стр. 71
← Секты и опровержения следующие страницы →
Секты и опровержения · id 4673
منهج الأشاعرة في العقيدة - الكبير
سفر الحوالي
Полный текст (208 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 72
وقد أدى هذا بطبيعة الحال إلى إسقاط قيمة النصوص جملة، وهي نتيجة يشترك فيها الأشاعرة معهم، لكن (الوسطية الأشعرية) لم تصل إلى هذه النتيجة مباشرة، بل بواسطة تقرير قاعدتين خطيرتين هما:
(١) - عدم إفادة النصوص لليقين. (وهو موضوعنا هنا).
(٢) - التأويل. (وهذاالموضوع التالي لهذا).
فأما عدم إفادة النصوص لليقين؛ فإنه يرجع في الأصل إلى تحديد مجال الوحي واختصاصه حسب القسمة المنطقية للمطالب - أي موارد الأدلة -، وهي كما قال صاحب (المواقف):
«ثلاثة:
أحدها: ما يمكن؛ أي لا ما لا يمتنع عقلًا إثباته ولا نفيه، نحو جلوس غراب الآن على منارة الإسكندرية (عبارة الرازي في الأساس: على جبل قاف) فهذا لا يمكن إثباته إلا بالنقل.
الثاني: ما يتوقف عليه النقل، مثل وجود الصانع، ونبوة محمد، فهذا لا يثبت إلا بالعقل؛ إذ لو ثبت بالنقل لزم الدور (١).
стр. 73
الثالث: ما عداهما (أي ما يمكن إثباته بالعقل، ولا يتوقف عليه النقل) نحو الحدوث ...».
ومعنى هذا التقسيم بجلاء: هو أن نصيب الوحي لا يعدو القضايا المجردة التي يتخلى عنها العقل - لا تفضلًا منه، ولكن - لأنها مما لا يترتب على ثبوته وانتفائه شيءٌ، ويستحيل العلم عنها من طريقه كما في مثال الخراب، ولكنهم لا يقفون عند هذا الحد - من حصر دائرة الوحي -؛ بل يتعدونه إلى البحث في مدى إفادة نصوص الوحي، أهي توصل إلى اليقين في هذه الدائرة، كما توصل الأدلة العقلية إليه في مجالها، أم أن غاية ما تفيده هو الظن؟.
يقول المؤلف نفسه بعد ذكر الأقسام الثلاثة المنقولة آنفًا: «الدلائل النقلية هل تفيد اليقين؟. قيل: لا؛ لتوقفه على العلم بالوضع والإرادة.
والأول (العلم بالوضع) إنما يثبت بنقل اللغة والنحو والصرف، وأصولها تثبت برواية الآحاد، وفروعها بالأقيسة، وكلامها ظنيان (١).
والثاني (الإرادة) يتوقف على عدم النقل والاشتراك، والمجاز والإضمار، والتخصيص والتقديم والتأخير، والكل لجوازه بانتفائه، بل غايته الظن» (٢).
стр. 74
ومن مفهوم كلامه قد يَرِد عليهم هذا السؤال:
إذا استطعنا أن نصل إلى ما نقطع به في العلم بالوضع والإرادة - وهذا على سبيل الافتراض منا، أما بحسب كلامه فمن أين لنا بالقطع - فهل تفيدنا النصوص اليقين؟.
فجوابهم: كلا. فإن القاضي (العقل) ما يزال ينتظر دوره، وما سبق إنما هو تحقيق مع المتهم.
وإليك بقية كلامه: «ثم بعد الأمرين لا بد من العلم بعدم المعارض العقلي؛ إذ لو وجد لقدم على الدليل النقلي قطعًا؛ إذ لا يمكن العمل بهما ولا بنقيضهما، وتقديم النقل على العقل إبطالٌ للأصل بالفرع، وفيه إبطالٌ للفرع، وإذا أدى إثبات الشيء إلى إبطاله كان مناقضًا لنفسه، فكان باطلًا».
وهذا الكلام تلخيص للقانون الكلي السابق، فلا حاجة للتعليق عليه، فلنتابع كلامه: «لكن عدم المعارض العقلي غير يقيني؛ إذ الغاية عدم الوجدان، وهو لا يفيد القطع بعدم الوجود».
أي حسب المثال السابق: إنه مع كون القاضي (العقل) لا يملك دليلًا على إدانة المتهم (النص)، فهو لا يحكم ببراءته؛ إذ ربما ظهر له ولو بعد سنين صدق التهمة.
وعليه؛ فالنتيجة النهائية هي بنص قوله: «فقد تحقق أن دلالتها
стр. 75
(أي نصوص الوحي) تتوقف على أمورٍ ظنيةٍ، فتكون ظنيةً؛ لأن الفرع لا يزيد على الأصل في القوة».
وعلى هذا الحكم إذن هو (السجن إلى أجل غير مسمى، إن لم نقل السجن المؤبد) أي إيقاف العمل بالنصوص في العقيدة إلى أجل غير مسمى، بل إلى الأبد؛ لأن العقيدة مبناها على اليقين والقطع، ودلالة النصوص ستبقى ظنيةً إلى الأبد؛ لأنه علق الأمر على العلم بعدم الوجود، لا على عدم الوجدان، والعلم بعدم الوجود مستحيلٌ، والتعليق على المستحيل إبطالٌ للقضية من أصلها.
ولكن الرجل لم يستقر على هذا بل قال: «والحق أنها قد تفيد اليقين بقرائن مشاهدة أو متواترة تدل على انتفاء الاحتمالات، فإنا نعلم استعمال لفظ الأرض والسماء ونحوهما في زمن الرسول في معانيها التي تراد منها الآن، والتشكيك فيه سفسطة».
فالحمد لله على أن القوم لا يزال لديهم خير، وأنهم إذا وجدوا في كلام الله ورسوله كلمة أرض أو سماء عرفوا أنها هي هذه الأرض والسماء!!.
على أنه لم يدع فرحتنا بهذا تتم، بل استدرك قائلًا: «نعم في إفادتها اليقين في العقليات نظرٌ؛ لأنه مبنيٌّ على أنه هل يحصل بمجردها الجزم بعدم العارض العقلي؟ وهل للقرينة مدخل في ذلك؟ وهما مما لا يمكن الجزم بأحد طرفيه» (١).
стр. 76
وهكذا أعادنا مرةً أخرى إلى احتمال وجون معارض عقلي، وما علينا إلا التسليم!!.
ولنأت بمثالٍ من كلامه تطبيقًا لما قرر وأصَّل.
يقول في الموقف الخامس (الإلهيات): «المرصد الثاني في تنزهيه: وهي الصفات السلبية، وفيه مقاصد:
المقصد الأول: أنه تعالى ليس في جهة، ولا في مكان. وخالف فيه المشبهة، وخصصوه بجهة الفوق ...».
ثم قال: «واحتج الخصم بوجوه: (وذكر أربعة عقلية ثم قال):
«الخامس: الاستدلال بالظواهر الموهمة للتجسيم من الآيات والأحاديث نحو: قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]. ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: (٢٢)]. ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [فصلت: (٣٨)]. ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]. ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: (٤)]. ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَاتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠]. ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [الملك: ١٦].
﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى ٨ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ٩﴾ [النجم: ٨ - ٩]. وحديث النزول، وقوله ﵇ للجارية الخرساء (١): (أين الله؟)
стр. 77
فأشارت إلى السماء فقرر، فالسؤال والتقرير يشعران بالجهة.
والجواب: أنها ظواهر ظنية لا تعارض اليقينيات.
ومهما تعارض دليلان وجب العمل بهما ما أمكن، فتؤول الظواهر إما إجمالًا، ويفوض تفصيلها إلى الله، كما هو رأي من يقف على (إلا الله)، وعليه أكثر السلف (١) كما روي عن أحمد (كذا): الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة، والبحث عنها بدعة (كذا).
وأما تفصيلًا كما هو رأي طائفة، فتقول: الاستواء: الاستيلاء، نحو: قد استوى عمرو (كذا! والمعروف: بشر) على العراق، والعندية بمعنى الاصطفاء والإكرام، كما يقال: فلان قريبٌ من الملك، ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾: أتى أمره، و ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ أي: يرتضيه، فإن الكلم عَرَضٌ يمتنع عليه الانتقال، و ﴿مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ أي: حكمه، أو سلطانه، أو مَلَكٌ مُوكَلٌ بالعذاب.
وعليه فقس ...» (٢).
ولن نقف الآن عند ما في هذا الكلام من جهل، وتحريف، وتأويل،
стр. 78
وتعطيل؛ بل نكتفي بالمقصد الأصلي، وهو دلالة النصوص وإفادتها اليقين:
فهذه عشرة أدلة نصية - منها ثمان آيات، وحديثان صحيحان - يوردها جميعًا ثم ينسفها كلها بعبارةٍ واحدةٍ فقط: «أنها ظواهر ظنية لا تعارض اليقينيات»!!.
نعوذ بالله من الجرأة على الله ورسوله (١).
стр. 79
التأويل (١)
على ضوء المبحث السابق نستطيع أن نبين لماذا انتهج الأشاعرة منهج التأويل حتى أصبح أصلًا كبيرًا من أصول مذهبهم، ليس في الصفات فحسب؛ بل في نصوص الإيمان، والوعد والوعيد، وعصمة الأنبياء، والقدر، وفي كل نصٍّ خالف ما قرروه من عقائدهم، على ما سيأتي بيانه إن شاء الله عند تفصيل أصولهم الاعتقادية.
ذلك أن إيمانهم بمسألة تعارض العقل والنقل - مع التزامهم بالتوفيقية المضطربة بين السلف والمعتزلة - كان لابد أن يفضي بهم إلى البحث عن مهرب عقلي يقيهم الوقوع في إحدى مصيبتين:
(١) - إما التمسك بنصوص الوحي.
وهذا يناقض أصولهم، وبجعلهم جزءًا من الحشوية (كما يسمون أهل السنة). وهذا عندهم بعيدٌ، بل محال.
(٢) - وإما أن يحكِّموا العقل مطلقًا، ويعودوا إلى أصلهم الاعتزالي الفلسفي.
وفي هذا إلغاءٌ لأصل وجودهم؛ لأنهم إنما ظهروا على أنهم فرقة منشقة من المعتزلة، ثم هم يختلفون فعلًا مع المعتزلة في أصولٍ كثيرةٍ، بعضها يتعلق بتحديد دائرتي العقل والنقل.
يضاف إلى ذلك أن بعض كبارهم لهم صلةٌ بالحديث النبوي، فمن
стр. 80
غير المعقول أن يردوا الأحاديث الصحيحة ردًّا مباشرًا كما يفعل المعتزلة، فضلًا عن نصوص القرآن.
فما المخرج إذن؟!.
لعل أبرز ما يوضح هذه المشكلة هو هذا المثال الذي نقتبسه من كلمة لابن القيم، وهو وجود خليفة عادل اختلفت الرعية فيه ثلاثة أقسام:
- فقال قومٌ: لا بُدَّ من عزله والخروج عليه.
- وقال قومٌ: بل تجب طاعته ومناصرته.
- وجاء طائفةٌ ثالثةٌ أرادت التوفيق بين الفرقتين السابقتين فقالت: بل الحل أن يبقى له اسم الخلافة ورمزها، وتسحب منه شؤون الحكم وصلاحياته.
وحسب هذا المثال التقريبي وقفت الطوائف الثلاث (المعتزلة، السلف، الأشاعرة) من النصوص، وكان موقف الأشاعرة هو الثالث، أي الإبقاء على النصوص إثباتها، لكن ليس على أنها أصول تستمدّ منها الحقائق، بل على أنها آثار متحفية مقدسة، وبعبارة موجزة (الاحتفاظ بالنصِّ شكلًا مع إلغاء مفهومه حقيقة!).
وهذه هي حقيقة التأويل.
فالتأويل إذن ما هو إلا مهربٌ عقليٌّ من الالتزام بالنصوص، ووسيلةٌ ملتويةٌ للتخلص من معارضتها للعقل، ونتيجةٌ طبيعيةٌ من نتائج التوفيق الخاطئة.
والأشاعرة يفسرون جنوحهم للتأويل بالاضطرار، لا بالاختيار؛
стр. 81
ذلك أنهم رأوا أن الدفاع عن القرآن والإسلام في وجه الملاحدة الذين يتهمونه بالتناقض لا يمكن أن يتم إلا بتأويل بعضه ليوافق البعض الآخر المتفق مع القواطع العقلية.
وهم من هذا المنطلق يجعلون التأويل واجبًا شرعيًّا على كل مسلم.
يقول الدكتور البوطي - وتبعه عليه وهبي غاوجي وآخرون - عن وجوب تأويل آيات الصفات: «أما ترك هذه النصوص على ظاهرها دون أي تأويل لها - سواء كان إجماليًّا أو تفصيليًّا - فهو غير جائز، وهو شيءٌ لم يجنح إليه سلفٌ ولا خَلَفٌ (؟).
كيف ولو فعلتَ ذلك لحمّلتَ عقلك معانٍ متناقضة في شأن كثيرٍ من هذه الصفات، فقد أسند الله إلى نفسه العين بالإفراد في قوله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ ﴿[طه: (٣٩)]. وأسند مرةً أخرى إلى نفسه الأعين بالجمع فقال: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: (٤٨)]. فلو ذهبت تفسر كلًّا من الآيتين على ظاهرها دون أي تأويل لألزمت القرآن بتناقض هو منه بريء (!!).
وتقرأ قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]. وقوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]. فإن فسرت الآيتين على ظاهرهما دون أي تأويل إجمالي ألزمت كتاب الله تعالى بالتناقض الواضح (؟).
إذ كيف يكون مستويًا على عرشه وبدون أي تأويل، ويكون في
стр. 82
الوقت نفسه أقرب إليّ من حبل الوريد بدون أي تأويل (؟).
