← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 4673

منهج الأشاعرة في العقيدة - الكبير

سفر الحوالي

Полный текст (208 стр.). Показаны 176–208 · переход к 181.

стр. 176

[الأنبياء: ١٠٧]. فها هو ذا أمر عظيم زائد عن مجرد المشيئة. على أن الأشاعرة سرعان ما نقضوا كلامهم هذا عند حديثهم عن المعجزة حيث قالوا: إن الله تعالى يعطي الأنبياء معجزات لتدل على صدقهم وتصديق الله لهم، فعللوا فعل الله وأظهروا حكمته، وبهذا ناقضوا أصلهم الكلي، وهو أنه (يفعل لا لشيء)، ومنزهٌ عن الغرض!!. ولا نريد الإفاضة في بيان بطلان هذا الحكم، وإنما المراد إظهار تناقضهم وفساد أصولهم، فإن إنكارهم لبعض الصفات، ونفيهم للحكمة في أفعال الله، وإخضاع ما يتعلق بالله للتقسيمات العقلية المبتدعة، كلها أصولٌ فاسدةٌ اجتمعت في هذه القضية فأفسدتها!. وأما ثبوت النبوة فاستدل عليه الأشاعرة بدليلين: (١) - عدم الاستحالة. (٢) - المعجزة. وهما في الحقيقة دليلٌ واحدٌ؛ لأن عدم الاستحالة إنما هو جزءٌ من حكمها في العقل، ولو لم يكن للمسلمين، بل ولسائر أتباع الملل من الحجة على إثبات جنس النبوة إلا هذا الدليل الأشعري (عدم الاستحالة)، لكان من حق منكري النبوات أن يظهروا عليهم كل الظهور!. ومن حقّ كل مسلم أن يسأل هؤلاء القوم: يا من تطرحون النصوص جانبًا، وتقدِّمون - بل تحكِّمون - العقل، أين الدليل العقلي القاطع على إمكان النبوة؟ وهي أساس كل اعتقاد؟. أهو قولكم: «إن ذلك ليس من المستحيلات التي يمتنع وقوعها لأعيانها؛ كاجتماع الضدين، وانقلاب الأجناس»؟.

стр. 177

أهذا يكفي لتثبيت إيمان المؤمن، فضلًا عن إقناع المنكر الجاحد؟. ثم إن هذا الدليل - في عمومه - يستطيع مسيلمة والعنسي وكل متنبئ إلى يوم القيامة أن يستدل به؛ إذ لا يترتب على كون أيٍّ من هؤلاء نبيًّا لذاته أي مستحيل عقلي مما ذكرتم؟!. ولم تقفوا عند هذا؛ بل حصرتم الدليل كله في المعجزة كما فعل الجويني الذي عقَّب على كلامه السابق قائلًا: «فصل: لا دليل على صدق النبي غير المعجزة» (١). مع حصركم للمعجزة نفسها في الأمر الخارق للعادة المقرون بالتحدي .. إلى آخر ما رتبتموه بالعقل المجرد. وهذه هي الدائرة الأضيق التي حصرتم أنفسكم فيها، فتناوشتكم السهام من كل ناحية، ذلك أن المعجزة المجردة في ذاتها تتوارد عليها الطعون والاعتراضات العقلية التي لا يمكن - حسب منهجكم - دفعها إلا بإبطال أصل من أصولكم. مثال ذلك أن يقال: إنه لا دليل على صدق موسى ﵇ حسب كلامكم - إلا انقلاب العصا حيَّةً ونحوها، فماذا تقولون للسامريين من اليهود إذا قالوا: دلالة صدق السامري أعظم من دلالة صدق موسى، أو مساوية لها؛ لأن انقلاب الزينة عجلًا جسدًا له خوار أعظم عندنا - نحن السامرة - من انقلاب العصا حيَّة؟!. عندئذ ستضطرون إما إلى تصديقهم في ذلك، وإما إلى مناقضة

стр. 178

أصلكم هذا، وهذا ما قررناه آنفًا من أن دعواكم مترددة بين البطلان والتناقض. ولكن الواقع أن الأشاعرة لم يتراجعوا عن هذا الأصل - على فساده - بل استمروا عليه، مع ارتكاب صنوف من التمحل والتعسف .. من أمثلة ذلك: أنهم اضطروا أن يتكلفوا لكل نبيٍّ ما ينطبق عليه مفهومهم الضيق للمعجزة، فأدى بهم هذا إلى هدم أصل من أصولهم في باب آخر؛ وذلك أنهم قالوا: إن معجزة نوح ﵇ هي (الطوفان)، ومعجزة هود ﵇ هي (الريح العقيم) (١). فعلى مذهبهم هذا (وهو أنه لا يثبت صدق النبوة إلا بالمعجزة، ولا يجب على المكلف الإيمان إلا بعد ثبوتها) لا يكون قوم نوح وهود ملزمين بالإيمان إلا عند وقوع الطوفان وهبوب الريح، وإلى أن يتأكد قوم نوح أن هذا معجزة رسولهم، وليس حادثًا كونيًّا عاديًّا، يمكن الاعتصام منه برؤوس الجبال ... إلى أن يتأكد قوم هود أن هذا ليس عارضًا ممطرهم ... إلى أن يحصل هذا التأكد لا يجب على أي منهما أن يؤمن، إذ كيف يؤمن ودليل صدق النبي لم يثبت بعد؟! وبعد استيقانهم من صدق المعجزة يكونون قد ماتوا أو أشرفوا على الموت يقينًا، وحينئذٍ فيلزم أحد أمرين: (١) - إما أنهم آمنوا وأدخلهم الله الجنة، وهذا باطلٌ قطعًا، قال تعالى:

