← Адаб

Адаб · id 473

المحاضرات في اللغة والأدب

الحسن اليوسي

Полный текст (139 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة المؤلف بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أنزل من سماء رحمته غيثاً نافعاً، فأنبت به في قلوب عباده زهراً ناضراً وثمراً يانعاً. زهر من العلم والعرفان مؤتلق ... في الطرس والنفس يستهدي بألوان وثمر يجتنيه الأذكياء بتش ... مير ولا يجتنيه الفدم والواني لله در كرام فاو فائزهم ... قدْماً بحلب درور منه ملْبان وبابتناء مبان منه سامية ... لا يبتني مثلها في دهره الباني هذا هو المجد في الدارين والشرف ال ... محض الذي ما به في فضل ثان " فاعكف عليه " مع الآناء معتنياً ... ولا يكن لك عن تطلابه ثان واعلم بأنك لن تحظى بصهْوته ... حتى تجوز المدى في كل ميدان ما لم تسنح عليه كلما شجر ... يرجى الجني منه أرضي وعَبْدان وتبذل النفس بعد المال مطرحاً ... لكل ترفيه أرواح وأبدان وتغترب برهة في كل آلفة ... من ذات قربى وأوطان وإخوان والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد ينبوع الأحكام والحكم، ومجموع شيم الفضائل وفضائل الشيم، وعلى آله ذوي المجد والكرم، وصحبه بحور العلوم ونجوم الظلم. أما بعد، فإن الدهر أبو العجائب، وينبوع الغرائب، وفي المثل: الدهر حبلى لا يدري ما تلد، وقال الشاعر: والليالي كما علمت حبالى ... مقْرِبات يلدن كل عجيبه وقال طرفة: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود وإن للعاقل على مرور الجديدين علماً جديداً حيث انتهى فهمه كما له عيش حيث تهدي ساقه قدمه وكنت قلت في نحو ذلك: أراني حيثما أخطُ ... أجد ما لم أجد قطُّ وإن الدهر حبلى كُلّ ... ما حين له سقط لقد سايرته طفلاً ... إلى أن مسني وخط فلم ينفك يشتد ... على المرء ويشتط ولم يأل إذا استعلى ... يوم الهون أو يسطو له في كل إذن من ... بني أبنائه قرط وفي كل قذال وس ... مة بالنار أو شرط وقد يحنو ويستأني ... وقد يحبو لمن يعطو سماء ديمة تأتي ... بزهر زهرها رُقط فحمر ومصفر ... وموفور ومُنْقَطُّ ومجدود ومحروم ... ومستعمل ومنحط ومنقاد ومعوج ... وكز الخلق أو سبط قضاء مبرم ممن ... إليه الحل والربط إلهٌ أمره الأمر ... ومنه الرفع والحط ومنه اليسر والعسر ... ومنه القبض والبسط له في كلِّ ما يومٍ ... شؤون منه تختط وذو الفهم له علم ... جديد حيثما يخطو ففكر واعتبر تعلم ... علوماً دونها الضبط وتدرك غير ما في الصح ... ف يوماً خلد الخط وسلم وأرض بالمقدو ... ر لا يذهب بك السخط ولا تبرم إذا المولى ... يشدّ الحبل أو يمطو فما ترجو من الرضوا ... ن أنْ تَرْضَى له شرط وإني قد اتفقت لي سفرة بان بها عني الأهل شغلاً وتأنيساً، وزايلني العلم تصنيفاً وتدريساً، فأخذت أرسم في هذا المجموع بعض ما حضرني في الوِطاب، مما أحال فيه أو حان له إرطاب وسميته " المحاضرات " ليوافق اسمه مسماه، ويتضح عند ذكره معماه وفي المثل ": " خير العلم ما حوضر به " وإنما أذكر فيه فوائد وطرفاً، وقصائد ونتفاً، وذلك مما اتفق لي في أيام الدهر من ملح، أو لغيري مما ينتقى ويستملح، ولا أذكر نادرة فيها معنى شريف إلاّ شرحته، ولا لطيفاً إلا وشحته، وذلك هو لباب الكتاب، وفائدة الخطاب، والله الملهم للصواب. وقد أذكر بعض ما صورته هزل يستهجن، وفيه سر يستحسن، وكما أن المقصود من الأشجار ثمارها، فالمطلوب من الأخبار أسرارها، وإنما حملني على الأخذ فيه أمور: منها التفادي من البطالة، التي هي مدرجة الجهالة والضلالة، ومنها إفادة جاهل أو تنبيه غافل، ومنها تخليد المحفوظ لئلا ينسى. وتفصيله نوعاً وجنسا، ومنها استمطار علم جديد، عند الاشتغال بالتقييد، فإن العلم كالماء نبَّاع، وبعضه تباع، وما هو في قلب ذكي الفؤاد، إلاّ كما قال امرؤ القيس عند وصف الجواد: يجم على الساقين بعد كلاله ... جموم عيون الحسي بعد المخيض

стр. 2

معنا تعليل النفس، ببعض الأنس، فإن النفس ترتاح للأحماض وتستشفي بروحه من الإمضاض ولا سيما مثلي ممن ترامت به الأقطار وتباعدت عنه الأوطان والأوطار وقلت في ذلك: سلا هل سلا عن أهله قلب معْنيِّ ... بريب الهوى والبين عن جيرة الحيِّ وهل ذلك الوجد الذي قد حشا الحشا ... مقيم على أديانه غير مكفيِّ وهل قلبه يوم النوى متقلب ... تقلب مفؤود اللظى ساعة الشيِّ وهل ينوي الأحباب مشفٍ على التوى ... وليس بوصل من حبيب بمشفيِّ وهل أعشبت تلك الشعاب وأمرعت ... فجاج مراعيها بعهد ووسميِّ وهل أُقْحُوانُ الجزع فاح ونده ... بعرف تهاداه الشمائل مسْكيِّ وهل تالك الأزهار تهتز نضرة ... بكل جميل في الخميلة مَوْليِّ وكل مُجودٍ في النجود تناوحت ... عليه الرياح من جنوبي وشرقيِّ إذا ما السحاب الغر عاطينها الحيا ... تمايلن نشوى من مدام شباميِّ وإن صافحتها بعد وهنٍ يد الصبا ... تنمت بأذكى من عبير وألويّ ِ فما شئت فيها من يواقيت تجتلي ... ومن كوكب يعشي النوال درّيّ ومن بسط تزري ابتهاجاً بمفرش ... أعدت بنو ساسان للبسط بَوْشيّ وهل لسليمى من ثواء بدارها ... سقى الله تلك الدار أطيب ما رِيِّ وحيا محياها الوسيم وإن لوت ... غريماً تقاضى وصلها طول ما لي وحيا زماناً للوصل بيننا ... تباشير كالصبح المنير على رَيِّ زمان ديار الحي دانٍ مزارها ... ونحن على عهد من الودّ مرعيِّ نعمنا بإيناس البروق من الحمى ... أنيساً وإن لم نحظ منه بإنسيِّ ونسمة أرواح الصبا وهبوبها ... علينا نموماً من صباها بمطويِّ وتنشاق آبالأجارع تعتلي ... بنفحته للمستهامين عطريِّ وكنّا على أنّا كأنّا بوصلها ... نغادي بكأس مطمئنين خمري ونرتع في روض المنى وننال ما ... نشاء ولا نرتاع من بين مَهْوِيِّ وعشنا زماناً لا نعاني صبابة ... ولا نتباكى من سليمى ولا ميِّ ولا نتشكّى من صدود ولا صدى ... ولا وجد مفؤود الجوانح مَبْريِّ ليالي كان الشمل منضبط الكلى ... وحبل التوالي مُحصَدٌ غيرُ مَفريِّ فلم تلبث الأقدار أن مددت بنا ... عناناً إلى شط النوى غير مَثْنيِّ فحالت موّامٍ دونها ذات منزع ... ودَيْنُ التداني قد غدا غير مقضيِّ وكان الذي خفنا يكون من النوى ... وصرنا لأمر مُذْ أحايين مَخْشيِّ على أن فضل الله ما انفك هامراً ... علينا ولطف دائم غير مَزْوِيّ فلا تغترر بالدهر يلقاك بشره ... فإن وراء البشر طعن الرُّدَيْنيِّ ولا تأمنن من هوله إن ريحه ... تهب إذا هبَّت عصوفاً بلُجِّيِّ ولا تغتبط من حظه بمنول ... ولو تاج ملْكٍ فوق أشمخ كرسيِّ فما حالة منه تدوم على امرئ ... ولو خال جهلاً أنه غير مَدْهيِّ وما هو إلاّ مثل دولابَ زارع ... فعُلويّه يعتاض حتماً بسُفْليّ فكم أنْزلتْ نَسْرَ السماء صروفُه ... وحلّت ببنت الماء دارة علْويّ وكم ضعضعت ملكاً وأفنت ممالكاً ... وكم عاد عاني ريبها غير مَفديّ وكم زَيّلت بين المحبين فاغتدى ... دم الصب من فتك الهوى غير موّديّ قضاء من المولى له كل ساعة ... تَصرّفُ مختار وإنجازُ مَقضيّ فأعْلقْ به أشطانَ قلبك واعتمد ... عليه تنل رشداً وتنج من الغيّ وقَف أبداً في بابه متأدباً ... منيباً بسعي عِند مولاكِ مرضيّ قنوعاً رَضُوَاً بالقضاء مسلماً ... بقلب على التوحيد والصدق محني فذاك الذي يرقى به لمنازل ... بها كل صديق حوى الفضل رِبّيّ وإن كنت لم تسعدك في ذلك القُوى ... فزاحم بمسْطاع مع الحب والزِّيِّ فإن جليس القوم ما إن يناله ... شقاء ومن عن حبهم غير مرميِّ ومن قد حكاهم فهو متهم وكل ذا ... أتى في حديث عن ذوي الصدق مرويِّ وكل امرئ يوماً سيجزى بما أتى ... من الخير بل يجزى على كل مَنْويِّ لله الأمر من قبل ومن بعد فوائد تسمية المؤلف

стр. 3

قد جرت عادة من ألف بل من كتب رسالة أن يتسمى في كتابه ليعرف وفي معروفيته فوائد منها في كلامه أن يعرف مذهبه أو مطلبه أو يتمكن جوابه أو يشهد له وعليه. ومن أهمها أن يعلم هل يوثق بنقله ويقتدي به في أصله، فإن كلام الحجة حجة، وإنما يعرف كونه حجة ومرتبته من العلم بشهادة أهل العلم، وذلك في ثلاثة أشياء: أحدها التصريح بذلك مشافهة أو في ترجمته ولذلك صنفت طبقات أهل العلم وأعتني بتراجمهم. ثانيها عده مع العلماء عند ذكرهم في مذهب أو وفاق أو خلاف أو حكاية كلامه فيما يحكى من كلام العلماء أو مذهبه أو نحو ذلك وهو كالتصريح. ثالثها الأخذ عنه أو إقراء تصانيفه أو شرحها أو تقليده أو نحو ذلك. وإنما يحصل له ذلك من ثلاثة أشياء: أحدها سماع كلامه مشافهة. ثانيها مطالعة تصانيفه والوقوف على تحريره وتحصيله أو سماع فتاويه وآرائه وكلامه بنقل الغير له كما مر وهلم جرّا. وبعد حصول مطلق المرتبة من العلم تحصل خصوصيات المراتب بشهادة من هو أهل لذلك بها بمشافهة أو في ترجمة أو اقتداء الأكابر به، أو ترجيحه على غيره أو نحو ذلك. ومنها في خارج أن تعرف مرتبته كما مرّ أو يتعرض لدعاء داع أو ثناء مثن بخير ومحبة وود وغير ذلك. فرأيت أن أتسمى في هذا المجموع وأضيف إلى ذلك ما اتفق لي من كنية وما أدركت من نسب بعد أن تعلم أن الاسم العلم ثلاثة: اسم وكنية ولقب. أما الاسم فهو من حيث هو ما أريد به من تعيين المسمى لا يعطى مدحاً ولا ذماً لصلاحية كل اسم لكل مسمى عند المحققين، ولكن إذا كان منقولاً فكثيراً ما يلاحظ فيه زيادة على تعيين المسمى مدلوله الأول الحقيقي أو المجازي فيشعر بمقتضاه إشعاراً. ومن هذا وقع التفاؤل والتطير بالأسماء، وكان ﷺ يحب الفأل الحسن ويقول: " إذَا أبْرَدْتُمْ إليَّ بَرِيداً فَأبْرِدُوهُ حَسَنَ الْوَجْهِ حَسَنَ الاسْمِ ". وكان ﷺ يغير من الأسماء ما لا يرضى، فسأل عن اسم ماء فقيل له: بيسان وماؤه ملح فقال: بل هو نعمان وماؤه عذب، فكان كذلك، وجاءه رجل فقال ما اسمك؟ قال: غاوي بن عبد العزي، فقال ﷺ : بل أنت راشد بن عبد ربه، وجاءه آخر فقال ما اسمك؟ فقال: حزن، فقال: بل أنت سهل، فقال الرجل: ما كنت لأغير اسماً سماني به أبي، وكان الإمام سعيد المسيب ﵁ والرجل من أجداده يقول: فما زالت الحزونة فينا. فانظر كيف حكم مدلول اللفظ الأول. وقال ﷺ يوم الحديبية حين أقبل سهيل من ناحية قريش: " سَهُلَ عَلَيْكُمْ أَمْرُكُم " ومن هذا قوله ﷺ : " أسْلَمُ سَالَمَهَا اللهُ، وَغفَارٌ غَفَرَ اللهُ لَهَا، وعُصَيَّةُ عَصَتِ اللهَ وَرَسُولَهُ " وقال أمير المؤمنين عمر ﵁ وقد سأل عن اسم رجل استعمله أو أراد أن يستعمله فقيل له: هو خبيئة كناز: هو يخبأ، وأبوه يكنز، لا حاجة لنا به. وبدل ﷺ برة بنت أبي سلمة بدرة فراراً من التزكية التي يعطيها اللفظ، وقال مولانا علي كرم الله وجهه: أنا الذي سمتني أمي حَيْدره وقال الحريري في " المقامات " على لسان الغلام: " أما أمي فاسمها برة، وهي كاسمها برهة " وقالت اليهود يوم خيبر لمولانا علي ﵁، وقد تقدم بالراية فتسمى لهم: علوتم ورب الكعبة، وقالت العرب في أمثالها: إنما سميت هانئاً لتَهْنأ. وقال الأخطل في كعب بن جعيل: وسميت كعباً بشر العظام ... وكان أبوك يسمى الجعل وإن مكانك من وائل ... مكان القرد من أست الجمل قال: " هما هذان ". وكان بعض الرؤساء القيسية أحضر جفاناً من طعام، وكان بالحضرة بعض مَلاسينِ بكر بن وائل فأراد القيسي أن يعبث به فقال له: ما رأى بكر بن وائل قط مثل هذه الجفان؟ فقال ما رآها ولا رآها أيضاً قط عيلان يعني جده هو، ولو رآها ما قيل له عيلان بل شبعان. وقالت هند بنت النعمان بن بشير تهجو زوجها الفيض بن أبي عقيل: سميت فيضاً وما شيء تفيض به ... إلاّ سُلاحك بين الباب والدار وقال الآخر: وللحرب سمينا فكنا محارباً ... إذا ما الْقَنا أمسى من الطعن أحمرا

стр. 4

ومما ينخرط في هذا السلك أن بعض الملوك عزل وزيراً له اسمه الياقوت فحلف الملك ليستوزن أول من يلقى فخرج فلقي رجلاً أعرابياً فاستوزره فإذا هو من أعقل الناس وأنجبهم فلما رأى الوزير الأول ذلك كتب إلى الملك: أحكم النسج كل من حاك لكن ... نسج داود ليس كالعنكبوت ألقني في لظى فإن غيرتني ... فتيقن أن لست بالياقوت يشير إلى أن الياقوت المعروف لا يفسد بالنار. فأجاب الآخر: نسج داود ما حمى صاحب الغا ... ر وكان الفخار للعنكبوت وفراخ السَّمَنْد في لهب النا ... ر أزالت فضيلة الياقوت أشار إلى السمندل وهو دويبة في ناحية الهند تتخذ من جلودها المناديل وتلقى في النار فلا تزداد إلاّ نضارة وحسناً ولا تحترق، والله على كل شيء قدير، إلى غير هذا مما لا ينحصر ولو تتبعناه لطال. وأما الكنية واللقب فيعتبران بوجهين: الأول نفس إطلاق الكنية واللقب وهما في هذا مختلفان، فإن الكنية الكثير فيها إذا لم تكن اسماً أن يراد بها التعظيم وينبغي أن يعلم أن الناس باعتبارها ثلاثة أصناف: صنف لا يكنى لحقارته، وهو معلوم من أن الحقارة أمر إضافي، فرب حقير يكون له من يراه بعين التعظيم فيكنيه، والمقصود أن التحقير من حيث هو حقير لا يكنى إلاّ هزءاً أو تلميحاً، وصنف لا ينبغي أن يكنى لاستغنائه عنها وترفعه عن مقتضاها، ومن ثم لا يكنى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لأنهم أرفع من ذلك حتى إنهم أشرفت رفعتهم على أسمائهم فشرفت، فإذا ذكروا بها كانت أرفع من الكنى في حق غيرهم، وللملوك وسائر أكابر الناس نصيب من هذا المعنى، وصنف متوسط بين هذين، وهو الذي يكنى تعظيماً، ثم إن كان التعظيم مطلوباً ككنية أهل العلم والدين ومن يحسن شرعاً تعظيمه فحسن، وكذا اكتناء المرء بنفسه إن كان تحدثاً بالنعمة أو تبركاً بالكنية باعتبار من صدرت عنه أو نحو ذلك من المقاصد الجميلة فحسن، وإلاّ فمن الشهوات النفسانية، فما كان تكبراً أو تعظيماً لمن لا يجوز تعظيمه بغير ضرورة ونحو ذلك فحرام، وإلاّ فمباح، وليس من هذا الباب ما يقصده به مجرد الإخبار فقط كقولك جاء أبي أو أبو فلان هذا أي والده، ولا يقصد به معناه على وجه التفاؤل مثلاً نحو أبي الخير وأم السعد. وأما اللقب فيقصد به كل من المدح والذم وغير ذلك، والحكم كالذي قبله. الوجه الثاني النظر إلى مدلولهما الأصلي، وهما في ذلك كما مرّ في الاسم بل ذلك هنا أولى، لأن الأصل فيه أوضح، ولبعضهم في ذلك: أتيت أبا المحاسن كي أراهُ ... بشوق كاد يجذبني إليه فلما أن أتيت رأيت فسرداً ... ولم أرَ من بنيهِ ابناً لديه يريد أن لفظه ينبئ عن كون المحاسن لازمة له لزوم الأولاد لأبيهم، ثم إنها لم يجدها عنده، وكذا يقال في أبي المكارم وأبي الفضل وأبي البخت وجمال الدين وشمس الأئمة، والأصل في جميع هذا أن المستحسن في العقول وإن لم يكن لازماً خلافاً لمن زعم ذلك أن يطابق الاسم أي مدلوله الأصلي حتى يصير الاسم كأنه وصف مشتق لموصوف بمعناه، فإن لم يكن كذلك فإن التسمية خطأ، وكأن الاسم لا مسمى له، ومن هذا جاءت العادة بتخير الاسم عند التسمية وكذا عند الملاقاة كقصة البريد السابقة، أما التخير عند التسمية فلفائدتين: إحداهما التلذذ بسماعه وتجمل المسمى بذلك، الثانية التفاؤل بأن يصدق معناه، وذلك على حساب ما يريده، وللناس أغراض تختلف، وقد قيل لبعض العرب: لم تسمون عبيدكم نافعاً ومرزوقاً وأولادكم حرباً ومرة فقال: إنا نسمي أولادنا لأعدائنا ونسمي عبيدنا لأنفسنا أي فلا فرق بين فائدة النفع وفائدة الدفع وحلاوتهما، بل الدفع أهم. وكان وادي السباع في بلاد العرب وفيه قال قائلهم: مررت على وادي السباع ولا أرى ... كوادي السباع حين تبصر واديا أشد به ركباً أتوهُ تَئيّةً ... وأخوف إلاّ وما وقى الله ساريا قيل: سبب تسميته أن امرأة من العرب كانت نزلته ولها عدة أولاد فوجدها رجل يوماً وحدها فهم بها فقامت تصيح بأولادها وتقول: يل ليث، يا نمر، يا أسد، يا كذا، وهي أسماؤهم، فأقبلوا إليها يشتدون، فانطلق الرجل وهو يقول: هذا وادي السباع.

