعد بن سعيد قال: سمعت عمر بن ثابت قال: سمعتُ أبا أيوب ﵁ يقول: قال رسول الله ﵌ بمثله (٢). أقول: أما عمر بن ثابت فتابعي، ولد في عهد النبي ﵌، وهو ثقة باتفاقهم. والحديث متواتر إلى سعد، قال السبكي: "وقد اعتنى شيخنا أبو محمد الدمياطي بجمع طُرقه، فأسنده عن بضعة وعشرين رجلًا رووه عن

стр. 5

سعد بن سعيد، وأكثرهم حفَّاظ ثقات، منهم السفيانان" (١). [ص ٢] وأما سعد بن سعيد فتابعي، احتج به أئمة عصره الذين عرفوه وصحبوه، منهم الإمام الجليل عبد الله بن المبارك، روى عنه هذا الحديث كما تقدم، وذهب إليه وأفتى به كما يأتي عن الترمذي. ومنهم الإمام الكبير أبو الجرح والتعديل المعروف بالتشدد في نقد الرجال إلى حدّ التعنت شعبة بن الحجاج، روى عنه مع ما عُرِف عنه أنه لا يروي إلّا عن ثقة، أي فإذا روى عن ضعيف بيَّن حاله. وبهذا يندفع تشكيك السخاوي (٢). وقد سمع من سعد جماعةٌ من الأئمة، وأخذوا عنه هذا الحديث وغيره وحدَّثوا بذلك، ولم يطعن فيه أحدٌ منهم. وأما الذين لم يدركوه فقد وثَّقه منهم جماعة (٣): منهم الإمام أحمد بن عبد الله بن صالح العجلي، ذكره عباس الدوري فقال: كنا نعدُّه مثل أحمد ويحيى بن معين (٤). ومنهم محمد بن عبد الله بن عمار الذي كان الإمام علي بن المديني يقدِّمه، وقال بعض الحفاظ: هو مثل علي ابن المديني (٥). ومنهم محمد بن سعد صاحب "الطبقات"، وهو من الأئمة الثقات. وينبغي أن يُعدَّ منهم من صحَّح حديثه كمسلم والترمذي.

стр. 6

وليَّنه منهم جماعة. قال أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي في كتاب "الجرح والتعديل" (١): "نا صالح بن أحمد قال قال أبي: سعد بن سعيد أخو يحيى بن سعيد ضعيف (٢). ذكره أبي عن إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين أنه قال: سعد بن سعيد صالح (٣). سمعتُ أبي يقول: سعد بن سعيد الأنصاري مؤدّي. قال أبو محمد: يعني أنه كان لا يحفظ، يؤدّي ما سمع" (٤). وذكر في "التهذيب" (٥) قول أحمد "ضعيف" ثم قال: "وكذا قال ابن معين في رواية، وقال في رواية أخرى: صالح. وقال النسائي: ليس بالقوي ... وقال ابن أبي حاتم: سمعتُ أبي يقول: سعد بن سعيد الأنصاري يؤدي، يعني أنه كان لا يحفظ ويؤدي ما سمع. وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة تقرب من الاستقامة، ولا أرى بحديثه بأسًا بمقدار ما يرويه. وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: كان يخطئ". زاد ابن حجر: "وزاد ــ يعني ابن حبان ــ لم يفحش خطاؤه، فلذلك

стр. 7

سلكناه مسلكَ العدول .... وقال ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل": ذكر أبي عن إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين أنه قال: سعد بن سعيد الأنصاري مؤدي. قال أبو الحسن ابن القطان الفاسي: اختُلِف في ضبط هذه اللفظة، فمنهم من يُخفِّفها أي هالك، ومنهم من يشدِّدها أي حسن الأداء. وقال الترمذي: تكلموا فيه من قبل حفظه" (١). أقول: أما قول أحمد "ضعيف" فيحتمل أنه أراد الضعف النسبي، أي بالنسبة إلى أخيه يحيى، فإن يحيى أوثق وأثبت. وقد قال السخاوي: "ومما يُنبَّه عليه أنه ينبغي أن تُتأمَّل أقوال المزكّين ومخارجها، فقد يقولون: فلان ثقة أو ضعيف، ولا يريدون أنه ممن يُحتجُّ بحديثه ولا ممن يُردُّ، وإنما ذلك بالنسبة لمن قُرِن معه". ثم ذكر شاهدًا لذلك (٢). وعلى هذا يُحمل قول ابن معين مرةً "ضعيف" بدليل قوله مرةً "صالح"، والحمل هنا أظهر، فقد قال السخاوي بعد ما تقدم (٣): "وعلى هذا يُحمَل أكثرُ ما ورد من اختلاف كلام أئمة الجرح والتعديل ممن وثَّق رجلًا في وقتٍ وجرحه في آخر". وأما قول أبي حاتم "مؤدي" فقد فسَّرها ابنُه كما سمعتَ بما يفيد التوثيق مع تليينٍ يسير لا يضرُّ. وتفسيرُ ابنه لها بذلك صريح في أنه سمعها من أبيه بهمزة مفتوحة ودالٍ مشدَّدة. وبذلك يُرَدُّ على ما قاله الذهبي في "الميزان"،

