Полный текст (109 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي رفع السماء عبرةً للناظرين وبسط الأرض وجعل فيها آيات للموقنين وأودع في اختلاف الألسن والألوان باختلاف الأقاليم والبلدان بصائر المستبصرين شواهد عموم رحمته وسبوغ نعمته المعالمين وصلى الله على سيدنا المصطفى من خلقه في السموات والأرضين وعلى آله الطيبين وأصحابه أجمعين. وبعد فإن التأريخ ولا سيما ما يتعلق بمعمورة الأرض. وعروض بلادها وأطوالها وأوضاع مبانيها ومسافات مغانيها وتصوير أقطارها وتبيين أحوال أمصارها من أبدع الفنون وأغربها وأبعدها غوراً وأعجبها يجدد لك أوراقه البالية المدائن الدراسة برصاصها وقصورها ويحيي أموات فصولها وأبوابها القرون الطامسة في طي حروفها وسطورها.
هذا ولا مرية لذوي العقول والأديان في أن مكة زادها الله شرفاً أم القرى وسرة الأرض المعمورة وأحب بلاد الله إلى الله ورسوله في السنن المشهورة. ثم إن أيمن ما حولها من البلدان وأبركها مملكة اليمن المحصوص بالبركات الثلث النبوية في جواهر السنن منبع الحكمة ومعدن الفقه والأيمان من سالف الزمن. فخصصت هذين القطرين في هذا الكتاب بذكره ما يتعلق بهما في هذا الفن من بيان البقاع والبلاد والمدن والجبال والبحار وشرح المنازل والمغاني والمقادير والمسافات في المفاوز والمقار ثم تصوير كل بقعة منه حتى كأنك تراها رأى العين وتوقف بها على أرجائها فيغنيك ذلك عن ألاين في البين. ولا يعدم كل بقعة من نادرة جرت فيها الأخبار وشعر نظم في سلكها قديما من الأشعار. وهذا أوان الشروع في مقصود الكتاب وتسهيل الحجاب وفتح الباب والله ميسر الأسباب إنه كريم وهاب.
ذكر أسماء مكة وصفاتها
سماها الله بأربعة أسماء: مكة والبلد والقرية وأم القرى. قال الله تعالى: (وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة) . فإذا الكلام على هذا الاسم قال الزجاج: مكة لا تنصرف لأنها مؤنثة وهي معرفة. ويصلح أن يكون اشتقاقها بكة لأن الميم تبدل من الباء كما يقال ضربة لازب ولازم، ويصلح أن يكون اشتقاقها من قولهم مككت العظم إذا مصصته مصاً شديداً حتى لا يبقى فيه شيء شبهت بذلك لشدة ازدحام الناس فيها، وقال أبن فارس: مككت العظم إذا أخرجت مخه والمك الاستقصاء. وفي الحديث: لا تمككوا على غرمانكم. وفي تسمية مكة بهذا الاسم أربعة أقوال: أحدها أنها مسافة يأتوها الناس من كل فج عميق فكأنها هي التي تجذبهم إليها، من قول العرب أمتك الفصيل ما في ضرع أمه، والثاني من قولهم مككت الرجل إذا أردت تخوفه فكأنها تمكك من ظلم فيها أي تهلكه، كما قال:
يا مكة الفاجر مكي مكا ... ولا تمكي مذحجا وعكا
стр. 2
والثالث إنها سميت بذلك لجهد أهلها، والرابع لقلة الماء بها. وقد اتفق العلماء أن مكة اسم لجميع البلدة، واختلفوا في بكة على أربعة أقوال: أحدها أنه اسم للبقعة التي فيها الكعبة قاله أبن عباس ﵄، والثاني إنها ما حول البيت ومكة ما وراء ذلك قاله عكرمة، والثالث إنها اسم للمسجد والبيت ومكة اسم للحرم كما قاله الهروي، والرابع أن بكة هي مكة قاله الضحاك واحتج لتصحيحه أبن قتيبة وقال بأن الباء تبدل من الميم ويقال ضربة لازم ولازب. وأما اشتقاق بكة فمن البك: يقال بك الناس بعضهم بعضاً أي دفعه. وفي تسميتها بكة ثلثة أقوال: أحدها لازدحام الناس بها قاله أبن عباس، والثاني تبك أعناق الجبابرة أي تدفها فما قصدها جبار إلا أهلكه الله قال ابن الزبير وأما تسميتها بالبلد فقد قال : (لا أقسم بهذا البلد) يعني مكة والبلد في اللغة صدر القرى. وأما تسميتها بالقرية فقال الله : (ضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة) ، أي ساكنة بأهلها لا يحتاجون إلى انتقال عنها لخوف أو ضيق، يأتيها رزقها من كل مكان، الرزق الواسع الكثير يقال أرغد فلان إذا أصاب خصباً وسعة، فكفرت بأنعم الله، أي كذبت محمداً (، فأذاقها الله لباس الجوع والخوف، وأصل الرزق بالنعم وأكثر اشتقاقه منه وذلك أن الله تعالى عذب كفار مكة بالجوع سبع سنين حتى أكلوا الجيف والعظام المحرقة وكانوا يخافون من رسول الله (ومن سراياه. والقرية اسم لما يجتمع فيها جماعة كثيرة من الناس وهذا اسم مأخوذ من الجميع يقال: قريت الماء في الحوض إذا جمعته فيه ويسمى ذلك الحوض مقراة.
وأما تسميتها بأم القرى فقد قال الله : ولتنذر أم القرى ومن حولها يعتى مكة، وفي تسميتها بذلك أربعة أقوال: أحدها أن الأرض ديحت من تحتها قاله أبن عباس وقال أبن قتيبة لأنها أقدمها، والثاني لأنها قبلة يزورها الناس، والثالث لأنها أعظم القرى شأناً، والرابع فيها بيت الله ٠٠٠٠.
قال أبن المجاور: ومما قرأت في كتب الفاكهي قال: قال لي رجل من أهل مكة قال أعطاه كتابا بعض أشياخه فإذا فيه أسماء مكة فإذا فيه مكتوب: بكة ومكة وبرة وبساسة وأم القرى والحرم والمسجد الحرام والبلد الأمين: وقالوا ومن أسمائها صلاح، وقال القائل في ذلك٠٠٠٠٠٠ صلاح، وقال كانت تسمى في الجاهلية النشاشة لأنها تنش من فيها أي تخرجه منها. قال أبن المجاور: وحدثني هندي بالهند إنها تسمى عند الهنود مكي مسير. وقال بعض الفضلاء: اسمها كوسا، واحتج بقول الشاعر:
سألت عمراً عن فتى اسمه ... يحيى وثاني اسمه عيسى
فقال: يحيى أبصرته جالساً ... بالفج يحلق رأسه موسى
وأبصرت عيسى داخلاً قرية ... هي التي قد سميت كوسا
ويسمونها التجار عروق الذهب ويسمونها البغاددة مربية الأيتام. وقد ذكر المسعودي في كتاب مروج الذهب أن مكة من الإقليم الثاني تنسب إلى المريخ وبناها إبراهيم الخليل ﵇. وهواها صحيح وجوها طيب وليلها أطيب من نهارها لأنها تنزل في لياليها الرحمة من بها. وماؤها من الآبار وأطيبها ماء الشبيكة والوردية والواسعة وهي بئر وراء جبل أبي قيس، فيها يربح الفقير. وجميع ذلك بنته أم العزيز زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور.
وأهلها عرب أشراف من نسل علي بن أبي طالب وما بقي من أهلها قرشيين على مذهب الأمام زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. وهم رجال سمر لأن جلة مناكحهم الجوار السود من الحبش والنوبة، وطوال الجثث صحيحين اللغة قليلين المال كثيرين العشائر والقبائل ذوو قناعة. وقد قال الني (: " القناعة غنى "، وقال ﵇: " القناعة كنز لا ينفذ "، وكان أحدهم يبقى على قرص وقيل سمن ثلاثة أيام بلياليها. وفي ذلك أنشد الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي يقول:
أمت مطامعي وأرحت نفسي ... فإن النفس ما طمعت تهون
وأحييت القنوع وكان ميتاً ... وفي إحيائه عرض مصون
إذا طمع أحل بقلب عبد ... علته مذلة وعلاه هون
стр. 3
وملبسهم النصافي النيسابوري الرفيع ويتحزم بنصفه الثاني ويرمى بما فضل منها. لبس نسائهم القنوع وقد تقدم ذكر القنوع في أعمال صنعاء والبراقع. ومأكلهم اللحم والسمن والخبز. وأساميهم سالم ومسلم وغانم وغنام وفراح وفارح وقاسم وهياب ونهاب ووثاب ومطاعم ومطاعن ومفرج وفارج وقاسم وقائم وضاحك وضحكان وسلاسل وفلال وسيار وهبار وراشد وشاكر ومشكر وفاضل وفضائل وطالب وظالب وواصل وحاصل وراجي ومترجي وراجح وناجح وفاتك ومالك ومهيوب وهياب ووهلس ورعاش وحواس وكناس وقادم ومقدم ومشمر وهانئ ومهنا وزاكي وطائب وظافر وناجي ومنجي وجابر ولاحق وسيار وصابر وجابر وعارس.
ذكر زواج أهل مكة
في العشر من ذي الحجة يخطب زيد بنت عمرو وفي العاشر من المحرم يدخل كل واحد منهم على عرسه بالنظرة والتظهير. قلنا: ولم ذلك؟ قالوا: لآن كلا منا يعيش مع الحاج في كل فن من الفنون من إحرام وحلال فإذا رحل الحاج دار الخطب والنكاح والأفراح والأعراس بين الناس. فإذا تزوج رجل من أهل مكة وقطع المهر وأراد الدخول على المرأة يخضب الرجال أيديهم وأرجلهم تزين وكذلك جميع أهل اليمن وحضرموت. ويحضر كل أصدقائه من الأهل والأقارب وبيده قرطاس مشرور مكتوب عليه اسم الآتي مع وزن المبلغ وعدده يقدمه قدام العروس كل على حاله وسعة ماله وكذلك يفعل النساء. ويخرج العروس إلى الحرم ويطوف سبعاً ويصلي وقام إبراهيم ركعتين ويقبل الحجر الأسود ويخرج بالشمع إلى بيت العروس فتجلى عليه ويدخل عليها ويبقى عندها سبعة أيام. ففي اليوم السابع يخرج يضم الطرح الذي طرح له ويدبره رأس مال في يده وعند ذلك يفتح له دكاناً يعيش به. ويكون ذلك الطرح دينا عليه وكل من تزوج من القوم الذين حضورا العرس يدر إليهم الذي اخذ إلى كل واحد من القوم مثل الذي جاء به إليه أو أزيد منه، وكذلك يفعلون في سائر أقاليم اليمن.
وكانت أهل مكة في سالف الدهر يشترون العبيد ويقطعون عليهم قطعة تعطى لسيده كل يوم بيومه، وكذلك النساء تقطع المرأة قطعة على جوارها في تحصيل الذهب فترجع الجارية ترجو الفرج أو تبذل الفرج للرجل والحرج في هرج ومرج. وإلى الآن هذا موجود في عدن من الغريب وأهلها وليس هذا الفن عندهم عار بل يفتخر النساء بذلك. وكذلك كان في أيام الجاهلية كل جارية لا تبذل فرجها ينكر عليها إلى أن نزلت هذه الآية: (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا فهي من ذلك العهد وعم على ذلك العهد باقون) . وإذا خرج السيد والعبد الجارية إلى أشغالهم خليت المرأة في الدار وحدها حتى إنها تبرك على أربع إذ ليس لها شغل تشتغل به فيرجع بروكها على وركها عادة وألفوه إلفاً. ويقال إذا تخاصم رجل وامرأته واغتاظت المرأة منه غاية الغيظ تقول المرأة لزوجها: لا شك أنك على أني أكسره، والمعنى أنك تريد أن اقعد على عجزي، فيقول لها زوجها: بالله عليك لا تفعلي ذلك.
فصل
стр. 4
دخل سيف الدولة بن عبد الله بن حمدان على بنت عمه ويقال بنت خاله وهي باركة على أربع وهي تنظم لها حب عقد لؤلؤ فقال لها سيف الدولة: بكم هذا؟ قالت له: بالموصل. قال لها: اشتريت. فقالت له: وأنا بعتك. وقضى منها شغله ٠٠٠٠٠ فلما أصبح من الغد جاء الخادم يتقاضى ثمن ما اشتراه فقال سيف الدولة للوزير: اكتب لها منشوراً بتسليم الموصل! فما أعجب الوزير هذا القول وامسك عن الكتب. فقال له سيف الدولة: أكتب لها فو الله لقد أخذت منها فرداً يسوي جملاً احمراً أو يقال جمل عراقي. كما قال: نعم أقول لو أن القول مقبول. ظل الهوى وتمادى القال والقيل ليس السلام بشافي القلب من دنف. ما لم يكن فيه تخميش وتقبيل وليس يرضى محب عن أحبته. حتى يفوز بما ضم السراويل. ولأجل ذلك تكبر أعجاز نساء الحجاز لأنهم يربونه قاصداً. ويطلع بها من جميع الخضر مثل البطيخ والخيار والقثاء والباذنجان والكراث ويأكلونه بالتمر والفجل وما أشبه ذلك وبها الرطب الطيب من البرني والمكتوم. ويقال إنه كان في قديم الأيام يجتمع بها من جميع الأزهار والفواكه والثمار والرياحين ومن جملة ذلك أنه كان يزرع في زهران الزعفران. وكان يرفع ذلك إلى بغداد كل عام بعد الخرج والمون ثمانون ألف دينار وقيل ثمانية عشر ألف دينار وهو الأصح. وجميع ذلك كان من الزرع والضرع ودخل الأشجار وجني الثمار وسقي الأنهار ومراعي الإبل ودخل النخيل. فلما دار الدهر نقص جميع ما ذكرناه لاختلاف النيات مع قلة الأمانات. وكل من بها يستعمل الطيب من الرجل والمرأة. وفي يد كل واحد من القوم سيف ولم يرموا العدة من أيديهم إلا في شهر الله الأصم رجب عظم الله حرمته.
وبناه البلد بالحجر والجص وبناء الطبقة الثانية بالشكل، وهذا في زمان معاوية بن أبي سفيان. وصارت بعده في أيام أبي عبد الله محمد المهدي بالله أمير المؤمنين لما بني الحرم الشريف كل دار تشابه حصنا من الحصون لأجل أحكامها. وبني الأمير هاشم مدينة ظاهر مكة بين درب الثنية والمسفل تسمى مربعة الأمير فكان يسكن بها جنده وخدمه وحشمه وبقي البلد عامراً. وخربت في دولة الأمير عيسى بن فليته وبقي خراب إلى دولة الأمير قتادة بن إدريس بن مطاعم بن عبد الكريم وجدد فيها آثاراً ومواضع شتى وأراد أن يسكن فيه الغرباء وقريش ويسكن هو وجميع أهل الشرف مكة فمات على غفلة وبطل جميع العمل من طول الأمل. وأدار الأمير قتادة بن إدريس على مكة سوراً من الحجر والطين وذلك على رءوس الجبال وبطون الأودية وركب عليه أربعة أبواب: باب درب المعلى ينفد إلى عرفات، وباب درب الثنية ينفذ إلى مدينة الرسول (ويسمى باب جدة وباب العمرة، وباب المسفلة ينفذ إلى اليمن، وباب الصغير ينفذ إلى الصفا المصافي والصحيفة، وهو واد ليس عليه طريق على هذا الوضع والترتيب والله تعالى اعلم بالصواب.
ذكر ولاة مكة من آل الحسن بن علي بن أبي طالب
كرم الله وجهه. الأمير منصور بن يكثر بن عيسى بن مكثر بن قاسم بن محمد بن جعفر بن محمد بن عبد الله بن أبي هاشم بن محمد بن الحسين بن محمد بن موسى بن عبد الله ب موسى الجون بن عبد الله ديباجة بني هاشم بن الحسين بن الحسن بن علي بن أبي طالب. والأمير حسن بن قتادة بن إدريس بن مطاعم بن عبد الكريم بن عيسى بن الحسين بن سلمان بن علي بن عبد الله بن موسى الجون، وهاهنا يرجع النسبيين إلى فرد نسب. فهؤلاء الذين نزلوا مكة من أيام دولة الأمام عبد الله الخليفة أبي جعفر بن هارون الرشيد إلى سنة تسع عشر وستمائة. وفي هذا التأريخ ملكها السلطان الملك المسعود صلاح الدين أبو المظفر يوسف بن محمد بن أبي بكر بن أيوب بن شاذي بن مروان بن محمد.
ونقد البلد ذهب مصري وبها يضرب على عيار المصري يستوي الدينار أربعة وعشري علوي يحسب كل علويّ أربعة دراهم كل درهم ستة فلوس.
стр. 5
فلما رجعت الدولة لآل أيوب ضربوا الدراهم الكبار ويقال أول من ضرب هذا الدرهم الكبير بها المعز إسماعيل بن طغنكين في اليمن. وأول من ضرب الدراهم الكبار بمكة الملك المسعود يوسف بن محمد على قوانين اليمن يسوى الدينار المصري أربعة دنانير ونصف ملكي يصبح ثمان عشرة درهما يحسب كل أربعة دراهم دنانير دينار مكي، وكل درهم ثلث جوز كل جائز ثمان فلوس وكل فلس أربع درس. قال أبن مجاور: وكل ما كان يصح في أول العهد بعلوي رجع ذلك الشيء بدرهم كبير. والرطل مائة وثلاثون درهما وهو ستة أواق يحسب كل أوقية أحد وعشرون درهما وثلث وبه يباع جميع الحاوئج والعطر. ومن اليمن ثلاثمائة وعشرين درهما وبه يباع الثياب والسكر والعسل وجميع الحوائج الحلوة، ومن اللحم أربعمائة درهما وبه يباع اللحم والشحم والهريسة والمجبنة والألية، ومن السمن ثمانمائة درهما وبه يباع السمن والزيت والخل والشيرج. والذراع اليد في أيام الموسم وأيام الصدقة وإذا كان بعد الموسم بمدة شهر كامل زيد في الذراع وفي سنة أثنين وعشرين وستمائة زيد في الذراع ورجع الذراع على ذراع مصر. وكانت صنجة مكة في بغداد تصج المائة خمسة وتسعين ديناراً، فلما تولى ملك الحجاز طغتكين الكاملي نقص المائة الدينار فصار الآن تصح المائة المكية ببغداد أربعة وتسعين ديناراً. وجميع ما يباع بمكة مقايضة كج بكج. ويباع الحنطة وسائر الحبوب بالصاع ويحسب الصاع أربعة إمداد وكل مد أربعة أرباع الرطل. ويباع الادم بالبيعة كل بيعة مائة من يصح الحمل بيعتين ونصف. ويحسب العوار ثلاثة أضعاف: عوار الذي يكون في أوسط الطاق خدش سكين في رقبة الطاق، والثاني الشعراني وهو الذي يكون في الشعر، والمقفع يكون قد تقفح الكيمخت من على الجلد، وكذلك اليابس من الدهن والخفيف والأسود. والأديم الجيد وهو الثقيل النقي الطاهر عتابي الوجه مشتبك بعضه ببعض مبرأ من العيوب التي ذكرناها.
قال أبن المجاور: هذا في اليمن ونواحيها يكون يسوي كل مائة من بخوارزم على الصفة التي ذكرنا سبعين دينارا. ويدبغ الأديم في جميع أقاليم اليمن والحجاز ونواحيها ويبيعوه طاقاتٍ بالعدد وكذلك الحبشة وأعمالها ويسموه العجم أديم خوش وفي كشك من أعمال الهند كذلك. وما تدبغ الأديم إلا بالقرظ، ويدبغ في مكة جلود الجمال والبقر والغزلان وكان مسافرو خراسان يشترون جلود البغال الفحولة من رستاق الموصل وسواد إربل وتدبغ في مكة، وقد بطل جميع ذلك من سنة عشر وستمائة لظهور الكافر بخرسان والري. والأديم الخفيف يصلح للعراق والشام لأنهم ينشرون الطاق حتى يجعلوه على الكيمخت، وما يريدون في خوارزم وخرسان إلا الأديم الثقيل لأنهم يبطنون به الخف. ويقال في الأثمان يسوي الخوارزمي وألفا أربع دوانيق ربكبه وخفه عشر دنانير وكذلك الروم. ويقال إن الصديق بمنزلة الرأس والعدو بمنزلة الرجل ولأجل ذلك لبست أهل هذه النواحي أرجلهم أجود ما يكون من الملابس. حدثني محمد بن رزق الله قال لي: هل ترون في خراسان كوكب سهيل؟ قالت: لا والله! قال: لهذا لم يصح لهم دباغة الأديم. قالت: وكيف ذاك؟ قال: كل إقليم يطلع عليه وفيه سهيل يصح فيه دباغة الأديم لأنه يحمره ويصيره إلى ما ترى من الليونة والنعومة.
من مكة إلى المدينة
على طريق بني عصية وهم الرو. من مكة إلى بطن مر أربع فراسخ وهو واد طيب وبنى فيه بعض أمراء مكة من الشرق قصراً وهو الآن خراب. وإلى الهدى أربع فراسخ وإلى برزة أربع فراسخ وإلى شابة أربع فراسخ وإلى المدينة قدر أربع فراسخ. وإلى هجر سبع فراسخ أرض عزة وهي أرض بني سليم التي فتحها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.
ذكر فتح أمير المؤمنين علي بن أبي طالب هذه الجبال
стр. 6
حدثني عيسى بن أبي البركات بن مظفر البغدادي بمكة قال: إني قرأت في بعض الكتب أنه كان لبني سليم في الجاهلية نحل عظيم فكان إذا جاءهم عدو دخنوا في الأكوارات يعني النحل فكان يطير ويعلو الجو يبان لناظره شبه غمامة من كثرته فإذا تعلى انحدر ونزل على خيل العدو ونكد عليهم فعند ذلك تنهزم خيل العدو من بين أيديهم. وكان بنو سليم قد قهروا جميع أعدائهم بهذا الفن وبقوا على حالهم إلى أن أظهر الله الإسلام وخرج النبي (ومن معه من الصحابة إلى هذه الأعمال، ففعلت بنو سليم ما تقدم ذكره فلما صعد النحل الجو وانحدر على عساكر الإسلام نادى النبي (فقال: أين يعسوب الدين؟ فلم يجبه أحد فقال: أين أمير النحل؟ فلم يجبه أحد فقال: أين علي بن أبي طالب؟ فلما سمع علي بن أبي طالب رضوان الله عليه ذلك من لفظ النبي (جذب ذا الفقار وحمل على النحل فأدبرت النحل على أثرها راجعين على بني سليم ولدغتهم فهربت بنو سليم بين أيدي النحل إلى الجبال وبطون الأودية وفتح الله جبال بني سليم على يد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. فلما إستتم الفتح واستقام النصر قال بعض الصحابة للنبي (: يا رسول الله شبهت علي بن أبي طالب باليعسوب وهو النحلة؟ فقال النبي (: المؤمن كالنحلة لا تأكل إلا طيباً ولا يخرج منها إلا طيب فمن ذلك الحين والواقعة لقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بيعسوب الدين أمير النحل. وإلى الآن من هذه الجبال نحل أي عسل يشتري منه الحاج والحجاز وبعض أهل اليمن.