وتقرأ قوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [الملك: ١٦]. وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: (٨٤)]. فلئن فسرتها عزم ظاهرهما أقحمت التناقض في كتاب الله ﷻ كما هو واضح» (١).
وهذا الكلام إنما يوضّح حقيقة جهل الأشاعرة الجانحين إلى التأويل من ابن فورك حتى البوطي والصابوني، فإنه لا تناقض بين هذه الآيات على الإطلاق (٢)،
وحاشا كتاب الله الذي أنزله قولًا فصلًا وهدى
стр. 83
ونورًا أن يشتمل في أعظم الأصول وأوضحها على تناقض يضطر معه المؤمنون إلى نقض بعضه ببعض بتعسفات وتكلفات لم تأت في كتاب الله، ولا سنة رسوله، ولا قول صحابي، ولا عالم من السلف المعتبرين.
ولكنها الأوهام الكاسدة، والأصول الفاسدة تعارض بعضه ببعض، وتختلق التناقض بين آياته المحكمات، ثم تجنح في حلها إلى الأصل الفاسد (التأويل).
هذا ولو نظرنا إلى التأويلات التي ذكرها الإيجي في المبحث السابق، لوجدنا أنها منقولة عن الجويني الذي نقلها بدوره عن ابن فورك.
أما الجويني فقد عقد في (الشامل) بابًا خاصًّا عنوانه: «باب ذكر تأويل جمل من ظواهر الكتاب والسنة».
أوَّلَ فيه ما شاء من نصوص الكتاب والسنة بعد أن قرَّرَ قبل ذلك في أكثر من (٥٠٠) صفحة عقيدته القائمة كلها على كلام الفلاسفة، ولم يذكر فيها من كلام الله ورسوله - فيما حصرت - إلا بضع آيات مجزوءة، وَرَدَ معظمها ضمن اعتراضات الخصوم، فلما عقد هذا الباب أتى على أهم آيات وأحاديث الصفات فأوَّلَهَا تأويلًا يصل أحيانًا إلى ما لايقبله عاقل من العوام (١).
стр. 84
وقال في مقدمة الباب: «اعلموا وفقكم الله أنا كنا على أن نجتزئ بما ذكره الأستاذ أبو بكر (يعني ابن فورك) في تصنيفه المذكور المشهور المشتمل على تأويل مشكلات الأخبار (١)، ولكن اقتضى الحال أن نذكر أصول التأويلات ومآخذها ونرشد إلى جميع مداركها ..
وسبيلنا أن نبدأ بظواهر من كتاب الله تعالى، ونذكر وجوه التأويل فيها، ثم نذكر بعد تقدر الفراغ منها جملًا من السنة الواقعة من المساند المصححة عند الأثبات والثقات، ثم نشير إلى جمل من المتأكد (لعلها المآخذ) التي يتمسك بها الحشوية، ونوضح أنها لو صحت لم تضق مسالك التأويل منها» (٢).
وبالاطلاع على كتاب ابن فورك نفسه يدهش المرء لكثرة ما فيه من التأويلات، فإنه لم يدع - والله أعلم - حديثًا في الصفات إلا أوَّلَه بناءً على ما ذكره أول كتابه من أنه «كتاب نذكر فيه ما اشتهر من الأحاديث المروية عن رسول الله ﷺ مما يوهم ظاهره التشبيه» (٣)، وكل أحاديث الصفات عنده من هذا الباب.
وقد وضع ابن فورك في أول كتابه قانونًا كليًّا، لكنه سقط من
стр. 85
الأصل، كما أشار المحقق، ولم يبق منه إلا آخر فقرة، وهي: «وأما ما كان من نوع الآحاد مما صحت الحجة به من طريق وثاقة النقلة، وعدالة الرواة، واتصال نقلهم، فإن ذلك وإن لم يوجب العلم والقطع فإنه يقتضي غالب ظن وتجويز حكم حتى يصحَّ أن حكم أنه من باب الجائز الممكن دون المستحيل الممتنع ...» (١).
وهذه الفقرة كافيةٌ في بيان فكرة الرجل، وهي أن الأحاديث الصحيحة لا تفيد اليقين، وأن غاية إفادتها في ميزان النظر العقلي هي الإمكان والتجويز، ومن أجل سدّ هذا الباب اشتغل بتأويلها.
انظر إلى قوله بعد هذا مباشرة: «وإذا كانت ثمرة ما جرى هذا المجرى من الأخبار ما ذكرناه، فقد حصلت فائدةٌ عظيمةٌ لا يمكن التوصل إليها إلا به، وهذا يقتضي أن يكون الاشتغال بتأويله وإيضاح وجهه مرتبًا على ما يصحّ ويجوز في أوصافه جل ذكره، محمولًا على الوجه الذي نبينه ونرتبه من غير اقتضاء تشبيه، أو إضافة ما لا يليق بالله - جل ذِكره - إليه» (٢).
وإيضاح هذا: أن معرفة الله عند الأشاعرة هي معرفة ما يجب له، وما يستحيل عليه، وما يجوز عليه، كل ذلك بطريق العقل (٣).
стр. 86
وهذه الأحاديث الصحيحة في نظر ابن فورك مع عدم إفادتها اليقين - كما صرح في آخر فصل من الكتاب - تفيد أن مدلولها يقع ضمن الدائرة الثالثة، وهي دائرة التجويز والإمكان العقلي، وهذا مع كونه فائدةً عظيمةً في نظره، لكن يجب ألا يتعارض مع ما يستحيل على الله وهو التشبيه - كما يتصورونه هم -، فلهذا وجب تأويلها، وليس هذا إلا من قبيل إرجاع الآيات المتشابهات - ومنها عندهم آيات الصفات - إلى الآيات المحكمات، كما نصَّ في أول كلامه الذي نقلنا.
وبهذا يظهر أن موقف الأشاعرة من النصوص أصلٌ من أصول المنهج، وأنه يشترك فيه متكلموهم المتأخرون مع المنتسبين للحديث من المتقدمين، وما سبب ذلك إلا ما قدمنا.
بل إن أبا حامد الغزالي مع أنه رجح معيار الكشف والذوق على معيار العقل - كما سيأتي - قد وافقهم على ذلك فهو يقول: «كل خبرٍ مما يشير إلى إثبات صفةٍ للباري تعالى يشعر ظاهره بمستحيل في العقل نُظِرَ: إن تطرق إليه التأويل قُبِلَ وأُوِّلَ.
وإن لم يندرج فيه احتمال تبين على القطع كذب الناقل (؟)، فإن رسول الله ﷺ كان مسدد أرباب الألباب ومرشدهم، فلا يظن به أن يأتي بما يستحيل في العقل».
ثم ذكر أمثلة لذلك من أحاديث الصفات؛ كالقدم والإصبع والصورة، وأوَّلَها جميعها وقال: «والقول الوجيز أن كل ما لا تأويل له فهو مردودٌ، وما صحَّ وتطرق إليه التأويل قبل» (١).
стр. 87
فيا لها من قاعدة ما أفسدها، وأشد معاندتها للنصوص.
