فالواجب العقلي ما لم يقبل ... الانتفا في ذاته فابتهل
والمستحيل كل ما لم يقبل ... في ذاته ضد ثبوت الأول
وكل أمر قابلٌ للانتفا ... وللثبوت جائز بلا خفا
ويدل على ذلك: أن شارح (الجوهرة) رد على من قال: إن أول واجب هو الإيمان. ومن قال: هو الإسلام بقوله: «وهذان القولان متقاربان مردودان باحتياج كل من الإيمان والإسلام للمعرفة» (١).
فالنظر أو مقدماته أو متعلقاته عند من قال به منهم ما هو إلا بداية للمعرفة، فاتضح أنَّ الخلاف بينهم لفظي، وأن الكل بعيدٌ عن المفهوم السلفي للمعرفة.
والعجب أن التزام الأشاعرة باعتبار النظر أو مقدماته أول واجب عيني على كل مكلف، وتسمية الإيمان الفطري تقليدًا أفضى بهم إلى عدم اعتبار التواتر في مسألة وجود الله كافيًا، بل أخرجوا هذه المسألة في إفادة العلم الضروري من مسمَّى التواتر كما سنوضحه.
وذلك أنهم وافقوا ملاحدة الفلاسفة في عدم اعتبار اتفاق بني آدم - جميعهم من الملِّيين (أتباع الأديان) وغيرهم من المثبتين على وجود الله تعالى وحدوث العالم - مفيدًا للعلم الضروري؛ لأن المقلدين - بزعمهم - مهما كثروا لا يُعْتَدُّ بهم، والناظرون مهما تواتروا لا يُعْتَدُّ إلا بتواترهم على المحسوس.
стр. 37
والأشاعرة يحصرون حصول العلم اليقيني في طريقين:
(١) - التواتر.
(٢) - خبر الصادق المؤيد بالمعجزة (١).
والفلاسفة المعطلة ينكرون الثاني بإطلاق، ويقرُّون بالأول في المحسوسات، فأمكن إبطال قول الفلاسفة بطرائق كثيرة؛ منها:
(١) - إبطال قولهم باشتراط المحسوسات في التواتر، وإدخال العقليات فيه. فيقال لهم: إذا نظر جمعٌ غفيرٌ من الناس فأوصلهم نظرهم إلى نتيجة عقلية نحو وجود الله، فلم لا يعد هذا تواترًا؟ (٢).
(٢) - لو سلمنا لهم اشتراط الحسية نقول: إن أتباع الأنبياء وهم أكثر بني آدم ينقلون جيلًا بعد جيل أن رسل الله المتتابعين جاءوا بمعجزات باهرة، أوجبت صدقهم، فإيمان أتباعهم ليس تقليدًا، وإنما هو عملٌ بمقتضى ما ثبت نقله تواترًا، وهو محسوسٌ.
أقول: كان يمكن للأشاعرة أن يردوا عليهم بهذا مع عدم مخالفتهم لأصولهم، ولكن الحاصل: أن الأشاعرة لم يُلزموا الفلاسفة بما أقروا به وهو التواتر؛ بل سلَّموا لهم فيه، وحاولوا إلزامهم بما?
стр. 38
ينكرونه وهو مجرد المعجزة، ولما كان استدلالهم بهذا الثاني قاصرًا؛ ظهر عليهم الفلاسفة وألزموهم.
وها هو ذا نص كلام الجويني في ذلك، قال: «إنما يثبت التواتر بشرائط: فمنها: أن يكون المخبرون عالمين بما أخبروا عنه على الضرورة، مثل أن يخبروا عن محسوسٍ أو معلومٍ بديهةً بجهةٍ أخرى سوى درك الحواس».
قال: «ولو أخبروا عما علموه نظرًا واستدلالًا لم توجب أخبارهم علمًا، فإن المخبرين عن حدث العالم (أي حدوثه) زائدون عن عدد التواتر، وليسو يوجب خبرهم علمًا. والمخبرون تواترًا عن بلدةٍ لم نرها مصدقون على الضرورة» (١).
فانظر كيف يعتبر العلم بحدوث العالم علمًا غير ضروري؛ لأنه ليس قائمًا على دليلٍ حسيٍّ أو بدهي، بل على دليلٍ نظريٍّ استدلالي، والإيمان ببلدة لم نرها ضروريًّا؛ لأنه حسي.
وكيف يجوز أن نصدق - بالضرورة - أعدادًا من الناس عن بلدة لم نرها، ولا نصدق بالضرورة بني آدم كلهم في إجماعهم إلا من شذ علي حدوث العالم، والإنسان قد يجد في نفسه ضرورةً أعظم من كل نظرٍ بعينه، فكيف إذا كانت هذه الضرورة مشتركة بين بني آدم كلهم.
ثم بعد هذا وقبله نسأل أنفسنا ونسأل الأشاعرة: ما قيمة الاعتراف?
стр. 39
بحدوث العالم في العقيدة الإسلامية إذا نظرنا للكتاب والسنة وألقينا كلام (الحكماء) (١) جملة؟. الجواب واضح مما سبق.
ثم نقول من قبيل التنزل: ما هي الأدلة العقلية التي تثبتون بها معشر الأشاعرة وجود الله، والتي يجب على كل مكلف معرفتها حتى يكون إيمانه صحيحًا ولا يكون تقليدًا؟.
إن غاية ما تستدلون به هو ذلك الدليل المكرر اليتيم: (دليل الحدوث) (٢).
فأما من تسمونهم (الحكماء) من المعطلة، فيجزمون ببطلانه من وجوه عقلية كثيرة، وقد جاء في ترجمة إمامكم الكبير صاحب (البراهين) المشهورة (الرازي) أنه (أو تلميذه الأرموي مختَصِرُ كُتُبِه) قال: «عندي كذا وكذا مائة شبهة على القول بحدوث العالم» (٣).
وأما علماء السنة فيقولون: إنه يقوم على مقدمات عقلية طويلة، منها
стр. 40
الخطأ، ومنها الغامض المتكلف، ومنها المنازع فيه، وما في نتائجها من صواب تعرفه العامة فطرةً، ويمكن تقريره بأخصر مما تكلفتموه وأبيَن (١). ورحمة الله أوسع من أن يسد على عباده أبواب معرفته والإيمان به، إلا هذا من السبيل الوعر المتكلف.
стр. 41
السمعيات
مع أن هذا هو موضع مبحث السمعيات اللائق به؛ لأنه - بحسب الظاهر - كالاستدراك على موضوع مصدر التلقي عامة، فقد كنت أريد أن يكون هو أول مبحث من مباحث ذلك الموضوع، وهكذا كتبته في المسودة، وكان ذلك خشية أن تراود القارئ - وهو يقرأ المباحث السابقة - فكرة إثبات السمعيات عند الأشاعرة، فيظن أن النتائج التي وصل إليها هناك ليست نهائية مطلقة، بل مقيدة أو مخصصة بمسألة السمعيات، فأردت أن أقدمه لكي أستأصل هذه الشبهة سلفًا.