ذكر وادي أنظر
قال ابن المجاوز: رأيت في المنام ليلة السبت سادس شعبان سنة أربع وعشرين وستمائة كأن إنسان يقول لي: إن في أعمال المدينة يثرب وادٍ مسروق وجبال وشعاب لم يفتهم لأحد كيف دخوله. قلت له: ما يسمى؟ قال: وادي أنظر. قلت: وما المعنى فيه؟ قال: إنه سأل إنسان شيخاً من أهل هذا الوادي فقال له: من أين الشيخ؟ فقال: من وادي أنظر. قلت: وما المعنى في هذا الاسم؟ قال: لأنه وادٍ للإسلام به عز. قات: ومن أين سكانه؟ قال: هم قوم من أولاد حام بن نوح علية السلام وهم مع ذلك قوم لا عرب ولا عجم ولا هند ولا حبش ولا ترك ولا نبط بل لهم لغة منهم وفيهم. قلت: فكم يصح دوره؟ قال: فرسخين أو مسيرة يومين. ولا يزل الأمير قاسم أبن المهنا بن جماز الحسيني يرعى إبله ونعمه فيه وأرضه ذات مزارع وعيون وأمن وسكون، وقد خلت من ٠٠٠السبب في خلوها؟ قال: إن الله قلب عاليها سافلها. قال ابن المجاور: وفي هذه الأيام قتل الأمير قاسم بن المهنا جماز ابن عمه شيحة وتولى يعد قتله الأمير هاشم بن قاسم على ملك مكة. ومع ذلك يمكن أن يكون هذا الوادي في هذه الأودية والجبال والشعب مسروقة لم يعلمه أحد من الأعراب سوى سكانه والعلم عند الله.
وإلى الخضراء من يثرب أبع فراسخ وبه أعين ونجيل ويسكن أهلها في أخدار الشعر إلى الآن. وإلى عين النبي (أربع فراسخ وهي عين جارية وعليها نخيل وهي أواخر الجبال والأودية وأول الفلاة والرمال وإلى عمق أربع فراسخ وبه أعين ونخيل، وأحرق نخلها الأمير عز الدين أبو عزيز قتادة بن إدريس سنة خمس عشرة وستمائة. وإلى نجد أربع فراسخ وتسمى مرك وهي أرض قفر وبها بركة عظيمة خلقها الرحمن، ويقال أغتسل بها ومن مائها النبي (فلا يزال الماء طول الدهر من بركات النبي (. وتمر على ثلثه جبال تسمى البرانين فإذا كنت طالب المدينة أترك جبلان منا على يسارك وإن كنت طالب مكة فأتركهما عن يمينك وأمش بالقرب من الجبال لكي لا تضل لأنه وادٍ فيه رمل أبيض يشابه دقيق السميد ولا شك أنه إلا في هذا المكان. وإلى بئر علي بن أبي طالب ﵁ أربع فراسخ وهي بئر عظيم البناء يروى الحاج منها ومن حولها من الأعراب ما عندهم من المواشي وغيرهم. وإلى قباء أربع فراسخ وكانت مدينة قبل المدينة وقيل بني في زمن النبي (وفي مسجدها قبتان إحداهما إلى المشرق والثانية إلى الكعبة لما أمر الله سبحانه النبي (أن يوجه وجهه نحو الكعبة لما قال: (فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره) ثم إلى المدينة فرسخ بين نخل باسقات شامخات.
ومن مكة إلى الطائف
стр. 7
من مكة إلى منى فرسخ. وإلى المشعر الحرام فرسخ. وإلى جبل عرفات فرسخ، مبتدئ وادي نعمن وفيه أراك ونخل.
ألا هل لأيام المحصب أوبة ... وهل لي بهاتيك القباب وحلول
وهل لليالي الخفيف بالخفيف مرجع ... وهل لمبيت بالجمار سبيل
وهل لي بأعلام المعرف وقفة ... وبالسرح من وادي الأراك مقبل
وإلى برقة ثلاث فراسخ وبه قبر الأمير شكر بن أبي الفتوح الذي أستفتح جدة. وإلى المرزة أربع فراسخ والأصل ستة فراسخ. وإلى الحجر فرسخين ويكون جوازك على جبل عالٍ يسمى عفر، قال أبن المجاور: ولا شك أنه يسمى غزوان وبه قال الشاعر:
إذا خفت يوماً من أمير عقوبة ... فلي باللوى من رأس غزوان منزل
بناء الطائف
قرأت في كتاب الفاكهي قال: حدثني الحسين قال حدثني على بن الصباح قال حدثني أبن الكلبي عن إياد بن نزار ويقال عن أبيه عن أبي صالح عن أبن عباس قال: كان بالنخع وثقيف رجلان من إياد بن نزار يقال لأحدهما ثقيف وهو قسي بن منبه أبن بنت أفصى بن دعمي بن إياد بن نزار والآخر النخع بت عمرو بت طهمان بن عبد مناة بن يقدم بن أفصي بن دعي بن إياد بن نزار. فخرجا ومعهما غنيمات لهما فيها عنز لبون وهما يشربان من لبنها، فعرض لهما مصدق ملك من ملوك اليمن فأراد أن يأخذ من غنمها الصدقة. فقالا: خذ من أيتهن شئت! فقال: آخذ صاحبة اللبن. فقالوا: إنما معيشتنا ومعيشة هذا الجدي من لبنها. فأبى إلا أخذها فقتله أحدهما. فقال له صاحبه: لا يجمعني وإياك بلد ولا تحوينا أرض فإما أن تصعد وأنحدر وإما أن تنحدر وأصعد. فقال النخع: أنا اصعد، فأتى النخع بيشة فنزلها. ومضى ثقيف إلى وادي القرى فكان يأوى إلى عجوز يهودية يكمن عندها بالليل ويعمل بالنهار فعند ذلك اتخذته ولداً واتخذها أماً. فلما حضرها الموت فقالت: يا بني إذا مت فخذ هذه الدنانير وهي قضبان من الكرم فإذا نزلت بلدا فأغرس هذه القضبان فأنك لا تعدم منها رزقا. ففعل ثقيف ذلك ثم أقبل حتى نزل موضعا قريباً من الطائف، فإذا هو بجارية حبشية على ظهر ترعى مائة شاة لمولاها. فأسر طمعاً فيها وقال: أقتلها وآخذ الغنم! فألقى في نفسها ما أراد بها فقالت له: يا هذا كأنك طمعت نفسك أن تقتلني وتأخذ غنمي؟ قال: نعم. قالت له: لقد عدلت ولو قتلتني وأخذت الغنم ما نجوت فأنا جارية عامر بن الظرب بن عمرو بن عباد بن يشكر بن عدوان بن عمرو أبن قيس بن عيلان بن مضر وهو سيد أهل الوادي وأنا أظنك غريباً خائفاً. قال: نعم. قلت: أفلا أدليتك على خير مما أردت؟ قال: بلى! قالت: إن مولاي إذا طلعت الشمس ليأتي إلى هذه الصخرة فيضع ثيابه وقوسه وجفيرته عندها وينحدر في هذا الوادي يقضي حاجته ويتوضأ من العين التي في الوادي ثم يرجع ويأخذ ما ترك وينصرف إلى رحله ويأمر منادياً ينادي: ألا من أراد العيش والتجمع فليأت دار عامر بن الضرب! فيقبل جميع من أراد ذلك، فأكمن له تحت الصخرة وخذ ثوبه وقوسه وجفيرته فإذا رآك وقال: من أنت؟ فقل: غريب فأنزلني وخائف فأجرني وكفيء فزوجني إن كنت براً شريفاً! فقال: أنا افعل جميع ما ذكرت. فال فخرج عامربن الضرب كعادته فاستخفى له ثقيف فلما دخل الوادي فعل ثقيف ما أمرته به الجارية فقال عامر بن الضرب: انطلق فانطلق معه فانحدر إلى قومه. ونادى مناديه فأقبلت الناس يهرعون إليه فأكلوا وتجمعوا. فقال لهم عامر: ألست سيدكم؟ قالوا بلى! قال: وقد أجرتم من أجرت وآمنتم من آمنت وزوجتم من زوجت؟ قالوا: بلى! فقال عامر: هذا قسي بن منبه، فزوجوه في الحال ابنته فولدت لثقيف عوف ودارس وسلامة، ثم تزوج بأختها بعدها فولدت له قاسم. وأقام بالطائف وغرس تلك القضبان من الكروم فنبتت وأطعمت. وبنى المكان فسمي الطائف لأنه طاف البلاد وسكن بها. وقيل ما سمي ثقيفاً لأن أباه ما ثقف حتى ثقف عامراً حين آمنه وزوجه، وثقف الكرم حين غرسه فسمي ثقيفاً. حدثنا محمد بن أبي عمرو قال: حدثنا شعبان بن جريح عن مجاهد في قوله : لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم، قبل القريتين مكة والطائف، فأما الرجل فقيل هو عيبة بن ربيعة وكان ريحانة قريش يومئذ وقالوا بل هو مسعود بن معتب.
ذكر حصن الهجوم
стр. 8
حدثني أبو علي أحمد بن علي بن آدم البزلي قال: كان حصن الهجوم جبل مدور في وسط قاع صفصف فجاء الأنباط وهم من نسل اليونانيين النصارى ويقال الروم وقد بقى من تذاكيرهم طي القنوات ومجاري الأعين وحجر الطواحين التي يطحن عليها القرظ لأجل دباغة الأديم. قال الراوي: ودور كل حجر منها ثمانية أذرع في الارتفاع إلى سبعة أذرع. وليس هذا من عمل العرب لأنهم لا يتدبر لهم فيه عمل ولا يستدبر لهم في أيديهم ولا يتصور في خواطرهم بل هذا وما أشبهه من عمل الجبابرة وحكمة الأوائل. وما ذكرت ذلك الأحكام إلا لما نذكره من بناء الحصن وذلك أن الأنباط جاءوا وبنوا حول الجبل الحجر المنقوش المربع طول كل حجر منه سبعة أذرع في عرض ثلاثة أذرع ولا زال القوم في بنائه إلى أن حاذى البناء ذروة الجبل، فلما استتم البناء به على حسب المراد بما أراد الفكر بنوا بعده الأسوار والأبراج وهو على وضع ما تقدم ذكره. وركب عليه باب واحد وحفر في داخل القلعة بئر عظيم فظهر في البئر مع تمام الحصن الوافر ماء يحاكي الشهد في حلاوته والماء ورد في رائحته وعين الحيوة في صفاته. فلما دار الدهور بالسنين والشهور ارتدم ما بين الأمة من التقارب والاتصال تقاربت بهم الآجل وتباعدت عنهم الأحوال إلى أن أظهر الله الإسلام ففتحها النبي (بالسيف. وبقى الحصن على حاله إلى أن وصل ملك الحجاز إلى الأمير عز الدين أبي قتادة بن إدريس فأمر بهدم الحصن فهدم خوف أن لا يعصيه فيه أحد من الأعراب ويبقى الحصن خراب إلى الآن خراب إلى الآن ويسمى عند أهلها حصن الغراب.
ذكر الوهط
حدثنا معبد بن عبد الرحمن المخزومي قال حدثنا شعيب عن عمرو بن دينار قال: كتب عمرو بن العاص في وصيته وذلك في الوهط وجعلها صدقة لاتباع ولا توهب ولا تورث: وهي للأكبر من أولادي المتبع فيها عهدي وأمري فان لم يقم بعهدي ولا أمري فليس له ولاء، يعني بذلك الوهط، حتى يرثه الله تعالى قائماً على أصوله. حدثنا محمد بن منصور قال حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار قال: عرش عمرو بن العاص في الوهط مائة ألف عود كل بدرهم. والوهط قرية من أعمال الطائف بينهما ثلاثة أميال فكان كل فاكهة الطائف ومكة من ذلك الوهط. حدثنا محمد بن موسى القطان قال حدثنا محمد بن الحجاج الثقفي قال حدثنا عبد العزيز بن أبي رواد عم عطاء عن أبن عباس قال: كان الطائف من أرض فلسطين فلما قال إبراهيم: ربنا إني أسكنت من ذريتي بوادٍ غير ذي زرعٍ عند بيتك المحرم قال فرفع الله تعالى له موضعاً إلى الطائف في موضعها. قال حدثني محمد أبن فارس القرشي قال لي: ما بقى في الوهط من الشجر سوى شجرة توت وهي إلى الآن وقف عليهم.
ذكر سليمان بن عبد الملك
стр. 9
أبن مروان وخروجه إلى الطائف. حدثني محمد بن صالح البخلي قال حدثنا محمد بن إبراهيم قال: كنا مع عبد العزيز بن أبي رواد في المسجد الحرام فأصابنا مطر شديد وريح شديدة فقال عبد العزيز: خرج سليمان نب عبد الملك إلى الطائف فأصابهم نحو من هذا ببعض الطريق فهالهم ذلك وخافوا فأرسل إلى عمر بن عبد العزيز، وكانوا إذا خافوا شيئاً أرسلوا عمر فقال له سليمان بن عبد الملك: ألا ترى ما نحن فيه؟ فقال: يا أمير المؤمنين هذا صمت رحمته فكيف بصوت عذابه! فخرج سليمان إلى الطائف قال فلما قدم إليها لقيه أبو زهير بني ثقيف فقال: يا أمير المؤمنين أجعل منزلك عندي! فقال: إني أخاف من الصداع. فقال: كلا إن الله قد رزقني خيراً كثيراً. قال فنزل ورمى بنفسه على البطحاء فقيل له: الوطاء! فقال: لا! البطحاء أحب إلي. فلزمه بطنه فأتى بخمس رمانات فأكلهن وأتوه بخمس. أخرى فأكلهن ثم قال: أعندكم غيرها؟ قالوا: نعم. فجعلوا يأتون بخمسة خمسة حتى أكل سبعين رمانة ثم أتى بخروف وست دجاجات فأكلهن وآتوه نصيب من الزبيب يكون فيه مكوك على نطع فأكله جميعاً ثم نام. وانتبه فدعا بالغداء فأكل مع أصحابه فلما فرغ دعا بالمناديل فكان فيها قلة من كثرة الناس فلم يكن عندهم من المناديل ما يسعهم، فقال: كيف الحيلة يا أبا زهير؟ فقال أبو زهير: أنا أحتال. فأمر بالصرح والخزامى وما أشبههما من الشجر فأتي له بما يمسح به سليمان يده، ثم شمه فقال: يا أبا زهير دعنا وهذا الشجر وخذ هذه المناديل أعطها العامة! ثم قال سليمان: يا أبا زهير هذا الشجر الذي ينبت عندكم أشجر الكافور هو؟ قال: لا فأخبره بخبره فأعجب سليمان. وقد قال امرأ القيس الكندي:
كأن المدام وصوب الغمام ... وريح الخزامي ونشر القطر
يعل به برد أنيابها ... إذا طرب الطائر المسنتحر
فلما فرغ قال أبو زهير: افتحوا الأبواب! ففتحت ودخل سليمان مع الناس فأصابوا بستاناً ذات أكمام وإتمام من الخير والفواكه فأصابوا الفاكهة. فأقام سليمان يومه ومن الغد ثم قال لعمر: ألا ترى أنا قد أضرينا بهذا الرجل! فرحل ونظر إلى الوادي وخضرته مع طيب رائحته فقال: لله در قيس أي وادٍ ننزل! ونظر إلى عناقيد عنب يظنها الحرار فقال له عمر: يا أمير المؤمنين هذه عناقيد العنب! فأقام سبعاً ثم رجع إلى مكة.
ووصف بعضهم النارنج فأنشأ يقول:
وروضةٍ يتركني زهرها ... بالحسن والنضرة مبهوتا
أنعت منه حسن نارنجها ... ولم يكن من قبل منعوتها
وصحت في الناس: ألا من يرى ... زبرجداً يحمل ياقوتاً
وقال في السوسن:
سقيا لأرض إذا ما نمت ينبهني ... قبل الهجوع بها صوت النواقيس
كأن سوسنها في كل ساقبة ... على المبادين أذناب الطواويس
وقال في المنثور:
ومنثور حططت إليه رحلى ... وقد طلعت لنا شمس النهار
كشبة دراهم من كل فن ... يخالطه كبار مع صغار
وقال في الياسمين:
والياسمين أتاك في طبقة ... قد أكسر الناس٠٠٠ من عقبة
قد نفض العاشقون ما صنع الس ... بين بألوانهم على ورقة
وقال في اللينوفر:
ولازوردية تاهت بزرقتها ... بين الرياض على زرق اليواقيت
كأنها فوق طاقات لها صبغت ... ذبائل النار في أطراف كبريت
وقال في النرجس:
وأحداقٍ مسهدة عواني ... سرفن السحر من حدق الغواني
على قضب الزبرجد شاخصات ... حوين صفات نور الأقحوان
بأحداق من الكافور صبغت ... مكحلة الجفون بزعفران
صفة الطائف
стр. 10
الطائف سامية باردة الماء والهوى صحيح كثيرة الفواكه زراعتهم الحنطة اللقيمة التي تشابه اللؤلؤ، وأهلها من ثقيف وقريش على زي أهل مكة في الأكل واللبس. وأهلها يرثوا البنت عند الموت ولم يورث أحدهم بنته الدراهم، وكذلك بنو هذل ومضر وبجيلة وجميع أهل السراة وجميع العرب الذين هم سكان بأرض الحجاز وما حول مكة. وللقوم عصبية عظيمة إذا مات بها أحد لم يحمل جنازته إلا الشبان ومع ذلك يقولون: سلم سلمك الله هذا ما وعد الله نعم القاضي! وهم يتداولون بالنعش إلى الجبانة وهم الذين يحفرون القبر. حدثنا الزبير بن أبي بكر قال حدثنا عمر بن أبي بكر الرملي قال: اخبرني بعض أهل العلم من قريش قال: ما استن للنوائح وأحرباه إلا من بعد موت حرب بن أمية فناحت نوائحه وأحرباه فجعلن النواح للناس كلهم يقلن: وأحرباه! من ذلك العهد. وبه قبر عبد الله بن العباس ﵄. وجميع عملهم دباغ الأديم ويدبغ بها الأديم المليح الثقيل المعروف بها وهو الذي يصلح لخوارزم. وكل فريق يغرس في هذه البلاد يطلع مكتسبي وبه يطعن السدر وهو سويق النبق من نبق العراق ليس له شوك وكذلك شجرة في زبيد مما يلي القرنب.
من الطائف إلى جبل بدر
من الطائف إلى المعى ستة فراسخ وبه تنحت قدور البرم التي يفخر حجرها على سائر الأحجار. حدثني شيخ قدوري بهذا قال: إن احجر الأملس يعمل فيه الحديد إلا الفولاذ وإلى خبت عنتر خمس فراسخ وهو عنتر بن زبيبة العبسي، وهي ارض ذات شعاب ومكسّرات وبها بئر عذب فرات. وإلى حدان ستة فراسخ. وإلى بحرى خمس فراسخ وبه تزرع الحنطة في العام مرّتين بعد كل ستة اشهر مرّة وهذا خلاف كلّ العالم في الزروع. وإلى الدرب فرسخين. وإلى ارض ليلى العامريّة وقيس بن المللوّح ويقال أنّ ليلى العامريّة وقيس بن المللوح كانوا في هذه الأرض وماتوا بها. وفي قبيلها يقول الشاعر:
ألا لَيتَ أتى بالما عامريّةٌ ... إذا صابها ضيمٌ دَعت يالَ عامرِ
وإلى نوا فرسخ، أول معاملة بجيلة وهم الذين يسمون السرو.
ذكر السرو
فأما السرو فإنهم قبائل وفخوذ من العرب ليس يحكم عليهم سلطان بل مشائخ منهم وفيهم وهم بطون متفرقون. فإذا خرج أحدهم إلى سفر أتت المرأة إلى عند المخلف أي عشيق تلك المرأة يحاضنها إلى أن يرجع زوجها. فإذا قرب المسافر من منزله نادى بأعلى صوته: أيها المخلف اللجوج، فقد حان وقت الخروج! ويدخل المسكن غفلة فإن وجده في المسكن قتله وإن كان قد خرج فقد عفا الله عما سلف. وسألت رجلاً منهم في مكة فقلت له: أيها الرجل والنزيل ماذا يصنع المخلف؟ فرد أسوئ جواب فقال: يسحق الخبز ويمحق المرأة. وغاية حج القوم عمرة أول رجب وقد ضمن لهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضه تلك العمرة بحجة كاملة مقبولة. فإذا دخلوا مكة ملئوها خبزا من الحنطة الشعير والسويق والسمن والعسل والدخن واللوز والزبيب وما يشبه ذلك، ولذلك يقول أهل مكة: حاج العراق أبونا نكسب منه الذهب والسرو امناً نكسب منهم القوت. يقال أن معاملة نوا مائتي قرية أو اكثر ومن جملة القرى المائتين المسلم وعقدة واليفوع وحدا والراهن وسعمون وبريف. وبها وقعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب مع الأفعى فقتله، وبه جبل إبراهيم الخليل ﵇. ومنهور والفروات والشعبين واللقاع وحرف والرجعين وهي قرى جماعةٌ. وبهذه الأعمال كانت وقعة بني تميم وبكر بن وائل وفي حرب منها هلك لقيط بن زرارة أخو حاجب بن زرارة وحسن. وإلى الرداء ستة فراسخ. وإلى الملحاء ستة فراسخ وهو جبل عظيم والله اعلم.