أما في (الإحياء) فقد نصَّ على أن الأخذ من النصوص مدعاة للاضطراب قال: «فأما من يأخذ معرفة هذه الأمور من السمع، فلا يستقرّ له فيها قدم، ولا يتعين له موقف» (١).
وهناك بَيَّنَ أن معيار التأويل هو الذوق والكشف وسيأتي في بابه.
وقال في (المستصفى): «القسم الثاني من الأخبار: ما يعلم كذبه؛ وهي أربعة:
الأول: ما يعلم خلافه بضرورة العقل، أو نظره، أو الحس والمشاهدة، أو أخبار التواتر، وبالجملة ما خالف المعلوم بالمدارك الستة المذكورة: كمن أخبر عن الجمع بين الضدين، وإحياء الموتى في الحال، وأنا (لعله وأنه) على جناح نسر، أو في لجة بحر، وما يحسّ خلافه» (٢).
ثم جاء السنوسي فبين سبب الجنوح إلى التأويل فقال: «ما أخبر الشرع به وكان ظاهره مستحيلًا عند العقل، فإنا نصرفه عن ظاهره المستحيل ...» (٣). وقد سبق نقله بتمامه.
وقبلهم جميعًا قال عبد القاهر البغدادي: «إن روى الراوي ما
стр. 88
يُحِيله العقل ولم يحتمل تأويلًا صحيحًا فخبرٌ مردودٌ، وإن كان ما رواه الثقة يروق ظاهره في العقول، ولكن يحتمل تأويلًا يوافق قضايا العقل قبلنا روايته وتأوَّلناه على موافقته العقول». ومَثَّلَ لذلك بحديث: (إن الله خلق آدم على صورته) (١).
فالكل متفقون على تحكيم العقل، وأن النصوص لا تفيد اليقين، وأن التأويل مخرجٌ سائغ، ومهربٌ سليم، وهذا ما يضعنا على أعتاب قضية لا ينبغي تجاوزها، وهي جناية التأويل على الإسلام.
стр. 89
جناية التأويل على الإسلام
نموذج للانحراف المنهجي وآثاره
لما كان منهج الوحي فذًّا في تكامله، فريدًا في تناسقه، جامعًا لكل صواب، خاليًا من كل خطأ، أمكن لأصحابه أن يقفوا في وجه كل فكر بشري دون أن يخسروا موقعًا واحدًا من مواقعهم، بل إنه كلما هجم الخصم على جانب منه أظهر الله على أيدي أتباعه من البراهين والحجج ما يظهر به من الحِكَم والمحاسن ما كان خافيًا قبل الهجوم، فالقادح فيه إنما يقدح في صخرة نورانية عاتية، لا يرتد عليه قدحه إلا نورًا يُعشِي بصره، وينير الطريق للمدافع.
أما المناهج البدعية فإنها بتطبيقها لا تحاول تحقيق مصلحة للدين إلا وتجلب ما قد يكون أضعافها من المفاسد، وهي لفساد المنهج تفتح على دينها من الإلزامات ما يضطرها للتراجع والتمحل، فيحسب أعداء الإسلام أن الإسلام هو المتراجع المهزوم، وكفى ذلك شرًّا وشؤمًا.
وهذا ما حصل بعينه من الأشاعرة والتأويل.
ومن أراد التأكد من هذه الحقيقة فلينظر إلى ما تعرضت له الأمة في عصر ضعف الخلافة العباسية المركزية من تمزق ودمار، حيث سقطت هيبة المسلمين، واستشرت الأدواء الفكرية الخبيثة، والحركات السرية الهدامة، وتعرض سلاطين المسلمين للاغتيال وهم في أسرَّتهم ... إلى غير ذلك من الظواهر المفجعة التي تمتلئ بها كتب
стр. 90
التاريخ قاطبة ... والتي كانت أكبر عوامل نجاح الحملات الصليبية والمغولية.
فإن قيل: وما علاقة ذلك بالأشاعرة والتأويل؟.
فالجواب:
إن هذه الفترة التي شهدت تلك الأحداث الفظيعة هي نفسها التي شهدت نشأة المذهب الأشعري وانتشاره واعتناق بعض السلاطين له.
وليست القضية قضية اقتران تاريخي فحسب، ولكن في هذه الفترة نفسها - أعني فترة ظهور المذهب الأشعري وسيطرته على الساحة الكلامية - كانت الباطنية بفروعها المختلفة - فضلًا عن الرافضة الذين اجتمعت فيهم هذه الشرور جميعها - تصنع تلك الفظائع الإجرامية في الأمة الإسلامية، ليس في الأطراف والمقاطعات فحسب؛ بل كانت بغداد نفسها ميدانًا لهذه الفتن والفظائع على النحو الذي تشهد به كتب التاريخ كلها.
وغني عن البيان أن (التأويل) هو العمود الفقري للفكر الباطني كله، فقد أوصلهم تخطيطهم التآمري الشيطاني، وتجاربهم المريرة في الأخذ بثأرات (مزدك) و (ماني) و (قريظة) و (النضير) إلى استحالة التصريح بتكذيب القرآن والرسول ﷺ وإبطال الإسلام جملة علانية، فلجأوا إلى هذه الوسيلة الماكرة (التأويل).
فأوَّلوا الأحكام - كالزكاة والصوم والحج وسائر الواجبات - بهدف إسقاط الفرائض كلها، وأولوا الغيبيات كالجنة والنار والملائكة والحشر ... فلم يبق من حقيقة الإسلام شيء، وأخذوا ينشرون هذه
стр. 91
السموم الفتاكة في صفوف الأمة.
وكان في الإمكان التصدي بيسرٍ وسهولةٍ لهذا الفكر الخبيث لو أن الأمة مجتمعة على منهج الوحي - أي عقيدة السلف الصالح - تؤمن بكل ما جاء عن الله ورسوله، وترفض منهج التأويل بإطلاق، ولكن كثيرًا من تلك الدويلات كانت تعتنق رسميًّا المذهب الأشعري، وكان علماء هذا المذهب يمثلون زعامة الدفاع عن الإسلام.
فلما واجهوا الباطنية بسلاح مفلول، وصفّ مخذول؛ استشرت الباطنية، وتفاقم خطرها حتى اقتنصت الملوك في أسرَّتِهم (١)، واقتحمت على العلماء بيوتهم وتلامذتهم.
ذلك أن الباطنية حاربت الأشاعرة بالسلاح الذي حاربت به الأشاعرة مذهب السلف وهو (التأويل)، فألزموهم وهزموهم (٢).
بل لا يبعد أن يقال: إن الباطنية تعلمت كثيرًا من فنون التأويل من
стр. 92
الأشاعرة، واستخدمته من منطلق الأولى والأحرى، إذْ رأت - أو أوهمت - أن ما أولته هي أحق وأولى بالتأويل مما أولته الأشاعرة.
ولم يكن لضجيج الأشاعرة عليهم أي معنى!.
