← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 471

تاريخ المستبصر

ابن المجاور، يوسف بن يعقوب

Полный текст (109 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وكانت فيما تقدم من الأيام هذه الأعمال أعمال بني مجيد بنوا بها القليعة، فخربت القليعة لاختلاف أهلها وسكن بعدهم جماعة من أهل جزيرة فرسان في أواخر أيام سيف الإسلام طغتكين بن أيوب وبقيت في أيديهم إلى الآن. ويؤخذ بها مكس من حمل كل حمل نصف ربع وثغر بين الربده وبين مرمان والمسالمية والاسجار والنحاحسة والفرنملة. وإلى العمرية ثلاث فراسخ. حفرتين في وادي واشتهر هذا الوادي بهذا الاسم على ما ذكره غزي بن أبي بكر الحجازي إنّ امرأة جاءت بهذا الوادي تسمى عمرية فأصابها عطش شديد فصعدت إلى ذروه هذا الجبل على إثر سيل السيل من فضل الغيوث فحسبته ماءً، فلما وصلته أيست فماتت من شدة العطش، فعرف الوادي والجبل بهذا الاسم يعني اسم عمرية. وحفرت بئر بعد الموت وسميت البئر باسم الجبل. كما قال: تحريت في امرئ لذائب ... أدير وجوة الرأي فيه ولم ادر أاعزم عزم الناس والصبر دونه ... أم أقنع بالأعراض والنظر الشزر فديتك لم أصبر ولي فيك حيلة ... ولكن دعاني اليأس منك إلى الصبر تصبر مغلوبا وإني لموجع ... كما صبر العطشان في بلد الفقر وقال روبة النكبي: كذرى بيش من نكاه كنم سوى رخسار تو ربوده دلي همجو در دشت كربلا سوى آب نكه تشنكي حسين علي تفسير هذين البيتين باللغة العربية يقول: تمر بي وأنا انظر إلى وجهك وأنا مسلوب الفؤاد كما كان ينظر الحسين لن علي في كربلا من عطشه إلى الماء. وإلى عبرة ثلاث فراسخ. بئر حفرت في بطن وادٍ مشرف على البحر المالح، وما سميت بهذا الاسم إلا إنّ ماءها يشابه عبرة الإنسان في الصفا، ويقال بل عبرة تعبرها القوافل. وكان السبب على ما حكي غزي بن أبي بكر الحجازي إنّه أهلها كانوا جبابرة ومن جملة جبرهم إنّه إذا ضاق على أحدهم الرزق من وجوه الشقا والكد لم يستحسن يطلب من أحد. ولا يبذل ماء وجهه إلى أحد فكان يحفر حفرة كبيرة يدخل فيها هو ومن معه ويموتون يموتوا جميعاً لئلا يعلم بحالهم عدو ويفرح أو صديق يهتم، كما قيل: وكم قد رأينا من فتى متجملا ... يروح ويغدو ليس يملك درهما يراعي نجوم الليل مما يصيبه ... ويصبح يلتقي ضاحكا متبسما ولا يسأل الأخوان ما في يديهم ... ولو مات جوعا عفة وتكرما وقبور القوم باقية في ما بين كل قبر منها مقدار دار عظيم، فسميت العبرة (فاعتبروا يا أولي الأبصار) ولم يتحقق عند أبن مجاور انهم كانوا مسلمين أو غيرهم من أهل بعض الأديان. وبقي آثار الخسف يحدثني بدوي من أهل البلاد بهذا المنزل سنة تسع عشرة وستمائة: إنّه جاز بهذه البئر رجل غريب فسألني عن جبل الحيالة ونجوان والناجية فأنبأه عن الثلاثة الجبال فقلت له: ما شأنك تسأل عن هذه الجبال؟ قال: إني قرأت في بعض الكتب أن ما ينجوه في آخر العهد إلا من سكن هذه الثلاثة الجبال. فقلت له: فأي الجبال هم؟ فقال: نجوان وهو جبل بني عليه حصن عزان والجبلين الآخرين بقربه والله اعلم. صفة باب المندب

стр. 37

لم يكن هذا البحر بحراً في قديم العهد اعني بحر القلزم وإنما هو بحر مستجد فتحه ذو القرنين ويقال بعض التبابعة. وكان الموجب على ما ذكره جماعة من أهل البلاد منهم الأمير أبو الطامي جياش بن نجاح في كتاب المفيد في أخبار زبيد قال: لمّا وصل ذو القرنين إلى هذا الوادي نظر فوجد به شدة الحر ففتحه أي نقر صدر الوادي، فخرج البحر وخرج عرق منه إلى قلزم ووقف عنده ويقال إنّ أرض الحبشة كانت متصلة ببلاد العرب فقال ذو القرنين: أردنا إنّ نفرق ما بين الإقليمين ليعرف كل صاحبه ويجوز كل أرضه وبلاده وينقطع ماء بين القوم من تغلب والتعدي. فلما فتح البحر افترق الإقليمين كل إقليم بذاته، فصارت الحبشة تخوض البحر بالخيل والرجل وتغزو أرض العرب. وبني بعض العرب على جبل مندب حصنا يسمى بعد ومد بسلسلة من بر العرب إلى بر الحبشة معارض، فكل مركب يصل يمر تحت السلسلة حتى كان يخرج منه ويسافر إلى أي جهة يشاء وأراد. وبقى الحصن على حاله إلى أن هدمه التبابعة ملوك الجبل ويقال بنو زريع ملوك عدن والأصح الحبشة ملوك زبيد ورفعت السلسلة، وبقى أثرها إلى الآن. ويقال إنّ في ذلك الزمان ما كان لسفارة البحر جواز إلا على باب المندب لأنه كان أغزر موضع في البحر. وكان ما بقى منه فشات ووضح وبطون والأولاد يلعبون في الماء بها، والآن صارت المراكب تسافر من وراء ظهره. وهو بحر عميق طويل عريض لكثرة المياه ونذكر ما بقى إذا وصلنا عدن. ويوجد في سواحله العنبر والغالب ما يجده الصيادون. ذكر الفقرات وفي أواخر بطن الوادي يعني العمرية ثلاث تلال حصا يكون بين كل واحدة إلى الأخرى مقدار ثلاثين ذراعا زائد لا ناقص، فسألت عن حالهم فقال لي بعض الجمالين: إنّ التلول أثر ثلاث فقرات فقرها بعض الجبابرة في زمن الجاهلية كل فقرة تل حصا ليعرف وهم من جملة العجائب. وثغر بين المجالين وبين السقيا. ويسمى هذا الخبت مطاران لأن ما يروى بها أهلها الماء إلا أيام المطارات. وعلى عين الدرب أثر مسجد فيه أثر ناقة معاذ بن جبل ﵁ وهو موضع فاضل. وإلى العارة ثلاث فراسخ. بناء المزدوية المرة فلما قتل النجاشي بأرض الحبشة ونجا من نجا من القتل وسكن هذه البلد سميت المزدوية لأنهم أزدوا بأرواحهم لئلا تعطب كمولاهم وسلامة خدامه دون الغير. قال أبن المجاور: وما سميت المرة إلا إنّ حياتهم رجعت مرة لتشتتهم من أرضهم وبلادهم ومفارقة الأهل والولد. فلما انقرضت تلك الأمة سكنها قوم عرب سموهم المريين وبقوا سكانها إلى أن حجزت البلاد وضاعت العباد وارتحلوا منها. حدثني ريحان مولى علي بن مسعود بن علي قال: إنهم نزلوا بربرة وأعمالها وبقى نسلهم في بر السودان والمعروفين بالمريين وهم الآن ذوو قبائل وعشائر، وبنت بعدهم العرب مدينة الأخضرين فوق العارة. حدثني يوسف بن خميس بن أبي بكر قال: إنّه كان مسكن الصيادين والدليل على ذلك إنهم إلى الآن يجدون عظام السمك. حدثني موسى بن ديفل قال: بل كانت مدينة عظيمة فلما خربت بناها الفرس الواردين من أهل سيراف المنذرية تحت العارة على هذا البحر وبها آثار جامعين كبيرين ومساجد وطواحين الغلال وطواحين القرظ ترى بين شجر الأراك. قال أبن المجاور: وكل مدينة بناها الفرس من أهل سيراف بنوا فيها المدابغ وعملوا بها طواحين القرظ ولا شك إنّ القوم كانوا دباغين. وقال حكيم: لم يخرج من اليمن إلا وغدا أو رائض قرد أو دابغ جلد. وقال لي أخي أحمد بن محمد بن مسعود: وكيف هذا؟ قلت كاموا يدبغون الأدم ويجلب إليهم من أعلى مكة ونجران إلى عمان ومن حلى بنى زهرة إلى كرمان ومن الكيس وجنانة وفارس ومن بني مكرمان ومن زبلع ورحيتو والمنذرية من عدن إلى مكة. وكان بنزف جميع هذا الأدم إلى العراق وخراسان وكرمان وما وراء النهر وخوارزم وهجر فكان يتفرق في أقاصي الأرض ودانيها. وما كان يبن كما ينزف في عصرنا هذا للقوة من ما بين سائر الأمكنة برا وبحرا إلى الهند ولم يؤثر جميع ذلك فيها أثرا فيها كما يقال: لا تنظر إلى طول المنارة ولكن أنظر إلى الجامع. ذكر حشمة أهل المنذرية

стр. 38

حدثني رجل من أهل الحجاز قال: إنما كان مأكول الفرس من أهل سيراف السمك الضرياك، ففي بعض الفصول يعدم فعند عدمه خرج غلامان لتاجرين ليشتريا ضيراكا، إذ أقبل الصيادون بضرباك فتزايد فيه الغلامان إلى أن بلغوا ألف درهم فاشتراه أحدهما. فلما دخل الغلام بالحوت على سيده استحسن منه ذلك وأعتقه وأعطاه ألف درهم يتعيش فيها. وأما ما كان من الغلام الآخر فان سيده من غيضه عليه أهانه غاية الإهانه كما أن غلام زيد غليه في الشطارة. حدثني أحمد بن سلطان المجيدي قال: إنما أخرب المنذرية علي بن المهدي سنة أربع وخمسمائة. ويقال إنّ بني مجيد بنوا البلاد وبقوا على ما هم علية إلى أن قحطت البلاد وجاعت العباد، ويقال إنهم افترقوا ذات اليمين وذات الشمال وبقيت خراب فجاءت الحجازيون فاستعاروا الأرض من بني مجيد. فوافق ذلك الموضع الحجازيين وقوت أيديهم عليها لمّا أخصبت البلاد فرجع بنو مجيد إلى بلادهم وأوطانهم فقاتلهم الحجازيون وأنكروهم وأخرجوهم من ديارهم من غير رضى فلما عجز بنو مجيد عن مكافاتهم تفرقوا ثلاث فرق فرقة سكنوا زيلع وفرقة سكنوا ظفار وفرقة سكنوا مقدشوه، وبقى شرذمة منهم في الجابية. قال: تفانى الرجال على حبها ... ولا يحصلون على طالِ ولعبد آل عامر يقول: ألا إنّ لي ديناً من أيام ذي اللوى ... وديناً من أيام الحسين وأكد أسايل ذا ديني إضافة عند ذا ... وذا جاحد ديني كما ذاك جاحد وأهلها صيادون حمارون وهم قوم ثقات أخبار رجال فحول مأكولهم السمك لا غير. وجميع عرب أهل هذه الأعمال الجبال مع التهائم إلى حدود الحجاز لا يقبل أحدهم حكم الشرع وإنما يرضون بحكم المنع، ولا شك إنّه حكم الجاهلية الذي كانوا يتحاكمون به عند الكهنة ويمامة الزرقاء، ويقال إنّ اليمامة قبل الإسلام. فإذا حكم الشيخ حكما في النع في أحد من العرب بضرب العنق لم يقدر على الهرب ولو أراد الهرب لمّا أمكن إلا أن يمد عنقه ويرضى بالقضاء. فإذا وفى بما علية نادى منادٍ في سائر العرب وفي كل جمع: ألا إنّ فلان بن فلان طاب بطيب العرب، فيرد علية كل من سمعه حاد الفتى. وكان يؤخذ في العارة من كل حمل نصف وربع من ضمان العشر وسنابيق الصيادين والقفول والواردة من عدن إلى زبيد والصيادين من زبيد إلى عدن ومراكب الزبالع القادمين من أرض الحبشة كل عام بألف ومائتي دينار. فأزيل جميع ما ذكرنا سنة عشرين وستمائة، وأعيد هذا السم سنة أربع وعشرين وستمائة وصعد الضمان ألف وسبع مائة دينار. ويقال إنّ أوّل من سعي في ضمان القرية عبد الله بن بكر الاحوري وبقي يحيى إلى يوم الدين. وللشريف الرضي يقول في مثل هذا: من لم يكن عنصره طيب ... لم يخرج الطيب من فيه كل امرئ يجعله فعله ... قد ينضح المرء بما فيه من العارة إلى الحيلة راجعاً على درب الكديحا. من العارة إلى عشر ثلاثة فراسخ، وهي قرية على ساحل البحر ويوجد فيها ما لم يوجد في موزع وبغير الملخاء وهو مرسى دفئ وما اشتق اسمها عند العرب مخا إلا إنّها لا تمضغ كما لا تمضغ المحال. وهي طريق الأصل وعليها كان المعول في مسير القوافل في سالف الدهر لأنه اقرب وابرد لهواء الساحل والبحر. وإلى الحليلة ثلاث فراسخ، ويعرف٠٠٠٠ وهو مجمع الطريقين. من العارة إلى المفاليس من العارة إلى ترن ثلاثة فراسخ. ذكر ترن

стр. 39

أهل ترن أصلهم من امرأة خرجت من البحر تسمى الفالقة سكنت البر وتزوجت رجلا من وجوه العرب أسكنه العربي أرض ترن ورزق منه أولاد إناثا وذكورا قالت العرب: إنّ أهل ترن من نسل العربي والمرأة يعني الفالقة وكان إذا جاءهم سيل عظيم ومال عن جريته ليسقي به موضع آخر كانت تقعد في بطن الوادي وتسده من عظم خلقتها وكبر جثتها وترد الماء إلى المجرى القديم المعتاد فتسقي الأرض من جريه، وكانت تبقى على حالها إلى أن تسقي للناس الأرض كلها. فإذا رويت الأرض واستغنت الناس عن ماء السيل فتقوم حينئذ من مقعدها فيجري ما فضل من ماء السيل إلى البحر، ويقال إنها كانت ساحرة. قلت لعمرو بن علي بن عقيل: ما فعل الله بفالقة؟ قال: إنها إلى الآن تعيش. قلت: وأين تسكن؟ قال: بوادي قطينة. قالت: وأين الوادي؟ قال: في أعمال ترن ولم تمت إلى يوم القيمة. قلت: هل يراها أحد؟ قال: نعم كل من قرب أجله. قلت: ولم سميت هذه الأرض ترن؟ قال: لأن الخلق كانوا يتعجبون من عظم خلقها فكان زيد يقول لعمرو: ترن أي تراها! فعرفت الأرض بهذا الاسم. ولهذا تقول العادة أنا الترني يسكن فخذ من فخوذ العرب أرض ترن ولا شك انهم بنو محريد وهم أهل أنعام وخيل وزرع وضرع. لمّا كثر المال عليهم وحسن الحال بهم ركبوا على حين غفلة من الحجازين وقتلوا جماعة منهم بعد أن اخذوا جميع ما كان معهم من المتاع والمال والأثاث وعادوا منصورين وبقي الحجازيون في العناء والتعب مدة عام كامل. والتأم خلق عظيم منهم ورجال من السكاسك فلان وفلان بن فلان من المعدودين كبسوا على أهل ترن سنة ستين وخمسمائة. فصار عادة القوم إذا تكنى أحدهم قال: أنا الترني، يعني من نسل قوم الذين حضروا الواقعة. وملك الحجازيون أرض ترن إلى الآن وجميع زروعهم فيها فصارت لهم مأوي وملك. وإلى النخيلة ثلاثة فراسخ. وإلى المفاليس ثلاث فراسخ. من العارة إلى تعز من العارة إلى شعب أربع فراسخ. وإلى النبة ثلاث فراسخ. وإلى المحجاط ثلاثة فراسخ. وإلى الحصين فرسخين. وإلى العريش ثلاثة فراسخ. وإلى تعز فرسخين. من العارة إلى عدن من العارة إلى الجابية فرسخ، ويقال إنّها من أعمال ترن، وترن من أعمال العارة. وإلى بئر الصحبة ثلاث فراسخ وهي بئر حفرت في آخر دولة بني مهدي. وثغر العرف والحراجرة والحجف والقيعا وعويد ومحاذا بئر صبيح على يسار المحجة جبل حرز ويقال حريز، وما عرف بهذا السم إلا إنّه ٠٠٠ يسمى حرز ويقال بل جبل حريز أي مكين والله أعلم بالصواب. صفة جبل حريز هو حبل شامخ شاهق في الهوى وبالقرب منه جبل ذو نساح أي ذو رأس بنى عليه حصن يسمى الجاهلي ويقال الأزلي لقدمه والناس تصعد إليه والثاني لم يصعده إلا كل صالح وولي. حدثني علي بن صبيح العقولي: إنّ سليمان أبن داود ﵉ بنى في إقليم اليمن حصن بيسون وغمدان وسلحين وهذا الحصن يعني القاعدة وهو أحكمهم، وذلك لمّا تزوج سليمان ﵇ ببلقيس في أرض اليمن فأمر الجن بنت هذه الحصون جميعها على هذا الوضع والله العلم بالغيب وأحكم.

стр. 40

وبقى الحصن على حاله إلى أن خرب وأندثر. ويقال إنّ أبا الغيث أبن سامر أراد عمارة هذا الحصن في دولة الحرة السيدة بنت أحمد بن جعفر بن يعقوب بن موسى الصليحي بع أن احضر له آلة البناء، وتم له المقصود وابتدأ في البناء فطلع طلائع الجن فقتلوا جميع القوم في المكان. وبعده أراد عمارة هذا الحصن الداعي سبأ بن أحمد بن المظفر الصليحي ويقال الدعي سبأ بن أبي مسعود بن الزريع بن العباس بن المكرم والي عدن من قبل الدولة الفاطمية فلم يمكنوه الجن. وأراد إعادته بعدهم سيف الإسلام الملك المعز إسماعيل بن طغتكين بن أيوب في دولة الملك الناصر أيوب بن طغتكين أبن أيوب بن شاذي فأشار بعض الفضلاء بتركه. فقلت لعمرو بن علي بن مقيل: هل في ذروته عمارة؟ فقال: ما كان يسكنه إلا من خاف وفيه آثار حيطان قد اندثرت وجدرات قد إنهدمت وصهاريج قد خربت ودرج قد تقلعت. قات: فهل كان عليه سور؟ قال: إنّ الجبل هو سور بذاته ة إذا أصاب عرب هذا الزمان في هذه البلاد خوف أو جور من السلطان صعدوا بأنعامهم ودوابهم إلى القاعدة وقعدوا بها آل أن تأمن البلاد فحينئذ يطلبوا البلاد. فإذا قل على سكانها الماء يعني من الصهريج التي بها وهي خراب أصعد إليها الماء من لحف الجبل من ثلاث آبار إحداها بئر عبدل مشرفة على المحجة والثانية بئر يعوم والثالثة بئر ثنية. فقالت هذه الآبار حفرتها الأوائل؟ قال: بل مستجدة أستجدت في هذا العصر. صفة وادي عبرة والحصن مشرف على البحر وقد خرج قسطرس جبل بادٍ في البحر طول فرسخ طريق شبه خط الاستواء. ويقال إنّ باني الحصن أراد أن يخرب القاد مما يلي المشرق إلى البحر ويدخل عليه فلم يقدر عليه لقوة الصخر. وكان غرضه أن يقطع الطريق على المراكب لأنه لو اتفق بهم لكان يستظهر على اخذ المركب لصعوده فوق الريح وبقاء المركب تحت الريح. فلما لم يتم له قال بتركه والآن هو مغاص اللؤلؤ الجيد. وبقى من الآبار بئر عبدل مع جبل الردادين وبها كانت وقعة العرب مع العرب وهي وقعة مشهورة سنة خمس وسبعين وخمسمائة. وبئر أبي بكر شنلو العقربي وقد بنى على البئر مسجدا سنة اثنين وعشرين وستمائة. وإلى المزحجة ثلاث فراسخ وهي بئر ماحة في أرض عرب يقال لهم العقارب. وإلى البيضاء فرسخين وتعرف بسيخة الغراب وتسمى قاع الغراب. وقد كان عند البحر وعلى يسار الدرب بئر تسمى المخنق بناها القائد حسين بن سلامة وليس في الربع المسكون أحلى ولا أخف من مائها على الفؤاد. وجواز القوافل على ساحل البحر. وإلى رباك فرسخين، وهي قرية كانت عامرة وقد عمر بها الأمير ناصر الدين فاروث بستانا حسنا وحفر بها انهارا وغرس بها النارنج والأترنج والموز والنارجيل. ويقال إنّ الناخوذة عمر الآمدي غرس شجر الشكي البكي وهو شجر يخرج من بدن الشجر بخلاف جميع الأشجار، والبركى غرسه سنة خمس وعشرين وستمائة. وحفر بها برك وبها حفرة تسمى الأسد في سالف الدهر كانت الخلق تحج إليها من أبين ولحج وما حولها من القرى في أول شهر الله الأصب رجب. وإلى المكسر فرسخ، قنطرة بناها الفرس الذين تولوا عدن على سبع قواعد، ويقال إنما بناها شداد بن عاد في الأصل. حدثني يحيى بن يحيى بن علي بن عبد الرحمن الزراد قال: إنما بناها رجل جبلي سنة خمس مائة، ويسمى المزف وكان في الأول لا يعدون هذا الموضع إلا بسنابيق وكذلك الماء والحطب. وإلى جبل حديد نصف فرسخ، ويقال إنّه جبل حديد جاء بعض أرباب المخبرة وسبك من هذا الجبل بهارين ونصف حديد وغار المعدن عن أعين الخلق ويقال إنّ الرجل السباك قتل لأجل سبكه الحديد، وفي لحفه مسجد بني بالحجر والجص. وإلى المياه ربع فرسخ. وإلى عدن ربع فرسخ. ذكر ما كانت عدن في قديم العهد