стр. 8

قال: "قال أبو حاتم: سعد بن سعيد مود، قال شيخنا ابن دقيق العيد: اختُلِف في ضبط مود، فمنهم من خفَّفها أي هالك، ومنهم من شدَّدها أي حسن الأداء" (١). [ص ٣] وقد علمتَ أن أبا حاتم إنما قالها مشدَّدة، بدليل تفسير ابنه الذي سمعها منه وحكاها عنه. فأما ما زاده ابن حجر على أصل "التهذيب" بقوله: "وقال ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل": ذكر أبي عن إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين أنه قال: سعد بن سعيد الأنصاري مؤدي"= فليس هذا في "الجرح والتعديل"، ولا نقله عنه أحدٌ ممن تقدم ابنَ حجر، مع نقْلهم عنه غير هذه العبارة كما تقدم. فقد راجعوا هذه الترجمة فيه، فكيف يُهملون (٢) عبارة مهمة كهذه لو كانت فيه؟ وإنما نقلوا هم "مؤدي" أو "يؤدي" على أنها من قول أبي حاتم، كما تقدم عن "الميزان" وأصل "التهذيب". فكأنه كان في نسخة ابن حجر من "الجرح والتعديل" سقطٌ، كأنه كان فيها: "ذكره أبي عن إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين أنه قال: سعد بن سعيد (سقط) الأنصاري مؤدي". فسقط بعد "سعيد" العبارة الآتية: "صالح. سمعتُ أبي يقول: سعد بن سعيد". والعبارة مظِنَّة السقط بانتقال النظر من "سعد بن سعيد" إلى مثلها. ويؤيد ذلك أن كلمة "صالح" هي من رواية أبي حاتم عن إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين، فلو كان عند إسحاق عن ابن معين كلمة أخرى مخالفة لها لكان الظاهر أن يقرنهما فيقول: قال يحيى مرةً "صالح" ومرةً "مؤدي"، أو على الأقل يقرنهما أبو حاتم. فإن قلت: لو كان في نسخة ابن حجر العسقلاني سقطٌ كما ذكرتَ

стр. 9

لاعترض على العبارة التي في أصل "التهذيب"، بأن يقول: لم أرها في كتاب ابن أبي حاتم. قلت: اكتفى بالإشارة إلى ذلك لاحتمال السقط (١)، واحتمال أن تكون العبارة التي في أصل "التهذيب" منقولةً عن كتاب آخر غير "الجرح والتعديل". فتدبَّرْ. على أننا لو فرضنا أن العبارة التي ذكرها ابن حجر هي ثابتة في "الجرح والتعديل" وسقطت من نسختنا، فإننا نقول: اختيار أبي حاتم تلك الكلمة الغريبة "مود" إنما يكون حينئذٍ اتباعًا لابن معين. وقد عرفت أن أبا حاتم قالها بالهمزة المفتوحة وتشديد الدال، فيظهر بذلك أنه سمعها من إسحاق بن منصور كذلك، وأن إسحاق سمعها من ابن معين كذلك. وهذا هو المتعيِّن على فرض صحتها عن ابن معين، فإنه قد قال مرةً "صالح"، وبين هذه الكلمة وبين "مُوْدي" ــ بسكون الواو أي هالكٌ بمرَّةٍ ــ بونٌ بعيد، ولم يُنقَل عن أحدٍ أنه قال في سعد مثلَ ذلك ولا قريبًا منه. فتدَّبْر، وقد مرَّت عبارة "الجرح والتعديل". وأما الترمذي فإنما قال (٢): "وقد تكلَّم بعضُ أهل الحديث في سعد بن سعيد من قِبَلِ حفظه" كما يأتي. وبين العبارتين فرقٌ، مع أنه صحَّح الحديث وثبَّته، فدلَّ ذلك أنه لا يرى في كلام من تكلَّم ما يقدح في ثقة الرجل. هذا، وفي "سبل السلام" عن ابن دِحْية: "وقال أبو حاتم: لا يجوز

стр. 10

الاشتغال بحديث سعد بن سعيد" (١). أقول: ابن دِحْية اسمه عمر بن الحسن، له ترجمة في "الميزان" و"لسانه" (٢). قال الذهبي: "متَّهم في نقله. وجرحَه الحافظ الضياء. وقال ابن واصل: كان ابن دحية مع فرط معرفته بالحديث وحفظه الكثير له متَّهمًا بالمجازفة في النقل". ثم ذكر قصةً تدلُّ على ذلك. والكلام فيه كثير (٣). وأما قول النسائي "ليس بالقوي" فهذه الكلمة أرفع من كلمة "ضعيف" كما لا يخفى، وقد نصُّوا عليه (٤). وقد يقال: إن كلمة "ضعيف" ونحوها جرح غير مفسَّر، والمرجَّح عندهم أنه لا يُقبَل إذا عارضه توثيق كما هنا. والحقُّ أنه مفسَّر، ومعنى هذه الكلمة ونحوها عند الإطلاق ضعفُ الحفظ والضبط، وقد بيَّن ذلك هنا قولُ أبي حاتم بتفسير ابنه وقول الترمذي وقول ابن حبان وقول ابن عدي. وهؤلاء المليِّنون لسعدٍ كلُّهم لم يصحبوه ولا أدركوه، وإنما وُلِدوا بعد وفاتِه بمدة، فغايةُ ما عندهم أنهم تتبعوا رواياته واعتبروها بروايات الثقات الأثبات، فظهر لهم أن في رواياته خطأ، وقد اختلف اجتهادهم كما رأيتَ. وخالفهم معاصروهم من الموثِّقين، وتأيَّد قولُ الموثِّقين بما قدَّمنا عن أئمة عصره الذين صحبوه وعرفوه وأخذوا عنه.

стр. 11

الفصل الثاني في حكم الحديث قد صحَّحه مسلم والترمذي وغيرهما، ومقتضى النظر أن يقال: إذا ثبت رجحانُ التوثيق فلا كلامَ في صحته، وإذا بقي التردُّد لموضع التليين فصنيعُ أئمة الحديث يقتضي أنه بعد النظر في جميع ما قيل في سعد ينبغي أن يُنظَر في الحديث، فإذا كان له متابعات وشواهد صحَّ، وإلَّا بانَ [أنه] انفرد به، فإن قامت قرينة على خطائه ضُعِّف الحديث، وإن قامت قرينة على صحته صحّ، وإلّا حُكِم بحسنه، وقد يتوقف فيه بعضهم. فعلى فرض أن سعدًا تفرد بهذا الحديث فلم تقُمْ قرينة على خطائه فيه، وقد أيَّده أهل العلم بوجوهٍ سوى المتابعات. ساقه الترمذي ثم قال (١): "قال أبو عيسى: حديث أبي أيوب حديث حسن صحيح. قد استحبَّ قوم صيامَ ستة أيام من شوال بهذا الحديث. قال ابن المبارك: هو حسن، هو مثل صيام ثلاثة أيام من كل شهر. قال ابن المبارك: ويُروى في بعض الحديث: "ويُلْحق هذا الصيام برمضان". واختار ابن المبارك أن تكون ستة أيام من أول الشهر. وقد رُوي عن ابن المبارك أنه قال: إن صام ستة أيام من شوال متفرقًا فهو جائز. قال: وقد روى عبد العزيز بن محمد عن صفوان بن سُليم وسعد بن سعيد عن عمر بن ثابت عن أبي أيوب عن النبي ﵌ هذا. وروى شعبة عن ورقاء بن عمر عن سعد بن سعيد هذا. وقد تكلم بعض أهل

