«ثالثًا: عدم الإطناب في ذكر الأمور التي لم يثبت فيها دليلٌ قطعيٌّ، وبرهانٌ يقينيٌّ، بل لعلي لن أتعرض لكثيرٍ منها، إذ المجال هنا مختصٌّ بتلك الأمور التي قامت على القطع واليقين، فكانت بذلك من مقومات العقيدة التي لا يسع المسلم إنكارها أو تجاهلها، ومن المعلوم أن لليقينيات منهجًا مختصًّا بها، لا ينبغي أن يستبدل به غيره في سبيل الوصول إليها».
وقد وفَّى الدكتور بما التزم، فلم يتعرض في كتابه إلا للصفات السبع التي يثبتها الأشاعرة بمقتضى العقل (١)، أما الصفات الواردة في السنة فلم يتعرض لها إطلاقًا، بل أعلن منهجه في السنة قائلًا: «إذا كانت السلسلة التي توفرت فيها مقومات الصحة مكونة من آحاد الرواة الذين ينتقل الخبر عنهم، فهو لا يعدو أن يكون خبرًا ظنيًّا في حكم العقل، وإذا كانت حلقات السلسلة مكونة من راويين أو ثلاثة رواة فهو لا يزال خبرًا ظنيًّا، ولكن ظنٌّ قويٌّ يداني اليقين.
أما إذا غدت كل حلقة من الحلقات من الكثرة جموعًا يطمئن العقل إلى أنها لا تتواطأ على الكذب، فإن الخبر المروي عندئذ يكتسب صفة اليقين، وهو ما يسمى بالخبر المتواتر».
ثم يأتي إلى بيت القصيد فيقول: «فأما الظني من الخبر الصحيح، فلا يعتدُّ به في الحكم الإسلامي في بناء العقيدة؛ لأنه إنما يفيد الظن، ولقد نهى القرآن الكريم في مجال البحث عن العقيدة عن اتباع الظن
стр. 142
كما رأيت (١)، ولكن يعتدُّ به في نطاق الأحكام العملية ...
غير أن اليقين من الخبر الصحيح - وهو ما يسمى بالخبر المتواتر - هو وحده الذي يعتدُّ به في بناء العقيدة والمدركات اليقينية، بمعنى أن الإنسان لا يجبر على الاعتقاد بشيءٍ خبري إلا إذا كان قائمًا على برهان التواتر، فإن كان دليله خبر آحاد كان اليقين به عائدًا إلى القناعة الشخصية التي يراها من نفسه» (٢).
فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، لقد تعددت الظباء على خراش، فمن تحكيم العقل إلى تحكيم الذوق والكشف، إلى تحكيم القناعة الشخصية!!.
إن مقتضى كلام الدكتور أنه إذا أتينا لأحدٍ بحديث مروي بالسلسلة الذهبية في الصحيحين، فقال لنا: إن قناعتي الشخصية ترفض الإيمان به. فإن هذا الرجل مفكرٌ حرٌّ، يضع عقيدته من وراء عقله (٣)، ورجل
стр. 143
يقيني لا يتبع طريقة الكفار الذين قال الله فيهم: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ [الأنعام: ١١٦].
والرثاء كل الرثاء للبخاري المسكين، فما كان أغناه أن يجهد نفسه فيختار صحيحه من مائة ألف حديث، ويغتسل ويصلي ركعتين، ويستخير عند كتابة كل حديث منه، وما هي إلا أحاديث آحاد، تردها القناعات الشخصية عند فحول المفكرين في القرن العشرين!!.
اللهم إنا نشهدك أننا نفع عقولنا وراء وحيك، ولا نقدم بن يديك ويدي رسولك، فأحينا على ذلك، وتوفنا عليه.
стр. 144
مصادر ومعايير أخرى
التلقي المباشر
قد لا يصعب على العقل أن يتصور فرقة إسلامية - كالأشاعرة - تتخذ من العقل أو الذوق مصدرًا للتلقي، ومعيارًا للحكم.
نعم إن الأمر جد صعب، ولكن ما العمل إذا كان هذا مبلغهم من العلم، وغاية وقارهم لله ورسوله!.
أما الذي يصعب على العقل تصوره أو تصديقه، فهو أن يتخذ أحد من الناس كلام اليهود والمشركين مصدرًا للتلقي، ومعيارًا للحكم، يتلقى منه أخطر قضايا العقيدة، ويحكّم كلامه في كلام الله ورسوله. ولا يفعل ذلك بطريق العقل الباطن، أو لمجرد توافق الأدلة، ولكن يستدل به موثقًا نسبته لقائله، واعيًا ما يصنع، عارفًا لما يقول (١).
والأشاعرة يأتون في هذا بما يعجب له المرء أيما عجب، ويثير تساؤلات شتى: أهذا انبهارٌ شديدٌ بما عند الكفار؟ أم أن القوم فيهم مغرضون منافقون أسسوا لهم ذلك، ثم تابعهم غيرهم بلا بصيرة؟ أم ماذا؟.
ليس في الإمكان هنا الإجابة على هذه الأسئلة، ولا تفسير هذه الظاهرة، وحسبنا عرضها للقارئ! ولقد حاولت في بداية كتابتي عن
стр. 145
الأشاعرة ومصدر التلقي عندهم أن أحصر المواضع التي يستمد الأشاعرة فيها من الفلاسفة ونحوهم استمدادًا نصيًّا صريحًا، وأخذت في تجميعها، وما كدت أمضي قليلًا حتى تبينت أن عملي هذا شبيهٌ بحصر موج البحر، أو ذرات الرمل، فإن هذا مما تتكرر في كل مبحث، وفي كل كتاب، وعلى لسان كل مؤلف.
ولهذا ضربت صفحًا عن الحصر والإحصاء، مكتفيًا بأمثلةٍ يسيرة، تاركًا لمن شاء الاستزادة أن يمد يده لأي مؤلَّفٍ أشعريٍّ في العقيدة، فيرى بأمِّ عينه النقول والاستمدادات عن مشركي اليونان، الذين أفسدوا أديان الأمم جميعها، وعن الصابئة عبدة الكواكب، بل عن اليهود، وما أدراك ما اليهود؟
على أنني أنبه من أراد ذلك إلى أنه لن يجدهم موصوفين بما ذكرت، بل بكونهم (الحكماء)، (الإلهيين)، (أساطين الفلسفة)، (الجهابذة)، (المعلم الأول). وأمثالها مما لا ذم فيه، بل فيه التقدير والتمجيد حتى في المواضع التي يخالفونهم فيها، بخلاف معاملتهم لعلماء أهل السنة، فإنهم غالبًا لا يذكرونهم بخير حتى في المواضع المتفق عليها بين الفريقين!!.
ولنبدأ بمسألة (التوحيد) لأهميتها:
يقول الآمدي: «فمما ذهب إليه (المعلم الأول)، ومن تابعه من الحكماء المتقدمين، وقفا آثره من فلاسفة الإسلاميين: أن الباري تعالى
стр. 146
واحدٌ من كل جهة، وأنه لا يلحقه الانقسام والكم بوجه ما» (١).
وغني عن البيان أن هذا القدر من كلام معلّم الوثنية الأول، هو توحيد الأشاعرة المنصوص عليه في كتبهم قاطبة كما سترى.
فعلى هذا المعنى للتوحيد سار أبو المعالي الجويني في (كتاب التوحيد)، وهو جزءٌ ضخمٌ من كتاب (الشامل) له (٢).