ذكر جبل الملحاء
стр. 11
حدثني أبو علي احمد بن محمد بن آدم اليزني قال: لما ملك تبع جزيرة اليمن وأرض حضرموت وبلاد الأحقاف والحجاز وأراد أن يخرج إلى ناحية العراق فجاء إلى هذا الجبل وأراد أن يحفر فيه سربا عظيماً فجهّز تحت الأرض مسيرة ثلاثة فراسخ أو اكثر من ذلك مستفل منحدر. فلما حفر هذا القدر أمر أن يحفر في أواخر السرب بلدا عظيما والأصح سوقاً عظيما بدكاكين متقابلة مصطفة على خيط واحد ما مقداره ألف دكان ونفر من وراء الدكاكين والدور والأملاك. فلما تم عمله ملأ كل دكان من الدكاكين صنفاً من الأمتعة والأطعمة ومن الحوائج والعقاقير وما يحتاج إليه من ثقيل وخفيف ذخيرة له. وحفر في وسط السوق بئراً واسعا عميقا في الطول والعرض وجمع جميع الأموال التي كانت معه وكنزها في البئر وجعل الذهب بيان له لأنه قد نصب على خرزة البئر عمودا معرضا وفيه طلسم إذا انزل إنسان رجله على العود المعارض دار العود وفي العود سيف مصنوع قاطع يضرب الإنسان نصفين يرميه في البئر. قال ابن المجاور: وما اضن السيف اصله إلا من الصاعفة التي ضرب بها يافث بن نوح ﵇.
ذكر سيوف الصواعق
حدثني عيسى ابن أبي البركات بن مظفر البغدادي قال: أما سيوف الصواعق فثلاثة وقيل سبعة. وقال آخرون: بل أربعة عشر سيفاً ضربة في أيام يافث بن نوح ﵇. وذلك انه لما مات نوح ﵇ وقع الخلف بين أولاده في طلب الرئاسة فتفرقوا. فطلب يافث المغرب وبنى بها مدينة جابلقاه وطلب أخوه حام المشرق وبنى بها مدينة جابرسا. وأمّا ما كان من أمر يافث فانه جمع الأموال أموال الربع المسكون وعباها خزين وعمل عليها طلسما وركب السيوف على الطلسمات. وبقيت الكنوز على حالها إلى أيام ذي القرنين فحينئذ ابطل عمل الطلسمات واخذ ذو القرنين تلك الكنوز. قال ابن المجاور: وإحدى تلك السيوف في جبل الملحاء في البئر التي فيها الكنز الذي أودعه تبع. تبع. ويقال انه يسبك من الصاعفة وزن حبة خردل على الفولاذ ويضرب منه سيف لم يحمل لغمد بل يوضع في جراب خزف. وقيل إذا وقعة الصاعقة لم تسكن إلا إذا افلت عليها الخل وإنها إذا وصلت الماء وقفت وإذا لم يفلت الخل عليه فانه يخرق تخوم الأرض. والأصل فيه انه عمود من حديد جهنم نعوذ بالله منها.
فصل
стр. 12
قال الله : لابثين فيها أحقابا. قال بعضهم الحقب أربعة آلاف سنة والسنة أربعة عشر ألف شهر والشهر أربعة آلاف يوم واليوم أربعة آلاف ساعة والساعة مقدار سبعين ألف سنة من سني الدنيا. قال ابن سلام: مساكين أهلها نسأل الله أن يعيذنا من شرها، ويؤخذ قياس نارها وحديدها من قياس أيامها وساعاتها. ويقال إنّ السيوف المذكورة أربعة أصناف: الصنعاني يضرب في صنعاء متقدم قصير لأنّه سيف الرجالة يقطع اليابس والرطب وعلامته أن يكون في وسطه مرازب ويقال مرازب واحد، وكثير ما توجد هذه السيوف في جبال اليمن عند العرب. والكرماني قديم ضرب في أيام دولة ملوك العجم بكرمان وهو قضيب ماد ما بين القصير والطويل، وأصل هذه السيوف من الفولاذ هرات، وقيل بل كان عندهم معدن يستخرج منه الحديد، وغاية ما توجد هذه السيوف عند الأكراد الشارونية والبلوج والكوشان والاوغان والسرهدية من أعمال غزنة والإفرنجي سيف طويل ماد بالمرة وما يطولونه إلا لأجل الفرسان واصله من تكاسير نعال الخيل ويسقى من نداوة زرع بلادهم، لين المرة ويقطع في اللين دون اليابس ولربما قطع اللحم في البدن وسلم العظم. وغاية ما تجلب هذه السيوف المعروفة عندهم في علب الخشب، وعلامته أن يكون به كف إنسان فهو الجيد. ويقال أن الذي نقش على سيوفه ذلك ضرب أربعمائة سيف لم يضرب مثلها في الربع المسكون. فلما رأى ملك الروم هذه الصنعة الشريفة أمر بقطع يده اليمنى فلما فعل به ذلك ارتحل من المدينة التي كان يسكنها ونزل بمدينة أخرى فضرب بيده اليسرى أربعمائة سيف أخر ونقش عليها الكفوف. فما حرب سيف من تلك السيوف إلا تراه وهو حديد ابيض وفي وسطه مرازب. والهندي أصناف شتى فمن جملتها الباخرى يضرب في السند واصله من حديد وبولاد هرات وعلامته اخضر اللون كأنه السلق وشيء منه احمر يشبه لون النار يرفع الدرهم ويبرى مرسخ الجمل وصنف ثاني من الروهينيا يضرب في بعض الأقاليم يتلوى وهو قضيب ماد فيه جوهر شبه الغبار وهو ما بين ذلك قواما، والصنف الثالث فيه أهلة يضرب في خور فوفل ويقال بحار بيدها سيوف طوال عراض بالمرة ذات جوهر عال لا غليظ ولا دقيق إلا وسط وهو يقطع في اللين لا غير، ومنه فلالك الشاهي يضرب في الكوز ويقال في برهب سيوف طوال عراض بالمرة الواحد خفيف مرهف وعلامته أن يكون جوهره أربع أصابع وهو غليظ خشن كخشونة خضرة الكراث أوّل ما ينبت قد اشتبك بعضه في بعض شبه ثعابين ملتفين، وأربع أصابع منه شبه جمع الذر على الشيء حلو. ويبان الجوهر في أرض السيف شبه فضة شبكت مع الحديد يبان جوهره ابيض صافي والأرض منه زرقاء سماوي. ويقال إنّه أهدى إلى الملك قطب الدين أبيك الأبثل من هذه السيوف سبعين بنداً إلى سبعين سلسلة. ويرى فيها مائية نداوة شبه الماء الزلال، إذا رفعته أنحدر وإذا حططته صعد، يابس يقطع فيما يرطب وبه يضرب أعناق الجاوميس قدام البيوت في يوم عيد لهم. وخاصيته إذا معص فؤاد إنسان يغسل سيفا من هذه السيوف ويشرب ويشرب ماءه ويزول عنه ما يشكي من المعص. وإما السيوف في العالم فكثيرة الأصناف وتضرب في كل بلد وإقليم إلا هذه الأربعة الأصناف الذين ارتفعوا دون غيرهم وعرفوا من بين جنسهم ورفعنا بعضهم فوق بعض درجاتٍ.
ولنرجع إلى الحديث الأول
стр. 13
فصارت أهل هذا الزمان يدخلون كبب غزل الوبر ويصحبون معهم سراج ومقدحة وخطاف وفتل وبر يشد خيط الوبر في رأس باب الغار وكلما مشى أحدهم نشر الغزل والخطاف. فإذا وصلوا إلى الدكاكين رأوا فيها جميع الأمتعة والأقمشة وقد تهرأت من طول المدا والحديد قد علاه الصدأ والصفار قد تزنجر فيأخذ الجميع ما يرى فيه رمق ويجد بعض القوم ذهباً وفضةً ودراهم. وإذا رجع القوم لا يزالون يكببون غزل وبرهم وهم راجعون إلى فم السرب فلذلك العمل دأب القوم. ويقال إنّ بها ثلاث طرق إحداها تنفذ إلى سوق عكاظ والثانية إلى جبل الملحاء والثالثة تنفذ إلى بريقة فيد وهي أقربهن مسافة. حدثني أبو علي بن آدم اليزني قال: كثير من الرعاة ممن يحمل الذهب على غنمه فيقوم الراعي يطارد الذئب يريد قتله فيقع على المطلب. وهو طريق تنفذ إلى وسط البئر التي تقدم ذكرها، وطريق وسطى وهي التي بجبل الملحاء، والبعيدة التي تلي سوق عكاظ. والمكان إلى الآن باق ينزله من أراد على تقدم ذكره. وإلى أبيدة فرسخ وهي قرية حصينة في واد نزه. وإلى العقيق ستة فراسخ وهو يدبغ فيه الأدم ومنه يجلب القرظ إلى مكة. وبها الأمير أبو الحسن بن المعلم يقول:
قل يا رفيق المستها ... م متى يفيق المستهام
هذى المنازل والعق ... يق فأين ليلى والخيام؟
وقال أيضاً:
قف بالخيام المشرفات على الحما ... وأمزج دموعك في مغانيها دما
وإذا مررت على العذيب فقل له ... هل شربة تروي من الظمأ
إني ندمت على الذين ترحلوا ... يوم الغوير وحق لي أن اندما
فوددت لو سمحوا على بعودة ... يبرا بها الطرف القريح من العما
يا عين لا يذهب بناظرك العما ... فلربما دنت الديار وربما
إن بات جسمي في سهام فإن لي ... قلباً يتيماً بالعقيق متيما
وإلى تبالة ثمانية فراسخ. وإلى الجبل ثمان فراسخ، وهو جبل بني بدر وجميع من بها يهود والحصن حصن مكين في طرف جبل عالٍ والله أعلم.
ذكر نهر السبت
قالت أهل الذمة: إنه في أرض التيه. وحدثني يهودي صائغ بعدن قال: إنّ نهر السبت في أرض يقال لها صيون والأصح أنه في الحجاز وهو نهر رمل سيال يجري من ليلة الجمعة إلى غداة يوم السبت لم يقدر الإنسان أن يعبره من شدة جريانه في ذلك اليوم ويسكن باقي الأسبوع. ووراء هذا النهر من اليهود مائه ألف ألف رجل وامرأة وهم يزيدون على العد خارجون عن الحد، والقوم عرب يعقدون القاف الألف في لغتهم، وهي جملة القوم أولاد موسى بن عمران ﵇. ويقال إنما حصلوا هؤلاء اليهود في هذه الأرض والأعمال إلا من غزوة يخت نصر البابلي لليهود بأرض الشام وديار مصر والأصح لإظهار الله محمداً (فخرجوا هاربين من خيبر ووادي القرى وسكنوا هذه الأراضي. إلى الآن إذا تاه بعض الحجاج بطريق مكة ووصل إلى القوم فبعضهم يقتله وآخرون يقبلونه ويردونه على احسن حال.
فصل
مما ذكره الإمام أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن الرازي في كتاب معرفة الأديان: مسلة شرعية، قال إنّ لليهود يوماً إذا عمل فيه إنسان شغلا حل دمه فإن لم يعمل فيه الشغل حل دمه. وما ذاك؟ قال: إذا ولد لليهودي طفل ففي سابع يوم الطفل يطهر أي يختن فإذا اتفق سابع الطفل يوم السبت وختن الطفل حل دمه لكسر سنته وإنّ لم يختن حل سفك دم والده مخالفة والده الشرع، وذلك شرعهم لأنه قال بترك الأوامر.
فصل
قال بعض النصارى: إنّ الإسلام عجيب! قلت: وما رأيت من العجب؟ قال: إنّ تنصر الإنسان حل قتله يعني لامتناعه في دخول الدين الحنيفي وإنّ أسلم قطع أي ختن فجريان الدم في الحالتين حاصل. وكذلك اليهود قتله في الحالتين حاصل على الخبر الأول والله اعلم.
ذكر شهور اليهود
стр. 14
قمرية وأواسط المسير: تشري ومرحشون وكسليو وطيبث وشفط وآذار ونيسن وإير وسيون وتمز وأوب وإيلل، ويعمل على هذه الشهور جميع يهود الرابع المسكون. وما الفسح؟ في أعياد اليهود خرج فيه بنو إسرائيل من مصر هاربين من بعد أن تخلصوا من العبودية وقربوا القرابين كما مثل لهم وهي سبعة أيام تسمى الفطير لا يجوز لهم أكل اللحم ولا إمساكه في الرحل، وفي اليوم الآخر منها غرق فرعون في بحر سوف وهو قلزم ويعرف هذا اليوم بالكس. ما العنصرة؟ هو السادس من سبون يسمى عشر مشتق من الاجتماع وهو حج من الحجوج لإدراك الغلال. ما الكفور؟ هو اليوم العاشر من تشري وهذا ربما يسمى العاشوراء، وأما الكفور فهو من تكفير الذنوب وهذا اليوم فقط هو الذي فرض على اليهود صومه والقتل على من لا يصومه، ومدة الصوم خمسة وعشرون ساعة يبتدئ بها قبل غروب الشمس في اليوم التاسع ويختم بمضي ساعة بعد غروبها في اليوم العاشر، ولا يجوز أن يقع الكفور في يوم الأحد ولا في يوم الثلاثاء أو يوم الجمعة. ما المظلة؟ هي في لغتهم مصلى وهي سبعة أيام أولها الخامس عشر من تشري وكلها أعياد يجلسون فيها تحت الظلال من الأغصان والخلاف والعنب والزيتون، وقد أمروا أن يسكنوا فيها تذكراً لأظلال الله إياهم في أرض التبه بالغمام. ما العربا؟ تفسيره ما الخلاف وهو آخر عيد المصلى أعني بذلك الحادي والعشرين من تشري وهو أيضاً حج لهم. ما التبرك؟ هو عيد مشتق من البركة وهو بعد عربا بيومين. ما الحنكة؟ هو عيد مشتق الاسم من التنظيف وهو ثمانية أيام أولها الخامس والعشرين من كسليو يسرجون فيها على أبواب دورهم في الليلة الأولى سراجاً واحداً وفي الثانية أثنين إلى أن تتم الثمانية الأيام ثمانية سرج، وذلك تذكر لهم من أصغر ثمانية إخوة قتلوهم بمتغلب عليهم كان يفرغ من عذاريهم وتطوف بيت المقدس على بغلة. ما البوري؟ اسم مشتق من الاقتراع والفال وهو الرابع والعشرين من آذار يتلو نيسن ويعرف أيضاً بعيد المجلة أي مغلاً وسببه أن هيمون وزير أحشويرش أي أبرويز بن أنوشروان كان يكايدهم أيام كانوا ببابل فدبر عليهم وأستأذن في صلبهم فانقلب الأمر عليه في هذا اليوم فصلب، ولهذا يعملون تماثيل مصلوبة ويحرقونها ويفرحون بذلك. ولليهود في شهره صيام ونوافل وأسبابها أمور حدثت فحرمته وأوجبت الامتناع عن الطعام.
وكذلك إذا حاضت المرأة عندهم يسكنونها وحدها وتعزل لها آنية تأكل فيها وتشرب منها ولا يقربها أحد حتى تخرج من طمثها أي حيضها، فإذا خرجت منه غدت إلى الحمام فغسلت وإمتشطت وتجيء بعد ذلك إلى بيت بئر تسمى طوى. قال ابن المجازي ولهم ببغداد بئر تسمى بئر طوى في محلة خرابة بين خرزة وهو بئر مدرج وقد عرض في وسط البئر عود على خرزة وقد ضرب في الخشبة سلسلة طويلة إلى أن يصل إلى آخر السلسلة ثم إلى قرار الماء. فتخلع المأة ما عليها من الأثواب وتلزم السلسلة ولا تزل تسقط في الماء أي تغوص وتنبع إلى أن تقول لها امرأة من أعلى البئر: نظفت أي تطهرت. فإذا سمعت المرأة ذلك علمت أنها طهرت من نجس الحيض. فحينئذ تلبس ثيابها وجميع اليهوديات يلقونها حين تطهر المرأة. ويقال في الأمثال: شاور المسلمين ونام عند النصارى وتعشى عند اليهود. ويقال: إنّ للمسلم فرجة وللنصراني ماله وللمجوسي رئاسته ولليهودي بطنه.
من الطائف إلى صعدة
حدثني محمد بن زنكل بن الحسين الكرماني قال: إنّ من الطائف إلى المعدن أربع فراسخ. وإلى الران ثمان فراسخ. وإلى مجرى ثمان فراسخ. وإلى الدورب أربع فراسخ. وإلى يافع ثمان فراسخ. وإلى عدا ثمان فراسخ. وإلى ران كسه أربع فراسخ وهو جبل ذو طول وعرض وعليه مجاز الخلق. وإلى صفى أربع فراسخ وهو سوق يقوم يوم الجمعة. وإلى خفن أربع فراسخ وإلى مدر أربع فراسخ وهو سوق يلتام فيه الخلق ليلة الجمعة. وإلى عضة عرين أربع فراسخ وإلى بلاد بني قرن أربع فراسخ وإلى بلاد بني عبد الدار عشرين فرسخاً. وإلى ذهبان سبع فراسخ.
صفة هذه الأعمال
стр. 15
وحدثني الراوي قال: جميع هذه الأعمال قرى متقاربة بعضها من بعض في الكبر والصغر وكل قرية منها مقيمة بأهلها، كل فخذ من فخوذ العرب وبطن من بطون البدو في قرية ومن جورهم يشاركهم في نزلها وسكنها أحد سواهم. وقد بنى في كل قصر من حجر وجص وكل من هؤلاء ساكن في القرية له مخزن في القصر يخزن جميع ما يكون من حوزة وملكه وما يؤخذ منه إلا قوت يوم بيوم. ويكون أهل القرية محتاطين بالقصر من أربع ترابيعه. ويحكم على كل قرية شيخ من مشايخها كبير القدر والسن ذو عقل وفطنة فإذا حكم بأمر لم يشاركه ولا يخالفه أحد فيما يشيره عليهم ويحكمه فيهم. وجميع من في هذه الأعمال لم يحكم عليهم سلطان ولا يؤدون خراجاً ولا يسلمون قطعة إلا كل واحد منهم مع هوى نفسه. بهذا لا يزال القتال دأبهم ويتغلب بعضهم على مال بعض ويضرب قرابة زيد على أموال عمرو وهم طول الدهر على هذا الفن. وجميع زرعهم الحنطة والشعير وشجرهم الكروم والرمان واللوز ويوجد عندهم من جميع الفواكه والخيرات وأكلهم السمن والعسل. وهم في دعة الله وأمانه وهم فخوذ يرجعون إلى قحطان وغيرهم من الأنساب.
وأما ذهبان
فهي أم القرى بلاد عز ويقال إنّ دور أعمالها أربعون فرسخاً وهي نجد اليمن والأصح أطراف أعمال نجد اليمن من شرقي تهاما وهي قليلة الجبال مستوية البقاع. ونجد اليمن غير نجد الحجاز غير أن جنوب نجد الحجاز يتصل بشمال نجد اليمن. وإلى بلاد قحطان أربع فراسخ وإلى راحة بني شريف فرسخين وادٍ فيه وضعت مدينة البصرة ويسمى درب العقيق. وإلى صعدة عشرين فرسخاً وهي مدينة ذات عمارة وأرض نزة ودرب آمن. قال ابن المجاوز: وفي هذا الطريق من الأمم والبلاد والمدن والقرى ما لا يعد ولا يحصى ول تحويه أقلام الدواوين أي في صنعة الحساب. وشرب أهل البلاد من أنهر سائحة وبعضهم يشرب من آبار ماؤها خفيف على افؤاد ذات هضم ولذة.
من الطائف إلى مكة
راجع من الطائف إلى حدب الرنج فرسخان وهو كهف جبل، وإلى الطود الأعظم ثلاث فراسخ جبل طويل وهو الذي يسمى الحجاز.
ذكر الحجاز
قال الأصمعي: سميت بذلك الحجاز لأنها احتجزت بالحرار الخمس منها حرة بني سليم وحرة واقم، ويقال احتجز الرجل بإزار أي شده على وسطه ومنه قيل حجزة السراويل وقول العامة حزة خطأ. وقال الخليل: لأنه فصل ما بين الغور والشام وبين البادية. وقال الجوهري: إنها حجزت بين نجد والغور. وقال أهل اليمن: مكة يمانية، والدليل على برهانه قول النبي (وقف على المتكا وقال: هذا شام وهذا يمن. وقال أهل الطائف: مكة تهامية لأن ما بين نجد وتهامة جبل يسمى الطود الأعظم فكل ما غرب منه فهو تهامة وما شرق فهو نجد. وقال أهل العراق: مكة أرض الحجاز. قال ابن المجاور: إنّ الطود الأعظم على هذا الوجه هو الحجاز بعينه لأنه حجز ما بين نجد وتهامة، ويقال إنه جبل متصل إلى اليمن. وديار العرب هي الحجاز التي تشتمل على مكة والمدينة واليمامة ومخاليفها ونجد الحجاز المتصل بالبحرين.
وليس في سائر الأقاليم أطيب منه ولا من جوه وهواه، كما قال:
إسكندرية داري ... لو قر قراري
لكن ليلى بنجد ... وبالحجاز نهاري
стр. 16
وبادية الشام واليمن المشتملة على تهامة ونجد اليمن وعمان ومهرة وحضرموت وبلاد صنعاء وعدن وسائر مخاليف اليمن. فما كان من حد السرين فهي تنتهي إلى ناحية يلملم حتى تنتهي إلى ظاهر الطائف ممتداً إلى بحر اليمن إلى بحر فارس شرقاً من اليمن فكيف ذلك نحو من ثلثي بلاد العرب. وما كان من السرين على بحر فارس إلى قرب مدين راجعاً إلى حد الشرق على هجر إلى جبل طيء ممتداً على ظهر اليمامة إلى بحر فارس من الحجاز ومدين وما كان من حد اليمامة إلى قرب المدينة راجعاً على بادية البصرة حتى يمتد على البحرين إلى البحر فمن نجد. وما كان من عبادان إلى الأنبار ونواحيها لنجد والحجاز على طيء وأسد وتميم وسائر قبائل مضر بادية العراق. وما كان من حد الأنبار إلى بالس ونواحيها لبادية الشام على أرض تسمى برية حسان إلى قرب وادي القرى والحجاز من بادية الجزيرة. وما كان من بالس إلى أيلة موجها للحجاز على بحر فارس إلى ناحية مدين معارضاً لأرض تبوك حتى يتصل بديار طيء من بادية الشام وعلى إنّ من العلماء من يقسم هذه الديار وزعم إنّ المدينة من نجد لقربها منها وإنّ مكة من تهامة اليمن لقربها منها.