стр. 12

الحديث في سعد بن سعيد [من] قِبَلِ حفظه" (١). فأيَّد صحةَ الحديث باحتجاج قوم من أهل العلم به، وخاصة ابن المبارك، فإنه ــ مع علمه وفقهه وتثبُّتِه ونقده وجلالته وإمامته ــ ممن صحب سعدًا وخَبَرَه، وسمع منه هذا الحديث وغيره كما مرَّ. ثم أيَّده بمتابعة صفوان، وستأتي. [ص ٤] وأيَّده برواية شعبة عن ورقاء عن سعد له، مع أن شعبة على جلالته وشدة نقده ومعرفته قد روى عن سعد نفسه، ثم روى هذا الحديث عن رجلٍ عنه. ورواية شعبة هذه في "مسند أحمد"، قال: "ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة قال: سمعتُ ورقاء يحدِّث عن سعد بن سعيد ... " (٢). وذكر الطحاوي رواية شعبة هذه ثم قال: "فكان هذا الحديث مما لم يكن بالقوي في قلوبنا من سعد بن سعيد مثله في الرواية عند أهل الحديث ومن رغبتهم عنه، حتى وجدناه قد أخذه عنه من قد ذكرنا أخْذَه إياه عنه من أهل الجلالة في الرواية والتثبت" (٣). ثم قال: "وممن حدَّث به عنه أيضًا: قرة بن عبد الرحمن، وعسى أن يكون سنّه كسنّه ... وممن حدَّث به عنه سفيان بن عيينة".

стр. 13

ثم ذكر رواية حفص بن غياث، ثم ذكر المتابعات والشواهد، وستأتي. وقال السبكي: "وقد اعتنى شيخنا أبو محمد الدمياطي بجمع طرقه، فأسنده عن بضعة وعشرين رجلًا رووه عن سعد بن سعيد، وأكثرهم حفَّاظ ثقات، منهم السفيانان" (١). أقول: وموضع التأييد في رواية الحفّاظ الأثبات أنهم من أئمة النقد والمعرفة بالرجال والحديث وعلله، وقد كان من عادة كثير منهم الامتناع عن أن يحدِّث بالحديث إذا خاف أن يكون خطأً، يَعرف ذلك مَن مارسَ كتب الرجال. فاتفاقُهم على رواية هذا الحديث عن هذا الرجل وسكوتُهم عن بيان الطعن فيه أو الشك ــ بل مع تصريح بعضهم بالاحتجاج به ــ يدلُّ دلالةً واضحةً أنهم لم يشكُّوا في الحديث ولم يستنكروه، فاتفاقُهم على ذلك فيه تأييد واضح.

стр. 14

الفصل الثالث في المتابعات قد ذكر الترمذي كما تقدم عنه متابعة صفوان بن سليم، وأخرجه أبو داود في "سننه": "حدثنا النُّفيلي نا عبد العزيز بن محمد عن صفوان بن سليم وسعد بن سعيد عن عمر بن ثابت ... " (١). وقال السبكي: "وتابعَ سعدًا على روايته أخواه يحيى وعبد ربه وصفوان بن سليم وغيرهم" (٢). وذكر الطحاوي هؤلاء وزاد: زيد بن أسلم ومحمد بن عمرو بن علقمة. قال: "ووجدنا هذا الحديث أيضًا قد حدَّث به عن عمرو بن ثابت صفوانُ بن سليم وزيد بن أسلم، كما حدثنا يوسف بن يزيد قال: ثنا سعيد بن منصور قال: ثنا عبد العزيز بن محمد قال: أخبرني صفوان بن سليم وزيد بن أسلم عن عمرو بن ثابت ... " (٣). كذا يقع في كتابه "عمرو" (٤)، وإنما هو "عمر". وفي "التهذيب" أنه وقع كذلك في بعض الطرق عند النسائي، قال: "ونبَّه على أنه خطأ، قال:

стр. 15

والصواب عمر بن ثابت" (١). قال (٢): "وكما حدثنا أحمد بن عبد الله البرقي ثنا الحميدي قال ثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن صفوان بن سليم وسعد بن سعيد عن عمرو بن ثابت ... ". وقال الدارمي: "حدثنا نعيم بن حماد ثنا عبد العزيز بن محمد ثنا صفوان وسعد بن سعيد عن عمرو بن ثابت ... " فذكره (٣). قال الطحاوي (٤): "ووجدنا ممن رواه عن عمرو بن ثابت: يحيى بن سعيد الأنصاري، كما حدثنا أحمد بن شعيب ــ هو الإمام النسائي ــ قال: ثنا هشام بن عمار عن صدقة ثنا عُتبة (٥) حدثني عبد الملك بن أبي بكر حدثني يحيى بن سعيد عن عمرو بن ثابت قال: غزونا يعني مع أبي أيوب الأنصاري، فصام رمضان وصمنا، فلما أفطرنا قام في الناس فقال: إني

стр. 16

سمعتُ رسول الله ﵌ يقول: من صام رمضان ... ". قال (١): "ووجدنا ممن رواه أيضًا عن عمرو هذا عبد الله (كذا) (٢) بن سعيد الأنصاري، كما حدثنا أحمد بن شعيب قال: ثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال ثنا أبو عبد الرحمن المقرئ قال ثنا شعبة بن الحجاج عن عبد ربه بن سعيد عن عمرو بن ثابت عن أبي أيوب الأنصاري ــ ولم يرفعه ــ أنه قال: من صام ... ". وذكر الطحاوي (٣) قبل ذلك متابعة محمد بن عمرو من طريقين: الأولى ابن خزيمة عن [ص ٥] حجاج بن المنهال، والثانية إبراهيم بن مرزوق عن حبَّان بن هلال، كلاهما عن أبي سلمة حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن عمرو بن ثابت قال: ولم يذكر سعدًا. وذكر في موضع آخر (٤) أن محمد بن عمرو رواه مرةً عن سعد بن سعيد عن عمر بن ثابت. فأما صفوان وزيد بن أسلم فتابعيان ثقتان مأمونان، والثناء عليهما كثير،