стр. 41

كان من القلزم إلى عدن إلى وراء جبل سقطرة كله بر واحد متصل لا فيه بحر ولا باحة فجاء ذو القرنين في دورانه ووصل إلى هذا الموضع ففتح وحفر خليجا في البحر فجرى البحر فيه إلى أن وقف على جبل باب النمدب فبقيت عدن في البحر وهو مستدير حولها وما كان يبان من عدن سمى رؤوس الجبال شبه الجزر. ولنا على قولنا دليل واضح إنّ آثار ماء البحر والموج باق بائن في ذرى جبل العر والجبل الذي على ذروته حصن النعكر وجبل الأخضر والدليل الثاني إنّ شداد بن عاد ما إرم ذات العماد إلا ما بين اللخبة ولحج وبين المغاوي التي على طريق المفاليس وهو الرمل الذي إلى جبل دار زينة. وما بناها إلا في أطيب الأراضي والأهوية ة الجو في صفاء من الأرض بعيد عن البحر. والآن رجع البحر في أطراف بلاد إرم ذات العماد وتناول البحر شيئا منه أخذة ولم يكن بهذه الأرض بحر وإنما استجد بفتح ذي القرنين فمد من جزيرة سقطرة فساح إلى إنّ وقف أواخر المندب والدليل الثالث إنّ البحر الذي ما بين السرين وجدة يسمى مطارد الخيل ومرابط الخيل والأصل فيه إنّ العرب كانت تربط الخيل في هذه الأرض والأصح إنهم كانوا يطاردون الخيل لمّا لم يكن بحرا وكان البحر أرضا يابسة. فلما فتح ذو القرنين باب المندب غرق جميع الأراضي وما علا منها صارت جزرا في ناحية البحر يسمى باس مطارد الخيل. ومما ذكره الأمير أبو الطامي جياش بن نجاح في كتاب المفيد في أخبار زبيد الأول، وهما كتابان المفيد الأول الذي صنفه الأمير جياش والثاني صنفه الأمير فخر الدين أبو علي عمارة بن محمد، فذكر الأمير جياش بن نجاح في كتابه المفيد في أخبار زبيد إنّ البحر كان مخاضة لقلة مائه فلذلك تغلبت الحبشة على جزيرة العرب حتى ملكوا صنعاء إلى حد إقليم العواهل وبقيت دولتهم فيها في الكفر والإسلام إلى إنّ أفناهم علي بن مهدي سنة أربع وخمسين وفي عهده انقرضوا وزالت دولتهم مع شدة صولتهم. نعود إلى ذكر ذي القرنين كان البحر على حاله إلى أن فتح ذو القرنين باب المندب فجرى البحر فيه إلى أن وفق آخر القلزم فطال وعرض وترخى وانبسط انفرش فبانت ترض عدن. ومما ذكره أبو عبد الله محمد بن عبد الله الكيساني في تفسيره قال: لمّا خرج شداد بن عاد من أرض اليمن طالب أعمال حضرموت ووصل لحج فنظر جبل العر وعظمة من على مسافة بعيدة فقال لأعوانه: أغدوا وابصروا هذا الجبل وما دونه فلما عاينوا الموضع رجعوا وقالوا: إنّ هذا الموضع وادٍ وفي بطنه شجر وفيه أفاعي عظام وهو مشرف على البحر المالح. فلما سمع بهذا المقالة نزل في لحج وأمر بان تحفر الآبار التي هي الآن يشرب أهل عدن منها وأمر أن ينقر له باب في صدر الوادي. صفة نفر الباب وحفر النهر وأقام على حفر النهر ونقر الباب رجلين، قال حكماء الهند: هما عفريتين من الجن، ولا زال أحدهما ينقر الجبل والثاني ابتدأ في حفر النهر برأس سقطرة من أعمال لحج. ولا زال الرجلان يعملان في النقر والحفر إلى أن بقي عليهم من العمل شيء يسير. فقال الحجار: إني إنّ شاء الله تعالى بالغد افرغ آل أتم عملي. فقال الحفار: وأنا بالغد ادخل الماء إلى عدن إنّ شاء الله وإنّ لم يشأ. فاقطع النهر بعضه من بعض وانسد معين الماء من الأصل وإرتدم ما بناه بعضه على بعض ولم يصح منه شيء ولم تقم منه صورة ولا استقام منه مغنى، ووصل في حفره إلى تحت جبل الحديد ومن عنده انقطع. قال أبن المجاور: ورأيت آثار النهر بعينه مبني بالحجر والجص بناء محكما وثيقاً في عرض ذراع ما بين الماء وجبل الحديد وقد علاه البحر ولم يبن لناظره إلا إذا عرى البحر ماد شبه خط الاستواء داخل في البحر. قال فلما اصبح الحجاز من الغد فتح نقر الباب وفتحه واستقام الأمر على ما أراد. ويقال إنّه بقي في النقر مدة سبعين سنة حتى أتمه. فطال المقام في حال القوام صار شداد بن عاد ينفذ إلى هذا المكان كل من وجب عليه الحبس يحبسه فيه فبقي حبساً على حاله إلى آخر دولة الفراعنة الذين كانوا ولاة مصر، بعد زوال دولتهم خرب المكان. ذكر المدن التي كانت حبوساً للملوك

стр. 42

كسمر حبس سليمان بن داود ﵉، حصار نادى حبس ذي القرنين، ترمذ حبس الاسكندر، مولتان حبس الضحاك الساحر، آمل وساري لكيكوس بن كيباد، حس حبس الروم، حصار طاق حبس بردسيار، مصر حبس أمير المؤمنين أبو محمد هارون الرشيد، مرو حبس أمير المؤمنين عبد الله المأمون، الشام حبس الإمام الناصر لدين الله. ويقال إنّ فيها سرداب إذا زادت دجلة امتلأ وبقوا محبوسين وقوف في الماء إلى أن ينقص فمن نداوة الماء وعفونة الأرض وملوحة السبخة تنفطر جلود المحبوسين واكثر ما يعيش بها المحبوسون شهر زمانٍ. ونهاوند حبس السلطان معز الدين محمد بن سام، ولوحك حوران حبس السلطان بهرام شاه، وقلعة نصور حبس خسرو ملك بن خسروشاه، وبرعد حبس تاج الدين يلدز السلطاني وكواليور حبس الملك قطب الدين أبو الفوارس أبيك الاملي، وعوض حبس السلطان شمس الدين إلنتمش وهراة حبس السلطان غياث الدين بن محمد بن سام، وحصار هزارسب حبس السلطان أبو الفتوح محمد بن تكش كوشك سنه جوهران بس طغرلبك شاه بن محمد، ودهلك حبس عبد الله بن مروان، وعيذاب حبس الخلفاء الفاطميين، وتعز حبس ملوك اليمن، وقوارير حبس بني مهدي، وجبال برع حبس الملك الأعز علي بن محمد الصليحي، وسيراف حبس السلطان محمود بن محمد بن سام، وعدن حبس الفراعنة ورجعت من حبوس الفاطميين. وقال الهنود: عدن حبس دس اسم جني له عشرة رءوس من جملتهم الغزال درسير وكان يسكن الجبل المنظر ويتفرج على رملة حقات وسكن بعده هنومت حقات. وما أخرجهم منها إلا سليمان بن داود ﵇ لمّا وصل أرض اليمن لأجل بلقيس لأن هؤلاء القوم المتقدم ذكرهم كانوا عفاريت. وما سميت عدن بعدن إلا بعدنان لمّا بناها سماها على اسم ابنه عدن. وما اشتق عدن إلا من عاد، ويقال أوّل من حبس بها رجل يقال له عدن فسميت به. قال أبن مجاور: وما اشتق عند إلا من المعدن وهو معدن الحديد. وتسمى عند الفرس اخرسكين وعند الهنود سيران وعند السودان ٠٠٠وتسمى عند التجار يأكل صيده وتسمى حبس فرعون ومقام الجن وساحل البحر وتسمى عند الهنود هتام وعند الظرفاء سنداس لأن ما يرميه الإنسان في الازيب يرده الكوس إلى اللحادوس وتسمى فرضة اليمن وتسمى السوقة دار السعادة بدارٍ بناها سيف الإسلام طغتكين مقابل فرضة، وتسمى الدار الطويلة بدار بناها أبن الحابين على محاذات الفرضة، وتسمى المنظر بدار بناها المعز إسماعيل بن طغتكين على جبل حقات، وتسمى عند التجار صيرة وحيدة. ذكر جبل صيرة هو جبل شامخ في البحر مقابل عدن وجبل المنظر ويقال هو قطعة منه. وقال محمد بن عبد الله الكيساني في تفسيره: إنّه يخرج يوم القيمة من صيرة ﵇ عدن نار تسوق الخلق إلى المحشر. والدليل على ذلك قلب بالجبل بئر يسمى انبار ويسمى عند حكماء الهند في بر يخرج طول الدهر منه دخان ويسما الآن بئر الهرامسة ليس يمكن لأحد النظر فيه من وهجه وكربه وقتامه ويوجد حول البئر حجارة مكسرات وأفاعي ونائمات وحيات قائمات. قالت الهنود: إنّ هنومت المقدم ذكره حفر هذه البئر وليس هي بئر وإنما هو سرب ينفذ حفره تحت البحر إلى مدينة أوجين بكرمى وهي سرير ملك مالوي من الهند. فصل

стр. 43

حدثني مبارك الشرعي مولى والد محمد بن مسعود قال: كان السبب في حفر بئر بر إنّ حادبير وهو عفريت سرق سيت زوجة رام جندر من أعمال عوض وسار بها إلى أن سكن بها على قلة جبل صيرة. وقال: إلي أريد أن أقلب عنك صورة الإنية إلى صورة الجنية. فبينما هما في لا ونعم إذ سمع بخبرهما هنومت وهو عفريت ثاني على صورة قرد فحفر هذا السرب من أوسط مدينة أوجين بكرمى تحت البحر وبلغ آخر الحفر إلى أوسط جبل صيرة وفعل جميع ذلك في ليلة واحدة، فخرج من الحفرة فوجدها نائمة على ذروة الجبل تحت شجرة شوك فرفعها على ظهره ونزل بها السرب ولازال يسري بها إلى أن بلغ اوجين بكرمى فعند انفجار الفجر الصادق سلمها إلى زوجها رام جندر فرزق منها رام جندر ولدان ذكران سمى أحدهما لب والثاني كش ولها حكاية طويلة عريضة يطول شرحها فبقى السرب إلى الآن. وكذلك حفر كيكالوس بن كيقباد سرب من الري إلى مازندران مسيرة ستة وثلاثين فرسخا. وحفر بعض الهنود سربا في ديولاره من أعمال السومنات ينفذ أواخره إلى بابهن من أعمال الديوكير أوّل حدده مالوي، وينفذ أيضاً تحت بحار ورمال ويقال إنّه حفر الجن ولا شك في هذا. وحفرت رؤساء همذان في وسط أملاكهم سربا ينفذ إلى روذراور مسيرة ثلاثة أيام. وحفر كرشاسب بن اثرط أبن رستم سربا في وسط قصره الذي بقلعة ارك بسيستان ينفذ أواخره إلى وسط حصار طاق مسيرة اثني عشر فرسخا. وحفر دير الجب في نواحي الموصل. قالت النصارى: لمّا قتل سنحاريب ولده من بها رماه في حفرة كانت بالقرب منه انخرق بالحفرة سرب ينفذ إلى الزاب مسيرة أربع فراسخ، قالت النصارى: وعاش مرتهنا بعد الموت وإدراك الفوت وهو إلى الآن بالحيوة في تلك النواحي. وحفر بعض سواريب الهنود بالمدينة برهنك سرب مسيرة أربعة فراسخ بطريق وكان سببه ما حدثني أبو طالب بن أبي بكر بن أبي طالب الحداني المعروف بابن السويدائي إنّه عشق بنت الملك فحفر هذا السرب من بيت اليد إلى دار الصبية فكان يمشي إليها وتجيء إليه في هذه الطريق مدة حياتهما فلما خرب السلطان نظام الدين محمود بن سبكتكين البلدة بقى السرب على حاله. وبقى بطريق مكة جبل يسمى المخروق فيه خرق من فصل من لحفه إلى ذروته وقد تقدم ذكره. وفي نواحي الموصل قرية يقال لها الباعور وهو موضع لعرب من زمن النبي (فمن شدة الباعور انخرق في الأرض سرب يطول من الباعور إلى دجلة مسيرة خمس فراسخ. وحفر شاه بور بن اردشير بابكان في قلعة نيسابور سربا تحت الأرض مسيرة خمسة فراسخ ينفذ إلى برية وما عمله إلا لإحكام القلعة وحقن دماء الخلق ولهذا يقال: الهرب في وقته ظفر. نرجع إلى ما كنا عليه من كلامنا الأول، فإذا تعوقت المراكب في المجيء عن موسم ثغر عدن يجاء إلى جبل صيرة بسبع رؤوس بقر عند اصفرار الشمس وتبقى البقر في مكانها إلى نصف الليل وبعد زوال هذا الحد ترد ست رؤوس منها إلى عدن ويبقى رأس واحد هناك مكانه، فإذا اصبح ضحي به من الغد في مكانه وتسمى تلك الضحية ضحية الجبل فإذا عمل هذا العجل تقدم المراكب وتلاق بعضها ببعض. وقد صارت سنة من قديم اليام من دولة بني زريع وغيرهم من العرب، وبطل ما ذكرناه في زماننا هذا. فصل

стр. 44

فإذا حاذى مركب المسافر مدينة سقطرة أو جبل كدمل تسمى يلك المحاذات الفولة. يؤخذ قدر يعمل عليه شراع وسكان من جميع آلة المراكب ويعبى فيه من الأطعمة من قليل نارجيل وملح ورماد ويلقى في البحر من الأمواج الهائلة، قال أهل التجارب والخبرة إنّه يصل بسلامة إلى لحف الجبل. وكان في أيام القبط واليونان في وقت زيادة النيل توخذ بنت بكر عذراء احسننا يكون من الصور تزين بأفخر زينة وتلبس الحلي والحلل ويؤتى بها على رؤوس الأشهاد بالطبل والمزمار ويطلقونها في النيل. فأزيل هذا الفن في أيام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁. وفي اجه وجميع أعمال الهند والسند إذا زرع أحد قصب السكر ينذر للصنم نذرا إذا طلع قصبه جيدا فدى بإنسان فان صح قصبه احتال على بعض قصار الأعمار يذبحه ويرش بدمه أصول قصب السكر في يوم عيد لهم يسمى الديواني. وإذا زاد شط السند في الأخذ على المد والحد يؤخذ خشف غزال أحمر ويعطر ويبخر ويطلق في أغزر موضع وأقوى جريان في السيل وأشد سوار فحينئذ ينقص الماء بأذن الله تعالى. وما ذكرنا هذه إلا لنبرهن مقالتنا وما تقدم من قولنا والله اعلم. ذكر المعجلين هو بركة في آخر جبل حفات وجبل صيرة الذي بنى على ذروته قصر المنظر، والبركة خلقها الله تعالى وهي ما بين جبل حقات وجبل صيرة وهي ذات أمواج هائلة قاتلة في عمق وغزر. حدثني منصور بن مقرب بن علي الدمشقي قال: إذا برد الماء بها يعني في البركة يكون العام عاما شديدا على كل من يقطع الصبا قلت: ولم؟ قال: لكثرة الأمواج وهيجان البحر. وإذا كان الماء فيه فاترا يكون عاما طيبا سهلا يسرا غير عسي على المسافر وهذا مجرب. قلت لريحان مولى علي بن مسعود بن علي بن أحمد: لم سمي هذا المكان المعجلين؟ قال: لأنه يرجع كل أربعة أثنين. ذكر بحيرة الأعاجم قيل: لمّا أطلق ذو القرنين البحر من جبل باب المندب وساح نشف ما حول عدن من المياه وبقيت عدن نصفها التي تلي جبل العر مما يلي صيرة مكشوف ومما يلي المياه وإلى جبل عمران ناشف. فلما استولت ملوك العجم على عدن رأوا ذلك الكشف فخافوا على البلد من يدٍ غالبة تحاصر البلد فحينئذ قاموا فتحوا له فماً مما يلي جبل عمران وأطلقوا البحر عليه فأندفق البحر فنزل إلى أن غرق جميع ما حول عدن من أرض الكشف فرجعت عدن جزيرة. وبقي كل من أراد السفر إلى جهة من الجهات ركب متاعه في الصناديق ويجيء في البحر الأصلي إلى أن يعدي البحر وجاءت الجمال فرفعوه من عند المكسر وسافروا به. فلما رأوا ما رأوا من تعب الخلق في ذلك بني المكسر وهو قنطرة بنيت على سبع قواعد فصارت الخلق تسلكه على الدواب وغيرها. ويسمى البحر المستجد بحيرة الأعاجم بهم إلى قيام الساعة. بناء عدن لمّا انقطعت دولة الفراعنة خرب المكان بزوال دولتهم، وسكن الجزيرة قوم صيادون يصيدون في المكان فكانوا على ما هم عليه زمنا طويلاً يرتزقون الله في القوت والمعاش إلى أن قدم أهل القمر بمراكب وخلق وجمع وملكوا الجزيرة بعد أن اخرجوا الصيادين بالقهر وسكنوا على ذروة الجبل الأحمر وحقات وجبل المنظر، وهو جبل يشرف على الصناعة. وآثارهم إلى الآن وبنائهم باق بالحجر والجص ملء تلك الأودية والجبال. قال الشاعر: لي أدمع هواطل ... مذ خلت المنازل وسار حادي عيسهم ... فهاجت البلابل وقفت في ربوعهم ... هاذٍ بهم وسائل يا دار هل من خبر ... رد جوابي عاجل أجابني من الربو ... ع صائح وقائل ابك دما يا غافلا ... قد سارت القوافل لي فيهم فتانة ... رشيقة الشمائل في خدها وقدها ... ورد وغصن ذابل وكانوا يطلعون من القمر يأخذون عدن رأساً واحداً في موسم واحد. قال أبن المجاور: وماتت تلك الأمم مع تلك الرئاسة وانقطعت تلك الطريق ولم يبق أحد في زماننا يعلم مجرى القوم ولا كم كيف كانت أحوالهم وأمورهم. فصل

стр. 45

قال أبن المجاور: ومن عدن إلى مقدوشوه موسم ومن مقدشوه إلى كلوة موسم ثاني ومن كلوة إلى القمر موسم ثالث، فكان القوم يجمعون الثلاثة المواسم في موسم واحد. وقد جرى مركب من القمر إلى عدن بهذا المجرى سنة ست وعشرين وستمائة أقلع من القمر وكان طالباً كلوة فارسي بعدن. ولمراكبهم أجنحة لضيق بحارهم ووعرها وقلة الماء بها. فلما ضعف القوم وأستقوت عليهم البرابر أخرجوهم منها وملكوا البلد وسكنوا الوادي، موضع هو الآن عامر بصرائف وهم أوّل من بنى الصرائف بعدن. وبعدهم خراب المكان وبقي على حاله إلى أن انتقلوا أهل سيراف وقد تقدم ذكرهم. ووقع سلطان شاه بن جمشيد بن اسعد بن قيصر في عدن فنزل وتوطن بها فانعمر الموضع بمقامه وكان يجلب إليهم مياه الشرب من زيلع. فلما طال عليهم البعد بنوا الصهريج لأجل ماء الغيث ونقل طين البناء من نواحي أبين ويقال من زيلع. فلما كثر الخلق بعدن بنوا بها الحمامات وبني الحمام عند حبس الدم فسيل فغسل الأرض سنة اثنين وعشرين وستمائة. وبنوا الجامع وذلك عند حمام المعتمد رضي الدين علي بن محمد التكريتي ووضع مربط الفيلة في سنة خمس وعشرين وستمائة فملأ لحف الجبل الأخضر بالطول والعرض. فلما رأى ذلك تولى السلطنة. ذكر ألقاب ملوك العجم الذين تولوا ملك عدن

