بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل الله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
وبعد:
فإن العالم البشري كله يشهد في هذا العصر من الاضطراب والضياع والفوضى، وسواد المستقبل، وتجهم المصير ما يرعب القلوب، ويزلزل الأفكار، فهو أشبه ما يكون بسفينة مهترئة تتقاذفها أمواجٌ متلاطمةٌ في غمرات بحر لُجِّيٍّ لا تجد مِن اجتيازها مناصًا، ولا من سطوته خلاصًا.
وقد أمسك بزمامها أمم كافرة عملاقة (تستعمل قوة العفاريت بعقول الأطفال) - كما قال (جود) -، ويحفزها التنافس الضاري إلى مزيد من الصراع والتهور والاندفاع، وتأتي أمم الكفر الأقل شأنًا، فتحاول أن تثِبَ وَثَبَاتٍ كبرى؛ لتصل إلى مستوى الصراع مع العمالقة المسيطرين، وتبحث لنفسها عن موضع قدم في هذه السفينة الهائجة، وأصبح التفكير في هذا الواقع الأسوَد والمصير الكالح هو الشغل الشاغل للمفكرين والمتعقِّلين في الغرب وغيره، بل أصبح بفعل التدفق الإعلامي الهائل من الهموم اليومية لرجل الشارع - كما يسمونه -، إذ ما?
стр. 2
من نشرة أخبار يسمعها، أو صحيفة يطالعها، إلا ويجد فيها النذر الصارخة بهذا المصير، فأخبار الحروب والفتن، والانفجارات والانهيارات، والزلازل والانقلابات، والجفاف والفيضانات، والكوارث والانتحارات ... إلخ، أصبحت من كثرة ما ترددت في ذهنه مثل أخبار الرياضة وأحوال الطقس!.
ومع سباق التسلح الرهيب، والتنافس في نشر أسلحة الفتك المبيد، أحس الناس حقيقةً بالهلع الذي يقضّ المضاجع، وهرع الفلاسفة والمفكرون إلى التنقيب عن حلٍّ للمعضلة الإنسانية الكبرى، وتلمسوا أي مخرج للانعتاق من الظلمة الكثيفة التي غطت وجه الأرض وردمت الإنسان في المفاوز المهلكة، والأحراج الشائكة.
ووصل الأمر بكثيرٍ منهم إلى الاقتناع المطلق بأن خلاص هذا العالم - إن قدر له الخلاص - لن يكون من داخله، وأن السفينة الهاوية إلى أعماق المحيط لن ينتشلها من هو قابعٌ في داخلها.
ومع هذا لم يظهر - مع الأسف الشديد - ما يدل على أوبةٍ صادقةٍ إلى الله، واستجابةٍ لدينه الحق الوحيد الذي مازال غضًّا طريًّا في مسمع الدنيا ومرآها.
بل دفعت عوامل أخرى - ولا مجال هنا لتفصيلها، ولبيان ذنبنا نحن المسلمين فيها - إلى أن قامت كل أمة من الأمم تشحذ همتها، وتقدح زناد فكرها، وتستلهم من عتيق حضارتها وماضي أسلافها، فمع إفلاس المذاهب الوضعية الحديثة ارتد الناس قرونًا إلى الوراء، وبدأوا يستعرضون الذاكرة البشرية على ما فيها من قَتَمٍ وغبشٍ وإسفاف، لعل?
стр. 3
في متاهات الماضي ما يقيهم شر غوائل المستقبل، ولعل في خبايا القرون الخوالي كوة صغيرة ينفذ منها اللاهثون العصريون إلى بر الأمان.
لقد كانت أوروبا القرن التاسع عشر تدين بالعقلانية، والإطلاق بعقلانية لا تتردد في تفسير أي شيء، وإطلاق لا يستثني من قواعده الصارمة شيئًا، فلما صدمتها السنن الربانية الثابتة، وعصفت بها التحولات الخطيرة حتى أشرفت على الهاوية، عادت إلى مذاهب (اللامعقول) (١)، التي يرفض أن يضبطه شيء، والنسبية التي تأبى كل أحكام العموم والإطلاق، حتى أن مذهبًا إطلاقيًّا حتمًا - كالشيوعية - تراجع من الحلم بالسيطرة على معظم العالم في الستينيات يصبح في نهاية الثمانينيات رأسمالية حمراء.
وبتبني اللامعقول، والنسبية؛ انتكست أوروبا من جديد، وأعلنت - وهي في قمة السيادة الحضارية - إفلاسها وانهيارها، واختبأ روائيوها وشعراؤها وعامة أبطال فكرها وفنّها في أقبية الجاهلية اليونانية الهالكة، يحتمون بظلامها وظلالها من لظى الأفكار المادية المهترئة، والشعارات المجدبة، وسعير التطبيقات الرعناء لآراء وضعها في القرن الماضي جهلاء ارْتَدُوا زِيّ الحكماء.
стр. 4
ومع عودة سيدة الحضارة العجوز وانتكاستها عادت الأمم التابعة تلهث في الطريق نفسه.
فانتفضت الصين على (ماو)، وحطمت تماثيله على يد الجماهير الكادحة التي كانت تصرخ منذ سنوات ليست بالكثيرة: (ماو ماو! رب الكادحين)، وعانت بلهفة وشوق إلى (كونفشيوس) الدفين منذ آلاف السنين في أعماق الذاكرة الصينية.
وبدأت الهند في ترميم أصنامها العتيقة بعد أن أصبحت تستقبل من الغربيين اللاهثين بحثًا عن (بوذا)، و (كرشنا) أكثر مما تستقبل من الإرساليين الكنسيين الطامعين في إدخال الهنود إلى دين (بولس) (١) وبابواته.
وتفوقت اليابان على أمريكا في كثير من مجالات التكنولوجيا - أو نافستها - في حين أنه ما يزال الإمبراطور منسوبًا إلى سلالة الآلهة، وكأن اليابانيين قد اقتنعوا - أمام عودة الغرب الحائرة - بأن التقدم التكنولوجي لا يزيد هذا النسب الإلهي إلا عراقةً ورسوخًا.
وظهرت في أمريكا الجنوبية واستراليا دعاوى عريضة بأن لها حضارات ماضية، وأمجادًا وطنيةً غابرة.
ومهما قيل عن عدم مطابقتها للحقيقة؛ فالغرض المهم هو: أنها
стр. 5
إعلانٌ للعودة وللتوقف عن السير وراء الضائعين في الغرب المفلس.
لقد أخذت كل أمة من الأمم تبحث في مجاهل تاريخها عن فيلسوفٍ قديم، أو شاعرٍ غابر، أو مصلحٍ سالف؛ لتقدمه للبشرية على أنه منقذ جديد، وأن في (إلهاماته) ما ينير الطريق لإنسان القرن العشرين الحائر المضطرب، وأصبحت الميادين الكبرى في عواصم هذه الأمم معابد عصرية تتوسطها تماثيل أولئك الغابرين.
وهكذا برزت ظاهرة إنسانية كبرى هي ظاهرة (العودة إلى الماضي)، التي هي تعبيرٌ صارخٌ عن عدم الثقة في الحاضر، والتي لا تعدو في مقاييسنا الإسلامية أن تكون عرضًا من أعراض الخسران الأكبر، والإفلاس الماحق لقوم كفروا بالله ورسله ﴿ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل: (٦٦)].