стр. 17

وهما أكبر سنًّا وأقدم وفاةً من سعد، ولم يذكروا لهما سماعًا، فلا يقال: لعلهما إنما سمعا هذا الحديث منه. هذا، مع أن صفوان لم يوصف بتدليس البتَّةَ، وزيد كذلك، إلّا أن ابن حجر ذكر قصة قال: إنها تُشعر بأنه دلَّس حديثًا (١). وليس ذلك بالبيِّن. والرواية إلى الراوي عنهما ــ وهو عبد العزيز بن محمد الدراوردي ــ بغاية الصحة. وأما عبد العزيز فقد روى عنه شعبة والثوري وابن مهدي والشافعي. وروى ابن أبي حاتم (٢) بأسانيده الصحيحة عن مصعب الزبيري قال: مالك بن أنس يوثِّق الدراوردي. وعن يحيى بن معين أنه قال: الدراوردي أثبت من فليح وابن أبي الزناد وأبي أويس. وعنه أيضًا: عبد العزيز الدراوردي صالح ليس به بأس. وعن أحمد بن حنبل أنه سئل عن عبد العزيز الدراوردي فقال: معروف بالطلب، وإذا حدَّث من كتابه فهو صحيح، وإذا حدَّث من كتب الناس وَهِم، كان يقرأ من كتب الناس فيخطئ، وربما قلب [حديث] عبد الله بن عمر العمري يرويه عن عبيد الله بن عمر. قال ابن أبي حاتم: سئل أبي عن عبد العزيز بن محمد ويوسف بن الماجشون فقال: عبد العزيز محدث، ويوسف شيخ. سمعتُ أبا زرعة يقول: عبد العزيز الدراوردي سيئ الحفظ، فربما حدَّث من حفظه الشيء فيخطئ.

стр. 18

ونحو هذا في "التهذيب" (١)، وزاد عن ابن معين: ثقة حجة. وعن النسائي ليس بالقوي، وفي موضع آخر: ليس به بأس، وحديثه عن عبيد الله بن عمر منكر. وعن ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث يغلط. وذكر أن ابن حبان ذكره في "الثقات" (٢) وقال: كان يخطئ. وقال العجلي: هذا ثقة. وقال الساجي: كان من أهل الصدق والأمانة، إلَّا أنه كثير الوهم. انتهى. وذكروا أنه كان يلحن. وذكره الحافظ في "مقدمة الفتح" (٣)، وذكر أن ابن المديني وثقه، وأن أبا حاتم قال: لا يُحتج به. وقال الذهبي في "الميزان" (٤): قال أحمد بن حنبل: "إذا حدَّث من حفظه يهم ليس بشيء، وإذا حدَّث من كتابه فنعم، وإذا حدَّث جاء ببواطيل". وقال: وأما ابن المديني فقال: ثقة ثبت. هذا، واحتجَّ به مسلم في "صحيحه"، وأخرج له البخاري في "صحيحه" مقرونًا بغيره ومفردًا بصيغة التعليق في المتابعات، واحتج به الباقون. كذا في "مقدمة الفتح". أقول: أما العدالة والصدق والأمانة فثابتة لهذا الرجل اتفاقًا. وأما الحفظ والضبط فما رواه من كتابه فلا شكَّ فيه، وما قرأه من كتاب غيره يُخشَى فيه التصحيف والتحريف، كان يقرأ "عبد الله" "عبيد الله" وشِبْه ذلك.

стр. 19

وربما حدَّث من حفظه الشيء فيُخطئ، كما قال أبو زرعة. وعلى هذا يُحمل كلام من أطلق، كابن سعد والنسائي وغيرهما. وأما ما في "الميزان" عن أحمد فلا أدري أيصحُّ أم لا، لأن صاحب "التهذيب" لم يذكرها، إنما ذكر ما أسنده ابن أبي حاتم، فالله أعلم. وبالجملة فإطلاق إمام الجرح والتعديل يحيى بن معين أنه ثقة حجة، وإطلاق ابن المديني حافظ عصره أنه ثقة ثبت= يدلُّ على أحد أمرين: إما أن عبد العزيز كان لا يكاد يُحدِّث من حفظه، وإما أنه كان إذا حدَّث من حفظه لا يكثر وهمه، وإنما كان ربما وهم. وعبارة أبي زرعة صريحة في الأول، فإنه قال: "فربما حدَّث من حفظه"، فدلَّ أن ذلك قليل، والغالب أنه لا يحدِّث إلَّا من كتاب. [ص ٦] وإذا ثبت أنه كان لا يحدِّث من حفظه إلا قليلًا فالغالب أنه حدَّث بهذا الحديث من كتاب، فإن كان من كتابه فلا كلام، وإن كان من كتاب غيره فكذلك، لأنه ليس مظنَّة التصحيف والتحريف. ويؤكِّد هذا أن الذين رووه عنه أئمة حفَّاظ متثبتون (١): منهم: ابن المبارك (٢)، على ما يظهر من عبارة الترمذي وقد مرَّت. وابن

стр. 20

المبارك ابن المبارك. ومنهم: النفيلي عند أبي داود (١) كما مرَّ، واسمه عبد الله بن محمد بن علي بن نفيل، كان يُقرَن بأحمد، وكان أحمد يعظِّمه. وقال أبو داود: ما رأيت أحفظ منه (٢). ومنهم: الحميدي عند الطحاوي (٣) كما مرَّ، واسمه عبد الله بن الزبير بن عيسى. قال أحمد: الحميدي عندنا إمام. وقال يعقوب بن سفيان: ما لقيتُ أنصحَ للإسلام وأهله منه (٤). ومنهم: نعيم بن حماد عند الدارمي (٥) كما مرَّ. ونعيم إمام في السنة، ثقة له أوهام (٦). وهذا من صحيح حديثه. هؤلاء كلهم رووه عن عبد العزيز عن صفوان وسعد. ورواه سعيد بن منصور (٧) عن عبد العزيز عن صفوان وزيد بن أسلم. وسعيد إمام، كان أحمد يُحسِن الثناء عليه ويُفخّم أمره. وقال أبو حاتم: ثقة، من المتقنين الأثبات (٨).