وقال في (الإرشاد): «باب العلم بالوحدانية: الباري واحدٌ، والواحد في اصطلاح الأصوليين: الشيء الذي لا ينقسم ... والرب موجودٌ فردٌ متقدسٌ عن قبول التبعيض والانقسام، وقد يراد بتسميته واحدًا أنه لا مثل له ولا نظير، ويرتب على اعتقاد حقيقة الوحدانية إيضاح الدليل على أن الإله ليس بمؤلّف؛ إذ لو كان كذلك - تعالى الله عنه وتقدس - لكان كل بعض قائمًا بنفسه، عالمًا حيًّا قادرًا، وذلك تصريحٌ بإثبات إلهين» (٣).
ثم سار الشهرستاني حيث يقول في الموضوع نفسه: «قال أصحابنا: الواحد هو الشيء الذي لا يصح انقسامه؛ إذ لا تقبل ذاته القسمة بوجهٍ من الوجوه، ولا تقبل الشركة بوجه، فالباري تعالى واحدٌ. في ذاته لا قسيم له، وواحدٌ في صفاته لا شبيه له، وواحدٌ في أفعاله لا شريك له» (٤).
стр. 147
ثم سار الآمدي حيث اقتصر على هذا المفهوم للتوحيد في الفصل الذي عقده بعنوان: «القانون الثالث في وحدانية الله تعالى» (١).
وتبعهم السنوسي فقال: «اعلم أن المراد من كونه جل وعلا واحدًا، نفي قبوله الانقسام، ونفي نظيرٍ له تعالى في الإلوهية، وحاصله نفي الكمية المتصلة، والكمية المنفصلة، وفي معنى نفي نظير له تعالى في الألوهية نفي شريك معه في جيع الممكنات، فلا مؤثر في جميعها سواه، فهو الواحد في ذاته، أي غير مؤلف من جزأين فأكثر، والواحد في صفاته فلا مثل له ولا نظير، والواحد في أفعاله فلا شريك له فيها، ولا ضد، ولا وزير» (٢).
وبنحوه قال أيضًا في (أم البراهين) حيث شرحها الدسوقي قائلًا: «اعلم أن المولى منفيٌّ عنه الكم المتصل في الذات، وهو تركب ذاته من أجزاء، والكم المنفصل في الذات، وهو أن يكون هناك ذاتٌ مماثلةٌ لذاته تعالى، والكم المتصل في الصفات، وهو تعدد كل صفة من صفاته، كأن يكون له علمان وقدرتان ... إلخ، والكم المنفصل في الصفات، وهو أن يكون هناك لغيره من الحوادث صفات كصفاته، كأن يكون لغيره قدرة مثل قدرته تعالى ...» (٣).
وقال البيجوري في رسالته في علم التوحيد: «ويجب في حقه
стр. 148
تعالى الوحدانية في الذات، وفي الصفات، وفي الأفعال، ومعنى الوحدانية في الذات أنها ليست مركبة من أجزاء متعددة، ومعنى الوحدانية في الصفات أنه تعالى ليس صفتين فأكثر من جنس واحد كقدرتين ... وهكذا، وليس لغيره صفة تشابه صفته تعالى، ومعنى الوحدانية في الأفعال أنه ليس لغيره فعل من الأفعال».
قال: «ووضدها (أي الوحدانية) المتعدد، والدليل على ذلك أنه لو كان متعددًا لم يوجد شيء من هذه المخلوقات» (١).
ثم ننتقل للمعاصرين فنجدهم يقتصرون في معنى التوحيد على هذه المعاني نفسها، أو على بعضها، فالبوطي يقول ضمن الصفات السلبية (٢): «الوحدانية: ومعناها سلب تصور الكمية في ذاته وصفاته ، سواء الكمية المتصلة والكمية المنفصلة، أي فهو ليس مركبًا من أجزاء، ولا مكونًا من جزيئات، وكذلك صفاته».
ثم استرسل في شرح الجزء والجزئي وقال: «فالمقصود بوحدانية الله أن تعلم بأنه ليس كلًّا مركبًا من أجزاء، ولا كليًّا مكونًا من جزئيات» (٣).
ويقول وهبي غاوجي: «الوحدانية: معناها سلب تصور الكمية فيه
стр. 149
سبحانه، فهو ليس مركبًا من أجزاء،: بحيث لا يصدق اسم الذات عليه حتى تتكامل أجزاؤه، ولا من جزيئات حتى يندرج تحت الجنس الذي يصدق على كثيرين متفقين في الحقيقة مختلفين في النوع كالحيوان» (١).
ثم استمر في كلام قريب من كلام البوطي والسنوسي.
أما سعيد حوى فيعقد فصلًا خاصًّا بعنوان (التوحيد) يبحث كله في نفي التثنية كما قرر في أوله قائلًا: «القول بالتعدد يمكننا أن نختصره بالتثنية، فإن ثبتت التثنية صح التعدد من غير حصر، وإن بطلت بطل التعدد أصلًا ولزم التوحيد» (٢).
وفي مبحث الصفات وافق صاحبيه على أن الوحدانية صفة سلبية (٣) قائلا: «اعمران بالصفة سلبية بالنسبة للذات الإلهية الصفات التي تدل على سلب ما لا يليق به ؛ كالوحدانية» (٤).
فهذه نقولٌ متصلةٌ عن قدماء المذهب ومعاصريه، تتفق كلها في استمداد أعظم حقيقة من حقائق هذا الدين الرباني المحفوظ - وهي التوحيد - وتلقيّها من معلم الوثنية الأول أرسطو (٥)!.
стр. 150
وليس الخوض الباطل الذي خاضته الأشاعرة في باب الصفات جميعها إلا نماذج وفروعًا لهذا الاستمداد والتلقي.
فهذا الذي رأيناه هنا من تصريحهم بنفي الجزء والجزيئية، والتركيب والتبعيض، والانقسام والتَّأَلُّف ... إلى آخر هذه الألفاظ البدعية؛ هو أساس نفيهم للصفات التي توهم - بزعمهم - أن الله تعالى يشابه الحوادث في التركيب من أجزاء وأبعاض، نحو الوجه، واليد، والعين، والساق، ونحوها.
فتوحيد الله تعالى عند هؤلاء القوم هو نفي هذه الصفات الثابتة بالكتاب والسنة، أي أنهم جعلوا التوحيد هو (التعطيل).
أما التوحيد الحقيقي الذي يعلمه المؤمنون بالضرورة، والذي تطابقت عليه كتب الله ورسله، وهو إفراد الله تعالى بالعبادة، والتوجه بأنواعها جميعًا له وحده دون سواه، وعدم صرف شيءٍ منها لغيره، فهذا لا تجده في كتب عقيدتهم إطلاقًا، لا في مبحث التوحيد، ولا في غيره (١).
وإنما ذَكَر الألوهية منهم من ذكرها ليفسرها بأنها نفي تأثير غيره
стр. 151
تعالى في الممكنات، وهي ضلالة أخرى تابعوا فيها الفلاسفة القائلين بأنه تعالى علة تامة مؤثرة فيما سواها تمام التأثير، فلا إرادة له، ولا كلام، ولا غيرها من الأفعال الاختيارية، وعن هذا نشأ مذهبهم في أفعال العباد، حيث نفوا نسبتها إليهم، وجعلوها فعلًا لله، وكسبًا للعبد، وتلك نظرية الكسب التي هي جبر مغلف بالغموض.