стр. 179

﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَاسَنَا﴾ [غافر: (٨٥)]. بل هذا هو عين ما وقع لفرعون حين قال: (آمنت) لما أدركه الغرق. (٢) - وإما أنهم لم يؤمنوا بعد، وهو ما نقوله نحن وأنتم، ويكون مصيرهم بلا ريب هو النار، فلا جدوى للمعجزة ولا حكمة فيها، بل أنتم تقرون أن الإنسان لا يؤاخذ قبل قيام المعجزة. فظهر تناقضكم، ولزمكم نسبة الظلم إلى الله تعالى؛ لأنه أهلك قومًا وأدخلهم النار قبل قيام ما يدل على صدق النبي عندهم. وإن كان هذا على أصولكم جائزًا عقلًا - تعالى الله عن ذلك -، كما أنه يتنافى مع ما أصلتموه في باب (المعرفة) و (أول واجب على المكلف) من أن من لا يستطيع النظر، أو لم يتمكن منه لا يؤاخذ (١)، فهؤلاء قد اخترمتهم المنية في أثناء النظر فكيف يؤاخذون؟. وهكذا يصبح تناقض القوم واضطرابهم مركَّبًا. ومن الإلزامات والإشكالات التي عجز عنها الأشاعرة؛ لأنهم تقيدوا بهذه الأصول الفاسدة والمنهج الضيق: منها: ما أورده الآمدي نفسه على لسان منكري النبوة، وهو قولهم: إن إثبات صِدق النبي متوقف على ثبوت استحالة الكذب من الله تعالى؛ لأن إعطاء الله لنبيه معجزةً تصديقٌ له من الله، ولكن كما قال لهم الملاحدة الجاحدون: كيف نعلم أن الله لا يكذب على عباده، ولا يضلهم بإظهار المعجزة على يد الكذاب، وأنتم تقولون: إنه هو الذي

стр. 180

يخلق الكفر في قلب الكافر؟ وألزموا الأشاعرة قائلين: «لا سبيل إلى القول باستحالته [أي الكذب من الله] عقلًا، إذ قد منعتم [معشر الأشاعرة] أن يكون الحُسن والقبح ذاتيًّا، ولا سبيل إلى إدراكه بالسمع، إذ السمع متوقفٌ على صحة النبوة، والنبوة متوقفةٌ على استحالة الكذب في حكم الله، فلو توقف ذلك على السمع كان دورًا ممتنعًا» (١). ثم اعترف الآمدي باضطراب الأشاعرة في الجواب عن هذه الشبهة (٢) التي لا مناص لهم حيالها من التزامٍ للباطل، أو اعترافٍ بالتناقض؛ فإما أن يبطلوا دعواهم، أو يبطلوا أصلهم في التحسين والتقبيح ولا بد. وحاول هو أن يأتي بجواب مقنع فقال: «والذي يخُمد ثائرةَ هذا الإشكال ... وإن كان عند الإنصاف في التحقيق عويصًا هو أن يقال: إن

стр. 181

القول باستحالة الكذب في حق الله تعالى مما لا يستند إلى سمع (١)، ولا إلى التحسين والتقبيح، وأن حَصْر مدرك ذلك في هذين باطل. بل المدرك في ذلك يقال: قد ثبت كون الباري تعالى عالمًا متكلمًا، وأن كلامه في نفسه واحد، وذلك لا يقبل الصدق والكذب، وإنما يقبل ذلك من جهة كونه خبرًا، والخبرية له من جهة متعلقه لا غير» (٢). أي ليست له لذاته. وذكر كلامًا فلسفيًّا مملولًا، مؤداه امتناع قيام الخبر الكاذب بنفس الباري ... وهكذا فر الآمدي من الالتزام بفساد أصلٍ ليقع في الالتزام بأصلٍ آخر أكثر فسادًا، وهو أن الكلام هو المعنى القائم بالنفس، وهذا لا يوصف بالصدق والكذب لذاته، بل بمتعلقاته .. إلى آخر ما وصفه هو بأنه عويص، والواقع أنه تمحل ساقط القيمة. على أن بعض الأشاعرة قد استرسلوا مع المنكرين في سلسلة من التنازلات فقالوا: إن الكذب ممتنعٌ على الله؛ لأن الله غنيٌّ عنه، فإن قيل فما دليل غناه؟ قالوا: إن الافتقار من خصائص الأجسام. قالوا: فما الدليل على أنه ليس بجسم؟ قالوا: إنه ليس بمتحيز، وليس في جهة، ولا تقوم به الحوادث. قالوا: فما الدليل على عدم قيام الحوادث به؟

стр. 182

قالوا: قيامها بالممكنات، وهي الأجسام الحادثة. فقال لهم المنكرون: لقد عاد القول إذن إلى قضية حدوث العالم، وهي قضية خلافية بيننا، فباعترافكم علمنا أن تصديق الرسول متوقفٌ على إثبات حدوث الأجسام، والثابت عندنا أن العالم قديمٌ لا صانع له، وأدلتكم على حدوثه غير موصلة إلى القطع!!. فحقٌّ أن الأشاعرة لا للإسلام نصروا، ولا للفلاسفة كسروا!!. وبغض النظر عن إفحام المنكرين - لأن هذا ليس من شأننا هنا - نقول: إن الأشاعرة لزمهم لزومًا بيِّنًا أنه لا يمكن إثبات صدق النبي إلا بنفي صفات الله ، بل ونفي القدر أيضًا (١). ومنها: أن الأشاعرة لما حصروا دليل صدق النبي في المعجزة، وحصروا المعجزة في الأمر الخارق للعادة، طالبهم منكرو النبوات بإثبات الفرق بين الخارق الذي يأتي على يد النبي، وبين الخارق الذي يأتي به الساحر والكاهن ونحوهمها، فلم يكن للأشاعرة من فرق إلا القول بأن فارق النبي مقرون بالتحدي ودعوى النبوة، أما غيره فلا يدعيها ولا يتحدى بخارقة. قالوا لهم: فماذا لو أنه ادعى وتحدى؟. قالت الأشاعرة: ولو فعل ذلك لسلبه الله القدرة على الإثبات بالخارق حالًا، أي أن الساحر لو ادعى النبوة محتجًّا بخارقة سحرية لسلب الله منه المعرفة بالسحر حالًا، أو خلق في غيره القدرة على