стр. 21

وبالجملة فصاحبا الصحيح البخاري ومسلم قد عرفا حال عبد العزيز، وعرفا ما قيل فيه، فاتفقا على الإخراج له في الصحيح. أما مسلم فيحتج به مطلقًا، وأما البخاري فيقرِنه بغيره، ويُفرِده في المتابعات والشواهد، وحديثه هذا متابعة. وأما متابعة يحيى بن سعيد الأنصاري (١) لأخيه سعد فقد يقال: لعله إنما سمعه من سعد فدلَّسَه (٢)، وفيه نظر لوجهين: الأول: أن يحيى لم يشتهر بالتدليس، وإن كان قد نُسِب إليه. الثاني: أن في روايته زيادةً على الرواية المتواترة عن أخيه، كما يُعلم بمقابلتهما. وأما متابعة عبد ربه بن سعيد (٣) لأخيه فهي بغاية الصحة، لأنها من رواية شعبة عن عبد ربه، وعبد ربه مع ثقته لم يُنسَب إلى تدليس البتَّةَ، وليس فيها إلّا أنه لم يصرِّح بالرفع إلى النبي ﵌، وهذا لا يضرُّ هنا، لأنّ مثل هذا لا يمكن أن يقوله أبو أيوب ﵁ برأيه، فهو مرفوع حكمًا. نعم رواه الطحاوي (٤) من طريق ابن لهيعة عن عبد ربه عن أخيه سعد بسنده، ورفعه.

стр. 22

وابن لهيعة ضعيف لا يعتمد عليه. وأما متابعة محمد بن عمرو (١) ففيها نظر، فإن محمدًا قد لُيِّن. والراوي عنه حماد بن سلمة، وقد قيل: إن حفظه ضعُفَ بأَخَرةٍ. ومع ذلك فقد روى محمد الحديث مرةً عن سعد (٢). والله أعلم. تتمة: يتلخص مما تقدم ثبوت صحة الحديث كما حكم به الإمام مسلم بن الحجاج والترمذي وغيرهما.

стр. 23

الفصل الرابع حديث ثوبان قال الدارمي: حدثنا يحيى بن حسّان ثنا يحيى بن حمزة ثنا يحيى بن الحارث الذِّماري عن أبي أسماء الرحبي عن ثوبان أن رسول الله ﵌ قال: "صيام شهرٍ بعشرة أشهرٍ، وستةُ أيام بعدهن بشهرين، فذلك تمام سنة" يعني شهر رمضان وستة أيام بعده (١). ثوبان صحابي جليل. وأبو أسماء الرحبي اسمه عمرو بن مرثد، قال العجلي: شامي تابعي ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات" (٢). وأخرج له مسلم وابن خزيمة وابن حبان في صحاحهم، ولم يقدح فيه أحد (٣). ويحيى بن الحارث الذِّماري تابعي أيضًا، روى عن واثلة بن الأسقع ﵁، وقرأ عليه القرآن. ووثقه ابن معين ودُحيم. وقال أبو داود: كان ثقةً عالمًا بالقراءة. وأخرج له ابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما، ولم يقدح فيه أحد (٤).

стр. 24

[ص ٧] ويحيى بن حمزة وثقه ابن معين ودحيم والعجلي وأبو داود والنسائي ويعقوب بن شيبة، ولم يقدح في روايته أحدٌ، وإنما نُسِب إلى القدر (١)، ولا يقدح ذلك في روايته، فقد نُسِب إلى القدر جماعة من أئمة السلف وأركان السنة المجمع عليهم، كقتادة وحسان بن عطية وسعيد بن أبي عروبة وعبد الوارث وغيرهم. وقد تابعه جماعة كما يأتي. ويحيى بن حسّان هو التنِّيسي، من رجال الصحيحين، وثَّقه أحمد والعجلي والنسائي ومطيَّن وابن يونس وغيرهم (٢). ويروي الإمام الشافعي عن الثقة عن الليث بن سعد، فقال الربيع بن سليمان صاحب الشافعي: يعني الشافعي بالثقة يحيى بن حسَّان (٣). المتابعات: تابع يحيى بن حمزة جماعةٌ رووه عن يحيى بن الحارث: منهم: محمد بن شعيب بن شابور، قال الطحاوي: حدثنا أحمد بن شعيب قال: أخبرني محمود بن خالد قال: ثنا محمد بن شعيب بن شابور قال: أنا يحيى بن الحارث حدثنا أبو أسماء الرحبي عن ثوبان مولى رسول الله ﵌ أنه سمع رسول الله ﵌ يقول: "جعل الله الحسنة بعشرٍ، فشهرٌ بعشرة أشهر، وستة أيام بعد الفطر تمام السنة" (٤).

стр. 25

أحمد بن شعيب هو الإمام النسائي صاحب "السنن". ومحمود بن خالد ثقةٌ رِضًا متفق على توثيقه (١). ومحمد بن شعيب بن شابور روى عنه ابن المبارك ووثَّقه، وكذا وثَّقه غيره، إلّا أن ابن معين قال: كان مرجئًا، وليس به في الحديث بأس (٢). أقول: الإرجاء الذي يُنسَب إلى علماء السلف خفيف لا يقدح في الرواية، كما هو مقرر في موضعه. ومنهم: إسماعيل بن عياش، قال الإمام أحمد: ثنا الحكم بن نافع ثنا ابن عياش عن يحيى بن الحارث الذماري عن أبي أسماء الرحبي عن ثوبان عن النبي ﵌ قال: "من صام رمضان فشهر بعشرة أشهر، وصيام ستة أيام بعد الفطر فذلك تمام صيام السنة" (٣). الحكم بن نافع هو من رجال الصحيحين متفق على توثيقه، إلَّا أنه قيل: إنه روى كتاب شعيب بن أبي حمزة بالإجازة، وذلك إن صحَّ لا يضرّ، ولهذا اتفق الأئمة على تصحيح حديثه عن شعيب وغيره (٤). وإسماعيل بن عياش ثقة جليل يُحتج به إذا حدَّث عن أهل الشام، وذلك أنها بلده، حفظ حديث أهلها وأتقنه، فأما إذا روى عن غيرهم ففيه