ومع بروز هذه الظاهرة - عالميًّا - بدأ التيار التغريبي العلماني في العالم الإسلامي يتردد، بل ينحسر ويندحر، وبدأت جَمْع جُمَّة من القطيع السائر خلفه تتوقف وترعوي، وانكسرت حدة الانبهار بالغرب الكافر لدى عددٍ لا يستهان به، وتنادوا - لا سيما الشباب منهم - بالعودة لماضينا الذي ليس ماضي سائر الأمم بأولى منه.
وفي وسط طريق العودة التقى هذا الرافد العالمي العصري بالرافد الأصلي الذي ظل في غمرات القرون مستقيمًا، لم يشذّ مستعليًا، ولم ينبهر، أَلَا وهو بقايا الخير في هذه الأمة من رجال ما تزعزع يقينهم لحظةً واحدةً في أنه لا يَصلُح هذا العالم إلا بهذه الأمة، وأنه لا يصلح آخرُ
стр. 6
هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.
وبدأ هذان الرافدان في تشكيل نهرٍ لا بد أن يصبح في يوم من الأيام تيارًا، ومن ثم يجتاح ما على هذه الأرض من الشرور والأدران والأوثان، كما وعد الله وبشَّرَ رسول الله ﷺ .
لكن الشيطان الذي تعهد بإضلال بني آدم إلى يوم يبعثون، وأعوانه بل أقرانه الذين ما فتئ الشيطان يتعلم منهم فنون المكر والتآمر، عمدوا إلى إحباط هذا الأمل العظيم من طريقين:
الأولى: تضخيم هذه العودة الإسلامية البريئة - بل الساذجة في كثير من مظاهرها - وتسميتها (يقظة العملاق)، و (قوة الغد)، و (صحوة الإسلام)، ونحو ذلك مما هو إغراءٌ صارخٌ للقوى العالمية ووكلائها المحليين باستئصال هذه النبتات الغضة في مهدها، مع أن الحقيقة أنه حتى هذه اللحظة ما تزال ظاهرة العودة في العالم الإسلامي متأخرة عمليًّا عمَّا وصلت إليه في البلاد الأخرى، حيث وصلت هناك إلى دفة الحكم أو قاربت!!.
إن الإعلام الغربي لا يستكثر على (الدالاي لاما) المطالبة بدولة بوذية مستقلة عن الصين، بل لم يستكثر على الهندوس المتعصبين أن يحكموا الهند، وإنما يستكثر على أمة الإسلام العظيمة الممتدة من المحيط الهادي إلى المحيط الأطلسي أن يكون في بعض جامعاتها شباب متدينون، ويستغرب وجود جامعات غير مختلطة، أو جامعيات غير متبرجات، مع أن ذلك لا يمثل إلا نسبة ضئيلة من الانتشار السكاني الهائل للأمة.
стр. 7
يستكثرون ذلك ويستغربونه، ويتابعهم عليه في بلاد الإسلام من يتابعهم، مع أن الأصل في الأمة الإسلامية ألا تنحرف ولا تنبهر، مع أن الأصل في المسلم إذا انحرف وعصى أن يتوب ويستقيم.
إن الأصنام العصرية الكبرى تعرضت لنسف تماثيل (لينين)، و (ستالين)، وتماثيل (ماو)، وتماثيل (شاوسكو) بمباركة الغرب إلا صنمًا واحدًا يحرسه الإعلام الغربي أكثر مما يحرس تماثيل المسيح ﵇، ذلك هو صنم (أتاتورك)!!.
تمامًا مثلما ضاقت باريس (عاصمة النور والحرية عند كثير من المخدوعين) بغطاء رأس فتاة مسلمة من بين ألوف الأزياء والموضات!!.
ومثلما ضاقت دولة الحياد والكرامة الإنسانية و .. (سويسرا)!!.
في نظر الغرب لا ضير في عودة الملايين إلى أسفار (فيدا)، وتعاليم (بوذا)، أما عودة بعض أمة الإسلام إلى نور القرآن وهدي محمد ﷺ فهي وحدها نذير الشؤم، وداعية الويل والثبور، وعظائم الأمور!!.
وليس أعجب حالًا من هؤلاء إلا من يصدقهم ويجاريهم من أبناء جلدتنا المستغربين، أو من يأخذه الغرور بقولهم من التائبين العائدين.
نعم إن إفلاس المذاهب الأرضية في العالم الإسلامي وسقوط ممثليها أصبح حقيقة ثابتة وقد جرى ذلك وفق سنة إلهية ثابتة.
ولكن رجوع المسلمين إلى الإسلام ما يزال في أول بشائره، وأمامه عقبات كبرى ذاتية وخارجية، كما أن له سنته الإلهية الأخرى
стр. 8
التي ما لم نرعها ونسير بمقتضاها فلن نصل أبدًا.
الثاني: استنفار أفاعي (الطابور الخامس) من قطاع الطريق إلى الله الذين عملوا منذ عهد عبد الله بن سبأ، والجعد بن درهم، وبِشر المريسي، والنظَّام (١) ... إلخ لنسف القلعة الإسلامية من داخلها، وإجهاض كل محاولة لرفع هذه الأمة إلى القمة التي أراد الله أن تكون عليها.
فأما العدو الخارجي؛ فللحديث عنه مواضعه الأخرى، وما عداؤه لنا، واستعداؤه علينا بجديد، وما هو بالذي يحسب له كل هذا الحساب لو كنا في أنفسنا أمة تعيش وتسير كما أمر الله، فالله تعا لى يقول: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٢٠]. ونحن قد فقدنا الخصلتين كلتيهما إلا من رحم الله.
وأما قطَّاع الطريق؛ فهم لَعَمْرُ الله آفة هذه الأمة قديمًا وحديثًا، وهم (حصان طروادة) الذي ما دخلت إلينا الأفكار الغربية قديمها وحديثها إلا من خلاله وبآثاره.
ولن نستعرض تاريخهم القديم، وهل في الإمكان استعراض المحيط الزاخر؟ ولكننا نشير بإجمال إلى دورهم في ركوب موجة التوبة الجماعية التي نسميها - ولو على سبيل التفاؤل - (الصحوة الإسلامية)!!.
стр. 9
لقد أراد كل كمين من هذه السبل المتفرقة التي نهى الله عن اتباعها أن يستغل بواكير هذه الصحوة، ويستغفل شبابها الغض، فيلقي عليهم ثوب بدعته، ويقنعهم بقناع مذهبه حتى تصبح الأمة العائدة - وهي التي أراد الله لها، ونريد لها أن تكون أمةً واحدةً على المنهج الأبلج النقي - - تصبح شيعًا وأحزابًا، كما كان حالها أيام الزحف التتري أو الصليبي.
فأحدهم (صوفي) لا يعرف من التدين إلا الطبل والمزمار، والحضرة والتواجد ... يندس في الصفوف العائدة رافعًا راية التصوف - أو خرقته -، ساعيًا بأقصى جهده إلى تصويف المسيرة كلها.
وذاك رافضيٌّ خبيثٌ يتقمَّص شخصية الدجال تحت عمامة المجدد، ويلوح للجموع الباحثة عن الطريق: أن تعالوا إلى الإسلام، وما غايته إلا ترفيض القافلة بأجمعها.