ثم آثرت أن أؤخر بحث هذا الموضوع إلى محله اللائق - وهو هنا - تاركًا للقارئ أن يستخلص الحكم النهائي بنفسه بعد طول أناة.
وتلك الفكرة التي خشيتها قد كانت في ذهني أنا من قبل، وهي - بحق - قائمةٌ في أذهان كثيرٍ من الباحثين، فقد كنت أحسب - كما هم يحسبون - أن إثبات الأشاعرة لما يسمونه السمعيات (أي العقائد الغيبية؛ كالجنة والنار، والميزان والصراط، وعذاب القبر، وكذلك رؤية المؤمنين لربهم تعالى ونحوها) هو خروجٌ عن أصولهم في مصدر التلقي، ورجوعٌ مطلقٌ إلى المصدر السمعي (الوحي)، وأن خطأهم فيها محصورٌ في التأصيل المنهجي لها، أعني قسمة الموارد إلى دائرة عقل ودائرة وحي.
ولهذا كنت أقبل قول من يقول: «إن الأشاعرة موافقون لأهل السنة والجماعة في السمعيات، مع مخالفتهم لهم في سائر أبواب العقيدة».
стр. 42
ولكن الواقع الذي تنطق به كتبهم أنهم في هذا الموضوع أيضًا مخالفون لأهل السنة والجماعة في قضيتين منهجيتين:
الأولى: أن أهل السنة والجماعة لم يقسموا هذا التقسيم، وليسوا بحاجة إليه أصلًا، وذلك لأن التقسيم مبني على مفهوم فاسد عن العقل وعلاقته بالسمع، يقول الجويني بعنوان: (باب القول في السمعيات): «اعلموا وفقكم الله أن أصول العقائد تنقسم إلى ما يدرك عقلًا ولا يسوغ تقدير إدراكه سمعًا، وإلى ما يدرك سمعًا ولا يتقدر إدراكه عقلًا، وإلى ما يجوز إدراكه سمعًا وعقلًا» (١).
فهذا أصل تقسيمهم الباطل، فأما هضمهم لدور النقل وتضخيم دور العقل إلى حد القول باستقلاله بإدراك أصول العقائد؛ فلن نبحثه الآن، بل نكتفي ببيان المفهوم السلفي للعقل، فالعقل عند أهل السنة والجماعة يشمل العقل الفطري الذي منحه الله لكل بنى آدم، والعقل الاستدلالي النظري الذي يكتسبه الإنسان ويستخدمه العلماء، وبمعنى أهم هو يشمل: البديهية والبصيرة، والحسّ والفهم والتفكير.
فلهذا لم يكونوا بحاجة إلى أن يسموا شيئًا من العقائد (سمعيات) بمعناها عند الأشاعرة؛ لأنه بالمقابل ليس لديهم عقائد تسمى (عقليات) بمعناها عند أولئك.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في (شرح الأصفهانية). «إن طرق الناس في إثبات العقائد نوعان: سمعية وعقلية». ثم يقرر أن «العقلية
стр. 43
هي أيضًا شرعية سمعية باعتبار أن السمع دل عليها وأرشد إليها، وأن الشرع أحبّها ودعا إليها» (١). وقال: «فالآيات التي يريها الناس حتى يعلموا أن القرآن حقٌّ هي آياتٌ عقليةٌ، يستدل بها العقل على أن القرآن حقٌّ، وهي شرعية دلّ الشرع عليها وأمر بها، والقرآن مملوءٌ من ذكر الآيات العقلية التي يستدل بها العقل، وهي شرعيةٌ لأن الشرع أرشد إليها، ولكن كثيرًا من الناس لا يسمي دليلًا شرعيًّا إلا ما دلّ بمجرد خبر الرسول، وهو اصطلاحٌ قاصرٌ» (٢).
فلو قال قائل: «إن كل ما يثبته أهل السنة والجماعة من العقائد ثابتٌ بالنص» لكان صادقًا، ولو قال آخر: «إن كل ما يثبته أهل السنة والجماعة من العقائد يثبته العقل» لكان صادقًا أيضًا، وليس هذا متحققًا في أي فرقة من الفرق الأخرى إطلاقًا.
أما الشيء الممتنع في عقيدة السلف فهو أن يكون هنالك أصلٌ من أصول العقائد يستقل العقل بإدراكه وإثباته، وهذا من أهم وأبرز الفوارق المنهجية بينهم وبين الأشاعرة.
وليس في إمكاننا تفصيل مهمة العقل ومجاله الذي أتاحه له المنهج القرآني في هذه العجالة، وحسبنا أن نشير إلى حقيقةٍ واحدةٍ فقط هي: أن هذا العقل قد فتح الله تعالى أمامه ثلاثة كتب متطابقة
стр. 44
متضافرة، شاهدة على قضيةٍ واحدةٍ كبرى، هي توحيد الله تعالى، ووجوب اتباع منهجه، والتمسك بوحيه، وهي:
(١) - الكتاب المسطور (القرآن).
(٢) - الكتاب المنظور (الكون).
(٣) - الكتاب المأثور (التاريخ) أي أخبار الأمم الغابرة وآثارها في الأرض.
وسمَّى الله آحاد كل كتاب منها تسميةً واحدةً مشتركةً (آيات)، فالجزء المعروف من القرآن (آية)، والمشهد الكوني (آية)، والحدث التاريخي (آية)، وجعل الحديث عن هذه الآيات مبثوثًا في أكثر سور القرآن - لا سيما القرآن المكي - مما يصعب معه حصر مواضعها، ولكننا نشير إلى ما فيه من دلالات مشتركة متعلقة بموضوع (العقل):
(١) - تأتي هذه الآيات في موضع واحد شامل كما في أول سورة الجاثية: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ ٣ وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ٤ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ٥ تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ ٦﴾ [الجاثية: (٣) - (٦)] (١).
(٢) - وتأتي مفصلة كل كتاب منها على حدة مع اتحاد الصيغة والأسلوب مثل:
كما في قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: (٢٩)].
وعن آيات الكون يقول: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠].
وعن آيات التاريخ يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١]. مع قوله في أول السورة: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ [يوسف: (٧)].
(٤) - وتأتي مواضع يستعمل فيها صيغة مرادفة أخرى هي (التفكر):
فيقول عن آيات القرآن: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: (٢٤)].
ويقول عن آيات الكون: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الرعد: (٣)].
ويقول عن آيات التاريخ وإن لم يصرح بتسميتها آية هنا: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٦].
(٥) - وتأتي مواضع ينفي فيها العقل عن من أعرض عن شيء من هذه الآيات:
فقال عن آيات القرآن: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ
стр. 47
كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس: (٤٢)].
وقال عن آيات الكون: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ ١٠٠ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ ١٠١﴾ [يونس: ١٠٠ - ١٠١].
وقال عن آيات التاريخ: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ ٤٥ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ٤٦﴾ [الحج: ٤٥ - ٤٦].
(٦) - وتأتي مواضع يستعمل فيها صيغة الأمر (انظر) مع هذه الآيات: فيقول عن آيات القرآن: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة: (٧٥)].