وأفضل تفسير لنفي التأثير عندهم ما فسره به بعضهم، وهو أن معناه أنه وحده الخالق المبدع، وهذا لا يعدو أن يكون توحيد الربوبية الذي لا خلاف فيه بن أتباع الملل، بل بين كل من يعتد بعقله من بني آدم، والآيات في إقرار مشركي العرب به أشهر من أن تذكر.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في (التسعينية) (١) بعد أن أورد هذه المعاني الثلاثة لاسم الواحد، أو صفة الوحدانية: «فهذه المعاني الثلاثة هي التي يقولون: إنها معنى اسم الله الواحد، وهي التوحيد، وفيها من البدع التي خولف بها الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة ما قد نبهنا على بعضه» (٢).
стр. 152
ومن أراد تفصيل ذلك فليراجعها في كلامه ﵀ (١).
والحاصل أن توحيد الأشاعرة على ما فيه من خلل وابتداع هو كما رأينا آنفًا محصورٌ كله في قضايا التصور والاعتقاد مجردة، دون الأمور العملية التي هي توحيد الله تعالى بأفعال العباد الذي جاءت به رسل الله جميعًا، وهو يشمل أعمال القلوب؛ كالمحبة، والإنابة، والتعظيم، والرغبة، والرهبة، والخوف، والرجاء.
وأعمال الجوارح؛ كالصلاة، والذبح، والنذر، والطواف، ونحوها.
كما أن من أهم أنواع هذا التوحيد إفراده سبحانه بالتحاكم إليه وحده، أي رد الأمر كله إلى كتابه وسنة نبيه ﷺ ، وكذلك الموالاة في الله والمعاداة فيه، وهاتان القضيتان الخطيرتان أعني (التحاكم والموالاة) لا ذكر لهما في كتب عقائد الأشاعرة على الإطلاق، لا ضمن أصول العقيدة، ولا ضمن لوازمها.
وبهذا النقص الواضح في التوحيد عندهم كثر في المنتسبين لهذا المذهب من الخرافيين، والقبوريين، والطرقيين، والمتحاكمين إلى الطواغيت، والموالين للكفار والفجار ما لا يحصيه إلا الله. فترى الواحد منهم يرتكب هذه الشركيات، أو البدع دون أن يرى فيها أدنى معارضة للتوحيد؛ لأن التوحيد الذي تعلَّمه وتربى عليه هو - في أكمل صوره - تلك المعاني الثلاثة فقط.
هذه الحقيقة التي نشاهدها اليوم في طول العالم الإسلامي
стр. 153
وعرضه، قد قررها شيخ الإسلام أوضح تقرير.
فقال ﵀ بعد أن ذكر المعاني الثلاثة، وبين نقصها عن حقيقة التوحيد -: «إن الرجل لو أقر بما يستحقه الرب تعالى من الصفات، ونزهه عن كل ما ينزه عنه، وأقر بأنه وحده خالق كل شيء، لم يكن موحدًا، بل ولا مؤمنًا حتى يشهد ألا إله إلا الله، فيقرَّ بأن الله وحده هو الإله المستحق للعبادة، ويلتزم بعبادة الله وحده لا شريك له.
والإله بمعنى المألوه المعبود الذي يستحق العبادة، ليس هو الإله بمعنى القادر على الخلق، فإذا فسر المفسر الإله بمعنى القادر على الاختراع، واعتقد أن هذا أخص وصف الإله، وجعل إثبات هذا التوحيد هو الغاية في التوحيد، كما يفعل ذلك من يفعله من متكلمة الصفاتية، وهو الذي ينقلونه عن أبي الحسن الأشعري، وأتباعه ممن لم يعرفوا حقيقة التوحيد الذي بعث الله به رسوله، فإن مشركي العرب كانوا مقرِّين بأن الله وحده خالق كل شيء، وكانوا مع هذا مشركين. قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦].
ثم ذكر الآيات في ذلك ... وقال: فليس كل من أقرَّ أن الله ربّ كل شيء وخالقه، يكون عابدًا له دون ما سواه، داعيًا له دون سواه، راجيًا له، خائفًا منه دون سواه، يوالي فيه، ويعادي فيه، ويطيع رسله، ويأمر بما أمر به، وينهى عما نهى عنه، وقد قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣] ....
وذكر آيات في شرك المشركين ثم قال: ولهذا كان من أتباع هؤلاء
стр. 154
من يسجد للشمس والقمر والكواكب (١)، ويدعوها كما يدعو الله تعالى، ويصوم لها، وينسك لها، ويتقرب إليها، ثم يقول: إن هذا ليس بشرك، وإنما الشرك إذا اعتقدت أنها هي المدبرة لي، فإذا جعلتها سببًا وواسطة لم أكن مشركًا.
ومن المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أن هذا شركٌ.
فهذا ونحوه من التوحيد الذي بعث الله به رسله، وهم لا يدخلونه في مسمى التوحيد الذي اصطلحوا عليه، وأدخلوا في ذلك نفي صفاته ...» (٢).
стр. 155
وبهذا ترى أن الأشاعرة أدخلوا التعطيل ضمن مسمَّى ومفهوم (التوحيد)، في حين أنهم لم يدخلوا فيه أي نوع من أنوع العبادة التي يعتبر صرفها لغير الله شركًا منافيًا للتوحيد، وما ذاك إلا نتيجة فساد منهجهم في التلقي والاستمداد، وتقليدهم منهج الفلاسفة في تناول العقيدة من الزاوية الفلسفية المجردة، واعتبارها تصورات ذهنية محضة، على ما في هذه التصورات من خلل وتناقض.
وإذ لا يخفى على كل مسلم أن توحيد الله تعالى أصل الدين كله، وأن عليه مدار دعوة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وفيه وقع النزاع بينهم وبين أممهم، وهو مفرق الطريق بين المؤمنين والكافرين، لا يقبل الله ممن لم يأت به صرفًا ولا عدلًا، فإن أعظم مقاييس صحة عقيدة أي فرد أو طائفة هو موقفه من قضية التوحيد معرفةً وتحقيقًا.
وهكذا ندع للقارئ الكريم الحكم على هذه الطائفة، ومنهجها العقلي المزعوم.
ومن موضوع التوحيد ننتقل إلى موضع آخر له أهميته في التصور الإسلامي، وهو غاية الوجود الإنساني، وحكمة الخلق والكون.
يقول الآمدي: «مذهب أهل الحق أن الباري تعالى خلق العالم وأبدعه لا لغاية يستند الإبداع إليها، ولا لحكمة يتوقف الخلق عليها ...
ووافقهم على ذلك طوائف الإلهيين، وجهابذة الحكماء المتقدمين» (١).
стр. 156
ولن نسأل الآمدي عن الآيات الكثيرة في بيان حكمة الخلق، وغاية الوجود؛ لأن جوابه المعروف هو وأصحابه عنها: أنها ظنيات لا تفيد اليقين، وظواهر نقلية بجب تأويلها لتوافق القطعيات العقلية ..
ولكننا نسأله أيهما الذي وافق الآخر وتبعه، آلحكماء اتبعوا الأشاعرة، أم الأشاعرة اتبعوا الحكماء؟.
ولن نطيل بذكر أمثلة لهذه المسألة، بل نكتفي بنموذج عصري واحد.
يقول البوطي بعد أن قرر القاعدة الأشعرية في نفي الحكمة والغاية: «أما الآيات والأحاديث الموهمة لثبوت العلل والأغراض لله تعالى بسبب استعمال لام التعليل؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: (٥٦)] ...