من مكة إلى جدة
من مكة إلى عين أبي سليمن فرسخ، وهي عين جارية وقد غريس عليه نخل وشجر السدر. وإلى مقتلة الكلاب فرسخ. وكان السبب فيه أن لرجل من الأعراب كلباً فحمل الكلب على رجل من أهل الحلة فنيبه وعوره فقتل المنيوب الكلب، فجمع صاحب الكلب بني عمه وجمع المنيوب أهله وقام الحرب بين الفريقين ولا زالوا على قتالهم إلى أن قتل الجميع فعرف المكان بمقتلة الكلاب. وإلى الركابية فرسخ، وهي بئر حول جبلين على يسار الدرب تسمى رشان، وفيه بعض الأعراب يقول:
أيا جبلي رشان يالله خبراً ... متى جازكم بدر الحجاز معرضا
وإلى وحدة فرسخ، وكانت أرض مزروعة لبني البدرية فباعوها فاشتراها منهم سليمان بن علي بن عبد الله بن موسى واستخرج العين وقيل كانت العين على حالها فبقيت في أيدي القوم مدة زمان يستعملونها في إدراك الغلال فاشتراها منهم الشريف الحسين بن ثابت السديدي وغرس في جميع البلاد نخلا مقدار عشرين ألف نخلة والقوم ملاكها إلى سنة اثنين وعشرين وستمائة. وفي هذا التأريخ ملك الأمير طنبغا الملك الكامل ولاية الحجاز وملك نخل الأشراف مستهلكاً لها وأخذ هذا النخل في جملة ما أخذه والنخل رجع الآن سلطاني. ويقال إنما عرف حدة بهذا الاسم لأنه آخر حدود وادي نخلة والأصح أنه من وادي الصفراء. إلى القرين فرسخ، بناية الأمير هاشم وكان يوقف في الموضع رتبة الخيل يجيرون القوافل في الطرق وكان لهم على كل جمل دينار علوية، وهو حصن صغير مربع مبني على أكمة بالحجر والجص وقد بنى على دوره ثلاثة عشر برجا صغار تحتها بئر طيبة الماء عذبة، وإذا قل لماه في حدة فمنها يستسقي الماء أهل حدة. ويقال سمى القرنين وقرنين إلا أنه اقرن نصف الطريق ما بين مكة وجدة، ويقال أقرن ببنائه العدل والأمن. وإلى كتانة فرسخ، يقال إنّ الله اهلك الحبشة الواردين بالفيل من صنعاء بهذا المكان. وإلى الثدين ميل وهو بين جبال عوالي آخر الوطأة وأول الأودية وقد كان قصر بني بالجص والحجر والآن خراب. وإلى وادي السدرة فرسخ وهي شجرة سدر صغيرة على أيمن المحجة ومنها رجع النبي (، وكل من يجوز الوادي يأخذ من أوراقها لأجل البركة ولم تبرح السدرة على حالها لم ينقص منها شيء إلى الآن. وإلى الغار نصف فرسخ. وإلى الفج الأخضر نصف فرسخ. إلى الفرع نصف فرسخ. وإلى مثوب نصف فرسخ. وإلى أبو الرحم ميل وهو جبل صغير على ايسر الدرب. وإلى النهود ميل وهم اثنا عشر رجلاً متفرقين شبه الهنود. وإلى المينة نصف فرسخ وتسمى الحديبية، ويقال أن النبي (وصل إلى هذا فصار كلما سار تبعد عليه الطريق فرجع منها وقال: ما أبعدك لا قربك الله! والموضع سبخة طويلة في أرض وطيئة مثل الكف. وإلى جدة نصف فرسخ.
بناء جدة
стр. 17
حدثني موسى بن مسعود النساج الشيرازي قال: لما أسلم سلمان الفارسي رضه تسامعت أهلوه بالخبر فقصدوه وأسلموا على يد رسول الله (وسكنوا جدة لأنهم كانوا تجاراً، وقال بعضهم: بل هي بناء حرد بن وبربر بن يزدجرد بن شهريار بن بهرام. ومما ذكره أبو عبد الله محمد بن أسحق بن عباس في كتاب الفاكهي قال: أوّل من أتخذ جدة ساحلاً عثمان بن عفان وكان قبل ذلك بموضع يسمى الشعيبة. قال ابن مجاور: والشعيبة هو خور عظيم ومرسى قديم مقابل وادي المحرم لا شك أنه كان قبل جدة لأن ما في تلك النواحي مرسى أدنى منه ولا أمن عاقبة. قالت العجم: فلما خربت سيراف انتقلت أهل سيراف إلى سائر سواحل البحر كما تقدم ذكره فوصل قوم منهم اثنان أحدهما يسمى سيار والثاني مياس فسكنوا جدة وأداروا على البلد سوراً من الحجر انضم بالجص. فلما ابتدءوا في المقام بها بنوا هذا السور وجعلوا عرض الحائط عشرة أشبار فبقي السور على حاله حتى تمكنوا من المقام بنوا على وجه السور سوراً ثانياً من الحجر الكاشور منقوش أي منحوت مربع بالجص وجعلوا عرض الحائط خمسة أشبار فصار عرض الحائطين الملتصقين بعضهما إلى بعض خمسة عشر شبراً. وركب عليه أربعة أبواب: باب الرومة، وباب المدبغة وكان عليه حجر حفر فيه طلسم إذا سرق في بلد سارق وجد بالغداة اسم السارق مكتوب في الحجر، وباب مكة، وباب الفرضة مما يلي البحر. وحفر حوله خندق عظيم في الوسع والعمق. فكان يدور ماء البحر حول البلد ويرجع ما فضل منه إلى البحر والبلد فيصير شبة جزيرة في وسط لجج البحر. فلما حصنوا الفرس البلد غاية التحصين خافت القوم من ضيعة الماء فبنوا ثمانية وستين صهريجاً داخل البلد وبنوا بظاهر البلد مثلها والأصح أنه بنى بباطن البلد خمسمائة صهريج وبظاهر البلد مثلها والله أعلم.
ذكر بعض الصهاريج
أبو الطبن عامر والمرباني والحفيرة والنخيلات وصهريج بكر والحجري والصرحي وصهريج السدرة والحوار والفرحي وصهريج يحيى الشريف والودية والمبادر وصهريج البيضة والبركة وصهريج أم ضرار وصهريج بركات وصهريج سليمان العطار والطولاني والعرضاني. فكان إذا وقع الغيث وامتلأت منه الصهاريج التي بظاهر البلد كانت العبيد تنقل ماء الصهاريج على الدواب فتقلبه في الصهاريج التي عندهم في الدور. وكذلك صهريج الأخميني وصهريج الأبنوس وصهريج ردرية وصهريج محمد بن القسم. وكان يبقى الماء عندهم من العام إلى العام وهم في أكل وشرب وغسل وهزل وجد وهرج ومرج.
ذكر خراب جدة
انفذ أصحاب مكة إلى شيخ التجار بجدة وطلب منه حملاً حديداً، فقال الشيخ للغلام وهو واقف عنده: أعطه حملاً حديداً! فجاء الغلام فأعطى الرسول حملاً حديدا. فلما فتح الحمل الحديد قدام الأمير بمكة وجده قضبان ذهب، فرد الرسول راجعاً وقال: قل للشيخ يتفضل وينعم وينفذ إلي بحمل ثاني من حديد هذا العين. فلما علم التاجر بقصة الحال نادى الغلام وقال له: ما أعطيت الرجل؟ قال: حمل حديد اصفر من طول الخبأ وقد علاه الصدى من طول المدى. نتحقق الشيخ عند ذلك إنّ الحمل كان قضبان ذهب وعرف أن قد طمع فيهم، فقصد الشيخ إلى شيخ كبير كان عندهم في السن فشاوره في أمره وما يصنع. فقال له الشيخ: الذي عندي أنكم قوم موسرون فخذوا جميع ما تحتاجون إليه ويركب كل مركبه وينطلق في هذا البحر الواسع وأي موضع أعجب الرجل منكم نزله وسكنه بعد أن تخلون البلد جوف حمار أو كرأس ليس في خمار. فعند ذلك عبوا أمتعتهم في المراكب ورفع كل قلعه ودخلوا البحر وذلك في سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة. ويقال برواية أخرى إنّ العرب جاءوا وحاصروا القوم فلما قل عليهم الماء ركبوا مراكبهم وعدوا في البحر فسكن قوم منهم السرين والراحة وعثر والجرعة والدرعة ودهلك وبيلول وجدة من الجزيرة فرسان والمخاء وغلافقة والأهواب والثميد وجزيرة ذهبان وكسران وبندر موسى وباب موسى. فلما خلت الأرض من الأحباب ملكها الأعراب في دولة الأمير داود بن هاشم. قال أبن المجاور: ورأيت في المنام كأن قائلا يقول لي: ما استفتح جدة من الفرس إلا مضر بن هاشم والأصح شكر ابن أبي الفتوح. ومن عهدهم خربت واندرست وبقيت الآثار خاوية على عروشها كما قال الشاعر:
стр. 18
لا بلغ الله نفسي فيك منيتها ... إنّ كان بعدك بعد الدار غيرني
جعلت دمعي على ذكراك محتسباً ... والدمع عنوان ما يخفي من الخزن
وأقسمت مقلتي ما لا تظن به ... فالذكر يجري ويجري الدمع في سنني
وقال لي قد بانوا فقلت له ... قد فرق الله بين الجفن والوسن
ولأني بكر أحمد العبدي:
يا راقد الليل بالإسكندرية لي ... من يسهر الليل وجداً ثم أسهره
ألاحظ النجم تذكاراً لرؤيته ... وإنّ جرى دمع أجفاني تذكره
وأنظر البدر مرتاحا لرؤيته ... لعل عين الذي أهواه تنظره
وقال ابن الدمينة:
ألا يا صبا نجدٍ متى هجت من نجد ... لقد زادني مسراك وجداً على وجدي
لئن هتفت ورقاء في رونق الضحى ... على فنني غصن من البان والرندِ
بكيت كما يبكي الوليد ولم يكن ... جليداً وأبديت الذي لم يكن يبدي
وقد زعموا أن المحب إذا دنا ... يمل وأنّ النأى يشفي من البعد
بكل تداوينا فلم يشف ما بنا ... على أن قرب الدار خير من البعدِ
وقال آخر:
ليالينا بذي الأثلاث عودي ... لتورق في ربا الأثلاث عودي
فإن حديثكم في القلب أحلى ... وأطيب نغمة من صوت عودِ
ذكر فضيلة جدة
مما ذكره أبو عبد الله بن محمد بن اسحق بن عباس في كتاب الفاكهي قال حدثنا محمد بن علي الصائغ قال حدثنا خليل بن رجاء قال ثنأ مسلم بن يونس قال حدثنا محمد بن عمرو عن ضوء بن فخر قال: كنت جالساً مع عباد بن كثير في المسجد الحرام فقلت له: الحمد لله الذي جعلنا في أفضل المجالس وأشرفها! فقال: أنت في جدة الصلاة فيها بتسعة عشر ألف صلاة والدرهم فيها بمائة ألف وأعمالها بقدر ذلك يغفر الله للناظر فيها مد بصره. قال ابن المجاور: وما أظن هذه البركة إلا من جهة أم البشر حوى صلوات الله عليها لأنها مدفونة بظاهر جدة. وكان الفرس قد بنوا عليها ضريحاً بالآجر والجص محكماً فبقي إلى سنة إحدى وعشرين وستمائة فبعد هذا التاريخ تهدم وأرتدم بعضها على بعض ولم يعاد بناءه ورأيته عامراً قائماً وقد رأيته خراباً وقد ارتدم بعضه على بعض. وهو موضع مبارك مستجاب فيه الدعوة.
ذكر أخذ الجزية من المغاربة
حدثني إسماعيل بن عبد السيد بن السبع البغدادي قال: إنّ الأمير علي ابن فليتة بن قاسم بن محمد بن جعفر بن أبي هاشم كان يأخذ من المغاربة جزية في جدة إذا قدموا للحج، كان يأخذ من كل رأس سبعة يوسفية وزن كل يوسفي ثلاثة عشر قيراطاً وحبة بوزن مكة. وكان القواد يوزنون المغاربة أيضاً على كل رأس يوسفي في دية الكلب. والمجب لذلك أن جاء في جدة كاب فأخذ رغيف خبز فالتامت المغاربة فقتلوه فقامت القواد ليقتلوا المغاربة. فلما رأت المغاربة عين الهلاك أقروا على أنفسهم أن يزن كل واحد منهم يوسفي في دية الكلب. فتقرر ذلك عليهم فكانوا يزنون لأمير سبعة يوسفية ويوسفي للقواد وصار المبلغ ثمانية يوسفية على كل رأس. ومن لم يزن كانوا يأخذونه ويدلوه في صهريج من صهاريج جدة والأصح في صهريج مسجد الأبنوس ويقال أنهم كانوا يصيرونهم إلى جزيرة صندلة وقيل إلى جزيرة أبي سعيد ويعلقون أحدهم بحقوة وقد عرش بها أخشاب لهذا الفن. فإذا حج الناس وقضوا مناسكهم وأفاض كل راجعاً إلى مقصده فحينئذ يخرجوا المغاربة من الصهاريج والجور وقسطوهم على المراكب الراجعة إلى مصر والراجعة إلى عيذاب والقلزم.
سئل قائد من القواد: لم تأخذون منهم هذا اليوسفي وهم أشد الناس بخلاً وأنزق الناس في الخلق؟ قال: لقول الشاعر:
وخذ القليل من البخيل وذمه ... إنّ القليل من البخيل كثيرُ
стр. 19
قال الحسن بن محمد بن الحوت: ليس هو كذلك وإنما كان يزن أحدهم سبعة يوسفية ونصف كل يوسفي ستة وعشرين قيراطاً وحبتين بوزن مكة، وفي دية الكلب نصف يوسفي صار المبلغ ثمانية يعقوبية، أسس ذلك في دولة الأمير عيسى بن فليتة وبقى يحيى على حله إلى أواخر دولة الأمير مكثر. فلما كثرت الأقاويل ووصل هذا الخبر إلى مسامع العالم أنفذ صلاح الدين أبو المظفر يوسف بن أيوب إلى الأمير مكثر بأربعة آلاف إردب حنطة والأصح ستة آلاف أردب إلى جدة وإلى مكة وقال له: خذ هذا القدر وأترك عن المغاربة الجزية مع دية الكلب! فأزال الأمير مكثر ذلك كله سنة ست وثمانين وخمسمائة. وبقى الأمر على حاله في أيام الأمير قتادة بن إدريس بن مطاعم بن الكريم وأراد أن يرد الشيء إلى أصله يعني أخذ الجزية من المغاربة فأدركه الموت وارتفع عنهم. حدثني أبو الربيع سليمن بن الريع الطرابلسي قال: وكانوا ملوك الفاطميين يوزنون المغاربة جزية على كل رأس دينارين وقيراطين.
فصل
قال ابن المجاز: رأيت في المنام ليلة الثلاثاء ثالث عشرة ذي القعدة سنة أربع وعشرين وستمائة كأني حدثني الأمير ناصر الدين فاروت والي عدن وفي هذا التاريخ تولى إمرة الحج إضافة إلى ولايته الأولى وكان الحاج قد رجع من مكة إلى اليمن وكأنه يقول من حج ورجع إلى الهند يوزنه عبد الغفور بن أحمد بن محمد بن الصناديفي البصري جزية عن كل رأس أثنين وتسعين فيلي ولو أن الحاج عقال لما سافروا إلى الهند إلا في مركبي حتى كنت أعطيهم مقرعتي فيأمن فيامن القوم من شر عبد الغفور في أخذ الجزية منهم وبنو مهدي ولاة زبيد ما كانوا يستحلون أخذ المكوسات من ما خلا الحاج وإنهم كانوا يأخذون منهم مقام الدرهم ثلاثة دراهم.
ذكر الجار
وهو موسى قريب من جدة ترسي فيه المراكب الواردة من الديار المصرية وهو بحر أسود جيفة وموج هائل تبطل فيه حيلة السابح.
فصل
سمعت من ألفاظ جماعة بمكة وغيرها أنه وقع من يد بعض السراملة قدوم بهذا المكان فشد في وسطه جراب ونزل ليأخذ الفأس فلما غور في النزول سمع هاتفاً يقول له: إلى أين أنت نازل يا عبد الله؟ فقال: نزلت لأخذ ما أنفلت من يدي. فرد عليه الهاتف: انفلت من مركب بهذا المكان أنجر فهو في النزول إلى قيام الساعة. والله اعلم واحكم.
ذكر جزر الخيل
يقال أنه كان في قديم العهد لم يكن هذا بحر وإنما كان عرصة إلا إنه لا فرق بين بر العرب وبر السودان. فلأجل ذلك إن السودان كانت تملك إقليم اليمن جميعاً دئماً في زمن الجاهلية والإسلام. ولما كثر الماء في البحر وظهرت صعوبته من قريب صاروا يعدونه في المراكب، فلما عرق البحر هذه الأرض وكل موضع كان عليها رجع جزيرة في البحر يقال لها جزر المطارد أي مطاردة الخيل. ويقال إنّ العرب غي قديم الزمان كانوا يطاردون الخيل في قعر هذا البحر لم كان ناشفاً. ويقال مربط الخيل بهذه الأمكنة والعلف والشجر موجود.
صفة جدة
هي مدينة صغيرة على ساحل البحر وهي فضة مكة، وليس يمكن بها السكن لازدحام الخلق بها في أيام الموسم الحاج لأنه يلتام إليها من جميع أطراف بلاد العالم والربع المسكون والبحر المعمور من ديار مصر والمغرب والهند واليمن. وإذا قل الماء على أهلها نقلوه من القرين من نصف الطريق ما بين مكة وجدة. وأهلها من نسل العجم وبناءهم من الحجر الكاشور وخوص وكلها خانات. والخان المعروف بها خان البصر وهما خانان متقابلان بمخازن كبار. ويقال أنه بني بظاهرها الأمير شمس الدين طنبغا خان كبير عظيم ينة ثلاث وعشرين وستمائة. وكل من بنى بها بيت خوص يزن للسلطان في كل بيت في السنة ثلاث دراهم ملية. وأما الدور التي هي بالحجر والجص فليس عليها شيء لأنها ملك لأصحابها وفي تصرب أربابها. ويقال إنّها سميت جدة إلا إنّها دفن بها أم البشر حوى ﵍ فهي جدة جميع العالم فلما بني هذا البلد عرف باسم جدة أي حوى زوج أبي البشر ﵇. ويقال إنّها سميت بلاد العرب جزيرة لأحاطة البحار والأنهار من أقطارها وأرجائها فصارت بلاد العرب جزيرة من جزائر العرب.
ومن مكة إلى الرحالب
стр. 20
من مكة إلى القرين فرسخ، بناء الأمير هاشم. وإلى البيضاء فرسخين، وإلى أيدام ثلاث فراسخ، بئر حفره أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وجدده القائد الحسين بن سلامة. وإلى وادي المحرم ثلاث فراسخ ومنه يحرم حاج اليمن. وإلى فرع خمس فراسخ، أرض بني شعبة. ليس يلبس نسائهم إلا الأدم وذلك إنّ المرأة تأخذ طاقين من أديم تخيط بعضة إلى بعض وتقور فيه قوارة وتكتسيه فإذا مشت بان جميع بدنها من فوق ومن تحت، وإذا رأى غريب المرأة على ذلك الزي يقول لها: استري فيقول زوجها أكسها وإنّ كانت الورأة عريانة وهي لابسة فيقول له زوجها: اكسها فان كساها وإلا قتله لأنهم يقولون: من ستر غيره. ولم يكن في جميع العالم أصل من هؤلاء القوم ولا أسرف ولا أجرم ولا أخسر منهم في أخذ مال الحاج لأنهم يسمون الحاج جفنة الله، فإذا قيل لهم في ذلك يقولون: إذا حضر جفنة الله لخلقه أكل منه الصادر والوارد. وإذا قلت لأحدهم: قطع الله رزقك من الحرام يقول: لا بل قطع الله رزقك من الحلال! ما ترى عندنا من خير سوى هذه الجبال السود لا لنا زرع ولا ضرع ولا أخذ ولا عطاء، وجميع ما تعملوه انتم الحاج آخر جاء مقابل الكعبة من الفضائح والغنائم فسلطنا الله عليكم حتى نستقضي للحاج منكم الحق وثلث الباطل. ولذلك تقول العجم في أشعارها:
ازسيم عرابي نه بل آيد نه رباطي ... زيراكه همه توشه حجاج ريابند
وإلى السرين ثلاث فراسخ، بناية الفرس على ساحل البحر. وإلى وادي الأثلاث ثلاث فراسخ. وإلى حصارة خمس فراسخ. وإلى حلى سبع فراسخ، بلد فيه جامع ومنارة. وأول من أخربها غازي بن متكلان من بني حارث الكردي في أيام دولة سيف الإسلام طغتكين بن أيوب، وبقى المكان على حاله إلى أن أعاد بناءه موسى بن علي بن عطية وهو إلى الآن مالكها، وجميع هذه الأعمال لبني كنانة. وإنما أشتق اسم حلى من الحلي الذي جمعه السامري من بني إسرائيل في أيام هرون بن عمران ﵉ وجعل صورة عجل كما قال الله تعالى: (فأخرجَ لهم عجلاً جسداً له خوارٌ.) وفي مشارق هذه الأعمال قوم يقال لهم البهيمية وهم يرجعون في الأصل إلى آل عامر ويرجع آل عامر إلى سنحان. فإذا نزل بهم ضيف يقول له: بما تعشى؟ يقول: بكذا! وبم تغدى؟ وما يقدم له إلا ما طلب وإشتهى عليهم. فإذا تعشى يقول الرجل لزوجته: روحي أكرمي الضيف! فتجيء المرأة فتنام في حضن الضيف إلى الصباح بلا خوف ولا حذر ويقوم الصبح كل يغدو إلى شغله. فإذا خطب زيد بنت عمرو وأنعم له عمرو بإجاب القول دخل زيد إلى بنت عمرو وإستفضها وبات معها طول ليلته، فإذا أصبح خرج وترك نعلاه في بيت بنت عمرو فيعلم إنّه رضى بها فحينئذ يعقد عقد النكاح. وإن لبس حذائه وغدا علم عمرو أن زيداً لم يرض ببنته. وهذا من أجاويد هؤلاء القوم. ومصاغهم الصفر والحديد والرصاص ولبسهم الجلود المدبوغة وجواهرهم الودع ومهرهم قطع الطريق ومنع السبل. وإلى الدبساء خمس فراسخ. وثغر وادي عمق وهو سخل ويعرف بشرم الجارية، خور من البحر يخاض فيه مخاضة. وما عرف بها إلا إنّه خاضته الحجاج فلما توسطوه زلق جمل وعليه جارية وقعت الجارية في البحر فأخذها المد وراحت فعرف الشرم أي الخور بالجارية. وإلى ذهبان أربع فراسخ وسكانه عرب مجمعة من بني أسد وبني ريح وبني معاصم وبني رفدة إذا نزل بهم نزيل يقولون له: بؤس وساحق وعض وعانق، يعني صاحبة البيت، ولا تدخل معها أي لا تطأها فإذا أدخلت معها أدخلنا معك هذا الخنجر. ويسمى وادي الدوم وما سمى بذلك إلا لكثرة نخل الدرم بها وهو شجر المقل. وفي وادي الدوم يقول الشاعر:
وآخر عهدي منك يوم لقيتني ... بأسف وادي الدوم واثوب يغسلُ
ويرى جبل كدمل مما يلي البحر.