ويقول عن آيات الكون: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: (٩٩)].
ويقول عن الآيات التاريخية: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ ٥١ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ٥٢﴾ [النمل: ٥١ - ٥٢].
فها هي ذي نصوص الوحي تمنح العقل هذه الآفاق الواسعة، والمجال الرحيب، وقد وسعت مفهومه قبل أن توسع دائرة عمله، وهي أيضًا التي حَدَّتْ له حدودًا لا يجوز له تجاوزها بحال، فلا هي رفعته عن
стр. 48
منزلته، ولا هي هضمته دوره، ولا هي ضخمت دوره في جانب، وأهدرته في جانب آخر.
أما الأشاعرة؛ فلما كان العقل العاجز الكليل عندهم، لا يحسِّن شيئًا ولا يقبحه، وأفعال الله تعالى عندهم لا حكمة لها ولا غاية؛ جعلوا الإيمان بهذه الغيبيات من قبيل التفويض إلى النص، أي خبر الصادق كما يسمونه، فهي عندهم مثل وقوف غرابٍ الآن على منارة الإسكندرية، أو جبل قاف، كما عبَّر الرازي والإيجي.
ثم لما كان العقل عندهم هو الحَكَم ومصدر التلقي - وهو مجرد زعم - قالوا: «إن العقل لا يحكم باستحالتها». وجعلوا هذه العبارة شرطًا في كل مسألةٍ من مسائل السمعيات، كما سيأتي في الأمثلة.
فلما حصروا مفهوم العقل فيما ذكرنا مع تحكيمه في كل شيءٍ، أفضى بهم ذلك حتمًا إلى افتعال التعارض بين العقل والنقل، وتخصيص دائرة عمل لكل منهما، مع إطلاق يد العقل في الأصول الكلية، وإشرافه على كلتا الدائرتين.
فظهر التناقض في أصولهم بين تحكيم العقل واستقلاله بإدراك بعض أصول العقائد من جهة، وبين وقوفه في هذه القضايا الاعتقادية موقفًا سلبيًّا هو مجرد عدم الحكم باستحالتها من جهة أخرى.
أما أهل السنة والجماعة؛ فمن منطلق النظرة الشمولية التي يتميز بها منهجهم - لأنه منهج الوحي - كانت هذه المسألة المنهجية عندهم في غاية الاتزان والاتساق والوضوح، كما قررت الآيات السابقة.
ومن أسباب هذا الاتزان باعتقادهم - حسب دلالة نصوص الوحي -
стр. 49
أن الإيمان بالغيب - في الجملة والأصل - فطريٌّ في النفوس البشرية كلها، وكل عاقلٍ مهما بلغت بدائيته يؤمن بالغيب، ويعلم ذلك في نفسه اضطرارًا، ولكن من البشر من يكابر بعد التلقين والتربية الضالة، مع أنه مهما بلغت به المكابرة إنما ينكر بعض مسائل الغيب لا كلها، وهذا هو المعروف عن الملحدين قاطبةً؛ قديمهم وحديثهم (١).
فإذا ورد النص بأمورٍ غيبيةٍ، كان هذا بالنسبة للعقل من قبيل تفصيل ما أجمل، لا أكثر، فإذا انضم إلى ذلك شهادة العقل وتسليمه المطلق سلفًا بصدق النص وصحته، لم يبق هنالك أدنى شبهةٍ للتعارض، ومن ثَمَّ فلا حاجة للتقسيم بهذا الاعتبار، ولا لتضخيم شيءٍ من جانبٍ، وإهدار قيمته في الجانب الآخر.
وعبارة: «إن العقل لا يحكم باستحالة شيءٍ من الغيبيات الثابتة بالنص» هي عند السلف قضيةٌ بديهيةٌ، ولهذا لم يحتاجوا أن يذكروها عند كل مسألة، فضلًا على أن يجعلوها شرطًا في إثبات ما أخبر به الله ورسوله، وإذا ذكروها فمن قبيل تعاضد الأدلة، وتزييف شبهات الملحدين.
أما الأشاعرة؛ فإذا قالوا: «إن العقل لا يحكم باستحالة كذا وكذا ..» مما أخبر به الشرع. فهم لا يقولونه تقريرا لبداهة القضية؛ بل تأصيلًا لتحكيم العقل، واشتراطًا لوجوب التصديق، وهذا ما ينقلنا إلى القضية الثانية وهي:
стр. 50
(٢) - أن أهل السنة والجماعة يؤمنون بالسمعيات؛ لأن النص أخبر بها، أما الأشاعرة فيؤمنون بها لتحقق شرطين:
(١) - أن الصادق أخبر بها.
(٢) - أن العقل لم يحكم باستحالتها.
ولو حكم عقلهم باستحالتها لردوا النص، أو فوضوه، أو أَوَّلُوه، كما فعلوا في الصفات وغيرها مما يسمونه (العقليات)، والأمثلة توضح ذلك، فلنأخذ مثالين للمقارنة، ثم نسرد أمثلة خاصة بالأشاعرة لبيان منهجهم من كلامهم.
(١) - إثبات العلو:
يثبت أهل السنة والجماعة علو الله تعالى على خلقه إثباتًا تتعاضد فيه نصوص الوحي بفطر النفوس بنظر العقول، حسب المنهج المتسق الذي سبقت الإشارة إليه آنفًا، وأي كتاب في العقيدة السلفية تجده يقرر ذلك بوضوح ويسر.
أما الأشاعرة فينكرون العلو، وفي مقابل ذلك يؤمنون بالرؤية، بل بما هو دونها من جهة قوة الثبوت، وهو الصراط مثلًا.
فهاهنا موضع اختلاف مع أهل السنة (العلو)، وموضع اتفاق (الرؤية)، فهل هذا اضطرابٌ عارضٌ، أم تناقضٌ منهجيٌّ؟.
إن الإجابة على هذا السؤال تتضح من خلال الإجابة على سؤال وجهه أهل السنة، ويوجهونه إلى الأشاعرة، وهو: كيف تنكرون العلو مع ثبوت النصوص فيه بما يقدر بالمئات، بل الألوف، وإطباق كل من يُعتد بعقله من الملِّيِّين وغيرهم على إثباته؟.
стр. 51
وجوابهم: إن هذا من باب (العقليات) لا من باب (السمعيات) (١)، فإذا طلبنا منهم الإيضاح قالوا: إن العقل يحيل الجهة على الله تعالى - أي يحكم باستحالة ثبوت جهةٍ له سبحانه -؛ لأن إثبات الجهة من خصائص الأجسام، ونحن ننزه الله تعالى عن الجسمية (٢).
فإذا سئلوا: وبم أثبتم الرؤية؟.
قالوا: أثبتناها بالعقل (٣) لا بمجرد السمع؛ لأن العقل يجيز الرؤية دون اشتراط المقابلة والجهة وانطلاق شعاع من عين الرائي إلى المرئي ... إلخ.
فانظر إلى عقلهم هذا الذي حكم باستحالة العلو، ولم يحكم باستحالة ذاتين منفصلتين يرى كل منهما الآخر بلا جهة ولا مقابلة!!.