стр. 5

أما التخير عند الملاقاة والمعاملة فلفائدتين أيضاً: إحداهما التلذذ والتفاؤل، الثانية رجاء أن يكون قد طابق فوجد معناه ويكون حسن الاسم دالاً على حسن المسمى كما تقرر في الفراسة الحكمية من أن حسن الخلق دليل على حسن الخلق، وفي الحديث: " اطْلُبُوا الخَيْرَ عنْدَ حِسَانِ الوُجُوهِ " على وجه، ولم يبعث الله تعالى نبياً إلاّ حسن الوجه حسن الاسم، وفي كلام العامّة: الاسم يدل على المسمى. ومن التفاؤل الصادق والرجاء الواقع ما وقع لعبد المطلب في تسمية نبينا ﷺ حيث سماه باسمه الشريف، وكان هذا الاسم غير معتاد عندهم، فقيل له: لمَ سميته بهذا وليس من أسماء آبائك، فقال: رجاء أن محمد في السماء والأرض، فكان ذلك، ويحتمل أن يكون كان عنده من ذلك علم ممن لقي من أهل ذلك العلم كسيف بن ذي يزن ونحوه. وقد يكون سبب تخير الاسم مشايعة من تسمى به تبركاً به أو إحياء لذكره أو رجاء الشبه به أو نحو ذلك، وفي الحديث: " وُلدَ ليَ اللَيْلَةَ وَلَدٌ فَسَمّيْتَهُ باسْمِ أبي إبْرَاهيمَ " وقيل: لما نزل قوله تعالى:) يا أُخْتَ هَارُونَ (قيل للنبي ﷺ : كيف تكون أخت هارون وبينهما دهر طويل، فقال ﷺ : " إنّهُمْ كَانُوا يُسَمّونَ بأسْمَاءِ أنْبيَائهمْ " أي هو هارون آخر سمي باسم هارون بن عمران ﵇. واعلم أن التلذذ المذكور في هذا القسم خلاف المذكور فيما مرّ، فإنّ ذلك تلذذ بالاسم بسبب حضور معناه الأصلي كسعد وسعيد ووردة وياسمين، وهذا تلذذ بالاسم لحضور من كان تسمى به من غير التفات إلى مدلول اللفظ الأصلي، فكل من سمع اسماً كان وقع على مسمى آخر فقد يستشعر ذلك المسمى الآخر في الاسم فيوجب له ذلك الاستشعار أموراً، إما تعظيماً ومنه بدل أمير المؤمنين عمر ﵁ اسم ولد كان اسمه محمد فسمع رجلاً يوماً يشتمه ويقول: فعل الله بك يا محمد وفعل، فقال: لا أرى اسم النبي ﷺ يُسَبّ بكَ، وكان بعض الرؤساء كلم خديماً له اسمه محمد في أمر وخاطبه باسم آخر وهم أنه غضبان عليه، فدخل على الخديم من ذلك جزع عظيم حتى يبين له بعد ذلك أنه إنما كان على جنابة فلم يستطع أن ينطق بهذا الاسم الشريف وهو جنب، رحمه الله تعالى وجزاه خيراً، وإما تلذذاً أو استئناساً أو اشتياقاً أو نحو ذلك لكونه أليفاً أو محبوباً. وكان المجنون لما اشتد به حاله قام أهله فقالوا: نذهب به إلى الحجّ وزيارة البيت ففعلوا، فلما أقبلوا على مكة قالوا له: يا قيس، هذا بلد الله وهذا بيته فادع الله تعالى أن يعافيك من حب ليلى فأنشأ يقول: ذكرتك والحجيج له ضجيج ... بمكة والقلوب لها وجيبُ فقلت ونحن في بلد حرام ... به لله أخلصت القلوب: أتوب إليك يا رحمان مما ... جنيت فقد تكاثرت الذنوب فأما من هوى ليلى وحبّي ... زيارتها فإني لا أتوب فكيف وعندها قلبي رهيناً ... أتوب إليك منها أو أُنيب فأيسوا منه ثم سكن شيئاً ما فلما بلغوا ناحية منىً سمع إنساناً يقول: يا ليلى، ينادي امرأة، فطار المجنون واستقبل البَرّيّة وهو يقول: وداع دعا إذ نحن بالخيف من منىً ... فهيج أحزان الفؤادِ وما يدري دعا باسم ليلى غيرها فكأنما ... أطار بليلى طائراً كان في صدري وقال الآخر: ومَن كبدي يهفو إذا ذكر اسمه ... كهفو جناح ينفض الطل طائره وبلغ بأولياء الله تعالى نحو هذا المعنى، وهم أحق به، يحكى عن بعضهم أنه لقي واحداً منهم في البرية فقال له: من أين أتيت؟ فقال: هو، فقال: أين تريد؟ فقال: هو، فقال: ما تعني بقولك هو؟ فقال: هو، فقال الله تعني؟ فصاح وسقط ميتاً. وإما نفرة وكراهية لكونه بغيضاً مقيتاً، وإما غير ذلك. تتمة

стр. 6

واعلم أن الاسم الذي يوضع على الإنسان علماً عند الولادة أو عند تبديل اسمه باسم آخر إما أن يكون بصورة الكنية كأبي بكر وأبي القاسم لمن سمي به فيكون اسمه كنيته، وإما أن يكون بغيرها كزيد وعمرو وهو الأغلب، وحينئذ إما أن تقرن به الكنية من أول وهلة فيقال مثلاً: سميت ابني محمداً وكنيته أبا عبد الله ولقبته جمال الدين، وهذا كله لا إشكال في عَلَميّته، وقد لا يكنى ولا يلقب أولاً، فإذا كني بعد ذلك أو لقب كان ذلك عارضاً لا كالاسم اللازم أبداً من وجهين: أحدهما أنه لم يكن شيء منهما ثم كان، الثاني انهما يكونان ثم لا يكونان فإنه قد يكنى ثم لا يكنى، وقد يكنيه هذا ولا يكنيه الآخر، وكذا اللقب، فصار كل منهما بمنزلة الوصف يعرض الاتصاف به فقد يقال: كيف يحسبان مع هذا في الأعلام؟ والجواب انهما متى أطلقا على المسمى عيناه عند من عرفهما من غير معنى زائد على الذات، وهذا حاصل العلمية، أما طروعهما فلا يضير، فغن الاسم أيضاً كثيراً ما يطرأ، والمعتبر ما بعد الطروء كما هو الأمر في التسمية الأولى، وأما كونهما يتركان أحياناً فللاستغناء عنها بالاسم كما يكون في الشيء يسمى بأسماء مترادفة، فإذا عبر عنه بواحد منها كفى، وفيه يحث، وهو أن الأسماء المترادفة فوضى على مدلولها، ولا كذلك ما نحن فيه، فغن كلاً من الكنية واللقب إنما يجلب لغرض من تعظيم أو تحقير أو غير ذلك مما مرّ، فيكون الوصف محط التسمية، وحينئذ هو كلي، فيكون الاسم اسم جنس أو علم جنس وذلك خلاف ما يقال من أنه علم شخص، وهذا بحث قويّ لم نبسطه لأنا لسنا بصدده، ويجاب بمنع ذلك وأن محط التسمية الذات مع ملاحظة الغرض وكونه يؤتى به عند وجود الملاحظة ويترك عند عدمها، وأن ذلك غير معهود في الاسم لا امتناع فيه فافهم. فأقول: اسم المؤلف ونسبه أنا الحسن بن المسعود بن محمد بن علي بن يوسف بن أحمد بن إبراهيم ابن محمد بن أحمد بن علي بن عمرو بن يحيى بن يوسف، وهو أبو القبيلة ابن داوود بن يدراسن بن يننتو، فهذا ما يعد من النسب إلى أن دخل بلد فركلة في قرية منه تسمى حارة أقلال وهي معروفة الآن. والكنية أبو علي وأبو المواهب وأبو السعود وأبو محمد. أما ذكري للاسم فلما مر من فوائد التسمي، وأحمد الله تعالى وأشكره إذ جعله حسناً، وأسأله سبحانه أن يجعل كذلك فعلي وخلقي وحظي في الدارين منه حسناً، كما أحمده تعالى إذ حسن اسم والدي أيضاً - فجعله مسعوداً، واسأله تعالى أن يجعلني كذلك في الدارين ويجعله مسعوداً. ومما اتفق لي في اسمي هذا واسم والدي أني كنت ذات مرة سافرت إلى زيارة الأستاذ الإمام ابن ناصر ﵀، فمررت ببلادنا، وكان أخونا في الله البارع الفاضل الخير أبو سالم عبد الله بن محمد العياشي يشتهي أن أمر به في زاويته فلم يتفق لي ذلك فكتبت إليه اعتذاراً: أبا سالمٍ ما أنت إلاّ كسالمٍ ... لدينا ولم يقضِ اللقاء فسالم وزود غريباً طالما قذفت به ... ضروب النوى من كل أفيح قاتم مراماً لشرب الكأس وهي منوطة ... بكف الثريا أو بكف النعائم بود وإن الود من أطيب القرى ... ودعوة صدق عند عقد العزائم وسلم على من ثم من جملة الملا ... تحية ذي ود إلى الكل دائم وقولي: " كسالم " تلميح إلى قول الشاعر: يديرونني عن سالم وأديرهم ... وجلدة بين العين والأنف سالم وكتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج: " أنت عندي كسالم " فلم يفهم مراده حتى أنشد البيت المذكور، ومراد الشاعر أن سالماً المذكور الذي يدافع الناس عنه ويحامي عنه في محبته له وعزته عليه بمنزلة الجلدة التي بين الأنف والعين لأن تلك الجلدة هي سالم فهو تشبيه. ثم لما قفلنا من زيارتنا كتب إلي كتاباً يهنيني بالزيارة ويهني من معي بصحبتي، وفي آخره: من فاته الحسن البصري يصحبه ... فليصحب الحسن اليوسي يكفيه

стр. 7

ومن غريب الاتفاق مع ذلك أن كنت في تلك المدة، قبل هذا الكتاب أو بعده بقريب حدثني بعض الإخوان أنه رأى فيما يرى النائم جماعة من الصالحين والكاتب معهم، وفيهم الشيخ محمد بن مبارك التستاوي وغيره من أمثاله فتكلم بعضهم وأظنه قال: ابن المبارك المذكور إلى أن قال: إن كان الحسن البصري في زمانه فهذا الحسن البصري في زمان يشير إلى الكاتب، وإنما ذكرت هذا رجاء وطماعية في اللحاق بالصالحين أو بمحبيهم أو بمحبي محبيهم وتبركاً بذكرهم، وإلاّ فليس بعشك فادرجي: لما انتسبت إلى علاك تشرفت ... ذاتي فصرت أنا وإلاّ من أنا وكتب إلي العلامة أبو عبد الله محمد بن سعيد السوسي بأبيات يذكر فيها أنه على عقد المحبة وفي آخرها: لقد تحببت لي فضلاً خصصت به ... بين الورى حبذا حب ابن مسعود فعلمت أنه يروي عن ابن مسعود الحبر الصحابي، ﵁ وألحقنا وآباءنا بزمرته إنه ذو الجود والإحسان، فقلت: إن هذا كله من نعم الله التي يسر بها الإنسان، وهو موافقة اسمه أو اسم أبيه لأسماء الخيار. ومن غريب الاتفاق أني كنت أكتب ما تقدم من النسب فجاء أعرابي بقصيدة من الملحون يمدحني بها، وفي أثنائها يقول ما معناه: إن اسمه، أي الممدوح، على اسم الحسن بن علي ﵄، فقلت في نفسي: سبحان الله في هذا كان عملي. تتمة أخرى في أحكام التسمية أعلم أنه وإن كان المطلوب تخير الاسم كما مرّ لا بد من التوسط بين طرفي الإفراط والتفريط، فكما أنه لا ينبغي له أن يتسفل إلى الأسامي الدنية كذلك ليس له أن يتعلى إلى الأسامي العلية التي لا تنبغي له كأسماء الله تعالى، وللفقهاء كلام في أسماء الملائكة، فعن إمامنا مالك ﵁ أنه يكره أن يتسمّى الرجل بجبريل وعلل ذلك بأنه سبب لأن يقول قائل: جاءني البارحة جبريل، وكلمني جبريل وهو بشيع موهم، وروي عنه أيضاً: لا ينبغي بياسين، وتقدم إلى الحارث بن مسكين القاضي خصمان، فنادى أحدهما صاحبه باسمه إسرافيل، فقال القاضي لمَ تسميت بهذا الاسم؟ وقد قال ﷺ : " لا تُسَمُّوا بأسْمَاءِ المَلائكَة " فقال له الرجل: " ولمَ تسمى مالك بن أنس بمالك؟ وقد قال تعالى:) وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِي عَلَيْنَا رَبُّكَ (ثم قال: لقد تسمى الناس بأسماء الشياطين فما عيب عليهم، يعني القاضي فإن اسمه الحارث، وهو اسم الشيطان إبليس، قال ابن عرفة: ويرحم الله الحارث في سكوته والصواب معه، لأنه مَحمل النهي في الاسم الخاص بالوضع أو الغلبة كإسرافيل وجبريل وإبليس والشيطان، وأما مالك والحارث فليسا منه لصحة كونهما من نقل النكرات للأشخاص المعينة أعلاماً من اسم فاعل مالك وحارث كقاسم انتهى، وأما أسماء الأنبياء ﵈ فيجوز التسمي بها وفي الحديث: " تَسَمَّوا بِاسْمي وَلا تَكَنَّوا بِكُنْيَتِي " وقيل: إن هذا النهي منسوخ، فيجوز التسمي أيضاً والتكني بكنيته ﷺ . ودخل القاضي أبو القاسم بن زيتون على أمير بلده المنتصر بالله فقال له: لم تسميت بأبي القاسم؟ وقد صح عنه ﷺ أنه قال: " تَسَمَّوا بِاسْمي وَلا تَكَنَّوا بِكُنْيَتِي " فقال القاضي: إنما تسميت بكنيته ﷺ ولم أتكنَّ بها، وفي المسألة كلام باعتبار علة النهي وكون ذلك مع وجوده ﷺ مشهور لا حاجة إلى بسطه، ومن المنهي عنه في الحديث أن يسمي الرجل غلامه رباحاً أو أفلح أو يساراً، إذ قال: أثَمَّ هُوَ؟ فيقال: لا. ولا بأس بتكنية الصبي كما مرّ وأصله: " يَا أبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ ". تنبيه: في الحديث: " إنَّ أخْنَعَ الأسْمَاءِ رَجُلٌ تَسَمّى عِنْدَ اللهِ بِمَالكِ الأمْلاكِ، ووقع فيه عضد الدولة حيث قال: ما يطيب العيش إلاّ بالسمر ... وغناء من جوار في سحر غانيات سالبات للنهى ... ساقيات الراح من فاق البشر عضد الدولة وابن ركنها ... ملك الأملاك غلاب القدر فهذا من التغالي المنكر، وإنما ذلك لأن ملك الأملاك هو الله تعالى، وإطلاقه على غيره وإن كان يتأوّل بمن دونه أي ملك أملاك البشر، لكنه في غاية من الإيهام والبشاعة فلا ينبغي. وقد تردد العلماء في أنه هل يلتحق به قاضي القضاة ونحوه.

стр. 8

ومن البشيع الواقع في زماننا في الوصاف أنْ بَنَى السلطانُ رشيد ابن الشريف جسرَ سبو، فصنع له بعضهم أبياتاً كتبت فيه برسم الإعلام أولها: صاغ الخليفة ذا المجاز ... ملك الحقيقة لا المجاز فحمله اقتناص هذه السجعة والتغالي في المدح والاهتبال بالاسترضاء على أن جعل ممدوحه ملكاً حقيقياً لا مجازياً، وإنما ذلك هو الله تعالى، وكل ملك دونه مجاز، الممدوح وغيره. ونسبة الألوهية إلى غيره تعالى كفر صراح، وهذا مقتضى اللفظ، وقائله يتأوله بحقيقة دون حقيقة لأنه موحد، ولكنه في غاية الإبهام وغاية البشاعة والقبح، وقد أنكر الإشبيلي وغيره ممن ألف في لحن العامة ما هو أخف من هذا بكثير. وأما اليوسي فأصله اليوسفي كما مرّ من أن يوسف هو أبو القبيلة ويسقطون الفاء في لغتهم. وأما ذكري لما مرّ من النسب فلفوائد منها أن يعرفه من يقف عليه ذوي القرابة للتوصل إلى صلة الرحم والموارثة والمعاقلة وغير ذلك من الأحكام وهذا مما لا بد منه، وقد قال سيدنا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: تعلموا من الأنساب ما تصلون به أرحامكم، وقد حمل الأمر في كلامه على الوجوب وذلك أصله. الثانية أن يعلم انقطاع النسب عند انتهائه إلى القرى فيظهر معنى قول مولانا عمر أيضاً ﵁ فيما يؤثر عنه أنه قال: تعلموا أنسابكم ولا تكونوا كالقبط ينتسبون إلى القرى، وليس هذا مخصوصاً بالقبط بل المدن كلها تتلف الأنساب كما قال العراقي ﵀: وضاعت الأنساب بالبلدان ... فنسب الأكثر للأوطان وسبب ذلك أن الإنسان إنما احتاج إلى التمدن للقيام بالمتاجر والحرف وسائر الأسباب التي ينتظم بها أمر المعاش والتعاون على المنافع الدينية والدنيوية، ولا يتأتى ذلك عادة إلاّ بكثرة الناس لتحصل عمارة الأسواق، ويحصل من كل حرفة وصناعة وسبب وعمل عارف أو أكثر يقوم بها، ولا يكون ذلك عادة من عشيرة واحة بل ولا من قبيلة وعمارة بل من أخلاط شتى وأفواج جمة، وذلك لسببين: أحدهما أن هذا هو مظنة الكثرة الكافية فيما ذكر، الثاني أن عادة الله تعالى لم تجرِ باختصاص رهط أو حي واحد من الناس بالتفرد بالمعارف والاستقلال بالمصالح الدينية والدنيوية من دون سائر أصناف الخلق حتى ينتظم بهم الأمر وحدهم وتحصل لهم المزية بذلك والذكر فيه دون " من " سواهم، بل بث الله تعالى بلطيف حكمته الخصائص والمزايا في الناس، فيوجد في هذا الرهط عالم، وفي آخر شاعر، وفي آخر صانع أو تاجر وهكذا ليتم التعاون ويحظى الخلق كلهم من مائدة الله تعالى في باب الخصوصيات بنصيب.. ولما كانت المدينة تجمع أخلاط الناس صار ساكنها في الغالب غريباً عن نسبه، فقد لا يكون بينه وبين جار بيته نسب ولا معرفة، فإذا نشأ نسله انتسبوا غالياً إلى البلد لا إلى قومهم من وجهين: أحدهما أنه كثيراً ما ينقطع ما بينهم وبين قومهم فلا يعرفونهم، الثاني أن الإنسان يعجب ببلده ويتبجح به لثلاثة أوجه أحدها أنه لا يعرف غالباً غيره، الثاني أن الله تعالى حبب إلى الناس منازلهم ليلازموها فتنتظم عمارة الأرض على ما قدر الله تعالى كما قال ﷺ : " اللَّهم حَبِّبْ إلَيْنَا المَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أوْ أشَدَّ ". الثالث الإلف الطبيعي، فإن كل واحد يألف تربته كإلفه لأمه وأبيه، ولذا لا يزال يحن إلى مسقط رأسه ومحط لهوه وأنسه، وقالوا: الكريم يحن إلى وطنه، كما يحن النجيب إلى عَطَنِهِ. وقال الأعرابي: أحب بلاد الله ما بين منعج ... إليَّ وسلمى أن يصوب سحابها بلادٌ بها حل الشباب تمائمي ... وأول أرض مس جلدي ترابها وقال الآخر: بلدي ألفت به الشبيبة والصبا ... ولبست ثوب العيش وهو جديد فإذا تمثل في الضمير رأيته ... وعليه أثواب الشّباب وقال الآخر: وحبب أوطان الرجال إليهم ... مآرب قضاها الشباب هنالكا إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم ... عهود الصبا فيها فحنوا لذلكا

стр. 9

وهذا المعنى كثير شهير. ومن الأسباب في ذلك أنها أول بقعة ذاق فيها النعمة وأول جهة ألف منها الرفق وآنس الإحسان، وفي الحديث: " جُبِلَتِ القُلُوبُ عَلَى حُبّ مَنْ أحْسَنَ إلَيْهَا " ولك في الحديث وجهان: أحدهما لطيف، وهو أن القلوب الطاهرة عن الهوى، الصافية من رعونات النفس، الزاهرة بأنوار المعرفة جبلت على حب الله تعالى لأنه هو المحسن إليها لا غير. والثاني ظاهري وهو أن القلوب من حيث هي جبلت على الميل إلى المحسن من حيث هو، ولا شك أن كل محسن دون الله تعالى لا أثر له، وإنما هو جهة يرد منها إحسان الله تعالى، ومع ذلك يحب، فكذا تربة الإنسان أول جهة ورد منها عليه الإحسان الإلهي، فيحبها قبل غيرها من الترب حباً متمكناً كما قيل: أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلباً خالياً فتمكنا وقال الآخر: كم منزل في الأرض يألفه الفتى ... وحنينه أبداً لأول منزل ومن أسباب المحبة والحنين حب من كان فيها من ذوي القرابة والأحباب وتذكارهم عند تذكارها، وقد قيل: إن قوله ﷺ في أحد: " جَبَلٌ يُحِبُّنَا ونُحِبُّهُ " إن المراد من كان فيه من الأصحاب كحمزة ومن معه ﵃، وقال المجنون: أمرّ على الديار ديار ليلى ... أُقَبِّلُ ذا الجدار وذا الجدارا وما حب الديار شغفن قلبي ... ولكن حب من سكن الديارا وقال الآخر يخاطب وطنه: تقسم فيك الترب أهلي وجيرتي ... ففي الظهر أحيائي وفي البطن أمواتي وهذا سبب ذكر الديار والمنزل والأوطان ولا ينحصر ما قيل في ذلك، وسنلم بشيء منه إن شاء الله في هذا الكتاب؛ ثم إذا انتسب إلى البلد ذهب قوه، وتنوسيت أسلافه، فصار النسب مجهولاً لا باعث على حفظه ولا حامل على تعرفه وهذا بخلاف أهل البادية فإنهم يحفظون أنسابهم إذ لا ملجأ لهم في الانتساب غير قومهم فيبقى الأب الأول محفوظاً وبحفظه وذكره ما بينه وبينهم من سلسلة النسب، وإنما كان ذلك فيهم لوجهين: أحدهما أنه لا قرار لهم في باديتهم فينتسبوا إليه، بل منازلها عندهم سواء. الثاني أنهم خالصون غالباً من كثير الشوب، فكل واحد غالباً ينازل قومه، إذ لا حاجة بهم إلى التمدن في باديتهم اكتفاء بالحاضرة، فكل حي فيها يعيشون وحدهم، ومتى خالطهم غيرهم لم يزل معروفاً بكونه ملصقاً، وقد يكون من القرى ما يكون كذلك، لانقطاعه عن الاختلاط وعدم التمدن فيمكنهم حفظ أنسابهم أيضاً. ومن هذا حفظت قلايش أنسابها مع كونها في قرية، وكذا الخزرج في طيبة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وكذا نحوها، وقد يكون في المدائن من يحفظ نسبه أيضاً، ولا سيما من له نسب مخصوص كالعلوية، أو من يكون في محلة منعزلة في المصر فيكون كالقرية السابقة. الثالثة أن يعلم أن حفظ الأنساب ليس خصوصية للعرب وإن كان لهم مزيد اهتمام بها ومزيد ارتفاع الهمة، وكنت أنا قبل أن أخالط قومي أظن ذلك وأقول: إن العجم إنما هم كالمعزى ليس بين الأم وبين ولدها عهد إلاّ أن يرعى فيذهب حيث شاء، وأما الأب فلا سؤال عنه، فلما باحثت قومي في هذا ألفيت الأمر على خلاف ما كنت أظن، ووجدتهم يحفظون أنسابهم كما مر، وإذا فيهم نسابون يحققون الفصائل والشعوب على نحو ما كانت العرب تفعل في أنسابها، والوهن وإن كان يمكن أن يداخل شيئا من ذلك فليس بعجب، فإن غيرهم أيضاً ما كان يسلم من ذلك، وقد قال ﷺ : " كَذَبَ النَّسّابُونَ ". قَالَ تعالى:) وَقُرُوناً بَيْنَ ذَلكَ كَثيراً (وكون هؤلاء أيضاً يكتفون بالقرى ويضيعون أَنسابهم فذلك غير مختص بهم، فقد وقع أيضاً للعرب حين دخلت قرى الشام والعراق ومصر والمغرب وغيرها، فلا تزال تلقى حلبياً أو حمصياً أو كوفياً أو بصرياً أو قرطبياً أو باجياً، وهو تميمي أو قيسيّ أو أزديّ أو غيره، وكثير منهم لا يرفع نسبه، وإنما قال سيدنا عمر ﵁ ما قال قبل أن يقع هذا الواقع أو قاله خوفاً منه ثم وقع كما ظن. ويتعلق بأمر النسب أبحاث: الأول: اعلم أن نسب الإنسان الأصلي هو الطين، قال تعالى:) وَبَدَأ خَلْقَ الإنْسَانِ منْ طينٍ (وقال ﷺ : " أنْتُمْ بَنُو آدَمَ، وآدَمُ منْ تُرَابٍ ". ويقال لآدم ﵇: عرق الثرى وأعراق الثرى، قال امرؤ القيس:

стр. 10

إلى عرق الثرى وشجت عروقي ... وهذا الموت يسلبني شبابي وهذا هو الأصل لجملته، ثم لكل فرد منه بعد آدم أصل آخر وهو النطفة، قال تعالى:) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ منْ سُلالَةٍ منْ مَاءٍ مَهِينٍ (فإذا استوى الإنسان كله في أنه من طين وأنه في الجملة من ماء مهين لم يمكن أن يكون له فضل في نفسه باعتبار أصله، ولا أن يكون لبعضه فضل على بعض بذلك، لاستواء الجميع، ولهذا نبه ﷺ على هذا فقال: " إنَّ اللهَ أذْهَبَ عَنْكُمْ غُبِّيَةَ الجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالآبَاءِ، أنْتُمْ بَنُو آدَمَ وآدَمُ منْ تُرَابٍ ". ونبه الله تعالى الإنسان على أصله في آيات كثيرة ليتنبه فيعرف نفسه ويعرف اقتدار مولاه، وقال مولانا علي كرم الله وجهه: " ما لابن آدم والفخر، وأوله نطفة، وآخره جيفة ". وقد يقال: أوله نطفة مذ، وآخره جيفة قذرة، وهو فيما بين ذلك يحمل العذرة، وعقد الشاعر الكلام الأول فقال: ما بال من أوله نطفة ... وجيفة آخره يفخر وقال آخر: عجبت من معجب بصورته ... وأوله نطفة مذره وفي غد بعد حسن صورته ... يصير في الترب جيفة قذره وهو على عجبه ونخوته ... ما بين رجليه تخرج العذرة " نعم يشرف الإنسان بخصوصية تزاد على جسمه الطيني كالعقل والعلم والدين مثلاً فيثبت له الفضل ويثبت لبعضه على بعض، ولما عمي إبليس اللعين على الخصوصية، ولم يرَ إلاّ الطينية السابقة لم يرضَ بآدم ولا بالسجود له، ولم يسلم الأمر لمولاه، فأبى وصرح بأنه خير منه، وعلل ذلك بالمنشأ المذكور، فأخطأ من جهات: منها أنه إما يكون لا شعور له بالخصوصيات أصلاً، وإنما منظره ذوات الأجرام، وهذا جهل عظيم، وإما أن يشعر بها ولا يعرف أنها بها يقع التفاضل، وهذا أيضاً جهل، وإما أن يعرف ذلك ولكن لا يسلم وجودها في آدم فيكون قد بادر إلى إنكار الشيء قبل تحقق انتفائه، بل قبل التأمل، وهو أيضاً جهل وطيش وغفلة عن الإمكانات العقلية وتصرف الفاعل المختار تعالى، وإما أن يكون ذلك محتملاً عنده، فعمل على الانتفاء لا على الثبوت، وهو أيضاً جهل وزلل في الرأي وتضييع للاحتياط، وإهمال لدلالة القرائن المفيدة للعلم، فإنه لو تأمل أدنى تأمل لاستفاد الحق من ترشيحه للخلافة، فإنه لا يخفى عليه قول الله تعالى:) إنّي جَاعِلٌ في الأرْضِ خَليفَةً (، ومن سجود الجمهور، ويد الله مع الجماعة، وإما أن يكون قد علم ذلك ولكن غلبه ما يجد من الحسد والكبر، فاشتغل بالمكابرة والمغالطة، وهذا أيضاً جهل، فإن العلم إذا لم ينفع كالعدم، ومن لا يجري على علمه في حكم الجاهل، هذا مع غاية النقصان بعد التزكية، وعدم ملك زمام النفس، نسأل الله تعالى العصمة، قال الله تعالى:) قَدْ أفلَحَ مَنْ زَكّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسّاها (. ومنها أنه لم يخلص إلى صحيح العلم وصريح التوحيد فيعلم حق يقين، أو عين يقين، أو علم يقين أن للفاعل سبحانه أن يتصرف في مملكته كيف شاء، فيرفع من شاء، ويضع من شاء ويقدم من شاء ويؤخّر من شاء، ولا سَبب غير العناية الأزلية، وكل شيء بقضاء وقدر) لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْألُون (. ومنها أن ما اعتمده من فضل جرم النار على جرم الطين لا يسلم له، فإن فضل النار إن كان بمجرد حسنها الصوري فهذه المزية لا تكفي، فإن الأشياء خلقت للانتفاع بها، فما ينبغي أن يكون تفاوتها إلاّ بالمنافع أكثرية وأهمية، والحسن الصوري من المناظر النظرية، وغيره أهم منه، ففي النار منافع كالإحراق والإيقاد والإنضاج والتسخين والتحليل والتعقيد والتعذيب لمن أريد والتذكر ونحو ذلك، وفيها مفاسد كثيرة ومضار هائلة كالإحراق والإتلاف للنفوس والأموال والزرع والتنشيف والتيبيس والإيلام والعذاب الأكبر، وحسبك منها أنها ضرة الجنة وضدها حتى حصل بينهما من التقابل شبه ما بين النفع والضر، والعذاب وإن اشتمل على غير النار لكن النار أعظمه، ولذا صحَّ إطلاقها عليه.

стр. 11

وأما التراب فهو مهاد الإنسان وفراشه حيّاً، وكِفاتُهُ مَيتاً، ثم هو منبع الماء الذي به الحياة، ومنبت الزرع وجميع الأقوات للإنسان وغيره من الحيوانات، ومنبت العقاقير التي بها الاستشفاء، والمعادن التي بها قوام العيش، والتي بها التعامل، فمنافعه لا تحصى، وليس فيه من المفاسد والمضار إلاّ ما هو تافه يضمحل في جنب المصالح والمنافع، فهذا هو الشرف والفضل، وقد ظهر ما في كل منهما في فرعه، فانظر إلى فرع التراب الذي هو الرحمة والمنفعة وهو الإنسان كيف ظهر فيه العلم والدين والرحمة، قال تعالى في نبيه ﷺ :) وكَانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحيماً (، وانظر إلى فرع النار التي هي النقمة والمضرة وهو إبليس كيف ظهر فيه الإفساد والإغواء والاستفزاز، والأمر بيد الله على أن الإنسان مخلوق من الاسطقسات الأربعة: التراب والماء والنار والهواء، قال تعالى:) ... منْ تُرَابٍ ... (وقال أيضاً:) ... مِنْ طينٍ ... (كما مرَّ، وهو التراب والماء، وقال تعالى أيضاً:) ... منْ صَلْصَالٍ ... (وهو الطين اليابس لما فيه من نارية، وقال أيضاً:) ... منْ حَمَإٍ مَسْنُون ... (وهو المتغير الرائحة بما تخلله من الهواء فقد استولى الإنسان في تركيبه ما في النار، وزاد ما في غيره، فافتخار صاحب النار على صاحب النار والماء والتراب والريح حمق عظيم. وهذا المحل يسع من الكلام أكثر من هذا بكثير ولكنه ليس من غرضنا فلنرجع إلى ما نحن فيه فنقول: إن ابن آدم متى افتخر قيل له: إن كان افتخارك بأصلك فلا فخر لك بل كما يقال: ضعيف عاد بقرملة. ثم لا فخر لك به على غيرك لأنكما سيّان، وإن كان بمزية فهاتها، فمن ثبت له أو لأبيه ثبت فخره بنفسه أو بنسبه وإلاّ فلا. الثاني - اعلم أن ما أشرنا إليه من المزايا التي يتشرف بها الإنسان حتى يشرف بشرفه من انتسب إليه كثيرة، منها دينية كالنبوءة وهي أجلها، وكالعلم والصلاح ومكارم الأخلاق وغير ذلك، ودنيوية كالملك، وهو أعظمها، وكالنجدة والكرم والقوة وكثرة العدد وكثرة المال والجمال ونحو ذلك وكثير منها يصلح أن يكون دينياً ودنيوياً كالقوة والعز والكرم وسائر مكارم الأخلاق، وبعضها ديني ودنيوي معاً كالنبوءة والخلافة والعلم، وبعض ذلك حسي، وبعضه معنوي، وبعضه وجودي، وبعضه، وشرح ذلك يطول فلنقتصر القول مع تمثيل وتمهيد: أما التمثيل فهو أنه لو اعتبر رجلان متساويان في الخلق والخلق والنسب وسائر الأحوال فلا مزيّة لأحدهما على الآخر، وفي مثلهما قال علقمة بن علاثة للمتنافرين: صرتما كركبتي البعير الآدم، ولو اختص أحدهما بالفقه فهذه مزية وجودية يفضل بها الآخر، ولو اختص أحدهما بكونه ظلوماً فهذه مزية مذمومة عند أهل الشرع، وقد سلم منها الآخر، فله الفضل بمزية هي عدمية، وعند الجاهلية بعكس هذا، ولذا تأتى لشاعرهم أن يهجو بقوله: قُبَيَّلَةً لا يخفرون بذمة ... ولا يظلمون الناس حَبّة خردل فقد فهمت المزية في الجملة. وأما التمهيد فاعلم أن الأجرام الترابية وما توالد منها متشابهة في الأصل، وكانت المزية للناميات الثلاثة، وهي المعدن والنبات والحيوان، أما المعدن فله الفضل على سائر الأجرام الترابية بالنمو والنفاسة والانتفاع، وأما النبات فله الفضل على ما قبله بالنمو والإثمار والانتفاع الخاص وجود النفس النباتية، حتى أن المعدن جزؤه ككله، فينتفع بما يقطع منه، فهو في ذلك كغير النامي بخلاف الشجرة لو اقتطعت منها قطعة لم ينتفع بها الانتفاع المراد منها كالإثمار، فأشبهت الحيوان، وربما تموت بقطع رأسها كالنخلة، كما يموت الحيوان. وقد ادعى بعض المتكلمين أن للنبات حياة، وزعموا أن النخلة يتعشق بعضها ببعض فيميل إليه، وأما ميل عروقها إلى الماء فمشاهد، وزعموا أنه إلى هذا المعنى الإشارة بالحديث: " أكْرِمُوا عَمَّتَكُمْ النَّخْلَةَ " وهو حديث غريب، والذي في الصحيح أنها مثل المسلم، واختلف المحدثون في وجه الشبه على أقوال معروفة. وأما الحيوان فله الفضل بما ذكر مع زيادة الحياة والإحساس والإلهام، ويختص الإنسان عن جملته بزيادة العقل الذي هو محط إدراك الكليات والرأي والتصرف، فللإنسان الفضل على الجميع.

стр. 12

والإنسان لفظ واقع على آدم وعلى ذريته أبداً اسماً للقدر المشترك فيه، وهو الحيوان الناطق أي المتفكر بالقوة، والآدمي كله مشترك في هذه الفضيلة، ولذا سخر له غيره، وابتلي هو بالتكليف بمعرفة الخالق تعالى وبعبادته، وهذه مزية أخرى لجميعه، ولقد خصه الله تعالى في أرزاقه وفي خَلْقه وفي خُلُقه وفي لباسه وركوبه وغير ذلك بكثير، قال تعالى:) وَلَقَدْ كَرَّمَنَا بَني آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ في البَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ منَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثيِرٍ ممَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً (وإنما قال تعالى: " ... عَلَى كَثيرٍ ... " لبقاء الملائكة على ما في ذلك من النزاع المشهور بين الجمهور. لطيفة: كان بعض المخارفين يقول: نحن معشر المحرومين لسنا من ولد آدم لأن الله تعالى قد قال فيهم ما تقدم يعني الآية، وليس عندنا شيء من ذلك ويقول: كان لآدم عبد فنحن جميعاً من ولده، وليس بيننا وبين آدم نسب أصلاً قلت: وهذا دخل في أحاديث الخرافات والمضحكات الباطلة، والإنسان كله ابن آدم كما قال ﷺ : " أنْتُمْ بَنُو آدَمَ ... " والآية صحيحة على الجملة وصحيحة أيضاً على التفصيل لأن كل آدمي ولو بلغ في حرمان الرزق والفقر المدقع ما عسى أن يبلغ هو أفضل من سائر الحيوان ومن الجن بعقله وصورته الحسنة وانتصاب قامته وأكله بيديه معاً وسائر تصرفاته وتناوله من الطيبات التي لا تصل إليها الحيوانات ومتمكن من الركوب في البر والبحر إلى غير ذلك، فهو مكرَّمٌ أي تكريم، ومفضل أي تفضيل. ثم إن أفراد الإنسان متفاوتون فيما ذكر من مزية العقل كثرة وقلة تفاوتاً عظيماً، وأعلاهم في ذلك الأنبياء ثم الصديقون ثم سائر الزاهدين في العرض الفاني، وأما أقلهم عقلاً فلا ينضبط وإن وقع التعبير عنه في كثير من كلام الأنبياء والحكماء، فقد انتهى بعض الأفراد إلى مزاحمة البهائم وما يقع من التعبير عنه يرجع إلى الإضافة. ثم إن الله تعالى خص آدم وبنيه بمزايا أخرى دينية ودنيوية يمتاز بها البعض عن البعض لا مشتركة كالأولى، أعلاها في الدينية النبوة ثم الخلافة عنها في الظاهر أو الباطن أو فيهما أو في السياسة، وفي الدنيوية الملك ثم النيابة عنه، ومنها القوة وكثرة المال وكثرة الإنفاق واصطناع الصنائع وابتناء المآثر وكثرة العدد والفصاحة والصباحة ونحو ذلك من كل وصف محمود في الدين أو في الدنيا، فمن حصل له شيء من ذلك حصل له شرف على قدره، وثبت لولده عدّ ذلك في مفاخر أبيهم، وهو المراد بالحسب في لسان العرب، فكل واحد عندهم حسبه هو ما يعد من مفاخر آبائه، فهو من الحساب، ومن ليس له ما يعد فلا حسب له، فالخصلة الحميدة تكون مفخرة لمن اتصف بها ولمن انتسب إلى من اتصف بها فيشرف نسبه بذلك. إذا علم هذا فنقول: إن آدم أبا البشر على نبينا وعليه السلام قد حصل له الشرف بالنبوءة وسائر الخصال الحميدة وبسجود الملائكة له وولادته للأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، وهذا كله من المزايا فجميع بنيه شرفهم ومشروفهم ورشيدهم وغويهم يحصل لهم بالانتساب إليه شرف من هذا الوجه يفضلون به غيرهم ممن ينتسب إلى جني أو بهيمة، فلا تظن أن دابة لكونها لم تعص الله تعالى تكون أشرف من إنسان كافر أو فاسق إلاّ من هذا الوجه، وأما في النسب والحسب والصورة وغيرها فهو أشرف منها، ولذا يوارى إن مات ولا توارى هي، غير أن الافتخار بنسبة آدم قد تنوسي لطول العهد كما تنوسيت رحمه. ومن أطرف ما وقع لسيدنا معاوية ﵁ أن جاءه إنسان فقال له: أسألك بالرحم التي بيني وبينك إلاّ ما رفدتني فقال: أنت من عبد مناف؟ قال: لا. قال: أنت من قريش؟ قال: لا قال: أنت من العرب؟ قال: لا. قال: أي رحم بيني وبينك؟ قال: رحم آدم فقال: رَحِمٌ مَجْفوَةٌ لأكونن أول من وصلها، فأعطاه.

стр. 13

ثم يتمايزون بعد ذلك، فمن كان من ولد نوح ﵇ فهو أفضل نسباً من بقية ولد آدم لأن أولئك يعدون آدم وهؤلاء يعدون آدم ونوحاً، فإن كل ما يعده الأعلى يعده الأسفل ويزيد، فإن الأخص فيه ما في الأعم وزيادة، وهذا كما يقال في الحكمة في الأجناس المتوسطة والسافلة والأنواع الحقيقية والفصول: إن كل ما يتقدم به الأعلى يتقدم به الأسفل ويزيد، فالله تعالى قد قال:) إنّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إبْرَاهيِمَ وآلَ عِمْرَانَ عَلى العَالَمِينَ (فمن انتسب إلى آدم ونوح فقد انتسب إلى مصطفين، ثم من كان من ولد إبراهيم بعد ذلك فهو أفضل من بقية ولد نوح لأنه يعد آدم ونوحاً وإبراهيم ﵈، وإلى هذا أشار ﷺ بقوله حين قيل له: من أكرم الناس؟ " الكَرِيمُ ابْنُ الكَرِيمِ ابْنِ الكَرِيمِ ابْنِ الكَرِيمِ: يوسف بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ، نَبِيٌّ ابْنُ نَبِيّ ابْن نَبِيّ ابْن نَبِيّ " وكلامه ﷺ موافق لقوله تعالى: " إنَّ أكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أتْقَاكُمْ ". فإن الأنبياء هم أتقى الناس لأنهم أعلم، وإنما يَخْشَى اللهُ مِنْ عِبَاِدِه العُلَمَاءُ، فهم أكرمُ الناس، فمن انتسب إليهم كرم بنسبه إليهم وإن لم يكن نبياً، فكيف إذا كان هو أيضاً نبياً؟ فله الشرف الطارف والتليد، كيوسف ﵇، فصدق نبينا ﷺ . ثم أولاد إبراهيم ﵇ يتفاوتون في الشرف أيضاً بقدر أنسابهم فمن ازداد بنبي أو نبيين أو أكثر ازداد درجة في الشرف، فأما أولاد إسحاق بن إبراهيم ﵉ فلهم الشرف في الجملة غير أن الأسباط أولاد يعقوب بن إسحاق لهم الشرف الشامخ، والمجد الباذخ، فإنهم فازوا بثلاثة أنبياء على نسق، ثم جل الأنبياء بعد ذلك فيهم، وقد قال الله تعالى لبني إسرائيل:) اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إذْ جَعَلَ فِيكُمْ أنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤتِ أحَداً مِنَ العَالَمِينَ (وقال تعالى:) يَا بَني إسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتي الَتي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وأنّي فَضَّلْتُكُمْ عَلى العَالَمِينَ (إلى غير ذلك، وأولاد العيص بن إسحاق لهم شرف دونهم، ولم يكن فيهم نبي فيما يقال غير أيوب ﵇، وأما أولاد إسماعيل بن إبراهيم فلهم الشرف بإبراهيم وإسماعيل أولاً، ثم استكملوا الشرف آخراً بسيد الوجود وسر الكائنات سيدنا ومولانا محمد ﷺ ، فإنه ﷺ إليه يساق حديث الشرف العِد وباسمه يرسم عنوان صحيفة المجد، فيه شرف من قبله كما به شرف من بعده، وقد كان آدم يكنى به تشريفاً له بأشرف أولاده فيقال: أبو محمد، وكما يشرف الولد بشرف الوالد قد يشرف الوالد بشرف الولد، ولله در ابن الرومي في قوله: وكم أب قد علا بابن ذرى حسب ... كما علت برسول الله عدنان وسنزيد هذا بسطاً إن شاء الله تعالى، فمن اتصل بالنبي ﷺ بعده وهم الفاطميون أشرف الناس نسباً لأن غيره كبني إسرائيل وإن عد بكثرة الأنبياء فهو يعد بأشرف الأنبياء، والمنتسب إلى الأشرف يجب أن يكون أشرف، وهذا باعتبار النسب فقط، أما من حصلت له النبوة من بني إسرائيل فهو أشرف بذاته ممن ليس بنبي، إذ لا يعدل النبوءة إلاّ نبوءة أخرى. كما أن من كفر منهم فقد اختل نسبه، واضمحل حسبه، بالإضافة إلى من لم يكفر منهم، أما لو قيس هذا الكافر إلى كافر آخر قبطي أو نوبي أو نحوهما فالواجب أن يكون هذا أشرف نسباً، ولو قيس إلى مؤمن من هؤلاء لتعارض الوجهان، ولكن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، وفي السيرة: قال المسلمون: هذا أبو سفيان وسهيل، وكان أبو سفيان لمّا يُسلِم، وقدموه لشرفه، فقال النبي ﷺ : " هَذَا سُهَيْلٌ وأَبُو سُفْيَانَ، الإسْلامُ يَعْلُو وَلا يُعلى عَلَيْهِ " فانتبه لهذا الفصل فإني رمزته ولم أبسطه لأن بعضه موحش لمن لا فهم له.