стр. 46

مولانا ولي النعم، ومعدن الكرم، الملك العلم، العدل المؤيد من السماء المنصور على الأعداء، المتوج بالجلال والسناء، شاهنشاه المعظم، مالك رقاب الأمم، سيد سلاطين العرب والعجم، حافظ عباد الله، حارس بلاد الله، معز أولياء الله، مذل أعداء الله، غياث الدنيا والدين، ركن الإسلام والمسلمين، تاج ملوك العلمين، قامع البغاة والمشركين، مغيث الدولة القاهرة، مزيل الأمم الكافرة، محيي السنن الزاهرة، باسط العدل والرأفة، ناصر السلطنة والخلافة، عماد ممالك الدنيا، مظهر كلمة الله العليا، مرفه الخلائق بالإنصاف، مزيل الجور والإعتساف، القائم بتأييد الحق، الناظم لصلاح الخلق، ظل الله في الأرض، محي السنة وافرض، سلطان البر والبحر، ملك الشرق والغرب، أنا سلطان شاه بن حمشد بن اسعد بن قيصر أمير المؤمنين. آخر مولانا ولي النعم بهاء الدولة والدين، جلال الإسلام والمسلمين، ناصر الملوك والسلاطين، غياث جيوش العلمين، قاتل الخوارج والمشركين، قوام الملة، نظام الأمة، قطب المملكة، معز السلطنة، عدة الخلافة، بهلوان إيران وتوران، أبو سنان سفاوس بن اسعد بن قيصر قسيم أمير المؤمنين. آخر مولانا ولي النعم قسيم الدين يمين الإسلام صمصام الدولة قوام السنة نصرة الملوك بهاء الأمراء كردو أبو المظفر اسعد بن قيصر برهان أمير المؤمنين، آخر مولانا ولي النعم جلال الدولة والدين، مغيث الإسلام والمسلمين، وعز الملوك والسلاطين، سيف السنة، بهاء الملة، نظام المملكة، معين الخلافة، فخر الأمراء منير باربك أبو شجاع نامشاد بن اسعد بن قيصر نصرة أمير المؤمنين، آخر مولانا ولى النعم والأمين الأجل المؤيد ناصر الدين عماد الإسلام علاء توران، حسام السنة جلال الملوك غياث الأمراء زنده أبو الفتح كيقباد بن محمد بن قيصر معز أمير المؤمنين. آخر والمولى محيي الدين معز الإسلام ركن الدولة عضد الملوك مغيث الأمراء أبو سعيد قيصر بن رستم بن قيصر عمدة أمير المؤمنين. آخر والمولى سيف الدولة والدين، غيات الإسلام والمسلمين، تاج الملوك والسلاطين، ناصر السنة، نظام الملة، عماد الأمة، زكن المملكة، نصرة الخلافة، مغيث المراء ملك العرب والعجم أبو الصمصام عاد بن شداد أبن جمشيد بن اسعد بن قيصر يمين أمير المؤمنين. آخر موالي تاج الدين، ناصر الإسلام والمسلمين، مجد الملوك والسلاطين، معز السنة، محي الملة، غياث الأمة' عماد المملكة، يمين الخلافة، جلال الأمراء ملك الهند واليمن أبو الملك تاج الدين جمشيد بن اسعد بن قيصر ظهر أمير المؤمنين. آخر والمولى عماد الدولة والدين، محي الإسلام والمسلمين، ظهر الملوك والسلاطين، نظام الملة، ومظهر السنة، جمال الملوك معز الأمراء أبو الوفاء كذار شاه بن هزاراسب يمين أمير المؤمنين. آخر والمولى معز الدولة والدين، تاج الإسلام والمسلمين، ركن الملوك والسلاطين، قوام السنة، غياث الأمة، ناصر المملكة، محي الأمة، عماد الخلافة، مجد الأمراء أبو البركات هزاراسب أبن جمشيد بن اسعد حسام أمير المؤمنين. فهؤلاء الملوك ملوك العجم الذين تولوا ملك عدن. بناء الجامع

стр. 47

ومما ذكره عمارة بن محمد بن عمارة في كتاب المفيد في أخبار زبيدق إنّ جامع عدن بناء عمر بن عبد العزيز وجدده الحسين بن سلامة، والأصح إنّ ما بنى الجامع إلا الفرس. وكان السبب في بنائه انهم وجدوا في زمانهم قطعة عنبر كبيرة مليحة فأتى بها إلى صاحب عدن فقال لهم: وما اصنع بها؟ بيعوها وابنوا بثمنها جامعا فلست أرى درهما أحل من هذا الدرهم ولا يخرج في وجه أحق من هذا الوجه. فباعوا العنبر وأخذوا ثمنه بني به جامع عدن في طرف البلد، فان قال قائل: لم لا بني في وسط البلد؟ قلت: لأن في وسط مدينة عدن عين ماء ماد من البحر إلى المملاح، ولنا على قولنا دليل إنّ من بقايا العين موضع الملح الذي يجمد فيه الملح بالمملاح. قال أبن المجاور: ورأيت وراء حمام المعتمد رضي الدين محمد بن علي التكريتي إنّ سيلا عظيما غسل أرض الوادي فظهر به مدابغ جملة من أيام الفرس طانت قد علت عليها الأرض من طول المدى. وحدثني ريحان مولى علي بن مسعود بن علي قال: إنّه ظهر عند حبس الدم بقرب جبل حقات حمام كبير عظيم ذو طول وعرض وقد كانت علت عليه الأرض من بناء العجم. وكانت الناس في أيام دولة العجم يجدون العنبر الكثير إلى باب المندب وكان الصيادون يجدونه فإذا مر بهم مركب أو تاجر يقولون له: تشتري منا حشيش البحر؟ يعنون به العنبر. ويقال إنّ الشيخ شبير الصياد وجد قطعة عنبر ولم يعرف ما هي فجاء بها إلى بيته فعازه الحطب فأوقدها تحت القدر عوض الحطب، فعلم به الناس فعرف الشيخ بوقاد العنبر. وقد أنقطع جميع ذلك في زماننا هذا من سوء ظننا وقبح فعالنا. (من يهدي الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً) . فعند زوال أيام العجم ملكها العرب. ذكر أخبار آل زريع بن العباس بن المكرم ولاة عدن نسبتهم من همدان ثم من جثم بن بام بن أصبا وكان لجدهم العباس بن المكرم بن الذئب سابقة محمود في قيام الدعوة المستنصرية مع الداعي علي بن محمد الصليحي ثم مع ولده المكرم عند نزوله من صنعاء إلى زبيد وأخذ أمه أسماء بنت شهاب بن اسعد من الأحوال سعيد بن نجاح. وكان السبب في ملكهم لعدن إنّ الصليحي لمّا افتتحها وفيها بنو معن أبقاها في أيديهم فلما قتل الصليحي نافقت بنو معن في عدن فسار المكرم إليهم أحمد بن علي فافتتحها وأزال بني معن منها وولاها العباس ومسعود ابني المكرم وجعل مفر العباس تعكر عدن وهو يحوز البر والباب وجعل لمسعود حصن الخضراء وهو يجوز الساحل والمراكب واستحلفهما للحرة السيدة ابنة الملك أحمد لأن الصليحي كان قد اصدقها عدن حين زوجها من أبن المكرم سنة إحدى وستين وأربعمائة. ولم يزل خراج عدن يصل إليها وهو مائة ألف دينار ويزيد ولا تنقص إلى إنّ مات المكرم أحمد، ثم توفي لها بعد موت المكرم العباس ومسعود ابني المكرم. فلما ماتا تغلب على عدن زريع بن العباس وأبو الغارات أبن مسعود فسار المفضل بن أبي البركات إلى عدن وجرت بينه وبينهما حروب كان آخرها المصالحة على نصف خراج عدن. ولمّا مات المفضل تغلبت أهل عدن على النصف الباقي فسار إليهم اسعد بن أبي الفتوح أبن عم المفضل فصالحهم على ربع الخراج للحرة. ولمّا ثارت آل زريع في البكر تغلب أهل عدن على الربع الذي للحرة ولم يبق شيء لموت رجالها ولم يقدر على بن إبراهيم بن نجيب الدولة على شيء من ذلك والله اعلم واحكم. ذكر ما شجر بينهم نزل المفضل بن أبي البركات في بعض غزواته إلى زبيد وكان معه زريع أبن العباس وعمة المسعود بن المتكرم ولهما يومئذ صبيان في عدن فقتلا جميعا على باب زبيد. ثم تولى الأمر بعدهما بعدن أبو السعود بن زريع وأبو الغارات بن مسعود ثم ولي الأمر بعدهما الأمير الداعي سبأ بن أبي السعود ومحمد بن أبي بكر بن أبي الغارات ثم ولده على الأعز ثم علي بن أبي الغارات ثم الداعي محمد بن سبا وهو آخر بني داود ثم ولده عمران وصفت بعده لآل زريع محمد وأبي السعود ابني عمران وهما طفلان والله اعلم واحكم. ذكر السبب في زوال ملك علي بن أبي الغارات وحصولها للداعي سبا

стр. 48

كان محمد بن الجزري نائب لعلي بن أبي الغارات في نصف عدن وأحمد أبن غياث نائب سبا في النصف عدن فقاسط أبن الجزري في قسمة الخراج أحمد بن غياث فامتدت أيادي أصحاب علي بن أبي الغارات إلى ظلم الناس وعاثوا وافسدوا وأطلقوا أيديهم وألسنتهم بذام الداعي سبا. فحينئذ قام القائد بلال بن جرير المحمدي إلى ولاة عدن وقد أمره الداعي أن يهايج القوم ويحرك القتال بعدن ففعل بلال ذلك وجرت بينهم وقائع عظيمة في لحج آخرها قتل الداعي بها سنة خمس وأربعين وخمس مائة. وأوصى بالأمر لولده علي الأعز وكان علي الأعز مقيماً بالدملوة فهم أن يقتل بلالاً بعدن. فمات علي الأعز وأوصى بالأمر لأولاده وهم حاتم وعباس ومنصور وكانوا صغاراً فجعل كفالتهم إلى أنيس خادم حبشي. وكان محمد بن سبا قد هرب من أخيه فاستجار بالأمير منصور بن مفضل بن أبي البركات فأجاره وحين مات علي الأعز في الدملوة سير بلال من عدن رجالاً من همدان فأخذوا محمد بن سبا من جوار المنصور بن المفضل ونزلوا إلى عدن فملكه بلال واستحلف له الناس وزوجه بلال ابنته وجهزه في جيش فحاصر انيسا ويحيى العامل بالدملوة فملكها وأطاعته البلاد كافة ثم مات في سنة ثمان وأربعين وخمسمائة. وتملك بعده ولد عمران بن محمد ثم مات سنة ستين وخمسمائة وخلف ولدين محمد وأبا مسعود. وتولى أبو الندا بلال بن جرير المحمدي سنة أربع وثلاثين ومات في سنة سبع وخمس مائة عن أولاد رجال منهم مدافع وياسر وهم آخر الدولة. ويقال في رواية أخرى: وبعدهم ملك عدن سبأ بن أبي السعود ومحمد بن أبي الغارات ومن بني زريع فكان أحدهم يجبي ما دخل من البر والثاني يجبي ما دخل من البحر وكانت البلد بينهما بالسوية يأخذ كل حقه من المكوسات، وكان يجري بين القوم فتنه عظيمة لأجل الماء والحطب وقتال شديد في الدخل والخرج وذلك في السائلة. فبقوا على حالهم إلى أن جهز ملك الجزيرة قيس كوانيج وبرمات شبه أبرام النارنجيات ونهابيق "؟ " ٠٠٠ لأخذ عدن من أربابها. فلما وصلت الدوانيج أرسوا تحت جبل صيرة والله أنفذوا رسولهم إلى بني زريع يعني أصحاب التعكر والخضراء وقالوا لهم: أعلموا أن ملك كس أنفذنا على اخذ عدن فإن جئتم بالصلح وإلا جئناكم بالفتح وهو أقبح. فقال لهم صاحب حصن الخضراء: أنا عبدكم والبلد بلدكم وولوا فيها من شئتم فلما سمع القوم هذه المقالة نزلوا من الدوانيج والبرمات إلى السواحل وقلوبهم آمنة بالأمان والطاعة. وانفذ لهم صاحب حصن الخضراء الإضافة التامة وأرسل لهم بالدقيق والغنم والنبيذ فخبزوا القوم وطبخوا ودارت الأقداح بين القوم. فلما رأى مقدم الجاشو فعل أصحابه قال لهم: كفوا عما انتم عليه عاكفون ولا شك إنّها حيلة عليكم أيّها الجاهلون! فأنفق عليهم خبز ولحم ونبيذ وجاشوا كما قال: إني بليت بأربع ما سلطوا ... إلا لحتفي أو بلاي وشقائي الهم والدنيا ونفسي والهوى ... كيف التخلص من يدي أعدائي فلما أرست الجاشو مرسى عدن انفذ صاحب التعكر إلى أبن عمه صاحب الخضراء وقال له: ما تصنع وهذا العدو قد داهمنا؟ فقال له: غلطنا في الكيل فشرد منا الحيل واعمل برأيك فيما ترى! فقال: انزل من الخضراء وأنا أكفيك شرهم. فنزل النحس شبه ألف جعس وسلم الحصن إلى أبن عمه. وانشد المنصور بن إسماعيل الامزي يقول: الناس بحر عميق ... والبعد عنهم سفينه وقد نصحتك فأنظر ... لنفسك المسكينه

стр. 49

وحدثني الشيخ بلال بن جرير المحمدي قال: لمّا ملك حصن الخضراء بعدن وأخذت الحرة بهجة أم علي بن أبي الغارات وجدت عندها من الذخائر ما لم يقدر على مثله وعدن كلها بيدي في مدة متطاولة. قال بلال: وبين عدن وبين لحج مسيرة ليلة فأذكر إني كتبت من عدن بخبر الفتح واخذ الخضراء وسيرت بشيرا بالبشرى إلى مولانا الداعي سبا بت أبي السعود، وفي اليوم كان فيه فتح الخضراء فتح مولانا مدينة الرعارع فألتقى رسولي ورسوله بالبشرى وذلك من أعجب التاريخ سنة خمس وأربعين وخمس مائة. واشتغلت الجاوش بالأكل والشرب ودار السكر بينهم فصار مقدمهم ينادي أصحابه: كفوا عما انتم عليه مشغولون! فلم يسمع منه إلا من له لب وفهم وبقي الباقون غادون على حالهم إلى أن نزل صاحب الحصن التعكر مع جمع من الخلائق فركبوا السيف على الجاشو فلم يسلم منهم إلا كل طويل لعمر فكانت جماجم رءوسهم ملء تلك الأرض. فكان إذا أشكل على رجل من أهل عدن موضعا قال: أبن من الجماجم؟ فعرف الموضع بالجماجم والمعنى بالجماجم رؤوس الجاشو. فلما انتصرت لبنو زريع هذا النصر نزلوا من الحصن وسكنوا الوادي وبنوا الدور الملاح وهم أول من بنى الدور الحجر والجص بعدن، وكان يجلب الحجر إلى عدن من أعمال ايين لأجل العمارة. ولم يظهر لأهل عدن المقلع إلا أبو الحسن علي بن الضحاك الكوفي فلما أنّ سكن عدن اشترى عبيدا زنوجا يقطعون الحجر من جبال عدن وكانت الجوار تنقله على أعناقها. فمن حينئذ قطعوا الحجر بها وصارت مقالع يعرف كل مقلع بصاحبه: مقلع علي الأنكي ويوسف الأردبلي ومقلع رشى النجار ومقلع إسماعيل السلامي ومقلع حميد أبن حماسة ومقلع عبد الواحد بن ميمون ومقلع أبي الحسن الدوري وتملكوها إلى أن صارت لهم ملكا ومستغلات. فصل ولمّا قبض شمس الدولة نوران شاه بن أيوب بن شاذي علي عبد النبي بن علي بن المهدي وهو آخر من تولى من العرب أرض الخصيب وجاء به مسلسلا إلى عدن وقبض على ياسر بن بلال بن جرير المحمدي مولى الداعي محمد أبن أبي السعود بن زريع وهو آخر من تولى من الدعاة اقعد كل واحد منهم في خيمة وحده. فالتفت عبد النبي فوجد ياسر بن بلال يسارقه بالنظر فقال: يا عبد السوء ما تنظر إلى أسد مقيد بقيد من حديد ومسلسل بسلاسل حديد وكان أبناء زريع يودون الخراج إلى الخلفاء الفاطميين وهو لأجل المذهب لأن القوم كانوا إسماعيلية وكل من تولى بأرض اليمن من بني زريع يسمى الداعي أي يدعو الخلق إلى المذهب. والملاحدة الذين هم ملوك كرد كوء والموت وهما حصينين على جبل علي مدور لهم أي للملاحدة يأخذون الخراج من جبل السماق الذي لهم بأعمال الشام ومن القرامطة الذين بالسند ومن التورسنا الذين هم بأعمال نجران وإنّ كانوا كفارا فهم على عقيدة واحدة. وبعدهم ملكوا الغز البلاد وبنوا المنظر على جبل خقات وبعد رجوع شمس الدولة توران شاه بن أيوب من اليمن إلى مصر، وسلم عدن إلى فخر الدين أبو عثمان عمر بن عثمان بن علي الزنجبيلي التكريتي. ذكر بناء سور عدن

стр. 50

حدثني عبد الله بن محمد بن يحيى قال: أرسى مركب من المغرب إلى عدن في الليل فنزل الناخوذة من المركب فدار عدن فإذا هو بدار عالية وبه شمع يقد وعود يبخر فدق الباب فنزل الخادم ففتح له وقال له: هل لك من حاجة؟ قال التاجر: نعم. فأستأذن الخادم له فقال له صاحب الدار يصعد فصعد فسلم كل على صاحبه من غير معرفة وجرى الحديث فقال الناخوذة: إني قدمت الليلة من المغرب وأريد من إنعام المولى أن أخفي عنده بعض التحف. قال: ولم؟ قال: خوفا من الداعي. وقال له: أقبل ولا تخف من الظالمين انقل جميع ما معك إلى الدار الفلانية! فنزل التاجر فصارت البحارون ينقلون المتعاع من المركب إلى الصناديق إلى الدار إلى أن يخلوا ثلثي ما في المركب. فلما أصبح الناخوذة وجد صاحبه البارحة الداعي بعينه وقال في نفسه: خفت من المطر وقعت تحت الميزاب! وتشوش خاطره وأسود ناظره. فانقذ الداعي إليه وقال له: أنا صاحبك البارحة وأنا الداعي مالك عدن اليوم طيب قلبك واشرح صدرك! عشور مركبك هبة مني إليك مع الدار التي نزلت فيها وهذه ألف دينار تنفقها ما دمت في بلادنا وحرام عليّ اخذ شيء منك لا على وجه الهبة ولا على وجه البيع والشراء. فقال له الناخوذة: وعلى ما هذا كله؟ قال: لدخولك علينا البارحة منزلنا في نصف الليل. وأمر أن يمد سور من الحصن الأخضر إلى جبل حقات فادير سور ضعيف وأرتدم بعضه على بعض وهتدم لدوام الموج عليه فلما خرب ادير عليه سور ثاني من القصب شبك. وبقي على حاله إلى أن بناه أبو عثمان عمر بن عثمان بن علي الزنجبيلي التكريتي دائرا على جبل المنظر إلى آخر جبل العر وركب عليه باب حقات، وأدار سورا ثانيا على الجبل الأخضر وحده من الحصن الأخضر إلى التعكر على رؤوس الجبال، وأدار سورا على الساحل من الصناعة إلى جبل حقات. وركب عليه ستة أبواب: باب الصناعة، وباب حومة، وباب السكة، وهما بابان يخرج منهما السيل إذا نزل الغيث بعدن، وباب الفرضة ومنه تدخل البضائع وتخرج، وباب مشرف لا يزال مفتوحا للدخل والخرج، وباب حيق لا يزال مغلقا، وباب البر قد تقدم ذكره. وبنى سورها بالحجر والجص وبنى الفرضة وجعل لها بابين. فصل قال أبن المجاور: وخروج الإنسان من البحر كخروجه من القبر والفرضة كالمحشر فيه المناقشة والمحاسبة والوزن والعدد، فان كان رابحا طاب قلبه وإنّ كان خاسرا اغتم فان سافر في البر فهو من أهل ذات اليمن وإنّ رجع في البحر فهو من أهل ذات الشمال. فإذا كان هذا حال المخلوق في عالم الكون والفساد مع مخلوق كذا فكيف حال المخلوق بين يدي الخالق غدا في هول العرض الأكبر اللهم لا تناقشنا يا كريم! وبنى أبن الزنجبيلي قيصارية العتيقة والأسواق والدكاكين ودور الحجر ورجعت عدن في زمانه. فلما دخل سيف الإسلام إلى عدن أوقف أبن الزنجبيلي جميع الأملاك على مكة سنة خمس وسبعين وخمسمائه. وبنى الملك المعز إسماعيل بن طغتكين بن أيوب بنيا جميعها دكاكين بالباب والقفل للعطارين قيصارية جديدة، ثم بناها المعتمد رضي الدين محمد بن علي التكريتي على اسم الملك المسعود يوسف بن محمد بن أبي بكر. وكثر الخلق بها فبنوا الدور والأملاك وتوطن بها جماعة عرب من كل فج عميق. وبنا المعتمد محمد بن علي حمام حسين وحفرت الناس بها الآبار وبنوا بها المساجد وأقاموا المنابر ورجعت طيبة. والأصح إنما عمرت إلا بعد خراب فرضة أبين وهرم. وانتقلوا التجار من هاتين المدينتين وسكنوا قلهات ومقدشوه فعمرت الثلاث المدن حينئذ والله اعلم. صفة عدن وذكرها بناء البلد في وادي البحر مستدير حوله هواء كرب ولكنه يقطع خل الخمر في مدة عشرة أيام وماؤها من الآبار وشيء يجلب من مسيرة فرسخين والله اعلم. ذكر الآبار العذبة داخل عدن بئر حلقم عود السلطاني، وبئر علي بن أبي البركات أبن الكاتب قديمة، وبئر أحمد بن المسيب، وبئر أبن أبي الغارات قديمة عند باب عدن، وبئر المقدم قديمة، وثلاثة آبار لداود بن مضمون اليهودي وثلثه آبار للشيخ عمر بن الحسين، وبئر لعلي بن الحسين الأزرق، وبئر جعفر قديمة طولها أربعون ذراعا، وبئر زعفران اشتريت بمدته وأوقفت على المسلمين. فصل