وبهذا سخر منهم المعتزلة قائلين: «من أثبت الرؤية وأنكر الجهة فقد أضحك الناس على عقله» (٤).
ثم نأتي لبيان وجه آخر من أوجه التناقض فنسألهم: قد علمنا بم أثبتم الرؤية وأنكرتم العلو، فبم أثبتم الصراط؟.
وجوابهم: إن هذا من باب (السمعيات)، نؤمن به لأنه غير
стр. 52
مستحيل في العقل، وقد أخبر به الصادق!.
وهنا يقال لهم: فأين نصوص إثبات العلو التي تعد بما ذكرنا مع صراحة الفطرة والعقل في إثباته من نصوص (الصراط) التي هي أقل بدرجات، بل لم يرد صريحًا في القرآن، ولم يتواتر - على شرطكم - من السنة؟.
فظهر تناقضهم في العقليات بين العلو والرؤية، وظهر تناقضهم في السمعيات بين الصراط والعلو، وهكذا شأن منهج الأشاعرة التوفيقي، وإن شئت فقل: التلفيقي في كل مسألة.
(٢) - إثبات المعاد (الآخرة):
ينفي الأشاعرة أن يكون للعقل مجالٌ في إثبات الآخرة، مكتفين بالقول المكرر دائمًا: «إن العقل لا يحكم باستحالته، وقد أخبر به الصادق».
وهذا ما يخالفهم فيه أهل السنة والجماعة، بل سائر الفرق الإسلامية حتى المتفلسفة منهم.
يقول عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية: «وأما أمر المعاد؛ فيجعلونه كله من باب السمعيات؛ لأنه ممكن في العقل، والصادق قد أخبر به، وأما المعتزلة والفلاسفة والكرامية وغيرهم وكثيرٌ من أهل الحديث والفقه من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم وكثير من الصوفية وسلف الأمة وأئمتها، فيجعلون المعاد أيضًا من العقليات، ويثبتونه بالعقل» (١).
стр. 53
والاستدلال على المعاد وثباته بالعقل - بمفهومه السلفي - هو طريقة القرآن، كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله في مواضع كثيرة، وهو مما لا بحتاج فيه إلى النقل عن أحد لشهرته ووضوحه لكل قارئ للقرآن.
ومن أشهر استدلالات القرآن:
الاستدلال بالمنشأ على المعاد، والاستدلال بإحياء الأرض الميتة على إحياء الموتي، والاستدلال بخلق ما هو أكبر على إمكان إعادة ما هو أصغر.
ونحو ذلك من المسلَّمات البديهية التي وردت في آيات تجل عن الحصر.
وحسْبُ الأشاعرة - الذين يقولون: إن العقل أصلٌ للنقل؛ لأن النقل متوقفٌ على صحة النبوة، وهي إنما تثبت بالعقل، وإلا لزم الدور كما سبق -: أن الله خاطب الناس في المعاد بمثل ما خاطبهم به في النبوة، فقال عن النبوة: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ: (٤٦)].
وقال عن المعاد: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ٧ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ ٨﴾ [الروم: ٧ - ٨].
فلو أن القوم تدبروا كتاب الله، واستمدوا منه؛ لفازوا بصحة
стр. 54
الإيمان وسلامة التفكير وقوة اليقين.
ثم لنأخذ القضية من زاوية أخرى:
إن ظاهرة الحكمة في الكون مما تقطع به البديهية الإنسانية، وتؤخذ به العقول السليمة، فكل ما حولنا من الكون شاهدٌ عليها، ناطقٌ بها، ومقتضى هذه الحكمة ولازمُها: أن يكون هناك جزاءٌ وحسابٌ بالعدل، وإلا انحرفت ظاهرة الحكمة في أعظم وأشرف مظاهر الكون وهو الوجود الإنساني، فكيف نفسر استواء مصير طاغوت مجرم قتل الملايين وخرب الحضارات وانتهك الحرمات، ومصير أي رجلٍ ممن تُجمِع الأمم على تعظيمهم وحُسن سيرتهم وما جلبوه للعالم من خير عظيم كالأنبياء؟.
فهذا يموت وهذا يموت، وربما عاش الطاغية متمتعًا بأعظم الملذات، مغمورًا بأوسع الجاه، وعاش النبي مضطهدًا محاربًا ومات مقتولًا ...
فكيف تفسّر العقول السليمة والفطر المستقيمة استواء مصير كل منهما إلى موت لا بعث بعده ولا نشور، إلا على القول بأن هذا الكون كله عبث لا حكمة فيه، وهو مما تحكم باستحالته!!.
ومع وضوح هذه الآيات والعير يقول الأشاعرة: «إن أمر الآخرة مثل وقوف غراب الآن على جبل قاف، أومنارة الإسكندرية» (١)؟!.
والآن لنأتِ بأمثلةٍ من كلامهم على ما ذكرنا.
стр. 55
يقول الباقلاني: «ويجب أن يعلم كل ما ورد به الشرع من عذاب القبر، وسؤال منكر ونكير، ورد الروح إلى الميت عند السؤال، ونصب الصراط، والميزان، والحوض، والشفاعة للعصاة من المؤمنين، كل ذلك حقٌّ وصدقٌ، ويجب الإيمان به، والقطع به؛ لأن جميع ذلك غير مستحيل في العقل» (١).
أما الجويني فيفصل القول في كل مسألة منها:
قال عن سؤال القبر: «إن السؤال يقع على أجزاء يعلمها الله تعالى من القلب أو غيره، فيحييها الرب تعالى فيتوجه السؤال عليها، وذلك غير مستحيلٍ عقلًا، وقد شهدت قواطع السمع به» (٢).
وقال عن خلق الجنة والنار: «الجنة والنار مخلوقتان؛ إذ لا يحيل العقل خلقهما، وقد شهدت بذلك آيٌ من كتاب الله» (٣).
وقال عن الشفاعة: «... فإذا ثبت جواز التشفيع عقلًا، فقد شهدت له سننٌ بلغت الاستفاضة». ثم قال: «فإذا شهد العقل بالجواز، وعضدته شواهد السمع؛ فلا يبقى بعد ذلك للإنكار مضطرب» (٤).
وقال عن الجن والشياطين: «... نحن قائلون بثبوتهم ... فليس في إثباتهم مستحيلٌ عقليٌّ، وقد نصت نصوص الكتاب والسنة على
стр. 56
إثباتهم، وحق اللبيب والمعتصم بحبل الدين أن يثبت ما قضى العقل بجوازه ونص الشرع على ثبوته» (١).
وقال عن إعادة المعدوم: «ودرجة تحرير الدليل أنا لا نقدِّر الإعادة مخالفة للنشأة الأولى على الضرورة، ولو قدرناها مثلًا لها لقضى العقل بتجويزها، فإن ما جاز وجوده جاز مثله» (٢).
ويقول الآمدي: «ومذهب أهل الحق من الإسلاميين أن إعادة كل ما عدم من الحادثات جائزٌ عقلًا، وواقعٌ سمعًا، ولا فرق في ذلك بين أن يكون جوهرًا أوعَرَضًا ...» إلخ.