стр. 14

وإذا علم تفضيل النسب والحسب في باب النبوءة فهم في غيرها كذلك كالعلم والصلاح والهداية والزهد والورع والملك والنجدة والجود وغير ذلك من كل ما يحتسب به ويصير به من عرف به عيناً من أعيان عشيرته أو قبيلته أو عمارته أو بلده أو جيله ويشرف به من انتسب إليه، ولم يخل الله تعالى قوماً من سيد " كما لم يخل هجمة من فحل، وبسادة الناس " تنتظم أمورهم، فهم خلفاء الله في عباده بالحكم التصريفي، ولذلك إذا فقدوا أو فقدت الأهلية منهم اختل الأمر كما قال الشاعر: لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ... ولا سِراة إذا جهالهم سادوا الثالث: الإنسان قد يفتخر بنسبه على ما مرّ، وقد يفتخر بنفسه أي بالخصال التي اتصف بها والدرجات التي نالها من الدين والدنيا، والأول هو الفخر " العظامي لأنه افتخار بالعظام والرفات، والثاني هو الفخر " العصامي. وهو مأخوذ من عصام صاحب النعمان، وكان يقول: نفس عصام سودت عصاما وعلمته الكرّ والإقداما فكل ما جاءه السؤدد من تلقاء نفسه فهو مثل عصام هذا، ففخره عصامي. والناس لم يزالوا مختلفين في هذا المنحى فقوم يعتنون في افتخارهم أو ثنائهم بذكر الآباء كقوله: أنا ابن مزيقيا عمرو وجدي ... أبوه منذر ماء السماء وقول النابغة: وهو قائلها في مدح عمرو بن الحارث الأصغر بن الحارث الأعرج بن الحارث الأكبر بن أبي شمر الغساني، والبيتان فسرهما ابن السكيت فقال: " يقول: لئن كان عمرو ابن هذين الرجلين المقبورين في هذين الموضعين ليمضي أمره وليمسن من حاربه بشر، وليلتمسه حيثما كان ". لئن كان للقبرين قبر بجلق ... وقبر بصيداء الذي عنده حارب وللحارث الجفني سيد قومه ... ليبتغين بالجيش دار المحارب وقول حسان ﵁: أولاد جفنة حول قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الكريم المفضل وقول العرجي العثماني: أضاعوني وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسِدادِ ثغر كأني لم أكن فيهم وسيطاً ... ولم تك نسبتي في آل عمرو وقال الفرزدق: أولئك آبائي فجئني بمثلهم ... إذا جمعتنا يا جرير المجامعُ وقال النابغة لحسان ﵁ حين أنشد: لنا الجفنات الغُرّ يلمعنَ بالضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدّةٍ دمما ولدنا بني العنقاء وابن محرق ... فأكرم بنا خالاً وأكرم بنا ابْنَما إنك شاعر لولا أنك قلت: الجفنات فقللت العدد، ولو قلت: الجفان كان أبلغ، وقلت: يلمعن بالضحى ولو قلت: يشرقن بالدجى كان أبلغ، وقلت: يقطرن من نجدة ولو قلت: يجرين كان أبلغ، ثم افتخرت بمن ولدت ولم تفخر بمن ولدك، فهذا مذهب العرب وهو الافتخار بالآباء، ولذا نبه عليه النبي ﷺ وكرهه كما مرّ. وقوم يفتخرون بأنفسهم، وهذا الوجه كثير أيضاً جداً، لأنه طبع الآدمي لا يكاد يسلم منه ولا يحصى ما فيه من كلام الناس نظماً ونثراً ولا حاجة إلى التطويل. ومن أفصح ما ورد في هذا النحو قول السموأل في لاميته المشهورة منها: إذا المرء لم يدنَس من اللؤم عرضُه ... فكل رداء يرتديهِ جميلُ وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها ... فليس إلى حسن الثناء سبيل تعيرنا أنا قليل عديدنا ... فقلت لها: إن الكرام قليل وما ضر من كانت بقاياه مثلنا ... شباب تسامى للعلا وكهول تسيل على حد الظبّات نفوسنا ... وليست على غير السيوف تسيل وإنا لقوم ما نرى القتل سُبّة ... إذا ما رأته عامر وسَلول إلى أن قال: وننكر إن شئنا على الناس قولهم ... ولا ينكرون القول حين نقول سلي إن جهلت الناس عنا وعنهم ... وليس سواء عالم وجهول فإن بيني الديّان قُطْبٌ لقومهم ... تدور رحاهم حولهم وتجول ومثل هذا النمط من الكلام فيه افتخار بالنفس وبالآباء أيضاً لأن المقصود أنهم على هذا الوصف كابراً عن كابر وقول الفرزدق: أنا الذائد الحامي الذّمار وإنما ... يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي وغير ذلك. ثم كثير من الناس لا يلتفتون إلى النسب ولا يقيمون للمفتخر به وزناً كما قال الحريري: لعمرك ما الإنسان إلاّ ابن يومه ... على ما بدا من حاله لا ابن أمسه

стр. 15

وما الفخر بالعظم الرّميم وإنما ... فخار الذي يبغي الفخار بنفسه وقال الآخر: كن ابن من شئت واتخذ أدباً ... يغنيك محمدة عن النسب إن الفتى من يقول: هأنذا ... ليس الفتى من يقول: كان أبي إلى غير ذلك مما لا ينحصر. والحق أن كرم النسب فضيلة قال تعالى:) وكان أبُوهُما صَالِحاً (وقال ﷺ في بنت حاتم: " إنَّ أبَاهَا كَانَ يُحِب مَكَارِمَ الأخْلاق ". ووصفُ الإنسان وسعيُه هو الشأنُ، والنسبُ زيادة، فإلغاء النسب رأساً جور، والاقتصار عليه عجز، والصواب ما قال عامر بن الطفيل: وإني وإن كنت ابن سيد عامر ... وفي السر منها والصريح المهذب فما سودتني عامر من وراثة ... أبى الله أن أسمو بأم ولا أب ولكنني أحمي حماها وأتّقي ... أذاها وأرمي من رماها بمنكبي فقوله: " وإن كنت ابن سيد عامر " تعريض بالنسب وإعلام بمكانته منه، وقوله: " أبى الله أن أسمو بأم ولا أب أي فقط دون شيء يكون مني ليوافق ما قبله فمراده أني لا أكتفي بالنسب وأخلو عن استحصال الحمد وابتناء المجد. ومثله: لسنا وإن أحسابُنا كرمت ... يوماً على الأحساب نتكل نبني كما كانت أوائلنا ... تبني ونفعل مثل ما فعلوا وقال الآخر: أنا الفارس الحامي حقيقة وائل ... كما كان يحمي عن حقائقها أبي وقال زهير: وما يكُ من خير أتوه فإنما ... توارثه آباء آبائهم قبل وهل يُنبتُ الخطِّيُّ إلاّ وشيجه ... وتغرس إلاّ في منابتها النخل وقال الملك الراضي من ملوك بني العباس: لا تعذلي كرمي على الإسراف ... ربح المحامد متجر الأشراف أجري كآبائي الخلائف سابقاً ... وأشيد ما قد أسَّسَتْ أسلافي إني من القوم الذين أكفّهم ... معتادة الإخلاف والإتلاف فهذا وأبيك الفخر العلي البنيان، المتأسس الأركان. واعلم أن الناس في هذا الباب ثلاثة: رجل كان أصيلاً ثم قام هو أيضاً يشيد بنيانه ويحوط بستانه، كالذي قبله، فهذا أكرم الناس وأولاهم بكل مفخر، وفيه كان قوله ﷺ : " الكَرِيمُ ابْنُ الكَرِيمِ " كما مرّ، والذروة العليا في هذا الصنف هو نبينا ﷺ ، فإنه كان أصيلاً بحسب النبوءة من عهد إبراهيم وإسماعيل، ثم لم تزل أسلافه في شرف وسؤدد، ومجد مخلد، معروفاً ذلك لهم عند الناس، وأنهم أهل الحرم، وجيران الله، وسَدَنَةُ بيته، مع إكرام الضيف، وإعمال السيف، وغير ذلك من المفاخر العظام، والمآثر الجسام، وقد اختصهم الله بين العرب بالاحترام والتوقير، وجعل لهم رحلة الشتاء والصيف آمنين لا يعرض لهم لص ولا مغير، فأطعمهم من جوع وآمنهم من خوف كما أخبر به تعالى في كتابه، وذكر ذلك بعض بني أسد فقال: زعمتهم أن اخوتكم قريش ... لهم إلف وليس لكم إلافُ أولئك آمنوا جوعاً وخوفاً ... وقد جاعت بنو أسد وخافوا أي أخطأتم في هذا الزعم، لأنكم لستم مثلهم، وقولهم: إلاف مصدر على فعال، يقال آلفته مؤالفة وإلافاً وتآلفاً، وليس من آلفته الشيء إيلافاً كالذي في القرآن. ثم لما جاء المصطفى ﷺ رد بدر شرفهم فجراً، وجدول كرمتهم بحراً، بل جعلهم قرار كل مجد، ومركز كل حمد، وقد أكمل به الله تعالى الدين، فكذلك أكمل به سائر المحامد والمحاسن، قال ﷺ : " بُعِثْتُ لأتَمِّمَ مَكَارِمَ الأخْلاقِ " وهو ﷺ لبنة التمام، فشرفت به قريش خصوصاً والملة كلها عموماً ﷺ ، ومجد وعظم، وقد بين ﷺ هذا كله مع الإشارة إلى التدريج السابق بقوله: " إنَّ اللهَ اصْطَفَى مِنْ ولدِ إبْرَاهِيمَ إسْمَاعِيلَ، واصْطَفَى مِنْ ولدِ إسْمَاعِيلَ بَني كِنَانَةَ، واصْطَفَى مِنْ بَنِي كنَانَةَ قُرَيْشاً، واصْطَفَى منْ قُرَيْشٍ بَني هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي منْ بَني هَاشِمٍ ". ورجل لا أصل له ينتمي إليه، ولا حسب يُعَرِّجُ عليه، ولكن انتهض في اقتناء المآثر، واقتناص المفاخر، حتى اشتهر بمحاسن الخلال، وصار في عداد أهل الكمال، وأنشد لسان حاله فقال: وبنفسي شرفت لا جدودي فهذا أحرى أن يشرف بوصفه وحاله، وأن يشرف به من بعده، وأن يكون هو أساس بيته، وعرق شجرته.

стр. 16

وكان بعض الملوك استدعى رجل ليستوزره، فقال له الرجل: أيها الملك إنه ليس لي في هذا سلف، فقال له الملك: إني أريد أن أجعلك سلفاً لغيرك، وأصاب هذا الملك، فإنه لو توقف كل بيت على بيت قبله لكان من التسلسل الباطل، فالله تعالى يخرج الحي من الميت ويحيي الأرض بعد موتها، ذلك تقدير العزيز العليم، فلم يزل الشرف يتجدد ويحدث بالعلم والولاية والجود وسائر الأوصاف. وقد ارتفع الوضعاء بالشعر كما اتضع الرفعاء به، ولذا قال ﷺ : " إنَّ منَ الشِّعْرِ لَحِكْمَةٌ " وفي رواية: " لَحُكْماً ". فمن الأول: المُحَلَّقُ وهو عبد العزيز بن حنتم الكلابي، وكان رجلاً خاملاً مُقَّلاً من المال، فلما مر به الأعشى ذاهباً إلى سوق عُكاظ قالت له أمه: إن أبا بصير رجل مجدود في شعره، وأنت رجل خامل مقل، ولك بنات، فلو سبقت إليه وأكرمته رجونا أن يكون لك منه خير، فبادر إليه وأنزله ونحر له وسقاه الخمر، فلما أخذت منه الخمر اشتكى له حاله وحال بناته، فقال له ستكفي أمرهن، فلما أصبح قصد إلى السوق فأنشد قصيدته التي أولها: أرقت وما هذا السهاد المؤرق ... وما بي من سقم وما بي معشق إلى أن انتهى فيها إلى قوله في المُحلَّق: نفى الذمَّ عن آل المُحلَّق جفنةٌ ... كجابية السيح العراقي تفهق ترى القوم فيها شارعين وبينهم ... مع القوم ولدان مع الناس دردق لعمري لقد لاحت عيون كثيرة ... إلى ضوء نار في يفاع تحرق تشب لمقرورين يصطليانها ... وبات على النار الندى والمحلَّق وضيعَيْ لبان ثدي أم تحالفا ... بأسحم داج عَوْضُ لا نتفرق ترى الجود يجري سائراً فوق جمره ... كما زان متن الهندواني رونق فما أتم القصيدة إلاّ والناس يسعون إلى المحَلَّق يهنونه، والأشراف يتسابقون إلى بناته، فما باتت واحدة منهن إلاّ في عصمة رجل أفضل من أبيها بكثير. ومن ذلك بنو أنف الناقة، كانوا يتأذون بهذا الاسم ويكرهون ذكره، حتى تعرض بعضهم للحطيئة فأكرمه فمدحهم، وقلب الاسم مدحاً، وفي ذلك يقول: سيري أمامُ فإن الأكثرين حصاً ... والأكرمين إذا ما ينسبونَ أبا قوم إذا عقدوا عقداً لجارهم ... شاءوا العناج وشدوا فوقه الكَرَبا أولئك الأنف والأذناب غيرهم ... ومن يسوي بأنف الناقة الذنبا فصاروا يفتخرون به ويتبجحون بذكره، فهذا كله شرف متجدد بسبب من الأسباب، وقد يزداد الشريف شرفاً بذلك كما وقع لهرم بن سنان المري فإنه كان من سادات قومه، ولكن أخوه خارجة بن سنان أسود منه وأشهر، فلما وقع لزهير من المدائح ما وقع في هرم ازداد شرفاً وشهرة حتى فاق أخاه في ذلك، بل لا يكاد اليوم أخوه يذكر، إلى غير هذا مما يكثر. ومن الثاني بنو نمير، كانوا من جمرات العرب المستغنين بقوتهم وعددهم عن طلب حلف، وكانوا يفتخرون بهذا الاسم ويمدون به أصواتهم إذا سئلوا، إلى أن هجا جرير عبيد بن حصين الراعي منهم بقصيدته التي يقول فيها مخاطباً له: فغضَّ الطرف إنك من نمير ... فلا كعباً بلغت ولا كلابا ولو وضعت شيوخ بني نمير ... على الميزان ما عدلت ذبابا فسقطوا ولم يرفعوا بعد ذلك رأساً، حتى كانوا لا يتسمون بهذا الاسم، فإذا قيل للواحد منهم من أنت؟ قال: عامريّ. ومن أظرف ما وقع في ذلك أن امرأة مرت بقوم منهم فجعلوا ينظرون إليها ويتواصفونها، فالتفتت إليهم وقالت: قبحكم الله بني نمير، ما امتثلتم أمر الله إذ يقول:) قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا منْ أبْصَارِهِمْ (ولا قول جرير إذ يقول: فغضَّ الطرف إنك من نمير ومن ذلك بنو العجلان، كانوا يتفاخرون بهذا الاسم لأن جدهم إنما قيل له العجلان لتعجيله القرى للضيفان حتى هجاهم النجاشي فقلب الاسم ذماً، وفي ذلك يقول: قُبَيِّلَة لا يخفرون بذمة ... ولا يظلمون الناس حَبّة خردل ولا يردون الماء إلاّ عشية ... إذا صدر الوُرَّاد عن كلِّ منهل تعاف الكلاب الضاريات لحومهم ... وتأكل من كعب بن عوف ونهشل وما سمي العجلانَ إلاّ لقولهم ... خذ القَعْبَ واحلب أيها العبد واعجل

стр. 17

فتنكروا من هذا الاسم، وجعل الواحد منهم إذا سئل يقول: كعبي مخافة أن يسخر منه ولهم معه في ذلك قصة مشهورة بين يد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁. ثم قد يفيض شرف الإنسان حتى يستطيل على من قبله من سلفه فتَحْيا رسومهم بعدما كانت دائرة، وتعمر ربوعهم بعدما كانت غامرة، والذروة العليا أيضاً فيمن عاد شرفه على من قبله هو نبينا محمد ﷺ كما مرّ شرحه. وقد أشار إليه ابن الرومي بقوله: قالوا: أبو الصقر من شيبان قلت لهم ... كلاّ لعمري ولكن منه شيبان تسمو الرجال بآباءٍ وآونَةٍ ... تسمو الرجال بأبناءٍ وتَزْدان وكم أبٍ قد علا بابن ذُرى حسب ... كما علت برسول الله عدنان وادعى هذا الوصف أبو الطيب فقال: ما بقومي شرفت بل شرفوا بي ... وبنفسي افتخرت لا بحدودي أما شرفه هو في بابه فلا ينكر، وأما شرف قومه به فالشعر أعذبه أكذبه، وإلاّ فالحكم على الشيء فرع تصوره، نعم، كان من عادة العرب أنه إذا نبغ شاعر في قوم اعتزوا به، واحتموا عن الشعراء، فلو تحقق لأبي الطيب قوم لكانوا كذلك. ورجل له أصل وقديم شرفٍ ثم لم يبنه ولم يجدده، وهو إما أن تخفى عوامله فلم يبن ولم يهدم، مع أنه بالحقيقة من لم يكن في زيادة فهو في نقصان، والمراد أن يرجع إلى غمار الناس فلا يحدد المآثر، ولا يخرج إلى المعايب، فهذا لا فضيلة له إلاّ مجرد النسب والفخر العظاميّ كما مر، وإما أن يهدمه بملابسة ضد ما كان أولاً، فهذا بمنزلة من هدم الدار ثم حفر البقعة أيضاً فأفسدها، فهذا مذموم بما جنى على نفسه وبما جنى على حسبه ونسبه والذروة العليا في هذا الصنف اليهود والنصارى ونحوهم، فقد هدموا أنسابهم وأحسابهم بشر الخصال، وهو الكفر، نسأل الله العافية. ومن هذا النمط من يخلف آباءه الصالحين بالفسق وكثرة الرغبة في الدنيا والكبر والدعوى وغير ذلك من القبائح كما هو شأن كثير من أولاد الصالحين في زماننا نسأل الله العافية، وفي هذا الصنف قيل: لئن فخرت بآباء لهم شرف ... لقد فخرت ولكن بئس ما ولدوا وقال لبيد: ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خَلْفٍ كجلد الأجرب وقال الآخر: ذهب الرجال المقتدى بفعالهم ... والمنكرون لكل أمر منكر وبقيت في خَلْفٍ يزيِّن بعضُهم ... بعضاً ليست مُعْوِرٌ عن مُعْوِرِ الرابع - قد يقال فيما ذكرناه من النسب: إنه من النسب الطويل وهو عيب ويذم بضده وهو النسب القصير قال الشاعر: أنتم بنو القصير، وطولكم ... باد على الكبراء والأشراف والنسب القصير هو أن يقول: أنا فلان ابن فلان، فيعرف لكون أبيه أو جده الأدنى من الأعيان، والطويل هو ألاّ يعرف إلى رأس القبيلة. والجواب أولاً أننا لم نذكر النسب افتخاراً حتى يعرض على هذا المقياس، وإنما ذكرناه لاحتياج إليه في المصالح الدينية والدنيوية عند أهله وثانياً أن كون الإنسان من الأعيان أمر إضافي كما مرّ أنه قد يكون من أعيان عشيرته أو قومه وهو الأغلب، وقد يكون من أعيان عمارته أو إقليمه أو جيله، وهو عزيز الوجود، ولا شك أن شرف الإنسان واشتهاره باعتبار عشيرته أو قومه إنما يعرف فيهم ولا يضيره ألاّ يعرفه غيرهم، لأن سادات العرب لا يعرفهم العجم، ولا العكس، وكذا فيما بين العرب غالباً، وقال الشاعر: طويل النجاد رفيع العما ... د ساد عشيرته أمردا وقال الآخر: ليس العبيّ بسيد في قومه ... لكنّ سيد قومه المتغابي ولم يخرج عن هذه الإضافة الملوك كما قال النابغة: وللحارث الجفنيّ سيد قومه ... ليبتغين بالجيش دار المحارب وقالت هند بنت عتبة ﵂ لمن قال لها في ابنها معاوية ﵁: أرجو أن يسود قومه: ثكلته إن كان لا يسود إلاّ قومه، وذلك أنها سمعت قبل ذلك من الكهان أنها تلد ملكاً اسمه معاوية في قصة مشهورة. إذا تقرر هذا فالمنتسب معروف النسب قصيره، بحمد الله في قومه، وهو من صميمهم، وإنما رفعه ليعرف على ما تشعب عنه من الفصائل والبطون، وليعرف انقطاعه عند دخول القرى وغير ذلك من الفوائد التي مرت. وأما ذكري لما مرّ من الكنى فلجريانها على ألسنة فضلاء مع التفاؤل ورجاء تحقق ما له معنى منها.

стр. 18

أما أبو علي، وهو كنية الحسن المشهورة، فكناني بها شيخ الإسلام الإمام الهمام أستاذنا وقدوتنا أبو عبد الله سيدي محمد بن ناصر الدرعي ﵁ وعنا به. وكنت وردت عليه في أعوام الستين والألف بقصد أخذ العلم، فامتدحته بقصيدة قدمتها بين يدي نجواني، فانبسط إليّ بحمد الله، وافتتحنا بكتاب التسهيل فلما قرأنا الخطبة دخل مسروراً فكتب إليّ: أبا علي جزيت الخير والنعما ... ونلت كل المنى من ربنا قسما يا مرحباً بك كل الرحب لا برحت ... قرائح الفكر منك تجني حكما ولم أزل بحمد الله أتعرف بركة دعائه وإقبال قلبه إلى الآن، نسأل الله تعالى أن لا يزايلنا فضله ورحمته حتى نلقاه آمين. وقال ابن عمنا الفاضل البارع أبو سعيد عثمان بن علي اليوسي ﵀ من أبيات: نمسي عشية قيل مرّ أبو علي ... مثل الرياح إذا تمرّ بأَثْأَبِ ولم يزل الشيخ ﵁ يأمرني بذلك إلى أن توفاه الله في رسائله ومخاطبته وعند ذكري. وأما البواقي فكناني بها فضلاء من الإخوان في رسائلهم: ونحوت في ذلك منحى السيد خير النساج وكان اسمه محمد بن إسماعيل، فلما وقعت عليه المحنة وألقي عليه شُبه خير مملوك لرجل نساج فقبض عليه وأدخله ينسج ويخاطبه بهذا الاسم، فلما كشفت عنه المحنة وخرج ترك هذا لاسم على نفسه، فقيل له: ألا ترجع إلى اسمك؟ فقال: ما كنت لأغير أو لأترك اسماً سماني به رجل مسلم. واعلم أن لهذا السيد في التزام هذا الاسم المذكور أوجهاً منها: أنه تسليم لأنه شاهد فعل الله تعالى، فلما ألقى الله تعالى عليه الاسم لم يبق له اختيار في التعرض له. ومنها: أنه يستشعر من مولاه تعالى أنه أدبه بجعله عبداً مملوكاً وتسميته باسمه، وضربة المحبوب تستلذ. ومنها: أنه يتذكر العبودية وذلتها، وهذه الطائفة قد صارت الذلة شرابهم ونعيمهم. ومنها: أنه يذكر به العقوبة فيذكر الهفوة ليتحرر منها. ومنها: أنه يبقى عليه الاسم ليبقى عليه ذكر الهفوة والعقوبة هضماً لنفسه وإرغاماً لها. ومنها: التفاؤل بهذا اللفظ فإنه على أصله، وهو ضد الشر، وعلى أنه مخفف من التشديد فهو ذو الخير، وكيف أترك أنا كنية كناني به رجل من أفاضل المسلمين ولا سيما إن تضمنت معنى حسناً. لله الأمر من قبل ومن بعد رؤيا والد المؤلف ودعوة أستاذه ولما كان القصد في هذا الموضوع إلى ذكر المحاضرات بنوادر الفوائد مما اتفق لي خصوصاً أو لغيري عموماً وجب أن ينخرط في سلك ذلك ما وقع في شأني حال الولادة لأنه أول الرحلة إلى هذه الدار مع ما انضاف إليه مما يكون له مصداقاً أو يرجى خيره ويذكر على وجه التبرك والتفاؤل أو التحدث بالنعم، وفيه مسرة المحب ومساءة البغيض فأقول: إني أرجو أن أكون إن شاء الله تعالى رؤيا والدي ودعوة أستاذي؛ أما رؤيا الوالد فاعلم أن أبي مع كونه رجلاً أمياً كان رجلاً متديناً مخالطاً لأهل الخير محباً للصالحين زَوّاراً لهم، وكان أُعْطِيَ الرؤيا الصادقة وأعطي عبارتَها، فيرى الرؤيا ويعبرها لنفسه، فتجيء كَفَلَقِ الصبح، وكان مما رأى وتواتر الحديث به عنه في العشيرة ﵀ أن قال: رأيت عينيْ ماء إحداهما لي، والآخر لعلي بن عثمان، وهو والد ابن عمنا الأديب البارع أبي سعيد عثمان بن علي ﵀، غير أن عين علي كنا نسقي بها في بلدنا وعيني خرجت إلى ناحية أخرى. وزعموا أنه قال: وكانت العين التي هي لي أقوى ماء وأكثر فيضاً ثم فسر ذلك بمولودين ينتفع بهما.