стр. 183

معارضته والإتيان بمثله ليبطل دعواه، ولو لم يفعل الله ذلك لكان هذا تصديقًا للكاذب، وإضلالًا لعباده، والله منزهٌ عنه. وهذا الفارق المزعوم المكابر للعقول والواقع، هو الذي اعتمد عليه القاضي الباقلاني في كتابه الذي ألَّفه في الفَرق بين المعجزات والكرامات، والحيل والكهانات، والسحر ... (١). وعليه سار من بعده كالجويني وصاحب (المواقف) (٢). ويَرِدُ عليه اعترضاتٌ كثيرةٌ قاطعةٌ ببطلانه؛ منها: أ - استلزامه التسوية بين آيات الأنبياء وأفعال السحرة، وهو واضح البطلان في كل عقلٍ وفطرة. ب - أن كون الدليل نفسه واحدًا - وهو الخارق - ثم إن اقرنت به الدعوى صار معجزة نبوية، وإن لم تقترن لم يكن كذلك، تحكُّمٌ معلوم البطلان لكل عاقل. ج - أن سلب الله تعالى القدرة أو المعرفة من الكاذب، أمرٌ قدَّروه من عند أنفسهم، لم يقله الله تعالى عن نفسه، والواقع يكذِّبه، فكم من أدعياء ومتنبئين لم يسلبهم الله ذلك، لكنه أظهر كذبهم ببراهين أخرى (٣) ... د - أن هذا رجوع إلى مسألة إثبات أن الله لا يُضل العباد، وقد سبق

стр. 184

القول فيها قريبًا. والقصد هنا ليس الرد على منكري النبوة، ولا مناقشة الأشاعرة تفصيلًا، وإنما هو بيان تناقض أصولهم وفسادها، وأن هذه الأصول لا تستطيع النهوض أمام حجج المخاصمين، وإن كانوا مبطلين، فكيف يزعم أحدٌ أن هذه العقيدة هي التي تمثل حقيقة الإسلام، وهي التي يجب على المسلمين الالتفاف حولها، والاتحاد عليها!! (١). هذا ومن الغريب في موضوع المعجزة عند الأشاعرة: ما ذكره الرازي عند قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]. قال: «لا شك أن الأمة كما يحتاجون في العلم بأن الرسول صادقٌ في ادعاء الرسالة إلى معجِز يَظهر على يده، فكذلك الرسول عند وصول المَلَك إليه وإخباره إياه بأن الله بعثه رسولًا، يحتاج إلى معجز يظهر على يد ذلك الملك؛ ليعلم الرسول أن ذلك الواصل مَلَكٌ كَرِيم، لا شيطانٌ رجيم، وكذا إذا سمع الملك كلام الله احتاج إلى معجز يدل

стр. 185

على أن ذلك الكلام كلام الله تعالى، لا كلام غيره، إذا كان كذلك؛ فلا يَبعُد أن يقال: إنه لما جاء المَلَك إلى إبراهيم وأخبره بأن الله تعالى بعثك رسولًا إلى الخلق طلب المعجز، فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾، على أن الآتي ملك كريم لا شيطان رجيم» (١)!!. فالرسول في نظر الرازي يحتاج إلى معجز، بل جبريل يحتاج إلى معجز، والأصول العقلية الأشعرية لا يكفي أن تطبق على منكري النبوات، بل تطبق حتى على الأنبياء، بل على واسطة النبوة والروح الأمين نفسه!!. فقل لي بربك: أمنكرو النبوات هم الذين تفوقوا على الأشاعرة؟ أم هؤلاء هم الذين يفتحون لهم الثغرات، وينبهونهم إلى ما لا يعلمون من الشبهات!!. وصدَق من قال: إن الرازي يأتي بالشبهة نقدًا، ويجعل رَدَّها نسيئةً، واسمع إلى ما قاله الجويني أيضًا: «ومهما ظهرت معجزة في شرعنا على يد متنبئ تنبأ؛ تبين إذ ذاك كذبنا في تأبيد شريعتنا» (٢). فانظر إلى هذا التنازل الرخيص، مع ما سبق من تهافت شروطهم في المعجزة، وإمكان تحقق تلك الشروط في بعض الكاذبين؟!!.

стр. 186

وأغرب من هذين: تشبيه الآمدي حالة تلقي الوحي بحالة تلقي بعض المرضى والمصروعين والمتكهنين، والفرق عنده أن هذا صفة كمال، وذاك صفة نقص (١)، وما كنت أحسب أحدًا سبق المستشرقين إلى هذا اللغو المتهافت. أما الكلام الباطني الباطل الذي وصف به الغزالي الوحي: بأنه انتقاش العلم فى العقل الثاني من العقل الكلي الذي هو عنده (اللوح المحفوظ)، فقد سبق الحديث عنه في مبحث (الكشف والذوق). نسأل الله الإيمان والعافية. أما كان للأشاعرة غُنْيةٌ في حقائق السيرة، إن لم يكن لهم في دلائل النصوص يقين؟. ها هي ذي سيرة النبي ﷺ : وهو أكثر الأنبياء تابعًا، وسيرته أقرب وأوضح السير، فهل فيها ما يدل على المنهج الأشعري أو يؤيده؟. إن قومه ﷺ بشهادة الله لهم أو عليهم - قومٌ خصِمون جدِلون، وهو ﷺ قد جاء بأعظم البراهين والآيات التي يسميها الأشاعرة (معجزات)، فأمامنا إذن أرقى صورة من صور الإعجاز، وأشد صورة من صور العناد تقابلتا في دعوته ﷺ ، ومع هذا فلا استدلاله ﷺ ، ولا ردود قومه كانا على المنهج الأشعري، فهو إذن محض خيال وتومهات ضلال!!. وعلى الأشاعرة إن أنكروا هذا أن يأتونا بما يدل على أن الإيمان