ثم قال: «هذا حكم الحشر والنشر، وعذاب القبر ومساءلته، ونصب الصراط والميزان، وخلق النيران والجنان، والحوض، والشفاعة للمؤمن والعاصي، والثواب والعقاب، فكل ذلك ممكنٌ في نفسه، وقد وردت به القواطع السمعية والأدلة الشرعية» (٣).
وقال في (المواقف): «إن جميع ما جاء في الشرع من الصراط والميزان، والحساب وقراءة الكتب، والحوض المورود، وشهادة الأعضاء حقٌّ، والعمدة في إثباتها: إمكانها في نفسها؛ إذ لا يلزم من فَرَض وقوعها محالٌ لذاته مع إخبار الصادق عنها ...» (٤).
فالقوم كما ترى ملتزمون بتقديم العقل وحكمه بالإمكان وعدم
стр. 57
الاستحالة، ثم يوردون الأدلة السمعية مؤيدةً وظهيرةً، ومع هذا فالباب عندهم هو باب (السمعيات)!!.
ذلك الباب الذي يتبادر إلى الذهن أنهم سلَّموا فيه للنصوص هو من أكثر الأبواب عندهم تناقضًا واضطرابًا.
أما اشتراط عدم حكم العقل بالاستحالة لإثبات ما ورد في النص؛ فحسْبُك فيه ما قاله شيخ الإسلام في مناقشته للأشاعرة في كتابه الفذ (موافقة صر يح المعقول لصحيح المنقول)، وهو كله ردٌّ على الأشاعرة خاصة، ولمن عداهم تبعًا، قال: «ومن قال: أنا أقرُّ من الصفات بما لم ينفهِ العقل. أو: أثبت من السمعيات ما لم يخالفه العقل. لم يكن لقوله ضابطٌ، فإنه تصديق بالسمع مشروطًا بعدم جنسٍ لا ضابط له ولا منتهى، وما كان مشروطًا بعدم ما لا ينضبط لم ينضبط، فلا يبقى مع هذا الأصل إيمان» (١).
وقال ﵀ في (شرح الأصفهانية): «إن وجوب تصديق كل مسلم بما أخبر الله به ورسوله من صفاته ليس موقوفًا على أن يقوم عليه دليلٌ عقليٌّ على تلك الصفة بعينها، فإنه مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن الرسول ﷺ : إذا أخبرنا بشيءٍ من صفات الله تعالى وجب علينا التصديق به وإن لم نعلم ثبوته بعقولنا، ومن لم يقرّ بما جاء به
стр. 58
الرسول حتى يعلمه بعقله فقد أشبه الذين قال الله عنهم: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤].
ومن سلك هذا السبيل فهو في الحقيقة ليس مؤمنًا بالرسول، ولا متلقيًّا عنه الأخبار بشأن الربوبية، ولا فرق عنده بين أن يخبر الرسول بشيءٍ من ذلك، أو لم يخبر به، فإن ما أخبر به إذا لم يعلمه بعقله لا يصدق به، بل يُؤَوِّله أو يفوضه، وما لم يخبر به إن علمه بعقله آمن به، وإلا فلا فرق عند من سلك هذا السبيل بين وجود الرسول وإخباره، وبين عدم الرسول وعدم إخباره، وكان ما يذكره من القرآن والحديث والإجماع في هذا الباب عديم الأثر عنده، وهذا قد صرح به أئمة هذا الطريق» (١).
стр. 59
مصدر التلقي
العقل مصدرًا ومعارضًا
إن موضوع مصدر التلقي لهو من أهم وأخطر القضايا الاعتقادية، بل هو بمنزلة الأساس الذي تقوم عليه سائر الاعتقادات، والأصل الذي تتفرع عنه سائر المناظرات.
وأهل السنة والجماعة فى هذه القضية على المنهاج الواضح، والمحجة البيضاء، وهي أن مصدر العلم عن الله، وما يتفرع عنه من أنواع التعبدات جميعها إنما هو الوحي، ومن خلال الوحي نعلم قيمة العقل ومهمته ومجاله، ألا وهي الاجتهاد فى فهم النصوص وكيفية العمل بها، لا في قبولها أو ردها، فهو الآلة التي وهبنا الله إياها لنسير بها على هدى وحيه العصوم (١)، وما كان للآلة أن تتعارض مع المنهج ولا أن تعترض عليه؛ لأن التعارض اتهامٌ لمن أنزل الوحي وخلق الآلة، والاعتراض متردٌ على الربوبية، وإنكارٌ للعبودية.
وقد سارت القرون المفضلة على هذه القاعدة البلجاء، فنالت قمة المجد والسعادة فى الدارين، فلما أطلّت الفتن والبدع برأسها، ثم تمكنت من التوغل فى عقول السلاطين فى عصر المأمون إلى المتوكل دارت أكبر معركة فكرية فى التاريخ الإسلامي، وكان موضوعها هو هذه القضية الكبرى (أيهما نقدم: النقل والاتباع، أم العقل والابتداع؟).
وهو الموضوع الذي تمثل فى أعظم مظاهره فى مسألة (القول بخلق
стр. 60
القرآن)، ووقف السلاطين والوزراء والجند والجلادون مع الرأي الثاني، ووقف أحمد بن حنبل والحق مع الأول.
وكان موقف الإمام الثابت خلال المحنة كلها هو قوله: «أعطوني شيئًا من كتاب الله وسنة رسوله». فإن جاءوا بظواهر من القرآن قال: «أعطوني شيئًا من السنة، وأقوال الصحابة». فكانت السياط تلهب ظهره حتى يغمى عليه، فإذا أفاق امتحنوه فأعاد العبارة نفسها، فيجلدونه حتى يغمى عليه ثانيةً، وهكذا ... وصمد على هذا الموقف حتى اندحرت جيوش البدعة، وتكسرت راياتها، واستيقظت الأمة من جديد لتعرف أصل المعركة ودوافعها.
إن الإمام أحمد ﵀ كان على يقينٍ تامٍّ بأن القضية ليست كلمة اعتراف يقولها المرء معللًا في نفسه بدواعي الإكراه، وتحميل النفس ما لا يطاق من العذاب، وينتهي الأمر؛ ولكن المسألة أكبر من كل قضايا الخلاف الفكري في التاريخ، إنها مسألة: أيهما المتبع وأيهما مصدر التلقي، الوحي أم غيره؟ ولا بد للأمة أن تعلم أن أصل الخلاف هو هذا، وأن التسليم بقضيةٍ واحدةٍ لغير الوحي يؤذن بإقصاء هذا المصدر كله.
وإزاء هذه المسألة هانت نفس أحمد بن حنبل عليه وتهون كل النفوس، وهذا النوع الفريد من المناظرة هو أحسن أنواع المناظرات وأفضلها (١)، ومن أراد إفحام أي زائغ أو مبتدع فليجعل هذا هو الأصل والقاعدة، ثم ليناظرهم بعد ذلك بما يشاء، كما فعل الإمام نفسه في مجلس الخليفة وفي كتبه.