فليست على ظاهرها الذي نتصوره من التعليل الحقيقي؛ إذ لو كانت كذلك لاقتضى الأمر أن يكون الله ﷻ مستكملًا ألوهيته بعبادة الناس له، ولذلك احتاج إليها، وخلق الناس من أجلها (؟!) ...
فاللام في مثل هذه الآيات إنما هي تعبير عن العلة الجعلية (؟)، لا عن العلة الحقيقية.
أي: تعلقت إرادة الله بإيجاد الإنسان وبتكليفه بمستلزمات العبودية له ... برابط من محض مشيئته وقدرته» (١).
فانظر إلى هذه اللوازم المتخيَّلة، وهذا التأويل المتكلف لمسألة واضحة وضوح الشمس، وليس لهذا من داعٍ إلا متابعة أسلاف
стр. 157
المذهب، الذين تابعوا قدماء جهابذة الوثنيين - إن صح التعبير -.
على أن الأشاعرة ناقضوا أنفسهم - كالعادة في كثير من أصولهم - عندما جاءوا في مبحث النبوات، وأثبتوا أن الله تعالى يعطي الأنبياء معجزات لكي تكون دلالة على تصديق الله لهم، وموجبًا لتصديق الناس لهم. فعللوا أوضح تعليل.
أما افتعال التعارض بين المشيئة والحكمة، فلا نظير له إلا ما افتعلوه من التعارض بين العقل والنقل.
ولو سألهم سائل: لماذا يكون قولنا: (إن الله خلق الإنسان بمحض المشيئة، وكلفه بعبادته) تنزيهًا لله تعالى وكمالًا. وقولنا: (إن الله خلق الإنسان لحكمة عظيمة) نقصًا في حقه تعالى، فماذا سيكون جوابهم.
نحن لا نقول: إن سبب هذه الأصول الفاسدة هو اللبس، أو سوء الفهم فحسب، بل المشكلة أنهم - باعترافهم هم - استمدوها من الفلاسفة، وهذا هو مصدر الضلال، فهي محكومٌ عليها بالبطلان، حتى لو وافقت الصواب عَرَضًا ومصادفة.
ثم ننتقل إلى مبحث الصفات: حيث نجد الرازي - الذي طعن في أحاديث الصفات - بل في السنة كلها جملةً، وأوَّل آياتها قاطبةً إلا ما شاء في قانونه الكلي، يستدل على مذهبه، بل على فساد مذهب السلف، وأنه أصل لعبادة الأوثان، بكلام المتخرصين المشركين من منجمي الصابئة.
يقول في أساسه، أو تأسيسه: «وذكر أبو معشر المنّجم أن سبب إقدام الناس على اتخاذ عبادة الأوثان دينًا لأنفسهم، هو أن القوم في
стр. 158
الدهر الأقدم كانوا على مذهب المشبهة، وكانوا يعتقدون أن إله العالم نورٌ عظيمٌ، فلما اعتقدوا ذلك اتخذوا وثنًا هو أكبر الأوثان على صورة الإله، وأوثانًا أخرى أصغر من ذلك الوثن على صورة الملائكة، واشتغلوا بعبادة هذه الأوثان على اعتقاد أنهم يعبدون الإله والملائكة.
قال الرازي: فثبت أن دين عبادة الأصنام كالفرع عن مذهب المشبهة» (١).
ولن نقول للرازي: إن الثابت في السنة في أصل الشرك ينافي هذا (٢)؛ لأنه سيقول: تلك ظواهر ظنية لا تفيد اليقين، ورواية آحاد لا يثبت بها علم.
ولكننا نقول: لو فرضنا أن بينك وبين هذا المنجم المشرك سندًا صحيحًا (٣)، فما سنده هو إلى أجداده المشركين القدامى الذي أسسوا التشبيه والشرك؟ أم أن كلامه - عندك - قطعي الدلالة والثبوت، ولو كان رجمًا بالغيب من مكان بعيد؟. وأين عقلكم الذي حكمتموه في النصوص، لِمَ لا تحكمونه في قول هذا الأفاك، إنهم صوروا النور؟!.
ويأتي صاحب (المواقف) فيستفتح موضوع الإلهيات من كتابه بما
стр. 159
يتعلق بالذات، أي: ذات الله تعالى الذي يسمونه غالبًا (القديم).
فيقول: «وفيه مقاصد:
المقصد الأول: في إثبات الصانع، وفيه مسالك:
المسلك الأول للمتكلمين: [وتحدث فيه عن حدوث الجواهر والأعراض].
المسلك الثاني للحكماء: [تحدث فيه عن دليل فلاسفة اليونان، ومن تبعهم وهو الوجوب والإمكان]» (١).
ويقول في مبحث العلة والمعلول: «القصد الثالث:
يجوز عندنا استناد آثار متعددة إلى مؤثر واحد بسيط [غير مركب]، وكيف لا ونحن نقول بأن جميع الممكنات مستندة إلى الله تعالى.
ومنعه الحكماء إلا بتعدد آلة، أو شرط، أو قابل، وأما التبسيط الحقيقي الواحد من جميع الجهات فلا».
ثم قال: «المقصد الرابع:
قال الحكماء: البسيط لا يكون قابلًا وفاعلًا، وإلا فهو مصدر للقبول والفعل ...» (٢).
والمواضع أكثر من أن تحصر، والمقصود أنهم يستمدون من كلام هؤلاء الوثنيين، وينقلونه في أهم القضايا، وهي وجود الله تعالى
стр. 160
وصدور الأفعال عنه.
فإن قيل: ولكنهم يخالفونهم في بعضها؟.
فالجواب: أن المهم ليس هو الموافقة بإطلاق، ولكنه في أصل النقل واعتبار الخلاف، فأي مسلم حقيقي لا يمكن أن يعتد بخلاف هؤلاء، حتى ولو خالفهم في كل شيء؟.
وهل على ظهر الأرض مؤمن حقًّا يعتد بخلاف اليهود والنصارى - الذين هم أفضل حالًا من هؤلاء - في صفات الله تعالى، فيقول مثلًا: إن الله واحدٌ .. وخالف النصارى فقالوا: ثلاثة. ثم يعرض القضية وكأنها خلاف في مسألة فرعية؟.
وهل يعتد المسلم بخلاف الرافضة في عدالة الصحابة، أو خلاف الباطنية في تفسير القرآن؟.
فكيف يعتد بخلاف مشركي اليونان في توحيد الله وصفاته، حتى وإن خالفهم أحيانًا! وهل هذا إلا أثر من آثار العمى الفكري الناشئ عن فساد منهج التلقي.
إن كتب الأشاعرة من حيث المنهج والأصل تبجل (الحكماء) وتعظّمهم، ثم قد توافقهم وقد تخالفهم، وهذا أمرٌ طبيعي مع كل باحث، لكن ليس في المخالفة الجزئية لذاتها، أي غض من قيمة المخالف.
وإنما دلالة الإيمان هو إنزالهم منزلتهم التي أنزلهم الله إياها، فهم وثنيون ضالّون مضلون متبعون لمشركي الصابئة.
وحسبهم أنهم يجعلون كلام الله ورسوله على قدم المساواة مع
стр. 161
كلام المعلّم الأول وتلامذته، أما إذا كانوا - كما هو الواقع - يجعلون كلام الله ورسوله دلائل ظنية لا تفيد اليقين كما سبق، ويجعلون كلام معلم الوثنية الأول قطعي الدلالة والثبوت، فما أدري ما وجه دفاع من قد يدافع عنهم بأنهم يخالفون المعلم الأول أحيانًا!!.