إذ كيف يحق لابن فورك أن يأتي على أحاديث الصفات واحدًا واحدًا، ويحق للجويني والرازي الإتيان على آياتها آية آية، ويعتبرون ذلك تقديمًا للقواطع العقلية اليقينية على الظواهر النصية الظنية، ويتقربون به إلى الله تنزيهًا وتعظيمًا، ويكون هذا الفعل نفسه حرامًا، بل كفرًا من الباطنية؟.
الباطنية تقول: إن قواطعنا العقلية قائمة على أن البعث لا يمكن أن يكون حسيًّا، وإنما هو روحاني، وأولوا نصوص الوحي وقالوا: «إنها ظواهر ظنية لا تعارض اليقينيات». فتصدى لهم الأشاعرة تكفيرًا وتشنيعًا، فدافعوا عن أنفسهم قائلين: على رِسْلِكم! فأنتم أولى منا بما قلتم، فإن ما يتعلق بالله أعظم شأنًا مما يتعلق بالمعاد، والنصوص في صفاته أظهر وأكثر، والدلائل عليها من المعقول والفطر أبين وأشهر، وقد حكمت قواطعكم العقلية بتأويلها، ولم تروا في ذلك كفرًا ولا ضلالًا، بل جعلتموه توحيدًا وتنزيهًا، فلماذا يا ترى تجعلون قواطعكم حقًّا وقواطعنا باطلًا، وعملنا كفرًا وعملكم توحيدًا؟!.
نعم .. قد جاء ملاحدة الباطنية فذكروهم بقانونهم الكلي قائلين: قد اتفقنا نحن وأنتم على تقديم العقل على النقل، وعليه نقول: بيننا وبينكم حاكم العقل، فإن القرآن، بل الكتب المنزلة مملوءة بذكر
стр. 93
الفوقية، وعلو الله على عرشه (١) ... إلى غير ذلك من نصوص آيات الصفات وأخبارها، التي إذا قيس إليها نصوص حشر هذه الأجساد، وخراب هذا العالم وإعدامه، وإنشاء عالم آخر؛ وجدت نصوص الصفات أضعاف أضعافها، حتى قيل: إن الآيات والأخبار الدالة على علو الرب على خلقه واستوائه على عرشه تقارب الألوف (٢)، وقد أجمعت عليها الرسل من أولهم إلى آخرهم، فما الذي سوَّغ لكم تأويلها، وحرم علينا تأويل نصوص حشر الأجساد وخراب العالم؟!.
فإن قلتم: الرسل أجمعوا على المجيء به (أي الحشر الجسدي) فلا يمكن تأويله!.
قيل: وقد أجمعوا على علوه فوق خلقه ... فإن منع إجماعهم هناك من التأويل وجب أن يمنع هنا.
فإن قلتم: العقل أوجب تأويل نصوص آيات الصفات، ولم يوجب تأويل نصوص المعاد؟.
قلنا: هاتوا أدلة المعقول التي تأولتم بها الصفات، ونحضر أدلة المعقول التي تأولنا بها المعاد وحشر الأجساد، ونوازن بينها ليتبيّن أيها أقوى.
فإن قلتم: إنكار المعاد تكذيبٌ لما عُلِمَ من الإسلام بالضرورة.
стр. 94
قلنا: وأيضًا إنكار صفات الرب، وأنه فوق سماواته ... تكذيبٌ لما علم أنهم جاءوا به ضرورة.
فإن قلتم: تأويلنا للنصوص التي جاءوا بها لا يستلزم تكذيبهم.
قلنا: فمن أين صار تأويلنا للنصوص التي جاءوا بها في المعاد يستلزم تكذيبهم دون تأويلكم إلَّا مُجَرَّد التشهي؟.
فقال الأشاعرة: إنكم لم تقتصروا على تأويل السمعيات، بل أولتم الأحكام من حلال وحرام؟.
فصاحت القرامطة والملاحدة والباطنية، وقالوا: ما الذي سوَّغ لكم تأويل الأخبار، وحرَّم علينا تأويل الأمر والنهي، والتحريم والإيجاب، ومورد الجميع من مشكاة واحدة؟.
قالوا: وأين تقع نصوص الأمر والنهي من نصوص الخبر؟.
قالوا: وكثير منكم فتحوا باب التأويل في الأمر، فأولوا أوامر ونواهي كثيرة صريحة الدلالة، أو ظاهرة الدلالة في معناها بما يخرجها عن حقائقها، فَهلُمَّ نضعها في كفة، ونضع تأويلنا في كفة ونوازن بينها.
ونحن لا ننكر أنا أكثر تأويلًا منهم، ولكنا وجدنا بابًا مفتوحًا فدخلناه (١).
فهذا مثالٌ بارزٌ للنتائج المترتبة على الانحراف المنهجي الذي وقع فيه الأشاعرة بسبب موقفهم من النصوص، فإنهم فتحوا الباب لأعداء
стр. 95
الإسلام لينخروا بنيانه بمثل ما نخره به هؤلاء، وما كان للأشاعرة في ذلك غاية ولا تعمدوه، وإنما كان همهم الرد على المعطلة النفاة، ولكن التأويل مع كونه جرَّ إلى الوقوع في هذا البلاء ليس بأفضل من التعطيل، بل هو شرٌّ منه.
يقول ابن القيم ﵀: «فصلٌ في بيان أن التأويل شرٌّ من التعطيل:
فإنه يتضمن التشبيه والتعطيل، والتلاعب بالنصوص، إساءة الظن بها، فإن المعطل والمؤول قد اشتركا في نفي حقائق الأسماء والصفات، وامتاز المؤول بتلاعبه بالنصوص إساءة الظن بها، ونسبة قائلها إلى التكلم بما ظاهره الضلال والإضلال (١)، فجمعوا بين أربعة محاذير:
(١) - اعتقادهم أن ظاهر كلام الله ورسوله محالٌ باطل، ففهموا التشبيه أولًا، ثم انتقلوا منه إلى:
(٢) - المحذور الثاني: وهو التعطيل، فعطلوا حقائقها بناءً منهم على ذلك الفهم الذي لا يليق بها (٢)، ولا يليق بالرب سبحانه.
(٣) - المحذور الثالث: نسبة المتكلم الكامل العلم، الكامل البيان، التامّ النصح إلى ضد البيان، والهدى، والإرشاد، وأن المتحيرين
стр. 96
المتهوكين أجادوا العبارة في هذا الباب، وعبّروا بعبارة لا توهم من الباطل ما أوهمته عبارة المتكلم بتلك النصوص (١)، ولا ريب عند كل عاقل أن ذلك يتضمن أنهم كانوا أعلم منه، أو أنصح للناس.
٤ - المحذور الرابع: تلاعبهم بالنصوص وانتهاك حرماتها، فلو رأيتها وهم يلوكونها بأفواههم، وقد حلت بها المثلات، وتلاعبت بها أمواج التأويلات، ونادى عليها في سوق من يزيد، فبذل كل واحد في ثمنها من التأويل ما يريد، فلو رأيتها وقد عزلت عن سلطة اليقين، وجعلت تحت حكم تأويل الجاهلين.