وذلك مستشرق عربي! غذَّاه المستشرقون الغربيون بما استطاعت عقولهم الضحلة أن تلتقطه من فتات أفكار الفرق البائدة، وأظهروا أمامه التباكي على تراثها الإسلامي المفقود، وكنوزه الضائعة، واستحثوه أن يشتغل بالتنقيب عنها ونشرها (١)، فجاء المخدوع أو المتآمر ينبش رميم الباطنية والحلولية، وينفض الغبار عن هرطقة الفلاسفة والمعتزلة، ويحقق كتب البدع والفرقة، تحت ستار إحياء التراث والتحقيق العلمي
стр. 10
النزيه ... وما الغرض إلا تمزيق طريق العودة، وتشتيته ذات اليمين وذات الشمال، وإذكاء القروح الميتة في كبد الأمة الجريحة، وأقلّ ما فيه صرف النظر عن الكنوز الحقيقية التي ليست مجرد تراث!! بل هي منبع الحياة الفكرية، ومعالم على طريق المنهج القويم. وجاءت سبل وطوائف أخرى ... وتكدست في المكتبة الإسلامية.
وفي أخطر ركن فيها - وهو ركن العقيدة - صحائف سود، لا أعني سواد مدادها ولكن سواد فكرها، واستشرت ظلمات بدعتها حتى ظهرت على صفحات المجلات والجرائد، فأخرجوها من دوائر المتخصصين إلى متناول العوام المساكين.
وهذه الكتب والمقالات قد تبدو للناظر أول وهلة وكأنها هي مجرد امتداد للفرق المنحرفة القديمة، ولا دافع لها إلا التعصب لتلك الفرق والمذاهب، والواقع أن وراء تلك الأكمة ما وراءها، وأن هذه النظرة إن صدقت على بعضهم لا تصدق على كلهم، فهي لا تهدف للتعصب للماضي بقدر ما هي تخطط وتبرمج للمستقبل، مستغلةً سذاجة غالب شباب الصحوة كما أسلفنا.
ومن الأدلة على ذلك: ما يفتعله أصحاب هذا الاتجاه البدعي المقنع حين ينشرون أفكارهم وكتبهم على الملأ، ويحثون الشباب على قراءتها، ثم لا يفوتهم أن يقرنوا ذلك بالتباكي على ما تعيشه أمة الإسلام من تفرق وتمزق، وأنها ما تزال تبحث مسألة (أين الله)، ومسألة (القرآن مخلوق أم قديم)، و (قضايا الفلاسفة والمعتزلة والصوفية والأشاعرة ... إلخ).
стр. 11
في حين أن العدو يحتل أراضيها ويهدد كيانها، ولا يفرق بين أحدٍ منها، فهلا انصرف المسلمون لمحاربة الشيوعية، ومقاومة الخطط الصهيونية، وتركوا هذه الخلافات!!.
يتباكون على هذا، وهم يقدمون للشباب مؤلفات كلها تفلسف وتجهم واعتزال وتصوف وتشعر ... الخ.
وأشهد أن بعضهم - إن لم أقل كثيرًا منهم - قد كتب الكثير من المؤلفات في الطعن على السلف، والنيل من عقيدتهم، والدعوة الصريحة إلى البدعة التي هي أصل الانقسام والفُرقة، وما كتب حرفًا واحدًا قط عن الشيوعية والصهيونية، بل إن واقع حاله يدل على أن تضليل - أو تكفير - أئمة عقيدة السلف أولى عنده وأهم من محاربة الشيوعية أو الصهيونية.
وأخطر من هؤلاء: طائفة من القطاع هالها كساد سوقها، وتكدس مصنفاتها البدعية، فعمدت إلى أسلوب أمكر وأخبث، وهو انتحال مذهب السلف الصالح ظاهرًا، وادعاء أنه ومذهبها سواء، وزعمت أنها بذلك تخدم مصلحة الإسلام، وتسعى لجمع المسلمين، فبعثروا المعالم والمعايير أمام الشباب الحائر، فلم يعد يدري كيف يسير.
هذا الأسلوب بدأه الرافضة منذ مطلع القرن العشرين بما أسموه (التقريب بين المذاهب الإسلامية)، ثم تبعتهم الفرق البدعية الأخرى تحت شعار (توحيد الصفوف)، فقدموا للشباب الذهب مع البهرج والحجارة والنحاس، وقالوا: لا بد من صهر الجميع في بوتقة واحدة، ولا عليك إن اخترت منها ما شئت، فالكل يسمى معدنًا.
стр. 12
وإن مما يدمي القلب أن كثيرًا من شباب الصحوة خدعته هذه الدعاوى الزائفة، وعصبت عينيه عن رؤية الحق الصراح، فتطوعوا بخدمة قطاع الطريق الماكرين، حتى أن بعض المراكز الإسلامية في الغرب وغيره أصبحت أوكارًا للرافضة وغيرها، وانتعشت البدع والشركيات حتى صرح بعض سدنة الأضرحة أن إقبال الشباب عليهم في زيادة مستمرة، وأن المريدين أخذت أعدادهم في السنوات الأخيرة تتضاعف، وكلما سمعت أو رأيت شيئًا من هذه الظواهر المرعبة أسأل نفسي بحق: هذه الصحوة الإسلامية التي نبتهج ببشائرها، ونتطلع إلى بواكيرها، أهي صحوة فعلًا، أم هي - عياذًا بالله - انتكاسة جديدة إلى موروثات الوثنية الإغريقية، والصوفية الهندية؟.
أم أن الخمرة المسكرة الوحيدة في نظر بعضنا، هي خمرة الافتتان بالغرب وأفكاره ونظمه، ومن صحا منها فلا عليه أن يسكر بخمرة الوجد والفناء، أو نبيذ البدع والأهواء، فلا يصحو إلى يوم يُبعَثون؟!.
وأسأل نفسي أيضًا: لماذا يرفض شباب الإسلام الفكرة الواحدة نفسها إن كان سندها - مثلًا -: (ماركس) عن (هيجل) عن (أرسطو)، ويعدها كفرًا وإلحادًا، ويقبلها ويتعصب لها - بذاتها - إذا كان سندها: الرازي عن ابن سينا عن أرسطو؟!.
أم أن عداوتنا أصبحت كعداوة الثور للون الأحمر فقط، فنعادي الباطل؛ لأنه منقولٌ عن الغرب وأذنابه، لا لأنه باطل يجب معاداته أينما وجد في واقع أنفسنا، أو في صفحات تاريخنا، أو موروثات مجتمعاتنا ومذاهبنا.
стр. 13
واسم (الإسلام) يطلق على:
(١) - المنتحلون لمذهب السلف اسمًا، والمخالفون له سلوكًا وفهمًا.
(٢) - عموم الاسم لكل مسلم لم ينتسب لعقيدة بدعية، وظلَّ على الإيمان المجمل الصحيح، أو أيًّا كان تخصصه العلمي؛ فقيهًا، محدثًا، لغويًّا، مؤرخًا، شاعرًا، بل العامي من المسلمين يطلق عليه ذلك.
وأما كلمة (أهل السنة والجماعة) فهو مصطلحٌ عزيز، وشعارٌ عظيم، وكيف لا وهو يعبر عن حقيقة الإسلام الصافية النقية التي لا شائبة فيها ولا زيغ، وهو منارٌ وعَلَمٌ على الفرقة الناجية من أمة الإجابة، تلك الفرقة التي تمسكت بما كان عليه ﷺ وأصحابه، وصبرت عليه، وجاهدت في سبيله، فكانوا كما قال بعض السلف: (أهل السنة في الإسلام كأهل الإسلام في سائر الملل).
والتفرق والاختلاف من البلاء الذي لم يرفعه الله عن هذه الأمة منذ أن قتلت خليفتها الثالث عثمان بن عفان ﵁ ظلمًا وعدوانًا، كما أشار حديث حذيفة في الفتن التي تموج موج البحر (١).
فهو في حقيقته عقوبة جرى بها القدر المحكم، تحقيقًا لقوله تعالى ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَاسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام: (٦٥)].