стр. 19

فولد أبو سعيد المذكور فانتفع ونفع حتى مات ﵀، وظهر أنه العين المذكورة لأبيه، وولدت أنا أيضاً، وقد كان لي أخوان أسن مني فماتا أميين رحمهما الله، فأرجو أن أكون تلك العين، وقد اتفق خروجي عن البلد كما قال ﵀، وكنت بعد ذلك حين ارتحلت في طلب العلم إلى ناحية السوس الأقصى غيبت عن الوالد ﵀ أعواماً لا يدري أين أنا؟ فلما قفلت حدثني ﵀ فقال: لما ضقنا من غيبتك رأيت كأن الناس يتجارون خلف فرس أشقر ليقبضوه، فجئت إليه أنا فأمسكته بلجامه، فلما استيقظت قلت للناس: إن الحسن ابني سيأتي وأجتمع به فكان ذلك، والفرس الأشهب عند المعبرين اشتهار بشرف وذكر، وقد حصل لي ذلك بحمد الله، نسأل الله سبحانه أن يكمل ذلك لنا وله ولسائر الأحباب بالفوز يوم الحشر والرضوان الأكبر، بجاه نبيّه المصطفى المبعوث إلى الأسود والأحمر، ﷺ وعلى آله وصحبه المجلين في كل مفخر. وأما دعوة أستاذي، وهو شيخ الإسلام، وعلم الأعلام، أبو عبد الله سيدي محمد بن ناصر، رحمه الله تعالى ورضي عنه، فهي تلك بعينها، وكان من حديثي معه في ذلك أنه لما تهيأ للتشريق في حجته الثانية أرسل إلي في حاجة أقضيها له مما يتعلق بسفره ذلك، وأنا إذ ذاك بالزاوية البكرية، فقضيت ذلك بحمد الله وسافرت به إليه حتى بلغته، فلقيني بترحيب، ورأيت منه بحمد الله إقبالاً خارجاً عن المعتاد حتى إنه متى ذكرت ذلك إلى اليوم يغشاني خجل وإشفاق على نفسي، وأقمت معه حتى شيعته لوجهته إلى أن جاوزنا سجلماسة بمرحلة، فرجعت إلى داري، ولما كنت ببعض الطريق ألهمت الدعاء له فاتخذت الدعاء له بعد أوراد الصبح وردا، فلما قفل من الحج ذهبنا إليه لنسلم عليه، فخلوت به يوماً وجعلت أطلب منه وأطلب، فقال لي ﵀: أما الدعاء فإني في سفرتي هذه ما دخلت مقاماً ولا مزارة، ولا توجهت إلى الدعاء لأحد إلاّ جاء بك الله تعالى في لساني أولاً، ثم لا أدعو لك إلاّ بهذا الدعاء: اللهم اجعله عيناً يستقي منها أهل المشرق وأهل المغرب، قال: حتى كنت أتعجب في نفسي وأقول: سبحان الله! بماذا استحق هذا الرجل هذا؟ ولمل صنفت القصيدة الدالية في مدحه وتهنئته بالحج أدخلها إليه ولده الفقيه الناسك الفاضل أبو محمد عبد الله بن محمد فخرج إلي وقال: يقول لك الشيخ: جعلك الله عيناً يستقي منها أهل المشرق وأهل المغرب، وشمساً يستضيء بها أهل المشرق وأهل المغرب، وهذا اللفظ يحتمل الدعاء والخير، نسأل الله تعالى أن يحقق لنا نحن وللمسلمين ذلك آمين. ومن هذا ما كلمه جماعة من فقراء العرب وأنا حاضر معهم فقال لهم يشير إليّ هذا شمسكم، هذا ضوءكم، وهذا كله أصرح مما حكى تاج الدين بن عطاء الله عن شيخه القطب العارف أبي العباس المرسي ﵄ قال: جاء الشيخ مرة من سفر، فلقيناه فدعا لي وقال: فعل الله لك وفعل، وبهاك بين خلقه قال: ففهمت يعني من قوله وبهاك بين خلقه أني مراد بالظهور إلى الخلق. وأعلم أن مواطأة دعوة الشيخ ﵁ لرؤيا الوالد، مع كونه لم يحضر لذلك ولم ينقل إليه، من عجيب الاتفاق. قد ذكرت هنا ما وقع في الحديث عن أصحاب النبي ﷺ أنهم قالوا له: يا رسول الله عليه أخبرنا عنك فقال لهم: " أنا دعوة أبي إبراهيم ﵇، ورؤيا أمي ". تنبه أيها الناظر، فإياك أن يختلج بفهمك، أو يخطر بوهمك، أني أنزع بهذه الحكاية قصداً إلى المحاكاة، معاذ الله، فإن درجات الأنبياء لا تنبغي لغيرهم، ولا يصل أحد إلى مزاحمتها، فكيف بسيد الأنبياء؟ صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين وعلى آله وعلى آل كل ثم إياك أيضاً أن تتوهم أن لا نسبة ولا نسب ولا شبهة ولا شبه فتقع في الغلو من الطرف الآخر، وقد قال ﷺ " خَيْرُ الأمُورِ أوْسَطُهَا " ولا بد لهذا من تقرير فنقول:

стр. 20

إن الله جل اسمه، وهو الذي لا مثل له ولا نظير، ولا شبه ولا وزير، قد شرع لعباده التعلق بأسمائه الحسنى، ثم شرع لهم أيضاً التخلق بها في الجملة حتى إذا علمنا مثلاً أن الله تعالى حليم انتهض العبد في التحلي بالحلم فيكون حليماً، كذا إذا علمنا أنه تعالى عليم أو وهاب أو صبور أو شكور انتهض العبد في الاتصاف بالعلم وبالجود وهكذا حتى يكون عليماً وهاباً ومعلوم أن حلم العبد ليس كحلم الله وهكذا، ولكن له به نسبة هي توجب قرب العبد من الله تعالى في المعنى ومن هذا حديث " خَلَقَ اللهُ آدَمَ عَلىّ صُورَتِهِ " أي خلقه حيّاً عالماً قديراً، وليس كالجمادات والحيوانات العجماوات، وبهذا تأهل لأن يكون عبد الحضرة دونها. ثم إن العباد المختارين يرضون لرضى الله، ويغضبون لغضبه، ويشتدون لأجله، ويلينون لأجله، وهكذا في سائر الأحوال والأفعال، قال تعالى في أصحابه ﷺ ورضي عنهم:) أشدّاءُ عّلى الكُفّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ (وقال أيضاً:) أذِلّةٍ عَلى المُؤمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلىَ الكَافِرِينَ (وهو مسايرة ومشايعة في الأفعال والأحوال، وذلك شأن عبيد الملك، وإذا كان هذا في حق الله تعالى ففي حق الأنبياء أقرب وأيسر، فلا إشكال في صحة تعاطي أوصافهم وأخلاقهم وأفعالهم وسائر أحوالهم وإن لم تكن في ذلك مشابهة ولا مزاحمة للنبوءة، بل اتباع واقتباس وشبه توجب لصاحبها أيضاً القرب منهم، ولهذا قيل في الوارث: إنه من كان على قدم النبي ﷺ أي متحققاً في الاقتداء به قولاً وفعلاً وحالاً، وقال ﷺ : " الرُّؤْيّا الصالِحَةُ مِنَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ جُزْءٌ مِنْ سِتَةٍ وترجمة ابن الجوزي أرْبَعِينَ جُزْءاً مِنَ النُّبُوءةِ " فقد علم من لفظ الحديث أن الرؤيا الواقعة من غير النبي لعموم لفظ الصالح قد أخذت بنسبة من النبوءة، فهي منها غير أنه لقلة النسبة لا تقع بها مزاحمة، وقال الشيخ أبو يزيد ﵁: مثل ما أعطي الأنبياء مثل زق مملوء ماء أو عسلاً، ومثال ما أعطي الأولياء كلهم مثال قطرات تقطر من ذلك الزق، فانظر في هذا المثال فإن القطرات هي من ماهية ما في الزق قطعاً، ولكنها لقلتها جدّاً لا تقع بها مزاحمة، ولم يزل أهل الدين من العلماء العاملين والمجاهدين السالكين والواصلين العارفين يأخذون أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم من أحوال الأنبياء عموماً وحال نبينا ﷺ خصوصاً، وهذا هو الشأن كله. وقد يقع لهم مما هو في معنى الاقتباس والإشارة والتمثيل ما يزيد على هذا كما قال الشيخ أبو مدين ﵁ لأبي عمران موسى ابن يدراسن الحلاّج حين توجه إليه: " فإن أمن العرب " فأنت موسى وأنا شعيب، وإن موسى لما بلغ شعيباً أمن. ومن هذا ما وقع له ﵁ في القرآن وقد دخل عليه رجل من أهل الإنكار والمصحف بين يديه فقال للرجل: ارفع المصحف وافتحه وانظر إلى أول ورقة منه فإذا فيها:) الّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَانُوا هُمُ الخَاسِرِينَ (. ومن هذا النمط كان ﵁ يقول: لا يكون المريد مريداً حتى يجد في القرآن كل ما يريد. وقال الشيخ أبو العباس المرسي ﵁ في شأن ابن عطاء الله الفقيه جد الشيخ تاج الدين: إن النبي ﷺ يوم ثقيف جاءه ملك الجبال فقال له: ما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين؟ فقال ﷺ : بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئاً، قال فكذلك صبرنا لجد هذا الفقيه لأجل هذا الفقيه يعني تاج الدين إلى غير هذا مما يكثر. فما وقع من الحكاية بعد أن يكون قصد به اقتباس وضرب من المناسبة يكون كل شيء مما مرّ، وإلاّ فهو استطراد للعلم وتذكير بفائدة، وقد يقال على أنه مما مرّ، فأين منزلتك أي هذا المتشبع بما لم يعط من درجات الشيخين المذكورين ونحوهما حتى يصح منك ما صح منهم؟ فنقول: إذا انفصلنا من جانب النبوءة بخير فقد خرجنا عن مضيق الممتنع إلى فضاء لجائز، وهو رحب، ومن تشبّه بقوم فهو منهم كما قيل: لم أكن للوصال أهلاً ولكن ... أنتمُ بالوصال أطعمتموني لله الأمر من قبل ومن بعد تقلبات الدهر

стр. 21

كان الشيخ الصالح أبو محمد الحسين بن أبي بكر ﵀ ينشدنا كثيراً تحريضاً على جميل الصبر، وتعريفاً بتقلبات الدهر، ونحن إذ ذاك صبيان قول الشاعر: ثمانية تجري على الناس كلهم ... ولا بد للإنسان يلقى الثمانيه سرور وحزن واجتماع وفرقة ... ويسر وعسر ثم سُقْمٌ وعافيه ونحو قول أبي الطيب: على ذا مضى الناس اجتماع وفرقة ... وميْتٌ ومولود وقالٍ ووامق فهذه أحوال تعرض لابن آدم على التوارد، لا يسلم منها في الجملة، ولا تنحصر لبقاء العز والذل والقوة والضعف والحركة والسكون، وغير ذلك مما لا يحصى، وكثير منها يصلح رده إلى ما ذكر بضرب من التأويل، ولو اشتغلنا بتفصيل ذلك وشرحه لغة واصطلاحاً لطال واحتاج إلى ديوان وحده أو أكثر، فلنقتصر على الإجمال مع الإلمام. فالأول وهو السرور والحزن فنقول: هما مترتبان على المحاب والمكاره، ومن المحبوب فوات المكروه ومن المكروه فوات المحبوب، والإنسان لا يخلو من أن يظفر بمحبوب فيسر به أو يفوت فيحزن، وفي الحديث عن عائشة ﵂ قالت: كان ﷺ يوماً في البيت يعمل عملاً فنظرت إلى وجهه ﷺ ، وهو يتهلل أو كما قالت، فقلت يا رسول الله أنت والله أحق بقول أبي كبير، تعني الهذلي: ومُبَرَّأٍ من كلِّ غُبَّر حيضة ... وفساد مرضعة وداءٍ مُغْيِلِ وإذا نظرت إلى أسِرَّة وجهه ... برقت كبرق العارض المتهلل قالت: طرح ما في يدي وأخذني وقبل ما بين عيني وقال ﷺ : يا عامر ما سررت بشيء كسروري بك. وقد ذكر القصة في الإحياء، وقال ﷺ يوم فتح خيبر، وقد قدم عليه جعفر ابن أبي طالب ﵁ فعانقه: لا أدري بمَ أُسَرّ أبفتح خيبر، أم بقدوم جعفر؟ وقال ﷺ يوم مات ابنه إبراهيم: " العَيْنُ تَدْمَع، وَالْقَلْبُ يَحْزَن، وَلا نَقُول إلاّ مَا يُرْضي رَبَّنَا، وإنّا بِفِرَاقِكَ يَا إبْرَاهِيمُ لَمَحْزونُونَ ". ثم الإنسان في أيام دهره لا يكاد يخلو من سوء، فإن الدنيا دار بلاء ومحنة، ولا سيما في حق المؤمن الذي هي في حقه سجن، فقد قال الله تعالى:) وَلْنَبْلُوَنَّكُمْ حتّى نَعْلَمَ المُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ (. وقال الله تعالى:) الم، أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، فَلْيَعْلَمَنَّ اللهُ الّذِينَ صَدَقُوا وَلْيَعْلَمَنّ الكَاذِبِينَ (وقال تعالى:) وَلْنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ وَالجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأمْوَالِ وَالأنْفُسِ وَالثَمَرَاتِ (وقال تعالى:) لَتُبْلَونَّ في أمْوَالِكُمْ وَأنْفُسِكُمْ وَلْتَسْمعُنَّ مِنَ الّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنْ الَذِينَ أَشْركُوا أذى كَثِيراً (إلى غير ذلك. وقال ﷺ : " أشَدَّكُمْ بَلاءً الأنْبِيَاءُ ثُمَّ الأمْثَلُ فَالأمْثَلُ ". وقال الشيخ أبو القاسم الجنيد ﵁: أصلت لنفسي أصلاً فلا أبالي بعده، وهو أني قدرت أن هذا العالم كله شر، ولا يلقاني منه إلاّ الشر، فإن لقيني الخير فنعمة مستفادة، وإلاّ فالأصل هو الأول. ومن غريب ما اتفق في هذا المعنى أن بعض الملوك نظر في كتاب الحكمة فإذا فيه: إن الدهر لا يخلو من المصائب، وإنه لا يصفو فيه يوم من كدر فقال: لأكذبن هذا. وأعد ليلة لسروره. وأحضر فيها كل ما يحتاج، وكانت عنده جارية حظية هي مجمع لذته، ومنتهى أنسه، فأحضرها لذلك، وأمر أن تصرف عنه الصوارف وتقطع عنه الأشغال ليتفرغ لمتعته وأنسه، ويقضي الأرب كله من هوى نفسه، فحين أمسى كان أول ما قرب للجارية العنب، فأخذت حبة وجعلتها في فيها فغصت بها، وكان ذلك آخر العهد بها. فلم يرَ الملك أمرّ من تلك الليلة، ولا مصيبة ولا هما ولا حزناً أفظع مما فيها فسبحان القاهر فوق عباده، الغالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. مقام الشكر ومقام الصبر عند الصوفية العارفين

стр. 22

هذا ومتى تأمل العبد أحواله، واستقرأ عوارضه، وجد لطف الله تعالى أغلب، ونعمته عليه أوسع، قال تعالى:) الله لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ (وقال تعالى:) وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصوهَا (، وفي الخبر: " يَقُولُ الله تَعَالَى: إنَّ رَحْمَتي سَبَقَتْ غَضَبي ". ولا يشك العاقل أن أيام البلاء أقل من أيام العافية، وأوقات العسر أقل من أوقات اليسر وهكذا. وقد قال الله تعالى في قصة آل فرعون:) فَإذَا جَاءتْهُمُ الحَسَنَة قَالُوا لَنَا هَذِهِ (الآية. ثم لا يخلو وقت من لطف، ولذا قال أئمة التصوف رضوان الله عليهم: العارف من عرف شدائد الزمان في الألطاف الجارية. ثم المؤمن كما في الحديث كله بخير، إن أصابه الخير شكر الله تعالى فكان له خيراً، وإن أصابه شر صبر فكان خيراً له. وقال بعض العارفين: الناس كلهم في مقام الشكر، وهم يحسبون أنهم في مقام الصبر. وبيان هذا من أوجه: الأول - أن موجب الشكر وهو النعمة أغلب، والحكم للأغلب. الثاني - أنه ما من شر وبلاء يصيب العبد إلاّ وفي مقدور الله تعالى من البلاء ما هو أفظع منه قد صرفه الله تعالى، فيجب الشكر على الاقتدار على ما وقع. الثالث - ما يفيده البلاء من رياضة النفس وتشجيعها للنوائب وإخماد سَوْرَتِها والنجاة من طغيانها وما يجر إليه من البلاء ديناً ودنيا، وتربية العقل بتعريفه تقلبات الدهر وفتح البصيرة في الأمور وهذه الأوجه عامة في المؤمن وغيره. الرابع - ما يحصل بالبلاء في الدنيا من مزيد المعرفة بالله تعالى وقهره وقوته وبطشه وفي الآخرة من الأجر العظيم. الخامس - ما يحصل للنفس من الخشوع لخالقها والانفكاك عن المعصية. السادس - سلامة ثوابه من شوب الرياء وما يفسده إذ لاحظ للنفس فيه فهو خير قد دخل عليها بلا تعمل، فالشكر عليه أحق، إلى غير ذلك من الفوائد التي يطول تعدادها، فمن علم ذلك كان البلاء عنده محل الشكر فصار في مقام الشكر على كل حال. لله الأمر من قبل ومن بعد الشجرة الخضراء في المدينة الحالية: سجلماسة كان بسجلماسة أيام ارتحلنا إليها للقراءة زمان الصبا شجرة يقال لها الشجرة الخضراء مشهورة في تلك البلاد وفي سائر بلاد القبلة، وهي قدر الزيتونة أو السدرة الكبيرة، وورقها يقرب من ورق السدر، وسبب شهرتها أنها غريبة الشكل دائمة الخضرة وغريبة في محلها لأنها في البلد وليست من شجر البلد، وهي منفردة ليس معها شجر أصلاً، وكانت نابتة خارج سور المدينة الخالية بينه وبين النهر قبالة الرصيف الذي يعبر عليه لناحية الزلاميط، ويقال: إن ذلك باب من أبواب تلك المدينة، والله أعلم. ثم إن الأستاذ الفاضل أبا يزيد عبد الرحمن بن يوسف الشريف بعث إليها جماعة من الطلبة فقطعوها، وكان ذلك يوم الخميس، وكنت جئت من ناحية المراكنة ذلك اليوم قصداً إلى سوق الخميس، فلما بلغت إلى الشجرة وجدت الطلبة حين بلغوا إليها بقصد قطعها فقعدت حولها أنظر، فلما انفصل أهل السافلة من السوق وكانت طريقتهم كان كل من يمر فيراها تقطع يصيح ويتأسف ويقول: ما فعلت لكم المسكينة؟ وكان أهل سجلماسة لما استغربوا أمرها يزورونها، ولا سيما النساء، فيكثرون عليها من تعليق الخيوط ويطرحون الفلوس أسفلها، وربما تغالت النساء في تعظيمها والتنويه بشأنها حتى يسمينها باسم امرأة صالحة كالسيدة فاطمة ونحو ذلك، فلهذا أمر الأستاذ المذكور بقطعها وكأنه يرى أنها صارت ذات أنواط كما قال الشيخ أبو العباس المرسي ﵁، فذكرناها نحن للتنبيه على ذلك، فإن عوام الناس أكثروا عليها منذ عقلنا حتى كانوا ينسبون إليها من ترهات الأراجف نحو قولهم: قالت الشجرة الخضراء: هذا زمان السكوت، من قال يموت، فليعلم الناظر أنها إنما هي شجرة لا تضر ولا تنفع، ولا تبصر ولا تسمع، ومثلها أحق أن يقطع. ومن هذا نسيت شجرة بيعة الرضوان حتى لم يثبت عليها الصحابة الذين كانوا تحتها فضلاً عن غيرهم، وذلك مخافة أن تعبد.

стр. 23

وسمعت الفاضل الناسك البكري بن أحمد بن أبي القاسم بن مولود الجاوزي ﵀ يحدث عن أسلافه أن شيخ المشايخ أبا القاسم الغازي ﵁ ونفعنا به كان يقول لهم: إنه نزلت عليه القطبانية تحت شجرة ببلد أجاوز، فيقولون له: يا سيدنا لِمَ لمْ ترنا تلك الشجرة، فيقول خفت أن تتركوا السبع وتعبدوا النغورة أي مغارته أي يتركونه فلا ينتفعون به ويشتغلون بالشجرة. وكانت بقرب تاغية مقام الشيخ أبي يعزي شجرة من أحجار يقال له: البقرة، وكل ذلك حقيق بالإزالة، غير أن العالِم سيفُه لسانُه، وما وراء ذلك إنما هو لأهل الأمر، ومن له قدرة على الأمر. نعم، التبرك بآثار الصالحين مع صحة العقيدة لا بأس به، وله أصل في فعل الصحابة رضوان الله عليهم، فقد كان ابن عمر ﵄ يدير راحلته حيث رأى النبي ﷺ أدارها ويتحرى الأماكن التي صلى فيها ﷺ ، وذلك مذكور في الصحيح وفيه قيل: خليلي هذا ربع عزة فاعقلا ... قلوصيكما ثم ابكيا حيث حلت ولا تيأسا أن يمحو الله عنكما ... ذنوباً إذا صليتما حيث صلت ورأيت في بلاد المصامدة وخصوصاً بلاد رجراجة من هذا كثيراً بقي عندهم موروثاً خلفاً عن سلف عندما يدورون على صلحائهم زائرين، ولما حضرت معهم في الدور في هذه السفرة التي بدأت فيها هذه الأوراق، وذلك سنة خمس وتسعين وألف لم أوافقهم في فعل كثير مما يفعلون من ذلك مخافة أن يتخذني العوام حجة فيتغالون في ذلك، ومع ذلك لم أخل نفسي من التبرك بأمور قريبة لا بأس فيها. وفي بلاد المغرب مواضع اشتهرت بآثار الصالحين ووقع التغالي فيها، منها شالة في رباط سلا، فلا يعرف لها إلاّ أنها مزارة يزورها الناس ويتبركون بمن فيها، ولم يظهر فيها بهذا العهد إلاّ يحيى بن يونس، وهو مشهور عند الناس، ولا تعرف له ترجمة، وملوك بني عبد الحق، وهم معروفون، ولا بأس بهم، وكل ما يذكر فيها مما سوى ذلك ويوجد في بعض الأوراق المجعولة من الأخبار فلا يعرف له أصل ولا يعول عليه. ومنها ميسرة في بلاد ملوية حيث مدفن الشيخ أبي الطيب بن يحيى الميسوري، ويقال لها تامغروات قد اشتهرت عند الناس، وتوجد فيها أخبار وأحاديث في الأوراق وألسنة الناس، وسألت عن ذلك بعض أولاد الشيخ المذكور وهو الفاضل أبو عبد الله محمد بن أبي طاهر عند نزولنا عليه فقال: ما ثبت عندنا في هذا الموضع إلا أنه كان رابطة لأسلافنا يتعبدون فيه، فقلت له: نعم الوصف هذا، فإن متعبد الصالحين حقيق أن يتبرك به، فهذا أيضاً غاية ما يثبت في الموضع وما وراء ذلك لا يلتفت إليه. ومنها رباط شاكر وهو مشهور، وكان مجمعاً للصالحين من قديم، ولا سيما في رمضان، يفدون إليه من كل أوب، حتى حكى صاحب التشوف عن منية الدكالية ﵂ أنها حضرت ذات مرة في رباط شاكر فقالت لبعض من معها: إنه حضر هذا العام في هذا الرباط ألف امرأة من الأولياء، فانظر إلى عدد النساء فكيف بالرجال! فلا شك أن هذا الموضع موضع بركة ومجمع خير، ولكن لم نقف من أمره إلا على ما وقع في التشوف من أن شاكراً ذكر أنه من أصحاب عقبة بن نافع الفهري وأنه هنالك، وأن يعلى بين مصلين الرجراجي بناه، وكان يقاتل كفار برغواطة، وغزاهم مرات، وأن طبله هو الباقي هنالك إلى الآن، والله أعلم. ولم يظهر فيه في العهد من مشاهد الصالحين إلا أبو زكرياء المليجي، والله أعلم. لله الأمر من قبل ومن بعد محتالون يظهرون الصلاح ويخدعون الناس مما وقع بسجلماسة قريباً من هذه القصة أنه شاع في البلد ذات ليلة أنه قد ظهر رجل في المدينة الخالية، فأصبح الناس يهرولون إليه أفواجاً، وخرجنا مع الناس فقائل يقول: ولي من أولياء الله، وآخر يقول: صاحب الوقت، فلما بلغنا المدينة وجدنا الخلق قد اجتمعوا من كل ناحية على ذلك الرجل حتى أن أمير البلد وهو محمد بن الشريف خرج في موكب حتى رآه فلما كثر الناس اشتد الزحام عليه وتعذرت رؤيته، دخل في قبة هناك في المقابر فاخرج كفه من طاق في القبة فجعل الناس يقبلون الكف وينصرفون، وكان كل من قبل الكف اكتفى ورأى أنه قضى الحاجة فقبلناه وانصرفنا، ثم بعد أيام سمعنا أنه ذهب إلى ناحية الغرفة، وأنه سقط في بئر هنالك ومات، فظهر أنه رجل مصاب، وكأنه يشتغل باستخدام الجان ونحو ذلك فهلك.