стр. 51

حدثني عبد الله بن محمد بن يحيى قال: أنه كان ينقل ماء بئر زعفران إلى سائر بلاد اليمن، قال لأن سيف الدين أتابك سنقر مولى الملك المعز إسماعيل بن طغتكين شرب عند المعتمد محمد بن علي التكريتي نبيذا أعجبه طعمه فقال له: مم عملت هذا النبيذ؟ قال: من ماء زعفران. إذا افلت في هذا الماء داذي وترك في الشمس يرجع نبيذا كما ولا يحتاج إلى عسل ولا إلى شيء أي وضعه، فمن الحين كان ينقل له هذا الماء إلى الجند وتعز وصنعاء وزبيد يعملون منه نبيذا والأصح ماء الترب. ويقال إنّه في الأصل كان عذبا فراتاً والآن قد علته ملوحة بعض الشيء من سوء أفعال الخلق. وبئر السلامي بئر حفرها الشيخ إسماعيل بن عبد الرحمن السلامي، وبئر روح قديمة، وبئر عود قديمة، وبئر أبن الذويب صهر الشيخ معمر بن جريج، وبئر الحمام حفرها محمد بن علي التكريتي، وبئر الحمام الثانية قديمة، وبئر مور قديمة، وبئر جلاد قديمة، الخضامي قديمة. فصل حدثني محمد بن زنكل بن الحسن الكرماني عن رجل من أهل عدن قال: حدثني عبد الله بن محمد الإسحاقي الداعي إنّ بداخل عدن مائة وثمانون بئرا حلوة ولكنها مانعة والله اعلم. ذكر الآبار المالحة بعدن بئر وضاح قديمة، وبئر ثانية إلى جنبها، وبئرين عند مرابط الخيل، وبئر أم حسن قديمة، وبئر قندلة على طريق الباب، وبئر سنبل قرب الحمام، وبئر سالم، وبئر حندود، وبئر فرج، وبئر الزنوج، وبئر الأفيلة وحفرت سنة عشرين وستمائة، وبئر ريش السوابي، وبئر في قرب دار القطيعي السلاطة، وبئر الشريعة. ذكر آبار ماؤها بحر عدن بئر في حافة الدياكالة، وبئر عند باب مكسور، وثلاثة آبار للبرابر، وبئر عند الجامع، وبئر عند مسجد آبان، وبئر مسجد المالكية، وبئر حبس القاضي، وبئر أبو نعمة، وبئر الجماجم، وبئر الصناعنة، وبئر سوق الخزف، وثلاثة آبار عند بيت أبن فلان، وبئر سنبل، وبئرين عند مسجد النبي، وبئر الأديب ظفر، وبئر الحقات، وبئري حساس، وبئر الجرائجي. والصهريج عمارة الفرس عند بئر زعفران، والثاني عمارة بني زريع على طريق الزعفران أيمن الدرب في لحف جبل الأحمر، إذا حصل المطر تقلب السيل إليه يومين ويضمن كل عام بسبعمائة دينار. قال أبن المجاور: وضمن بعضهم هذا في منتصف ربيع الآخر سنة أثنين وعشرين وستمائة بألف وثلاثمائة دينار. فقصصت هذه الحكاية على الكرماني الحفار فقال: يمكن أن تكون مزورة. قلت: الدليل عليه أن الغيم والشمس لا يزالا يعلوانه وكلما تقصره الشمس يحلو. قال: أليس إنّ الشمس تأخذ ما خف من المياه؟ قلت: فما أخف في المياه من الماء المالح ولا أثقل من الماء الحلو. قال: أريد على هذا برهان. قلت: لو لم يكن ماء البحر خفيفا لجاف ولو جاف لمّا كان أحد يسلكه فمن خفته ثبت على حال واحد والوجه الرابع. حدثني عبد الله بن مسلم ساكن المياه وعبد الله بن يزيد الحجازي وغزي بن أبي بكر وعمرو بن علي بن مقبل قالا جميعا: إنّ وراء جبل العر فضاء وعليه جبل دائر والبحر مستدير حول الجبل وفي صدر الوادي أي في لحف الجبل يخرج منه عين ماء عذب يغلب إلى الوادي، وقد نبت على نداوة هذه العين شجر الآراك والتنضب والعشر وقد يرجع عقدة. قلت: فلما لا يستقي منها أهل عدن؟ قال: ليس إلى هذا السيل ولا عليه طريق الرجالة تتعلق في لحف الجبل. قلت: وما علمكم بهذا؟ قال: إنّ عاما من الأعوام خالفت عدن وغلقت أبوابها ونحن في المياه فهربنا بجمالنا إلى هذا الوادي. قال: فحينئذ حبر أبن المعلا وهذا هو الأصل في ٠٠٠ وسلم من ساعته. ذكر الآبار الحلوة بظاهر عدن

стр. 52

بئر أحمد العشيري قديمة طيبة الماء، بئر أحمد بن المسيب حفرت سنة أربع عشرة وستمائة، وبئر العقلاني حفرت سنة خمس عشرة وستمائة، وبئر خيط عتيقة. وبئر عقيب وتسما بئر الكلاب، ويقال إنّ الكلاب نهشت الأرض في هذا الموضع فحفر عقيب ذلك في ذلك المكان بئر عرفت البئر ببئر الكلاب وجدد عمارتها أحمد العشيري سنة أثنتين وستمائة، وبئر الجديدة حفرت سنة إحدى وعشرين وستمائة، وبئر السلامي حفرت سنة سبع عشرة وستمائة، والآبار التي بطريق اللخبة آبار اللخبة بئر السماكين على الطريق في قرب المسجد حفرت سنة ست عشرة وستمائة، وبئر الموحدين في أول شط اللخبة، وبئر أصحاب العمارة حفرت سنة أربع عشرة وستمائة لأجل ضرب اللبن، وبئر الشيخ علي بن عبيد في وسط اللخبة حفرت سنة عشر وستمائة، وبئر السعفة حفرت على طريق المفاليس قديمة ولم يستق منها إلا إذا علا الماء بعدن، وبئر العماد على طريق ابين قديمة يستقى منها أيام الموسم. وغالب سكان البلد عرب مجمعة من الإسكندرية ومصر والريف والعجم والفرس وحضارم ومقاديشة وجبالبة وأهل ذبحان وزياليغ وباب وحبوش، وقد التأم أليها من كل بقعة ومن كل أرض وتمولوا فصاروا أصحاب خير ونعم. وغالب أهلها حبوش وبرابر. ولم يكن في سائر الربع المسكون والبحر المعمور أعجب من نساء البرابر ولا اوقح منهن والله اعلم. القول على وقاحة نساء البرابر إذا تخاصم بعض نساء البرابر مع أخرى تخلع ما عليها من ثياب وتلطم صدرها وتصفق وتقفز وتسلق عيناها في وجه صاحبتها وتغدو كل واحدة منها تارة تنام وتارة تنحني وتارة تضحك وتبكي وتارة تعبس وتارة تلطم. وتنتف شعرتها تذره في الهوا وتدخل إصبعها في رحمها وتلعق صاحبتها من رحمها أو تدس إصبعها في ثقبها وتشم صاحبتها الخراء، وأيش ما عملت إحداهن عملت الأخرى مثل الأولى فما رأيت أوقح ولا أوسخ ولا أقل حياء من البرابر لا جزاهم الله عن الإسلام خيرا وقال النبي (: الحياء من الإيمان. وقال حكيم: إذا لم تستحي فأصنع ما شئت! وقال بعض العجم في هذا المعنى شعرا: جه نيكو كفت خسروبا سباهي ... جو شرمت نيست روآن كن كه خوافي فصل نساء بين الصورين بالموصل ونساء النفّاطات ببغداد إذا خاصمت إحداهن الأخرى تصعد السطح عريانة وتقف على الطف وتضرب يدها على رحمها وتقول: إضربي من حرى لبن ومن شعرتي تبن! ونساء يتربون في الخانات يسمونهم العجم كام سرواني إذا خاصمت إحداهن الأخرى تضرب إصبعها في جعصها وتشم صاحبتها. ونساء السناكمة في اليمن إذا خاصمت إحداهن الأخرى ترفع إزرتها وتقف على أربع وتقول للتي تقابلها: بالله ياستي ابصري الهلال قد طلع والخزا قد انقطع! ونساء سيوستان تخلع ثيابها وتنزل السيل عريانة تسبح. ونساء القرامطة إذا قعدت لقضاء حاجة تغطي وجهها وتكشف قماشها كله. ونساء النهروان تمدد قائمة قدام المزين ويحلق لها شعرتها، وإذا أرادت أن يحلق لها شعر أستها يدس المزين في أستها أكرة صغيرة فيها خيط ممدود وتضم المرأة شعرتها على الأكرة ويمد المزين الخيط بيده اليسرى فحينئذ تخرج شعرتها فيحلق الشعر بيده اليمنى وكذلك الرجال. ونساء الروم يدخلن الحمام مع الرجال فتدخل المرأة مع زوجها عريانة. والسماكات في الديبول فإذا تخاصمت امرأة مع أخرى تدس السمك في رحمها، والنساء اللاتي يبيعون الخضر تدس في رحمها فجلة. ملبوسهم الكتان والعمائم الملس، وإما العجم فتنعمم بذؤابة بر الذؤابة فتعززها في العمامة ثانية، وهكذا أصحاب الشيخ عدي بالموصل، وعلى كتف لك واحد منهم كرأى مصلى أو منديل مطرز. وقيل لرجل من أهلها: تعال معي إلى فلان! قال: أنا عريان قال: أليس ثيابك عليك؟ قال: صدقت ولكن ليس معي كرو. لبس نسائهم الحجل وهو الخلخال والحراف ويسمى عند العجم مسحه والدملج. وانشد بعضهم في حلي أهل اليمن: يا بدر تم طلعا ... ونور فجر سطعا ويا قضيبا ناعما ... على كثيب مرعا وبارقا من ثغر من ... بهواء قلبي لمعا ويا غزالا مر بي ... عصرا يجر الخلعا محجلا مدملجا ... محرفا مملجعا

стр. 53

مشيعا مظرفا ... مطوقا مقنعا معبلا محجلا ... مكحلا مشرعا منعما معطرا ... ملطفا مسرعا ومادتهم من الهند والسند والحبشة وديار مصر ومأكولهم الخبز وأدمهم السمك. غاية عمل نسائهم القفاع ورجالهم تبيع العطر والقنبار. وبناء دورهم مربعة كل دار وحدها طبقتين الأسفل منهما مخازن والأعلى منهما مجالس، وبناؤهم بالحجر والجص والخشب والملح والجص فصل اختفت الكلاب فيها بالنهار وذلك إنّ كلبا كلب فأكل بعض أولاد البرابر فاستغاثت المرأة البربرية إلى رضي الدين المعتمد محمد بن علي التكريتي فأمر المعتمد بقتل كل كلب في عدن فقتل في اليوم خمسة وعشرون كلبا وهرب الباقون إلى رؤوس الجبال وبطون الأودية. وسكنوا طول النهار ويخرجون في الليل يدورون البلد بالليل، وذلك في سنة أثنين وتسعين وخمسمائة يأكلون ما يجدونه مرميا في السناديس لان سناديس القوم على وجه الأرض كما قال أبن عباد الرومي: بريين القطاط بغير نفع ... ليأكلن الذي يرمين سقطا فبهن قبور أولاد الزواني ... إذا اسقطتهن لثمن قطا ولم يظهر بمكة كلب بالنهار بل يأوون في الجبال، وتأوى الكلاب في الكوفة بالنخيل وفي مقدشوه بالمقابر، وأما كلاب عدن فنعوذ بالله من عضهم لأنهم رجعوا سما ناقعا لقلة شربهم الماء وإذا حصل لهم ما لا يكون مالحا وهو اشد من كل شديد. ذكر وصول المراكب إلى عدن

стр. 54

إذا وصل مركب إلى عدن وأبصره الناظرون والناطور على جبل نادى بأعلى صوته: هيريا وهو آخر جبل الأخضر الذي بني عليه الحصن الأخضر ويسمى في الأصل سرسيه. وما يقدر الناطور ينظر إلا عند طلوع الشمس وغروبها لأن في ذلك الوقت يقع شعاع الشمس على وجه البحر يبان عن بعد مسافة ما كان، ويكون الناطور قد عرض عودا قدامه فإذا تخايل له شيء في البحر قاس ذلك الشيء على العود فأن كان طيرا أو غيره زال يمينا أو شمالا أو يرتفع أو يرتفع فيعلم إنّه لا شيء، وإنّ كان الخيال مستقيما على فيء العود ثبت عنده إنّه مركب أشار إلى صاحبه وهو ينادي: ياهيريا وأشار صاحبه إلى رفيقه وأشار الرفيق جراب بأعلام المركب فحينئذ يوصل الجراب خبر المراكب إلى وإلى البلد. فإذا خرج من عند الوالي اعلم المشايخ بالفرضة وبعدهم ينادي بأعلى صوته من على ذروة الجبل: هيريا هيريا هيريا! فإذا سمع عوام الخلق الصوت ركب كل جبل وصعد سطحا يشرف يمينا وشمالا فان كان ما ذكره صحيحا يعطي له من كل مركب دينار ملكي وذلك من الفرضة وإن كان كاذبا يضرب عشرة عصى. فإذا قرب المركب ركب المبشرون الصناييق للقاء المركب فإذا قربوا من المركب صعدوا وسلموا إلى الناخوذة ويسألونه من أين وصل ويسألهم الناخوذة عن البلد ومن الوالي وسعر البضائع. وكل من يكون له في البلد أهل أو معاريف من أهل المراكب إما أن يهنونه أو يعزونه له وعليه. ويقدم شيء نحو نفوة ويكتب اسم الناخوذة وأسماء التجار ويكون الكراني قد كتب جميع ما في بطن المركب من متاع وقماش فيسلم إليهم الرقعة. وينزل الميشرون في الصناديق راجعين إلى البلد كلهم رأسا واحدا إلى الوالي ويعطونه رقعة الكراني مع ما كتبوه من أسماء التجار ويحدثونه بحديث المركب ومن أين وصل وما فيه من البضائع ويخرجوا من عنده يدورون في البلد ويبشرون أهل من وصل بجمع الشمل ويأخذ كل بشارته. فإذا وصل المركب المرسى وأرسى تقدم إليهم نائب السلطان ويصعد المفتش رجلا بعد رجل ويصل التفتيش إلى العمامة والشعر والكمين وحزة السراويل وتحت الأباط ويضرب بيده على حجرة الإنسان ويدخل يده بين اليتيه ويشتمه على قدر المجهود. وكذلك عجوز تفتيش النساء تقرب بيدها في أعجازهم وفروجهن. فإذا نزلت التجار إلى البلد نزلوا بدبشهم من الغد، وبعد ثلثة أيام تنزل الأقمشة والبضائع إلى الفرضة تحل شدة شدةً وتعد ثوباً ثوباً. وإن كان من بضائع البهار يوزن بالقبان ويضرب في جميع ما اشكل عليهم الشيخ لئلا يبقى شيء وقد عاهدوا الله وأن يبذلوا المجهود قدام المشايخ. قال أبن المجاور: وحينئذ يظهر على التاجر الحراف ويقتله الحزن ويبقى في وادي الدبور بما يعملون معه من الفعل الذي يطير منه البركة والسعادة. ذكر العشور

стр. 55

ثم ضرائب وقوانين استجدت من أيام دولة بني زريع ويقال أوّل من استجده فلان اليهودي، وقيل يسمى خلف اليهودي النهاوندي، فبقيت الخلق تجري على قواعدهم وضرائبهم إلى يوم الدين. يؤخذ في بهار الفلفل ثمانية دنانير عشور ودينار شواني وخروجه على الفرضة دينارين، وعلى قطعة النبل أربعة دنانير شواني وخروجه من الفرضة ربع، وعلى بهار الانكزة وهو الحلتيت ثمانية دنانير، وعلى بهار قشر المحلب ثلثة دنانير ونصف، وعلى بهار الطباشير أحد وعشرين دينار إلا ثلث ودينار شواني، وعلى عود الدفواء نصف المبلغ، وعلى فراسلة الكافور خمسة وعشرين ديناراً ونصف وسدس، وعلى بهار الهيل سبعة دنانير، وعلى فراسلة القرنفل عشرة دنانير وشواني دينار، وعلى الفراسلة عشرة امنان عنها عشرون رطلا، وعلى فراسلة الزعفران ثلاثة دنانير وثلث، وعلى بهار الكتان سبعة دنانير ونصف. وإذا ابتاع مركب يؤخذ من البائع من المائة عشرة دنانير، ويؤخذ من الحديد عشور النصف استجد في أيام دولة سيف الإسلام طغتكين بن أيوب أوّل من أخذ منه من أبي الحسن البغدادي ويقال من فلان الفرواني سنة ثمان وتسعين وخمسمائة. ومن الللاك الربع ويقال الثلث ودينارين استظهارا ومن بهار الفوة اثنا عشر دينارا استجد في أيام دولة الملك المعز إسماعيل بن طغتكين وكان عليه قبل دينارين ويقال ثلثه، وعلى بهار الحمر ثلاثة جوز، وعلى العشرة المقاطع دينارين ونصف، وعلى العشر العقدات نصف ربع جائز، وعلى الرأس الضأن ربع، وعلى الحصان إذا دخل البلد خمسين ديناراً استجد في دولة الملك الناصر أيوب بن طغتكين بن أيوب ويؤخذ في خروجه إلى البحر سبعين ديناراً، وعلى الرأس الرفيق دينارين وإذا خرج من الباب نصف دينار، وعلى العوبلي السندابوري ثمانية دنانير ودينار شواني، ويؤخذ في الخروج من الباب على العوبلي نصف دينار وهو لضامن دار النبيذ، ويؤخذ على شقق الحرير من عمل زبيد نصف دينار وجائز، وعلى الثوب الظفاري ربع وجائز، وعلى الشقة البيضاء ثمن، وعلى السوسى ثلث قراريط، وعلى فوط السوسى ربع وجائز، وعلى كورجة المحابس أربعة دنانير، وعلى كورجة الاحواك دينارين ونصف، وكذلك السباعي، وعلى كوجت الثياب الخام الهندي دينارين ونصف، وعلى سواسى الكتان الكبار جائزين وقيراط وعلى الصغير جائزين وفلسين، وعلى كل قفعة ذرة ثمن، والله اعلم. ذكر تخريج عشور الشواني لم يكونوا ملوك بني زريع يعرفون الشواني وبقوا إلى أن دخل شمس الدول توران شاه بن أيوب اليمن ودخل معه شواني. فلما خرج ولي عثمان بن علي الزنجبلي التكريتي عدن وبقيت عنده الشواني إلى أن هرب دخل سيف الإسلام طغتكين بن أيوب اليمن، فأشار عليه بعض أرباب العقل فقال له: وبم تستحل اخذ العشور من التجار؟ قال: اجري على ما كانت عليه ملوك بني أيوب فيما تقدم من الأيام. فقال له: انهم كانوا يأخذون الناس بيد القوة ولكن خذ ذلك أنت على رأي تشكر به عند الخلق. قال: وما هو؟ قال: انفذ بهذه الشواني إلى البحر يحموا التجار من السراق وتكون لهم بعض الشيء على السداد بدل ما هي بطالة تقرعها الشموس. قال: والله لقد جئت برأي حسن! فأخرج الشواني إلى الهند فكانت الشواني تقف على رأس المنادخ يحفظون مراكب التجار من سطوة السراق فبقوا على حالهم إلى سنة ثلث عشرة وستمائة. ودخل بعض الأكابر وقال: خلد الله ملك مولانا السلطان إنّه يخرج من خزانة المولى كل عام لأجل الشواني خمسين ستين ألف دينار بطال فان اخذ المولى هذا القدر من التجار لم يضرهم ذلك. قال: فكيف العمل؟ قال: كل ما اخذ من العشور ألف دينار يؤخذ منه الشواني مائة دينار فهو يجتمع للمولى ولم يبن التاجر. وأسس ذلك في أيام دولة الملك المسعود يوسف بن محمد بن أبي بكر بن أيوب وبقي إلى سنة خمس وعشرين وستمائة. كتب الشريف إلى الملك المسعود: إن مال الشواني يحصل إن سافرت الشواني وإن لم تسافر. فكتب الملك المسعود وقال: إن كان الأمر على ما ذكره مستقيم أبطلوه! فبطل الشواني وصار عشوره يؤخذ إلى يوم القيمة مع الشواني والله اعلم. الذي لم يؤخذ عليه عشور