стр. 14
على ما فسرتها به الأحاديث الصحيحة (١)، ولله في ذلك الحكمة البالغة، وما أصاب المسلمين عامة من مصيبة فبما كسبت أيديهم ويعفو عن كثير، وليس بخارج عن سنة الله أن يبتليهم بما لم يبتل به أمم الكفر، أو يذيقهم من البأس ما لم يذقها.
وليس عجيبًا في سنة الله أن يأتي عصر يقلّ فيه أهل السنة والجماعة ويستضعفون، ويعلو فيه أهل البدعة والفرقة ويسيطرون، فهذا أيضًا من الابتلاء - ابتلاء التمحيص والرفع - الذي هو سنة الله في الأنبياء من قبل: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان: ٣١].
﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣].
ولكن العجب المستنكر أن تطغى البدع حتى يبلغ من جرأة أصحابها أن يدّعوا أنهم هم أهل السنة والجماعة، وأن أهل السنة والجماعة هم أهل الضلالة والفرقة!.
أو يضيع الحق بين تفريط أهل السنة والجماعة وتلبيس أهل الضلالة والفرقة، فيقال: إن هؤلاء من هؤلاء، وأن الفرقتين سواء - دون نكير ولا اعتراض -.
стр. 15
فهذا - حسب التشبيه المأثور في حال أهل السنة بين أهل الإسلام - مثلما لو ادعى عدوٌ للإسلام أن أهل الإسلام بين أهل الأديان قليلٌ؛ كالشعرة البيضاء في الثور الأسود، ورتب على هذا أنهم شذَّاذ لا اعتداد بخلافهم، ولا اعتبار لدينهم الذي خالفوا به سائر أمم الأرض.
فهذا ادعاءٌ لا يستحق كبير اهتمام، ولا يبعث كثير عجب، ولكن لو ادعى هذا العدو أن اليهود والنصارى هم المسلمون المتمسكون بما كان عليه الأنبياء جميعًا، وأنهم هم الأمة المصطفاة التي أورثها الله الكتاب، وأن المسلمين هم المخالفون لمنهج الأنبياء، وهم أولى أن يسموا بكل اسم سمي به أعداء الأنبياء ومخالفوهم، وسمَّاهم هذا العدو (المشركين أو الصابئين) (١)، أو نحو ذلك.
فهذا ما لا يملك أي مسلم يعرف حقيقة دينه أن يسكت عليه؛ لأنه قَلْبٌ للحقائق، ومكابرةٌ للعقول، ولو شاع مثل هذا الادعاء وسكت عليه المسلمون أو أقروه - كلهم أو بعضهم - حتى أصبح مصطلح (المشركين) أو (الصابئين) يعنيهم عند الإطلاق، ومصطلح (المسلمين) يعني اليهود أو النصارى أو المشركين ... لكان هذا خرقًا فظيعًا عما استقرت عليه الأفهام، وأجمعت عليه العقول، وتعارف عليه التاريخ المتواتر.
والمؤلم حقًّا أن هذا الذي لا يصدقه العقل بالنسبة للإسلام مع الملل قد أصبح - إلى حد ما - حقيقةً واقعةً بالنسبة لأهل السنة والجماعة مع الفرق!.
стр. 16
وقد يكون سبب ذلك أن بعض أهل السنة والجماعة لا يعرفون المضمون الكامل، والمنهج الشامل الذي يحويه مدلول (أهل السنة والجماعة)، ولا يدركون حقيقة مناهج الفرق البدعية وأصولها، ومن ثم كانت الخسارة الكبرى لأهل السنة والجماعة، لا أعني خسارة الأتباع، ولكن اضمحلال الشعار، وضياع الحقيقة في ركام الزيف، وفقدان المنهج المتميز في زحمة المناهج.
وقد ركَّب الله تعالى في نفوس بني آدم كافة من معرفة العدل ما ينكرون به أن يتقمص اللص شخص الحارس، وأن ينتحل الفاجر شخصية التقي، وأن يدعي الشيطان حقيقة المَلَك.
وعن هذا عبَّر شاعر المعرَّة بقوله:
فوا عجبًا يدّعي الفضل ناقص ** ووا أسفا كم يُظهر النقص فاضل
إذا وصف الطائيَّ بالبخل مادرٌ ** وعيّر قسًّا بالفهاهة باقل
وقال السهى: يا شمسُ أنتِ خفية ** وقال الدجى: يا صبح لونك حائل
وطاولت الأرضُ السماءَ سفاهة ** وفاخرت الشهبَ الحصى والجنادلُ
فيا موت زر إن الحياة ذميمة ** ويا نفس جدّي إن دهرك هازل
إن الله أخبرنا عن أصحاب جهنم أنهم يقولون: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: (١).]. فنفهم من هذا: أن الكفار لا سمع لهم ولا عقل، وأن المؤمنين أهل السنة والجماعة هم أصحاب السمع الصحيح، والعقل الكامل؛ من جهة أنهم يتلقون عن القرآن
стр. 17
والسنة الصحيحة، ويستخدمون قوة العقل، وملكة الفهم للتمييز بين الحق والباطل، وأن أصحاب البدع أصحاب فساد في السمع وخلل في العقل.
ومن فساد السمع التلقي عن الدجالين والكهان والمشعوذين، أو الفلاسفة والملاحدة والصابئين، والاستشهاد بالروايات الموضوعة والواهية.
ومن فساد العقل عندهم: تحريف معاني النصوص الصحيحة، والتأويلات الباطلة، وضرب الوحي بعضه ببعض من أجل تغيير البدعة التي لا أصل لها فيه.
فللمعرفة إذن مصدران لا ثالث لهما:
(١) - إما الوحي، والعقل السليم، والفطرة المستقيمة، كلٌّ منها يصدق الآخر، وهذا من نصيب أهل السنة والجماعة دون سائر الفرق والملل.
(٢) - وإما الأساطير والأوهام والتخرصات والخيالات والوساوس، وهذه تسميها كل ملة منحرفة باسم تزعمه: فالكفار أصحاب النظريات الكونية والنفسية المخالفة للوحي يسمونها (حقائق علمية)، وهؤلاء كذبهم الله تعالى وهدم منهجهم بآيةٍ واحدةٍ من كتابه: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف: ٥١].
والفلاسفة ومن حذا حذوهم من المتكلمين المنتسبين للإسلام
стр. 18
يسمونها (البراهين) أو (القواطع العقلية)، وهؤلاء ساروا على المنهج الإبليسي في معارضة الوحي بالرأي: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: (١٢)].
والمشعوذون والدجالون وغلاة الصوفية المنتسبون للإسلام يسمونها (كشفًا وفيضًا ووجدًا وذوقًا ...). وهؤلاء اتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان، وما ورثوه من تعاليم هاروت وماروت، وسحرة الفراعنة، وكهان الهندوس، وأصحاب البدود (١)، كما كانوا يسمونهم.
هذا ونحن نقدم للقراء الكرام كتاب الأشعرية الكبير بعد نفاد الطبعة الأولى من الصغير، نرجو أن ينفع الله بها.
стр. 19
أول واجب على المكلف
من البدهيات في التصور الإسلامي - وهو الذي عليه عقيدة السلف - أن أول ما بجب على المكلف: هو توحيد الله وعبادته وحده، كما تضمنته كلمة التوحيد (شهادة أن لا إله إلا الله)، وهذه المعاني انتظمتها روايات حديث معاذ ﵁ حين بعثه النبي ﷺ : إلى أهل الكتاب باليمن، وبيَّن له أول ما يدعوهم إليه؛ ففي رواية: (أن يوحدوا الله)، وفي أخرى: (عبادة الله)، وفي ثالثة: (أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله) (١).