стр. 26

لين، لأنه لم يُتقِنه، فكان يهم فيه (١). وحديثُه هذا شامي، لأن يحيى بن الحارث شامي. ومنهم: صدقة بن خالد، قال ابن ماجه: ثنا هشام بن عمّار ثنا بقية ثنا صدقة بن خالد ثنا يحيى بن الحارث الذماري قال: سمعت أبا أسماء الرحبي عن ثوبان مولى رسول الله ﵌ عن رسول الله ﵌ قال: "من صام ستة أيام بعد الفطر كان تمام السنة، ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] " (٢). هشام بن عمار من شيوخ البخاري، وثَّقه ابن معين وغيره. وغمزَه أبو داود وغيره بأنه لما كبر كان يُلقَّن فيتلقن (٣). وبقية هو ابن الوليد، من رجال مسلم، وفيه كلام طويل. والمحققون [على] أنه ثقة في نفسه لكنه يدلِّس عن الضعفاء، فإذا صرَّح بالسماع فهو حجة (٤). وقد صرَّح هنا بالسماع. أما صدقة بن خالد فمن رجال البخاري، وثَّقه أحمد وابن معين وجماعة، ولم يُقدح فيه بشيء (٥). [ص ٨] ومنهم: الوليد بن مسلم، قال ابن حبّان في "صحيحه": أخبرنا

стр. 27

الحسين بن إدريس الأنصاري ثنا هشام بن عمَّار حدثنا الوليد بن مسلم ثنا يحيى بن الحارث الذِّماري عن أبي أسماء الرحَبي عن ثوبان عن رسول الله ﵌ قال: "من صام رمضان وستًّا من شوال فقد صام السنة" (١). الحسين بن إدريس له ترجمة في "تذكرة الحفاظ" (٢)، روى له ابن حبان في "صحيحه" كما رأيت، وذكره في "الثقات" وقال: كان ركنًا من أركان السنة في بلده (٣). ووثَّقه الدارقطني. وقال ابن ماكولا: كان من الحفَّاظ المكثرين (٤). وهشام بن عمار تقدم. والوليد بن مسلم إمام يدلِّس (٥)، وقد صرَّح بالسماع. فهؤلاء خمسة رووه عن يحيى بن الحارث الذماري: يحيى بن حمزة ومحمد بن شعيب بن شابور، وإسماعيل بن عياش، وصدقة بن خالد، والوليد بن مسلم. ولعلَّك لو فتَّشتَ وجدتَ غيرهم (٦).

стр. 28

وتابع يحيى بن حسَّان عبدُ الله بن يوسف عند البيهقي (١)، رواه بسند صحيح عن عبد الله بن يوسف عن يحيى بن حمزة بسنده. وعبد الله بن يوسف من شيوخ البخاري، متفق على أنه ثقة ثبت (٢). وممن تابع الدارميَّ ــ وإن كان غنيًّا عن المتابعة ــ: سليمان بن شعيب الكيساني، قال الطحاوي: حدثنا سليمان بن شعيب الكيساني قال: ثنا يحيى بن حسَّان ... (٣). سليمان بن شعيب ذكره ابن السمعاني وقال: مولده بمصر سنة ١٨٤، وتوفي في صفر سنة ٢٧٣، وكان ثقة (٤). ومنهم: سعد بن عبد الله بن عبد الحكم والحسين بن نصر بن المعارك المصري، أخرجه عنهما إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة في "صحيحه" (٥) كلاهما عن يحيى بن حسَّان. فأما سعد فقال ابن أبي حاتم: سمعتُ منه بمكة وبمصر، وهو

стр. 29

صدوق ... سئل أبي عنه فقال: صدوق (١). وأما الحسين فقال ابن أبي حاتم: سمعتُ منه، ومحلُّه الصدق (٢). وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: حدثنا عنه ابن خزيمة، وزعم أنه كان صدوقًا (٣). حكم الحديث: حديث ثوبان صححه ابن خزيمة وابن حبان وغيرهما، وصحته واضحة جليَّة، والحمد لله.

стр. 30

الفصل الخامس حديث أبي هريرة قال البزّار: حدثنا حفص بن عمر الشيباني ثنا أبو عامر ثنا زهير عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﵌ قال: "من صام رمضان وأتبعَه بستٍّ من شوال فكأنما صام الدهر". هكذا رواه أبو عامر، ورواه عمرو بن أبي سلمة عن زهير عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة، ثناه محمد بن مسكين ثنا عمرو به. قال البزار: ولم أسمعه عن أبي عامر إلا من عمر بن حفص، ورأيته في كتاب أحمد بن ثابت مكتوبًا فقال: لم يقرأه علينا أبو عامر (١). أقول: كذا وقع في النسخة أولًا "حفص بن عمر" وثانيًا "عمر بن حفص"، وكأن الثاني هو الصواب (٢). وفي "التهذيب" (٧/ ٤٣٤): عمر بن حفص بن صبيح، ويقال بزيادة "عمر" بين حفص وصبيح، أبو الحسن الشيباني اليماني البصري ... ذكره ابن حبان في "الثقات" (٣). مات في حدود سنة خمسين ومائتين، واحتج به ابن خزيمة في "صحيحه". وأبو عامر هو عبد الملك بن عمرو العقدي البصري، ثقة جليل باتفاقهم (٤). وكتابة أحمد بن ثابت الحديثَ في كتابه على أنه من حديث