стр. 187

بالنبي ﷺ جرى على طريقتهم، وهي: أن النبي ﷺ ادعى النبوة، وطلب من الناس تصديقه، فطلبوا منه معجزة، فقال: هذه معجزتي فيؤمنون عقب رؤيتها!!. وأنا لا أقصد القول بأن شيئًا من هذا لم يقع بإطلاق، فقد ترويه بعض السير، وقد يكون ثبوته - على قلته - موضع جدل، لكني أجزم - يقينًا أنه لو وقع نادرٌ لا حكم له، وليس كلامنا هنا في حادثة أو أكثر، بل في الأصل والمنهج مع المأثورات للعرب وسائر الأمم. فكيف يكون هذا إذن هو الطريق الصحيح الوحيد الذي يجزم الأشاعرة أن لا دليل سواه أبدًا؟!. أما الشواهد المتواترة على إيمان من آمن به بمجرد سماع قوله، أو رؤيته، ومعاشرته، أو سماع بعض ما جاء به من الحق، فلا أحسب أني بحاجة إلى التطويل بذكرها. على أن المسألة أعظم وأعمق من هذا .. فإن الله تعالى يقول في حق المنكرين الجاحدين: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ ١٤ لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ١٥﴾ [الحجر: ١٤ - ١٥]. وقال: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور: (٤٤)]. فالمسألة ليست مسألة معجزات .. كما أن المسألة ليست مسألة تصديق مجرد، فإنَّ كُفر الأمم لم يكن بسبب عدم تصديقها العقلي بأن الرسول مرسَل من الله فعلًا؛ بل بعدم

стр. 188

الانقياد والإذعان لما جاء به بالقلب والجوارح، وهذا هو الذي سماه الله تكذيبًا مع إثبات استيقانهم للحق، ومعرفتهم بصدق الرسول، كما قال تعالى عن فرعون: ﴿فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾ [الفرقان: (٣٦)]. وقال: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]. وقال له موسى: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢]. وقال لنبيه محمد ﷺ : ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: (٣٣)]. والآيات التي تحدّت العرب أن يأتوا مثل القرآن أو بعضه، لم تكن في معرض إجابة طلب الكفار للمعجزة، أو الاستدلال عليهم لإثبات دعوى النبوة؛ بل كانت ردًّا على دعوى أنه ﷺ افتراه أو اكتتبه أو علّمه إياه بَشَرٌ، ونحو هذا مما يستلزم عندهم بطلان النبوة، وذلك شيء، وما نحن بصدده شيء آخر!!. وما كانت قريش قط تشك أن القرآن من عند الله، أو أن محمدًا صادق، كيف وقد كانوا يتكالبون سرًّا للاستماع إليه، أو إلى أبي بكر، وهو يتلو هذا الكلام المفصّل الحكيم، كيف والجن سمعت النبي ﷺ يتلوه، فآمنوا وولّوا إلى قومهم منذرين، بلا معجزة ولا تحد ولا شيء من هذه الترتيبات العقلية المجنحة في فضاء الخيال. إن الأساس - كما قلنا وكررنا -: أن مصدر التلقي عند الأشاعرة

стр. 189

باطل، والمنهج باطل كذلك، وإلا لو استبعدوا هذا المنهج، واستمدوا من المصدر المعصوم (الوحي)، لوجدوا أنفسهم على نور من الله وبرهان، واستعلوا على كل خصم ومُناظر وجاحد. أما موضوع العصمة فهو أهون شأنًا مما سبق، لكن دلالته على فساد المنهج لا تقل عن ذاك (١). يقول الجويني: «تجب عصمتهم عما يناقض مدلول المعجزة، وهذا مما نعلمه عقلًا. . أما الفواحش المؤذنة بالسقوط وقلة الديانة، فتجب عصمة الأنبياء عنها إجماعًا، ولا يشهد لذلك العقل، وإنما يشهد العقل لوجوب العصمة عما يناقض مدلول المعجزة» (٢). فمع ربطه بموضوع المعجزة - وقد سبق فساد كلامهم فيها - لست أدري أي عقل هذا الذي لا يشهد للأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم بالعصمة من الفواحش؟ ومن أين جاءكم البلاء إلا من تعظيم العقل وتحكيمه مرة، وطرده ورفضه مرة أخرى. فالجويني يثبت بهذا أن المسألة سمعية خاصة لا شأن للعقل - على مفهومهم له - بها، وبحسب أن هذا يقيه شر الطعون والانتقادات، وهو منازع في الدعوى ودليلها. أما صاحب (الواقف) فهو ينقل أن رأي الجمهور هو عصمتهم

стр. 190

من الكبائر عمدًا، وأنهم تنازعوا في وقوعها سهوًا، ووقوع الصغائر عمدًا، ولهذا آثر أن يستعمل كلمة (ذنب) بإجمالها، يوضّحه أنه قال في حقيقة العصمة: «وهي عندنا ألا يخلق الله فيهم ذنبا» (١). ثم ذكر أدلة مذهبهم فقال: «لنا وجوه: الأول: لو صدر منهم الذنب لحرم اتباعهم .. الثاني: لو أذنبوا لردت شهادتهم .. الثالث: إن صدر عنهم وجب زجرهم .. الرابع: ولكانوا أسوأ حالًا من عصاة الأمة؛ إذ يضاعَف لهم العذاب .. الخامس: ولم ينالوا عهده .. السادس: ولكانوا غير مخلصين .. السابع: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: ٢٠]. فالذين لم يتبعوه إن كانوا هم الأنبياء فذاك، وإلا فالأنبياء بالطريق الأولى .. الثامن: أنه تعالى قسم المكلفين إلى حزب الله وحزب الشيطان، فلو أذنبوا لكانوا من حزب الشيطان. التاسع: قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [الأنبياء: ٩٠]، وقوله: ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ [ص: (٤٧)]. قال: فهذه حجج العصمة، وأنت تعلم أن دلالتها في محل النزاع

стр. 191

- وهي عصمتهم عن الكبيرة سهوًا، وعن الصغيرة عمدًا - ليست بالقوية» (١). أي: أن دلالتها إنما هي على عصمتهم عن الكبيرة عمدًا. ثم قال عقب ذلك: «واحتج المخالف بقصص الأنبياء (التي) توهم صدور الذنب عنهم. والجواب إجمالًا: أن ما كان منها منقولًا بأخبار الآحاد وجب ردها؛ لأن نسبة الخطأ إلى الرواة أهون من نسبة المعاصي إلى الأنبياء (٢). وما ثبت منها تواترًا فما دام له محمَل آخر حملناه عليه، ونصرفه عن ظاهره لدلائل العصمة. وما لم نجد له محيصًا حملناه على أنه كان قبل البعثة (؟) أو من قبيل ترك الأولى، أو صغائر صدرت عنهم سهوًا، ولا ينفيه تسميته ذنبًا، ولا الاستغفار منه، ولا الاعتراف بكونه ظلمًا منهم، إذ لعل ذلك لعظمته عندهم، أو قصدوا به هضمًا من أنفسهم. قال: ومن جوز الصغائر عمدًا فله زيادة فسحة» (٣). فنحن إذن أمام المنهج نفسه الذي حاكموا إليه نصوص الصفات،