على أن أولية هذه القضية لا تختص بالابتداء بها قبل كل قضية، بل تعني ما هو أهم، وهو أنها أهم وآكد القضايا.
أما وجوده وأنه خالق الكون؛ فأمر فطري ضروري مركوز في النفوس البشرية جيعها، وإن كابر فيه من كابر.
هذا هو اعتقاد أهل السنة والجماعة.
أما الأشاعرة فإن مذهبهم هو عين مذهب المعتزلة المتابعين لأسلافهم من الفلاسفة المثبتين، الذين جعلوا غاية الإيمان ومحصِّله هو (العلم بحدوث العالم وقدم الصانع).
ولما كانت وسيلة هذا العلم عندهم هي العقل وحده فقد دخلوا في متاهة فلسفية، من جهة أن أول ما يتوقف عليه حصول هذا العلم
стр. 20
بجب أن يكون هو أول واجب.
فذهب بعضهم إلى أن أول واجب هو النظر.
وذهب آخرون إلى أنه القصد إلى النظر.
وقال بعضهم: إنه إرادة النظر.
وقال بعضهم: إن أول واجب هو أول جزء من النظر.
وقال بعضهم: أول واجب هو اعتقاد وجوب النظر.
وقال بعضهم: بل الشك هو أول واجب؛ لأنه الذي يدفع للقصد إلى النظر.
إلى آخر ما قالوا من التكلف والتعمق فيما لا طائل فيه!!.
وأصل البلاء: هو إنكارهم للمعرفة الفطرية، بل تصريحهم بأن وجود الله تعالى غير معلوم بالاضطرار، وإنما يعلم بالنظر والاستدلال.
وهذا ما قرره وصرح به القاضي المعتزلي عبد الجبار (١)، وتبعه القاضي الأشعري الباقلاني الذي قال ضمن ما يجب على كل أحدٍ اعتقاده، ولا يجوز الجهل به: «وأن يعلم أن أول ما فرض الله على جميع العباد النظر في آياته ... لأنه سبحانه غير معلوم باضطرار،
стр. 21
ولا مشاهد بالحواس، وإنما يعلم وجوده وكونه على ما تقتضيه أفعاله بالأدلة القاهرة، والبراهين الباهرة.
والثاني من فرائض الله على جميع العباد: الإيمان به، والإقرار بكتبه ورسله ...» (١) اهـ.
ومعلومٌ من صريح القرآن أن هذا الثاني هو المطلوب الأول الذي دعت إليه رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم، وأن وجوده تعالى مما أقرَّ به الكفار المكذبون للرسل، ولا جدال في حض القرآن على النظر والفكر والتدبر، ولكن الكلام هنا في أول واجب، وكونه طريق الإيمان والتوحيد.
ويذهب الجويني إلى أبعد من ذلك، وهو أن أول واجب ليس النظر، بل القصد إلى النظر، قال: «أول ما يجب على العاقل البالغ باستكمال سن البلوغ أو الحُلُم شرعًا: القصد إلى النظر الصحيح المفضي إلى العلم بحدوث العالم» (٢) أي: حدوثه.
ثم يدخل في مسائل محيرة ذكرها في (الشامل).
مثل مسألة ما إذا بلغ إنسان ثم اخترمته المنية وهو في أثناء النظر،
стр. 22
فهل يعد مؤمنًا أم لا؟ (١) ونحوها مما يجزم المطَّلع عليها بأنها تكلفات محدثة لا أصل هنا ولا دليل.
وقد نقل الحافظ ابن حجر ﵀ كلام الجويني وغيره في شرحه لكتاب الإيمان من الفتح، ورد عليه قائلًا: «ومع ذلك فقول الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: (٣٠)]، وحديث: (كل مولود يولد على الفطرة) ظاهران في دفع هذه المسألة من أصلها».
ثم قال: «وقد نقل القدوة أبو محمد بن أي جمرة عن أبي الوليد الباجي عن أبي جعفر السمناني - وهو من كبار الأشاعرة - أنه سمعه يقول: إن هذه المسألة من مسائل المعتزلة بقيت في المذهب. والله المستعان» (٢).
كما أورد الحافظ في أول كتاب التوحيد من الفتح كلامًا طويلًا جدًّا في هذه المسألة، ذكر فيه - ضمن ما ذكر - كلام أئمة الأشاعرة؛
стр. 23
كالباقلاني، والجويني، وابن فورك، والإسفرائيني، ثم قال بعد ذكر كلامهم واختلافاتهم: «وقد ذكرت في كتاب الإيمان من أعرض عن هذا من أصله، وتمسك بقوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾». ثم ذكر الآية والحديث السابقين، وأعاد نقل اعتراف السمناني قائلًا: «وقد وافق أبو جعفر السمناني وهو من رؤوس الأشاعرة على هذا، وقال: إن هذه المسألة بقيت في مقالة الأشعري من مسائل المعتزلة» (١).
أما مسألة أن (أول واجب هو الشك) فلم أجد من نص عليه من الأشاعرة نصًّا، بل نقلوه عن أبي هاشم الجبائي المعتزلي، ولكن القرطبي (٢) - وهو أشعري - قال عن توبة الجويني التي فيها: «ركبت البحر الأعظم، وغُصت في كل شيء نهى عنه أهل العلم في طلب الحق، فرارًا من التقليد، والآن فقد رجعت واعتقدت مذهب السلف». قال: «إن قوله: (ركبت البحر الأعظم) إشارة إلى هذا المذهب، أي مذهب الشك» (٣).
ولكن واقع حال أئمة الأشاعرة يدل على أن أول طريق اليقين عندهم هو البدء من الشكِّ، وهذا ما ينطبق على كلام الجويني، وأصرح
стр. 24
من ذلك ما فعله الغزالي الذي عاش تجربة الشك، ثم انتهى به الأمر إلى اختيار طريق الصوفية، وقد تحدث بنفسه عن هذه التجربة في كتابه الذي أسماه (المنقذ من الضلال) وغيره.
وقريبٌ منه قول الرازي في توبته: «إني كنت رجلًا محبًّا للعلم، فكنت أكتب من كل شيءٍ شيئًا لأقف على كميته وكيفيته، سواء كان حقًّا أو باطلًا».
إلى أن يقول: «ولقد اختيرت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيت فيها فائدةً تساوي الفائدة التي وجدتها في القرآن» (١).
وهذا حال كثيرٍ منهم لما رفضوا ما أسموه (إيمان العوام)، أو (التقليد) تاهوا وتحيروا، وشكوا وترددوا، ونقبوا في كل سبيل، وبحثوا عن كل مصدر، وأخيرًا عاد من عاد منهم، وأخذ يضرع إلى الله أن يميته على دين العجائز.
وذِكْرُ حَيرتهم وتوبة من تاب منهم يطول شرحه، وإنما المقصود بيان ما أوجبوه وألزموا به الأمة من واقع حالهم هم بأنفسهم.
وأصل البلاء في هذه المسألة ونحوها: هو الإصابة بعدوى الفلسفة الوثنية الإغريقية، التي ترجمت زمن المأمون ومن بعده، والتي تنكر الوحي وتجعل العقل هو وحده الحكم والمعيار ومصدر التلقي في كل شيء، وكان مذهب فلاسفتها إخضاع المعتقدات والأديان كلها للنظر العقلي.?