ذكر جبل كدمل
стр. 21
وهو نصف الطريق ما بين الحجاز واليمن وأول بطن عثر ويقال خبث عثر ويقال: كدمل وامرأته وحماره، وهم ثلاثة أجبال: جبل كدمل في البحر وفي لحفه جبل صغير يسمى الحمار ويقابله في البر جبل يسمى الكليتان والكليتان هي التي تسمى المأءة، فيقال: كدمل وزوجته وحماره. ولا شك إنّ هؤلاء كانوا جناً أو بني آدم مسخوا جالاً واحجاراً. وجبل كدمل هو في الأصل معدن الحديد. قال ابن المجاور: وكم سألت على إنّ أقع لهم على علم تحقيق فلم يحصل ذلك. وإلى بيض أربع فراسخ وهو وادي. وإلى الراحة أربع فراسخ، وتسمى محل أبي تراب وتسمى راحة المؤيد وهو المؤيد أحمد بن غنم بن قاسم بن غانم وهي قديمة بنتها الأشراف.
فصل
قال ابن المجاور: رأيت في المنام ليلة الخميس غرة رمضان سنة عشرين وستمائة كأني أقرأ كتابة على الحجر منقوش وكان الحجر بني في جملة أحجار محراب الجامع وإذا فيه مكتوب: إنّ الراحة والحوى بناء العجم. حدثني عبد الله بن محمد الراحي بزبيد سنة تسع عشرة وستمائة إنّه وجد على باب الراحة مكتوب: رب لا تذرني فرداً وأنت خير الوارثين. فخرج من المدينة هذه غشية يوم الجمعة ألف جرير يتبعها ألف بعير عليها ألف عذراء واصبح صباح يوم السبت فلا يدري أسماء رفعتهم أم أرض بلعتهم ولا علم لهم خبر، فاعتبروا يا أولي الأبصار ووجدنا أيضاً سطر مكتوب: بدلنا حمل دره بحمل بر وما مسنا ضر والله المستعان. ووجد مكتوب أيضاً في مدينة أبي سيار من أعمال حران: طلبنا البر بالدر فما وجدناه. وفي المدينة ثلاثمائة وستين بئراً على كل بئر صخرة عليها مكتوب: لا اله إلا الله موسى كليم الله، مع التالي لها: كلهن ينبشن وتحفر بيدك تشرب الماء. وإلى هجر أربع فراسخ. ومن هنا إلى حران يعرف بالدرب. ومن هذه الحدود إلى ربيد يسمون أهلها الشمة لأن هذه الأعمال تسمى في زبيد الشام وتسمى الساعد. وليل هذه الأعمال طيب ونهارها كرب فيقال: حرض ليلها طابة ونهارها مصلابة والله اعلم.
صفة زواج أهل هذه الأعمال
من يوم تدرك البنت إلى يوم تعرس لم يمكنوها من النتف بل تطول الشعرة مع طول الأيام وتربيتها إلى أن تضفرها دبوقة، ويقال إنّه يدهن ويسرح ويغسل بالسدر والطين أي الشعرة. فإذا كان ليلة عرسها ضفرت شعرتها دبوقتان وتشد كل دبوقة منهما في إحدى فخذيها وتجلى على زوجها. فإذا خلا بها وقعد منها مقعد الرجل مع المرأة فحينئذ يمسك الرجل تلك الدبوقتين ولا يزال يمدهما إلى أن يقلعهما من الأصل فإذا قلعهما استفضها بعد ذلك. فإذا أصبحت من الغد يزورونها قرابتها ومع كل واحدة منهن صحن زبد فيقولون لها: كيف حالك مع الرفة فتقول: بخير كبياع الدبية. وتداوي الموضع بالزبد ليرد عنها الألم لأنه يقلع الشعر مع الجلد وهذا زي القوم. وإلى الهاية ثمانية فراسخ، ومنها يجلب الزنجيل الطرى. وإلى المحالب فرسخين، وهي أرض عنترة العبسي وقومه ولها واد يسمى متور.
ذكر هبت الإمام أبي موسى
الأمين بالله هذه الأعمال. حدثني عبد الله بن محمد بن يحيى المهجمي قال: لما كثرت الأشراف بأرض الحجاز خرج منهم قوم إلى العراق في خلافة الإمام أبي موسى محمد الأمين بالله أمير المؤمنين ابن هارون الرشيد واستوهبوا منه أرض يقيمون فيها ويأكلونها فأقطعهم من مكة إلى الهلية طولا ومن صعدة إلى ساحل البر عرضا. فبقيت هذه الأعمال في أيدي القوم وهم في عيش هنئ يأتيهم رزقهم رغدا من كل جهة. وبقى يحيى بأساميهم إلى سنة خمس عشرة وستمائة، فضعفت القوم ودخلت عليهم يد الغزو فخرجوا من البلاد وخرجت البلاد من أيديهم وصارت في حوز الغز وفي قبضتهم. وأحد من تولى بهم من القوم الشريف المؤيد بن أحمد بن قاسم بن غانم وانقرضوا ولم يبق لهم في البلاد خبر، كم قيل:
عنا العقيق وأقوى منه معهده ... وحال ما فيه عما كنت اعهده
فما الوقوف بربع لا محاسنه ... نجلى ولا يومه يرجى ولا غده
من المحالب إلى صعدة
стр. 22
من المحالب إلى حردة ثلاث فراسخ. وإلى المدارة ثلاث فراسخ وهو واد الصما وبه الوحش الكبير. وإلى شمر فرسخين. وإلى قلحاح فرسخ. وإلى الأفور ثلاث فراسخ. وإلى الظهيرة فرسخين، ويعرف بوادي اليماني. وما سمى هذا الموضع بالظهيرة إلا إنّه ظهر في فم واديين في وادي مور وله من وادي حوث ووادي حرف أوّله وله من الجبال الشرقية. فإذا سال الوادي وصل جريانهما إلى الظهر في ساعة واحدة يحبس كلٌ صاحبه فكل من قوى على الآخر سده ورد جريانه ويبقى الآخر في السيل إلى أن يزول حدته فحينئذ يقوى العتاجز على القوي لقطع حدته ويخرب ولا يزالا على حالهما إلى أن يفرغ الواديين من جري السيول، وهذا دائم إذا صادف حد الواديين في ساعة واحدة. وإلى شطب خمس فراسخ، بناها آل برمك وقيل أواخر البرامكة الذين كانوا سكنوا هذه المدينة ويقال إنّ نسلهم باقون ولكن ضعفت بهم الحال وقلّ فيهم المال. وإلى حوث عشرة فراسخ، سرير ملك الشرف من آل الحسن ابن علي بن أبي طالب. وإلى صعدة أربعة عشر فرسخا وهو سرير ملك بن عبد الله ابن حمزة الحسيني.
من المحالب إلى زبيدة
من المحالب إلى المهجم ثلاثة فراسخ، ويقال إنما سميت المهجم بالمهجم إلا إنّ الأشراف كانت تهجم عليهم كل حين فكان القوم إذا رجعوا إلى أوطانهم سألوهم: أين سرتم؟ فيقولون: المهاجم. واسمها سردد وعليها سور وقد خرب واندثر ويشرف عليها جبل يحاكي عنان الأفق يسمى ملحان يغطي ذروته الغيم وقد بنى على أعلى ذروته مسجد يسمى الشاهر لأنه اشتهر برفعه على ما حوله من الأعمال. ويقال إنّه مسكن الخضر ﵇ وهو جبل عالي عاصي على الملوك باليمن. وبها من الحصون ما شاء الله شبه قطع الشطرنج يبان لناظره علوها من ابعد مكان، يعنى من تهامة. وأهلها قوم من آل الحمير ومنهم الذي يقول:
ستذكر قومي نجدتي ومكارمي ... وما فعلت قومي بقيس افاعلا
بنيت لهم مجدا من النجم والعلى ... وصاروا خيار الناس ثم الأقاولا
فحمير أرباب الملوك وخيرها ... فهم في قديم الدهر كانوا الأفاضلا
وفي هذا الجبل تنبت الشتمة. وإلى الكدراء خمس فراسخ بناها الملك دقيانوس على جاحف الوادي ما بين ارك وشجر. وحدثني عمر بن علي ابن مصبح قال حدثني يوسف بن الهمدان قال: إني قفزت حصاني جاحف الوادي فقفز قعره وكان عرضه يومئذ في ذلك العهد ثلاثة اذرع وغمقه مثل عرضه في أواخر دولة الحبشة وأوائل دولة بن مهدي والآن صار واديا عظيما يكون عرضه اكثر من ثلاثة آلاف ذراع لأن السيل أكله. ولم يكن في قديم الأيام واديا بل كان الوادي وسط المدينة وكان على البلد سور وخندق وأبواب. قال: وأهلها يشربون الماء من جاحف الوادي وللاستعمال يسقون من آبار عندهم لان مياه آبارهم مالحة ولم يبنوا دورهم إلا من اجر يخرجونه من الأرض من الردوم وطول كل اجرة نصف ذراع في العرض مثلها من بناء الأوائل. وحدثني عمر بن علي بن مصبح قال: جاء بعض الأيام سيل عظيم في بعض السنين وجاء السيل مع جريانه برجل ميت قد مصته الأرض وقد صار شبه الفد طوله سبعة اذرع وقيل خمسة اذرع مقلدا بسيف فقصوا الآثار فوجدوا إنّه كان دفن قائما في أيام دقيانوس الملك، واستدل على ذلك إنما كان القوم يدفنون موتاهم إلا قياما ويقال كذلك دفن إبراهيم الخليل ﵇، ودفن عبد المؤمن بن علي الكوفي ومحمد بن الحسين بن تومرت البربري في حصن الغار ويسمى حصن المهدية. وإنما يفعلون ذلك ليكون الملك قائما فيهم إلى يوم الدين وهذا هو الجنون بعينه.
ومما ذكره
عمارة بن محمد بن عمارة في كتاب المفيد في أخبار زبيد إنّ القائد الحسين ابن سلامة اختط مدينة الكدراء على وادي سهام واختط مدينة المعقر على وادي ذؤال. ويقال معاملة الكدراء من الدومتين إلى قرب المزحف طول إلى المسجد الذي بناه ابن وهب قريبا من القحمة وفي الجبل إلى البحر طول ودخلها كل يوم ألف دينار. ويسمى سهام كما قال:
أرى الشأم يدنو كل يوم وليلة ... ويبعد منى سردد وسهام
فروحي وقلبي في دمشق ومهجتي ... وجسمي منئ قد هواه سهام
وقال آخر:
стр. 23
مالي وصحبة سكان العقيق وهم ... إن عاهدوا غدروا أو ذكروا جحدوا
يا حبذا جاحف الوادي إذا لعبت ... فيه الغصون وغنى طيره الغرد
فصل
تولى أعمال الكدراء القائد بلال في دولة الأمير فاتك بن محمد ونشأ في عهده القائد فرج بن اسحق فكان يأكل ويشرب إلى أن عبر أكله الحد فضجر منه خاله بلال، فلما رأى ذلك خرج فرج بن اسحق ومعه عبد اسود وكانوا يقطعون الطرق ما بين حرض والمحالب مدة عامين ونصف. بيناهم في حالهم عاملوا إذا قال العبد الأسود لفرج: يا مولاي أخاف إذا وصلت مع بلال تنساني. فأنشد فرج قول الشاعر:
إنّ الكرام إذا ما ايسروا ذكروا ... من كان يألفهم في المنزل الخشن
فلا زال العبد يردد البيت إلى أن حفظه. فمات القائد بلال وطلب فرج ابن اسحق فلما حضر ولوه أعمال الكدراء فرجع في الأمر والنهي والأخذ والعطا. فلما طال البعد على العبد طلب سيده ودخل الكدراء فكتب البيت المقدم ذكره في رقعة وعرضها على فرج بن اسحق. فلما وقف على الرقعة طلب العبد وادخله وأحسن إليه غاية الإحسان وولاه موضعا يعيش فيه باقي عمره. وفيه يقول:
ظباء في الفلا سنحوا ... هم منحوا وما منحوا
وصادروا ثم ما صيدوا ... هم اخذوا وما صفحوا
هم قتلوا فتى وجدا ... وقالوا انهم مزحوا
ألا شلت رماتهم ... ألا يريدوا من جرحوا
فتيلا من سهامهم ... على دمه قد اصطلحوا
سقى الصهباء ممتزجا ... فمعتبق ومصطبح
ألا يا أيّها الركبا ... ن والركب الذي انتزحوا
بكم قد ضاقت الدنيا ... وضاق الأمر فأفسحوا
إلى الكدراء فأرتحلو ... وقائد جيشهم أمتدحوا
عليهم بابن اسحق ... ففي فرج لكم فرج
وفتح باب العطا على نفسه لكل قاصد ووافد ولكل داني وناءى فلامه الناس على ما يفعل في إتلاف الموال والمحصول، فأمر أن يكتب على داره:
من عز بز ولم تؤمن بوائقه ... ومن تضعضع مأكول ومذمومُ
لا بارك الله في مالٍ أخلفه ... للوارثين وعرضي فيه مشتومُ
وإلى القحمة فرسخ ونصف وتسمى ذؤال، وذؤال كل ما هو بين البحر والجبل من مقابله. ويوجد بها الموز الطيب والرمان المليح ويقال انه يجلب من جبال اللوي وإنّه فيها غير مملوك. ويقال إنّ المفاليس والفحمة على طالع وذلك إنّه إذا طهر في غرب البلاد فساد وبدا منهم خلاف نهب الأشعوب المفاليس ونهب المعازبة الفحمة في لمح الطرف لان هذه القبائل مقاومين لهاتين المدينتين وهم عصاه طغاة، وقد بنى جمال الدين علي بن الحسن بن وهب مقابل الفحمة على جبل حصن الأضوح في غرة سنة أثنين وعشرين وستمائة، وكان قديماً خربة ملك من ملوك العرب وجدد ابن وهب بناءه وأحكمه غاية الأحكام. ومن الفحمة إلى محل إبراهيم ثلاث فراسخ. وإلى سفاكا ثلاث فراسخ، وهو حصن بني على أعلى قلة جبل عاص على ملوك اليمن ومنه يجلب الحمر وهو التمر هندي إلى كل بلد. وفي هذه البلاد عقد لم نسلك لكثرة شجرها ووعرها ويقع من هذه العقد خشب يسمى الرقع يعمل منه النشاب ويسلف منه على النجارين من الديوان كل ألف فردة بدينارين ملكية. ويكون بهذه العقد النارنج والأترج والليمون والموز ضائع لا مالك له وهذه الأشجار بين انهار وعيون. ويوجد في مياهها الحيات العظام. وإلى زهران ربع فرسخ، حصن بنوه العرب في وطأة مثل الكف فاستفتحه الملك المسعود يوسف بن محمد سنة عشرين وستمائة.
ذكر الأودية التي يقطع منها الخشب
стр. 24
لأجل العمارات. من معاملة ذؤال وادي نبع ووادي ربمان ووادي عرم ووادي جباية والمداواة وفي وادي زبيد سخمل والفائشي وغابة شجره الإسحل والسيسان وبطحوات اليمن وادي نخلة خلاف وادي مكو وواسط، وفي أودية الشام ووادي الكدراء ووادي سردد ووادي مور وجميع هذه الأودية يقطع منه الخشب لأجل العمارة. وإلى فشال أربع فراسخ، ويعد سبعة تلول رمل وسبعة أودية. وأما فشال ففيه نحو ثمان مائة قرية ما يزرع أهلها إلا على المطر الدخن والذرة. وزرع الشيخ محمد بن معبد بها الحنطة والشعير وطلع سنة ثلاث وعشرين وستمائة وزرع أولاد أخيه العجل ومعبد الأرز فلما زرع بها وأحصد قلعه القوم من الأصول سنة أربع وعشرون وستمائة. وإلى وادي رمع نصف فرسخ، وهو وادٍ عظيم. وقد ذكر في الكتب: لا يزال السيل يأكل في الوادي إلى أن يصل الأكل إلى الخيف جبل ببرع فإذا وصله ظهر على القوم كنز ذهباً يستغني منه جميع أهل اليمن. وإلى قوفص نصف فرسخ، ويسمى وادي العرق وبه قتل الملك المسعود إسماعيل بن طغتكين بن أيوب. وإلى زبيد أربع فراسخ والله اعلم بالصواب. على ذروة جبل عالٍ مشرف على تهامة فكان يقعد في القصر وبنظر الأرض تحته شبه زمردة خضراء مع جري السواقي والأنهار. لأنه كان يقال: بها ستمائة ألف عين وقيل ستين ألف عين وقيل ستة آلاف عين والأصح ستمائة عين ويقال ستين عيناً سائحة على وجه الأرض كلها عذب فرات فمن نداوة الأرض رجعت الأرض مخضرة دائما ذات رياض وأشجار ووحش. فبقي الحمى على حاله إلى أن وقعت الحرب بين القوم أربعين خريفا والقصة مشهورة ولا حاجة إلى ذكرها. فجاء ملك بعد القوم ردم الأعين وسدد أعيتها ولا شك أنه معن بن زائدة الشيباني. على صحة مقالتها أن الحجريين الطاحونين الملقين على باب غلافة من زبيد كانت تدور على تلك المياه والأعين، وكان بها وخم من كثرة نداوة الأرض والمياه وكل أرض تكون على هذه الصفة تكون وخمة من كل بد. حدثني جعفر بن عبد الملك بن عبد الله ابن يونس الخزرجي الجرجاني قال: قدمت اليمن في دولة سيف الإسلام طغتكين بن أيوب وكنا نستقي الماء من الآبار بأيدينا ونشرب. فغار الماء في زماننا هذا سنة خمس وعشرين وستمائة إلى أن بلغ غمق البئر خمس عشرة قامة فزال الوخم وأعتدل الماء والهواء، والآبار التي في سكة المدينة طولها ستة عشر قامة وما حول البلد أثنى عشر قامة تزيد لا تنقص. وإما حدود حمى كليب ومهلهل فكان من الحجف إلى انف قونص إلى رأس رمع، وجميع جواز زبيد وأوديتها إلى حد النوبتين وقوارير طولاً في عرض مثله. فلما سدد الأعين وقل الماء طلع في الخبث شجر الأراك والطرفاء إلى أن رجعت عقدة عظيمة.
بناء زبيد
стр. 25
حدثني عبد الرحمن بن أحمد بن الراحي قال: كان في أرض زبيد عقدة طرفاء وأراك وكان حول العقدة قصور وقرى جماعة إحداها المتانة والنفير من غربي البلد مدينتين عظيمتين ومن جملة عظمهما أنه كان يخرج منهما في كل ليلة جمعة وخميس خمسمائة رقيص لزيارة الصالحين. وجنيجر شرقي البلد بناه دقيانوس. وواسط ما بين الغرب واليمن فكان يخرج من هذه البلد كل يوم ستمائة فارس يتلاقون في أرض زبيد التي هي الآن عامرة فبقوا على حالهم زمانا طويلا إلى أن مل بعضهم بعضا. وخرج مشايخ القوم إلى العراق في دولة الإمام أمير المؤمنين الأمين بن هارون الرشيد وعرفوه حالهم وخبرهم وقالوا له: نحن قوم من الأشاعر وجميعنا بنو عم ويجري بيننا قتال. فقال الأمين: من منكم الكبير؟ فأشاروا إلى رجل. قال: ومن بعده؟ فأشاروا إلى آخر. ولا زال يسألهم ويخبروه حتى عدد القوم خمسة جماعة. فولى الشيخ الكبير عليهم وقال للحاضرين: إذا مات هذا فيتولى من بعده الثاني وإذا تولى الثاني ثم مات فيتولى الثالث وإذا مات فلتولى الرابع فإذا مات الرابع فليتولى الخامس، وعقد للشيخ على أصحابه وبني عمه. وخرج القوم من مدين السلام بغداد راجعين فمات الشيخ الذي عقد له الأمين البيعة وتولى بعده الثاني فمات ثم تولى الثالث فمات فتولى الرابع فلما قرب من البلد مات الرابع فأبى الخامس أن يتولى فعزل نفسه خوفا من الموت فولاها رجلا من بني عمه، فلما دخل البلاد جباها وأنفذ بمال من خرج البلد إلى مدينة السلام. فلما كان ما كان من قصة الأمين وقتله وتولي المأمون الخلافة عصى الرجل المتولي في اليمن وتغلب على البلاد وقطعها وصار يرفع الدخل إلى خزانته. فلما كان سنة تسع وتسعين ومائة أتى إلى المأمون بقوم فيهم رجل من ولد عبيد الله بن زياد فانتسب أحدهم فقال اسمه محمد بن فلان بن عبيد الله ابن زياد إلى عبيد الله بن زياد وانتسب منهم رجل إلى سليمان بن هشام ابن عبد الملك، ومن هذا الرجل الوزير جلف بن أبي الطاهر وزير جياش ابن نجاح. فقال المأمون لهذا الأموي: إنّ الإمام أبو جعفر المنصور عبد الله ابن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ضرب عنق سليمان بن هشام وولديه في يوم واحد. فقال الأموي: أنا من ولده الأصغر سليمان ومنا قوم بالبصرة. وأنتسب رجل إلى تغلب واسمه محمد بن هارون فبكى المأمون وقال: أني لي بمحمد بن هارون؟ يعني وافق اسمه اسم أخيه محمد الأمين بن هارون الرشيد. فقال المأمون: أما الأمويان فيقتلان وأما التغلبي فيعفى عنه رعاية لاسمه واسم أبيه. قال ابن زياد: وما أكذب الناس يا أمير المؤمنين يزعمون أنك حليم كثير العفو متورع عن سفك الدماء بغير حق، فإن كنت تقتلنا بذنب فلم ننزع يداً من الطاعة ولم نفارق في بيعتك رأي الجماعة، وإن كنت تقتلنا يا أمير المؤمنين بجنايات بني أمية فيكم فالله تعالى يقول (ولا تزرُ وازرةٌ وزرَ أُخرى.) فاحتسب المأمون كلامه فعفى عنهم جميعا وكانوا اكثر من مائة رجل. ثم أضافهم إلى أبي العباس الفضل بن سهيل ذي الرئاستين ويقال إلى أخيه الحسن بن سهل.