стр. 192

وسائر نصوص الوحي، والذي سبق الحديث عنه في فصل (مصدر التلقي)، فالآحاد يرد وجوبًا، والتواتر يؤول، أو يتعسف له أي مخرج .. ونحن نختصر بإيراد ما قالوه عن معصية آدم ﵇ التي لا يشك فيها أحدٌ من أبنائه إلا الأشاعرة ومن حاذاهم، وقد صرح الله تعالى بها فقال: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١]. فقد أجاب الأشاعرة عنها بأجوبة كثيرة مختلفة، معظمها متفرعٌ عن ظنهم أن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم يتعاملون مع النصوص كما يتعامل الأشاعرة!!. قال بعضهم: إن آدم لم يكن نبيًّا عند أكله من الشجرة (١). وقال بعضهم: بل قول الله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ مجاز، وإنما أراد: وعصى أولادُ آدمَ ربهَّم. كقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾، أي أهلها (٢)؟!!. وقال بعضهم: بل إن آدم فهم أن النهي للتنزيه، لا للتحريم (٣).

стр. 193

وقال بعضهم - وهو شارح الجوهرة -: «ما وقع من آدم فهو معصية لا كالمعاصي؛ لأنه تأول الأمر لسرٍّ بينه وبين سيده، وإن لم نعلمه، حتى نقل في (اليواقيت): لو كنت بدل آدم لأكلت الشجرة بتمامها!!. فهو وإن كاف منهيًّا ظاهرًا مأمورٌ باطنًا» (١). وقال بعضهم - وهو الرازي - بعد تأويلات طويلة: «واعلم أنه يمكن أن يقال في المسألة وجه آخر، وهو: أنه تعالى كما قال: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾، ونهاهما معًا، فظن آدم ﵇ أنه يجوز لكل واحد منهما وحده أن يقرب من الشجرة، وأن يتناول منها؛ لأن قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبَا﴾ نهيٌ لهما على الجمع، ولا يلزم من حصول النهي حال الاجتماع حصوله حال الانفراد ...» (٢). وذهبوا إلى تكلفات لا تستقيم مع سياق الآيات بأي وجه من

стр. 194

الوجوه، بل هم يتهمون السياق نفسه؛ كقولهم عن قصة داود: «والقصة مختلقة للحشوية؛ إذ لا يليق إدخال الذم الشنيع في أثناء المدائح العظام، بل تسوّر قومٌ قصْرَه للإيقاع به، فلما رأوه مستيقظًا اخترع أحدهم الخصومة، ونسبة الكذب إلى اللصوص أولى من نسبته إلى الملائكة» (١)!!. ومن هذا ما ذكره وكرره (متولي الشعراوي) في أحاديثه الإذاعية، وهو أن نسبة الذنب إلى النبي ﷺ كما في قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ﴾ [الفتح: (٢)]. إنما هو باعتبار نظر قريش، أي: ذنبك عندهم، على أن الآية نزلت بعد الفتح حيث لم تعد قريش تعتبر النبي ﷺ مذنبًا في حقها!!. والحق: أنه ينبغي الترفع عن مناقشة مثل هذه الترهات والتكلفات. وأصل الخطأ المنهجي في هذه المسألة وغيرها: هو حكيم القوانين العقلية في الأمور الاعتقادية، وصوغ القضايا الاعتقادية في القوالب العقلية الجامدة، فإنه لم يرِد في الكتاب والسنة نصًّا قاعدة عقلية كلية تقول: (إن كل نبي معصوم من كل ذنب). وإنما هي قاعدة وضعها الكلاميون للرد على قاعدة عقلية أخرى وضعها منكرو النبوات، وهي (إذا جاز الذنب الواحد على النبي جاز

стр. 195

عليه كل ذنب). فلما تقابلت هاتان القاعدتان في العقل المجرد كان طبيعيًّا أن يختار مثبتو النبوات - ومنهم الأشاعرة - القاعدة الأولى. لكننا لو ابتعدنا عن هذا المنهج العقلي التجريدي وقوالبه الجامدة، ونظرنا إلى القضية من زاوية العقل بمفهومه الفطري الصحيح الذي أوضحناه في (السمعيات)، فلن نجد أي تعارض مطلقًا بين المنزلة العظيمة للأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وبين وقوعهم في ذنوب أو أخطاء تتعلق بها حِكَم عظيمة، مع الإيمان بأنهم لا يُقَرُّون عليها من الله. ولو لم يكن من هذه الحِكَم إلا إثبات بشريتهم، وإثبات تلقِّيهم عن الله لا عن أنفسهم، وإظهار عبوديتهم لله في مقام الإنابة والتوبة، كما أظهروها في مقام الانقياد والتسليم، فضلًا عن الحكم التشريعية والتربوية، لكفى!!. يتضح لك هذا إذا علمت أن القواعد الشرعية تقبل الاستثناء والتخصيص دون أن يقدح ذلك فيها، بخلاف القواعد العقلية - كقوانين الرياضيات، والقضايا المنطقية الكلية - فإنه يكفي لإبطالها وجود جزئيةٍ واحدةٍ لا تنطبق عليها. والعقول الفطرية شاهدة بهذا، وليك هذا المثال للتقريب فقط: لو اشتهر عن رجل من الناس أنه غاية في الكرم، لا يرد سائلًا، ولا يبخل على أحدٍ قط، ثم ثبت بالخبر الصادق أنه رد سائلًا، ولم يعطه شيئًا، فهل يعني هذا بطلان اتصافه بالكرم، أو يقدح في أصل الصفة؟ أم الأقرب للعقول تخصيص ذلك بتلك الواقعة لسبب ما؟ لأنه إنما استحق