стр. 25
فلما وافقهم المصابون بدائها من المتكلمين المنتسبين للإسلام على هذا - بغض النظر عن حسن النية وسلامة الدافع لدى بعضهم - وأدخلوا الإسلام ضمن المعتقدات القابلة للنظر والنقد، وفتحوا باب المعارضة المفتعلة بين المعقول والمنقول، وجعلوا المعقول المزعوم هو الأصل (١)؛ حصل بذلك من الضلالات والانحرافات والنكبات في دين الأمة ودنياها ما يعجز التاريخ عن حصره.
هكذا سلَّم الأشاعرة تبعًا للمعتزلة أن الإيمان بالله ورسوله بدون النظر العقلي - على الصفة التي اشترطوها - إنما هو تقليدٌ محضٌ، حتى صرح أبو حامد الغزالي - وهو من أخفِّهم في القضية - أن (جميع عقائد العوام مباديها التلقين المجرد، والتقليد المحض) (٢).
ثم قالوا: كيف يصح التقليد في العقيدة وهي أصل الدين؟. وقالوا: بماذا ندفع قول الفلاسفة المعطلين - القائلين بقدم العالم - في قولهم: إن المسلم لو ولد في دار النصرانية لكان نصرانيًّا، ولو ولد في دار المجوسية لكان مجوسيًّا، لكن لما ولد في دار الإسلام صار مسلمًا، وإنما آمن كل واحدٍ بما وجد عليه قومه، وإن المسلم إذا واجهته الأدلة العقلية ربما كفر أو شك؟.
من هذا الموقف الانهزامي الدفاعي، ومن اعتبار قضية إثبات
стр. 26
حدوث العالم وقِدم الصانع أساس كل قضية كما سبق، جعلوا أول واجب على المكلف هو النظر أو مقدماته، إذ بواسطته - بزعمهم - يدفع الإنسان الشكوك ويقاوم الشبهات، فيؤمن عن اقتناعٍ لا عن تقليد.
فلما تقرر هذا لديهم نظروا إلى عوام المسلمين الذين لم يعرفوا هذه المقدمات النظرية، فحاروا في حكمهم واختلفوا:
فمنهم من كفّرهم.
ومنهم من فسّقهم.
ومنهم من فصّل بحسب أهلية النظر وغيرها.
ومنهم من حكم بإيمانهم، لكن جعل النظر شرط كمال، لا شرط صحة.
إلى آخر مذاهبهم وأقوالهم التي نشير الآن إلى شيءٍ منها للاختصار:
ففي (شرح الكبرى) للسنوسي نقل الأقوال في إيمان المقلد، وأرجعها إلى ثلاثة: أنه كافر، وأنه عاصٍ، وأنه مؤمن. واختار السنوسي القول الأول (١).
والعجيب أنه ذكر ضمن ذلك عدم الاعتداد بخلاف من أسماهم (الحشوية)!.
وقال صاحب (الجوهرة):
إذ كل من قلّد في التوحيد ... إيمانه لم يخل من ترديد?
стр. 27
ففيه بعض القوم يحكي الخُلفا ... وبعضهم حقق فيه الكشفا
فقال إن يجزم بقول الغير ... كفى وإلا لم يزل في الضير
وفي (شرح الجوهرة) للباجوري أو (البيجوري) نقل الأقوال أيضًا، ومنها: القول بالتكفير، قال: «فيكون المقلد كافرًا، وعليه السنوسي في الكبرى» (١).
أما الدسوقي في (شرح أم البراهين) فقد أطال جدًّا، واستغرق في ذكر أقوال أئمة المذهب بدءًا بأبي الحسن الأشعري الذي ينقل عنه أنه يرى عدم صحة إيمان المقلد، ومرورًا بالقاضي، وأبي المعالي، وابن العربي، وسائر أتباعهم ممن يطول ذِكرُه ونَقْلُ كلامه، ومن أراد الاستقصاء والتفصيل فليراجعها هنالك (٢)، هذا مع النقول المستفيضة التي أوردها الحلافظ عنهم في كتاب التوحيد من الفتح وتقدمت الإشارة إليها.
وقال صاحب (المواقف): «فرعٌ: إن قلنا الواجب النظر، فمن أمكنه زمان يسع النظر التام ولم ينظر فهو عاصٍ، ومن لم يمكنه أصلًا فهو كالصبي، ومن أمكنه ما يسع بعض النظر دون تمامه ففيه احتمال، والأظهر عصيانه، كالمرأة تصبح طاهرةً فتفطر ثم تحيض فإنها عاصية، وإن ظهر أنها لم يمكنها إتمام الصوم» (٣).?
стр. 28
قال البغدادي في (أصول الدين): «قال أصحابنا: كل من اعتقد أركان الدين تقليدًا من غير معرفةٍ بأدلتها ننظر فيه: فإن اعتقد مع ذلك جواز ورود شبهة عليها وقال: لا آمن أن يَرِدَ عليها من الشبه ما يفسدها (؟). فهذا غير مؤمنٍ بالله ولا مطيع، بل هو كافر، وإن اعتقد الحق ولم يعرف دليله، واعتقد مع ذلك أنه ليس في الشبه ما يفسد اعتقاده، فهو الذي اختلف فيه أصحابنا:
فمنهم من قال: هو مؤمنٌ، وحكم الإسلام له لازمٌ، وهو مطيعٌ لله تعالى باعتقاده وسائر طاعاته، وإن كان عاصيًا بتركه النظر والاستدلال المؤدي إلى معرفة أدلة قواعد الدين.
قال: وبه نقول.
ومنهم من قال: إن معتقِد الحق قد خرج باعتقاده عن الكفر؛ لأن الكفر واعتقادَ الحق في التوحيد والنبوات ضدان لا يجتمعان، غير أنه لا يستحق اسم المؤمن إلا إذا عرف الحق - في حدوث العالم وتوحيد صانعه، وفي صحة النبوة - ببعض أدلته، سواءً أحسن صاحبها العبارة عن الدلالة، أو لم يحسنها.
وهذا اختيار الأشعري، وليس المعتقد للحق بالتقليد عنده مشركًا، ولا كافرًا، وإن لم يسمّه الإطلاق مؤمنًا» (١).
فالبغدادي كما ترى ينقل أن رأي الأشعري: هو أن العامي المقلد ليس كافرًا ولا مؤمنًا، فهي إذن المنزلة بين المنزلتين التي ذهب إليها?
стр. 29
المعتزلة، وفي هذا تصديق لما قاله أبو جعفر السمناني الذي نقلنا كلامه من قبل.
على أن تكفير العوام ليس هو اللازم الوحيد لهذا القول، بل ذلك ليشمل السلف أيضًا من الصحابة والتابعين؛ إذ إن إيمانهم لم يكن قطعًا على الكيفية التي رتبوها وقرروها، وحسْبُك تكفير أكمل الخلق إيمانًا دليلًا على بطلان هذا المذهب، وعلى قول من لم يكفِّر المقلد منهم، أليس الحكم بفسقهم وأنهم عاصون - كما في (المواقف) - أمرًا خطيرًا؟.
وهذا ما جعل بعض الأشاعرة - مثل السمناني السابق ذكره، وأبي المظفر ابن السمعاني، وأبي حامد الغزالي، ونحوهم - ينتقدون المذهب في هذه المسألة، وبعضهم - كالقرطبي - صرَّح بتكفير من جعل الشك أول واجب، ومن اعتقد كفر من لم يعرف الله على طريقته الكلامية (١).