هذا وقد قعد النفاة على صراطها المستقيم بالدفع المصدور والأعجاز، وقالوا: لا طريق لك علينا، وإن كان لا بد فعلى سبيل المجاز، فنحن أهل المعقولات وأصحاب البراهين (٢)، وأنتِ أدلة لفظية وظواهر سمعية لا تفيد العلم ولا اليقين، فَسَنَدُكِ آحادٌ، وهو عرضة للطعن في الناقلين، وإن صح وتواتر ففهم مراد المتكلم منها موقوفٌ على انتفاء عشرة أشياء (٣) لا سبيل إلى العلم بانتفائها عند
стр. 97
الناظرين والباحثين (١).
والحق أن جناية هذا الانحراف لم تقتصر على فتح الثغرات للباطنية وحدها، بل شاركهم غيرهم، فإن الرافضة - على سقم أدلتهم وسخف مذهبهم الذين قال فيهم الشعبي: «لو كانوا من الطير لكانوا رخمًا، ولو كانوا من الدواب لكانوا حُمُرًا» (٢) - هم أيضًا قد أغراهم تهافت مذهب الأشاعرة في بعض القضايا، فتطاول شيخهم ابن المطهر الحلي صاحب (منهاج الكرامة)، فنقد أهل السنة والجماعة وعاب
стр. 98
مذهبهم بما في مذهب الأشاعرة من أصولٍ لا يصدقها عاقل مثل (الكسب)، ونفي الحكمة والتعليل في أفعال الله، ونفي القوى المؤثرة، والحسن والقبح، واجتماع الضدين، ونحوها مما هو معروفٌ في مذهبهم، مما دفع شيخ الإسلام ﵀ إلى بيان أن أقوال الأشاعرة في هذه القضايا لا يصح أن تحسب على مذهب السلف؛ لأنهم خالفوا فيها السلف وهم مخطئون منتَقدون فيها (١).
فالعجب من قوم يُجَرِّئون على الإسلام من لا عقل له ولا نقل، وهم مع ذلك يحسبون أنهم يدافعون عن الإسلام ضد الباطنية والرافضة خير دفاع، ولا شك أن في مذاهب أولئك من الطوام ما هو أضعاف ما في مذهب الأشاعرة مما طعنوا به في الإسلام عامة، ولكن ليس العتب على العدو الماكر، بل على المدافع الجاهل (٢).
стр. 99
إسقاط قيمة النصوص في مجال العقيدة
بناءً على ما تقرر تأصيله فيما سبق جعل منهج الأشاعرة رد النصوص جملة، والاكتفاء بالعقل المزعوم أصلًا منهجيًّا في الاعتقاد والتأليف، وأسقطوا قيمة النصوص لا من جهة عدم اعتقاد ما دلت عليه فحسب، بل من جهة عدم اعتبارها مجالًا للبحث والاستدلال والنظر، فما فائدة البحث والنظر عندهم فيما لا يفيد اليقين ولا يورث إلا الظن، وما يترتب على حصول العلم منه شروط دونها خرط القتاد، ودخول الجمل في سَمِّ الخِيَاط؟!.
وما جدوى الخوض في تلك الظواهر الظنية من حيث إن الأصول العقلية المنضبطة قائمةٌ مقررةٌ، ودلالتها يقينية قاطعة؟!.
على هذا المنهج ساروا في مصنفاتهم في العقيدة، فإنك تقرأ الواحد منها وتتصفحه عمدًا بحثًا عن آية، وتنقيبًا عن حديث، فلا تجد في المائتين من الصفحات لا آيةً ولا حديثًا، وإن وجدته فإنما جاء به في معرض سرد النصوص الظنية الواجبة التأويل، أو ذكره ضمن أقوال خصومهم (الحشوية!!)، أو أورده - وهذا أقلها - على سبيل التبعية والاستئناس!!.
وإن شئت الأمثلة فانظر: (الشامل) و (الإرشاد) للجويني، و (غاية المرام) وأصله (أبكار الأفهام) للآمدي، و (أساس التقديس) وسائر مؤلفات الرازي الكلامية، و (المواقف) وشروحه وحواشيها، و (المقاصد) وشروحها وحواشيها، و (الذسفية) وشروحها وحواشيها، و (العضدية)
стр. 100
وشروحها وحواشيها، و (السنوسية) وشروحها وحواشيها.
إلى آخر ما يعلمه المطلع دونما حاجة إلى ذكر مثال!.
وليس هذا منهم خطأ في التطبيق، بل هو عين المنهج، كما صرَّح به الجويني والرازي وغيرهما، يقول الرازي ضمن القانون الكلي الذي سبق إيراده: «ثم إن جوَّزنا التأويل اشتغلنا على سبيل التبرع بذكر تلك التأويلات على التفصيل».
فالاشتغال بالنصوص - أي بردِّها وصرفها عن حقيقتها، لا بإثباتها واعتقاد ما فيها - مسألة تبرعٍ وتنفّل، والتبرع أيضًا معلقٌ بالقول بجواز التأويل، والأصل عدم القول به؛ لأن القواطع العقلية كافيةٌ في الردِّ، كما قرر في نص قانونه.
ويقول الجويني: «إن ما يصح في الصحاح من الآحاد لا يلزم تأويله إلا أن نخوض فيه مسامحين، فإنه إنما بجب تأويل ما لو كان نصًّا لأوجب العلم» (١).
ويعقد ابن فورك فصلًا ختاميًّا لكتابه (مشكل الحديث) عنوانه: «فصل في الكلام على من قال: إن ما روينا من هذه الأخبار، وذكرنا في أمثال هذه السنة والآثار مما لا يجب الاشتغال بتأويله وتخريجه ..» (٢).
وأقرَّ هذا، لكن بَرَّرَ عمله وكأنه يعتذر عنه، فالاشتغال بالنصوص عندهم خاصٌّ بتأويل المتواتر، أما الصحيح من الآحاد فما لنا وله،
стр. 101
فالأصل هو عدم إضاعة الوقت فيما لا جدوى من الخوض فيه، أما أخذها بدون تأويل سواء متواترةً أو آحادًا، فأمرٌ ما خطر بالبال!.
ولقد ترتب على هذا ما ترتب؛ الجهل الفاضح المتعمّد بالسنة النبوية روايةً ودرايةً، والجهل كذلك بكتاب الله، فإن الجويني وهو الملقب عندهم بإمام الحرمين، وهو من أساطين الشافعية الأشاعرة قد ألف كتابًا كبيرًا في الفقه الشافعي هو (نهاية المطلب في دراسة المذهب) لم يذكر فيه حديثًا واحدًا معزوًّا إلى صحيح البخاري، إلا أنه ذكر حديثًا واحدًا في البسملة، وعزاه للبخاري وليس فيه (١).
والغزالي يعترف لتلميذه أبي بكر بن العربي أن بضاعته في الحديث مزجاة على أن ما في كتابه (إحياء علوم الدين) من الموضوعات والأباطيل يغنينا عن كل اعتراف (٢)، فما بالك بمن جاء بعدهم من أصحاب الحواشي الجافة الميتة؟.