стр. 26
فلما بويع لإبراهيم بن المهدي ببغداد في المحرم سنة اثنتين ومائتين وافق ذلك ورود علم اليمن بخروج الأشاعر عن الطاعة، فأثنى الحسن بن سهل على محمد بن زياد وعلى المرواني وعلى التغلبي عند المأمون وإنهم من اعيان الرجال وأفراد الكفاءة وأشار بتسييرهم إلى اليمن يعني أن ابن زياد يكون أميرا وابن هشام وزيرا والتغلبي حاكما مفتيا. فمن ولد التغلبي محمد بن هارون قضاة زبيد وهم بنو أبي عقامة، ولم يزل الحكم فيهم يتوارث حتى أزالهم علي بن المهدي حين أزال دولة الحبشة. فخرج الجيش الذي جهزه المأمون إلى بغداد لمحاربة إبراهيم بن المهدي. وحج ابن زياد ومن معه سنة ثلاث ومائتين وسار إلى اليمن وفتح تهامة بعد حروب جرت بينه وبين العرب وإختط زبيد في شعبان سنة أربع ومائتين، وفي هذا التاريخ مات الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي بمصر. وحج من اليمن جعفر مولى ابن زياد بمال وهدايا سنة خمس وسافر إلى العراق فصار المأمون بها فعاد جعفر هذا في سنة ست إلى زبيد ومعه ألف فارس من مسودة خراسان وسبعمائة فارس. فعظم أمر ابن زياد وملك إقليم اليمن بأسره الجبال والتهائم وتقلد جعفر هذا أمر الجبال وأختط بها مدينة المذيخرة وهي ذات أنهار، والبلاد التي كانت لجعفر تسمى إلى الآن مخلف جعفر. وكان جعفر هذا أحد الكفاة الدهات وبه تمت دولة ابن زياد، وهذا الذي أشترط على العرب بتهامة أن لا يركبوا الخيل. وملك ابن زياد حضرموت وديار كندة والشحر والمرباط وأبين ولحج وعدن والتهائم إلى حلى، وملك من الجبال الجند وأعماله ومخالف جعفر ومخالف المعافر وصنعاء وصعدة ونجران وبيحان. وواصل ابن زياد الخطبة لبني العباس وحمل الأموال والهدايا السنية هو وأولاده من بعده وهم أبراهيم بن محمد هذا الذي هو الملك وأقام في الملك بعده زياد بن إبراهيم فلم تطل مدته ثم ملك بعده أخوه أبو الجيش إسحاق بن إبراهيم وطالت مدته، فلما أسن وبلغ الثمانين في الملك تشعب عليه من دولته بعضها فممن أظهر ما يكره ملك صنعاء وهو من أولاد التبابعة من حمير واسمه يوسف بن أسعد بن يعفر ولكنه كان يخطب لأبي الجيش ولأبنيه وكانت ترفع أموال هذا أسعد بن يعفر لا تزيد على أربعمائة ألف دينار في السنة يصرف بعضها في المروءة ولقاصديه. وأما صاحب بيجان ونجران وجرش فهم أيضاً بأن يخرج من طاعة ابن زياد وهم صاحب صعدة فثار بها الشريف الحسني المعروف بالرسي.
ويقال في رواية أخرى: إنّ أمير المؤمنين محمد الأمين ولى محمد بن زياد بن محمود بن منصور اليمن فجاء محمد بن زياد إلى أرض الخصيب فوجد قوما يقتتلون في كل يوم إلى ضحوة نهار ويفترقون فدخل بينهم وأصلح بينه. وبنى قصرا على باب غلافقة وآثاره إلى الآن باقية فسكن فيه وأشترى ألف عبد. ويقال بل جاء بعساكر عظيمة من العراق وقال لهم: إذا دخل القوم للضيافة فالسيف عليهم! ونادى في مشايخ البلاد وكبار القبائل من الأشاعر وقدم لهم طعاما قد أحضر. فلما أشتغلوا بالأكل والتناول لبست العبيد وركبوا السيف من حضر فلم ينج منهم أحد، وركب على من كان حولهم من العربان من أهل القرى والعمارات. ولا زال على حاله إلى أن رجعت الخلق تستجير به من كان في طاعته كان يترك على رأسه أثر وهو قلنسوة من خوص النخل على هذا الوضع: " رسم ص ٦٩ " يعني لحرث الأرض فحرثت الخلق وعمر المكان وبقى الأثر والمهار سُنَةً إلى الآن. حدثني أحمد بن سعيد بن عمرو بن عويل قال حدثني شيخ كبير قد ناطح عمره المائة قال حدثني أبي عن جدي قال: إني كنت أرعى البقر عند مسجد الأشاعرة وبها عقدة شجر وغدير ماء. ويقال لمّا تعدى ابن زياد مكة صار كل منزل ينزله يأخذ تراب أرضه ويشمه ويبني في ذلك المنزل قرية، ولا زال على حاله إلى أن قدم أرض الحُصيب فأخذ من أرضه كف تراب فشمه وقال لأهل الدولة: أقيموا بنا هاهنا! قالوا: ولم؟ قال: لأن هذه الأرض أرض نزه زبدة هذه البلاد. قالوا: وبم صح عندك ذلك؟ قال: لأنها طيبة بين واديين يعني وادي زبيد ووادي رمع. فلما سكن المكان بناه مدينة سماها زبيد إلا أنها الزبدة على ما جرى في اليوم الأول.
فصل
стр. 27
قال عبد النبي بن علي المهدي للحاضرين: إني أتحسب من أهل هذين الواديين. قالوا: وما رأيت من عجائبه؟ قال: رأيت كل خلق الله من الرجال يميل طبعهم إلى النحولة والذكورة إلا من سكن بين هذين الواديين فإن طباعهم مائلة إلى الخنث وخصال النساء. قالوا: وبم تحقق عندك ذلك؟ قال: كل من الخلق يميل إلى ما يصلح به دينه ودنياه إلا أهل زبيد فإنهم مائلون إلى الأكل والشرب والملابس النظاف والمركوب الواطئ وشم الطيب وميل طباعهم إلى النساء اكثر من ميل طباعهم إلى الرجال. فقال بعض من حضر المجلس: ما وضعت بين واديين إلا كرجل يسكن بين امرأتين يميل إلى من مالت نفسه وسكنت جوارحه إليها. قال ابن المجاور: ومعضم رجالهم يتحدثون ويغانجون ويتمنطعون ويتقصفون تقصيف النساء في الحديث والحركة. حدثني أحمد بن علي بن عبد الله الجماعي الواسطي قال: ملك اليمن ملك من التبابعة يسمى الزبا فسأل رجل آخر فقال: ما فعل الله بزبا؟ فقال: بيد أي هلك فسمى البلد زب بيد. وقال آخرون: إنما سميت زبيد لأن لها واديا يسمى زبيد فسميت البلد باسم الوادي. وقال آخر: بل كانت الإبل ترعى في العقدة وفي جمع الإبل ناقة تسمى زبيد عضت الناقة في الغقدة فعرف الموضع باسم الناقة. وأما العقدة فصحيحة بقى إلى الآن شجر الأراك كثير مما يلي ادرب وخصوصا موضع يسمى حافة مسجد الهند وغيرها من المواضع. وقال آخرون: بل كانت امرأة تسكن رأس وادي زبيد تسمى زبيدة. وقال ابن المجاور: ما أظنها إلا زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور فإن محمد المنصور بن زياد بنى لها دارا ما بين وادي زبيد ورمع وهي التي سعت في بناء المكان في دولة أمير المؤمنين الأمين.
ذكر تمام قصة آل زياد
لمّا مات الحسين بن سلامة انتقل الأمر إلى طفل من آل زياد واسمه عبد الله وكفلته عمته وعبده أستاذ الدار واسمه مرجان وهو من عبيد الحسين بن سلامة. فاستقرت الوزارة لمرجان وكان له عبدان فحلان من الحبشة رباهما في الصغر وولاهما في الكبر أحدهما يسمى نفيس وهو الذي تولى التدبير في الحضرة والثاني يسمى نجاح وهو جد ملوك زبيد الذين أبادهم علي بن المهدي سنة أربع وخمسين وخمس مائة. ونجاح هذا هو أبو الملك سعيد الأحول قاتل علي ابن محمد الصليحي القائم في اليمن بالدعوة المستنصرية وهو أيضاً أبو المكرم الفاضل أبي الطامي جياش، ولم يزل الملك في عقب جياش المذكور إلى التاريخ المذكور. فكان نجاح يتولى أعمال الكدراء والمهجم ومور والواديين، هذه الأعمال الشامية والأعمال الشمالية عن زبيد. ثم وقع التنافس بين نفيس ونجاح عبدي مرجان على وزارة الحضرة، وكان نفيس ظلوما غشوما ونجاح عادلا رؤفا إلا أن مولاهما مرجان يميل مع نفيس على نجاح. ونم إلى نفيس إنّ إبراهيم بن زياد مولاه وعمته كاتبا نجاحا وإنّها تميل إليه فشكى فعلها إلى مولاه مرجان فقبض مرجان عليها وعلى ابن أخيها إبراهيم بن زياد وهو آخر بني زياد ودفعهما إلى نفيس فبنى عليهما جدارا وهما قائمان يناشدانه الله حتى ختم عليهما. وزالت دولة بني زياد وانتقلت إلى عبيد عبيدهم فتكون دولة بني زياد في اليمن مائتين وثلاث سنين لأنهم اختطوا مدينة زبيد سنة أربع ومائتين وزالت عنهم سنة سبع وأربعمائة.
فصل
стр. 28
وكانت بنو زياد لمّا أتصل بهم أختلال دولة العباسية من قتل المتوكل وخلع المستعين تغلبوا على ارتفاع اليمن وركبوا بالمظلة وساسوا قلوب الرعية ببقاء الخطية لبني العباس. فلما قتل إبراهيم بن زياد وقبض على عمته تملك نفيس وركب بالمظلمة وضرب السكة باسمه واسم الحسين بن سلامة. فلما إنتهى إلى نجاح ما فعله نفيس في مواليه ركب وقصد نفيسا إلى زبيد فجرى بينهما عدة وقائع منها يوم رمع ويوم فشال على نجاح ومنها يوم العقدة ويوم العرق وفيه قتل نفيس على باب سهام وقتل بين الفريقين خمسة آلاف رجل. وفتح نجاح زبيد في سنة إثني عشر وأربعمائة، وقال نجاح لمرجان: ما فعل مولاك بموالينا؟ قال: هم في ذلك الجدار. فأخرجهما نجاح وصلى عليهما وبنى عليهما مشهدا وأدخل مرجانا في موضعهما فبنى عليه وعلى جثة نفيس حائط وركب نجاح بالمظلة وضرب السكة باسمه وكاتب أهل العراق وبذل الطاعة فبعث له ولقب المؤيد بنصر الدين وفرض إليه تقليد القضاء والنظر في الجزيرة اليمنية. ولم يزل نجاح مالكا للتهائم وقاهرا لأهل الجبال وكوتب وخوطب بالملك وبمولانا، ومن أولاده سعيد وجياش ومعارك والذخيرة ومنصور فتغلبت ولاة الحسين بن سلامة على الحصون، فتغلب على عدن ولحج وأبين والشحر وحضرموت بنو معن بن زائدة، وقيل من غير ولد معن بن زائدة الشيباني وتغلب على السمدان وعلى حصن السواء والملوة وصبر وحب والنعكر ومخلاف الجند ومخلاف المعافر قوم من حمير يقال لهم بنو الكرندي. وتغلب على حصن حب وحصن عزان وبيت عز وحصن الشعرين وحصن أنور والمقيل والسحول وحصن خدد والشوافي السلطان أبو عبد الله الحسين التبعي. وتغلب على حصن أشبح وهو مقر الداعي سباٍ بن أحمد الصليحي وعلى مقري وحصون وصاب ومخاليفها قوم من البكيل وهم من همدان. وتغلب على صنعاء ومخاليفها قوم همدان. وتغلب على حصن مساره وجبل تيس قوم من حراز ومنه ثار الصليحي بدعوة المستنصرية. وبعهدهم تولى الحسين بن سلامة ومات في سنة اثنتين وأربعمائة. وتولى بعده الأمير علي ابن محمد الصليحي وقتل في الثاني عشر من ذي القعدة سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة. وتولى بعده الملك السيد الأعظم عظيم العرب المكرم أحمد بن محمد ابن علي الصليحي ومات في سنة أربع وثمانين وأربع مائة وأسند الدعوة إلى سبا بن محمد أحمد بن المظفر بن علي الصليحي. وتولى بعده سعيد الأحول وقتل تحت حصن الشعرين سنة إحدى وثمانين وأربعمائة. وفي هذه السنة خرج أخوه جياش بن نجاح وخلف بن أبي الطاهر الأموي الوزير مسافراً إلى الهند. وأول من أدار سور زبيد الحسين بن سلامة وبعده الحبشة.
وتولى بعده ذهابهم الشيخ علي بن المهدي القريتي وقعد على سرير الملك يوم الجمعة الرابع عشر من رجب سنة أربع وخمسين وخمس مائة وأقام بها علي بن المهدي بقية رجب وشعبان ورمضان ومات في شوال من سنة، فكان مدة ملكه شهرين وأحد وعشرين يوما. وأدعى الخلافة وفيه يقول:
سير الأنام قديمها وحديثها ... فرح القلوب وروضة المنتزه
أشهى من الماء الزلال على الظمأ ... وألذ من عصر الشباب الامره
فاليوم يحتج الخليفة بعده ... بالقائمين الهاديين وزهره
شبليه سبطيه اللذين إليهما ... شرف الإمامة والخلافة وينتهي
стр. 29
ويعني بهما معاذ وعبد النبي فإنهما توليا على زبيد وبعض الجبال مدة ستة عشر سنة وأرادوا على زبيد سوراً ثالثاً. وبعدهم ملك الغز البلاد فأول من ملكها شمس الدين والدولة توران شاه بن أيوب عامين، وبعده سيف الدولة مبارك بن كامل بن مقلد بن منقذ وبعده أخوه خطاب عامين. وبعده سيف الإسلام طغتكين بن أيوب، أدار على البلد سورا وركب على السور أربعة أبواب: باب غلافقة ينفذ إلى غلاففة، وباب سهام ينفذ إلى سهام، وباب الشبارق ينفذ إلى حصن قوارير، وباب القرتب ينفذ إلى الجبل، بالطين واللبن في عرض عشرة اذرع. قال أبن المجاور: عددت أبراج زبيد فوجدتها مائة برج وتسعة أبراج بين كل برج وبرج ثمانون ذراعا ويدخل في كل برج عشرون ذراعا الأبراج فإنه مائة ذراع يصح دور البلاد عشرة آلاف ذراع وتسعمائة ذراع. وأقام متمكنا ستة عشر سنة. وحدثني بعضهم في مسجد السدرة يوم الخميس عشر من ذي القعدة سنة أربع وعشرين وستمائة قال: إنّ سيف الإسلام أراد أن يدير حول البلد سوراً ثانيا. ذا طول وسعة وأمر الجند أن يسكنوا ما بين السورين بدوابهم وأموالهم فلما بني السور وفرغ منه مات ولم يمكنه مراده. فتولى بعده الملك المعز إسماعيل بن طغتكين ست سنين، وبعده الأكراد ستة، وبعدهم أتابك سنقر عشر سنين، وبعده الملك الناصر أيوب بن طغتكين عامين، وبعده الخواتين ثلاثة شهور، وبعدهن غازي بن جبريل ثلاثة أيام ويقال سبعة أيام، وبعده سليمان شاه بن عمر بن شاهنشاه بن شاذي، ويقال سبعة شهور وبعده الملك المسعود يوسف بن محمد بن أبي بكر بن يعقوب.
ذكر الجنابذ وقتل الصليحي
هي ثلاث قباب مبنيات بالآجر المحكوك والجص قريب بعضها من بعض يكون ما بين كل واحد إلى الآخر مقدار أربعة أذرع، بناه الأمير علي بن محمد الصليحي. وأراد أن يبني من زبيد إلى مكة في كل مرحلة من المراحل مسجدا ورباطا يذكر به بعد موته ولا زال يبني إلى أن وصل المهجم ونزل بظاهرها بضيعة يقال لها بئر أم الديهم وبئر خيمة أم معبد. قال سعيد الأحول بن نجاح: لمّا دخلنا إلى المخيم لم يشعر بنا إلا عبد الله بن محمد فركب وقال: يا مولاي أركب فهذا والله الأحول بن نجاح والعدد الذي جاء به كتاب اسعد بن شهاب البارحة من زبيد. فقال الصليحي لأخيه عبد الله: إني لا أموت إلا ببئر أم الدهيم وخيمة أم معبد، ظانا أنها أم معبد التي نزل بها النبي (حين هاجر ومعه أبو بكر. فقال رجل لعلي: قاتل عن نفسك فهذه والله بئر أم الديهم بن عبس وهذا المسجد هو خيمة أم معبد بنت الحارث العبسي. قال جياش: فأما الصليحي فأدركه رفق اليأس من الحياة فأراق الماء في سراويله ولم يرم من مكانه حتى قطعنا رأسه بسيفه وكنت أول من طعنه وشركني فيه عبد الملك بن نجاح بطعنة وأنا جزرت رأسه بيدي ونصبته في عود المظلة. وفيه العثماني يقول:
ما كان أقبح وجهه في ظلها ... ما كان أحسن رأسه في عوده
стр. 30
ودخل سعيد إلى زبيد يوم السادس عشر من ذي القعدة سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة. وقتل سعيد الأحول في وقعة حصن الشعرين سنة إحدى وثمانين وأربعمائة. فلما زالت دولة بني لصليحي والحبشة وملك مملكتهم علي بن المهدي وتولى بعده بنو مهدي عبد الله ومعاذ وعبد النبي فبنوا لعبي ضريحا فكانوا يقولون لعساكرهم المهاجرين والأنصار ويقولون: طوفوا حول تربة الشيخ علي بن المهدي كما تطوفون بروضة النبي (. وقالت العامة: جبل قوارير عفات والجنابذ الكعبة والبئر بئر زمزم وهذه التربة روضة محمد (. ويقال إنّ سيف الدولة أخذ من الجنابذ ملا عظيما، والآن يسكن فيه قوم من الفقراء من ذرية الشيخ محمد بن أبي بكر بن أبي الباطل الصيرفي وقد أدار حول الجنابذ بدر الدين محمود بن جماز الفلاح المصلي حائطا مربعا. وقد بنى جمال الدين أبو الحسين علي بن محمد بن وهيب درجا يصعد فيها إلى فوق القباب بحماره. فكان أهل زبيد يقولون إذا رأوه على ذلك: محمد قد ركب البراق وصعد إلى أعلى عليين، وكان آخرون يقولون ركب عيسى حماره. ويقال لمّا بنيت مساجد وقيل تربة بعض أهله وكتب داخل القباب بالذهب واللازورد ونقش في الجص نقشا يبقى ببقاء العالم على هذا الوضع. قال ابن المجاور: وصلت إلى المسجد في أواخر ذي الحجة سنة ست وعشرين وستمائة. وشاهدت مقتل الصليحي وكان قد بنى على أكمة كانت بالقرب منه مسجد يسمى مسجد عرفات ولم يبق من المسجد ألا رسوم وأطلال. وجميع تلك الأراضي التي هي حول المسجد ملك القاضي إبراهيم بن صالح الحاكم بالمهجم. وهذه صفة مدينة زبيد والله سبحانه أعلم وأحكم.
صفة دار شخار بن جعفر
لمّا أقام أبن زياد في زبيد بني شخار بن جعفر دار الملك في زبيد ذات طول عرض بالآجر والجص بناء وثيقا على مقاطع الطريق وكل من تولى بزبيد سكنها وكان له باب عالٍ بالمرة ينظرون منه من في الطريق على فرسخين، وحفر حوله خندق عظيم عريض. وبقى الباب على حاله إلى أن هدمه المسعود يوسف أبن أبي بكر سنة ثمان عشرة وستمائة. ويقال إنما سعي في هدمه إلا الأمير أبيك العزيزي فلما هدمه اخذ آجره بني به دورا وكل ما بني من آجره انقطع ذلك البناء من الأساس، وقد بقي إلى الآن آثار ذلك الباب والدرجة شبه الحبل العالي والله اعلم.
ذكر انقطاع العرب من تهامة
لمّا كثر نزول العرب بها قام القائد ريحان الكهلاني مولى سعيد بن نجاح كبس العرب ليلاً وهم مرتبون على باب زبيد وكانوا في ثلاثة آلاف فارس وعشرة آلاف رجل وحمل عليهم فلم ينج منهم إلا اليسير وهلك الباقون فسلم العرب تهامة بعدها والله سبحانه اعلم واحكم.
ذكر النخل
أوّل من غرس النخل الأمير علي بن محمد الصليحي، ويقال الحبشة في أوّل دولة على بن المهدي. لمّا حضروا الحبشة وصلت غير من أرض الحجاز حملهم التمر فكانوا يأكلون التمر ويرمون النوى فمن نداوة الأرض طلع النخل، فلما رأت أهل البلاد ذلك وعرفوا غرسه وغرسوه وكثر النخل. وهو عشر قطع: الأبيض والكديحا والمجرشية والمحلة والأثيل والمجاز وكروة المحجر والقهيرا والمغارس وحجنة وكل واحدة من هذه القطع يكون عرضها وطولها ربع فرسخ. وإما الرطب الذي بها فثلاثة أصناف: حماري وصفاري وخضاري كلها ذات ألوان مختلفة. فإذا حمل النخل يتقبل كل واحد من الناس على قدره ويجيء إليه الناس من باب حرض إلى آخر أعمال أبين وينزل أهل الجبال إلى تهامة. وكم من امرأة تطلق من جهة النخل وكم تنكح امرأة من جهة النخل! قال الشاعر:
هذا الشقح واللقح والطلح منه قد افتتح
يا غازلات اغزلوا فالنخل قد صار بلح
وقال آخر:
من عرف النخل والقبالة ... أمسي وفي قبله ذبالة
وعاش فيه معاش سوء ... وناله الدين لا محالة
стр. 31
ويقيمون الناس في النخل مدة شهرين أو ثلاثة ويكون غالب أكلهم الحموضات والملوحات وهم في لعب وضحك وشرب. ويعمل من التمر والبر والرطب نبيذ يسمى الفضيح يصح عمله في يوم وليلة ويشرب النساء مع الرجال، ويقولون: إنّه ينفع لكن مضرته اكثر من نفعه، وأوّل من عمله في هذه البلاد رجل من أهل الشام. ويحصل منه كل عام سعين ألف دينار غير الذي يصل إلى الخزانة وعمال السلطان ونواب الديوان وغير النخيل والسلطانية والأوقاف وغير الذي لأرباب الجاهات وأصحاب الدولة، يصح من جميع ما ذكرناه مائة وثلاثون ألف دينار. وكان ضمانه في دولة الحبشة وأيام بني المهدي كل عام سبعون ألف دينار وما يأخذونه نقد بل تمر ويخرج حولات والصرف ثلاثة جوز درهم وكل أربعة دراهم دينار وكل أربعة دنانير ونصف بدينار احمر. وما رجع خراج النخل كذا إلا إنّ سيف الإسلام أوصى طغتكين بن أيوب أوصى بالعدل على أهل الحرث والظلم على أهل النخل فهو الذي أبتدئ بهم من عهده. فقيل له في ذلك فقال: إنّ الفلاح يحرث ويسقي ويبذر ويحصد ويعزق ويذري في الهوى ويجد مشقة عظيمة فالواجب أن يرفق بهم، وأصحاب النخل فانهم يجنون الثمر من العام إلى العام بلا عناء ولا تعب كما قال الله تعلى: (والنخل باسقات لها طلع نضيد) . وكل نخل يهرب منه صاحبه يأخذه السلطان على كيسه بالخراج الذي عليه له، وكل نخل يأخذه السلطان يسمى الصوافي أي يصفى لبيت المال. وبلغ مال النخل سنة أربع وعشرين وستمائة وعشرة آلاف دينار نقد غير ما حمل إلى الخزانة. وفي هذا العام قالوا أهل زبيد: ما شاء النخل ولا شاء زبيد، يعلق باللميمة ويضرب بالجريد. وما استخلص هذا المال إلا الأمير الوالي الصارم بائس الكاملي. كان من وزن قبالة وزن مثله مضاعف. فإذا فرغ النخل خرج الصغار مع الكبار والأخيار مع الفجار بالطبل والزمر بعد ما يلبسوا جملا عدة تامة من الأجراس والقلاقل ويشد في رقبته المقانع والحلي، ويركب كل أربعة من الناس على جمل وناس منهم على الشقادف يمشون إلى مسجد مشرف على ساحل البحر. والموضع موضع مبارك فيه وطئة ناقة معاذ بن جبل وأثر كلكها لمّا رجع من اليمن إلى الحجاز بعد وفاة النبي (عبر هذه البلاد والسواحل. ويسمى هذا الموضع الفازة أعنى الذي يتبحرون فيه. وينزل فيه النساء مع الرجال في بحر خليط مليط وهم في شرب ولعب ورقص وقصف وزائد وناقص. وما يخرج إلى هذه الأماكن إلا في كل أسبوع يومين يوم الاثنين ويوم الخميس وإذا رجعوا من هناك دخلوا البلد رأسا واحدا.