وقد سبقت الإشارة إلى أن أبا حامد من أخفِّهم في المسألة؛ إذ نسبوا إليه أنه لا يرى النظر شرط صحة، بل شرط كمال (٢)، وقد اعترف في (الإحياء) بخطأ منهج أصحابه في القضية، ومما قاله: «فقس عقيدة
стр. 30
أهل الصلاح والتقى من عوام الناس بعقيدة المتكلمين والمجادلين، فترى اعتقاد العامي في الثبات كالطود الشامخ لا تحركه الدواهي والصواعق، وعقيدة المتكلم الحارس اعتقاده بتقسيمات الجدل كخيط مرسل في الهواء؛ تفيئه الريح مرة هكذا ومرة هكذا، إلا من سمع منهم دليل الاعتقاد فتلقفه تقليدًا، كما تلقف نفس الاعتقاد تقليدًا، إذ لا فرق في التقليد بين تعلم الدليل أو تعلم المدلول، فتلقين الدليل شيءٌ، والاستدلال بالنظر شيءٌ آخر بعيدٌ عنه» (١).
ونحن مع موافقتنا لمن نقد المذهب من أصحابه وغيرهم على تفضيل عقيدة أهل الصلاح والتقى على عقيدة المتكلمين؛ لا نوافقهم على أن إيمان هؤلاء الصالحين المتقين - فضلًا عمن هو أعظم منهم إيمانًا من سلف الأمة - مجرد تقليد، كما قال أبو حامد. فمن أخذ الشيء بدليله ليس مقلدًا، واتباع نصوص الوحي ليس تقليدًا، بل هو الإيمان الذي يدل عليه العقل والنقل والفطرة!!.
وعلماء الأشاعرة لما حصروا القضية في التقليد والنظر، ثم تبين لهم من تجاربهم الخاصة فساد النظر الكلامي، وهزاله؛ عادوا إلى تفضيل التقليد حتى أوصى كثير من أئمتهم في توباتهم المشهورة آخر أيامهم؛ كالجويني، والغزالي، والرازي، وغيرهم بالتمسك بدين العجائز، ووصفوه بأنه أفضل عقيدة وأسلمها (٢).?
стр. 31
ونحن نقول: بل إن أفضل من دِينِ العجائز دِينُ الراسخين في العلم من سلف الأمة ومن اتبعهم، الذين لم يقفوا عند الإيمان المجمل، بل عرفوا من تفصيلات حقائق العقيدة ما تحترق به أعظم شبهات المبطلين، وهم الذين أظهر الله على أيديهم حجته على العالمين في كل زمان، وأورثهم ميراث النبوة والكتاب، ولكنكم - معشر الأشاعرة - لا تنفكون تصفونهم بأنهم حشوية، أو غثاء، أو نابتة، بل ترمونهم بالكفر والزندقة (١).
أما قضية التقليد فمدفوعةٌ من أصلها، فإن الفطرة التي فطر الله عليها خلقه لا تسمى تقليدًا، ومن ادَّعى أن إيمان المسلمين كإيمان اليهود والنصارى والبراهمة في أنه محض تقليد، فقد افترى وبغى، وقد قال الله تعالى في الحديث القدسي الصحيح: (وإني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين ...) (٢).
وصح عن النبي ﷺ أنه قال في رواية: (ما من مولود يولد إلا على هذه الملَّة). ولذلك لم يقل في أيٍّ من الروايات: (أو يسلمانه). بل
стр. 32
قال: (فأبواه يهودانه وينصرانه ويشركانه) (١). فكيف نجعل من اجتالته الشياطين وأفسدته تربية الأبوين، ومن بقي على الفطرة النقية سواء؟!.?
ومع وضوح دلالة هذه المسألة من الكتاب والسنة الصحيحة؛ نجد الآمدي يقول: «إن العلم برسالة الرسول، والقول بتصديقه يتوقف على معرفة وجود المُرسِل وصفاته، وما يجوز عليه وما لا يجوز بتوسط الحادثات والكائنات والممكنات، وذلك كله ليس هو مما يقع بديهةً، فإنه لو خلّي الإنسان ودواعي نفسه في مبدأ نشوئه من غير التفات إلى أمرٍ آخر لم يحصل له العلم بشيءٍ من ذلك أصلًا (٢).
وهذا الرد الصريح للنصوص الواردة في الفطرة وغيرها، ليس غريبًا إذا عرفنا قاعدة الأشاعرة العامة في موقفهم من العقل والنقل على النحو المبين في الفصل الخاص بذلك.
ولهذا فكل من قال: (أفرغ ذهني من كل الاعتقادات ثم أبحث عن الحقيقة حتى أجدها) كما وقع من الغزالي، والرازي، والجويني، وأضرابهم، فلا شك في ضلال طريقته حتى وإن أوصله بحثه إلى الحق في النهاية.
وقد يكون فلاسفة أوربا الذين سلكوا هذه الطريقة مثل (ديكارت) و (هيوم) معذورين في هذا التفريغ؛ لأنهم فرغوا أذهانهم من خرافات
стр. 33
الكنيسة ووثنية (بولس)، بل هذا هو الواجب على كل من دان بغير الإسلام، أما من ولد بين المسلمين والحق يسطع أمام عينيه وفطرته ناطقة وعقله شاهد، فما عذره إذا فرغ ذهنه من هذا الحق الأبلج وتنكر لشواهده البينات؟ (١).
إنه لا واسطة بين الكفر والإيمان، فإذا فرغ نفسه من الإيمان فقد كفر قبل أن يفكر وينظر ويقدّر، وليتهم إذ ابتلاهم الله بهذا الداء ستروا على أنفسهم وسكتوا عن مطالبة الناس به وإيجابه عليهم، بل عن كونه أول واجب وأعظم فريضة، أو ليتهم طالبوا به أمم الكفر والضلال، لا أمة الحنيفية والفطرة.
قال ابن القيم ﵀: «سمعت شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية - قدس الله روحه - يقول: كيف يُطلب الدليل على من هو دليل على كل شيء؟. وكان كثيرًا ما يتمثل بهذا البيت:
وَلَيْسَ يَصِحُّ فِي الْأَذْهَانِ شَيْءٌ إِذَا احْتَاجَ النَّهَارُ إِلَى دَلِيلِ
ومعلومٌ أن وجود الرب تعالى أظهر للعقول والفطر من وجود
стр. 34
النهار، ومن لم ير ذلك في عقله وفطرته فليتهمهما» (١).
ولهذا لم يرد في كتاب الله وسنة رسوله إطلاق التقليد على أتباع الأنبياء لا لفظًا ولا حقيقةً، وإنما ذمَّ الله الكفار الحائدين عن دعوة الرسل بأنهم مقلدون لأسلافهم متابعون لهم بالباطل، بل إن الله تعالى سمى إسلام المشركين توبةً فقال: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: (٥)].
وأمر اليهود والنصارى بالتوبة التي هي الرجوع إلى الإسلام فقال بعد قوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: (٧٢)]. وقوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: (٧٣)]. قال: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: (٧٤)]. وما ذلك إلا لأنهم خرجوا عن دين أنبيائهم (التوحيد) إلى هذا الكفر.
ولولا ما التزمناه من الاختصار لأفضنا في هذه المسألة، غير أننا نرجو أن تكون قد اتضحت.
فإن قيل: إن بعض الأشاعرة رجح أن أول واجب هو المعرفة، كما قال في الجوهرة:
وَاعْلَمْ بِأَنَّ أَوَّلًا مِمَّا يَجِبْ ... مَعْرِفَةً وَفِيهِ خُلْفٌ مُنْتَصِبْ
стр. 35
أفلا يكون هذا هو ما يريده السلف بتوحيد المعرفة والإثبات؟.