стр. 61
على أن الحقيقة الكبرى التي يجهلها هؤلاء المعارضون للوحي - وهي التي سطرها أحمد نفسه في رسالة الرد على الجهمية - أن الذي تعارض مع الوحي ليس العقل بذاته، ولكن استخدامهم المنكوس له، أما الثابت قطعًا بواقع الجيل الأول الذي هو أعظم الناس عقولًا، وأصفاها فكرًا، وبواقع الصراع الفكري في التاريخ الإسلامي كله، وبالاستقراء المستقصى؛ فهو أن العقل الصحيح لا يمكن أبدًا أن يتعارض مع النقل الصحيح. وهذا هو موضوع السِّفر العظيم الذي كتبه شيخ الإسلام ابن تيمية (موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول) (١).
ولسنا في مقام الإفاضة في هذا الموضوع الجلل، وإنما غرضنا عرض مذهب الأشاعرة في القضية من خلال نصوص كتبهم تأصيلًا وتطبيقًا.
إن منهج الأشاعرة في هذه القضية يقوم على (القانون الكلي) الذي وُضعت مبادئه وبذوره في كتابات الباقلاني (ت٤٠٣هـ)، والجويني (ت (٤٧٨) هـ)، وستأتي النقول عنهما عما قليل، ثم جاء أبو حامد الغزالي (ت٥٠٥هـ) فألف كتابه (قانون التأويل)، وأعقبه الفخر الرازي (ت٦٠٦هـ) الذي وضع هذا القانون في صورة مقدمات موجزة، وعليه عوَّل من بعده كصاحب (المواقف) وشراحه.
وهذا القانون هو الذي صدر به شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كتابه المشار إليه (٢).
стр. 62
وإليك نصّ القانون من أصل كلام صاحبه.
يقول الرازي في (أساس التقديس): «الفصل الثاني والثلاثون في أن البراهين العقلية إذا صارت معارضة بالظواهر التقلية فكيف يكون الحال فيها؟.
اعلم أن الدلائل القطعية العقلية إذا قامت على ثبوت شيء، ثم وجدنا (١) أدلة نقلية يشعر ظاهرها بخلاف ذلك، فهناك لا يخلو الحال من أحد أمور أربعة (٢):
(١) - إما أن يُصَدِّقَ مقتضى العقل والنقل، فيلزم تصديق النقيضين وهو محال.
(٢) - إما أن يَبْطُل، فيلزم تكذيب النقيضين وهو محال.
(٣) - وإما أن يصدق الظواهر النقلية، ويكذب الظواهر العقلية، وذلك باطل؛ لأنه لا يمكننا أن نعرف صحة الظواهر النقلية إلا إذا عرفنا بالدلائل العقلية إثبات الصانع وصفاته، وكيفية دلالة المعجزة على صدق الرسول ﷺ وظهور المعجزات على محمد ﷺ (٣).
ولو جوَّزنا القدح في الدلائل العقلية القطعية صار العقل متهمًا غير مقبول القول، ولو كان كذلك لخرج أن يكون مقبول القول في هذه الأصول، وإذا لم تثبت هذه الأصول خرجت الدلائل النقلية عن كونها مفيدة.
стр. 63
فثبت أن القدح في العقل لتصحيح النقل يفضي إلى القدح في العقل والنقل معًا، وأنه باطلٌ، ولما بطلت الأقسام الأربعة (١) لم يبق إلا أن يقطع بمقتضى الدلائل العقلية القاطعة بأن هذه الدلائل النقلية إما أن يقال: إنها غير صحيحة (٢)، أو يقال: إنها صحيحة إلا أن المراد منها غير ظواهرها.
ثم إن جوَّزنا التأويل واشتغلنا (٣) على سبيل التبرع بذكر تلك التأويلات على التفصيل، وإن لم يجز التأول فوّضنا العلم بها إلى الله تعالى.
فهذا هو القانون الكلي المرجوع إليه في جميع المتشابهات. وبالله التوفيق» اهـ (٤).
ويقول الجويني في (الإرشاد): «واعلموا وفقكم الله تعالى أن أصول العقائد تنقسم إلى:
١ - ما يدرك عقلًا، ولا يسوغ تقدير إدراكه سمعًا.
(٢) - وإلى ما يدرك سمعًا، ولا يتقدر إدراكه عقلًا.
(٣) - وإلى ما يجوز إدراكه سمعًا وعقلًا.
(١) - فأما ما لا يدرك إلا عقلًا، فكل قاعدة في الدين تتقدم على العلم بكلام الله تعالى، ووجوب اتصافه بكونه صدقًا، إذ السمعيات تستند إلى كلام الله تعالى، وما يسبق ثبوته في الترتيب ثبوت
стр. 64
الكلام وجوبًا، فيستحيل أن يكون مدركه السمع (١).
(٢) - وأما ما لا يدرك إلاسمعًا، فهو القضاء بوقوع ما يجوز في العقل وقوعه، ولا يجب أن يتقرر الحكم بثبوت الجائز ثبوته فيما غاب عنا إلا بسمع.
ويتصل بهذا القسم عندنا جملة أحكام التكليف، وقضاياها من التحسين والتقبيح، والإيجاب والحظر، والندب والإباحة.
(٣) - وأما ما يجوز إدراكه عقلًا وسمعًا، فهو الذي تدلّ عليه شواهد العقول، ويتصور ثبوت العلم بكلام الله تعالى متقدمًا عليه. فهذا القسم يتوصل إلى دركه بالسمع والعقل».
«ونظير هذا القسم إثبات جواز الرؤية، وثبات استبداد الباري تعالى بالخلق والاختراع وما ضاهاهما ..
فإذا ثبتت هذه المقدمة فيتعيّن بعدها على كل معتنٍ بالدين واثق بعقله أن ينظر فيما تعلقت به الأدلة السمعية:
(١) - فإن صادفه غير مستحيل في العقل، وكانت الأدلة السمعية قاطعةً في طرقها لا مجال للاحتمال في ثبوت أصولها، ولا في
стр. 65
تأويلها، فما هذا سبيله فلا وجه إلا القطع به.
(٢) - وإن لم تثبت الأدلة السمعية بطرق قاطعة، ولم يكن مضمونها مستحيلًا في العقل، وثبتت أصولها قطعًا، ولكن طريق التأويل يجول فيها، فلا سبيل إلى القطع، ولكن المتدين يغلب على ظنه ثبوت ما دلَّ الدليل السمعي على ثبوته وإن لم يكن قاطعًا (١).
(٣) - وإن كان مضمون الشرع المتصل بنا مخالفًا لقضية العقل، فهو مردودٌ قطعًا بأن الشرع لا يخالف العقل، ولا يتصور في هذا القسم ثبوت سمع قاطع، ولا خفاء به» (٢).