ذكر شجر الكاذي
وهو شجر يطلع في ناحية مسجد معاذ بن جبل يشبه النخل. وهو ورد على هيئة الصبرة التي تزرع في العراق والهند في المراكز في سطوح الدروب ولكن ورق الكاذي رقيق شبه خوص النخل ذات شوك خشن، لم ينعقد ورده إلا من برق البرق فإذا برق البرق طلع منه كثير بالمرة وإنّ لم يكن البرق لم يكن منه شيء. وهذا عجيب، (يخلق ما لا تعلمون) . وكذلك لا يستدل على إقليم الجاوة مسافروا البحر بكثرة إلا بكثرة لمع البرق لأنه يكون في أيام موسم سفارة الجاوة الأمطار كثيرة ويستد الأفق بالغمام ويشتد هيجان البحر. وقال آخرون: إنّه يطلع في تلك الأعمال شجر السندروس كثير فإذا جرى السندروس من شجرة بان لأهل السفارة البحر كلمع البرق وذلك من كثرة الأمواج التي ترفع المركب وتهبطه. ويقال إنّ الكاذي يتربى من البرق، وكذلك الحنون لم يفتح إلا في الليالي البيض. والخيار يدور مع دور الشمس واللينوفر. ويزيد مد البحر في الليالي المظلمة. وكل خشب يقطع في ليالي البيض يسوس وكل خشب يقطع في نقص القمر يستلفه السوس. ولم يقطع الطواحين إلا في الليالي البيض. وينقطع جميع مياه الأرض عند طلوع سهيل، ولم تصح دباغة الأدم إلا به. وقال ربان بن جبير: إذا طلع سهيل نقص ماء البحر أربعين ذراعا. وإما ورد الكاذي فلم يكن في سائر المشمومات ألذ منه رائحة ولا أطيب منه وماؤه بارد يابس ينفع لمن هو محرور رطب ويسمى عند الهنود كيورا.
صفة زبيد
سماها النبي (أرض الحصيب لأن النبي (قال لمعاذ بن جبل: يا معاذ إذا وصلت إلى الحصيب فهرول فإن بها نساء يشبهن حور العين. قال الهيتي:
стр. 32
وقل لجناتها سأبدلها ... سيلاً كسيل مأرب عرما
أشرب الخمر في ربا عدن ... والسمر والبيض في الحصيب ظما
وله أيضاً:
ولرب يوم بالحصيب وردتها ... بالقطب كان على الأعاجم أكرها
وعواصف بحصيبة عصفت على ... حبشانها وعلى الدعى الوهوه
ولابن المجاور:
محب ومحبوب قضى الدهر فيهما ... ببعد وهل للشمل جمع مهذب
فها ذاك في أرض الحجاز موسوس ... وهذاك في أرض الحصيب معذب
وتسمى أرضها تهامة وإما تهامة فأنها قطعة من اليمن وهي جبال مشتبكة. وكلها مشرف على بحر القلزم مما يلي غربيها، وشرقيها بناحية صعدة وحرض ونجران، وشمالها حدود مكة، وجنوبها من صنعاء على نحو عشرة مراحل. وتسمى في عدن الشام وتسمى في المهاجم اليمن وتسمى عند آل عمران كوش وتسمى باللغة المعروفة زبيد. من إقليم اليمن لأنها أيمن القبلة. وقال النبي (: " إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن "، والمعنى في قوله لأويس القرني وكان يتنفس شوقاً إلى النبي (ولهذا أخبر النبي (بهذا الخبر. وقال النبي (: " الكعبة يمانية والركن الأيمن يماني والأيمان يماني "، وذكر النبي (في معنى اليمن أخباره كثيرة. ويقال سهيل اليمن وجزع اليمن وعقيق اليمن. وقال الشاعر:
بعدت ورب العرش عمن تحبه ... هواك عراقي وأنت يماني
وقال آخر:
قالت لأخت لها تبدى مراجعةً ... وما أرادت بها إلا لتقتلني
بالله قولي له غير متعبة ... ماذا أردت بطول المكث في اليمن
وقال آخر:
وما غريب وإنّ أبدى تجلده ... إلا سيذكر بعد الغربة الوطنا
إلا العراقي والمصري فأنهما ... لا يرجعان إذا ما شارفا اليمنا
وقال قيس بن الملوح العامري:
ألا لا أحب النسر إلا مصاعدا ... ولا البرق إلا إنّ يكون يمانيا
وقال أبن مجاور:
كرا من بر أين فمي نبتسم ... جرا ديد أم جون بحر عدن
آه أبن آدم بسوزد هرجه هست ... وآه وا وليلى مخ اردأن سمن
وللحسام الكرماني:
كفتم: رخ توجست؟ كل سرخ يا ياسمين؟
كفتا: كلبست ريخته بر بركك ياسمين
كفتم: به شكر أس؟؟ ت لبان يا عقيق؟
كفتا: به شكر است وعقيقي نه ازيمن
تفسير هذا الشعر الفارسي الذي للحسام الكرماني باللغة العربية. قلت له: وجهك الورد أو الياسمين؟ فقال: هو الورد المنثور على ورق الياسمين. قلت له: شفاهك السكر أو العقيق؟ فقال: هو السكر والعقيق لا العقيق الذي في اليمن. أي المكان الذي يسمى عقيق اليمن.
ولابن الرجا:
زان عارض جون أتش وآن خط جو نسرين ... خوانند بهارى بهمة انجمن اورا
أين بار عجب تركي بجهره جو بهارست ... وأنكاه برخساره سهيل يمن اورا
وتفسير هذا البيتين باللغة العربية. من ذلك الخد الناري النسريني يدعى الروض في كل محفل، واعجب من ذا أن خده أن خده كالروض ووجنته كسهيل اليماني.
стр. 33
وظاهر هذه البلد حار وباطنها بارد يابس وجوها مضر بالزعفران لأنه يسوس في أيام قلائل، والأصح أن الزعفران يرجع يابس من ذاته إذا فتح راس الكيس طار اليابس في الجو وهو الزعفران والجسد لا يزال يحول إلى أن يرجع تراب تارب. وماء البلد من الآبار. وأهلها سمر كحل كواسج ضعاف التركيب محلقين الرؤوس. وكذلك جميع المغرب والإسكندرية وأهل مكة والحبشة والبجاة لم يحلق المرء رأسه حتى يقتل إنسانا ونساء الزنجبار والجوار الزنوج وأهل خوارزم وشعشعين وبلغار واللاب وجميع هؤلاء القضاة منهم والصوفية والعامة كبعض الحجاج كما قال الله (محلقينَ رءوسكم ومقصرينَ) ، والأطفال واليهود وحجاج الهنود وجميع أعمال اليمن من أهل الجبال والتهائم. ونساؤهم خلقات وهن رخوات التكك وفي كلامهم كثر غنج وهذا دليل على إنّ شهوة نسائهم أغلب من شهوة رجالهم، فلذلك يستعملون الطيب لأنه يهيج الباء. وقال مكحول الشامي: عليكم بالطيب فإنه من طاب ريحه زاد عقله ومن نظف ثوبه قل همه. وقال عمر بن الخطاب ﵁: لو كنت تاجرا لمّا اخترت على الطر شيئا إن فاتني ربحه لم يفتني ريحه. ونساء أهل هذه البلاد لم يأخذوا من أزواجهن المهر وأخذ المهر عندهم عيب عظيم، وكل امرأة تأخذ المهر من زوجها يسمونها مفروكة أي إنّ زوجها أعطاها مهرها وفركها أي طلقها. فإذا رجع الأمر إلى ذلك تقل رغبة الرجال فيها لن الزوج الآتي يقول: أخاف أن تأخذ مني المهر كما أخذت من غيري. وقد لا يكون للرجل طاعة في أداء المهر وتقول النسوة فيما بينهم: إنّ ما قدر زوجها يخرجها من عنده إلا بمهرها لقلة رغبته فيها فيركبها العار. فإذا أراد رجل يتزوج امرأة يجون نساء الحافة بلا مخافة إلى المرأة ويقولون لها: أفركي زوجك قبل أن يفركك أي هبي له المهر وأخرجي قبل أن يزن المهر ويخرج. ويفعلون الطرح في الأفراح والأعراس على ما تقدم ذكره في صفة مكة. فإذا أعطت المرأة في عرس رد إليها في عرس مثله، وإن كان في ختان رد في ختان، وإن كان في الولادة رد في الولادة، ولم ترد الشيء إلا في الوجه الذي كان منه وفيه بعينه. وحدثني أحمد بن مسعود قال: ولم تفسد المرأة في اليمن إلا من جهة الطرح. قالت: ولم ذاك؟ قال: لأنه يكون للنساء عليها سلف ولم يكن معها ما تقضي به الذي عليها فتخرج على وجهها إلى عبر طريق فتهيم فتحتاج فتكتب لهم إلى أن يحصل لها شيء فترد مال الناس الذي عليها. وليس يقبل منها يمين ولا شاهد إلا قول المرأة على المرة مصدق. ويخضب الرجال أيديهم وأرجلهم. وطبيخهم الملوخية ومأكلهم الدخن والذرة ويعمل منه الخفوش والكبان واللحوح والفطير، يأكلوه باللبن والسمك ويسمونه الملتح، والجبن والموز والقند والحليب. وليس لهم حديث سوى الأكل، يقول زيد لعمرو: ما تصبحت اليوم؟ يقوا: فطير دخن وقطيب، أو: ملتح وسليط ويقول مضر لجعفر: ما تعوفت؟ يقول: رغيف خبز بر بفلس وقطعة حلاوة بأربعة فلوس، فصار المبلغ ستة فلوس! ويقول خالد لزيد: إني أكلت اليوم أكلة تكفيني ثلاثة أيام فطير وحليب وقند شرقي وترفت إلى أن شبعت. وفي ذلك أنشد علي بن أبي السنوي يقول:
قلت يوما لرئم ذات إعجاب ... وذات صدر رحيب ذات أكعاب
وذات قدٍ رشيق كالقضيب إذا ... ما ماد من فوق دعص الرمل رياب
وقد أشارت بكف وهي معرضة ... وأقبلت مثل ظبي بين أسراب
تريد مني وصالا قلت يا سكنى ... رفقا عليّ فإن الجوع أزرى بي
جذي الثريد إذا ما جئت مقبلة ... نحوي ولا تأخذي مسكا وأطيابِ
وأستعملي من فطير الدخن مع لبنٍ ... وصابحيني به صبحا على البابِ
فإن قلبي إلى حب الفطير صبا ... وليس قلبي إلى حب النسا صابي
стр. 34
وفواكههم البطيخ والموز والعنب، والبطيخ يسمونه البرطيخ، والقثاء والخيار. ويأكلون بطيخ الدباء مشوي في التنور. وينادى عليه: دباء حب حب، كثير الماء قليل الحب. ومشمومهم البعيثران وهو الشيح الأبيض وثمر الحناء وهو الحنون. قال أبي المجاور: وأول ما شممته بمولتان وذلك أن الملى عز الدين شمس الملك ملك التجار يحيى بن اسعد البلدي ناواني ثلاث أو أربع طاقات وما كنت قبل ذلك رأيته ولا شممته فقال لي: ما هذا؟ فقالت له: ثمر الحناء. قال: وبم عرفته؟ قلت: لثلاثة وجوه: للونه ورائحته وبرودته. وقد تقدم ذكره. وأول ما رأيته في الديبول سنة ثمان عشرة وستمائة وخاصيته أنه إذا كان مع زيد شمه عمرو. والبنفسج لم تعبق رائحته إلى مع الرجال. ولم تعبق روائح البرم إلا مع النساء والحباق وهو الريحان ويسمى وردة الحماحم.
وأسامي
أهل هذه البلاد: حنكاس ويعفر وغسطيط وزبرقان وزنفل ودعص ومجلس وزبير وحمسيس وعطعط ودعدع وبرباح وجدير ومايس وشقداف وعطوط ودعاس وبلسه ومطعون ومطحون ومحمطة وقساص وطلى وصبيعة وسندع وقبيع وعرطبيع وبكى وجرباح وقعص وبعباب وسحوا وريطح وشمم وعبور ومبدع والحبوب ورعبة وحنبل ونحم وجحوش وأيجر وقعبش وسحدر وفشلي وكسكاش ووكركر وفاوا ومريسب وفخم ودنكل وكعدل ورلسا وكلمى ورقرق.
ويقدمون أهل هذه البلاد الهاء على الواو في هجاء حروف جميع الناس كما يقال: واو هاء، وهو: هاء وواو. حدثني محمد بن أبي سعيد القاضي الرازي قال: سمعت ببعض البلاد يهجون الصبيان على هذا ونوافقهم على هجائهم وما هجاؤهم إلا أصح، قال: (هو الله أحد الله الصمد) . قال: بل هجاءنا أصح، (وهو الله في السموات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون) . وغالب البلد على مذهب ساج الأمة أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي التابعي ﵁. وما يقوم سوق البز في هذه البلدة إلا وقعت القائلة بعد صلاة الظهر لأن جميع الناس بيعهم على العشيرة لأن أحدهم يدخل ومعه شيء يريد بيعه فإذا باعه وحصل ثمنه يكون قد قارب الظهر ويتغدى ويدخل السوق. وكل أرباب البيوتات حكارين الغلال مثل الدخن والذرة والجلجلان وهو السمسم.
ويتعاماون الجند العشرة بخمسة عشر إلى مدة ستة اشهر وقت الغلال. وتكامل الغلال بالمد والمد اثنان وثلاثون ثمناً كل ثمن اثنان وثلاثون زبدي كل زبدي من كل من رطلين كل رطل مائة وعشرون درهما كل درهم ثلاثة عشر قيراطا. وينسوي الدينار المصري أربعة دنانير ونصف ملكي والدينار أربعة دراهم كل ربع ثلاثة جوز كل جائز ثمانية فلوس كل فلس أربعة دوارس. وأوّل من ضرب الدرهم الكبير الملك المعز إسماعيل بن طغتكين وزنته ثلاثة عشر قيراطا، وفي الأول كانت الدراهم العباسية وبعده السيفي وزنة أربعة قراريط وحبة. ويباع الشيرج بجرة والسمن بجمنة كل جمنة خمسة امنان. ومن الحرير مائتين وستين درهما ومن اللحم أربعمائة درهم. وتباع العصارة والقطن والهدس والشيذر بالمدله عن خمسة امنان بالكبير. وسنجة عدن أقوى من سنجة زبيد بشيء يسير. وتخرج من زبيد البردة ثمانية اذرع باليد ويشد حملها مائة واثنتين وعشرين بردة شد الشحر. وشفق الحرير والبيض طول الشقة عشرون ذراعا بالحديد، وطول البيرم ستة اذرع والسباعية سبعة اذرع وهي صنفان: أحدهما حرير صرف والثاني حرير وكتان في عرض أربعة اذرع، والملايات والجراب وفوط سوسي. والزنجبيل المربا لونان: المقصوص منه قليل العسل والمطحون هو الجيد. والتمر الهندي أجوده المقلس. والأدم يباع بالعدد، وضمان المدبغة ثلاثة عشر ألف دينار. ويخرج إلى الحجاز التمر والدخن والذرة ويؤخذ إلى الحبشة الجواري العشارية والخزر. وضمان البلد سناسيق الصيدان والجالة والخضر والبقول التي تباع مع الغلال وما يدخل من باب تسعين ألف دينار ملكي. وضمان دار الضرب ثلاثة ألف دينار ودار النبيذ اثنتا عشر ألف دينار. وضمان مائة ألف دينار والله اعلم واحكم.
من المهجم إلى زبيد
إلى الكدراء خمس فراسخ.
ذكر المغلف والأسيخلة
стр. 35
هما قريبان من أعمال الجثة تسمى إحداهما المغلف والثانية الأسيخلة. فبينما القوم فيما هم عليه من أحوالهم الرجال تحرث والنساء تغزل والحمير تتناهق والكلاب تتنابح إذا ارتفعوا من الأرض إلى الجو رجالهم ونساؤهم وغابوا عن أعين الخلق إلى يوم القيامة ولم يدر أحد ما أصابهم وما فعل الله بهم ولا ما كان بينهم، سنة أربع وستين وخمسمائة. فبقوا مثلا إلى يوم الدين فيقال: طار بك برق المغلف والأسيخلة. والأنسجة بقرية العمالق من أعمال الأشعوب يماني صنعاء وأصبح الصباح ولم يوجد عن القرية وأهلها ودوابهم من يخبر، سنة خمس وستين وأربعمائة، (فاعتبروا يا أولي الأبصار) . وإلى المهجم ستة فراسخ. ولهذا يكون بساقات عشيرة اليمن برص: لكثرة أكلهم اللبن والسمك تغلب عليهم الرطوبات فيظهر عليهم ذلك، والأصح انهم قليلون الكلف في أصناف الأمور لتخليتهم الخبز والأدم مكشوف والبلاد حارة كثيرة الأوزاغ، فإذا خلى رأس الإناء أو الطعام المكشوف يأكل الوزغ منه فيبقي أثر لعاب فيه فمن أكله ظهر به برص. ويقال إنّه طير شبه النامس اصفر اللون ويسمى البرة إذا قرص إنسان على الريق ظهرت فيه هذه العاهة والآفة، ويقال يظهر فيه داء الفيل والله اعلم.
من زبيد إلى عدن
على طريق الساحل. من زبيد إلى المزيحفة فرسخ. وما سميت المزيحفة مزيحفة إلا إنّه كان في قربها حلة عرب نزال ببيوت الشعر فانتقلوا من الحلة إلى هذا المكان فكان يعرف بالمزيحفة كما يقال: زحف فلان إلى فلان أي انتقل. وبنى بها موسى بن الجبلي مسجدا من الآجر والجص وليس في الجوالي ثغر أطيب منه ولا في وادي زبيد، وشجرها الأهليلج. وإلى السحارى ثلاث فراسخ وبعرس عوند والشكالين والرمة والعريقين وهم ثلاث روابي ذات شجر وأراك. والسحاري على ساحل البحر ذات نخل شامخات.
ذكر بيع النخل
غرس أبو القسم ويعقوب ولدي قونفر هذا النخل ونشأ النخل وصار له صيت. فسمع بخبره أتابك سنقر فقال للعمال: حيفوا عليهم العدد واظلموهم في خراجه. فلما فعل العمال بهم ذلك استغاثوا مما جرى عليهم من العمال. فقال لهم اتابك سنقر: بيعوني وأريحوا أنفسكم من ظلمة! فقالوا له: اشتر منا على وجه الجرد. فقال لهم: أبعتموني كل نخلة منه بدرهم؟ فقالوا قد بعناك. فقال لمن حضر: أشهدوا على إني اشتريت منهم. وأمر بعد النخل فصح عده الفي عود، فأعطاهم خمسمائة دينار. والنخل قطعتين تسمى إحداها الفازة والثانية القبة. فلما قبضه الأمير ندما على ما صنعا استقالوا منه فأبى أن يقيلهم، فلما رأى أحدهم عين الغين حمل على الأمير فطعنه على قلبه فمات. وبقي النخل سلطاني إلى الآن ولن تحل نخلة إلا من بعده، وليس في جميع هذه الأعمال أحسن من هذا النخل ولا أصح من غرسه ونشوة. ويقال إنما ظلم سيف الدين سنقر إلا أصحاب المملاح بعدن وأصحاب هذا النخل من دون الخلق. وإلى الخوهة نصف فرسخ. وبها مسجد مربع بناه الحسين بن سلامة وفي صحن المسجد صخرة وطئة تافة معاذ بن جبل ﵁. وفي المسجد سر عظيم: إذا كان في القرية خوف رموا أهل القرية ما كان معهم من المتاع والأثاث في المسجد وتنجوا بأرواحهم فإذا دخل أهل الشر إلى المسجد لم يؤخذ من المتاع شيء ويعمي الله تعالى أبصارهم، ويقال إنّ المسجد يغيب عن أعين الناس. فإذا نام به رجل لم يكن طاهر السبب برى روحه يرمي به عند البئر ظاهر المسجد. ويؤخذ منها مكس عن كل حمل السدس مع جبا صنابيق الصيادين كل شهر سبعين ديناراً. وإلى موشح فرسخ، قرية ذات نخل شامخات. وإلى الحيلة فرسخين بين رمال وحصى وأشجار، وبها يعمل القلا وهو الحطم ومنه يجلب إلى سائر أقاليم اليمن. ويكون فيها الصبايا الملاح والنساء الصباح وفيهن ذات فسق وفيهن ذات صلاح يكتمن العشق المباح، قال:
أمحسن في واحجه ... وفي نواحي أمجدون
وفي الحيلة أكثره ... لكنهم يعجلون
وسألت أهلها عمن بناها فقالوا: لم نعلم بل إن جدونا كانوا قوم بدو دخلوا هذه القرية فوجدوها خالية من السكان فلما استطابوا بها سكنوها فتوطنوها. وإلى موزع ثلاث فراسخ، وهي أرض مهلهل وكليب وبها كانت حرب البسوس.