стр. 196

هذا الوصف من وقائع كثيرة متوالية تقطع برسوخ هذه الصفة في نفسه، فتخلُّف هذه الصفة في موقف من المواقف لسبب من الأسباب غير مؤثر. فمع الفارق في التشبيه؛ كيف يتوهم الأشاعرة إذن أن النبي لو أذنب لأصبح من حزب الشيطان، وممن صدّق عليهم إبليسُ ظنَّه، ولكان غير مخلص، ولا مجتبى، ولرُدّت شهادته، وحرم اتباعه، ووجب زجره .. إلى آخر ما سبق إيراده عنهم؟!!. المهم: أن المسألة إذ حُررت من القوالب الكلامية الجامدة؛ تقبلها العقل السليم بلا اعتراض، ولا استغراب. أما أن نضع قاعدة من عند أنفسنا، ثم نستقرئ النصوص، فنجد كثيرًا منها يخالفها، فنتعسف في تأويلها تعسفًا لا يقره دينٌ ولا عقل، ونحسب هذا دفاعًا عن مقام النبوة، ودفعًا لشبهات المنكرين، فهذا هو عين الخطأ والضلال. فالله هو الذي عصمهم، وهو الذي شاء لهم أحيانًا أن يفعلوا ما يوجب عتابهم، أو توبتهم؛ لحِكَمٍ عظيمة أرادها هو، وليس لنا نحن البشر أن نعقِّب على حُكمه، أو نردّ بعض أمره ببعض. وإذا علمت أن آدم، ونوحًا، وإبراهيم، ويوسف، وموسى، وداود، وسليمان، وذا النون، ومحمدًا صلى الله عليهم وسلم أجمعين، قد ثبت عنهم بصريح القرآن والسنة شيءٌ من ذلك، وبعضهم وقع له أكثرَ مِن مرة، عرفت مقدار الشطط الحاصل في إطلاق نفي ذلك عنهم، وكثرة ما يحتاج إلى تأويل من الآيات والأحاديث.

стр. 197

هذا الشطط وقع فيه من قال من المعاصرين: «والصحيح الذي عليه المعوّل من أقوال العلماء: هو أن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم معصومون عن المعاصي الصغائر والكبائر بعد النبوة باتفاق، وأما قبل النبوة؛ فيحتمل أن تقع منهم بعض المخالفات اليسيرة التي لا تخلّ ولا تقدح بالكرامة والشرف» (١). وهذا كلام يهدم بعضه بعضًا، حيث يزعم الترجيح بين الأقوال، ثم يقول: (باتفاق)؟!!. فهو ناقلٌ خابطٌ، ونحن نسأله أو نسأل المنقول عنه: هل يريد منا أن نحمل كل ما وقع منهم مما جاء في القرآن والسنة على أنه قبل النبوة بإطلاق، أم نردّه بإطلاق؟. إن هؤلاء يشطح بهم الخيال، وينسون النصوص القطعية، بل لا يعتدّون بدلالتها، وعلينا - أولًا - أن نُقنع هؤلاء الناس بقيمة النصوص، وحجية دلالتها!!.

стр. 198

الإيمان هذا مثال آخر لتوسعهم في العقل المزعوم، وإلا فلَيْتَهم تركوا حقيقة الإيمان من (السمعيات)، فهي ليست قضية عقلية؛ لأن موضوعها نقلي بحت. ألا ترى أن الشرع لو علق الكفر بارتكاب الزنا، لكان ذلك كفرًا، ولو تعبّد الناس بالسجود لغير الله لكان ذلك إيمانًا، ومع هذا فقد أقحموها في مجال البحث العقلي، وخاضوا فيها خوضًا فلسفيًّا، مع أن الفلاسفة أنفسهم لا يبحثونها. يحسب بعض الخاصة - فضلًا عن العامة - أن الأشاعرة موافقون لأهل السنة والجماعة في الإيمان والعقائد، ولكن الذي يطّلع على أي كتاب من كتب الأشاعرة، أو كتب أهل السنة والجماعة؛ يتبين له حقيقة مذهبهم بجلاء. فالأشاعرة في الإيمان مرجئة جهمية (١)، هذا هو صريح مذهبهم في مصنفاتهم، وعليه نصَّ شيخ الإسلام ابن تيمية في معظم كتبه، لا سيما كتاب (الإيمان) الذي أطال فيه في الرد عليهم، حتى أن حوالي

стр. 199

ثلثي الكتاب إنما هو مناقشة لهم وحْدَهم. وكونهم على رأي جهم في أن الإيمان هو مجرد التصديق القلبي، يجعلهم في مرتبة أشد بدعة من مرجئة الحنفية الذين يطلق عليهم (مرجئة أهل السنة)، أو (مرجئة الفقهاء). بل نص شيخ الإسلام ابن تيمية على أنهم أبعدُ قولًا من الكرامية الذين يقولون: إن الإيمان هو الإقرار باللسان فقط (١). فهم في هذه المسألة على أسوأ الأقوال، وأكثرها بدعة وضلالًا، وهو قول جهم (٢). يقول القاضي الباقلاني فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به: «واعلم أن حقيقة الإيمان هو التصديق، واعلم أن محل التصديق هو القلب» (٣). وقال أبو المعالي الجويني بعد أن نكر مذاهب الناس في الإيمان، ومنها مذهب السلف: «والمَرضيُّ عندنا: أن حقيقته التصديق بالله تعالى، فالمؤمن بالله مَن صدّقه، ثم التصديق على التحقيق كلام النفس» (٤). فهم لا يُدخِلون الأعمال في الإيمان، لا أعمال القلوب، ولا أعمال الجوارح.