وتظهر المفارقة أعظم وأعظم حين تجد هؤلاء القوم يضيعون الأعمار ويؤلفون المجلدات الضخام في الاشتغال بمقالات الفلاسفة من وثنيي اليونان، ومشركي الصابئة ويسمونهم (الحكماء)، ويجهدون أنفسهم وقرَّاءهم في أقوالهم أخذًّا وردًّا وموافقةً ومناقشةً، ثم هم مع
стр. 102
هذا كله يجعلون الاشتغال بما صح نقله عن المعصوم ﷺ لا يعدو هذه المنزلة؟.
أما عن قضية التفريق بين المتواتر والآحاد، فالحق الذي لا مرية فيه أنهم تحت هذا الستار طعنوا في السنة النبوية كلها، وطعنوا في أصحاب رسول الله ﷺ في الجملة عدالةً وضبطًا.
وهنا عند الحديث عن هذه القضية الكبرى أجدني مرغمًا لنقل كلام الأشاعرة إرغامًا، وهو في الحقيقة مما يتألم المرء من قراءته، فضلًا عن نقله، ولقد كنا نصبّ جام غضبنا على المستشرقين بسبب موقفهم من هذا الموضوع، فلما ظهر أبو رَيَّة عرفنا أن في صفوفنا من هو أخطر منهم، ثم ظهر الدكتور حسن الترابي (١)، فاستعذنا بالله وقلنا رأيٌ شاذٌّ، فلما قرأنا هذا الكلام ونحوه لأشاعرة معاصرين (٢)، ثم وجدناه في كلام الرازي والجويني؛ أيقنَّا أننا أمام مدرسة فكرية، واتجاه مرسوم، وليست شذوذات فردية.
يقول صاحب (أساس التقديس) بعنوان: (كلام كلي في أخبار الآحاد): «أما التمسك بخبر الواحد في معرفة الله تعالى فغير جائزٍ، يدل عليه وجوه:
стр. 103
الأول: أن أخبار الآحاد مظنونة، فلم يجز التمسك بها في معرفة الله تعالى وصفاته.
وإنما قلنا: إنها مظنونة، وذلك لأنا أجمعنا على أن الرواة ليسوا معصومين.
وكيف والروافض لما اتفقوا على عصمة علي ﵁ وحده، فهؤلاء المحدّثون كفَّروهم (؟!)، فإذا كان القول بعصمة علي - كرم الله وجهه - يوجب تكفير القائلين بعصمة علي، فكيف يمكنهم عصمة هؤلاء الرواة؟.
وإذا لم يكونوا معصومين كان الخطأ عليهم جائزًا، فحينئذ لا يكون صدقهم معلومًا، بل مظنونًا، فثبت أن خبر الواحد مظنون، فوجب أن لا يجوز التمسك به؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: (٣٦)]. ولقوله تعالى في صفة الكفار: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ [الأنعام: ١١٦]. ولقوله: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: (٣٦)]. ولقوله: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩]. فترك العمل بهذه العمومات في فروع الشريعة؛ لأن المطلوب فيها الظن، فوجب أن يبقى في مسائل الأصول على هذا الأصل.
والعجب من الحشوية أنهم يقولون: الاشتغال بتأويل الآيات المتشابهة غير جائز؛ لأن تعيين ذلك التأويل مظنونٌ، والقول بالظن في القرآن لا يجوز، ثم إنهم يتكلمون في ذات الله تعالى وصفاته بأخبار الآحاد، مع أنها في غاية البعد من القطع واليقين، وإذا لم يجوّزوا تفسير
стр. 104
ألفاظ القرآن بالطريق المظنون، فلأن يمتنعوا عن الكلام في ذات الحق تعالى وفي صفاته بمجرد الروايات الضعيفة أولى (!!!!).
الثاني: أن أجل طبقات الرواة قدرًا، وأعلاهم منصبًا الصحابة ﵃، ثم إنا نعلم أن روايتهم لا تفيد القطع واليقين (؟!!!!). والدليل عليه أن هؤلاء المحدثين رووا عنهم أن كل واحد منهم طعن في الآخر، ونسبه إلى ما لا ينبغي (؟!!!!).
أليس من المشهور أن عمر طعن في خالد بن الوليد، وأن ابن مسعود وأبا ذر كانا يبالغان في الطعن في عثمان، ونقل عن عائشة ﵂ أنها بالغت في الطعن في عثمان.
أليس أن عمر قال في عثمان: إنه يحلف بأقاربه (؟). وقال في طلحة والزبير أشياء أخر تجري هذا المجرى؟.
أليس أن عليًّا - كرم الله وجهه - سمع أبا هريرة يومًا أنه كان يقول: أخبرني خليلي أبو القاسم .. فقال له علي: متى كان خليلك؟.
أليس أن عمر ﵁ نهى أبا هريرة عن كثرة الرواية؟.
أليس أن ابن عباس ﵁ طعن في خبر أبي سعيد في الهرق (١)، وطعن في خبر أبي هريرة في غسل اليدين، وقال كيف يصنع طهرًا منا (؟).
أليس أن أبا هريرة ﵁ لما روى: (من أصبح جنبًا فلا صوم له) طعنوا فيه؟.
стр. 105
أليس أن ابن عمر لما روى: (إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه) طعنت عائشة فيه بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: (١٦٤)]؟.
أليس أنهم طعنوا في خبر فاطمة بنت قيس وقالوا: لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا بخبر امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت.
أليس أن عمر طالب أبا موسى الأشعري في خبر الاستئذان بالشاهد وغلظ الأمر عليه؟.
أليس أن عليًّا كان يستحلف الرواة؟.
أليس أن عليًّا قال لعمر في بعض الوقائع: إن قاربوك (؟) فقد غَشُّوك؟.
واعلم أنك إذا طالعت كتب الحديث وجدت من هذا الباب ما لا يعد ولا يحصى (!!).
إذا ثبت هذا فنقول: الطاعن إن صدق فقد توجه الطعن على المطعون، وإن كذب فقد توجه على الطاعن، فكيف كان فتوجه الطعن لازم (!!!).
إلا أنا قلنا: إن الله تعالى أثنى على الصحابة ﵃ في القرآن على سبيل العموم، وذلك يفيد ظن الصدق (؟!!!)، فلهذا الترجُّح قبلنا روايتهم في فروع الشريعة، أما الكلام في ذات الله تعالى وصفاته فكيف يمكن بناؤه على هذه الرواية الضعيفة (؟!!!).
الثالث: وهو أنه اشتهر فيما بين الأمة أن جماعة من الملاحدة وضعوا أخبارًا منكرة، واحتالوا في ترويجها على المحدثين،
стр. 106
والمحدثون لسلامة قلوبهم ما عرفوها، بل قبلوها (!!!).
وأي منكرٍ فوق وصف الله تعالى بما يقدح في الإلهية، ويبطل الربوبية (١)؟.
فوجب القطع في أمثال هذه الأخبار بأنها موضوعة.