ورحم الله شيخ الإسلام ابن تيمية حين قال عن هؤلاء الوثنيين - وكلامه ينطبق على كل عصر ومصر -: «هؤلاء المتفلسفة إنما راجوا على أبعد الناس عن العقل والدين؛ كالقرامطة والباطنية الذين ركبوا مذهبهم من فلسفة اليونان ودين المجوس، وأظهروا الرفض، وكجهال المتصوفة وأهل الكلام، وإنما ينفقون في دولة جاهلية بعيدة عن العلم والإيمان، إما كفارًا، وإما منافقين، كما نفق منهم من نفق على المنافقين والملاحدة، ثم نفق على المشركين الترك.
وكذلك إنما ينفقون دائمًا على أعداء الله ورسوله من الكفار والمنافقين» (١).
ولم يزل متكلمو الأشاعرة مع تسترهم بالاحتكام إلى العقل وحده، يتسولون على أبواب المذاهب حتى وقفوا على باب اليهود!!.
وهذا أمر عجيب، وليس بعجيب!.
عجيب حين نعلم من هم اليهود! وما مبلغ عداوتهم للإسلام
стр. 162
والمسلمين، وما هي قيمتهم المعنوية - لا سيما في الماضي - عند أمم الكفر فضلًا عن خير أمة أخرجت للناس!!.
وليس بعجيب حين نعلم أن شهوة التعصب والانتصار للرأي مع شهوة الابتداع الذي أشربته قلوب المبتدعة كثيرًا ما حفزت على ركوب المخاطر والاستنصار على المخالف القريب بالعدو اللدود! على أن أصل المسألة أعمق من هذا.
إنه ببساطة: اتفاق المنهج في مصدر التلقي.
فعندما يتفق المنتسب لليهودية مع المنتسب للإسلام في أصل التلقي من مشركي اليونان، والتدين بالدين الوثني العالمي دين الفلسفة اليونانية، فإنه لا غرابة في وقوفهما - ومن شاركهما في هذا الدين من أي نحلة وجنس - صفًّا واحدًا ضد جبهة الإيمان والتوحيد!.
وإلا فكيف يعيش الرازي، وموسى بن ميمون في عصر واحد (١)، والأول بأقصى المشرق، والآخر بأقصى المغرب، فيؤلف الأول (أساس - أو تأسيس - التقديس)، ويؤلف الآخر (دلالة الحائرين)، وتقرأ هذين الكتابين فتجدهما يخرجان من مشكاة واحدة - بل من بؤرة واحدة - لا أثر فيها لإسلام هذا، ولا يهودية ذاك من حيث المنهج والاستمداد.
فالإسلام - الذي تنتسب إليه الرازي - أجلى من الشمس في رابعة النهار بلا غيم ولا قتر فيما يتعلق بإثبات الصفات.
стр. 163
واليهودية التي ينتسب إليها موسى بن ميمون - في توراتها المحرفة - من الغلو المسرف في الإثبات ما يصل إلى تشبيه يترفع عنه كثير من الوثنيين.
ومع هذا يتفق الاثنان في نفي الصفات، وفي الهجوم على (المجسّمة المشبهة الحشوية) أي أهل السنة والجماعة.
فأما كتاب الرازي فقد تقدمت بعض النقول منه، ولا هجرة بعد الفتح، ولا كلام في التأسيس بعد (بيان التلبيس) (١)!.
وأما كتاب (دلالة الحائرين) الذي استمد منه الأشاعرة، فإليك طرفًا من حكايته:
ألَّفَ موسى بن ميمون اليهودي هذا الكتاب باللغة العربية نطقًا، أما كتابة حروفه فقد جعلها بالخط العبري؛ لأنه خشي أن يثير عليه المسلمين واليهود على السواء، فكانت لغته العربية حائلة دون فهم اليهود له، وخطه العبري مانعًا من قراءة المسلمين له.
وهذا بالطبع بعض آثار المكر اليهودي المتأصل، لكن ما علينا من هذا، فليته بقي كذلك وأراحنا الله منه.
غير أن أحد أعيان الطبقة الثانية من تلاميذ الرازي، وهو أبو عبد الله محمد بن أبي بكر التبريزي، لمس - على ما يبدو - حيرة أصحابه
стр. 164
الأشاعرة، ورأى أنه أعظم كتبهم (التأسيس) قائم حقًّا على التلبيس (١)، فما صدَّق أن عثر على كتاب (دلالة الحائرين)، ليجعله دليلًا لحيرة أصحابه، وظهيرًا للتأسيس على الحشوية!!.
فأتى منه على الجزء، أو المقدمات المطابقة لموضوع التأسيس، فشرحها، وعرَّب خطها (٢).
ثم طمرت السنون الشرح والكتاب، ودار الزمان دورات حتى قام اليهود في القرن العشرين - ومنهم (إسرائيل ولفنستون) الذي كان مقيمًا بمصر، ومدرسًا في جامعتها - بإحياء تراث أجدادهم، واحتفلوا بذكرى موسى بن ميمون ومؤلفاته.
وعاصرهم أكبر أشاعرة عصره محمد زاهد الكوثري، فرأى وجوب الانتصار للمذهب، والتشفي من أعدائه (الحشوية)، فنشر شرح شيخِه الأشعري (التبريزي) للكتاب اليهودي، ولا ندري عمَّا إذا كان هذا العمل باتفاقٍ مع اليهود، أو إشارة منهم، إلا أن الكوثري قال: «لو كان القائمون بالاحتفاء بموسى بن ميمون قبل سنين ظفروا بهذا الشرح القيم، لقاموا بنشره إذ ذاك بكل اغتباط» (٣).
стр. 165
يريد أن يقول: أن المسألة توافق، وليست عن اتفاق. والله أعلم.
والمهم أن الكوثري أخرج الكتاب في سنة (١٣٦٩هـ-١٩٤٨م) وهي السنة التي قامت فيها دولة إسرائيل بفلسطين، ولسان حاله يقول: إذا لم تكن هذه الدولة على مذهب الحشوية، فلتكن ما تكون!.
وحتى لا يحسب أحدٌ أننا نَتَجَنَّى عليه - فضلًا عن شيخه التبريزي صاحب الفضل الأول - ننقل من مقدمته ما أنطق الله به لسانه، فهو يقول ضمن كلامه عن ابن ملكا (١) اليهودي الذي أفسد الإسلام في نظره: «وقد أوتي ذكاءً وحُسن بيان، مع مكرٍ بالغ، وشغب ملبّس، يدس بهما في غضون كلامه ما ورثه من عقيدة التشبيه من نحلته الأصلية، فيروج تلبيسه على من لم يؤت بصيرةً نافذةً تجلو الحقائق، يتظاهر بالرد على الفلاسفة في بعض مباحث المنطق والرياضيات والإلهيات، فيكون بذلك سببًا لرواج شغبه عند بعض محدِّثي الحشوية في تجويز حلول
стр. 166
الحوادث (١) في الله سبحانه ...
مع أن حلول الحوادث في ذات الله محالٌ عند المتكلمين والفلاسفة في آنٍ واحد (٢)؛ بل بحلول الحوادث في العالم استدلوا على حدوث العالم! (٣) فكيف يستجاز ذلك في مبدع العالم ﷻ ؟.
وإن انخدع بكلام ابن ملكا ابن تيمية في تلبيسه، وتسعينيته، وسبعينيته، ومنهاجه، ومعقوله (٤) ...».