стр. 56

الواصل من ديار مصر: الحنط والدقيق والسكر والأرز والصابون الرقي والأشنان والقطارة وزيت الزيتون وزيت الحار والزيتون المملح وكل ما يتعلق بالنقل إذا كان قليلا والعسل والنحل إذا كان قليلا. والذي يجلب من الهند: كل ما يراسل في البحر الهليلج المربى والأكرار والمخاد والمساور والأنطاع والأرز والكجري وهو الأرز والماش مخلوط والسمسم والصابون ومن البضائع المغر الكلاهي والنشم وحطب القرنفل وثياب العرانية تعمل في بدقلى ومن معاملة الشجر التمر المقلف وهو الذي استخرج نواه، والسمك المملح إن كان برأس اخذ عليه وإن كان بلا رأس لم يؤخذ عليه. ونعال الهندية إن كان بشراك اخذ عليه وإن كان بلا شراك فليس عليه. والتيس والمعز ليس عليه. وكان الموجب إنّه قدم سفارة الحبشة بغنم عدوها فلما اشتغل العدادون بالعدد قام تيس يشق الجمع وجاء وقعد وراء ظهر ياسر بن بلال بن جرير المحمدي والأصح وراء الداعي عمران بن سبأ. فلما فرغوا من العدد أرادوا أن يعدوا التيس مع الغنم فقال الداعي: معاذ الله أن نأخذ عليه شيءً لأنه قد استجارني! فأزال عنه العشور. والأصح إنّه ابصر لحيته فقال: حاشا أن يوزن على لحيته عشور! والخرز الذي يجلب من الديبول وغلمان حودر يجلبون من الهند. ذكر ما استجد في عدن من الوكالة ودار الزكوة. لمّا كان بتاريخ جمادي الأولى سنة أربع وعشرين والأصح سنة خمس وعشرين وستمائة أسس في عدن دار وكالة وعلى كل بضاعة لم يؤخذ عليها عشور يؤخذ منها زكوة فصار الآن يؤخذ خمس عشورات في مرة واحدة: عشور قديم وهو مال الفرضة وعشور الشواني ودار الوكالة من الدينار قيراط ودار الزكوة والدلالة. فصل قدم الناخوذة عثمان بن عمر الآمدي من المصر وجد معه منين عود دون الله أخذوه منه. فلما جاء وقت المحاسبة قوم المن العود بستة دنانير خرج عشوره دينار ونصف وخرج شواني نصف وربع وقوم في دار الوكالة بخمس وعشرين دينارا صح الوكالة ثمانية دنانير ودناقين وخرج زكوة دينار وربع وخرج دلالة نصف دينار صح المبلغ خمس عشر دينار خرج منه ثمن العود ستة دنانير فضل عليه تسعة دنانير. حلف الناخوذة عثمان بن عمر الآمدي يمين بالله العظيم: إني لم ازن منه شيئاً ولا فلساً واحداً! ما يكفي أنكم تأخذون مني منين عود بلا شيء وتطالبون بتسعة دنانير أخرى. ودخل الأمير ناصر الدين ناصر بن فاروت وجماعة في ذلك فقالوا لهم: إنّه رجل متردد إلى عدن ونحن نأخذ منه أضعاف ذلك. ودخل المتوسط بينهم حتى خرج رأس برأس. وضمن كل ما في عدن ما خلا السمك والماء لا غير وزيد في القبان سدس بهار عما كان في الأول. وغير جميع مكاييل اليمن ووضعوه على عيار زبدي الجند وغيروا الأوعاد كلها سنة خمس وعشرين وستمائة. والفرضة هي مع القوم بالأمانة ويقال إنّه وصل مركب وزن عشوره ثمانون ألف دينار. وكان يرسي في كل عام تحت جبل صيرة سبعين ثمانين مركب زائد ناقص. وكان يرفع من عدن في كل عام أربع خزائن إلى حصن تعز: خزانة قدوم المراكب من الهند وخزانة دخول القوة إلى عدن وخزانة خروج الخيل من عدن إلى الهند وخزانة سفر المراكب إلى الهند. وكل خزانة من هذه الخزائن يكون مبلغها مائة وخمسون ألف دينار زائد ناقص وانقطع ذلك في زماننا هذا سنة خمس وعشرين وستمائة. وكان معاملة عدن في أيام بني زريع ذهب السنعاني علي عيار البسطامي واقل منه. ونقد البلد ذهب ملكي يسوى بالدينار المصري أربعة دنانير ونصف ملكي ويحسب الدينار أربعة أرباع كل ربع ثلاثة جوز كل جائز ثمانية فلوس كل فلس بيضتين. ويقال أوّل من ضرب الدينار الملكي أحمد بن علي الصليحي بصنعاء ويباع الروسى بالقصبة طول القصبة أربعة اذرع بالحديد ويباع الألواح الساج بالذراع الحديد. وكل ما يباع في المنادى خرج وأمانة ومن زاد ركب، وكذلك العبيد والجوار. صفة بيع الجوار

стр. 57

تبخر الجارية وتطيب وتعدل ويشد وسطها بمئزر ويأخذ المنادى بيدها ويدور بها في السوق وينادي عليها ويحضر التجار الفجار يقلبون يدها ورجلها وساقها وأفخاذها وسرتها وصدرها ونهدها. ويقلب ظهرها ويشبر عجزها ويقلب لسانها وأسنانها وشعرها ويبذل المجهود. وإنّ كنا عليها ثياب خلعها وقلب وابصر وفي أخر الأمر يقلب فرجها وجحرها معاينة من غير ستر ولا حجاب. فإذا قلب ورضى واشترى الجارية تبقى عنده مدة عشرة أيام زائد وناقص فإذا رعى وشبع وملّ وتعب وقضى وطرء وانقطع وطره يقول زيد المشترى لعمرو البائع: بسم الله يا خواجا بيني وبينك شرع محمد بن عبد الله فيحضرى عند الحاكم فيدعى عليه العيب. ذكر البيع والعيب حدثني الحسن بن علي حزور الفيروزكوهي قال: إني بعت جارية هندية بعدن على رجل أسكندراني بقيت عنده مدة سبعة أيام فلما شبع استعيب فيها وأحضرني إلى الحاكم وادعى علي بالعيب. فقال الحاكم: وما عيبها؟ قال: هي واسعة الرحم رهلة الفرج. فقلت له: إذا كان ايرك صغيرا وأنت تتباخل على الجارية بشرى الماء فما يصنع رحمها السمين الأبيض المنتوف الطيب. فلما سمعها الحاكم قال لمن حضر: أخرجوهم! فخرجنا ورحت إلى شغلي وبقيت الجارية في كيسة ولم ادر ما فعل الدهر بهما. وإذا اشترى زيد ثوباً واستغلاه فرق طرفه ورده على صاحبه لاستظهار عيبه ويأخذ الدلال دلالته عند القاضي عنف وكره ويحكم له الحاكم على كل دينارين فلسين دلالة فان باع على دكانك له من كل دينار فلس وإنّ باع جملة فعلى المائة دينار ولهم، في كل قطعة نيل ربع. ولو أراد بعض الناس الخروج لوداع مسافر من الباب لمّا قدر إنّ لم يكن معة خط جواز وضامن يضمنه بما يظهر عليه بعد وقت مكن مال أو عشور ويكتب في الرقعة علامة الوالي ويخرج بعد ذلك وإنّ لم يكن له ضامن وإلا اخذ منادي ينادي عليه في الأسواق: إنّ فلان بن فلان خارج من الباب فكل من له عليه شيء يطالبه! فان ظهر عليه شيء كفى الله المؤمنين القتال وإنّ لم يظهر عليه شيء خرج إلى أي موضع شاء كما قيل في المثل: المفلس في أمان الله، وكما قال: قليل الهم لا ولد يموت ... ولا أمر يحاذره يفوت قضى وطر الصبا وأفاد علما ... فغايته التفرد والسكوت ذكر خراب عدن

стр. 58

يفيض البحر فيغرق جميع البلد وترجع المدينة لجة من لجج البحر. كما ذكر في مبتدأ الخلق إنّه يجوز عليها المراكب مقلعة خاطفة يقول أهل المراكب فيما بينهم: أنا سمعنا في قديم الأيام إنّه كان في هذا الغب بلد عظيم عامر لأهله مقيم سهل سليم ومقام كريم. فيقول أحدهم: ما تسمى؟ فيقول له: شذ عني اسمه. وبعد خرابها يعمر مرسى غلافقه والأصح الاهواب إلى أن يرجع احسن من عدن. حدثني أحمد بن عبد الله بن علي بن الحمامي الواسطي قال: ما بقي من عمارة عدن إلا اليسير. قلت: ولم؟ قال: لأني قرأت في بعض الكتب: إلا إذا اتصلت عمارتها إلى بابها. قال أبن المجاور: وقد اتصل إلى الباب بعض العمارات. وقال آخرون: عدن تخرب سنة سبع وعشرين وستمائة. ودل على تصديق المقالة دخول نور الدين عمر بن علي بن الرسول إلى عدن يوم الأربعاء السادس والعشرين من شهر رجب سنة أربع وعشرين وستمائة. وفي يوم الاثنين الثاني من شعبان طرح الفوة على كل من كان في عدن من غريب وقريب وقوي وضعيف ورجل وامرأة حرة ومفسودة على سعر البهار مائتي دينار وثمانين ملكي وضرب الخلق بالخشب وكانت الأيام شبه أيام المحشر كل منهم محنشر ينادي: أين المفر؟ فلما كان سنة خمس وعشرين وستمائة أخذ جميع فلفل التجار وجميع الخف والنحاس والبربهار حسب الفلفل البهار بأربعين ديناراً وطرحه على أهل الكارم بستين دينار واخذ الصقر من أهل الكارم على سعر البهار بستين ديناراً طرحه على أصحاب الخف بثمانين دينارا وأعطى أصحاب الفلفل الفوة على سعر البهار بأربعة وثمانين ديناراً، ويأخذ البهار بهار وربع وإذا أعطى البهار بهار إلى ربع. ويخرج بعد ذلك من هذه البضائع الواصلة العشور والشواني ودار الوكالة ودار الزكوة والدلالة يفضل مع التاجر لاش في لاش. ويحسب التاجر جميع حسابه بحديده والأرض. وأخذ جميع عطب من وصل من الهند مع التجار مستهلك لا يبيع ولا يشتري. وضمن القبان السنة بعشرين ألف دينار، والسليط على كل بهار يصل خمس دنانير، وسوق الخضرة والجوار والرطب واللحم وجميع الدواب بأحد عشر ألف دينار. ولم يبق شيء يدور عليه اسم وحرف إلا وقد رجع فيه ضمان ما خلا الماء والسمك. من عدن إلى المفاليس من عدن إلى المياه ربع فرسخ. وإلى المزف فرسخ وطوله ثلاثمائة ذراع وستين خطوة بناه شداد بن عاد لمّا بنى عدن، ويقال بناه العجم لمّا أطلقوا البحر على المياه حتى غرق ما حول عدن من الأراضي فجدد العمارة الشيخ عبد الله أبن يوسف بن محمد المسلماني العطار وأوقف على عمارته مستغلات بعدن. وإلى المملاح ربع فرسخ وهو موضع يجمد فيه الملح وكان مخلص رجع الآن عليه ضمان، ويقال إنّ بعضه صار للسلطان لان اتابك سيف الدين سنقر اشترى نصفه بألف دينار وإلى المجد ولى ربع فرسخ وإلى اللخبة ربع فرسخ ومنها ينقل الآجر والزجاج إلى عدن، بناه أبو عمرو عثمان بن علي الزنجبيلي. وإلى الحجر العر فرسخ وهو مقدار مائة حصاة ممدودة على ايمن الدرب. وإلى بئر الرجع فرسخين ويعبر برمل يسمى المغاوى. وأما وادي الرجاء فوادي نزه ويسمى عند العرب الحردة بين أشجار أثل وأراك وقد بني على البئر مسجد حسن. حدثني الحسن بن محمد بن الحسن بن علي بن الحسين المحفني قال: إنّ الأديب ظفر بن محمد بن ظفر بنى المسجد والبئر في الرجاع ويقول أهل البلاد وهم العقارب: ما يتفق ماء الحدرة وعيش أي لم يتفق أكل خبز وشرب ماء بئر الرجاع لان هذا الماء يغني عن أكل العيش. وإلى النويعم فرسخين والنويعم وادي نزه ونخيل وشجر سدر. حدثني بعض أهلها إنّهما واديان أحدهما النويعم والثاني وادي مرحب وهما آخر الوطاءة وأوّل الجبال. وإلى المفاليس فرسخين قصبة مختصرة بنيت في شعب جبل مثلث. وبنى سيف الإسلام على ذروة هذا الجبل حصن مختصر يسمى المصانع يقال إنّه قديم البناء وهو ذو إحكام ومكنة وليس يكون لأهلها بيع ولا شراء إلا أيام الوعد لا غيرا. صفة بناء الجب

стр. 59

عرب النهائم من موزع إلى أعمال أبين مع جميع العقارب وهم عرب هذه البلاد يسمون بنو الحرث يدعون المحبة لله وفي الله. وإذا وجد أحدهم غزالاً ميتة أخذوها وغسلوها وكفنوها ودفنوها وبقي للغزال غزالاً في جميع القبائل مدة سبعة أيام مشققين الجيوب مقطعين الشعور يذرون الترائب على المفارق فقيل لهم فيما هم فيه فقالوا: نحن نمشي على الأصل ونقول بترك الفرع. كما قال قيس بن الملوح: فعيناك عيناها وجيدك جيدها ... ولكن عظم الساق منك دقيق ولم يأكل أحد من أهل هذه القبيلة خبزا مقابل امرأة ولا يشرب ولو مات جوعا وظماً. ومن هذا الحد يخلى الجمال ويركب الحمير إلى قدام. وما اشتق اسم المفاليس إلا من الإفلاس كما قال أبو نؤاس: أريد قطعة قرطاس فتعوزني ... وجل صحبي أصحاب القراطيس تحاهم الله من ود ومعرفة ... إنّ المياسير منهم كالمفاليس من المفاليس إلى تعز من المفاليس إلى نقيل الحمر فرسخ ونصف، بناه الشيخ أحمد بن الجنيد بن بطال حدثني يحيى بن عبد الرحمن الزراد قال: إنما بناه محمد بن سليمان أبن بطال. ويقال إنّه ثلاثمائة وستون ملوى أي فركة ذبح على كل ملوى رأس بقر فدية وستة أحمال حنطة وخرج ثلاثمائة دينار، ويقال إنّه خرج كل ملوى بألف دينار، وبنى على كل ملوى سقاية ومسجد. فلما أتمه طالبته زوجته بمهرها فقال لها: ما تريدين مني؟ قالت: أريد أن تعطيني ثواب عملك وأنت في حل من المهر، فأعطاها ثواب ما عمله. وتم ستة وعشرين وأربعمائة ويقال ستة وعشرين وخمس مائة وهو بناء عجيب حسن. صفة الحجر الذي في النقيل وفي النقيل حجران فيهما على هيئة فرجي امرأتين. سألت المكارى عن حالهما فقال: إنما كانتا امرأتين مسختين حجرين إحداهما بانت في ضرس جبل والثانية قطعة وفرشت على جملت بناء المدرج. وبين الحجر والحجر مقدار عشر اذرع، يحيطان كل شهر ويقال كل حول. قال أبن المجاور ورأيت فيه شيئاً شبه الدم ولم يتحقق عندي إنّه دم أو غيره. حدثني أحمد بن المهنا الصفار الحلى ثم الفدسي قال: يمكن أن يكون ذلك الدم موميا بني آدم لان موميا بني آدم الأصل فيه هو الذي يعقد من الحجر ويسيل. وقال بعضهم: إنّه يشم من الحجر رائحة كريهة، شممت ذلك ووجدته بخلاف ما قالوا. والحجرين هما على مائتين وثلثي ملوى وهما على يمين الصاعد من المفاليس إلى الجوة وعلى يسار النازل إلى المفاليس قدره مائة وثلثين ملوى. وعلامته أن نبت على رأس الحجر الواحد شجرتان سلم فيصل فيئهما إلى الحجر الثاني الذي ادخل في جملة البناء. وبقي النفيل على حاله إلى أن دخل شمس الدولة توران شاه بن أيوب اليمن فخرجت العرب بعض النقيل لئلا يعبره أحد من الغز. وبقى مهدوم إلى أن تمكن سيف الإسلام طغتكين بن أيوب من الملك وجدد عمارته من ماله والأصح أنه أخذ أمر لعقب بانيه بالجلالة. وكان قبل أن يعمر الشيخ محمد بن سليمان بن بطال الركبي هذا النقيل طريق الحرز، وهو أن يخرج على لحج يدخل وادي ولا يزال يسير فيه إلى الجوة في شعاب وأودية ووطاءة قريب المسافة. وما قطع الناس مسير طريق حرز إلا من شدة الخوف بها لأنّه لا يزال مسافر لحد رأس فلذلك سمى طريق حرز، وسنذكره في أعمال الجوة. وإلى اسفل النقيل فرسخين وبه موضع منحدر يسمى المجرية، وفيه انشد بعضهم يقول: قطعنا الحمراء والمجرية ... مع تلك الجبال والأودية وإلى الحنيش نصف فرسخ. وهما خطان أبيضان في لحف جبل مستقيمان، يقال انهما كانا حنشين ملتقيين فضربهما البرق فمسخوا خطين أبيضين. وإلى الحواض فرسخ، وطاءة ذات خوف شديد. وإلى الجوة نصف فرسخ، من أعمال الدملوة. وإلى الدملوة فرسخ والله اعلم. تم القسم الأول من تأريخ المستنصر ويليه القسم الثاني إن شاء الله تعالى بناء حصن الدملوة

стр. 60

حدثني يحيى بن علي بن أحمد الرداد قال: إنّ النواب ظلموا امرأة بدوية صاحبة نعم ومواشي. فلما شاهدت المرأة اجتراء القوم في أخذ نعمها ساقت ما بقي معها من المواشي وصعدت الدملوة وسكنت المكان. فلما جاء وقت اخذ الراعي من المواشي أبت على أداء ما عليها من حق وباطل ولزمة مكانها. فلمال رأوا قوة بأسها مع شدة ناموسها صعد لها قوم فلم تمكنهم من الصعود ونزلوا حولها فحاصروها فلم يعمل فيها شيء. فلما سمع والي العهد خبر المرأة وتمنعها عن أداء ما عليها من الضرائب المعهودة والقوانين القديمة ورأوا قوة الموضع أنفذ لها ذمة لها ولمن معها وأن يزل عنها وعن مواشها الخراج ويطيب قليها. فنزلت المرأة فبنى الوالي على الموضع حصنا منيعا وهو بذاته قوي مكين سمى الدملوة لدوام مكث طالبيه تحته على أخذه. وانشد محمد بن زياد المازني يمدح أبا السعود بن زريع قال: يا ناظري قلي تراه كما هوه ... إني لأحبسه تقمص لولوه ما أن نظرت بزاخر في شامخ ... حتى رأيته جالسا في الدملوة ولم يقدر أحد من العرب على اخذ إلا سيف الإسلام طغتكين بن أيوب بعد أن حاصرها ستة سنين، وآخر الأمر اشتراها من القائد كافور مولى الداعي بمائة ألف دينار على شرط أن يأخذ جميع ما فيه ويسلم له الحصن شبه جوف حمار، وهو من الحبشة. فلما استوفى المبلغ نزل بحرم الداعي وبجميع ما كان إلى العارة وولي فيه المعلم أحمد الصلوي وجارية ويقال خادم حبشي. فركب في المركب وتعدى إلى أرض الحبشة وانفذ خاتمه إلى سيف الإسلام وأنفذه إلى المعلم أحمد الصلوي بتسليم الحصن. فقال أحمد الصلوي المعلم: لا سمع ولا طاعة لا لسيف الإسلام ولا للقائد كافور، وإما اليوم أنا ملك لتملكي هذا الحصن. فرد سيف الإسلام نزل على الحصن وحاصره ستة اشهر أخرى فلم يقدر على غرر المعلم. فلما انحصر اشترى الحصن من المعلم ثاني مرة بستين ألف دينار وملك الحصن فهدمه وأعاد بناءه ثانية. وركب عليه ستة أبواب ومن جملتها باب الذراع وباب نبهان وباب الأسد وباب الغزال. وحفر فيها ثلاث برك أحدها في الشمس على قلة الجبل والاثنين الآخرين في الفيء وغرس فيها بستاناً حسناً وبنى ميدان وحصنها غاية التحصين. وآخر من اشتراها فارس من جزا زوجة أتابك سيف الدين سنقر بمبلغ عشرين ألف دينار بعد أن حاصرها عام تام في دولة الملك المسعود يوسف بن محمد بن أبي بكر. فلما صار في حوزته وقبضته وأدار حول الجميع الحصن سوراً ثانياً لإحكام الحصن سنة أربع عشرة وستمائة. وقد غرس سيف الإسلام تحت الحصن بستانا يسمى الجنان ويقال الجنات فيه من جميع الفواكه ويطلع فيها وزن كل أترنجة عشرة أمنان. راجع على طريق حرز. من الجوة إلى العيارين فرسخين. وإلى نقيل حرز فرسخ، وما عرف بهذا الاسم إلا إنّه إذا جاز عليه أحد يحرز إنّ يؤخذ وهو تسهيل الملك. وإلى الماء الحار نصف فرسخ، وهو عين يخرج من معينه حار عرف الموضع به، وقد نبت على هذا الموضع جمل من شجر الاكاذي لله وفي الله. وإلى الدعيس أربع فراسخ، وهو من معاملة لحج. وأما أعمال لحج فإنها معاملة طويلة وعريضة تصح مقدار عشرين فرسخاً وقرى كبار من جملتها الرعارع. وفيه يقول علي بن الحسين الأعرج: خلت الرعراع من بني مسعود ... وتبدلت بعد القرود أسود فقال له الداعي سبأ بن أبي السعود: بل تبدلت بعد الأسود أسود. وهو محمد أبن منيع بن مسعود بن مكارم وكان صاحب لحج. فتغلب عليها سبأ بن أبي السعود بن زريع بن العباس بن المكرم. وقور الدعيسي٠٠٠٠ لم يدخلها ناموس. ويرفع منه في كل سنه ألف دينار ملكي إلى بيت المال. واستولى عليها ناصر الدين محمد بن عمر بن المهدي الرازي فأخربها ونهب أهلها وأحرقها في غزة شوال سنة أربع وعشرين وستمائة، وأنتقل جميع أهلها إلى عدن وتفرقت بدوها في تهائم اليمن. وإلى عدن أربع فراسخ. من الجوة إلى تعز