стр. 36
وكانت فيما تقدم من الأيام هذه الأعمال أعمال بني مجيد بنوا بها القليعة، فخربت القليعة لاختلاف أهلها وسكن بعدهم جماعة من أهل جزيرة فرسان في أواخر أيام سيف الإسلام طغتكين بن أيوب وبقيت في أيديهم إلى الآن. ويؤخذ بها مكس من حمل كل حمل نصف ربع وثغر بين الربده وبين مرمان والمسالمية والاسجار والنحاحسة والفرنملة. وإلى العمرية ثلاث فراسخ. حفرتين في وادي واشتهر هذا الوادي بهذا الاسم على ما ذكره غزي بن أبي بكر الحجازي إنّ امرأة جاءت بهذا الوادي تسمى عمرية فأصابها عطش شديد فصعدت إلى ذروه هذا الجبل على إثر سيل السيل من فضل الغيوث فحسبته ماءً، فلما وصلته أيست فماتت من شدة العطش، فعرف الوادي والجبل بهذا الاسم يعني اسم عمرية. وحفرت بئر بعد الموت وسميت البئر باسم الجبل. كما قال:
تحريت في امرئ لذائب ... أدير وجوة الرأي فيه ولم ادر
أاعزم عزم الناس والصبر دونه ... أم أقنع بالأعراض والنظر الشزر
فديتك لم أصبر ولي فيك حيلة ... ولكن دعاني اليأس منك إلى الصبر
تصبر مغلوبا وإني لموجع ... كما صبر العطشان في بلد الفقر
وقال روبة النكبي:
كذرى بيش من نكاه كنم سوى رخسار تو ربوده دلي
همجو در دشت كربلا سوى آب نكه تشنكي حسين علي
تفسير هذين البيتين باللغة العربية يقول: تمر بي وأنا انظر إلى وجهك وأنا مسلوب الفؤاد كما كان ينظر الحسين لن علي في كربلا من عطشه إلى الماء. وإلى عبرة ثلاث فراسخ. بئر حفرت في بطن وادٍ مشرف على البحر المالح، وما سميت بهذا الاسم إلا إنّ ماءها يشابه عبرة الإنسان في الصفا، ويقال بل عبرة تعبرها القوافل. وكان السبب على ما حكي غزي بن أبي بكر الحجازي إنّه أهلها كانوا جبابرة ومن جملة جبرهم إنّه إذا ضاق على أحدهم الرزق من وجوه الشقا والكد لم يستحسن يطلب من أحد. ولا يبذل ماء وجهه إلى أحد فكان يحفر حفرة كبيرة يدخل فيها هو ومن معه ويموتون يموتوا جميعاً لئلا يعلم بحالهم عدو ويفرح أو صديق يهتم، كما قيل:
وكم قد رأينا من فتى متجملا ... يروح ويغدو ليس يملك درهما
يراعي نجوم الليل مما يصيبه ... ويصبح يلتقي ضاحكا متبسما
ولا يسأل الأخوان ما في يديهم ... ولو مات جوعا عفة وتكرما
وقبور القوم باقية في ما بين كل قبر منها مقدار دار عظيم، فسميت العبرة (فاعتبروا يا أولي الأبصار) ولم يتحقق عند أبن مجاور انهم كانوا مسلمين أو غيرهم من أهل بعض الأديان. وبقي آثار الخسف يحدثني بدوي من أهل البلاد بهذا المنزل سنة تسع عشرة وستمائة: إنّه جاز بهذه البئر رجل غريب فسألني عن جبل الحيالة ونجوان والناجية فأنبأه عن الثلاثة الجبال فقلت له: ما شأنك تسأل عن هذه الجبال؟ قال: إني قرأت في بعض الكتب أن ما ينجوه في آخر العهد إلا من سكن هذه الثلاثة الجبال. فقلت له: فأي الجبال هم؟ فقال: نجوان وهو جبل بني عليه حصن عزان والجبلين الآخرين بقربه والله اعلم.
صفة باب المندب
стр. 37
لم يكن هذا البحر بحراً في قديم العهد اعني بحر القلزم وإنما هو بحر مستجد فتحه ذو القرنين ويقال بعض التبابعة. وكان الموجب على ما ذكره جماعة من أهل البلاد منهم الأمير أبو الطامي جياش بن نجاح في كتاب المفيد في أخبار زبيد قال: لمّا وصل ذو القرنين إلى هذا الوادي نظر فوجد به شدة الحر ففتحه أي نقر صدر الوادي، فخرج البحر وخرج عرق منه إلى قلزم ووقف عنده ويقال إنّ أرض الحبشة كانت متصلة ببلاد العرب فقال ذو القرنين: أردنا إنّ نفرق ما بين الإقليمين ليعرف كل صاحبه ويجوز كل أرضه وبلاده وينقطع ماء بين القوم من تغلب والتعدي. فلما فتح البحر افترق الإقليمين كل إقليم بذاته، فصارت الحبشة تخوض البحر بالخيل والرجل وتغزو أرض العرب. وبني بعض العرب على جبل مندب حصنا يسمى بعد ومد بسلسلة من بر العرب إلى بر الحبشة معارض، فكل مركب يصل يمر تحت السلسلة حتى كان يخرج منه ويسافر إلى أي جهة يشاء وأراد. وبقى الحصن على حاله إلى أن هدمه التبابعة ملوك الجبل ويقال بنو زريع ملوك عدن والأصح الحبشة ملوك زبيد ورفعت السلسلة، وبقى أثرها إلى الآن. ويقال إنّ في ذلك الزمان ما كان لسفارة البحر جواز إلا على باب المندب لأنه كان أغزر موضع في البحر. وكان ما بقى منه فشات ووضح وبطون والأولاد يلعبون في الماء بها، والآن صارت المراكب تسافر من وراء ظهره. وهو بحر عميق طويل عريض لكثرة المياه ونذكر ما بقى إذا وصلنا عدن. ويوجد في سواحله العنبر والغالب ما يجده الصيادون.
ذكر الفقرات
وفي أواخر بطن الوادي يعني العمرية ثلاث تلال حصا يكون بين كل واحدة إلى الأخرى مقدار ثلاثين ذراعا زائد لا ناقص، فسألت عن حالهم فقال لي بعض الجمالين: إنّ التلول أثر ثلاث فقرات فقرها بعض الجبابرة في زمن الجاهلية كل فقرة تل حصا ليعرف وهم من جملة العجائب. وثغر بين المجالين وبين السقيا. ويسمى هذا الخبت مطاران لأن ما يروى بها أهلها الماء إلا أيام المطارات. وعلى عين الدرب أثر مسجد فيه أثر ناقة معاذ بن جبل ﵁ وهو موضع فاضل. وإلى العارة ثلاث فراسخ.
بناء المزدوية المرة
فلما قتل النجاشي بأرض الحبشة ونجا من نجا من القتل وسكن هذه البلد سميت المزدوية لأنهم أزدوا بأرواحهم لئلا تعطب كمولاهم وسلامة خدامه دون الغير. قال أبن المجاور: وما سميت المرة إلا إنّ حياتهم رجعت مرة لتشتتهم من أرضهم وبلادهم ومفارقة الأهل والولد. فلما انقرضت تلك الأمة سكنها قوم عرب سموهم المريين وبقوا سكانها إلى أن حجزت البلاد وضاعت العباد وارتحلوا منها. حدثني ريحان مولى علي بن مسعود بن علي قال: إنهم نزلوا بربرة وأعمالها وبقى نسلهم في بر السودان والمعروفين بالمريين وهم الآن ذوو قبائل وعشائر، وبنت بعدهم العرب مدينة الأخضرين فوق العارة. حدثني يوسف بن خميس بن أبي بكر قال: إنّه كان مسكن الصيادين والدليل على ذلك إنهم إلى الآن يجدون عظام السمك. حدثني موسى بن ديفل قال: بل كانت مدينة عظيمة فلما خربت بناها الفرس الواردين من أهل سيراف المنذرية تحت العارة على هذا البحر وبها آثار جامعين كبيرين ومساجد وطواحين الغلال وطواحين القرظ ترى بين شجر الأراك. قال أبن المجاور: وكل مدينة بناها الفرس من أهل سيراف بنوا فيها المدابغ وعملوا بها طواحين القرظ ولا شك إنّ القوم كانوا دباغين. وقال حكيم: لم يخرج من اليمن إلا وغدا أو رائض قرد أو دابغ جلد. وقال لي أخي أحمد بن محمد بن مسعود: وكيف هذا؟ قلت كاموا يدبغون الأدم ويجلب إليهم من أعلى مكة ونجران إلى عمان ومن حلى بنى زهرة إلى كرمان ومن الكيس وجنانة وفارس ومن بني مكرمان ومن زبلع ورحيتو والمنذرية من عدن إلى مكة. وكان بنزف جميع هذا الأدم إلى العراق وخراسان وكرمان وما وراء النهر وخوارزم وهجر فكان يتفرق في أقاصي الأرض ودانيها. وما كان يبن كما ينزف في عصرنا هذا للقوة من ما بين سائر الأمكنة برا وبحرا إلى الهند ولم يؤثر جميع ذلك فيها أثرا فيها كما يقال: لا تنظر إلى طول المنارة ولكن أنظر إلى الجامع.
ذكر حشمة أهل المنذرية
стр. 38
حدثني رجل من أهل الحجاز قال: إنما كان مأكول الفرس من أهل سيراف السمك الضرياك، ففي بعض الفصول يعدم فعند عدمه خرج غلامان لتاجرين ليشتريا ضيراكا، إذ أقبل الصيادون بضرباك فتزايد فيه الغلامان إلى أن بلغوا ألف درهم فاشتراه أحدهما. فلما دخل الغلام بالحوت على سيده استحسن منه ذلك وأعتقه وأعطاه ألف درهم يتعيش فيها. وأما ما كان من الغلام الآخر فان سيده من غيضه عليه أهانه غاية الإهانه كما أن غلام زيد غليه في الشطارة. حدثني أحمد بن سلطان المجيدي قال: إنما أخرب المنذرية علي بن المهدي سنة أربع وخمسمائة. ويقال إنّ بني مجيد بنوا البلاد وبقوا على ما هم علية إلى أن قحطت البلاد وجاعت العباد، ويقال إنهم افترقوا ذات اليمين وذات الشمال وبقيت خراب فجاءت الحجازيون فاستعاروا الأرض من بني مجيد. فوافق ذلك الموضع الحجازيين وقوت أيديهم عليها لمّا أخصبت البلاد فرجع بنو مجيد إلى بلادهم وأوطانهم فقاتلهم الحجازيون وأنكروهم وأخرجوهم من ديارهم من غير رضى فلما عجز بنو مجيد عن مكافاتهم تفرقوا ثلاث فرق فرقة سكنوا زيلع وفرقة سكنوا ظفار وفرقة سكنوا مقدشوه، وبقى شرذمة منهم في الجابية.
قال:
تفانى الرجال على حبها ... ولا يحصلون على طالِ
ولعبد آل عامر يقول:
ألا إنّ لي ديناً من أيام ذي اللوى ... وديناً من أيام الحسين وأكد
أسايل ذا ديني إضافة عند ذا ... وذا جاحد ديني كما ذاك جاحد
وأهلها صيادون حمارون وهم قوم ثقات أخبار رجال فحول مأكولهم السمك لا غير. وجميع عرب أهل هذه الأعمال الجبال مع التهائم إلى حدود الحجاز لا يقبل أحدهم حكم الشرع وإنما يرضون بحكم المنع، ولا شك إنّه حكم الجاهلية الذي كانوا يتحاكمون به عند الكهنة ويمامة الزرقاء، ويقال إنّ اليمامة قبل الإسلام. فإذا حكم الشيخ حكما في النع في أحد من العرب بضرب العنق لم يقدر على الهرب ولو أراد الهرب لمّا أمكن إلا أن يمد عنقه ويرضى بالقضاء. فإذا وفى بما علية نادى منادٍ في سائر العرب وفي كل جمع: ألا إنّ فلان بن فلان طاب بطيب العرب، فيرد علية كل من سمعه حاد الفتى. وكان يؤخذ في العارة من كل حمل نصف وربع من ضمان العشر وسنابيق الصيادين والقفول والواردة من عدن إلى زبيد والصيادين من زبيد إلى عدن ومراكب الزبالع القادمين من أرض الحبشة كل عام بألف ومائتي دينار. فأزيل جميع ما ذكرنا سنة عشرين وستمائة، وأعيد هذا السم سنة أربع وعشرين وستمائة وصعد الضمان ألف وسبع مائة دينار. ويقال إنّ أوّل من سعي في ضمان القرية عبد الله بن بكر الاحوري وبقي يحيى إلى يوم الدين. وللشريف الرضي يقول في مثل هذا:
من لم يكن عنصره طيب ... لم يخرج الطيب من فيه
كل امرئ يجعله فعله ... قد ينضح المرء بما فيه
من العارة إلى الحيلة راجعاً
على درب الكديحا. من العارة إلى عشر ثلاثة فراسخ، وهي قرية على ساحل البحر ويوجد فيها ما لم يوجد في موزع وبغير الملخاء وهو مرسى دفئ وما اشتق اسمها عند العرب مخا إلا إنّها لا تمضغ كما لا تمضغ المحال. وهي طريق الأصل وعليها كان المعول في مسير القوافل في سالف الدهر لأنه اقرب وابرد لهواء الساحل والبحر. وإلى الحليلة ثلاث فراسخ، ويعرف٠٠٠٠ وهو مجمع الطريقين.
من العارة إلى المفاليس
من العارة إلى ترن ثلاثة فراسخ.
ذكر ترن
стр. 39
أهل ترن أصلهم من امرأة خرجت من البحر تسمى الفالقة سكنت البر وتزوجت رجلا من وجوه العرب أسكنه العربي أرض ترن ورزق منه أولاد إناثا وذكورا قالت العرب: إنّ أهل ترن من نسل العربي والمرأة يعني الفالقة وكان إذا جاءهم سيل عظيم ومال عن جريته ليسقي به موضع آخر كانت تقعد في بطن الوادي وتسده من عظم خلقتها وكبر جثتها وترد الماء إلى المجرى القديم المعتاد فتسقي الأرض من جريه، وكانت تبقى على حالها إلى أن تسقي للناس الأرض كلها. فإذا رويت الأرض واستغنت الناس عن ماء السيل فتقوم حينئذ من مقعدها فيجري ما فضل من ماء السيل إلى البحر، ويقال إنها كانت ساحرة. قلت لعمرو بن علي بن عقيل: ما فعل الله بفالقة؟ قال: إنها إلى الآن تعيش. قلت: وأين تسكن؟ قال: بوادي قطينة. قالت: وأين الوادي؟ قال: في أعمال ترن ولم تمت إلى يوم القيمة. قلت: هل يراها أحد؟ قال: نعم كل من قرب أجله. قلت: ولم سميت هذه الأرض ترن؟ قال: لأن الخلق كانوا يتعجبون من عظم خلقها فكان زيد يقول لعمرو: ترن أي تراها! فعرفت الأرض بهذا الاسم. ولهذا تقول العادة أنا الترني يسكن فخذ من فخوذ العرب أرض ترن ولا شك انهم بنو محريد وهم أهل أنعام وخيل وزرع وضرع. لمّا كثر المال عليهم وحسن الحال بهم ركبوا على حين غفلة من الحجازين وقتلوا جماعة منهم بعد أن اخذوا جميع ما كان معهم من المتاع والمال والأثاث وعادوا منصورين وبقي الحجازيون في العناء والتعب مدة عام كامل. والتأم خلق عظيم منهم ورجال من السكاسك فلان وفلان بن فلان من المعدودين كبسوا على أهل ترن سنة ستين وخمسمائة. فصار عادة القوم إذا تكنى أحدهم قال: أنا الترني، يعني من نسل قوم الذين حضروا الواقعة. وملك الحجازيون أرض ترن إلى الآن وجميع زروعهم فيها فصارت لهم مأوي وملك. وإلى النخيلة ثلاثة فراسخ. وإلى المفاليس ثلاث فراسخ.
من العارة إلى تعز
من العارة إلى شعب أربع فراسخ. وإلى النبة ثلاث فراسخ. وإلى المحجاط ثلاثة فراسخ. وإلى الحصين فرسخين. وإلى العريش ثلاثة فراسخ. وإلى تعز فرسخين.
من العارة إلى عدن
من العارة إلى الجابية فرسخ، ويقال إنّها من أعمال ترن، وترن من أعمال العارة. وإلى بئر الصحبة ثلاث فراسخ وهي بئر حفرت في آخر دولة بني مهدي. وثغر العرف والحراجرة والحجف والقيعا وعويد ومحاذا بئر صبيح على يسار المحجة جبل حرز ويقال حريز، وما عرف بهذا السم إلا إنّه ٠٠٠ يسمى حرز ويقال بل جبل حريز أي مكين والله أعلم بالصواب.
صفة جبل حريز
هو حبل شامخ شاهق في الهوى وبالقرب منه جبل ذو نساح أي ذو رأس بنى عليه حصن يسمى الجاهلي ويقال الأزلي لقدمه والناس تصعد إليه والثاني لم يصعده إلا كل صالح وولي. حدثني علي بن صبيح العقولي: إنّ سليمان أبن داود ﵉ بنى في إقليم اليمن حصن بيسون وغمدان وسلحين وهذا الحصن يعني القاعدة وهو أحكمهم، وذلك لمّا تزوج سليمان ﵇ ببلقيس في أرض اليمن فأمر الجن بنت هذه الحصون جميعها على هذا الوضع والله العلم بالغيب وأحكم.
стр. 40
وبقى الحصن على حاله إلى أن خرب وأندثر. ويقال إنّ أبا الغيث أبن سامر أراد عمارة هذا الحصن في دولة الحرة السيدة بنت أحمد بن جعفر بن يعقوب بن موسى الصليحي بع أن احضر له آلة البناء، وتم له المقصود وابتدأ في البناء فطلع طلائع الجن فقتلوا جميع القوم في المكان. وبعده أراد عمارة هذا الحصن الداعي سبأ بن أحمد بن المظفر الصليحي ويقال الدعي سبأ بن أبي مسعود بن الزريع بن العباس بن المكرم والي عدن من قبل الدولة الفاطمية فلم يمكنوه الجن. وأراد إعادته بعدهم سيف الإسلام الملك المعز إسماعيل بن طغتكين بن أيوب في دولة الملك الناصر أيوب بن طغتكين أبن أيوب بن شاذي فأشار بعض الفضلاء بتركه. فقلت لعمرو بن علي بن مقيل: هل في ذروته عمارة؟ فقال: ما كان يسكنه إلا من خاف وفيه آثار حيطان قد اندثرت وجدرات قد إنهدمت وصهاريج قد خربت ودرج قد تقلعت. قات: فهل كان عليه سور؟ قال: إنّ الجبل هو سور بذاته ة إذا أصاب عرب هذا الزمان في هذه البلاد خوف أو جور من السلطان صعدوا بأنعامهم ودوابهم إلى القاعدة وقعدوا بها آل أن تأمن البلاد فحينئذ يطلبوا البلاد. فإذا قل على سكانها الماء يعني من الصهريج التي بها وهي خراب أصعد إليها الماء من لحف الجبل من ثلاث آبار إحداها بئر عبدل مشرفة على المحجة والثانية بئر يعوم والثالثة بئر ثنية. فقالت هذه الآبار حفرتها الأوائل؟ قال: بل مستجدة أستجدت في هذا العصر.
صفة وادي عبرة
والحصن مشرف على البحر وقد خرج قسطرس جبل بادٍ في البحر طول فرسخ طريق شبه خط الاستواء. ويقال إنّ باني الحصن أراد أن يخرب القاد مما يلي المشرق إلى البحر ويدخل عليه فلم يقدر عليه لقوة الصخر. وكان غرضه أن يقطع الطريق على المراكب لأنه لو اتفق بهم لكان يستظهر على اخذ المركب لصعوده فوق الريح وبقاء المركب تحت الريح. فلما لم يتم له قال بتركه والآن هو مغاص اللؤلؤ الجيد. وبقى من الآبار بئر عبدل مع جبل الردادين وبها كانت وقعة العرب مع العرب وهي وقعة مشهورة سنة خمس وسبعين وخمسمائة. وبئر أبي بكر شنلو العقربي وقد بنى على البئر مسجدا سنة اثنين وعشرين وستمائة. وإلى المزحجة ثلاث فراسخ وهي بئر ماحة في أرض عرب يقال لهم العقارب. وإلى البيضاء فرسخين وتعرف بسيخة الغراب وتسمى قاع الغراب. وقد كان عند البحر وعلى يسار الدرب بئر تسمى المخنق بناها القائد حسين بن سلامة وليس في الربع المسكون أحلى ولا أخف من مائها على الفؤاد. وجواز القوافل على ساحل البحر. وإلى رباك فرسخين، وهي قرية كانت عامرة وقد عمر بها الأمير ناصر الدين فاروث بستانا حسنا وحفر بها انهارا وغرس بها النارنج والأترنج والموز والنارجيل. ويقال إنّ الناخوذة عمر الآمدي غرس شجر الشكي البكي وهو شجر يخرج من بدن الشجر بخلاف جميع الأشجار، والبركى غرسه سنة خمس وعشرين وستمائة. وحفر بها برك وبها حفرة تسمى الأسد في سالف الدهر كانت الخلق تحج إليها من أبين ولحج وما حولها من القرى في أول شهر الله الأصب رجب. وإلى المكسر فرسخ، قنطرة بناها الفرس الذين تولوا عدن على سبع قواعد، ويقال إنما بناها شداد بن عاد في الأصل. حدثني يحيى بن يحيى بن علي بن عبد الرحمن الزراد قال: إنما بناها رجل جبلي سنة خمس مائة، ويسمى المزف وكان في الأول لا يعدون هذا الموضع إلا بسنابيق وكذلك الماء والحطب. وإلى جبل حديد نصف فرسخ، ويقال إنّه جبل حديد جاء بعض أرباب المخبرة وسبك من هذا الجبل بهارين ونصف حديد وغار المعدن عن أعين الخلق ويقال إنّ الرجل السباك قتل لأجل سبكه الحديد، وفي لحفه مسجد بني بالحجر والجص. وإلى المياه ربع فرسخ. وإلى عدن ربع فرسخ.
ذكر ما كانت عدن في قديم العهد
следующие страницы →