стр. 24

وإنما ذكرنا هذا ليعلم وينتبه لمن هذا حاله، فكم تظاهر بالخير من لا خير فيه من مجنون أو معتوه أو موسوس أو ملبس، فيقع به الاغترار، للجهلة الأغمار. ما أنت سار غرّه قمر ... ورائدٍ أعجبه خضرة الدمَنِ وقد يشايعه من هو على شاكلته من الحمقى ومن الفجار، وشبه الشيء منجذب إليه. إن الطيور على أجناسها تقع فيغتر الأغبياء بذلك إلا من عصمه الله. وقد صعدت في أعوام الستين وألف إلى جبل من جبال هسكورة فإذا برجل نزل عليهم من ناحية الغرب، واشتهر بالفقر، وبنى خباء له وأقبل الناس عليه بالهدايا والضيافات، وكان من أهل البلد فتى يختلف إليه ويبيت عنده، فاستراب من أمره بعض الطلبة، فتلطف مساء ليلة حتى ولج الخباء، فكمن في زاوية منه فلما عسعس الليل قام المرابط إلى الفتى فاشتغل معه بالفاحشة، نسأل الله العافية، ثم علم أن قد علموا به فهرب، وبلغ الخبر إلى اخوة الفتى فتبعوه، ولم أدر ما كان من أمره، ومثله كثير. ومن أغرب ما وقع من هذا أيضاً بسجلماسة ما حدث به أخونا في الله الولي الصالح أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن علي بن طاهر الشريف المعروف بابن علي ﵁ قال: ما لعب بإخواننا يعني أشراف سجلماسة إلاّ رجل جاءهم في البلد واتَّسم باسم الصلاح، ووقع الإقبال عليه، فكان يأتيه الرجل فيعده بأن يبلغه إلى مكة ويحج به طرفة عين، واستمر على ذلك مدة، ثم قام نفر من الأشراف اتفقوا على اختباره، فكمنوا قريباً منه، وتقدم إليه أحدهم وعنده نحو خمسين مثقالاً فقال له: يا سيدي إن هذه الصلاة تثقل علي، فعسى أن ترفعها عني، وأفرغ تلك الدراهم بين يديه، وكأنه هش لذلك، فبادره الآخرون قبل أن يستوفي كلامه وأوجعوه ضرباً وطردوه. ثم بعد مدة سافر بعضهم إلى الغرب فمر بعين ماء هنالك، فإذا الرجل عندها يستقي قربة له منها، وإذا هو يهودي من يهود معروفين هنالك، نسأل الله العافية. فالحذر مطلوب، ولا سيما فيما نحن فيه من آخر الزمان الذي استولى فيه الفساد على الصلاح، والهوى على الحق، والبدعة على السنّة، إلاّ من خصه الله وقليل ما هم، وفيه قيل: هذا الزمان الذي كنّا نحاذره ... قول كعب وفي قول ابن مسعود إن دام هذا ولم يحدث له غير ... يبك ميت ولم يفرح بمولود بل نقول: ليته يدوم، فإنه لا يأتي بأمان إلاّ والذي بعده شر منه كما في الحديث الكريم. نعم لا بد للناس من تنفيس، فنسأل الله تعالى أن يرزقنا تنفيساً نقضي فيه ما بقي من أعمارنا في خير، ونستعتب مما مضى، إنه الكريم المنان. هذا، ولا بد مع الحذر من حسن الظن بعباد الله، ولا سيما من ظهر عليه الخير والتغافل عن عيوب الناس. وفي الخبر: خصلتان ليس فوقهما شيء من الخير: حسن الظن بالله وحسن الظن بالناس، وخصلتان ليس فوقهما شيء من الشر: سوء الظن بالله وسوء الظن بالناس، ومن تتبع عيوب الناس تتبع الله عيوبه حتى يفضحه في قعر بيته. فالاعتراض بلا موجب جناية، واتباع كل ناعق غواية. وفي كلام مولانا علي كرم الله وجهه: الناس ثلاثة: عالم ربّاني، ومتعلم على سبيل النجاة، وهَمَجٌ رَعاعٌ، أتباع كل ناعق. فمن ثبتت استقامته، وصح علمه وورعه وجب اتباعه، ومن اتسم بالخير وجب احترامه على قدره، والتسليم له في حاله، ومن ألقى جلباب الحياء عن وجهه وجب لومه، وإذا ظهرت البدعة وسكت العالم فعليه لعنة الله، ولا بد من مراعاة السلامة. وهذا باب واسع لا يكفيه إلاّ ديوان وحده، وإنما ذكرنا هذه الإشارة استطراداً. لله الأمر من قبل ومن بعد أشعار في الكرم وخدمة الضيف من الشعر المستملح في باب التكرم قول المقنَّع الكِندي أنشده القالي في النوادر: يعاتبني في الدَّين قومي وإنما ... ديونيَ في أشياء تكسبهم حمدا أسدُّ به ما قد أخلّوا وضيعوا ... ثغورَ حقوقٍ ما أطاقوا لها سدا وفي جفنة ما يغلق الباب دونها ... مكللة لجماً مدفقة ثردا وفي فرس نهد عتيق جعلته ... حجاباً لبيتي ثم أخدمته عبدا وإن الذي بيني وبين أبي ... وبين بني عمّي لمختلف جدا فإن يأكلوا لحمي وفرْتُ لحومهم ... وإن يهدموا مجدي بنيت لهم مجدا وإن ضيعوا غيبي حفظت غيوبهم ... وإن هم هوُوا غيي هويت لهم رُشدا

стр. 25

ولا أحمل الحقد القديم عليهم ... وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا لهم جل مالي إن تتابع لي غنى ... وإن قل مالي لم أكلفهم رفدا وإني لعبد الضيف ما دام نازلاً ... وما شيمة لي غيرها تشبه العبداد ونحوه قول عروة بن الورد: أيا بنت عبد الله وابنة مالك ... ويا بنت ذي البردين والفرس الورد إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له ... أكيلا فإني لست آكله وحدي أخاً طارقاً أو جار بيت فإنني ... أخاف مذمات الأحاديث من بعدي وكيف يسيغ المرء زاداً وجارُهُ ... خفيف المِعى بادي الخصاصة والجهد وللمَوْتُ خير من زيارة باخل ... يلاحظ أطراف الأكيل على عمد وإني لعبد الضيف ما دام ثاوياً ... وما فيَّ إلاّ تلك من شيمة العبد وقول الآخر: لعمر أبيك الخير إني لخادم ... لضيفي، وإني إن ركبت لفارس لله الأمر من قبل ومن بعد أصناف الناس قال معاوية ﵁ يوماً لصعصعة بن صوحان وكان من البلغاء: صف لي الناس. فقال: خلق الناس أخيافاً، فطائفة للعبادة، وطائفة للتجارة، وطائفة خطباء، وطائفة للبأس والنجدة، ورجرجة فيما بين ذلك، يكدرون الماء، ويُغلُون السِّعر ويضيقون الطريق. وقال الآخر في نحو هذا: الناس هم ثلاثة ... فواحد ذو درقه وذو علوم دارس ... كتبه وَوَرَقَه ومنفق في واجب ... ذهبَه وَوَرِقه ومن سواهم همج ... لا وَدَكٌ لا مرقه وفي كلام مولانا علي كرم الله وجهه لكميل بن زياد: الناس ثلاثة: عالم ربّاني، ومتعلم على سبيل النجاة، وهمج رعاع، أتباع كا ناعق. " وقال الآخر: ما الناس إلاّ العارفون بربهم ... وسواهم متطفل في الناس " وهذا المعنى له تفصيل وتحقيق، والاشتغال به يطيل، ويكفي اللبيب فيه ما مرّ عند ذكر الحسب وتفصيل المزايا في الناس. لله الأمر من قبل ومن بعد أصناف بقاع الأرض كان شيخنا الأستاذ المشارك الفاضل الناسك أبو بكر بن الحسن التطافي ينشدنا كثيراً في التنويه بالعلم قول القائل: وما عرَّف الأرجاء إلاّ رجالها ... وإلاّ فلا فضلٌ لتُرْب على تُرْبِ والمعنى أن القطر من الأرض وكذا المدينة والقرية تعرف وتشرف بنسبة المعروف إليها كأبي عثمان المغربي وابن عامر الشامي والحسن البصري وأبي الحسن الحرالي وغيرهم. واعلم أن بقاع الأرض كأفراد الإنسان، هي كلها مشتركة في كونها أرضاً وتربة، ثم تتفاوت في المزايا الاختصاصية، إما من ذاتها بأن يجعلها الله منبتاً للعشب، وهي أفضل من السبخة أو مزرعة، وهي أفضل من الكنود أو سهلة، وهي أفضل من الحزن، وقد ينعكس الأمر، أو معدناً، وتتفاوت بحسب الجواهر المودعة فيها، أو منبعاً للماء، وتتفاوت بحسب المياه، إلى غير ذلك من مختلفات الفواكه والأشجار والأزهار وسائر المنافع، وأما من عارض، كأن يختصها الله تعالى بكونها محلاً لخير إما نبوءة بيته بمكة، فهي أشرف البقاع ما خلا المدينة من ثلاثة أوجه: الأول كونها محلاً لبيته، وقبلة لعباده، والثاني كونها عمارة خليله إبراهيم ﵇، الثالث كونها مولد ومبعث أشرف الأنبياء عليه وعليهم الصلاة والسلام، إلى وجوه أخرى ككونها وسط الأرض أو أرفع الأرض أو من تحتها دحيت الأرض، وكونها حراماً وغير ذلك ولبيت المقدس قسط من هذا الفضل لأنها مأوى الأنبياء، وكانت قبله، واختصت المدينة طيبة بكونها مهاجر أشرف الخلق ومدفنه مع أكابر أصحابه ﵃ فصارت خير البقاع حتى مكة عند علمائنا أما التربة التي تضمنت شخصه الكريم ﷺ فلا مثل لها في الأرض ولا في السماء قطعاً.

стр. 26

وأما نبوءة فتشرف كل بلدة ولد فيها نبي أو بعث أو أقام أو دفن، وتشتهر بذلك وتتعرف كما قال ﷺ يوم الطائف للغلام وقد قال له: إنه من نينَوى. " قَرْيَةُ أخي يُونُسَ ﵇ " وإما علم فكل قرية أيضاً أو بلدة كان فيها عالم أو كان منها فهي تشرف بذلك وتتعرف كما في البيت المذكور، وإما زهدٌ أو عبادة أو نحو ذلك أو ملك أو جود أو نجدة أو جمال أو خلق حسن أو غير ذلك حتى رخاء العيش وصحة الهواء، فكل ذلك ونحوه يكون به الشرف والاشتهار كما يكون الاشتهار في النقصان والمذمة بأضداد ذلك. واعلم أن المولى ﵎ من لطيف حكمته وسابغ منته كما لم يُخْلِ عبْداً من عباده من فضل عاجل أو آجل، ظاهر أو باطن، كثير أو قليل، كذلك لم يُخِل بقعة من بقاع الأرض من فضل، ولم يُعْرِ بلدة من مزية يتعلل بها عُمّارُها حتى لا يتركوها، وقد جعل الله تعالى الأهواء مختلفة، والطباع متفاوتة، وحبب لكل أحد ما اختصه به، ذلك تقدير العزيز العليم الحكيم، فتجد هذا يمدح أرضه بكثرة المياه للاتساع في الشرب والطهارة والنقاوة ونحو ذلك، وهذا يمدح أرضه بالبعد عن كثرة المياه لجودة منابتها، وصحة هوائها، وذهاب الوخم عنها، وهذا يمدح أرضه بالسهولة لوجود المزارع فيها وكثرة ريفها واتساع خيرها، وهذا يمدح أرضه بكونها جبالاً لتمنعها وعزة أهلها، وحسن مائها وهوائها وقناعتها وغير ذلك. وللشعراء قديماً وحديثاً في هذا ما يحسن ترداده، ويطول إيراده، فمن ذلك لأبي بكر بن حجة الحموي يتشوق إلى بلده قوله: بوادي حماةِ الشامِ عن أيمن الشط ... وحقك تطوى شُقّة الهمّ بالبسط بلاد إذا ما ذقت كوثر مائِها ... أهيم كأني قد ثمِلْتُ بإسفِنْطِ فمن يجتهد في أن في الأرض بقعة ... تماثلها قل: أنت مجتهد مخط وصوّبْ حديثَيْ مائِها وهوائِها ... فإن أحاديث الصحيحين ما تُخطي وللآخر في تلسمان مثل هذا: بلد الجدار ما أمرّ نواها ... كلِفَ الفؤاد بحبها وهواها يا عاذلي في حبها كن عاذري ... يكفيك منها ماؤها وهواها ولابن حمديس الصقلي في بلده: ذكرت صقيلية والأسى ... يهيج للنّفسِ تذكارها فإن كنتَ أخرجت من جنة ... فإني أحدِّثَ أخبارها ولولا ملوحة ماء البكا ... حسبت دموعي أنهارها وللأعرابي: أقول لصاحبي والعيس تخدي ... بنا بين المُنيفةِ فالضمار تمتع من شميم عرّار نجد ... فما بعد العشيّة من عَرّار ألا يا حبَّذا نفحات نجد ... وَرَيّا روضه بعد القِطار وأهلك إذ يحلّ الحي نجداً ... وأنت على زمانك غير زار شهور ينقضين وما شعرنا ... بأنصاف لهنّ ولا سِرار وللآخر في تونس: لَتونِسُ تونسُ من جاءها ... وتودعه لوعة حيث سار فيغدو ولو حلَّ أرض العراق ... يحن إليها حنين الحُوار ويأمل عوداً ويشتاقه اش ... تياق الفرزدق عَوْد النَّوار وللآخر في مدينة فاس: يا فاس حيا الله أرضك من ثرى ... وسقاك من صوب الغمام المسبل يا جنة الدنيا التي أربت على ... عَدْن بمنظرها البهيّ الأجمل غُرَفٌ على غُرَفٍ ويجري تحتها ... ماء ألذ من الرحيق السلسل وكثيراً ما يقع الحنين إلى المنازل والبلدان، من أجل من فيها من الإخوان والأخدان، كما قال القائل: أحب الحِمى من أجل من سكن الحِمى ... ومن أجل من فيها تحب المنازل وقال المجنون: وما حب الديار شغفن قلبي ... ولكن حب من سكن الديارا وهي خصوصية في البقعة عارضة من سكانها كالذي في البيت، فإن الميل إليها يقتضي فضلها على غيرها بالنسبة إليه، ومن هذا المعنى أكثر العرَب ذكر الحِمى كقوله: فإن كان لم يغرّض، فإني وناقتي ... بحجر إلى أهل الحِمى غَرِضان تحنّ فتبدي ما بها من صبابة ... وأخفي الذي لولا الأسى لقضاني الغرض المشتاق، وكقول الآخر: وإن الكئيب الفرد من جانب الحِمى ... إليَّ وإن لم آتهِ لحبيب وكقول الآخر: وكنت أذود العين أن ترد البكا ... فقد وردت ما كنت أذودها خليليّ ما بالعيش عتب لَو أنّنا ... وحدنا لأيام الحِمى من يعيدها وكقول الآخر:

стр. 27

ألا أيها الركب المجِدّون هل لكم ... بساكن أجزاع الحمى بعدنا خُبْر؟ فقالوا: قطعنا ذاك ليلاً وإن يكن ... به بعض من تهوى فما شعر السَّفْر وكقول الآخر: بكت عيني اليسرى فلما زجرتها ... عن الغيّ بعد الشيب أسبلتا معا فليست عشيات الحمى برواجع ... إليك ولكن خِلّ عينيك تدمعا إلى غير ذلك. ويكثرون أيضاً ذكر كقوله: شيب أيام الفراق مفارقي ... وأنشزن نفسي فوق حيث تكون وقد لانَ أيام اللوى ثمَّ لم يكد ... من العيش شيء بعدهنّ يلين وكقول جرير: لولا مراقبة العيون أرَيْنَنا ... مُقل المها وسوالف الآرام هل يَنْهَيَنَك أن قتلنَ مرقشاً ... أو ما فعلن بعروة بن حزام ذُمَّ المنازل بعدَ منزلةِ اللّوى ... والعيشَ بعد أولئك الأيامِ إلى غير ذلك. وأما نجد وهو ما ارتفع من الأرض من بلادهم وأكثر من ذلك كلّه كقوله: سقى الله نجداً والسلام على نجد ... ويا حبذا نجد على النأي والبعد وقول الآخر: أشاقتك البوارق والجنوب ... ومن علوي الرياح لها هبوب أتتك بنفحة من شيح نجد ... تصوب والعرار بها مشوب وشمت البارقات فقلت: جيدَتْ جبال البتر أو مطر القليب ومن بستان إبراهيم غنّت ... حمائم بينها فنن رطيب فقلت لها: وقيتِ سهامَ رامٍ ... ورُقْط الريش مطعمها الجنوب كما هيجت ذا حُزْنٍ غريباً ... على أشجانهِ فبكى الغريب وما وجد أعرابية قذفت بها ... ..................الأبيات وتقدم شيء من ذلك، وهو كثير، وذلك في الغالب لحسنه في نفسه هواء وماء ومنابت ومسارح، والناس كلهم مجمعون على ذكر ديار الأحباب ومعاهد الشباب، ولا خصوصية للعرب، وإن كان لهم مزيد رقة. لله الأمر من قبل ومن بعد الأريحية أنشد في النوادر لمحرز العكلي: يظلّ فؤادي شاخصاً من مكانه ... لذكر الغواني مستهاماً متيّما إذا قلت مات الشوق مني تنسمت ... به أرْيحيّاتُ الهوى فتنسما وفي البيت فائدة، وهي أن لفظ الأريَحِيّة هو بسكون الراء وفتح الياء، ووقع في شعر المولدين أيضاً ما يوافق ذلك. مما علق بحفظي من أشعار المعاني عند العرب قول الشاعر: فجنبت الجيوش أبا زينب ... وجاد على مسارحك السحاب يحتمل أن يكون دعاء له بالعافية والخصب، ويحتمل أن يكون دعاء عليه بالإفلاس حتى لا تقصده الجيوش، ثم بالخصب مع ذلك لأنه أوجع لقلبه، حيث يرى الرِّعيْ ولا راعية كما قال الراجز: أمرعت الأرض لوَانَّ مالا لو أن نوقاً لك أو جمالا أو ثلة من غنم أمّا لا أي إن كنت لا تجد غيرها، وقال الآخر: ستبكي المخاض الجرب أن مات هيثم ... وكلّ البواكي غيرهنّ جمود أي إنه كان يستحييها بخلاً، ولا ينحرها للضيفان، فهي تبكي عليه، ولا يبكي عليه أحد من الناس إذ لا خير فيه، وهذا هجو، وقد استعمل الجمود في مجرد عدم البكاء، وكأنه لاحظ فيه المبالغة، فإن الناس لعدم اكتراثهم بالهالك أصبحوا في حقه لا يتصور منهم البكاء ولا انحدار دمع كمثل الأحجار ونحوها، ويستعمل الجمود حيث يراد البكاء ولا تسمح العين بالدموع كقوله: ألا إن عيناً لم تجد يوم واسط ... عليك بجاري دمعها لجمود ولذا عيب قول القائل: سأطلب بعد الدار عنكم لتقربوا ... وتسكب عيناي الدموع لتجمدا ومتى اعتبرنا بالمعنى الأول فلا عيب، وقول الآخر هو توبة بن مضرس بن عبد الله التميمي يلقب الخنوت بوزن السنور: قتيلان لا تبكي المخاض عليهما ... إذا شبعت من قرمل وأفان وهذا مدح ضد الأول أي إنهما كانا يهلكانها بالنحر، فإذا ماتا استراحت وشبعت فلم تبك عليهما، والقرمل واحده قرملة، وهي شجرة ضعيفة تنفضح إذا وطئت، ومنه قولهم في المثل إذا التجأ الضعيف إلى مثله: ضعيف عاذ بقرملة، والأفاني واحده فانية، وهي شجرة أخرى، وقول الآخر، وهو حميد بن ثور: ولقد نظرت إلى أغز مشهر ... بِكْرٍ توَسَّن بالخميلة عُونا متسنم سنماتها مُتبَجّسٍ ... بالهدر يملأ أنفساً وعيونا لقح العجاف له لسابع سبعةٍ ... وشَرِبْنَ بعدَ تَحَلُّؤٍ فروينا