ثم قال في مقام مقارنة كتاب ابن ملكا (المعتبر) بكتاب ابن ميمون (دلالة الحائرين): «فيستغرب من الشيخ الحراني - يعني شيخ الإسلام - إهماله لتلك البراهين المسرودة في (دلالة الحائرين) في تنزيه الباري عن الجسمية، مع اطلاعه عليها، وأخذه بتلك المحاولة الساقطة في معقوله عند رده على السيف الآمدي قوله باستحالة تحديد الله بجهة؛ لاحتياج ذلك إلى مخصص كما هنا، على طِبْقِ ما صنع في أخذه عن ابن ملكا ما انفرد به عن النظار من تجويز حلول الحوادث في الله. تعالى
стр. 167
الله عما يقول المجسّمة والمشبهة علوًّا كبيرًا» (١).
فالكوثري يتهم شيخ الإسلام - صراحة - بأن تلك الأسفار التي لم يكتب في بابها مثلها قط - لا في قديم الدهر ولا حديثه - ما هي إلا اقتباسات من فكر رجل يهودي مغمور يدعى ابن ملكا!.
فماذا يريد الكوثري بذلك؟ أهو كما قال المثل العربي (رمتني بدائها وانسلت)؟.
الحقيقة أن الأمر أعظم من ذلك!.
فإن الكوثري من أعظم الناس تدليسًا وتلبيسًا، ومكرًا ودهاءً، يعرف ذلك من تتبع شيئًا من كلامه ونقولاته، وإليك البيان:
(١) - أن ابن ملكا اعتنق الإسلام كما نص المترجمون لحياته، ونقل الكوثري نفسه قول الظهير البيهقي عنه أنه (حَسُن إسلامُه)، فلا مقارنة بينه وبين اليهودي الميت على كفره، بل الزنديق الذي ليس بمسلم ولا كتابي (موسى بن ميمون)، وغاية ما في الأمر أن الرجل لما أسلم اعتنق بعض الحق الذي عليه مذهب السلف، فشغب عليه الكوثري لاعتناقه مذهب الحشوية، لا لكونه يهوديًّا، وإلا فلماذا لم يشغب على صاحبه ابن ميمون، وهو الكافر الصريح؟.
(٢) - لم يكتفِ الكوثري بالشغب على ابن ملكا واتهامه في دينه؛ بل اتهم شيخ الإسلام بالأخذ عنه والتلقي منه، فهو إنما طعن في
стр. 168
الرجل توصلًا إلى الطعن في شيخ الإسلام، وافتعل لذلك مناسبة كون ابن ملكا يهودي الأصل، وأقحم ذلك كله في مقدمة كتاب ابن ميمون؛ لأنه كتابُ يهودي أصلًا، أشعري مضمونًا ونصًّا، فبهذا جعل القدر المشترك بين ابن ملكا الذي أسلم ووافق عقيدة السلف، وبين ابن ميمون الموافق للأشاعرة مع بقائه على يهوديته شيئًا واحدًا، فانظر إلى هذا التلبيس والمكر والدهاء.
(٣) - أن الكوثري - على ما ظهر لي - يسرُّه أن يقال عنه: (رمتني بدائها وانسلت)، وتبقى المسألة في هذا الحد، وذلك لكي خفي ما هو أعظم من ذلك، وهي صلته بـ (إسرائيل) و (لفنستون) و (جولدزيهر) وغيرهما من يهود المستشرقين (١)، وكذلك إخراجه لهذا الكتاب في أحرج موقف مر بين المسلمين واليهود، وهو (قيام دولة إسرائيل).
٤ - على كلام الكوثري يكون المسلمون جميعًا مقلدين في دينهم لفلاسفة اليهود! فأتبع السلف عنده - وعلى رأسهم ابن تيمية - هم من مقلدة ابن ملكا، والأشاعرة هم من مقلدة ابن ميمون.
فالأمة الإسلامية إذن - مهتديها وضالُّهَا - سائرة على خطى يهود!!.
وربما يثار سؤالٌ هنا، وهو: إذا كان اليهود بهذه المنزلة عند الكوثري وأساتذته، فمن هو الخطير على الإسلام إذن؟.
стр. 169
والجواب: نأخذه من كلام الكوثري نفسه:
إنهم أهل السنة والجماعة!! فهو يقول عن أهل الحديث في الهند: «وبعض طوائف الهنود أصبحوا أضر على الإسلام من اليهود» (١).
وهناك مصدر يهودي له أثره البالغ في تأسيس جذور المذهب الأشعري، ولم نشأ أن نجعله رأس موضوع؛ لأنه يحتمل الجدال، وهو فِكر (بشر المريسي)!.
وقد هدم الإمام الدارمي هذا الفكر، وأورد ما يدل على أن صاحبه تعمد الهدم والإفساد، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد في بِشر (٢)، وتعمُّد الإفساد أمرٌ متواترٌ في التاريخ اليهودي كله، ونماذجه قبل بِشر - مثل (بولس)، و (عبد الله بن سبأ)، وبعده مثل (القداح)، و (ابن كلس) - لا تخفى على ذوي الشأن.
وتوفي الدارمي ﵀ ثم ظهرت بعده العقيدة الكُلَّابية الأشعرية، وكأنما هي نسخة من عقيدة بشر في كثير من الأصول؛ في الصفات، والإيمان، وخلق القرآن، وغيرها، خصوصًا في (التأويلات). والتأويل عند اليهود - منذ القدم - أصلٌ من أصول تعاملهم مع نصوص
стр. 170
كتب الله ووحيه، ولونٌ من ألوان المكر اليهودي معها (١).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (وهذه التأويلات الموجودة اليوم بأيدي الناس مثل أكثر التأويلات التي ذكرها أبو بكر بن فورك في كتاب (التأويلات) (٢)، وذكرها أبو عبد الله محمد بن عمر [الفخر] الرازي في كتابه الذي سماه (تأسيس التقديس) ... هي عين تأويلات المريسي، ويدل على ذلك كتاب الرد الذي صنفه عثمان بن سعيد الدارمي أحد الأئمة المشاهير في زمان البخاري، صنف كتابًا وسماه: (نقض عثمان بن سعيد على الكاذب العنيد فيما افترى على الله من التوحيد)، حكى فيه هذه التأويلات بأعيانها عن بشر المريسي، بكلام يقتضي أن المريسي أقعدُ بها، وأعلمُ بالمنقول والمعقول من المتأخرين الذين اتصلت إليهم جهته وجهة غيره، ثم رد ذلك عثمان بن سعيد بكلام إذا طالعه العاقل الذكي علم حقيقة ما كان عليه السلف، وتبين له ظهور الحجة لطريقهم، وضعف حجة من خالفهم.
стр. 171
ثم إذا رأى الأئمة - أئمة الهدى - قد أجمعوا على ذم المريسية، وأكثرهم كفَّروهم أو ضلَّلوهم، وعلم أن هذا القول الساري في هؤلاء المتأخرين هو مذهب المريسي، تبين الهدى لمن يريد الله هدايته، ولا حول ولا قوة إلا بالله» (١).
والجدال الذي سبقت الإشارة إليه هو ادعاء بعض الأشاعرة المعاصرين أن يهودية بشر لا أثر لها في عقيدته، ونحن نستطيع إثبات هذا الأثر بالمقارنة، لولا أن هذا خارجٌ عما التزمناه هنا، وحسبك أن تعلم أن أمَّ بشرٍ أحدُ من شهد عليه بالزندقة، وقالت ذلك للإمام الشافعي (٢)، وليست الزندقة إلا إظهار الإسلام وإبطان غيره، وما نحسب بشرًا يبطن شيئًا سوى عقيدة الآباء والأجداد.