فالجواب:
أولًا: أن هذا ليس قول جميعهم، بل بعضهم، ولذلك قال ناظم الجوهرة: «وفيه خلفٌ منتصب»، والأغلب على ما سبق من اشتراط النظر أو مقدماته.
ثانيًا: أن المراد بالمعرفة عند الأشاعرة ليس هو المراد عند السلف، فإن مراد الأشاعرة بها هو أن يعرف بالنظر العقلي ما يجب له، وما يستحيل عليه، وما يجوز في حقه على نحوٍ خاصٍّ رتبوه وقرروه، كما سبق في كلام الآمدي، حتى أن من قال: إن أول واجب هو النظر ونحوه خَرّجوا كلامه على أن النظر أساس المعرفة.
قال في (الجوهرة):
فكل من كُلِّف شرعا وجبا ... عليه أن يعرف ما قد وجبا
لله والجائز والممتنعا ... ومثل ذا لرسله فاستمعا
إذ كل من قلد في التوحيد ... إيمانه لم يخل من ترديد
وقال الدردير في (الخريدة البهية) (١):
وواجب شرعًا على المكلف ... معرفة الله العلي فاعرف
أي يعرف الواجب والمحالا ... مع جائز في حقه تعالي
стр. 36
فالواجب العقلي ما لم يقبل ... الانتفا في ذاته فابتهل
والمستحيل كل ما لم يقبل ... في ذاته ضد ثبوت الأول
وكل أمر قابلٌ للانتفا ... وللثبوت جائز بلا خفا
ويدل على ذلك: أن شارح (الجوهرة) رد على من قال: إن أول واجب هو الإيمان. ومن قال: هو الإسلام بقوله: «وهذان القولان متقاربان مردودان باحتياج كل من الإيمان والإسلام للمعرفة» (١).
فالنظر أو مقدماته أو متعلقاته عند من قال به منهم ما هو إلا بداية للمعرفة، فاتضح أنَّ الخلاف بينهم لفظي، وأن الكل بعيدٌ عن المفهوم السلفي للمعرفة.
والعجب أن التزام الأشاعرة باعتبار النظر أو مقدماته أول واجب عيني على كل مكلف، وتسمية الإيمان الفطري تقليدًا أفضى بهم إلى عدم اعتبار التواتر في مسألة وجود الله كافيًا، بل أخرجوا هذه المسألة في إفادة العلم الضروري من مسمَّى التواتر كما سنوضحه.
وذلك أنهم وافقوا ملاحدة الفلاسفة في عدم اعتبار اتفاق بني آدم - جميعهم من الملِّيين (أتباع الأديان) وغيرهم من المثبتين على وجود الله تعالى وحدوث العالم - مفيدًا للعلم الضروري؛ لأن المقلدين - بزعمهم - مهما كثروا لا يُعْتَدُّ بهم، والناظرون مهما تواتروا لا يُعْتَدُّ إلا بتواترهم على المحسوس.
стр. 37
والأشاعرة يحصرون حصول العلم اليقيني في طريقين:
(١) - التواتر.
(٢) - خبر الصادق المؤيد بالمعجزة (١).
والفلاسفة المعطلة ينكرون الثاني بإطلاق، ويقرُّون بالأول في المحسوسات، فأمكن إبطال قول الفلاسفة بطرائق كثيرة؛ منها:
(١) - إبطال قولهم باشتراط المحسوسات في التواتر، وإدخال العقليات فيه. فيقال لهم: إذا نظر جمعٌ غفيرٌ من الناس فأوصلهم نظرهم إلى نتيجة عقلية نحو وجود الله، فلم لا يعد هذا تواترًا؟ (٢).
(٢) - لو سلمنا لهم اشتراط الحسية نقول: إن أتباع الأنبياء وهم أكثر بني آدم ينقلون جيلًا بعد جيل أن رسل الله المتتابعين جاءوا بمعجزات باهرة، أوجبت صدقهم، فإيمان أتباعهم ليس تقليدًا، وإنما هو عملٌ بمقتضى ما ثبت نقله تواترًا، وهو محسوسٌ.
أقول: كان يمكن للأشاعرة أن يردوا عليهم بهذا مع عدم مخالفتهم لأصولهم، ولكن الحاصل: أن الأشاعرة لم يُلزموا الفلاسفة بما أقروا به وهو التواتر؛ بل سلَّموا لهم فيه، وحاولوا إلزامهم بما?
стр. 38
ينكرونه وهو مجرد المعجزة، ولما كان استدلالهم بهذا الثاني قاصرًا؛ ظهر عليهم الفلاسفة وألزموهم.
وها هو ذا نص كلام الجويني في ذلك، قال: «إنما يثبت التواتر بشرائط: فمنها: أن يكون المخبرون عالمين بما أخبروا عنه على الضرورة، مثل أن يخبروا عن محسوسٍ أو معلومٍ بديهةً بجهةٍ أخرى سوى درك الحواس».
قال: «ولو أخبروا عما علموه نظرًا واستدلالًا لم توجب أخبارهم علمًا، فإن المخبرين عن حدث العالم (أي حدوثه) زائدون عن عدد التواتر، وليسو يوجب خبرهم علمًا. والمخبرون تواترًا عن بلدةٍ لم نرها مصدقون على الضرورة» (١).
فانظر كيف يعتبر العلم بحدوث العالم علمًا غير ضروري؛ لأنه ليس قائمًا على دليلٍ حسيٍّ أو بدهي، بل على دليلٍ نظريٍّ استدلالي، والإيمان ببلدة لم نرها ضروريًّا؛ لأنه حسي.
وكيف يجوز أن نصدق - بالضرورة - أعدادًا من الناس عن بلدة لم نرها، ولا نصدق بالضرورة بني آدم كلهم في إجماعهم إلا من شذ علي حدوث العالم، والإنسان قد يجد في نفسه ضرورةً أعظم من كل نظرٍ بعينه، فكيف إذا كانت هذه الضرورة مشتركة بين بني آدم كلهم.
ثم بعد هذا وقبله نسأل أنفسنا ونسأل الأشاعرة: ما قيمة الاعتراف?
стр. 39
بحدوث العالم في العقيدة الإسلامية إذا نظرنا للكتاب والسنة وألقينا كلام (الحكماء) (١) جملة؟. الجواب واضح مما سبق.
ثم نقول من قبيل التنزل: ما هي الأدلة العقلية التي تثبتون بها معشر الأشاعرة وجود الله، والتي يجب على كل مكلف معرفتها حتى يكون إيمانه صحيحًا ولا يكون تقليدًا؟.
إن غاية ما تستدلون به هو ذلك الدليل المكرر اليتيم: (دليل الحدوث) (٢).
فأما من تسمونهم (الحكماء) من المعطلة، فيجزمون ببطلانه من وجوه عقلية كثيرة، وقد جاء في ترجمة إمامكم الكبير صاحب (البراهين) المشهورة (الرازي) أنه (أو تلميذه الأرموي مختَصِرُ كُتُبِه) قال: «عندي كذا وكذا مائة شبهة على القول بحدوث العالم» (٣).
وأما علماء السنة فيقولون: إنه يقوم على مقدمات عقلية طويلة، منها
стр. 40
الخطأ، ومنها الغامض المتكلف، ومنها المنازع فيه، وما في نتائجها من صواب تعرفه العامة فطرةً، ويمكن تقريره بأخصر مما تكلفتموه وأبيَن (١). ورحمة الله أوسع من أن يسد على عباده أبواب معرفته والإيمان به، إلا هذا من السبيل الوعر المتكلف.