ويقول السنوسي في (شرح الكبرى): «ما أخبر الشرع به وكان ظاهره مستحيلًا عند العقل، فإنا نصرفه عن ظاهره المستحيل؛ لأنا نعلم قطعًا أن الشرع لا يخبر بوقوع ما لا يمكن وقوعه، ولو كذبنا العقل في هذا وعملنا بظاهر النقل المستحيل لأدى ذلك إلى انهدام النقل أيضًا؛ لأن العقل أصل لثبوت النبوات التي يتفرع عنها صحة النقل، فلزم إذن من تكذيب العقل تكذيب النقل» (٣).
ولست أرى ما يدعوني إلى التعليق على هذا الكلام بالرد والنقض؛ فإن الاطلاع عليه ومعرفته كافيان في إبطاله، وما على من يؤمن بالله واليوم الآخر ويعظم آيات الله وكلام رسوله، ولا يقدم بين يدي الله ورسوله، ويؤمن أنه لا خيرة له إذا قضى الله ورسوله أمرًا، إلا أن يقرأ هذا الكلام،
стр. 66
فيرفضه دون نقاش ولا تردد.
ورحم الله ابن القيم فقد جعل هذا القانون هو الطاغوت الثاني، وكسره بأكثر من أربعين وجهًا مقتبسًا من كلام شيخ الإسلام (١)، وبيَّن أن تأصيل هذا الأصل الطاغوتي هو مفرق الطريق بين أهل السنة والجماعة وبين الأشاعرة، وأن حال الأشاعرة في هذا يشبه تمامًا حال المنافقين الذين دعوا إلى حكم الله ورسوله فرفضوه، وأرادوا التحاكم إلى الطاغوت، فلما ضُبطوا أقسموا أنهم ما قصدوا إلا الإحسان والتوفيق، والأشاعرة يزعمون أن هذا منهم إحسانٌ وتوفيقٌ بين العقل والنقل.
قال ﵀ في نونيته المشهورة: (وقد آثرت نقلها لاشتمالها على موجز مذهب السلف أيضًا):
يا قوم تدرون العداوة بيننا من أجل ماذا في قديم زمان
إنا تحيزنا إلى القرآن والـ نقل الصحيح مفسر القرآن
وكذا إلى العقل الصريح وفطرة الرحمن قبل تغير الإنسان
هي أربع متلازمات بعضها قد صدقت بعضًا على ميزان
والله ما اجتمعت لديكم هذه أبدًا كما أقررتمُ بلسان
إذ قلتم العقل الصحيح يعارض الـ منقول من أثرٍ ومن قرآن
فنقدم المعقول ثم نصرف الـ منقول بالتأويل ذي الألوان
فإذا عجزنا عنه ألغينا ولم نعبأ به قصدًا إلى الإحسان
стр. 67
ولكم بذا سلفٌ لهم تابعتمُ لما دعوا للأخذ بالقرآن
صدوا فلما أن أصيبوا أقسموا لمرادنا توفيق ذي الإحسان (١)
هذا وقد رتب الأشاعرة على هذا الطاغوت، وفرعوا عنه من الأصول المنهجية الباطلة ما لا يتسع المجال لذكره، وحسبنا الإشارة إلى بعض ذلك؛ فمنها:
(١) - عدم إفادة النصوص لليقين.
(٢) - التأويل.
(٣) - إسقاط قيمة النصوص في مجال العقيدة.
وهذه القضايا متلازمة، لكننا سنفصلها حسب ترتيبها.
стр. 68
اعتقادهم أن نصوص الوحي لا تفيد اليقين
انطلاقًا من قانون تقديم - بل تحكيم - العقل، بحث الأشاعرة موضوع مجال الوحي واختصاصه حسب القسمة المنطقية الثلاثية لموارد الأدلة التي ننقلها عمَّا قليل.
وليست محاولة تحديد مجالات الوفاق والخلاف بين العقل والنقل إلا مظهرًا من مظاهر (الوسطية)، أو (التوفيقية) التي يتبنَّاها الأشاعرة ويدعونها.
ذلك أن المذهب الأشعري منذ تأسيسه (١) قام على فكرة (الوسطية) بين المعتزلة والسلف، تلك الفكرة التي تمثلت أوضح تمثل في القانون المذكور سابقًا.
ولكن الواقع هو أن هذه (الوسطية) لم تكن سوى أسلوب توفيقي غير ناجح، وكما قيل: (من أراد التوفيق لم يحالفه التوفيق). ذلك أن تباعد ما بين المنهجين: السلفي والاعتزالي كفيلٌ بأن يحكم على أي محاولة توفيقية بالإخفاق.
وكانت النتيجة هي ظهور مذهب - أو منهج - ثالث ملفَّق، يقوم نسيجه على قضايا متعارضة، بل متناقضة في كثير من الأحيان، وبذلك
стр. 69
أصبح محط النقد الشديد من أتباع السلف وأتباع التفلسف والاعتزال سواء.
لقد أراد الأشاعرة التوفيق بين الأصول السلفية في التعامل مع نصوص الوحي، وبين الأسس الفكرية الاعتزالية القائمة على معايير ومنطلقات خاصة للتحكم في النصوص، وهذه المعايير الاعتزالية تعتمد على سلسلة من عمليات الفصل - أو البتر - الاعتباطية، تسندها قواعد اصطلاحية أحدثها المعتزلة أنفسهم في علوم اللغة والبيان والمنطق.
وسوف نضطر إلى عرض موجز لذلك نظرًا لأهميته في المقارنة بالمنهج الأشعري:
(١) - الفصل بين السنة والقرآن:
وإن شئت فقل: فصل بعض الوحي (الشرح) عن البعض الآخر (المتن أو النص)، فالسنة كثيرًا ما تحدد معاني القرآن تحديدًا قاطعًا لا مجال معه للبحث في المعاني اللغوية المجردة لألفاظ القرآن، ولكن لما كان المعتزلة أبعد الناس عن السنة علمًا وعملًا أسقطوا دلالتها جملة.
(٢) - الفصل بين النص القرآني والمنهج الكلي:
فالآية المعينة ليست سوى حلقة من حلقات متسقة تشكل منهجًا كليًّا في الاعتقاد أو السلوك، مثل منهج الإيمان بصفات الله، أو منهج الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكن المعتزلة يجتزئون هذه الآية دون النظر إلى روابطها ومكانها من المنهج المتكامل،
стр. 70
بل كثيرًا ما يجتزئون اللفظة الواحدة دون النظر لموقعها من مدلول الآية نفسها.
(٣) - بعد هذا يأتون بتلك الجملة أو اللفظة المفصولة المجردة، فيطبقون عليها قواعد أو قوالب اصطلاحية كان للمعتزلة أنفسهم اليد الطولى في تقريرها، كقواعد علوم البلاغة (١) مثلًا.
فإذا وضعنا في الاعتبار سعة اللغة العربية؛ ظهر أنه يمكن بالنظر إلى الألفاظ وحدها دون اعتبارٍ لمقاصد المتكلم، أو القرائن الظاهرة أن تقبل الجملة أو اللفظة أكثر من احتمال.