стр. 172
النبوات
تطبيقًا لمنهج التلقي عند الأشاعرة؛ جاءوا في النبوات بمثل ما جاءوا به في غيرها مما يخالف النقل والعقل.
وغير خافٍ على أحد ما لموضوع إثبات النبوة من أهمية قصوى؛ لأن كل العقائد مترتبة عليه، فكان لزامًا لأي فرقة تدعي أنها تمثل حقيقة الإسلام أن يكون إثبات هذا الأصل أقوى وأظهر أصولها .. لا سيما التي تدعي منهج العقل، لا منهج التقليد، ولكن الأشاعرة التزموا بمنهج ضيق محصور، كله ردود فعل دفاعية لكلام منكري النبوات، أو منكري بعض قضاياها وآثارها ..
فتجدهم في كل مرحلة من مراحل هذا المنهج التوفيقي الدفاعي ينتقلون من دائرة ضيقة إلى ما هو أضيق، حتى حصرَهم خصومهم وحشروهم في آخر دائرة منها، ولم يكن للأشاعرة منها من مستمسك إلا القولُ بأن هذا نعلم صحته بالاضطرار في نفوسنا!!.
ولا يمكن للأشاعرة دفع أي هجوم للخصوم إلا بنقض شيءٍ من أصول منهجهم، وإنكار شيء مما صحَّ في الشرع، فأمرهم في النبوات دائر بين البطلان والتناقض ..
وسيتضح لك ذلك من خلال العرض الموجز عن النبوة عندهم؛ حُكْمها، ثبوتها، القول في عصمة الأنبياء!.
فأما حكم النبوة عندهم؛ فانطلاقًا من القسمة الأشعرية الثلاثية (الواجب العقلي، المستحيل العقلي، الجائز العقلي)، جعلوا حكم
стр. 173
النبوة من القسم الأخير، أي (الجواز).
وقد ضيق الأشاعرة على أنفسهم بهذا التأصيل فرارًا من القول بوجوب شيء على الله، كما تقول المعتزلة، الذين جعلوا النبوة من القسم الأول، وفرارًا من القول باستحالة إرسال الرسل - كما يدعي منكرو النبوات من ملاحدة الفلاسفة ونحوهم - الذين يجعلونها من القسم الثاني.
ومن لوازم هذا التقسيم عند الأشاعرة: أن كل ما هو داخلٌ في دائرة الجواز والإمكان، فهو راجعٌ إلى محض المشيئة مجردةٌ عن أي حكمة أو تعليل، حتى التزموا القول بأنه ليس في القرآن كله (لام تعليل)، ويسمون أصلهم هذا (تنزيه الإله عن الغرض في أفعاله).
فأنكروا أن يكون لأفعاله تعالى - ومنها إرسال الرسل - حكمةٌ أو غرضٌ أراد الله تعالى تحقيقه بهذا الفعل، بل الأمر كله راجعٌ إلى المشيئة المحضة، فهو تعالى - حسب تعبيرهم - (يفعل لا لشيء).
ولا شك أن كل أفعاله تعالى راجعةٌ إلى مشيئته، ولكن تعلُّق المشيئة بأي أمرٍ لا ينفي تعلق غيرها من صفاته به؛ كالحكمة والرحمة.
والمهم: أن القضية من أصلها ليست قضية عقلية تجريدية تخضع لهذا التقسيم البدعي، فما المانع - عقلًا - أن تكون القسمة رباعية، أو خماسية، أو أكثر؟!.
هذا الأصل الفاسد المركب أضعَفَ قضية إثبات النبوة عند
стр. 174
الأشاعرة كثيرًا، فاستطال عليهم المعتزلة والفلاسفة، كلٌّ من جهته! (١).
والقول بأن حكم النبوة مجرد الجواز صرح به الأشاعرة في كتبهم كافة؛ كالباقلاني، والجويني، والشهرستاني، والغزالي، والبغدادي، والآمدي، وغيرهم.
وهذا نص الآمدي: «مذهب أهل الحق: أن النبوات ليست واجبة أن تكون، ولا ممتنعة أن تكون، بل الكون وأن لا يكون بالنسبة إلى ذاتها وإلى مرجعها سيان، وهما بالنظر إليه سيان» (٢).
ويستدل الجويني على الجواز بأنه: ليس من قسم المستحيل: «والدليل على جواز إرسال الله الرسل وشرْعِ الملل: أن ذلك ليس من المستحيلات التي يمتنع وقوعها لأعيانها؛ كاجتماع الضدين، وانقلاب الأجناس، ونحوها» (٣).
وبهذا التقرير والاستدلال - على ضعفه وهزاله - أسقطوا حقيقة عظمى من الحقائق التي اقتضتها الحكمة الربانية في إرسال الرسل؛ إذ جعلوا قضية النبوة بمنزلة خلْق إنسان أو إماتته، وإيجاد شجرة أو عدمها .. فكلها من الأمور الممكنة المتعلقة بمحض المشيئة - حسب كلامهم -.
стр. 175
على أن من البديهيات المسلَّمة لدى كل مؤمن صادق أن الله تعالى لا يفعل شيئًا مجردًا عن الحكمة مطلقًا، وأن من أعظم ما تتجلى فيه هذه الحكمة إرسال الرسل، وهذا ما صرح به قوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٦٥].
وثبت في تفسيرها عند الشيخين وغيرهما أن النبي ﷺ قال. (ليس أحدٌ أحبّ إليه العذر من الله، من أجل ذلك أنزل الكتاب، وأرسل الرسل) (١).
ومن أجلى الاستدلالات على أن الأمر زائدٌ على مجرد المشيئة أن الكفار لما استدلوا على شركهم بالمشيئة فقالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ ...﴾ [النحل: (٣) ٥]. رد الله تعالى عليهم بقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
فجعل حكمة إرسال الرسل دافعة لشبهة الاحتجاج بالمشيئة الكونية.
وعلى كلام الأشاعرة يستوي إشراك المشركين، وإرسال الرسل في تعلق كل منهما بالمشيئة، فيتوجه احتجاج الكافرين بها عياذًا بالله!.
وكما أن قول الأشاعرة هذا يخالف مقتضى الحكمة؛ فإنه يخالف مقتضى الرحمة، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾
стр. 176
[الأنبياء: ١٠٧]. فها هو ذا أمر عظيم زائد عن مجرد المشيئة.
على أن الأشاعرة سرعان ما نقضوا كلامهم هذا عند حديثهم عن المعجزة حيث قالوا: إن الله تعالى يعطي الأنبياء معجزات لتدل على صدقهم وتصديق الله لهم، فعللوا فعل الله وأظهروا حكمته، وبهذا ناقضوا أصلهم الكلي، وهو أنه (يفعل لا لشيء)، ومنزهٌ عن الغرض!!.
ولا نريد الإفاضة في بيان بطلان هذا الحكم، وإنما المراد إظهار تناقضهم وفساد أصولهم، فإن إنكارهم لبعض الصفات، ونفيهم للحكمة في أفعال الله، وإخضاع ما يتعلق بالله للتقسيمات العقلية المبتدعة، كلها أصولٌ فاسدةٌ اجتمعت في هذه القضية فأفسدتها!.