стр. 31

أبي عامر متابعة قوية. وقول أحمد بن ثابت "إن أبا عامر لم يقرأه عليهم" كأنه لأنه لم يتيسَّر لهم سؤاله أن يقرأه عليهم، وقد يحتمل أنه توقف عنه، إما لأنه بلغه أن غيره روى عن زهير بخلاف روايته، وإما لأنه لم يجد لزهير متابعًا. وعلى كل حال فقد ثبت أن الحديث من حديث أبي عامر عن زهير. وزهير هو ابن محمد التميمي (١)، قال أحمد مرةً: ثقة، ومرةً: لا بأس به، ومرةً: مستقيم الحديث، ومرةً: مقاربه. ثم صحح رواية أبي عامر العقدي وأشباهه عنه، وضعَّف رواية عمرو بن [أبي] سلمة وأهل الشام عنه. قال الأثرم عن أحمد [ص ٩] في رواية الشاميين عن زهير: يروون عنه مناكير، ثم قال: أما رواية أصحابنا عنه فمستقيمة، عبد الرحمن بن مهدي وأبي عامر. وأما أحاديث أبي حفص (هو عمرو بن أبي سلمة) ذاك التنيسي عنه فتلك بواطيل ــ موضوعة أو نحو ذلك ــ، أما بواطيل فقد قاله. وقال البخاري: قال أحمد: كأن زهيرًا الذي روى عنه أهل الشام زهير آخر. قال البخاري: ما روى عنه أهل الشام فإنه مناكير، وما روى عنه أهل البصرة فإنه صحيح. وعمرو بن أبي سلمة ثقة يخطئ، ولاسيما فيما رواه عن زهير. قال أحمد: روى عن زهير أحاديث بواطيل كأنه سمعها من صدقة بن عبد الله، فغلِط فقلَبَها عن زهير (٢). فقد بان أن ما رواه أبو عامر عن زهير صحيح، فقد صحَّ الحديث عن العلاء عن أبيه. والعلاء وأبوه تابعيان ثقتان، أما أبوه فلم يقدح فيه أحد، وأما

стр. 32

هو فقال أحمد: ثقة لم أسمع أحدًا ذكره بسوءٍ. وليَّنه ابن معين وغيره. وقال الترمذي: هو ثقة عند أهل الحديث (١). والحاصل أن حديثه إذا لم تقم قرينة على خطائه إما صحيح وإما حسن. وقد قال المنذري في هذا الحديث: "رواه البزار، وإحدى طرقه عنده صحيحة" (٣/ ٩٦) (٢). كأنه يعني هذه الطريق. وأما الطريق الأخرى فالراوي عن عمرو بن أبي سلمة ــ وهو محمد بن مسكين ــ ثقة اتفاقًا (٣). وعمرو بن أبي سلمة، قد علمت الكلام في روايته عن زهير. على أنه لا مانع أن يكون لزهير طريقان: عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة، وعن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة. وسهيل وأبوه ثقتان، وفي سهيل كلام لا يُسقِطه، وقد احتج به مسلم في "صحيحه"، وعاب النسائي على البخاري عدم الاحتجاج به (٤). وفي "التلخيص" (٥): وأخرجه أبو نعيم من طريق المثنى بن الصباح ــ أحد الضعفاء ــ عن المحرر بن أبي هريرة عن أبيه. ورواه الطبراني في "الأوسط" من أوجه أخرى ضعيفة (٦).

стр. 33

أقول: المثنى بن الصباح كان من العبَّاد، وقد وثَّقه ابن معين مرةً والصحيح أنه ضعيف (١)، ولكن لا تخلو روايته عن تقويةٍ لحديث البزار، وكذلك الوجوه الأخرى التي ذكرها الحافظ. فحديث أبي هريرة هذا إن لم يرتقِ إلى درجة الصحيح فلا ينزل عن درجة الحسن. والله أعلم.

стр. 34

[ص ١٠] الفصل السادس في حديث جابر أما حديث جابر فقال الإمام أحمد: ثنا عبد الله بن يزيد ثنا سعيد يعني ابن أبي أيوب حدثني عمرو بن جابر الحضرمي قال: سمعتُ جابر بن عبد الله الأنصاري يقول: سمعتُ رسول الله ﵌ يقول: "من صام رمضان وستًّا من شوال فكأنما صام السنة كلَّها". ثم أعاده في موضع آخر: ثنا أبو عبد الرحمن ثنا سعيد ... ثم أعاده في موضع ثالث: ثنا أبو عبد الرحمن ثنا سعيد بن أبي أيوب ... (١). وعبد الله بن يزيد هو أبو عبد الرحمن المقرئ، ثقة باتفاقهم (٢)،

стр. 35

وكذلك سعيد بن أبي أيوب (١). وقال الطحاوي (٢): حدثنا الربيع المرادي قال ثنا عبد الله بن وهب قال: أخبرني ابن لهيعة وبكر بن مضر وسعيد بن أبي أيوب عن عمرو بن جابر ... ، فذكره. ثم قال (٣): حدثنا سليمان بن شعيب قال: ثنا يحيى بن حسان قال: ثنا ابن لهيعة وبكر بن مضر كلاهما عن عمرو بن جابر .... ، فذكره (٤). الربيع وبكر بن مضر ثقتان باتفاقهم (٥). وعبد الله بن وهب إمام. وسليمان بن شعيب ويحيى بن حسان تقدَّما. فالحديث ثابت بلا شك عن عمرو بن جابر. وعمرو بن جابر مختلف فيه، ذكروا أنه كان يقول: إن عليًّا ﵁ في السحاب. فجرحَه جماعة مطلقًا، ووثَّقه آخرون في الحديث. ذكره البرقي فيمن ضُعِّف بسبب التشيع وهو ثقة. وذكره يعقوب بن سفيان في جملة الثقات. وصحح الترمذي حديثه. وقال أحمد: بلغني أن عمرو بن جابر كان يكذب، قال: وروى عن جابر أحاديث مناكير. كذا في