وأما البخاري والقشيري (مسلم) فهما ما كانا عالمين بالغيوب (؟!)، بل اجتهدا واحتاطا بمقدار طاقتهما، فأما اعتقاد أنهما علما جميع الأصول الواقعة في زمان الرسول ﷺ إلى زماننا (؟!) فذلك لا يقوله عاقل.
غاية ما في الباب: أنا نحسن الظن بهما وبالذين رويا عنهم، إلا أنا إذا شاهدنا خبرًا مشتملًا على منكر لا يمكن إسناده إلى الرسول ﷺ ، قطعنا بأنه من أوضاع الملاحدة، ومن ترويجاتهم على أولئك المحدثين (!!!!).
الرابع: أن هؤلاء المحدثين يجرحون الروايات بأقل العلل (٢): (أنه كان مائلًا إلى حب عليّ فكان رافضيًّا فلا تقبل روايته)، و (كان معبد الجهني يقول بالقدر فلا تقبل روايته)، فما كان فيهم عاقل يقول: إنه وصف الله تعالى بما يبطل إلهيته وربوبيته فلا تقبل روايته (؟!!!) (٣)، إن هذا من العجائب.
стр. 107
الخامس: أن الرواة الذين سمعوا هذه الأخبار من الرسول ﷺ ما كتبوها عن لفظ الرسول، بل سمعوا شيئًا في مجلس، ثم إنهم رووا تلك الأشياء بعد عشرين سنة أو أكثر، ومن سمع شيئًا في مجلس مرةً واحدةً، ثم رواه بعد العشرين والثلاثين لا يمكنه رواية تلك الألفاظ بأعبائها (١)، وهذا كالمعلوم بالضرورة، وإذا كان الأمر كذلك كان القطع حاصلًا بأن شيئًا من هذه الألفاظ ليس من ألفاظ الرسول ﵇، بل ليس ذلك إلا من ألفاظ الراوي (!!!!).
وكيف يقطع أن هذا الراوي سمع ما جرى في ذلك المجلس؟ فإن من سمع كلامًا في مجلس واحد، ثم إنه ما كتبه وما كرر عليه كل يوم، بل ذكره بعد عشرين سنة أو ثلاثين، فالظاهر أنه في منه شيئًا كثيرًا، أو تشوش عليه نظم الكلام وترتيبه وتركيبه، ومع هذا الاحتمال فكيف يمكن التمسك به في معرفة ذات الله تعالى وصفاته؟.
واعلم أن هذا الباب كثير الكلام، وأن القدر الذي أوردناه كافٍ في بيان أنه لا يجوز التمسك في أصل الدين بخبر الآحاد. والله أعلم» (٢).
стр. 108
_________
= في مذكرة أصول الفقه.
وبخصوص كلام الرازي هذا نقول بإيجاز شديد: إنه احتوى على مغالطات واضحة لا تخفى على من درس مبادئ علم المصطلح، وعرف طرفًا من فنون الرواية، وكلامه هذا أشبه بهذيان الرافضة والمستشرقين، على أننا ننبه إلى بعض أخطائه؛ فمنها:
(١) - أخطاء اصطلاحية. فهو لم يدرك مفهوم كلمتي (الظن) و (الكذب) في الاصطلاح ويفرق بينهما وبين استعمالهما اللغوي ...
(٢) - لم يدرك الفرق بين عصمة الأمة في مجموعها أن تكذب على نبيها، وكون لا أحد بمفرده معصوم.
(٣) - لم يفرق بين تخطئة إنسان أو نقده على فعل عمله وبين نسبته إلى الكذب، بل هذا تدليس منه، فإن ما ذكره من طعن بعض الصحابة في بعض إن صح ليس هو في مقام التصديق والتكذيب في الرواية!!.
(٤) - لم يفرق بين زيادة التثبت من خبر الصادق وبين تكذيبه.
(٥) - أنه لو أخطأ أحدٌ في تكذيب أحد لا يلزم تكذيب المخطئ، وإلا سقط كلام رجال الجرح والتعديل جميعهم.
(٦) - أنه لم يفرق بين المتواتر والآحاد، فمع أن كلامه عن الأخير فقد نسب الصحابة كلهم إلى الضعف وعدم اليقين، وهذا ينطبق على نقلهم للمتواتر من القرآن.
(٧) - سؤال نوجهه للرازي ولسائر الأشاعرة: كيف وصلكم كلام أرسطو القطعي الدلالة والثبوت عندكم، وهو المنقول من وراء القرون المتطاولة والترجمات المتعاورة؟ وكيف وصلكم البيت الذي بنى الرازي عليه أساس تقديسه:
قد استوى بشر على العراق؟.
الحق أنه بعد هذا الكلام لم يعد غريبًا أن يعظم الفخر عند نصير الكفر الطوسي وسائر الروافض وعند التتار، فإن مثل هذا الكلام أحلى عند جنكيز خان =
стр. 109
ولقائلٍ أن يقول: حسبك! فليس بعد هذا الكلام من مقال، وماذا عسى أن يأتي أحدٌ في الإسلام بأشنع منه، وهو من المنتسبين له.
ونقول: كلا، فالرازي - مع جرأته الفظة على الصحابة - من المعتدلين في المسألة، ولهذا تجد أكثر الأشاعرة المعاصرين يقولون بنحو كلامه لما فيه من الاعتدال، (حرصًا منهم على جمع الصف ووحدة الكلمة!). وإلا فلديهم من هو أصرح منه في بيان حقيقة منهج المذهب، وموقفه من النصوص.
لقد جاء بعده من نص بصراحة على أنه لا يجوز التمسك بالأدلة النقلية في العقليات جميعها؛ كأبواب الصفات، والقدر، والحسن والقبح ... الخ، ولا يجوز التمسك بها في السمعيات؛ كالحوض، والجنة والنار إلا بشرط عدم معارضتها للعقل، سواءً أكانت متواترةً أم آحادًا.
فالمسألة هنا لها منطلق واعتبار آخر.
وعلى هذا نص أصحاب الحواشي على (العضدية) و (المواقف) و (المقاصد) (١)، وهو الذي عليه ظاهر صنيع العضد الإيجي في (المواقف)، وقد نقلناه من قبل.
стр. 110
ثم لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل جاء إمامهم في القرن التاسع وما يليه السنوسي، فقال: في (شرح أم البراهين): «أصول الكفر ستة:
(١) - الإيجاب الذاتي.
(٢) - والتحسين العقلي.
(٣) - والتقليد الرديء.
٤ - والربط المعادي.
(٥) - والجهل المركب.
(٦) - والتمسك في أصول العقائد بمجرد ظواهر الكتاب والسنة من غير عرضها على البراهين العقلية والقواطع الشرعية».
ثم قال في الشرح: «والتمسك في أصول العقائد بمجرد ظواهر الكتاب وسنة من غير بصيرة في العقل هو أصل ضلالة الحشوية، فقالوا بالتشبيه والتجسيم والجهة، عملًا بظاهر قوله تعالى: ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: (٥)]، ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: (١٦)]، ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: (٧٥)]، ونحو ذلك» (١).
وتبعه الصاوي في تعليقه على الجلالين فقال: «... الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر» (٢).