стр. 61

إلى وادي ورزان فرسخ، وهو نهر يفرق بين ثلاثة أعمال: أعمال الجوة وأعمال الجندية وأعمال تعز. وإلى أكمة همدان فرسخ. وإلى الحمراء نصف فرسخ. وإلى حوبان نصف فرسخ، وقد بنى بها أتابك سنقر بركة مربعة. وإلى تعز ربع فرسخ. وتسمى هذه الأعمال حيز الأخضر لكثرة عشبها وأميائها وخضرتها. صفة حصن تعز حصن بني على طريق حبأ يسمى الجبل الأخضر ذو مكنة بالجص والحجر بأبواب وأسوار وثيقة وعامرة وليس في جميع اليمن اسعد منه حصنا لأنّه سرير الملك وحصن الملوك. قال أبن مجاور: ورأيت في المنام إنّ قائلا يقول لي: إنّ حصن تعز يسمى تل الذهب، أو قال: جبل الذهب. فتأملت قوله فوجدته حقا لان أموال جميع اليمن مكنوزة به. وقال حكيم: إنّه قلعة وضع بين مدينتين إحداهما المغربة والثانية في لحف جبل صبر على هذا الوضع، وصورته على هذا الوضع والترتيب. صفة جبل صبر جبل مدور يصح دوره ثلاثة أيام رفعته ذات طول وعرض، وفيه من القرى والحصون ما شاء الله وبساتين كروم وزروع. ولها أربع مسالك إحداها الخشبة وبرداد وعتدان وجبأ، وما عدا هذه الطرق لم تسلك لوعرها وخشنتها لا لراجل ولا لفارس وهو جبل طيب. وفيه أنشدت شمس النهار بنت أحمد بن سبأ بن أبي السعود ويقال سبأ بن أبي سليمان تقول: عاتبتني فقالت: كيف طاب لك النأي وخليت الوطن؟ يترك الحبيب حبيبة ويطلب الإقامة في عدن واغتضت من صيد الظباء صيود أرباب السفن واغتضت صيرة من صبر سلطان أجبال اليمن وفي بعض كهوفها أصحاب الكهف والرقيم وهم الذين قال الله فيهم: (ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا) . وأسماؤهم مكسليمنا وبمليخا وبرطبوت وكسرطوس وفرورس وححمسمينا واسم الكلب دير ويقال قطيمر ويقال حمران وانطيس والحاين. وقال آخرون: واوس ولماطونس ومكسلمينا وساوالحسابر وبلميليخا. (وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد) . وعلى باب الغار مسجد وعلى باب المسجد عين تسمى عين الكوثر، وهو موضع فاضل مزار في العاشر من رجب. فإن قال قائل: ليس القوم في هذا الإقليم، قلنا: بلى لان دقيانوس هو الملك الذي أسس مدينة الكدراء وسكن الجند. وكان القوم من أهل الأفسوس. فلما تم لهم ما تم خرجوا من مدينتهم صعدوا جبل صبر فأووا إلى الكهف وجرى عليهم ما جرى، وكلبهم معهم كما قال الله تعالى: (وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد لو اطلعت عليهم لوليت منهم فراراً ولملئت منهم رعباً) . كما قال: كثر الشك والخلاف وكل ... يطلب العوز بالصراط السوى واعتقادي أن لا اله سواه ... ثم حبي لأحمد وعلي فاز كلب بحب أصحاب كهف ... كيف أشقى بحب آل النبي وقال دعبل بن علي الخزاعي: ملوك بني العباس في الكتب سبعة ... ولم يأتنا عن ثامن لهم الكتب كذلك أهل الكهف سبعة ... كرام إذا عدوا وثامنهم كلب وينزل ماء تعز من جبل صبر حين اشتراه سيف الإسلام طغتكين لهذا الماء من أصحابه بعشرة آلاف دينار وسبله ويسمى ماء الخشبة وهو ماء خفيف هنيء مريء. ويقال إنّه عين كسر كثير الماء نصفه يقلب إلى تعز ونصفه ينزل إلى مدينة جبأ وهو أصح من ماء الخشبة الذي ينقلب إلى تعز وأجود منه، وليس أهل اليمن جبأ على الغرباء إلا بشرب هذا الماء لا غير من طيبه. وينزل جميع فواكهها وأحطابها وأخشابها التي للعمارة لان الغصن ميال والغيم هاطل. ومن يوم يدخل الإنسان الدرياع إلى إنّ ينحدر إلى نفيل الحمراء يهب عند كل عصر هواء بارد يحيي الفؤاد وبعده تككل الأفق بالغمام وينزل الغيث ساعة زمانية ثم يصحو، ويبقى العالم على هذه الصفة مدة ستة اشهر الصيف. فصل إذا رأيت الهلال في الماء يضرب إلى الحمرة فأنه يدل على هبوب الريح، فإذا رأيت في وسطه سوادا دل على الغيث. وإذا رأيت عين الشمس حين طلوعها في وسطها شيء من الغيم دل على مطر وصحو جميعاً. وإذا رأيت الشمس تغرب وعليها وحولها قطع قطع من السحاب يدل على المطر. وإذا رأيت سحابا متفرقا دل على الغيث. وإذا كان الهلال أبن ليلتين أو ثلاثة فإن رأيت في قرني الهلال أو كأنه مظلم ملطخا بدم دل على الشتاء وكثرة المطر.

стр. 62

ذكر بلاد ينزل فيها الغيث كثيراً ينزل الغيث في أعمال ماردن دائم، وفي أعمال كلاب مدة عشرة شهور، وفي أرض بني سيف مدة أربعين يوماً من إقليم اليمن ويوبس شهرين فلذلك سمى البوالة، وإقليم المينا مدة أربعة اشهر. وإقليم الجاوة ينزل الغيث من الغيم شبه أفواه القرب ولا يستدل سفارة البحر على إقليم الجاوة إلا بكثرة لمع البرق. وفي إقليم فوفل أربعة شهور. وفي العينين ينزل دبس رفيع شبه السماق دائم. وينزل في الجزيرة الخضراء وجزيرة متعة دائم. وفي بلاد السند مدة أربعين يوماً. ويكون في جميع الهند تارة صحوة وتارة غيث وفي نهار واحد مقدار عشر مرات، وتمطر على دار ولا تمطر على أخرى ويقال: إنّها قد تمطر على أحد قرني الثور ولم تمطر على الآخر. وينزل الغيث في جبال اليمن ستة شهور ما بين الظهر والعصر. ذكر المياه والرياح وما يتعلق بكل كوكب وبرج. فصل الحمل والميزان النيران المشعلة، الجوزاء رياح طيبة ورياح الجنوب، والسرطان المياه العذبة والأمطار كثيرة الحركة وما ينزل من السماء، الأسد النيران التي تدخن في الكوانين وعلم الهوى والنيران التي في الأحجار، السنبلة كل ما جارى الميزان الرياح التي تلقح الأشجار بهبوبها وتسمن الثمار وتدل على طيبة الجو، وعقرب المياه الجارية التي ينزل إليها بالمراقي مثل الصهاريج والسيول والقرب وما يعجن من الطين، والقوس الأنهار والنيران الغزيرة في ابدن الحيوانات، والدلو المياه الجارية والبحار والرياح والعواصف المؤثرة قلع الأشجار مفسدة للنباتات، الحوت للمياه الراكدة والبحريات ويدل على الأشجار المعتدلة الطول. ويسمى أعمال معاشر تعز الشعبانيات وحدود إلى وادي ورزان وبركة الحوبان. وبه انشد سليمان شاه من شاهنشاه بن شاذي يقول: بليت بها دون الحسان فمهجتي ... تذوب وبي من جرة البين بلبال أقمت بأكناف الخصيب وأصبحت ... بحصن تغز ذا التفرق قتال من تعز إلى الجند من تعز إلى بركة الحوبان ربع فرسخ. وإلى وادي السمكر ربع فرسخ، والسمكر كان رجل يهودي قتله علي بن أبي طالب ﵁، وفي هذا الموضع أراضي تغلب عليها المياه إحداها ٠٠٠٠ وإلى الجند نصف فرسخ والله اعلم واحكم. بناء الجند غرست الأوائل في فضاة الجند نخلا وحمل فلما دار الدهر رجع عقدة. وبقي النخل على حاله إلى إنّ ظهر دقيانوس الملك وقطع النخل ونبى في فضاة الجند بلداً عظيماً سماة الأقيوس، وبه كانت وقعة أهل الكهف مع دقيانوس الملك والله اعلم. وصورته على هذا الوضع والترتيب: ويقال إنّ القوم في كهف من كهوف الجبل صبر نيام إلى الآن، وهم الذين قال الله عنهم: (سيقولون ثلثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة وسادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ربي اعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل) . وقد تقدم ذكرهم في الافسوس ٠٠٠٠ عامر إلى أن ملك اليمن أخ المعز بن معن بن زائدة الشيباني، فقام المتولي ومد يده إلى اخذ المال واستباحة النساء بالفحش من العمل وقبح الأمل. فلما رأوا العرب منه ما رأوه قتلوه وعصوا في البلاد فطم أخوه معن بن زائدة الشيباني فعلم الخبر فركب وجاء في خيل ورجل فملك اليمن بعد أن ركب السيف على أهلها واخرب الجند، وسد في الجبال ثلاثمائة غيل أي عين عذبة ويقال إنّ غيلان منه سده بالملح فملح ماؤه وصار يحمل منه ملحا إلى هذه الغاية. فلما تولى معاذ بن جبل ولاية اليمن من قبل النبي (بناها مدينة سميت باسمه جبل غير إنّ الباقون أبدلوا اللام دال، فسميت الجند لأنها مسكن الجند. حدثني عبد الله بن محمد بن يحيى قال: إنّ في الأصل يسمى قارع الأجناد لأبن أهلها كانوا جند اليمن لم يسمع أحد منهم كلام صاحبه ولم يرضوا بحكومة بعضهم بعضاً. فلما كثر القال والقيل بين زيد وعمرو خرج نصر وجعفر إلى النبي (برضى خالد وزبير وطلبوا منه رجلاً يؤدون له الزكوة ويعلمهم الشرائع والدين ويتحاكمون إليه انفذ النبي (معاذ بن جبل. فقلت له: أريد على هذا برهاناً. قال: يقول الشاعر: يا بني مسعود شدوا الخ ... يل من قارع الاجناد

стр. 63

ما عليكم يا موالى ... من نباح الكلب في الواد حدثني رجل من أهلها إنّ كل ما كان يحفر في الغيل حبط٠٠٠ زبدي التراب أي من تراب كان يعطيه رغيف خبز وعظم أي قطعة لحم ودراهم وقيل دينار، ولا يزال على حاله إلى إنّ جرى الماء من الغيل وعمى. وبقي البناية على حالها إلى أن توفي سيف الإسلام طغتكين بن أيوب فأدار عليها سور من الحجر والجص وأعلاه طين ولبن سنة سبع والأصح ثلاثة وتسعين وخمسمائة. وركب على السور خمسة أبواب: باب المقصورة، وباب الحديد بناية الملك المسعود يوسف بن محمد بن أبي بكر، وباب الأقطع، وباب السر ينفذ إلى بستان السلطان. صفة جبل البقر وهما جبلان وراء الجند لمسافة ربع فرسخ بنوا بهما العرب حصنين وسائر القوم يصبح به الجند صباحاً ومساءً ليلاً ونهاراً. وبقيت أهل الجند معهم في عناء وتعب إلى إنّ ملكت ملوك العرب هدمت وأردمت آبارها. وبقيت الآن جبلان قائمان خربان لا بهما داع ولا مجيب. صفة أكمة سليمان وبئر النخر. وكان في قرب الجبل حصن مانع يسمى أكمة سليمان، من بناية سليمان بن داود ﵇. فلما عصت العرب على معن بن زائدة الشيباني تحصنوا بالحصن وبقى القتال يعمل بين الفريقين مدة أيام. وكان تحت الحصن مما يلي البحر بئر ماء ذات عمق وسعة وطول. وقد بنى على دورانه القلعة إلى قرار هذا البئر درج ينزل إليه الخيل، والرجال، والبئر مشترك ما بين الفريقين إلى أهل البلد فشربوا منه باطن وعسكر معن بن زائدة ظاهر. فنزل في بعض الأيام فارس بحصانه إلى البئر يرويه فلما شرب الحصان حوض الماء نخر الحصان من عمق الماء فسميت بئر النخر لأجل ذلك. فلما علم معن بن زائدة شريكة البئر فيما بينهم أفلت في الماء نفطا فصار كل من شرب منه مات. فسلم له الحصن، فلما ملك الحصن هدمه والبئر معا وجمعا. صفة الجامع

стр. 64

وأول من بني الجامع معاذ بن جبل مع أهل الجند ومت حوله من القرى. وأعاد بناءه القائد الحسين بن سلامة، وجدده الأمير الفضل بن أبي البركات أبن الوليد سنة ثمانين وأربعمائة بالحجر المنقوش واللبن المربع. وأحرقه على أبن المهدي سنة أربع وخمسين وخمس مائة. ويقال إنّ الخلق سعت وشفعت في إبقاءه فقال: قد استوجب النار، قيل: لم؟ قال: لأنه قد خطب على منبره الإسماعيلية، يعني ملوك بني زريع أي ولاة عدن، فهم أنجاس ينجس الجامع بذكرهم وكل من هو نجس طهر وقد طهرناه بالنار. فأعاد بناءه سيف الإسلام ومع ذلك رفع سقوفه بالآجر والجص بعد أن ذهبه، وأجراه بالذهب واللازورد سنة ثلاثة وستمائة في دولة الملك الناصر بن طغتكين أبن أيوب. وقال حكيم: خذ من جامع تعز ومن جامع الجند السقف! ويجتمع في أوّل جمعة رجب في جامع الجند من كل الأعمال ناس يصلون فيه ويبلغ ذلك اليوم في الجامع مقدار ما يسع رجل واحد درهم فيقال دينار ليصلي ركعتي الجمعة ويكون فيه ذلك اليوم نور مشهود. وأهل الجند وما حوله من القرى يروون في فضل هذا المسجد أخبارا من جهة زيارتة في أوّل جمعة في رجب: تعدل عمرة، بل قالوا: حجة. ولم يزل الناس يزورونه في كل سنة في أوّل رجب حتى اثر ذلك ٠٠وصار صفي الدين حاتم بن علي بن محمد بن المعلم حتى أسقاه في بطيخة ويقال إنّه اخذ إبرة مسمومة وغرز فيها خيط مسموم وصار يغرز الإبرة في جوانب النطيخة ويجرها والخيط معا، وجاء بها إلى سيف الإسلام وهو قائم على بناية المنصورة فجلا سكينا فوق البطيخة ليأكل منها. فتناول منه سيف الإسلام البطيخة فقطع وأكل وحس بالشر به فقال لعلي بن حاتم: الله المستعان على ما تصفون. فقال له: كل يا مولاي ما هو إلا خير. وغاب الشيخ حاتم بن علي بن محمد بن المعلم من ساعته، فأوجعه فؤاده ومات ﵀. حدثني عبد الله قال: إنّه كان يقرأ في النزع (ما أغنى عني مالي، هلك عني سلطاني، خذوه فغلوه، ثم في الجحيم صلوه، ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه) إلى تمام الآية. وحدثني إنسان جبلي من آل الصليحي قال: إنّه قرأ: (الذي جمع مالاً وعدده، يحسبُ أنَّ مالهُ أخلدهُ، كلاَّ لينبذنَّ في الحطمةِ، وما أدراكَ ما الحطمةُ، نار اللهِ الموقدةُ، التي تطَّلعُ على الأفئدةِ، إنها عليهم موصدةٌ، في عمدٍ ممددةٍ) ، وصار يكررها إلى أن مات ﵀. بقيت البناية على حالها إلى أن توفى الملك المعز إسماعيل بن طغتكين بن أيوب فرد الأرضي على أربابها. ويقال إنّما ردها إلا بعد أن أسقى الشيخ علي بن حاتم بن علي بن محمد بن المعلم في زبيد ويقال إنّما سقى أبن المعلم إلا لإدراك سيف الدين سنقر بعد قتله الملك المعز في زبيد. فصل كان يقال في زمان سيف الإسلام طغتكين بن أيوب: إنّه لا يموت حتى يملك القسطنطينية ويعمرها، فلأجل ذلك طال أمله في الدنيا وزينتها وأس المنصور فيما الفعلة يحفرون الأساس إذ خرج عليهم صخرة حجر عليه مكتوب: إنّ فلان بن فلان الشقي بنى مدينة قسطنطينية، قال ومات ودفن بتاريخ الشهر والسنة. فسأل عن اسمها الأصل، قالوا: إنّها تسمى قسطنطينية. قال: متنا ورب الكعبة! وسقي عليها ومات ودفن بمغربة تعز. وما أراد ببناء هذه البلد إلا إنّه يخزن فيها غلال الجبال على ما تقدم ذكره. فصل نزل الأمير العز علي بن محمد الصليحي بقرية من أعمال المهجم يقال لها أم الدهيم وبئر أم معبد. قال سعيد بن نجاح: فلما دخلها المهجم لم يشعر بنا إلا عبد الله بن محمد بن علي فركب وقال لأخيه: يا مولانا اركب فهذا والله الأحوال بن نجاح. فقال علي لأخيه عبد الله: إني لا أموت إلا بالدهيم وأم معبد يعتقد إنّها أم معبد التي نزل بها النبي (حين هاجر ومعه أبو بكر. فقال له فلان بن فلان: قاتل عن نفسك فهذه والله بئر الدهيم بن عبس وهذا المسجد خيمة أم معبد بنت الحارث العبسي، فحينئذ قتل بها. وكان في طالع الملك المعز إنّه لا يقتل إلا في العراق بعد أن يملكها وأموي مزيل دولة بني العباس. فلما تيقن عنده ذلك قتل بوادي العرق من زبيد. وفيه أنشد المحنني يقول: الموت في كل حين ينشر الكفنا ... ونحن في غفلة مما يراد بنا

стр. 65

لا تطمئن إلى الدنيا وزينتها ... وإن توحشت من أثوابها الحسنا أين الأحبة والجيران ما فعلوا ... أين الذين بها كانوا لنا سكنا سقاهم الموت كأسا غير صافية ... فصيرتهم لطباق الثرى رهنا وإلى قلعة ضراس نصف فرسخ. وإلى وادي ورزان نصف فرسخ. وإلى ذي جبلة نصف فرسخ، ويصعد نقيل ذي جبلة ويسمى النقلين وهما جبلان يسمى أحدهما نقيل ندران والثاني نقيل العكائف. وما اشتهر بهذا الاسم إلا إنّه كان به عجائز وعتكفات والله اعلم. بناء ذي جبلة ذي جبلة من مخلفات جعفر. وجبلة كان رجل يهودي يبيع الفخار في الموضع الذي بنيت فيه دار العز وبه سميت المدينة. وأوّل من اختط ذي جبلة عبد الله بن محمد الصليحي المقتول على يد سعيد الأحول بن نجاح مع أخيه علي الداعي بن محمد بن علي يوم المهجم وكان أخوه قد ولاه حصن التعكر وهذا الحصن مطل على ذي جبلة وهي من سفحه. وهي مدينة بين نهرين جاريين في الصيف والشتاء، وأختطها عبد الله بن محمد سنة ثمان وخمسين وأربعمائة. وبها كانت تسكن الحرة الملكة السيدة بنت محمد بن جعفر بن موسى الصليحي. فصل ولمّا كان في سنة سبع وأربعين وخمسمائة ابتاع الداعي محمد بن سبأ من الأمير منصور بن فضل جميع المعافل التي كانت لبني الصليحي وهي ثمانية وعشرين حصنا ومدائن ومن جملتها مدينة ذي جبلة، واشتراها منه بمائة ألف دينار. ونزل الأمير منصور بن المفضل حصنيه صبر وتعز وطلق زوجته الصليحية وهي بنت عبد الله بن عبد الله بن محمد الصليحي وصعد الداعي المخلاف وسكن في ذي جبلة وتزوج امرأة الأمير منصور بن المفضل. واكثر الشعراء تهنئته ومدحوه بالمعاقل والعقيلة المذكورين وطاش فرحا بما صار إليه وبسط يديه في العطايا والله اعلم. بناء المخلاف ونجا ٠٠ - ٠كما يقال أعمال اليمن، ويقال مخلاف تعكر ومخلاف جعفر أي من أعمال تعكر وأعمال جعفر. والمخلاف أعمال كل حصن بذانه يكون صعودا أدخلت تلك الأعمال إلى ذلك الحصن وكان حول كل حصن من القرى والزراعات فهو مخلافه. والمخلاف عند أهل اليمن عبارة عن قطر واسع، وليس تعرف المخاليف إلا بجبال اليمن وإما في التهائم فليس يعرف والله اعلم. ذكر تغلب ونفقها وحصن التعكر ولمّا خرج المنصور بن الحسين بن نجاح بن زبيد بأخيه عبد العزيز بن جباش هاجر هو وعبيده عن الملك المفضل بن أبي البركا والتزموا له على النصرة ربع البلاد، فسار المفضل معهم فاخرج عبد الواحد ملكهم ثم هم أن يغدر بهم ويملك زبيد. فحين خلا التعكر وطالت إقامتهم بتهامة وفي التعكر نائب له يسمى الجمل وكان هذا الجمل متمسكا بالدين فصعد إليه إلى التعكر سبعة من إخوانه الفقهاء منهم محمد بن قيس الزجاجي ومنهم عبد الله بن يحيى ومنهم إبراهيم بن زيدان وكانت له البيعة، فاخذوا الحصن من الجمل. وكانت الرعايا قد قالت للفقهاء: إذا حصلتم في رأس الحصن فأوقدوا النار. ففعل ذلك ليلا فأصبح عندهم على رأس الحصن عشرون ألفا واستولت الفقهاء على ذلك ولم يعهدوه. ووصل الخبر إلى المفضل بتهامة فسار مسير ظبي لا يلوى على أحد إلى التعكر، فقامت خولان في نصرة الفقهاء، وأقام الحصار عليهم. فلما طال ذلك قال إبراهيم بن زيدان لن أموت حتى أقتل المفضل ثم أهلا بالموت! فعمد إلى حظاياه من السراري فأخرجهن في أكمل زي وأحسنه وجعل بأيديهن الطارات وأطلعهن على السقوف سقوف القصر بحيث يشاهدهن المفضل ويسمع هو وجميع من معه من تلك الأم أصواتهن. وكان المفضل أكثر الناس غيرة وأنفة فقيل إنه مات في تلك الليلة وقال آخرون: امتص خاتما كان معدا عنده فأصبح ميتا والخاتم في فيه. وكان موته في رمضان سنة أربع وخمسمائة. ولمّا مات المفضل طلعت الحرة من ذي جبلة وخيمت على باب التعكر، وكاتبت الفقهاء ولاطفتهم إلى أن كتبت لهم خطها بما اقترحوه من أمان وأموال. واشترطوا عليها أن ترحل هي وجميع الحشود وتوصل إليهم من ترضاه واليا. وولى لها التعكر مولانا القائد فتح بن القائد فتح. حدثني السلطان ناصر بن منصور قال: حدثني إبراهيم بن زيدان إنّه وصل نصيبه من العين خمسة وخمسون ألفا يعني دينارا لمّا تركوه من حصن التعكر.