стр. 200

بل إن الآمدي الأصولي المعروف، وزعيم الأشاعرة في جيل ما بعد الرازي يقول: «... وبهذا أيضًا يتبين فساد قول الحشوية: إن الإيمان هو التصديق بالجَنان، والإقرار باللسان، والعمل بالأركان» (١). وبعد إجماعهم على هذا، اختلفوا في النطق باللسان، أهو واجبٌ، أم يكفي مجرد حصول التصديق القلبي الذي هو مجرد كلام النفس!!. قال في (الجوهرة): وفسِّر الإيمان بالتصديق والنطق فيه الخلف بالتحقيق وبناءً على هذا؛ أنكروا مسألة زيادة الإيمان ونقصانه، ولهم في النصوص الواردة في ذلك مسلكان: الأول: ردها، والتصريح بنقيضها، وعليه كلام الجويني (٢). الثاني: تأويلها، ولهم في التأويل وجهان، نص عليها الباقلاني: (١) - قال: «إما أن يكون ذلك راجعًا إلى القول والعمل دون التصديق؛ لأن ذلك يتصور فيهما مع بقاء الإيمان». أي: أن حقيقة الإيمان التي هي التصديق لا يعتريها شيءٌ من ذلك، وإنما يكون في المكملات الزائدة عن الحقيقة. (٢) - قال: «أو يتصور ذلك من حيث الحكم، لا من حيث الصورة، ويكون المراد بذلك في الزيادة والنقصان راجعًا إلى الجزاء

стр. 201

والثواب، والمدح والثناء، دون نقص وزيادة في التصديق» (١). أي: أن الذي يزيد ويَنقُص هو الجزاء والثواب، والمدح والثناء. وهذا أحد الآثار التعسفية لقولهم: إن الإيمان هو التصديق فقط، والكفر هو التكذيب فقط. بل بلغ الأمر بالجويني إلى أن يتحدث عن إيمان النبي ﷺ نفسه بكلام غريب هذا نصه: «فإن قيل: أصْلُكم يُلزِمكم أن يكون إيمان منهمكٍ في فسقه كإيمان النبي ﷺ ؟. قلنا: النبي ﷺ يَفضًل من عداه باستمرار تصديقه، وعصمة الله إياه من مخامرة الشكوك، واختلاج الريب». إلى أن يقول: «فيثبت للنبي ﷺ أعدادٌ من التصديق، لا يثبت لغيره إلا بعضها، فيكون إيمانه بذلك أكثر» (٢). ويقول الآمدي: «يصح القول بزيادة إيمان النبي المعصوم على إيمان غيره، أي من جهة تطرُّق الشك إلى غير المعصوم دون المعصوم، أما أن يكون من جهة تطرق الزيادة والنقصان إليه من حيث هو تصديق، فلا» (٣). وهكذا يؤدي التأصيل الفاسد إلى التعسف في تفسير أعظم الحقائق، وليِّ أعناقها؛ لتوافق ما تقررّ مِن أصول، ولذلك لم يثبت لديهم من

стр. 202

الفرق بين مقام النبوة في الإيمان، ومقام المنهمك في الفسق إلا هذا. ومن الإلزامات التي لا محيد للأشاعرة عنها في هذا الباب: أن قولهم هذا يلزم منه الحكم بإيمان إبليس وفرعون، واليهود والنصارى، الذين يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، فضلًا عمن ناصر الدين وأيده كأبي طالب، ونحوه من المشركين؛ لأن هؤلاء جميعًا مصدقون بقلوبهم. وأمام هذا الإلزام القاطع اضطرت الأشاعرة إلى القول بأن من نفى الشارع عنه الإيمان كهؤلاء، علمنا أنه ليس في قلبه تصديقٌ مطلقًا، وهذا ما حكم عليه شيخ الإسلام وغيره بأنه مكابرة وسفسطة. قال ﵀: «والحذاق في هذا المذهب - كأبي الحسن، والقاضي، ومن قبلهم من أتباع جهم - عرفوا أن هذا تناقضٌ يفسد الأصل، فقالوا: لا يكون واحدًا كافرًا إلا إذا ذهب ما في قلبه من التصديق، والتزموا أن كل من حكم الشرع بكفره فإنه ليس في قلبه شيءٌ من معرفة الله، ولا معرفة رسوله، ولهذا أنكر هذا عليهم جماهير العقلاء، وقالوا: هذا مكابرة وسفسطة» (١). ومما بناه الأشاعرة على هذا الأصل الفاسد قولهم: إن السجود للصنم، ولبس الصليب، والزنّار، وقتل النبي، وإهانة المصحف الشريف، أو الكعبة، ونحو ذلك، ليس كفرًا، إنما هو دليلٌ على الكفر الذي هو انتفاء التصديق من قلب فاعله (٢).

стр. 203

يقول الرازي بعد أن ذكر أن حقيقة الإيمان هى التصديق، وحقيقة الكفر هي التكذيب: «فإن قيل: يَبطُل ما ذكرتم من جهة العكس بلبس الغيار، وشد الزنار، وأمثالهما فإنه كفرٌ، مع أن ذلك شيءٌ آخر سوى ترك تصديق الرسول ﷺ فيما علم بالضرورة مجيئه به؟. قلنا: هذه الأشياء في الحقيقة ليست كفرًا؛ لأن التصديق وعدمه أمرٌ باطنٌ لا اطلاع للخلق عليه، ومن عادة الشرع أنه لا يبني الحكم في أمثال هذه الأمور على نفس المعنى؛ لأنه لا سبيل إلى الاطلاع، بل يجعل لها معرِّفات وعلامات ظاهرة، ويجعل تلك المظان الظاهرة مدارًا للأحكام الشرعية، ولبس الغيار وشد الزنار من هذا الباب. فإن الظاهر أن من يصدّق الرسول ﵇ فإنه لا يأتي بهذه الأفعال، فحيث أتى بها دلّ على عدم التصديق، فلا جَرَم أن الشرع يفرع الأحكام عليها، لا أنها في أنفسها كفر» (١). وواضحٌ من كلامه أنه ليس هناك فعلٌ مكفِّرٌ أصلًا، وهو كما ترى خلط بين حقيقة الكفر الباطنية التي لا يعلمها إلا الله، وبين جريان أحكام الدنيا، فإن موضوع تقرير حقيقة الكفر والإيمان مسألة عقائدية، أما جريان الأحكام الدنيوية فمسألة فقهية، وإن كان موضوعها عقائديًّا. فلا يصح أن نستدل على أن هذه الأعمال ليست كفرًا بأننا لا نعرف ما في ضمير فاعلها؛ لأن الكفر قد يوجد في الباطن بدون هذه الأعمال، فكيف مع ارتكابها الذي لا يمكن أن يصدر إلا عن كفر راسخ؛ قد يكون