وأما ثبوت النبوة فاستدل عليه الأشاعرة بدليلين:
(١) - عدم الاستحالة.
(٢) - المعجزة.
وهما في الحقيقة دليلٌ واحدٌ؛ لأن عدم الاستحالة إنما هو جزءٌ من حكمها في العقل، ولو لم يكن للمسلمين، بل ولسائر أتباع الملل من الحجة على إثبات جنس النبوة إلا هذا الدليل الأشعري (عدم الاستحالة)، لكان من حق منكري النبوات أن يظهروا عليهم كل الظهور!.
ومن حقّ كل مسلم أن يسأل هؤلاء القوم: يا من تطرحون النصوص جانبًا، وتقدِّمون - بل تحكِّمون - العقل، أين الدليل العقلي القاطع على إمكان النبوة؟ وهي أساس كل اعتقاد؟.
أهو قولكم: «إن ذلك ليس من المستحيلات التي يمتنع وقوعها لأعيانها؛ كاجتماع الضدين، وانقلاب الأجناس»؟.
стр. 177
أهذا يكفي لتثبيت إيمان المؤمن، فضلًا عن إقناع المنكر الجاحد؟.
ثم إن هذا الدليل - في عمومه - يستطيع مسيلمة والعنسي وكل متنبئ إلى يوم القيامة أن يستدل به؛ إذ لا يترتب على كون أيٍّ من هؤلاء نبيًّا لذاته أي مستحيل عقلي مما ذكرتم؟!.
ولم تقفوا عند هذا؛ بل حصرتم الدليل كله في المعجزة كما فعل الجويني الذي عقَّب على كلامه السابق قائلًا: «فصل: لا دليل على صدق النبي غير المعجزة» (١). مع حصركم للمعجزة نفسها في الأمر الخارق للعادة المقرون بالتحدي .. إلى آخر ما رتبتموه بالعقل المجرد.
وهذه هي الدائرة الأضيق التي حصرتم أنفسكم فيها، فتناوشتكم السهام من كل ناحية، ذلك أن المعجزة المجردة في ذاتها تتوارد عليها الطعون والاعتراضات العقلية التي لا يمكن - حسب منهجكم - دفعها إلا بإبطال أصل من أصولكم.
مثال ذلك أن يقال: إنه لا دليل على صدق موسى ﵇ حسب كلامكم - إلا انقلاب العصا حيَّةً ونحوها، فماذا تقولون للسامريين من اليهود إذا قالوا: دلالة صدق السامري أعظم من دلالة صدق موسى، أو مساوية لها؛ لأن انقلاب الزينة عجلًا جسدًا له خوار أعظم عندنا - نحن السامرة - من انقلاب العصا حيَّة؟!.
عندئذ ستضطرون إما إلى تصديقهم في ذلك، وإما إلى مناقضة
стр. 178
أصلكم هذا، وهذا ما قررناه آنفًا من أن دعواكم مترددة بين البطلان والتناقض.
ولكن الواقع أن الأشاعرة لم يتراجعوا عن هذا الأصل - على فساده - بل استمروا عليه، مع ارتكاب صنوف من التمحل والتعسف ..
من أمثلة ذلك: أنهم اضطروا أن يتكلفوا لكل نبيٍّ ما ينطبق عليه مفهومهم الضيق للمعجزة، فأدى بهم هذا إلى هدم أصل من أصولهم في باب آخر؛ وذلك أنهم قالوا: إن معجزة نوح ﵇ هي (الطوفان)، ومعجزة هود ﵇ هي (الريح العقيم) (١).
فعلى مذهبهم هذا (وهو أنه لا يثبت صدق النبوة إلا بالمعجزة، ولا يجب على المكلف الإيمان إلا بعد ثبوتها) لا يكون قوم نوح وهود ملزمين بالإيمان إلا عند وقوع الطوفان وهبوب الريح، وإلى أن يتأكد قوم نوح أن هذا معجزة رسولهم، وليس حادثًا كونيًّا عاديًّا، يمكن الاعتصام منه برؤوس الجبال ... إلى أن يتأكد قوم هود أن هذا ليس عارضًا ممطرهم ...
إلى أن يحصل هذا التأكد لا يجب على أي منهما أن يؤمن، إذ كيف يؤمن ودليل صدق النبي لم يثبت بعد؟! وبعد استيقانهم من صدق المعجزة يكونون قد ماتوا أو أشرفوا على الموت يقينًا، وحينئذٍ فيلزم أحد أمرين:
(١) - إما أنهم آمنوا وأدخلهم الله الجنة، وهذا باطلٌ قطعًا، قال تعالى:
стр. 179
﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَاسَنَا﴾ [غافر: (٨٥)]. بل هذا هو عين ما وقع لفرعون حين قال: (آمنت) لما أدركه الغرق.
(٢) - وإما أنهم لم يؤمنوا بعد، وهو ما نقوله نحن وأنتم، ويكون مصيرهم بلا ريب هو النار، فلا جدوى للمعجزة ولا حكمة فيها، بل أنتم تقرون أن الإنسان لا يؤاخذ قبل قيام المعجزة.
فظهر تناقضكم، ولزمكم نسبة الظلم إلى الله تعالى؛ لأنه أهلك قومًا وأدخلهم النار قبل قيام ما يدل على صدق النبي عندهم.
وإن كان هذا على أصولكم جائزًا عقلًا - تعالى الله عن ذلك -، كما أنه يتنافى مع ما أصلتموه في باب (المعرفة) و (أول واجب على المكلف) من أن من لا يستطيع النظر، أو لم يتمكن منه لا يؤاخذ (١)، فهؤلاء قد اخترمتهم المنية في أثناء النظر فكيف يؤاخذون؟.
وهكذا يصبح تناقض القوم واضطرابهم مركَّبًا.
ومن الإلزامات والإشكالات التي عجز عنها الأشاعرة؛ لأنهم تقيدوا بهذه الأصول الفاسدة والمنهج الضيق:
منها: ما أورده الآمدي نفسه على لسان منكري النبوة، وهو قولهم: إن إثبات صِدق النبي متوقف على ثبوت استحالة الكذب من الله تعالى؛ لأن إعطاء الله لنبيه معجزةً تصديقٌ له من الله، ولكن كما قال لهم الملاحدة الجاحدون: كيف نعلم أن الله لا يكذب على عباده، ولا يضلهم بإظهار المعجزة على يد الكذاب، وأنتم تقولون: إنه هو الذي
стр. 180
يخلق الكفر في قلب الكافر؟ وألزموا الأشاعرة قائلين: «لا سبيل إلى القول باستحالته [أي الكذب من الله] عقلًا، إذ قد منعتم [معشر الأشاعرة] أن يكون الحُسن والقبح ذاتيًّا، ولا سبيل إلى إدراكه بالسمع، إذ السمع متوقفٌ على صحة النبوة، والنبوة متوقفةٌ على استحالة الكذب في حكم الله، فلو توقف ذلك على السمع كان دورًا ممتنعًا» (١).
ثم اعترف الآمدي باضطراب الأشاعرة في الجواب عن هذه الشبهة (٢) التي لا مناص لهم حيالها من التزامٍ للباطل، أو اعترافٍ بالتناقض؛ فإما أن يبطلوا دعواهم، أو يبطلوا أصلهم في التحسين والتقبيح ولا بد.
وحاول هو أن يأتي بجواب مقنع فقال: «والذي يخُمد ثائرةَ هذا الإشكال ... وإن كان عند الإنصاف في التحقيق عويصًا هو أن يقال: إن