стр. 66

صفة بناء ذي جبلة بنا بذاك الصليحي في مخلاف جعفر وحدودها بالطول من نقيل صيد إلى مصابح وبالعرض من سوق وصفات إلى حصن الطريمة إلى ذي الأسود من حدود مخلاف حب، وتسمى قلعة النهرين لأن جبل التعكر ما بين أي من البلد وشماله ومجمع النهرين في أحد البلد عند موضع يقال له وادي ميتم. كما قال المازني في بعض قصائده حيث يقول: ما مص ما بغداد ما الطبرية ... كمدينة قد حازها النهران خدد لها شأم وحب مشرق ... وكذلك تعكرها المنيف يماني وله بقول: ليس الخورنق والسدير وبارق كطريحي ... كلا ولا النعمان مثل الدسا هاطل اليدين وقال مضطبع الدولة مواهب بن جديد المقرئ يمدح الملك المفضل بن أبي البركات بن علاء الحميري: فرفضها شوفاً إلى ذي جبلة ... وتركتها لملوك أهل المشرق ونذكر عجائب إقليم اليمن وما فيها من الغرائب ومن جملتها حصن أشيح. ومما ذكره عمارة بن محمد بن عمارة في كتاب المفيد في أخبار زبيد قال: حدثي المقرئ سليمان بن ياسين وهو من أصحاب أبي حنيفة قال: بت بحصن أشيح ليالي كثيرة وأنا عند أرى الشمس تطلع في المشرق وليس فيها من النور شيء، وإذا نظرت إلى تهامة نظرت عليها من الليل ضباب يمنع الماشي أن يعرف صاحبه من قريب، وكنت أظن ذلك السحاب والبخار وإذا هو عقائل الليل فأقسمت أن لا أصلي الصبح إلا على مذهب الشافعي. إنّ أصحاب أبي حنيفة يؤخرون الصبح إلى أن تكاد الشمس تطلع على وهاد تهامة وما ذلك إلا أن المشرق مكشوف لأشياح من جبال وذروته عالية. وهو مقر الداعي سبأ بن أحمد أبن علي الصليحي، وفيه يقول عبد الله بن الحسن بن علي بن القم شعراً: ولمّا مدحت الهيزري بن أحمد ... أجاز وكافاني على المدح بالمدح فعوضني شعراً بشعري وزادني ... عطاء فهذا رأس مالي وذا ربحي شققت إليه الناس حتى رأيته ... فكنت كمن شق الظلام إلى الصبح فقبح الدهر ليس فيه أبن ... ونزه دهر كان فيه من القبح ونجد الحنشين من أرض بني نجاح. وكان في قديم العهد تسمى هذه الأعمال أعمال نجد وما عرفت بالحنشين إلا أن صاحبيه تقاتلا وتعاقرا، فبينا هم في قتالهم إذ وقع عليهم لمع البرق احرقهم. ويقال بل خسف من تحتهم فنزلوا الخسف، والخسف باقي وهو في قدر بئر عظيم ليس يوجد له قرار. عرف النجد بالحنشين، ونجد الحنشين من أعمال الحقل والكافل. وحصن ثريد

стр. 67

بناء سليمان بن داود ﵇ في أرض بني سيف وهو سور دائر على سنام جبل شاهق في الهوى. وفي وسط الحصن بحيرة ماء قديم خلقه الله على ظهر جبل لم يعلم له قرار، وهو ماء عذب وقد يرى فيه من الأسماك ودواب البحر وموج هائل. وقد بنى على سورٍ على ساحله مستدار بالبحيرة وبني ن داخل السور ثلاثة دور لا غير يسكن في أحدهم ثلاثة رجال وفي الثاني أربعة وفي الثالث خمسة رجال يصح عدد القوم أثنى عشر رجلاً رتبة. ولم يقدر أحد من ملوك الغز على أخذها من أربابها بني سيف. ويقال إنّ به شجرة يصح طولها ثلاثة اذرع، قط ما أوكر عليه طير إلا وقع من ساعته ميتا، ولا يزال تحتها طيور موتى من كل فن. حدثني أحمد بن محمد بن المهنا الصفار قال: إني رأيت في بلاد البرابر شجرا يوجد تحتها قردة ميتة فسألت بعضهم على حال قصة القرود فقال: إنّ تلك الشجرة شجرة السم الذي يغلى حطبه يستخرج منه سم يجعلونه في نشاشيبهم فمن أصابه من ذلك النشابات ولم يقور اللحم والجرح معا مات من ساعته، ويجيئون القردة ويأكلون ثمرة لأنّه يكون حلو فيموتون كما ترونهم. قال أبن مجاور: وما يموت من القردة إلا كل من يكون في بطنه جراح أو مرض يصل سم الشجرة إلى الجرح يختلط بالدم ويموت ويرجع سببه مرمى شبه جذع نخل منصرم، ولا شك إنّ هذه الشجرة شجرة سم. قال أبن مجاور: ورأيت في النام ليلة الاثنين والعشرين من شهر رمضان سنة عشرين وستمائة كأن قائلاً يقول لي: إنّ في أرض الربحار شجرة تسمى نار ولم يمسها أحد إلا أحترق من وقته. وما اشتق حصن ثريد إلا من ثريد الخبز واللحم، أي كل من يملك هذا الحصن يبقى إقليم اليمن قدامه شبه جفنة الثريد يأكل ما أراد أي ما اشتهى وأراد. وفي سنة خمس عشرة وستمائة زرعت جميع جبال اليمن الفوة وبطلوا زراعة الغلال لان أحدهم كان يزرع الحنطة والشعير وما كان يغل كل جريب إلا خمسة دنانير ملكية فوزعوا الفوة فغل لهم الجريب ستين ديناراً، وابتاعت الفوة سنة اثنين وعشرين وستمائة بعدن البهار بستة وسبعين دينار. فلما رأت الخلق ما رأت قالوا: نترك غيره ونزرعه فزرعوه حتى الخدم والجوار والنساء والمشايخ والغني، وبقوا إلى إنّ ملك الملك المسعود يوسف بن محمد من ديار مصر، أخذ جميع الفوة ولم يخل لأحد وزن وقية. وجميع ذلك مباح مستهلك وذلك في سنة أربع وعشرين وستمائة. ومثابة فيه بسعر الفضة وأهلها قوم يقال لهم بنو نهم وفي سوارق صعدة انبيع ولو إنّه من كان. ويقال إنّه جلب زيد عبدا يريد بيعه السوق فقال العبد لسيده زيد: أصعد على هذا الحجر نادي على زيد، فلما صعد نادى العبد على زيد: من يشتري هذا العبد؟ فاشترى منه فباع العبد لزيد وأخذ ثمنه وراح. من ذي جبلة إلى صنعاء من ذي جبلة إلى القرين فرسخ. وإلى السحول فرسخين، وهو الذي ينسج فيه الثياب السحولية وكفن رسول الله (في ثوبين منها. وهذا الوادي لبني أصبح قوم الفقيه أبي عبد الله مالك بن أنس الأصبحي إمام دار الهجرة. وإلى ذراع الكلب فرسخ. وإلى قلعة إب فرسخين. وإلى المغربة فرسخين، بناية الملك المعز إسماعيل بن طغتكين. وإلى المعبر فرسخ. وإلى حصن السماوي فرسخ. وإلى جدرة نقيل صيد فرسخ، وهو مدرج درجة الملك الأغر على بن محمد الصليحي. وقال: وأسكنت العراق خيار قومي ... وأسكنت النبيظ قرى وقتاب

стр. 68

وقتاب هو من جملة الحقل والحقل من وادي صيد، وبنزل من ذروة النقيل عين ماء تسمى بالجبل إلى حوض وفي الحوض حوض صغير وفي الحوض الصغير سرب ينزل الماء فيه لم يعلم أحد إلى أين يجري. وإلى ضربة عمرو فرسخ، وهي ضربة عمرو بن عبدود العامري في حجر غاص سيفه في لب الحجر كما تغوص الشفرة في قلب الجبن الطري، وكان السبب في ضربة الحجر إنّه تبعه قوم من العرب والأصح سيف بن ذي يزن ويقال الحبوش، فلما ضجر منهم ضرب الصخرة ضربة فلما رأت الحبوش ذلك ردوا على أعقابهم راجعين. ويقال لمّا نظر سيف بن ذي يزن الضربة علم إنّه لا يصح منه شيء إلا بيد غالبة فخرج إلى العراق مستنجداً بكسرى فأعطاه كسرى جيشاً ملك بهم اليمن. فلما ثبت سيف بن ذي يزن في اليمن وخرج عمرو بن عبدود إلى الحجاز وهو الذي برز إليه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضوان الله عليه وكبر النبي (ثلاثاً وقال: برز الإيمان كله إلى الشرك كله، وقتل على يد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في الوقعة، كما قال: كن أبن من شئت واكتسب أدباً ... من العجم كنت أو من العرب إنّ الفتى من يقول: ها أنا ذا ... ليس الفتى من يقول: كان أبي وإلى منزل الأصم فرسخ، وما عرف بهذا الاسم إلا إنّه وصل إلى هذا الموضع رجل أصم أي اطرش فسمع دوي جري الماء تحت الأرض فحفر آباراً ويقال أنهر وسكن به فعرف به، وإلى دار الضيف فرسخ، سكنها رجل من الأعراب وكتب على بابه في الصخر: ألا من وصل الدار فلا يعدي ... لان في الدار رجل يغدي وقال أبن المجاور: وعجبت منه كيف لم يكتب: ألا من وصل الدار فلا يمشي ... لان في الدار رجل يعشي والكتب إلى الآن باق على حالها. وقال أبو فراس بن حمدان في المعنى: نار على شرف تأ ... جج للضيوف الساريه يا نار إنّ لم تجلبي ... ضيفا فلست بناريه وصفة رجل جبل ٠٠٠السلطان الأعظم بهرام بن شاه بن مسعود ما وهب لأحد مال إلا وهب مع المال خلق استوجبوا القتل، فقيل له في ذلك. قال: إما المال فليس له عندي قيمة ولا قدر ولا محل إلا لو وهبت الأرواح. كما قال الباركل في المعنى: كل له ثمن يباع بمثله ... إلا النفوس فما له أثمان فأخذ هذا المعنى الحكيم فضل الله الغزنوي يقول: زابتداي كون عالم تا بوقت بادشاه ... از بزركان عفو بودست از فرو دستان كناه خاصه اندر عصر شاهي كز بي أنصاف أو ... كهربار نيست آن يارا كه كردد كرد كاه من كه از تدبير خصمان خورده بودم تير قصد ... زنده ماندم تا بروز محشر از اقبال شاه جان من بخشيده شاهيست كندر عصر أو ... جند شاه تاج بخش است با أمير داد خواه خسرو سياركان بايد كه أين شش بيت را ... باز كردناد بكلك تير بر رخسار ماه تا بياموزند شاهاني كه زر بخشندو سيم ... رسم جان بخشيد از سلطان دين بهرام شاه وإلى الملاوي ثلاثة فراسخ. وإلى الحزيز فرسخين. وإلى مدارة فرسخ. وإلى نقيل اسلح فرسخين صعود. وإلى حداران فرسخ حدور. وإلى حباري فرسخ. وإلى غيل البرمكي فرسخين. ٠٠ جاري. فلما قتل الإمام أبو محمد هارون الرشيد جميع البرامكة هرب إنسان منهم وسكن صنعاء، فلما وجد قلة الماء على أهلها اشترى أرض قاع عباد بن الفخر وحفر بها نهر عظيم، ويقال إنّ معين النهر هو من أرض العراق، فلما تم جريان الغيل أوقفه على ضعفاء صنعاء فعرف الغيل بالبرمكي. ويقال بل الذي حفر برمك الذهب أي ما قصر في جرح الذهب على حفره. وإلى صنعاء فرسخين. بناء صنعاء

стр. 69

حدثني يحيى بن علي بن عبد الرحمان الزراد قال: إنّ شيث بن آدم ﵇ بني مدينة صنعاء وغرس بظاهرها بساتين أهدمها ايمن الدرب والثاني أيسره وهما بطول من صنعاء إلى العراق مسيرة سبعة أيام. حدثني السلطان جميل: بني سام بن نوح ﵇ لأنه استولى عليه ولم يكن يقدر على المقام في مدينة واحدة فكان يدور العالم على موضع هوى خفيف الماء معتدل الأرض في الصحة ليسكن ما به من الألم، فوجد أرضاً موافقة لطبعه، فلما نزل صنعاء زال عنه الألم. وحينئذ صعد على جبل نقم سكنه وقال لأهله وأشياعه: ليعمر كل منكم مسكناً يسكنه! فعمرت الخلق المساكن فرجعت مدينة طولها وعرضها مسيرة سبع فراسخ. وكانت أعمالها تنفذ إلى البصرة، وبقيت الطريق مسلوكة عامرة إلى أن علاه الرمل فقطعه. وبنى هود ﵇ في جامعه بئرا وهي أوّل بئر حفرت في عالم الكون والفساد. وأدار سورها الملك الأغر علي بن محمد بن علي المعلم الصليحي بالحجر والجص وركب عليه سبعة أبواب: باب غمدان ينفذ إلى اليمن، وباب دمشق ينفذ إلى مكة، وباب الشيخة ينفذ إلى محلة وهم المخدومين، وباب خندق الأعلى يدخل منه السيل، وباب خندق الأسفل يخرج منه السيل يسقي الأرض، وباب النصر ينفذ إلى جبل نقم وبراش، وباب شرعة ينفذ إلى بستان السر والله أعلم. ذكر قصر غمدان أوّل من ابتدأ في بنائه سام بن نوح ﵇ لمّا بنى صنعاء، ويقال سليمان بن داود ﵉ لمّا دخل اليمن يتزوج بلقيس. وكانت التبابعة من ملوك اليمن لهم رغبة نفيسة وهمة عالية في عمارته وكل ملك تولى منهم كان يعلى قصرا على قصر حتى ارتفعت تلك القصور اثنين وسبعين سقفا ويقال ثلاثة وتسعين سقفا. وآخر من بني به اسعد الكامل ويقال اسعد الخزاعي قصر من الزجاج وهو الخاتمة. وأنشدني عبد الله بن داري بن أبي بكر العنبري ليلة الأحد الخامس من صفر سنة ثلاث وعشرين وستمائة: لا يأخذ الثأر إلا كابن ذي يزن ... إذ صير البحر للأعداء أحوالا إني هرقلاً وقد شالت نعامته ... فلم يجد عنده النصر الذي سال ثم أثني نحوي كسرى بعد سابعة ... من السنين يهين النفس والمالا حتى أتى ببني الأحرار يقدمهم ... تخالفهم فوق متن الأرض أجبالا غلب أساورة بيض مزاربة ... أسد تربب في غيطان أشبالا لله درهم من عصب صبر ... ما إنّ رأيت لهم في الناس أمثالا أرسلت أسدا على سود الكلاب فقد ... أضحى وشيكهم في الأرض فلالا فالطط بمسك إذا شالت نعامتهم ... وأسبل اليوم في برديك إسبالا واشرب هنيئاً عليك التاج مترفقاً ... في رأس غمدان دارا منك محلالا تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيئاً بماء فعاد بعد أبوالا

стр. 70

حدثني قاضي الجبل من آل الصليحي قال: حدثني رجل سمع من لفظ أبي محمد عبد الله بن حمزة الحسيني قال: إنّ أواخر في قصر غمدان كان يصل إلى وادي الظهر قلت: كم يكون بينهم من مسافة؟ قال: مثل من زبيد إلى الزريبة ومن زبيدة إلى الزريبة مقدار فرسخ زائد لا ناقص. قال أبن المجاور: ولا شك إنّه كان يصل في القصر إلى وادي إذا قربت الشمس للغروب لان في مثل ذلك الحين يكون الظل والفيء إلى أن يرجع مثل الشيء ثلاثة أربع مرات كما يقال بنيانه بل ضياء سرجه كان ينظر من المدائن وقيل إلى مدينة. وبقي القصر على حاله إلى أيام خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ قعد بعض الليالي بظاهر المدينة إذ نظر في الجو شيئا يضيء سبه كوكب درى فسال عنه فقال بعض من حضر مجلس أمير المؤمنين وفي خدمته: إنّ ضوء هذا ضوء شمعة تشعل على أعلى قصر غمدان بصنعاء فأمر بهدمه فهدم. فالآن بقي تل عظيم وقد بني موضع القصر بدر الدين حسن بن علي بن رسول قيصر عظيم الهيكل سنة ثمان عشرة وستمائة. حدّثني يحيى بن علي بن عبد الرحمن الزراد قال: ما بنى قصر غمدان إلا امرأة تسمى الزباء وأمرت أن يجعل فوق كل قصر قصر طويل كل قصر أربعين ذراعا بالعمرى في عرض مثله في ارتفاع مثله. قال الإمام أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد اللغوي الازدي في ذلك: واستنزل الزباء قصراً وهي من ... عقاب لوح الجو أعلى منتما وسيف استعملت به همته ... حتى رمى ابعد شأو المرتمى فخرج الاحوش سما نافعا ... واحتل من غمدان محراب الدما وقد ذكر المسعود في كتاب مروج الذهب إنّ قصر غمدان يعمر ثانية احسن مما كان في الأول. فصل حدّثني سلامة بن محمد بن حجاج المذحجي: إنّ الأوائل بنت في بيت بئر فاس العوامل قصرا وأعلاه سبعين سقفا بالحجر الرخام الأبيض ضرب فيه بعض الجيوش نارا احرقته واخربته وارتدم بعضه على بعض فرجع كشبه جدار عظيم وكان يبظر منه إلى مكة. وبنى الإمام أبو جعفر المنصور القبة الخضراء ببغداد لسبع طباق كلها عقود لئلا يرميها الهوى من علوها في الجو وكان ينظر إليها من هيت وتكريت. وبنوا ملوك العجم ايوان كسرى في المدائن وكان ينظر منه إلى حلوان، ويقال أن العمانية وصفها مذكور مشهور وإلا كنا ذكرناها على التمام والكمال. وبنى الكوالي قصر ادور جدورهر في قلعة كوالير على تسع طبقات وينظر منه مسيرة عشر أيام وهو إلى الآن قائم عامر. وكان في سلف الدهر على رأس قبة المسجد الأقصى ذرة فإذا اظلم الليل غزل نساء حوران في حوران على ضوءها غزل رفيع بناه سليمان بن داوود ﵇ وأتم بناءها سليمان ﵇ وخربه بخت نصر البابلي وكان ينظر منه مسيرة عشرة أيام. وقلعة ماردين تبان من الفرات مسيرة ستة أيام. وكوارى حصن جاهلي بنته بنت بكر من الهنود وبينه وبين السند وراواسان يبان من توران يعدع شط السند مسيرة خمسة عشر يوماً. وبنى مهراست بن ارجاسب في أيام درست الحكيم وجمة تول ادر في بلخ ونصب على قبة الوجمة علما اخضر فأخذ شدة الهوى العلم رماه إلى الأرض على مسيرة خمسة وعشرين فرسخا وذلك لعلوها. صفة جبل المذيخرة وبلغني إنّ في أعلاه نحو عشرين فرسخا وطافتها المزارع والمياه وفيه وفيه ينبت الورس وهو معنى الزعفران ولا يسلك إلا في طريق واحد. وكان محمّد بن المفضل الداعي المعروف بشيخ لاعة، وهذه لاعة إلى جنبها قرية لطيفة يقال لها عدن لاعة وليست عدن ابين الساحلية، قال عمارة أبن محمّد بن عمارة إنّه دخل هذه عدن لاعة وهي أوّل موضع ظهرت فيه الدعوة العلوية باليمن، ومنها منصور اليمن ومنها محمّد بن المفضل الداعي. وممن وصل إليه من دعاة الدولة الفاطمية أبو عبد الله الحسن أبن أحمد الشافعي الشيعي الكوفي صاحب الدعوة العلوية بالمغرب. وفيها قرى على محمّد بن محمّد بن علي المعلم الصليحي صبيا وهي دار دعوة باليمن. فكان محمّد هذا محمّد بن المفضل الداعي على أبن المعلم على جبل المذيخر وخطب فيه لدعوة العلوية سنة أربع وثلاثمائة. ثم استرجعه منه أصحاب اسعد بن يعفر أصحاب صنعاء. صفة جبل شبام