стр. 204

تكذيبًا، وقد يكون جحودًا، وقد يكون عنادًا. . إلى آخر أنوع الكفر التي ليس التكذيب إلا واحدًا منها. وعلى كلامهم لا يمكن اعتبار أي كافرٍ كافرًا على الحقيقة - أي باطنًا وظاهرًا - إلا إذا صرَّح بلسانه بأنه ليس في قلبه تصديق، وما لم يصرح فمهما عمل من أعمال الكفر لا نعتبرها إلا علامات على التكذيب، نجري بها أحكام الكفر في الدنيا عليه، في حين أنه قد يكون مؤمنًا في الحقيقة، معدودًا عند الله من أصحاب الجنة. والمطّلع على الكتاب والسنة وأحداث السيرة الصحيحة يعلم أنه ما كان فرعون، ولا أبو لهب، ولا أبو جهل، ولا حُييّ بن أخطب، فضلًا عن أبي طالب وأمثاله، يعتقدون في أنفسهم أن موسى أو محمدًا ﷺ كاذب، ولا كان كفرهم هو التكذيب بمعناه الذي يقرره هؤلاء المرجئة، بل كان الرد والجحود، وعدم الإذعان والانقياد. قال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: (٣٣)]. والموضوع يحتاج لمزيد بسط، فراجع كتاب (الإرجاء) تجد فيه ذلك، ولعل في هذه الإشارة ما ينير الطريق إن شاء الله. ومن فروع ذلك: مسألة الاستثناء في الإيمان. فأما أبو الحسن الأشعري نفسه فقد تناقض؛ فمع أنه على قول جهم في الإيمان، إلا أنه لم يخالف المشهور عن أهل السنة من جواز

стр. 205

الاستثناء، وقد فسّر شيخ الإسلام ابن تيمية هذا التناقض (١). وأما أصحابه؛ فقد خالفه أكثرهم في ذلك، والذي عليه رأي المتأخرين: عدم جواز الاستثناء. قال النسفي في العقائد المعروفة بالنسفية: «فإذا وجد من العبد التصديق والإقرار صحَّ له أن يقول: أنا مؤمن حقًّا، ولا ينبغي أن يقول: أنا مؤمنٌ إن شاء الله» (٢). وبنحوه قال الجويني والباقلاني. فظهر مما سبق: أن مذهب الأشاعرة مباينٌ لمذهب السلف في أصل هذه المسألة، ولوازمها وفروعها. أما الآثار العميقة التي تركها هذا الاعتقاد الفاسد في أعمال المنتسبين لهذا المذهب من آثار مذهبهم في الإيمان الخاصة والعامة، فهي مما لا يتسع المجال لعرضه، وحسبنا أن نعلم أن المؤمن الذي يعتقد جزمًا أن عمل القلب والجوارح جزءٌ من الإيمان، وأن إيمانه يزيد وينقص بحسب الطاعة والمعصية، يجد في نفسه من دواعي الغفلة والتفريط الشيء الكثير، فما بالك بمن لا يعتقد هذا من أصله؟! كيف تكون نظرته لنفسه أولًا، ثم كيف يكون منهجه في التعيير والإنكار على

стр. 206

من خالف أمر الله ثانيًا؟ وما أثر هذا على الحياة الإسلامية كلها؟. إنها أسئلة ضخمةٌ، والأجوبة عليها ينطق بها واقع تاريخ الأمة الاسلامية منذ فشو هذه الأقوال البدعية إلى يومنا هذا. وليت الأمر وقف عند تدهور الحياة الواقعية، وانطفاء جذرة الجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ ولكنه تعداها إلى تغيير الحقائق الشرعية نفسها، وانتشار الأصول البدعية المغيِّرة في الطبقة العامة من الناس، حتى أصبحت عقائد راسخة، وأصبح المنادي بحقيقة التوحيد والإيمان شاذًّا منبوذًا، لا يتورعون عن نبزه بألقاب التكفير والخروج، كما جرى للشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ من أكثر معاصريه في الأمة، ثم للعلماء المعاصرين، ولا يزالون.

стр. 207

الخاتمة بعد أن أوضحنا أن دعوى: (أن الأشعرية هي عقيدة عامة المسلمين) هي دعوى بلا دليل؛ ننصح علماء الأشعرية بسؤال العامَّة في أي بلدٍ عن الفطرة التي هم عليها، وخاصةً في (العلو)، وكيف يثبته العوام. كما ننصحهم بالتجرد لله تعالى، والابتعاد عن التقليد، وعادة استعمال عقولهم هم، لا عقول الأوَّلين، والنظر في النصوص من جديد، ففيها الغني الكامل عن كل ما كتبه الناس، وفيها العقيدة الصحيحة التي لا يقبل الله سواها. فالعقيدة الصحيحة التي تنزّه الله تعالى عن مماثلة المخلوقين موجودةٌ في النصوص - من الكتاب والسنة - لا غيرها، وليحذروا الهوى؛ فإنه يُعمي عن الحقّ ويُصم. ونسأل الله تعالى بتوفيقه أن يوفقنا والمسلمين جميعًا إلى سبيل الرشاد والاعتقاد الحق، آمين.

стр. 208

هذا الكتاب يبين المؤلف في هذا الكتاب الأصول المنهجية التي خالف الأشاعرة فيها أهل السنة والجماعة، وأوضح عدم وجود دليل على دعوى الأشاعرة أن عقيدة عامة المسلمين هي عقيدتهم، ثم ذكر بعض الأمثلة على التناقض والمكابرة في منهجهم، وبناء على ذلك تمَّ تحديد المراد بالفرقة الناجية في أحاديث النبي ﷺ ، وقد جاءت خاتمة هذا الكتاب لبيان الحكم الصحيح على فرقة الأشاعرة، متضمنًا نصحا لهم بالتجرد لله تعالى واستعمال عقولهم لا عقول الأولين، وتحذيرًا لهم من اتباع الهوى، فهو يُعمي ويُصم. هذا وللمؤلف بحث آخر صغير يحمل نفس الاسم.