стр. 28

يصف السحاب وفعله وانتفاع الأرض به على طريق التّمثيل، فقوله: أغر أي سحاب فيه برق " أو " أبيض، وقوله: بكر أي لم يمطر قبل ذلك، وقوله: توسن بالخميلة عوناً أي طرقها ليلاً وقت الوسن أي النعاس، والخميلة رملة لينة ذات شجر، والعون جمع عوان، وهي في النساء التي كان لها زوج، وهنا هي الأرض التي أصابها المطر قبل، على التشبيه، وقوله: متسنم سنماتها أي طالع على الأكام والتلال، وأصله في الجمل يتسنم الناقة أي يعلو عليها، وهي سَنمة أي عظيمة السنام، مرتفعته، قوله: متبجس أي متكبر، بالهدر أي رعده يملأ أنفساً وعيوناً عجباً به أو رعباً منه، قوله: لقح العجاف أي الأرضون المجدبة حملت به الماء فأنبتت العشب، وذلك بعد تحلُّؤٍ أي امتناع من السقي لعدم المطر، فهذا كله تمثيل، وقول الآخر: حلوا عن الناقة الحمراء أرحلكم ... والبازل الأصهب المعقول فاصطنعوا إن الذئاب قد اخضرت براثنها ... والناس كلهم بكر إذا شبعوا أراد بالناقة الحمراء الدهناء، وبالجمل الأصهب الصمان، كأنه يقول: ارتحلوا عن السهل وألجئوا إلى الجبال مخافة الغارات، والقائل كان أسيراً فكتب إلى قومه ينذرهم، وكانت بكر لهم عدواً فهو يقول: الناس كلهم إذا شبعوا أعداء لكم كبكر حذروهم، وهذا المعنى مذكور في قصة أخرى: يحكى أن رجلاً من بني العنبر كان أسيراً في بكر بن وائل، فسألهم رسولاً إلى قومه فقالوا له: لا ترسل إلاّ بحضرتنا، وكانوا أزمعوا غزو قومه، فتخوفوا أن ينذرهم، وذلك هو ما أراد هو أيضاً، فأتوه بعبد أسود فقال له: أبلغ قومي التحية وقل لهم: ليكرموا فلان، يعني أسيراً من بكر كان عندهم، فإن قومه لي مكرمون، وقل لهم إن العرفج قد أدبي، وقد شكت النساء. وأمرهم أن يعروا ناقتي الحمراء، فقد أطالوا ركوبها، وأن يركبوا جملي الأصهب بآية ما أكلت معهم حيساً، واسألوا الحارث عن خبري، فلما أبلغهم العبد الرسالة قالوا: جُنّ الأعورُ، والله ما نعرف له ناقة حمراء ولا جملاً أصهب، ثم سرّحوا العبد ودعوا الحارث فحدثوه بالحديث فقال: قد أنذركم، أما قوله: العرفج قد أدبى فكناية عن الرجال وأنهم استلأموا أي لبسوا الدروع للغزو، وقوله: شكت النساء أي اتخذن الشكاء للسفر، وهي جمع شكوة، معروفة، والحيس أراد به الأخلاط من الناس المجتمعون للغزو، لأن الحَيْسَ يجمع الأقِطَ والسمن والتمر. لله الأمر من قبل ومن بعد فضل العلم كنت في أعوام الستين وألف مرتحلاً في طلب العلم، فدخلت قرية في أرض دكالة، فرأيت فيها رجلاً مسناً قد لازم المسجد منقطعاً عن الناس، فجلست إليه مستحسناً لحاله، وفي الحديث " إذَا رَأيْتُمُ الرَّجُلَ قَدْ أُعْطِيَ زُهْداً في الدُّنْيَا وَقِلَّةَ مَنْطِقٍ فَادْنُوا مِنْهُ، فَإنَّهُ يُلَقَّنُ الحِكْمَةَ ". فلما دنوت منه إذا هو يعظم العلم وأهله تعظيماً بالغاً، فازددت به عجباً، فكنت أجلس بين يديه ويحدثني ويصبرني على الغربة، ويحضني على العلم رحمة الله عليه، وأنشدني في شأن الغربة ملحوناً: أنا الغريب المتوح ... صابر على كلّ هانا إلى نتجرح ما نقل اح ... في قلب من قطعت أنا وفي نحو هذا يقول الشاعر: إذا كنت في قوم عِداً لست منهم ... فكل ما علفت من خبيث وطيب وإن حدثتك النّفس أنك قادر ... على ما حوت أيدي الرجال فكذب وقال الآخر: لا يعدم المرء كِنّاً يستقر به ... وَبُلغةً بين أهليهِ وأحبابه ومن نأى عنهم قلت مهابته ... كالليث يحقر لما غاب عن غابه وقال الحريري: إن الغريب الطويل الذيل ممتهن ... فكيف حال غريب ما له قوت وأنشدني في مدح العلم ملحوناً: العلم شمعا منيرا ... يتناوله الأكياس ما فوق منو ذخيراً ... يزول عن القلب الإحساس وفضل العلم وشرفه أمهر أشهر من أن يذكر، وأوضح من أن ينكر، ويكفي في ذلك النظر.

стр. 29

ومن غريب ما حكي أنه اتفق للفقيه الخليل الإمام ابن عرفة ﵁ وكان قد مرض فأصابه غشي قال: فجاءتني طائفتان: إحداهما عن يميني وجعلوا يرجحون الإسلام، والأخرى عن يساري وجعلوا يرجحون الكفر، عياذاً بالله تعالى. قال: فأخذ هؤلاء يلقون شبه الكفار ويلهمني الله تعالى الجواب عنها بما كنت عرفت من قواعد العقائد، فعلمت أن العلم ينفع صاحبه في الدنيا والآخرة. لله الأمر من قبل ومن بعد الانزعاج عن الوطن خرجت في أعوام التسعين وألف من حضرة مراكش حرسها الله، وكنت إذ ذاك منزعجاً عن الوطن، مباياٌ للقطين والسكن، فلقيت أعرابياً من هوارة، وهم حي من شبانة، فإذا هو قد انزعج عن وطنه في السوس الأقصى، فحدثني عن أحمد بن عبد الله بن مبارك الوقاوي أنه كان هبت له ريح فحسده قومه وقالوا عنه وهو في غربته حتى خرج عن وطنه إلى وداي السوس، قال: فجئته ذات مرة وهو في غربته، فقال لي: أين العرب وأين القوالون؟ قال: فقلت: هم بحالهم، لم يزالوا يقولون، قال ثم أنشد هو ملحوناً: إلى برك لي الزمان أركبت عليه ... ولى راد المولى نلقاه عراضا برك لي مركوب فإني ضاري به ... ما نحسبش أيامي علي مغتاضا نصبر لأحكام المولى حتى تتقاضا في قوله: مغتاضاً من الغيظ، وأبدل من الظاء " هنا " ضاداً، وكان هذا من عجيب الاتفاق، فإن هذا القول مناسب لأحوالنا معشر الثلاثة، أعني القائل والراوي والسامع، وقوله: " نصبر لأحكام المولى حتى تتقاضا " هذا هو أدب العبد، وهو الصبر لأحكام الله تعالى والسكون تحت مجاري الأقدار، قال تعالى:) وَاصْبِرْ لحُكْمِ رَبّكَ ... (، ونحوه من نصوص الكتاب والسنّة وأقوال أئمة الدين لا يحصى. لله الأمر من قبل ومن بعد الحكم التكليفي والحكم التصريفي واعلم أن الحكم حكمان حكم تكليفي وحكم تصريفي، وكلاهما يجب الإذعان له والتسليم. أما التكليفي فهو الوجوب والندب والتحريم والكراهة والإباحة التي وردت بها الشريعة المطهرة. وأما التصريفي فهو ما قدر على العبد من غير ذلك مما يرد عليه كالغنى والفقر والعز والذل والصحة والمرض والسرور والحزن وغير ذلك. ومورد الأول كلام الله تعالى أمراً ونهياً، ومورد الثاني قدرته تعالى إيجاداً وإعداماً على وفق مشيئته وعلمه؛ وكما لا بد من قبول الأول وامتثاله فعلاً وتركاً وتلقيه بالصبر على ما فيه من المشقة على النفس، وقد تضمحل أيضاً دواعي النفس فيرتقي العبد إلى الرضى والاستلذاذ، كذلك لا بد في الثاني من تلقي محبوبه بالشكر ومكروهه بالصبر؛ وقد تضمحل أيضاً دواعي النفس فيرتقي العبد إلى الرضى. ثم إن كل شيء قدر على العبد فلا محالة يقدر له وقت يقع فيه لا يتقدمه ولا يتأخر عنه، فمتى حان وقت شيء فهو بارز لا محالة خيراً كان أو شراً لا يمكن أن لا يبرز ولا أن يبرز غيره في موضعه، فالبصير يستكن حتى ينقضي بانقضاء وقته فيجمع بين راحة قلبه والأدب مع ربه، والجاهل يقلق منه أو يروم ظهور غيره دونه فيصير أحمق الحمقاء، ولا يحصل إلا على الشقاء. وقال صاحب " الحكم العطائية ": " ما ترك من الجهل شيئاً من أراد أن يظهر في الوقت غير ما أظهر الله فيه " وقالوا: الوقت سيف، وأنشدوا: وكالسيف إن لاينته لان مسه ... وحَدَّاه إن خاشنته خَشِنان ولله الأمر من قبل وبعد النفس والشيطان وأنشدني أبو البقاسم بن بوعتل الشباني ثم الزراري لبعض الأعراب ملحوناً: يا رأسي عيبك بان ... والى عيبو ما يصيب ايدسو قالوا علة ابن آدم شيطان ... وإنا نقول علة ابن آدم نفسو قبل لا يزيغ إبليس ... اش يكون ابليسو فانظر إلى هذا الأعرابي كيف غاص على معنى كبير وهو أن نفس الإنسان سبب هلاكه بإذن الله تعالى إلاّ من عصمه الله، وكيف وقع على حجة برهانية وقياس منظوم في النفس، وتقريره أن يقول: لو كان كل زائغ إنما يزيغ بشيطان لكان إبليس حين زاغ بإبليس آخر، والتالي باطل للزوم التسلسل فالمقدم مثله.

стр. 30

ونحو هذا في الاستدلال ما وقع للنبي ﷺ حيث أبطل العدوى بمعنى أنه لا تأثير فيها لغير الله تعالى فقال له الأعرابي: ما بالنا نرى الإبل تكون في الرمل كأنها الظباء، فيدخلها جمل أجرب فتجرب كلها، فقال له ﷺ : " فَمَنْ أعْدَى الأوَّلَ "؟ أي لو كان جمل إنما يأتيه هذا البلاء من آخر قبله لزم التسلسل، وهو باطل، فلا بد أن ينتهي الأمر إلى بعير يصيبه البلاء من عند الله بلا سبب هذه العدوى فيعلم عند ذلك أن الله تعالى هو الفاعل المختار، يفعل الشيء عند الشيء، وهو قادر أن يفعله بلا شيء ولا عند شيء، سبحانه عما يشركون. واعلم أن ما ذكره هذا الأعرابي في ملحونه من أن علة الإنسان نفسه صحيح، وعزله الشيطان عن ذلك غير صحيح إن أراد أنه لا مدخل له، وإن أراد أنه غير مستقل بالإضرار لمشاركة النفس له أو أن ضرر النفس هو الأعظم لأنها المباشرة والشيطان متسبب فصحيح، وتقرير هذه الجملة باختصار: إن كلاً من النفس والشيطان مضر بالعبد فهما متظاهران على العبد كما قال " بعضهم " وقد ضم إليهما الدنيا والهوى: إني بليت بأربع يرمينني ... بالنبل عن قوس لها توتير إبليس والدنيا ونفسي والهوى ... يا رب أنت على الخلاص قدير وسبب ذلك أن الآدمي لما أبدعه الله تعالى بقدرته مؤتلفاً من الأخلاط ذا مزاج جعله سبحانه بباهر حكمته وسابق مشيئته مفتقراً عادة في بقاء وجوده الشخصي إلى القوام وهو الغذاء بالطعام والشراب وفي بقاء وجوده النوعي إلى التوالد بواسطة " النكاح، فطبع فيه عند ذلك شهوة الأكل وشهوة النكاح " و " لو " لم يكن ذلك طبعاً لافتقر إلى داع آخر فيتسلسل، أو يبقى فاتراً عن ذلك فيهلك شخصاً أو نوعاً، فسبحان المدبر الحكيم. ثم لما كانت الشهوتان أعني الأكل والنكاح لا تحصلان إلا من مادة وهي المال وبه يحصل المأكول، والنساء وبهن يحصل النكاح المؤدي إلى التناسل المذكور، والنساء لا يحصلن إلاّ بالمال أيضاً، طبع الله فيه حب المال وحب النساء وكل ما يستعان به في ذلك الباب من صحة وقدرة وجاه، وذلك هو مجموع الدنيا، فكانت الدنيا محبوبة طبعاً للحكمة المذكورة، وكان ميل النفس إلى سيئ من هذه المحبوبات بمقتضى الشهوتين المذكورتين، وهو المعبر عنه الهوى طبعاً في الإنسان، وكل ذلك في أصله رحمة من الله تعالى للإنسان كما ترى، إذ لولا ذلك لم يستمر له وجود. ثم جعل الله تعالى العبد متأثراً بالعوارض في بدنه وفي ماله وفي حريمه ونحو ذلك فافتقر إلى احتماء عن ذلك ودفاع فطبع فيه الغضب وهو أيضاً رحمة منه تعالى، إذ لولا هو لم ينتهض للدفع عن نفسه ولا حريمه ولا ماله ولا جاره ولا غير ذلك ولا لتغيير منكر ولا نحو ذلك. ثم إن النفس لما كان فيها ذلك طبعاً استعدت لأن تتقاضاه من كل وجه " طلباً " لحصول المرام على التمام فتأكل مثلاً وتبالغ ولا تقتصر على القدر المحتاج، ولا تتنزه عن الزائد المضر، وتشرب كذلك وتنكح، ثم لا تبالي من أي وجه حصل ذلك أمن مأذون فيه أم محرم، لأن سعيها طبعي لا شرعي، وكذا في غضبها ودفاعها، فمتى تركت وذلك أضرت بالعبد عاجلاً بحصول الأمراض وإتلاف الأموال في الشهوات وانتهاك الأعراض والمروءات وكثرة اللجاج والعدوان والهلاك والبوار، وآجلاً بالتعريض لطول الحساب، وأليم العقاب، عند وجوب التكليف، وهذه هي المضرة المنسوبة للنفس، فخلق الله تعالى العقل ليكون محتسباً عليها حتى تكون فيما ذكر من الشهوة والغضب تابعة لإشارة العقل أخذاً وتركاً، وأودع الله تعالى في العقل إدراك المصالح والمفاسد والمنافع والمضار حتى يعلم ما يشير به أمراً ونهياً ليجري الأمر على السداد، فلا يقع قصور عن المراد، ولا التعدي إلى ما يوجب الفساد. ثم لما كان العقل أيضاً معرضاً للخطأ وللقصور عن كثير من المصالح وللجهل بكثير من المدارك ولا سيما المغيبات لأن النقصان شأن المخلوق افتقر هو أيضاً إلى مؤيد إما إلهام من الله تعالى وإما عقل آخر أكمل كما في حال التربية وتلقين الحكمة، وإمّا وحي سماوي وهو أكمل، فأنزلت الأحكام إليها عند أهل الحق لا إلى العقل فصار العقل مؤيداً للشرع ومتأيداً به.

стр. 31

ثم إن إبليس اللعين عندما وقع له من الخزي والطرد مع صفي الله آدم ﵇ ما وقع صار عدواً له حسوداً حقوداً وكذا لذريته إلى يوم القيامة، قال تعالى:) يَا آدَمُ إنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ (وقال تعالى: ") إنَّ الشَيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ (وقال تعالى:) إنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (" وقال تعالى:) إنَّ الشَيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (إلى غير ذلك. فكان دأبه السعي في مضرة الآدمي كما يسعى كل عدو في مضرة عدوه، ولم يجد إلى مضرته سبيلاً أيسر ولا سبباً أنجح من أن يأتيه من قبل النفس وطريق الطبع فيزين له ما طبع من الشهوات، ويسوّل له كل قبيح، قال تعالى:) الشَيْطَانُ يَعِدُكُمْ الْفَقْرَ وَيَأمُرُكُمْ بِالفَحْشاءِ (فحصل اتفاق بين النفس والشيطان على مضرة الآدمي، غير أن المقصد مختلف، فإن النفس لم تكن منها المضرة عن قصد وعداوة، كيف ولا أحب إلى كل أحد من نفسه؟ بل جهلاً وغلطاً، وذلك أنها أدركت ما في طبعها من الشهوات الحاضرة فاستحسنته، وظنت أن ذلك هو كمال صاحبها إذا ناله، فجاء الشيطان فأغراها مما استحسنت، وزين لها ما ظنت، فاعتقدته نصيحاً، واتخذته خليلاً، تلبي دعوته، وتجيب رغبته، فأتيَ الإنسان منها، وتمكن منه عدوُّه من طريقها، فصارت من هذه الوجه عدوة بل أكبر الأعداء. وأما الشيطان لعنه الله فهو يفعل ما يفعل عن عداوة وقصد إضرار، فإنه لما خاب من رحمة الله وطرد عن بابه، نسأل الله العافية، أراد أن يسعى في خيبة الآدمي وبعده عن الله وحرمانه من نعيم الجنة باتباع الدنيا وغرورها والإكباب على شهواتها. واعلم أن الشيطان لشدة عداوته للإنسان ليس له غرض في اتباع الإنسان للشهوات وتمتعه باللذات، بل لو أمكنه أن يسعى في حرمانه دائماً فلا ينال لذة عاجلة ولا آجلة، ولا يحصل على منفعة في الدنيا ولا في الآخرة لكان ذلك هو منيته ورغبته، وهو مقتضى العداوة وثمرة الحسد، إلاّ أنه لما لم يمكنه ذلك لفرضان رحمة الله على عباده وسبوغ نعمه عليهم رأى أن يرتكب به أعظم الضررين فيستزلّه عن أعظم الحظين بل الحظ الذي هو الحظ، وهو الأخروي، ويستهويه إلى الحظ الدنيوي، ورأى أنه إذا خاب عن النفيس الباقي واستبدله بالخسيس الفاني فقد خاب، والأمر كذلك. فإن ما في الدنيا لو كان نفيساً وهو بصدد الانقطاع لم يلتفت إليه، فكيف وهو مع ذلك خسيس " مشوب " متكدر. بل لو كان نعيم الآخرة النفيس ينقطع لوجب أن يلتفت إليه، إذ النفس إنما تجد النعمة ما دامت متناولة لها، فإذا انقطعت عنها تكدرت كالصبي الراضع متى صرف الثدي عن فيه صاح. وما مثال النفس في ذلك إلاّ مثال المرأة في قوله ﷺ : " إنّهُنَّ يَكْفُرْنَ العَشِيرَ، وَإنَّكَ لَوْ أحْسَنْتَ إلى إحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ كُلَّهُ ثُمَّ رَأتْ مِنْكَ شَيْئاً قَالَتْ مَا رَأيْتُ مِنْكَ خَيْراً قَطُّ ". فقد تحصل من هذا أن النفس مضرة بالإنسان من وجهين: أحدهما " أنها " تميل طبعاً إلى الشهوات وتخلد إلى الرعونات، الثاني أنها مسلك الشيطان إلى الإنسان كما مرّ، وإن الشيطان مضر للإنسان أبداً بوسوسته وتزيينه للنفس. وهذه كلها أسباب جعلية اقتضتها الحكمة، والنافع والضار بالحقيقة هو الله تعالى، وتبين أن النفس تابعة للشيطان في مضرة الإنسان سفهاً منها وغلطاً، لا عداوة، ولسان حالها ينشد قول القائل: وخلتهم سهاماً صائبات ... فكانوها ولكن في فؤادي الخاطر النفساني والخاطر الشيطاني ومن أجل ما ذكرنا بين النفس والشيطان من اختلاف الوجه، وتباين المقصد فرق أئمة التصوف رضوان الله عليهم بين الخاطر النفساني والخاطر الشيطاني بعد اشتراكهما في الحض على السوء في الجملة، وهو أن الخاطر إذا تقاضى معصية مثلاً بعينها فإن أصر على ذلك فهو نفساني، وإن جعل يتحول من معصية إلى أخرى فهو شيطاني، ووجه ذلك أن النفس إنما تطلب المعصية بمقتضى طبعها فيها من حيث أنها شهوة لا غير، فلا تريد أن تنفك عنها حتى تنالها بعينها. وأما الشيطان فليس طلبه من الإنسان أن ينال شهوة ومتعة من حيث التنعم بها فإنه عدو، بل من حيث إنها معصية موجبة للعقاب، فمتى دعاه إلى واحدة وتعسرت أو تلكأ عليه فيها دعاه إلى أخرى لقيامها مقامها في المقصود، وهو حصول الإثم واستحقاق النار، نعوذ بالله تعالى من شره.