стр. 71

وهو منيع جدا وفيه قرى ومزارع وجامع كبير وهو معلمة نفيسة ويرفع منه العقيق والجزع وهي حجارة مغشاة فإذا عمل لهم وجوهرها. وممن امتنع به من عمال أبي الجيش اسحق بن زياد سليمان بن طرف صاحب عثر وهو من ملوك تهامة، واعماله مسيرة عشرة أيام في عرض يومين وهو من الشرجة إلى حلى، ومبلغ ارتفاعه في العام خمس مائة ألف دينار عثرية. وكان مع امتناعه عن الوصول إلى أبي الجيش اسحق بن زياد يخطب له ويضرب السكة على اسمه ويحمل إليه مبلغ من المال في كل عام وهدايا لا يعلم مبلغها وإما الذي سلم لابن زياد من اليمن حين طعن في السن فله من الشرجة إلى عدن طولا وله من غلافقة إلى صنعاء عرضا. ورأيت مبلغ ارتفاع أعمال بن زياد بعد تقاصرها في سنة ست هوستين وثلاثمائة ألف ألف دينار عثرية خارجا عن المراكب الهندية والأعواد المختلفة والمسك والكافور والصندل والصيني وخارجا عن ضراب العنبر على سواحل بياب المندب وعدن وابين والشحر خارجا عن مغاص اللؤلؤ وعن ضرائبه على جزيرة دهلك ومن بعضها منها ألف رأس منها خمس مائة وصيف وخمس مائة وصيف نوبية. وكانت ملوك الحبشة من وراء البحر تهاديه وتستدعي مواصلته. ومات أبو الجيش هذا سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة عن طفل اسمه عبد الله إبراهيم وقيل زياد تولت كفالته أخته هند بنت أبي الجيش وعبده أستاذ حبشي يدعى رشيد. وكان من عبيد رشيد هذا وصيف من أولاد النوبة يدعى حسين أبن سلامة وهي أمه وبها كان يعرف ونشأ حسين هذا حاذقا عفيفا، فلما مولاه رشيد توزر لولد أبي الجيش ولأخته هند وكانت دولتهم قد تضعضعت أطرافها وتغلبة ولاة الحصون والجبال على ما في أيديهم منها. فأقام الحسين أبن سلامة يحارب أهل الجبال حتى دانوا ودان سليمان بن طرف أبن الحرامي واستوسقت له مملكة أبن زياد الأولى. صفة صنعاء صفة شرب أهل صنعاء من غيل البرمكي وقد تقدم ذكره موافق لمن شربه. واهويتها بارة تشبه اهوية خرسان موافق لجميع البضائع لم يضر شيئا وخاصة الزعفران تبقى فيها ما شاء الله. ويوجد بها من جميع الأثمار والتفاح والمشمش والأجاص والسفرجل والعنب والتين والكمثرى والورد والنرجس والياسمين وسائر المشمومات والرياحين والبقول. حدّثني قيصر مولى جمال الدين والدولة جوهر إنّه يباع بها الفجل مشقق أربع، قلت: ولم؟ قال: لأنّه وجد امرأة تستعمله فلم بشرح حالها والي المدينة فأمر إنّ لا يباع الفجل إلا مشقق وأسسوها سنة. ويجمد بها الماء، حدثني سليمان بن منصور قال: إنّ الماء يجمد على الورا والكرابي ولم يبان من أبدانهم سوى رءوسهم، فحينئذ يأتي درين وهو الثعلب علي الجليد يقطع رءوس الطيور. قال أبن المجاور: وهذا شيء لان كل بدن فيه الروح لم يجمد عليه شيء لان حرارة الغريزة تغلب البرودة ولم يجمد الماء إلا على شيء مات لان طبع الحياة حار لين وطبع الموت بارد يابس، فإذا كان الأمر على ذلك لم يستقم قوله ولا يستعين فعل درين. وأهلها من نسل العجم خرجوا من الحبوس والقيود في دولة يزدجرد بن شهريار بن بهرام ويقال كسرى بن قباد مع سيف بن ذي يزن لاستفتاح اليمن من الحبوش، وحكايتهم مشهورة مذكورة في كتاب مسطور. وليس بجميع اليمن مدينة اكبر ولا اكثر موافقة وأهلاً من صنعاء، وهو بلد في حدّ الاستواء سواء وهو من الاعتدال في الهوى بحيث لا يترك الإنسان من مكان واحد طول عمره صيف وشتاء، وتتقارب ساعات الشتاء والصيف. وكان لها بالأعظم خرب.

стр. 72

فصل خرج أهل اليمن في أيام سعد الخزاعي وهو من جملة التبابعة لاستفتاح المغرب فلما استفتحوها طابت لهم سكناها، ومن جملتها مدينة صنهاجة. ولمّا كسر النبي (الأصنام من الكعبة سرقت بنو مقبل لمناة ادخلوه الهند وتفرقوا بأعمال البلد سكنوها. وتنصرت بنو جفنة في أيام أمير المؤمنين عمر أبن الخطاب ﵁ لأجل لطمة دخل بعضهم إلى القسطنطينية وإلى بلاد الادعوان وهم مناجمين أهل المغرب. وفيهم قال أبو تمام، ولمّا دعا اسحق بن إبراهيم ﵇ لولده يعقوب بالنبوة اغتاظ العبص دخل حرز الافرنج مع جماعة من بني إسرائيل توطنوها فولد الإفرنج منهم. وبنو عجل أخرجهم ربيعة والأصح المرقعة اسكنوها خراسان. وصار ملك خوزستان على الرعية انتقلوا إلى أعمال الكر سكنوها. وخرج جيش عرب من بني تميم في أيام عمر بن عبد العزيز بن مروان استفحلوا السند فلما طابت لهم سكنوها فظهر منهم الكوكر والحمت والسه وحاجر. وخرج جيش من إنطاكية في أيام عبد الملك بن مروان إلى المغرب فلما طابت لهم سكنوها ظهر منهم الملئمين، ويقال انهم من نسل مظلوم بن الصحصاح بن جندب الكلابي في الترجمة وهم من أخيار وكبار خوارزم أخذهم السلطان محمود بن سبكتكين نفاهم إلى أرض الهند فلما طابت لهم سكنوها. ولمّا خرجت الاباضية على علي بن أبي طالب بأرض اليمن من أعمال العراق ولوا الأدبار ولا زال السيف ورائهم إلى إنّ عبرهم البحر سكنوا إقليم عمان. وأهل طرابلس المغرب وتحولوا في خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ إلى باري وتولية. وبنو كنانة اخرجوا الإفرنج من عسقلان وسكنوها فلما تخربت تفرقوا في أكناف البلاد. وبنو حية خرجوا من الشام في أيام دولة الإمام أبي عبد الله جعفر المنصور وسكنوا المغرب. ولمّا غزا بخت نصر بني إسرائيل الشام سكنوا اليهود نهر السبت مما يلي ظهر الحجاز. ولمّا قويت صلة السلطان معز الدنيا والدين أبو المظفر محمد بن سالم على الخوارزمية نزل من نيسابور ألف رجل مكتفين الأيدي مكشفين الرؤوس حفاة مشنقين في حبال المنجنيقات شتت شملهم ومزق جمعهم في أقاصي إقليم الهند. ولمّا قويت شوكة السلطان علاء الدين أبو الفتح محمد بن تكش على الخطأ والتتار ساق منهم من أراد وأسكنهم أعمال كرمسل. ولمّا قويت شوكت الترك على السلطان علاء الدين محمد نقلوا المسلمين من خراسان إلى بغداد وأوراق الشجر والقصران إلى أن عبرهم سيحون. شعر: خليلي نومي عن جفوني مسهد ... وقل اصطباري بعدهم والتجلدُ فقلبي عن الأحباب لا يقبل العزا ... وجفني قريح بالدمع مسهدُ وإني حزين كلما مر ذكرهم ... بنو لكم بعضي وبعضي مفردُ لئن جمعت بيني الليالي وبينكم ... وعاد زمان الوصل بالوصل مسعدُ أصوم لوجه الله دهري تطوعا ... وألصق وجهي بالتراب وأسجدُ وبعض أهل صنعاء وجميع أهل المشرق على مذهب الزيدية وهو مذهب الأمام زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وينسلخ من الزيدية المخترعة والمطرقة وهم الذين يقال لهم الصالحية والجارودية لبسهم الخام لبرودة البلاد ولبس شبابهم الفتوحى والله اعلم. ذكر تفصيل الفتوحّى

стр. 73

جاءت عجوز بابي سعيد بن الحسين بن أحمد بن بهرام الحباهي والأصح على أبن فضل إلى خياط يعلمه الخياطة، فكان الصبي يأخذ الثوب المفصل من أستاذه الخياط يخيطه في موضع لا يراه أستاذه، فلما طال ذلك سأله الخياط على انفراده وغيبته. قال له عليّ بالفضل: إني لآخذ الثوب منك فأصعد على أعلى ذروة نقم أخيط هناك وأفكر وأشرف إذا ملكت صنعاء من أي باب من الأبواب أدخلها. فلما سمع الخياط لفظ علي بن فضل قال له: قم نسكن جبل نقم فسكناه وصار كل من يقتل أو يهرب من دين أو مظلمة صعد إليهم آمن فلا زالوا على حالهم في مكانهم إلى أن التأم إليهم وانضاف إليهم خلق وعصوا في الجبل، وصارت سرية القوم تصابح صنعاء وتماسي. فلما أستقوى وضعف حال ولاة صنعاء تملكها فتولاها. فإذا هو على مذهب القرامطة وكان مولع بحب النساء يفصل لهم الفتوحى وكان يوقف النساء حلقة دائرة ويدخل هو في كم إحداهن ويتفرج على نهودها وأعكانها وأركانها ويمسك قماشها ويخرج من كمها إلى كم صاحبتها، ولا يزال إلى أن يدور على الجميع ولم تنكشف إحداهن إلى كل عندها ما عند صاحبتها وكل بروحها مشغولة. ويسمى الفتوحى لاستفتاح صنعاء ويقال إنّه فتح الخياط وكان يلبسوه نساء بغداد إلى أواخر دولة الإمام أبي محمّد الحسن المستضيء بنور الله أمير المؤمنين، ونسخت في أيام دولة أبي العباس أحمد الناصر لدين الله أمير المؤمنين، ولبس نساء جميع العرب وجميع التركمان والكرد والباذج ونساء أهل سيستان إلى الآن منه. ولهذا يقال للصنعاني يا أبا حسان، حدثني يحيى بن عبد الله الخياط قال: زرع اسعد الصنعاني في أرض له شعيرا فلما بلغ الحصاد قال للحصاد: ألا وكل من أراد حصاد حنطة! فالتام معه خلق، فلما وصلوا الزرع وإذا به شعير. قال: فنادى بعض الحاصدين بعضهم: يا أبا حسان! يعنون صاحب الزرع لأن كنية اسعد أبو حسان أي كذب أبو حسان، فمن الحين والوقت سنة أثنين وعشرين وستمائة ويقال بالعجمية كندم نما جو فروش أي يظهر عين الغلال وحنطة ويبيع شعير، وهذا عيب عظيم. ولهذا يقال صنعاء محاصرة، حدثني سليمان بن منصور قال: إذا وقع في لحية إنسان من العرب يعني زيد شيء من فتات الخبز أو قشر أو شيء لا يليق به قول عمرو لزيد: صنعاء محاصرة! فيمسك زيد لحيته يهزها ليقع ذلك الشيء منه ويقول: حاشا صنعاء تحاصر وهذه اللحا باقية! وهي إشارة بين القوم كما قال: وما زلت اطوي مهمها بعد مهمه ... على حسرة حتى وقعت على صنعا كما يقال في الشام: حلب محاصرة. عجائب ذمار لم يوجد فيها حية ولا عقرب وإذا دخل إنسان بحية إلى ذمار فعند دخوله الباب تموت الحية. ويقال إذا اخذ من تراب ذمار وشذر في سلة الحواء موت جميع حياته وهذا اعجب شيء يكون. ويقال إنّ أرضها كبريتية لا يقيم فيها من المؤذيات شيء إلا هلك ومنها يجلب الكبريت إلى سائر أعمال اليمن. ويكون طول آبارهم ثلاثة اذرع. صفة جبل لاشي وهو جبل الشب. ومشارق ذمار بمسافة فرسخين جبل يسمى لشي وجميع حجره ومدره ويمينه وشماله وشأمه وبمنه قطعة واحدة لحب، وفي صيد منه أي ضرس منه كهف وفي الكهف بحر ماء حار يغلي وكل مريض ويمرض من أهل البلاد يأخذ منه فدى كل على قدره يعرى به على باب الغار ينزل وبعد ذلك يسبح في الماء وما يخرج منه إلا وهو متعاف. وفوق منه مدينة مدور من جبالها يستخرج وتسمى المعدن والمقر، ومغارة صنعاء جبل اللوز وسرير ملك مدينة نعمة ومن ورائها منامة وهي مدينة ذات طول وعرض. وجميع هذا الجبل يحمل اللوز لا غير. صفة نكاح أهل هذه الأعمال

стр. 74

إذا خطب زيد بنت عمرو وانعم له بذلك يقول زيد لعمرو: أريد أشاهد جمال كريمتك، فيقول له عمرو: اقدم إلى السوق الفلاني فأنها تتوعد به شاهدها في بيعها وشرائها وجمالها. فيتقدم زيد إلى السوق الذي دله عمرو عليه فيقعد على قارعة الطريق. فتقبل خطيبته وعلى ظهرها كارة وعلى قدر شيلها تحط في السوق فتبيع ما معها وتشتري حوائجها. وترفع كارتها على ظهرها. ويرجع خطيبها ورآها تقطع الجبال والأودية والشعاب والسهل والجبل واللين والوعر، وهذا كله ولم تحط كارة من ظهرها ولم تسترح. فإذا أعجب الرجل حالها وجمالها وشيلها وبيعها وشراها وقوة صبرها على شيل الثقيل فعند ذلك يملك بها ويدخل عليها وتبقى على شغلها ذلك إلى الممات. وهذا زي القوم في البدو والبادية: وألبسهم الخلم لبرودة البلاد. ويقال إنّ رجلا قال: اشتهيت على الله مياه صنعاء في عدن وأحطاب عدن في صنعاء وكلاهما ملكي. ولم يعرفوا أهلها شعلا لسراج، حدثني محمّد بن منصور بن محمّد الواسطي قال: يطلع في أعمال تعز وصنعاء قضبان تسمى شوحط إذا أشعل رأس القضيب أشتعل شبه الشمع، ولم يشتعل في سائر الأعمال طول الدهر إلى الشوحط لا غير عوض عن السراج والفتل. مأكولهم الحنطة والحلبة واللحم، والشراب لا يقطعوه لا صيف ولا شتاء لا ضعيف ولا قوي. سفرهم إلى عدن وشرائهم العطب والعطر والهندوان. وغاية اشتغال القوم في معرفة الجواهر وعلم الكيمياء وعلم النجوم والنحو والمنطق والفلسفة والهيئة والهندسة وحساب الضرب والجمل، وقوم يدعون الحكمة وفصل الخطاب. وبناؤهم بالحجر القديم يحفرون الأساسات القديمة ويستخرجون منه ألواح حجر طول اللوح أربعة اذرع في عرض مثله تكسر تلك الحجارة وتعمل ويبنى بها، وبناؤهم على تقاطيع بغداد في التفريض والتذهيب. صفة وادي الظهر حدثني عبد الله بن مسلم الزبيدي الوكيل قال: في أعمال صنعاء واد يسمى وادي الظهر ففي بعض السنين مطر غيث طحطاح ورحراح فسالت منه الأودية ورويت منه البلاد وسقي منه العباد، وسال أواخره إلى الوادي فمن حدة جريانه غسل الأرض من التراب والحصى فظهر في بطن الوادي صخرة كبيرة عليها مكتوب: أنا الذي قد أفنى ثمودا ... وعادا ثم أفنى جبلا فمن يعمل قبيحا أو جميلا ... به يلقاه مكتوبا سجلا فبقيت الصخرة في بطن الوادي يقرأها زيد وعمرو ويعتبر منه قيصر وجعفر عدة شهور. وبعد انقضاء هذه المدة جاء سيل أعظم من الأول طم الصخرة بالحصى والتراب ورجع إلى ما كان ولم يعرف أين كان إلى الآن. من صنعاء إلى المحالب راجعاً

стр. 75

من صنعاء إلى حصن ثلاث فراسخ، بناه مشايخ بني معجن. حدثني منصور بن مقرب بن علي الدمشقي قال: إن تبع بني حصونا سبعة فمن جملتها كوكبان وحب وجبأ وبكور وصحم وعزان وثلا. وإلى عزان فرسخ ونصف بناه الأمير عماد الدين يحيى بن حمزة الحسيني. وإلى مسك أربع فراسخ. وإلى حجة فرسخين، وإما إقليم حجة فطويل عريض ومن جملتها مائتين وثمانين حصنا وتسمى المقطوعة والجاهل والإعرابي وقرن عشار والشرفة والقطيع وجبل عمرو والظفين والرهبة والعيار. حدثني سليمان بن منصور قال: إنّ جميع ما تقدم ذكره حصون مانعة أعطاها الملك المسعود أبو المظفر يوسف بن محمّد بن أبي بكر مع ثلثين ألف دينار حتى سلموا إليه حصن بكور سنة ست عشرة وستمائة. وإلى الذنائب خمسة فراسخ. وبكرى بهذه العمال الشقة الشقدف التي تلي الجبل بدرهم واحد والتي تلي الوادي بدينار. قلت: ولم؟ قال: لأن الآساد في هذه الأماكن كثيرة يكمن الأسد على سقيف جبل مشرف على المحجة فلم يحس الإنسان إلا والأسد قد اختطفه مكابرة والعين ترى العين، والذي مما يلي الوادي مخلص من خوف الأسد فانه قاعد على تل السلامة. ويقال إنّ اسود هذه البلاد متأسدة أي سحرة يقلبون صورهم على صورة الأسود. حدّثني علي بن معالي الدلال قال: إنّ اسود هذه البلاد قط لم تفترس حمارا ولا بقرة ولا ضأن ولم تقصد إلا أبن أدم، فإذا قصد الإنسان شجرة نزل الأسد تحتها ويبقى مدة ثلاثة أيام أربعة أيام وينتظر الإنسان متى يتعب وينزل فيأكله وترى الإنسان يقول للأسد: بالله عليك إلا ما عفوت عني! وهو يريد نزوله ويضرب بيديه الأرض والشخص يحلفه بمعبوده إلى يعدو عليه. قلت: فما السبب في تأسد القوم فان الثواب في الظلم للعشيرة؟ قال: يتعلم السحر من بعضهم البعض ويتأسد الإنسان ويجتهد في إذاء الخلق بأوحش الصورة والخلق، وانهم طول حياتهم بينها حكاية طويلة عريضة. وقد قال النبي (: كاد الفقر أن يكون كفرا. وإلى المحالب خمسة فراسخ. من صنعاء إلى مأرب حدّثني سلامة بن محمّد بن الحجاج المحجي قال: من صنعاء إلى مسور أربع فراسخ، أرض بني باهش. وإلى وادي جنات أربع فراسخ. وإلى المأزمين أربع فراسخ. ذكر هد سد المأزمين
следующие страницы →