стр. 36

"التهذيب" (١). أقول: الظاهر أن قول أحمد "وبلغني ... " إنما بلغه ذلك من وجه لا يصح، ولذلك أخرج حديثه في "مسنده" كما رأيت. أو لعله أراد بالكذب ما حُكِي أنه كانت تمرُّ السحابة فيقول: هذا عليٌّ قد مرَّ في هذه السحابة. فقد جاء عن الشعبي وغيره في الحارث الأعور: كان كذابًا. ثم أثنى عليه الشعبي وغيره، ووثقه أحمد بن صالح المصري، فقيل له: فقد قال الشعبي: إنه كان يكذب، قال: لم يكن يكذب في الحديث، إنما كان كذبه في رأيه. يعني إفراطه في التشيع. "التهذيب" (٢/ ١٤٥ - [١٤٧]). ولهذا نظائر. وأما المناكير فلعل النكارة فيها خفيفة، أو لعلها من الراوي عنه. وقد أخرج ابن أبي حاتم (٢) عن الأثرم صاحب أحمد قال: ذُكِر لأبي عبد الله أحمد بن حنبل عمرو بن جابر الحضرمي، فقال: "يروي أحاديث مناكير ابنُ لهيعة عنه". وابن لهيعة ضعيف عندهم ومدلِّس. قال ابن أبي حاتم: سألتُ أبي عن عمرو بن جابر فقال: عنده نحوه عشرين حديثًا، هو صالح الحديث. وفي ترجمته من "الميزان" (٣) حديثه عن جابر مرفوعًا: "الفارّ من الطاعون [كالفارّ يوم الزحف، ومن صبرَ فيه كان له كأجرِ شهيد] ". وفي أحاديث الطاعون المتفق على صحتها ما يشهد لهذا المعنى. وعادة صاحب "الميزان" أن يذكر في ترجمة الرجل أنكرَ ما روى. فإذا كان

стр. 37

هذا أنكر ما روى هذا الرجل فلا وجهَ للطعن فيه بأنه يروي مناكير. وأما قول الأزدي: "كذاب"، فالأزدي نفسه واهٍ لا يُعتمد عليه. وهو محمد بن الحسين الأزدي، له ترجمة في "لسان الميزان" (٥/ ١٣٩) (١)، فراجعها إن شئت. وأما قول عمرو بن جابر في علي ﵁: "إنه في السحاب" فأمرٌ توهَّمه، ولم يُنقَل عنه غيرُه مما فيه غلوٌّ مفرط أو طعنٌ في الصحابة ﵃. ومما يؤيد ما ذكرته في كلام الإمام أحمد أنه ﵀ روى حديث عمرو هذا وكرَّره في "المسند" مرارًا كما رأيتَ، ثم احتج به مع غيره فيما حكى أصحابه عنه أنه قال في صيام ستة أيام من شوال: "رُوي هذا عن النبي ﵌ بثلاثة أوجه". ذكره ابن قدامة في "المغني" (٣/ ٩٥) (٢). ومراده بالثلاثة: حديث أبي أيوب وحديث ثوبان وحديث جابر، فإنها هي التي خرَّجها في "مسنده". وبالجملة فحديثه هذا يصلح شاهدًا على الأقل.

стр. 38

الفصل السابع في بقية الأحاديث • [ص ١١] حديث البراء، لفظه كما في "كنز العمال" (ج ٤ ص ٣٢٠) (١): "من صام رمضان وستة أيام من شوَّال كان كصيام السنة كلها، الحسنة بعشر أمثالها". ونسبه إلى ابن النجار و"مشيخة ابن البنّاء"، ونسبه ابن حجر في "التلخيص" (٢) وغيره إلى الدارقطني. • وحديث ابن عمر، لفظه كما في "الترغيب والترهيب" (٣) للمنذري: "من صام رمضان وأتبعَه ستًّا من شوال خرج من ذنوبه كيومِ ولدتْه أمُّه". ونسبه إلى "المعجم الأوسط" للطبراني (٤). • وحديث ابن عباس، لم أقف على لفظه، ونسبوه إلى "المعجم الأوسط" للطبراني (٥) أيضًا.

стр. 39

• وحديث غنّام أشار إليه ابن أبي حاتم في كتابه "الجرح والتعديل"، ولفظه في ترجمة غنّام: "غنّام والد عبد الرحمن بن غنّام، روى عن النبي ﵌ أنه قال: "من صام ستة أيام من شوَّال ... ". روى حاتم بن إسماعيل عن إسماعيل المؤذن عن عبد الرحمن بن غنام عن أبيه" (١). ولغنّام ترجمة في "الإصابة" (٢)، وقال: ذكره ابن أبي حاتم عن أبيه في الصحابة ... ، رواه حاتم بن إسماعيل عن إسماعيل المؤذن مولى عبد الرحمن بن غنام عن عبد الرحمن بن غنام عن أبيه. ثم قال الحافظ: "قلت: ووصله ابن مندة من رواية حاتم، ولفظه: "من صام رمضان وأتبعه ستًّا من شوّال فكأنما صام السنة". وأخرجه أبو نعيم (٣) بنحوه. ووقع عند البغوي: غنام الأنصاري، سكن المدينة وروى عن النبي ﵌ حديثًا ... ". وذكره في "الإصابة" في موضع آخر (٤): "وعِنان رجل من الصحابة، له حديث واحد. كذا ذكره علي بن سعيد العسكري، وساق من طريق إسماعيل المؤذن عن عبد الرحمن بن عنان عن أبيه رفعه: "من صام ستًّا بعد يوم الفطر فكأنما صام الدهر" كذا قال، وهو تصحيف، وإنما هو غنَّام بالغين المعجمة

стр. 40

وتشديد النون وآخره ميم، وسيأتي على الصواب في مكانه". وذكره الذهبي في "التجريد" (١) وقال: "إسناد حديثه غريب". أقول: أما حاتم بن إسماعيل فثقة مشهور من رجال الصحيحين (٢). وأما إسماعيل المؤذن فلا أدري من هو. وعبد الرحمن بن غنام لم أجد له ترجمة فيما وقفت عليه من الكتب (٣). والله أعلم. • وأما عائشة أم المؤمنين فكأن حديثها في "جزء الدمياطي"، فإن السبكي قال: "وقد اعتنى [شيخنا أبو محمد الدمياطي بجمع طرقه، فأسنده عن بضعة وعشرين رجلًا رووه عن سعد بن سعيد، وأكثرهم حفّاظ ثقات ... ورواه أيضًا عن النبي ﷺ : ثوبان وأبو هريرة وجابر وابن عباس والبراء بن عازب وعائشة] (٤).
следующие страницы →