ومهما قيل: (إن بعض الاحتمالات أقوى من بعض)؛ فإن مجرد قبول الاحتمال - لا سيما عندما يكون التعسف والتشهي هو الأصل - يكفي وحده في الحكم على مدلول النص بأنه ظني!!.
٤ - بعد تقرير الحكم بأن النص ظني، يحاكمونه - ون كان محكمًا في الأصل - إلى نصٍ متشابه، أي عكس المنهج السلفي، وليس مرادهم التحاكم إلى النصوص؛ ولكن لأن بعض احتمالات المتشابه تتفق مع مقرراتهم وأصولهم العقلية التي قررت وأصِّلت سلفًا وفق منهج بعيد كل البعد عن النصوص. (٥) - فلمَّا دعموا دلالة المتشابه - بعد إخضاع المحكم لها - بالقاعدة العقلية، أوهموا الناس أنهم وفقوا بين العقل والنقل، وجعلوا من
стр. 71
هذا التوفيق قاعدة كلية منضبطة، وألزموا كل أحد بالرد إليها، والتحاكم إليها (١).
стр. 72
وقد أدى هذا بطبيعة الحال إلى إسقاط قيمة النصوص جملة، وهي نتيجة يشترك فيها الأشاعرة معهم، لكن (الوسطية الأشعرية) لم تصل إلى هذه النتيجة مباشرة، بل بواسطة تقرير قاعدتين خطيرتين هما:
(١) - عدم إفادة النصوص لليقين. (وهو موضوعنا هنا).
(٢) - التأويل. (وهذاالموضوع التالي لهذا).
فأما عدم إفادة النصوص لليقين؛ فإنه يرجع في الأصل إلى تحديد مجال الوحي واختصاصه حسب القسمة المنطقية للمطالب - أي موارد الأدلة -، وهي كما قال صاحب (المواقف):
«ثلاثة:
أحدها: ما يمكن؛ أي لا ما لا يمتنع عقلًا إثباته ولا نفيه، نحو جلوس غراب الآن على منارة الإسكندرية (عبارة الرازي في الأساس: على جبل قاف) فهذا لا يمكن إثباته إلا بالنقل.
الثاني: ما يتوقف عليه النقل، مثل وجود الصانع، ونبوة محمد، فهذا لا يثبت إلا بالعقل؛ إذ لو ثبت بالنقل لزم الدور (١).
стр. 73
الثالث: ما عداهما (أي ما يمكن إثباته بالعقل، ولا يتوقف عليه النقل) نحو الحدوث ...».
ومعنى هذا التقسيم بجلاء: هو أن نصيب الوحي لا يعدو القضايا المجردة التي يتخلى عنها العقل - لا تفضلًا منه، ولكن - لأنها مما لا يترتب على ثبوته وانتفائه شيءٌ، ويستحيل العلم عنها من طريقه كما في مثال الخراب، ولكنهم لا يقفون عند هذا الحد - من حصر دائرة الوحي -؛ بل يتعدونه إلى البحث في مدى إفادة نصوص الوحي، أهي توصل إلى اليقين في هذه الدائرة، كما توصل الأدلة العقلية إليه في مجالها، أم أن غاية ما تفيده هو الظن؟.
يقول المؤلف نفسه بعد ذكر الأقسام الثلاثة المنقولة آنفًا: «الدلائل النقلية هل تفيد اليقين؟. قيل: لا؛ لتوقفه على العلم بالوضع والإرادة.
والأول (العلم بالوضع) إنما يثبت بنقل اللغة والنحو والصرف، وأصولها تثبت برواية الآحاد، وفروعها بالأقيسة، وكلامها ظنيان (١).
والثاني (الإرادة) يتوقف على عدم النقل والاشتراك، والمجاز والإضمار، والتخصيص والتقديم والتأخير، والكل لجوازه بانتفائه، بل غايته الظن» (٢).
стр. 74
ومن مفهوم كلامه قد يَرِد عليهم هذا السؤال:
إذا استطعنا أن نصل إلى ما نقطع به في العلم بالوضع والإرادة - وهذا على سبيل الافتراض منا، أما بحسب كلامه فمن أين لنا بالقطع - فهل تفيدنا النصوص اليقين؟.
فجوابهم: كلا. فإن القاضي (العقل) ما يزال ينتظر دوره، وما سبق إنما هو تحقيق مع المتهم.
وإليك بقية كلامه: «ثم بعد الأمرين لا بد من العلم بعدم المعارض العقلي؛ إذ لو وجد لقدم على الدليل النقلي قطعًا؛ إذ لا يمكن العمل بهما ولا بنقيضهما، وتقديم النقل على العقل إبطالٌ للأصل بالفرع، وفيه إبطالٌ للفرع، وإذا أدى إثبات الشيء إلى إبطاله كان مناقضًا لنفسه، فكان باطلًا».
وهذا الكلام تلخيص للقانون الكلي السابق، فلا حاجة للتعليق عليه، فلنتابع كلامه: «لكن عدم المعارض العقلي غير يقيني؛ إذ الغاية عدم الوجدان، وهو لا يفيد القطع بعدم الوجود».
أي حسب المثال السابق: إنه مع كون القاضي (العقل) لا يملك دليلًا على إدانة المتهم (النص)، فهو لا يحكم ببراءته؛ إذ ربما ظهر له ولو بعد سنين صدق التهمة.
وعليه؛ فالنتيجة النهائية هي بنص قوله: «فقد تحقق أن دلالتها
стр. 75
(أي نصوص الوحي) تتوقف على أمورٍ ظنيةٍ، فتكون ظنيةً؛ لأن الفرع لا يزيد على الأصل في القوة».
وعلى هذا الحكم إذن هو (السجن إلى أجل غير مسمى، إن لم نقل السجن المؤبد) أي إيقاف العمل بالنصوص في العقيدة إلى أجل غير مسمى، بل إلى الأبد؛ لأن العقيدة مبناها على اليقين والقطع، ودلالة النصوص ستبقى ظنيةً إلى الأبد؛ لأنه علق الأمر على العلم بعدم الوجود، لا على عدم الوجدان، والعلم بعدم الوجود مستحيلٌ، والتعليق على المستحيل إبطالٌ للقضية من أصلها.
ولكن الرجل لم يستقر على هذا بل قال: «والحق أنها قد تفيد اليقين بقرائن مشاهدة أو متواترة تدل على انتفاء الاحتمالات، فإنا نعلم استعمال لفظ الأرض والسماء ونحوهما في زمن الرسول في معانيها التي تراد منها الآن، والتشكيك فيه سفسطة».
فالحمد لله على أن القوم لا يزال لديهم خير، وأنهم إذا وجدوا في كلام الله ورسوله كلمة أرض أو سماء عرفوا أنها هي هذه الأرض والسماء!!.
على أنه لم يدع فرحتنا بهذا تتم، بل استدرك قائلًا: «نعم في إفادتها اليقين في العقليات نظرٌ؛ لأنه مبنيٌّ على أنه هل يحصل بمجردها الجزم بعدم العارض العقلي؟ وهل للقرينة مدخل في ذلك؟ وهما مما لا يمكن الجزم بأحد طرفيه» (١).