стр. 32

لله الأمر من قبل ومن بعد الحقيقة والشريعة خطر لي ذات ليلة بيت للملك الضليل امرئ القيس بن حجر فوجدته قد احتوى على مقتضى الشريعة الظاهرة والباطنة، وتضمن كل ما تحصل عن دواوين أئمة الدين وأقاويل الصوفية، فقضيت العجب من ذلك، وعلمت أن الله تعالى من باهر قدرته وعجيب حكمته يبرز الحكمة على لسان من شاء وإن لم يكن من أهلها، كما قال بعض السلف حين سمع بعض الولاة نطق بحكمة: خذوها من قلب خَرِبٍ، وتبينت إشارة قوله ﷺ : " الحِكْمَةُ ضَالّةُ المُؤْمِنِ " أي فحقه أن يتلقفها ممن وجدها عنده، وإن لم يكن مرضياً كما يأخذ ضالته من الدنيا كذلك، وتبينت صدق قوله ﷺ : " إنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحِكْمَةً "، وقول الحكماء الأولين: أنزلت الحكمة على ثلاثة أعضاء في الجسد: على قلوب اليونان، وأيدي أهل الصين، وألسنة العرب، والبيت المذكور هو قوله: الله أنجح ما طلبت به ... والبر خير حقيبة الرحل فالشطر الأول قد احتوى على الحقيقة كلها، وهي باطن الشريعة، فإن معناه أن ما طلبته بالله فأنت منجح فيه. وهو كما قال في " الحكم العطائية ": " ما تعسر مطلب أنت طالبه بنفسك " ومعلوم أنك لست تروم ذلك إلاّ وأنت تعرف الله تعالى وأنه حق لا شريك له، وأنه هو الفاعل المدبر النافع الضار، ثم تنفي عن نفسك وعن حولها وقوتها وتدبيرها واختيارها وتبغي بربك. وهذا هو سر العبودية، وهو الكنز الذي يحوم حوله المريدون، ويعنو إليه السالكون، وهو المشار إليه في قوله ﷺ : " لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إلاَّ بِاللهِ كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الجَنّةِ "، وهذا هو كلية الأمر، ولا حاجة إلى التطويل. والشطر الثاني قد تضمن الشريعة كلها، وهي ان البر خير ما تحمَّله العبد وادخره، أي والفجور شر ما تحمَّله، ويدخل في البرِّ برُّ العبد مع ربه بطاعته له قولاً وفعلاً واعتقاداً، وكذا مع من أوجب الله تعالى طاعته من نبي وأمير ومالك ووالد ونحوهم، وبره مع الناس بالإحسان فعلاً وقولاً وخلقاً، وهو مجموع ما يطلب شرعاً ولا حاجة إلى التطويل. لله الأمر من قبل ومن بعد أبيات الحكمة والتمثيل واعلم أن البيت قد اشتمل على مثلثين مستقلين كما رأيت، فرأيت أن أستطرد هنا من أبيات الحكمة والتمثيل نبذة صالحة يقع بها الإمتاع، ويحصل الانتفاع، فمن ذلك قول لبيد: ألا كلُّ شَيءٍ ما خَلا اللهَ بَاطِلُ ... وكُلُّ نَعِيمٍ لا مَحالَةَ زَائِلُ واعلم أن هذا البيت مع كونه في غاية الحكمة وكونه قد شهد له الرسول ﷺ بذلك كما ورد في الحديث: " أصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشّاعِرُ قَوْلَ لَبِيدٍ: ألا كلُّ شَيءٍ ما خَلا.... البيت "، يسأل عنه فيقال مثلاً في المصراع الأول: إن معرفة الله تعالى وشرعه ودينه وأنبياءه ونحو ذلك داخل فيما جعله باطلاً وليس بباطل، وفي الثاني: إن نعيم الآخرة غير زائل فيلزم انتقاض الكليتين. والجواب عن الأول من وجهين: أحدهما أن المراد ما سوى الله تعالى وما انضاف إليه، كما وقع في الحديث: " الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُون مَا فِيهَا إلاَّ ذِكْرُ اللهِ وَمَا وَالاهُ وَعَالِمٌ أوْ مُتَعَلِّمٌ " وهذا واضح، فإن صفات الله تعالى لا تدخل في الباطل لانضيافها إلى الذات وشمول الاسم لها، فكذلك كل مُنضاف. الثاني أن هذا كلام في الحقائق، ولا شك أن الله تعالى هو قديم واجب الوجود، فهو حق ثابت، والعالم كله محدث، فهو باطل لا ثبوت له من ذاته لكن بإثبات الله تعالى، وهذا الوجه أيضاً واضح لا شبهة فيه، والموجودات كلها متى اعتبرت إضافتها وتعلقها بالله تعالى كانت حقاً به، وهي باطلة بحسب ذاتها ومنها ما هو حق باعتبارين أعني بهذا التعلق وبإثبات الله له شرعاً كما في الوجه الأول، وهو مع ذلك باعتبار ذاته، ولا تنافي في شيء من ذلك، فافهم. والجواب عن الثاني ثلاثة أوجه: الأول أن المراد نعيم الدنيا، لأنه هو المعروف الشاهد، لا سيما في حق هذا القائل، فإنه كان حين قوله ذلك جاهلياً، لا ذكر للآخرة عنده، فإن قيل: من لك بأنه إذ ذاك جاهليّ؟ ولعله قال هذا بعد الإسلام، قلت: قد استفاض في شأنه أنه لم يقل بعد الإسلام إلاّ بيتاً واحداً، وهو قوله:

стр. 33

الحمد لله إذ لم يأتني أجلي ... حتى لبست من الإسلام سربالا على أنه لو كان بعد الإسلام لكان إرادة الدنيوي في غاية الوضوح، إذ المراد تهوين أمر الدنيا والتنفير عنها والتزهيد فيها كما وقع ذلك في كلام كثير من أهل الإسلام. الثاني أن يكون أيضاً كلاماً في الحقائق، فإن النعيم كله ممكن حادث، فهو بصدد الزوال والفناء فعلاً أو قوة، وما بقي منه إنما بقي بإبقاء الله تعالى لا بذاته. الثالث أن يراد أن كل نعيم ناله العبد وتنعم به فهو زائل عنه قطعاً بالشخص، وإنما تتجدد أمثاله، وهذا قدر مشترك بين الدنيوي والأخروي، قال النبي ﷺ في متاع الدنيا: " وَإنَّمَا لَكَ مِنْ مَالِكَ مَا أكَلْتَ فَأفْنَيْتَ، أوْ لَبِسْتَ فَأبْلَيْتَ، أوْ تَصَدَّقْتَ فَأمْضَيْتَ ". وقال تعالى في نعيم الآخرة:) كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هَذَا الّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ (. وقول الحطيئة: من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العُرْفُ بين الله والناس وقول طرفة بن العبد: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود وكان ﷺ ينشده أحياناً استحساناً فيقول: ويأتيك من لم تزوده بالأخبار، ويقول: " هُمَا سَوَاءٌ " أي التركيبان، يعني في المعنى، فيقول أبو بكر ﵁: أشهد أنك رسول الله، قال تعالى:) وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ (وقول النابغة: ولست بمستبقٍ أخاً لا تَلُمُّهُ ... على شعثٍ، أي الرجالِ المهذب؟ وقول امرئ القيس: وإنك لم يفخر عليكَ كفاخر ... ضعيف ولم يغلبْك مثل مغلَّبِ " وأخذه أبو تمام فقال: وضعيفة فإذا أصابت قدرة ... قتلت، كذلك قدرة الضعفاء البيت من قصيدته التي مطلعها: قدك اتئب أربيت في الغلواء ... كم تعذلون وأنتم سجرائي والبيت شحره التبريزي بقوله: يقول: " الخمر على شدتها ضعيفة ليس لها بطش، فإذا أكثرت منها قتلت ". وقوله: " كذلك قدرة الضعفاء يعني أن الضعيف يعمل الشيء بفرق فهو لا يبقي مخافة أن يعطف عليه فلا يكون له فضل في المقاومة ". وقول زهير: ومن يجعل المعروف من دون عرضه ... يَفِرْهُ ومن لا يتق الشتم يشتم وأخوات هذا البيت في ميميته مثله، وهي مشهورة لا نطيل بها. غيره: لذي الحلم قبْلَ ما تُقرَعُ العصا ... وما عُلَّمَ الإنْسانُ إلاّ ليعلما وقوله: قليلُ المال تصلحهُ فيبقى ... ولا يبقى الكثير مع الفساد غيره: العبد يقرع بالعصا ... والحرّ تكفيه الملامه وقول عبد الله بن معاوية: فعين الرضا عن كل عيب كليلةٌ ... ولكن عين السخط تبدي المساويا وقول القُطامي: قد يدرك المتأني بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزلل وقوله: والناس من يلق خيراً قائلون له ... ما يشتهي، ولأمِّ المخطئ الهَبَلُ وسبقه إلى الأول عدي بن زيد في قوله: قد يدرك المبطئ من حظه ... والخير قد يسبق جهد الحريص وقول عمرو بن براقة: فما هداك إلى أرضٍ كعالمها ... ولا أعانك في عزم كعزام وقول عبد الله بن همام: وساع مع السلطان ليس بحارس ... ومحترس من مثله وهو حارس وقول عبيد بن الأبرص: الخير يبقى وإن طال الزمان به ... والشر أخبث ما أوعيت في زاد وقول حسان بن ثابت ﵁: ربّ حلم أضاعه عدم الما ... ل وجهل غطى عليه النعيم وزعموا أن حسان بينما هو في أُطُمِه، وذلك في الجاهلية، إذ قام في جوف الليل فصاح: يا للخزرج فجاءوا وقد فزعوا، فقالوا: ما لك يا ابن الفريعة فقال: بيت قلته فخفت أن أموت قبل أن أصبح فيذهب ضيعة، خذوه عني، فقالوا: وما قلت؟ فأنشد البيت المذكور. وقول أبي ذؤيب: والنفس راغبة إذا رغبتها ... وإذا ترد إلى قليل تقنع وقول زهير: وهل ينبت الخطِّيُّ إلاّ وشيجه ... وتغرس إلاّ في منابتها النخل غيره: أرى كل عود نابتاً في أرومةٍ ... أبى منبت العيدان أن يتغيّرا وقول بشار: تأتي المقيمَ وما سعى حاجاتُه ... عددَ الحصا ويخيب سعي الطالب غيره:

стр. 34

متى ما تقد بالباطل الحقّ يَأبَهُ ... وإن قدت بالحقِّ الرواسي تنقد وقول عبيد: من يسأل الناس يحرموه ... وسائل اللهِ لا يخيب غيره: يفرّ جبان القوم عن أُمِّ نفسهِ ... ويحمي شجاع القومِ من لا يناسبه " ويرزق معروف الجواد عدُّوه ... ويُحرَمُ معروفَ البخيلِ أقاربُه " فهذا كله ونحوه مشتمل على مثلين كبيت امرئ القيس، وقد يكون مثلاً واحداً لقول طرفة: رأيت القوافي يتَّلِجْنَ موالجاً ... تضايق عنها أن توالجها الإبر " وهو معنى قول الأخطل: والقول ينفذُ ما لا تنفذ الإبر ". وقول علقمة: إذا شاب رأس المرء أو قل ماله ... فليس له في ودهن نصيب وهو لامرئ القيس في قوله: أراهن لا يحببن من قل ماله ... ولا من رأين الشيب فيه وقوسا ومنه قول الأعشى: وأرى الغواني لا يواصلن امرءاً ... فقد الشباب وقد يصلن الأمردا وقول أبي تمام: أشهى الرجال من النّساء مواقعاً ... من كان أشبههم بهنّ خدودا وقول علقمة بن عبدة: وكل قوم وإن عزوا وإن كثروا ... عديدهم بأثافي الدهر مرجوم وكل حصن وإن طالت سلامته ... على دعائمه لا بدّ مهدوم وقول الآخر: " وما رزق الإنسان مثل منية ... أراحت من الدنيا ولم تُخزِ في القبر " وقول ابن حازم: لا تكذبن فما الدنيا بأجمعها ... من الشباب بيوم واحد بدل ومثله قول منصور النمري: ما كنت أوفي شبابي حق غرته ... حتى مضى فإذا الدنيا له تبع وقول امرئ القيس: إذا المرء لم يخزن عليه لسانه ... فليس شيء سواهُ بخزّان ونحوه: إذا ضاق صدر المرء عن كتم سره ... فصدر الذي يُستودعُ السر أضيق وقوله: إذا جاوز الاثنين سرّ فإنّه ... يبثُّ وإفشاء الحديث قمين وقد قيل: الاثنان هنا الشفتان، وقول طرفة: وإن لسان المرء ما لم يكن له ... حَصَاةٌ على عوراته لدليل الحصاة: العقل وهو إشارة إلى قول الحكماء: لسان العاقل من وراء عقله، ولسان الأحمق على العكس، وقول الخنساء رحمها الله: ولولا كثرة الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي وقول الآخر: إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكد ... إليه بوجه آخر الدهر تُقْبِل وغيره: وظلم ذوي القربى أشد مضاضة ... على المرء من وقع الحسام المهند غيره: إذا لم تعرض عن الجهل والحنا ... أصبت حليماً أو اصابك جاهل غيره: كل امرئ راجع يوماً لشيمته ... وإن تخلق أخلاقاً إلى حين ونحوه: ومن يبتدع ما ليس من سُوس نفسه ... يدعْه ويغلبْه على النفس خِيمُها السوس والخيم: الطبيعة. ونحوه: إنّ التخلّق يأتي دونه الخُلُقُ وقد يكون المثل جزءاً لبيت كهذا، ونحوه للنابغة: حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مطلب وقوله: لمبلغك الواشي أغش وأكذب وقول دريد: متبذلاً تبدو محاسنه ... يضع الهِناءَ مواضع النقبِ وقول الصَّلَتان العَبْدي: نروح ونغدو لحاجاتنا ... وحاجات من عاش لا تنقضي وقول الآخر: تدس إلى العطار سلعة بيتها ... وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر وقول زهير: لهم في الذاهبين أروم صدق ... وكان لكل ذي حسب أروم وقوله: كذلك خيمهم ولكل قوم ... إذا مستهم الضراء خِيم وقول الآخر: تسائل عن حصين كلّ ركب ... وعند جُهَيْنَةَ الخبرَ اليقين وهذه الأنواع لا يأتي عليها الحصر، وإنما أردنا بعضاً من مختار ذلك ومشهوره، وما تركناه أكثر، وقد يشتمل البيت على ثلاثة أمثال أو أربعة، وهو قليل بالنسبة إلى غيره، فمن غير ذلك قول زهير: وفي الحلم إذعان وفي العفو دُربة ... وفي الصدق منجاة من الشر فاصدق غيره: العلم يجلو العمى، والجهل مهلكة ... واللاعب الرفل الأذيال مكذوب وقول صالح: كل آت لا بد آت وذو الجه ... ل معنى والهم والغم فضل وقولي من قصيدة: فلا تهتبل للحادثات ولا تثق ... بما وهبت يوماً فموهوبها معرى

стр. 35

مقربها مقصى ومرفوعها لقىً ... ومنهلها مظما ومكسوها معرى وقولي فيها: وإن أبصروا بالمملق اهتزأوا به ... ومدوا إليه طرفهم نظراً شزرا وقالوا بغيض إن نأى ومتى دنا ... يقولون ثقيل مبرم " أدبر الفقرا " فإن غاب لم يفقد، وإن علّ لم يعد ... وإن مات لم يشهد، وإن ضاف لم يقرا وهذا الباب لا ينحصر، وقد أودعنا منه " كتاب الأمثال والحكم " قدراً صالحاً، ولنقتصر على هذا القدر هنا خوفاً من الملل. لله الأمر من قبل ومن بعد روايات المؤلف عن محمد الحاج الدلائي حدثني الرئيس الأجلّ أبو عبد الله محمد الحاج بن محمد بن أبي بكر الدلائي ﵀ قال: لما نزلنا في طلعتنا إلى الحجاز بمصر المحروسة خرج للقائنا الفقيه النبيه أبو العباس أحمد بن محمد المقري قال: وكنت أعرفه عند والدي لم يشب، فوجدته قد شاب، فقلت له: شبت يا سيدي فاستضحك ثم قال: شيبتني غرندل ويحار ... وبحار فيها اللبيب يحار قال: وحدث أنهم كانوا ركبوا بحر سويس فهال بهم مدة من نحو ستة أشهر، وهم يدورون دوراناً، وأنه ألف في تلك المدة موضوعاً في علم الهيئة وسارت به البركان، فلما خرج من البحر وتصفحه وجد فيه الخطأ الفاحش، وقد فات تداركه، وذلك مما وقع له من الهول. قال: وإذا هو قد خرج معه برجل ضرير البصر فقال: هذا الضرير من أعاجيب الزمان في بديهة الشعرِ، فألقِ عليه أي بيت شئت يأت عليه ارتجالاً بما شئت من الشعر، ثم عهْدُه به أن يقوله فلا يبقى شيء منه في حفظه، فأتيتكم به لتشاهدوا من عجائب هذه البلاد ونوادرها وتذهبوا بخبر ذلك إلى بلادكم قال: فاقترحوا مني بيتاً يقول عليه، فحضر في لساني بيت ابن الفارض: سائقَ الأظعان يطوي البِيدَ ... مسرعاً عرِّج على كثبان طيْ قال: فذكرته فاندفع على هذا الروي مع صعوبته حتى أتى بنحو مائة بيت ارتجالاً. قلت وهذا غريب، فإن هذا القدر كله يعز وقوعه من العرب المطبوعين فكيف بالمولدين؟ فكيف بآخر الزمان الذي غلبت فيه العجمة على الألسن؟ ولكن رب الأولين والآخرين واحد، تبارك الله أحسن الخالقين! وحدثني أن الفقيه أبا العباس المذكور كان أيام مقامه بمصر قد اتخذ رجلاً عنده بنفقته وكسوته وما يحتاج على أن يكون كلما أصبح ذهب يقتري البلد أسواقاً ومساجد ورحاباً وأزقة، وكل ما رأى من أمر واقع أو سمع يُريحُه عليه بالليل فيقصه عليه. قلت: وهذا اعتناء الأخبار والنوادر والتواريخ. وقد كان نحو هذا لشيخ مشايخنا أبي عبد الله محمد العربي ابن أبي المحاسن يوسف الفاسي، فكان من دأبه أنه متى لقي إنساناً يسأله من أي بلد هو؟ فإذا أخبره قال: من عندكم من أهل العلم؟ من عندكم من أهل الصلاح؟ ومن الأعيان؟ فإذا أخبره بشيء من ذلك كله سجله، وهذا الاعتناء بالأخبار والوقائع والمساند ضعيف جداً في المغاربة، فغلب عليهم في باب العلم الاعتناء بالدراية دون الرواية، وفيما سوى ذلك لا همة لهم. وكان أبو عبد الله المذكور يذكر في كتابه " مرآة المحاسن " أنه كم في المغرب من فاضل ضاع من قلة اعتنائهم، وهو كذلك. وقد سألت شيخنا الأستاذ أبا عبد الله ابن ناصر ﵀ ورضي عنه يوماً عن السند في بعض ما كنت آخذه عنه فقال لي: إنا لم تكن لنا رواية في هذا، وما كنا نعتني بذلك. قال: وقد قضيت العجب من المشارقة واعتنائهم أمثال هذا حتى إني لما دخلت مصر كان كل من يأخذ عني عهد الشاذلية يكتب الورد والرواية والزمان والمكان الذي وقع فيه ذلك. منافسة علماء مصر لأحمد المقري

стр. 36

رجعنا إلى الحديث الأول قال: ووجدت الفقيه أبا العباس المذكور قد وقع بينه وبين طلبة العلم من أهل مصر شحناء عظيمة، وحدث أن سببها اتفاق غريب، وهو أنه حضر ذات يوم سوق الكتب وهو إذ ذاك لم يعرف، فوقع في يده سِفْرٌ من تفسير غريب، ففتح على " تفسير " سورة النور. فإذا هو قد تعرض لمسألة فقهية غريبة، وذكر فيها اختلافاً وتفصيلاً وتحقيقاً، فحفظ ذلك كله على الفور، وكان رجلاً حافظاً، ثم اتفق عن قريب أن اجتمع علماء البلد في دعوة وحضر معهم، فلما استقر بهم المجلس إذا سائل في يده بطاقة يسأل عن تلك المسألة نفسها، فدفعت للأول من أكابر أهل المجلس، فنظر فكأنه لم يحضره فيها ما يقول، فدفعها لمن يليه، ثم دفعها الآخر للآخر وهكذا حتى بلغت أبا العباس المذكور، فلما تناولها استدعى الدواة فكتب عليها الجواب بنحو ما حفظ، فجعلوا ينظرون إليه متعجبين، فلما فرغ تعاطوها فقالوا: من ذكر هذا؟ فقال لهم: ذكره فلان في تفسير سورة النور، فالتمسوا التفسير فإذا الأمر كما ذكر، فدخلهم من ذلك ما هو شأن النفوس. قلت: وليس هذا ببدع، فما زال هذا الجنس يتحاملون على من توسموا فيه شفوفاً عنيهم، أو مزاحمة في رتبة أو حظ إلاّ من عصمه الله، وقليل مثلهم. كضرائر الحسناء قلن لوجهها ... حسداً وبغضاً أنه لدَميمُ. وقد أفتى بعض الفقهاء أنه لا تقبل شهادة بعضهم على بعض لهذا المعنى، ولا شك أنه " ليس " على العموم، ولكنه شائع معلوم. فمن ذلك ما وقع للإمام سيبويه مع أهل الكوفة، وقصته مشهورة. وما وقع لسيف الدين الآمدي مع أهل مصر، فإنه لما برز عليهم في العلوم أنكروه ونسبوه إلى الأهواء، وكتبوا عليه رسماً بذلك، فكانوا يدفعونه بعضهم لبعض ليوقعوا فيه الشهادة على ذلك، فكانوا يشهدون حتى انتهى إلى بعض من وفقه الله وعصمه فوقع تحت الشهادات. حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ... فالقوم أعداء له وخصوم وقد تناهى به ذلك حتى خرج من مصر. وما وقع للفقيه محمد بن تومرت المعروف بالمهدي إمام الموحدين، فإنه دخل مدينة مراكش مَقْفَلَهُ من المشرق، فحرَّك العلوم العقلية، وكانوا أهل بادية لا يعرفون ذلك، فقالوا: هذا أدخل علينا علوم الفلاسفة، ووَشوا به إلى اللمتوني حتى كان من أمره ما كان. و" مثله " ما وقع للإمام أبي الفضل بن النحوي حين دخل سجلماسة فجعل يدرس أصول الدين وأصول الفقه، فمر به عبد الله بن بسام أحد رؤساء البلد فقال: ما العلم الذي يدرسه هذا؟ فأخبروه، وكانوا قد اقتصروا على علم الرأي فقال: هذا يريد أن يدخل علينا علوماً لا نعرفها، وأمر بإخراجه، فقام أبو الفضل ثم قال " له ": أمَتَّ العلمَ أماتك الله ههنا، قالوا: وكانت عادة أهل البلد أن يعقدوا الأنكحة في المسجد، فاستحضروا ابن بسام لعقد نكاح صبيحةَ اليوم الثاني من ذلك اليوم، فخرج سَحَراً وقعد في المكان المذكور، فمرت عليه جماعة من ملوانة إحدى قبائل صنهاجة فقتلوه برماحهم، وارتحل أبو الفضل إلى مدينة فاس فتسلط عليه القاضي ابن دبوس ولقي منه ما لقي من ابن بسام، فدعا عليه أيضاً فهلك، ولما رجع إلى وطنه القلعة واشتغل بالتقشف تسلط عليه ابن عصمة أيضاً فقيه البلد بالإذاية. وهذا النوع أعني الفقهاء ولا سيما أرباب المناصب منهم كالقضاة لم يزالوا متسلطين على أهل الدين كما وقع لهذا، وكما وقع للقاضي ابن الأسود مع الإمام العارف أبي العباس بن العريف ولابن " أبي " البراء مع القطب الجامع أبي الحسن الشاذلي وكلهم قد أخذهم الله بذنوبهم في الدنيا قبل الآخرة، نسأل الله تعالى العصمة من اتباع الهوى، ونعوذ بالله أن نظلم أو نظلم، إنه الحفيظ الرحيم.

стр. 37

وحدثني الحاج المذكور أيضاً قال: دخلنا مكة شرفها الله فدخلت ذات يوم المسجد الحرام فإذا هو غاص بأهله والناس مزدحمون فقلت: ما هذا؟ فقالوا: جنازة ولد توفي للشيخ يوسف الوفائي وكان حاضراً في تلك الحجة، قال: وكنت أعرفه، فجئت إليه لأعزيه في مصيبته، فاستأذنت عليه فأذن لي، فدخلت عليه وهو مع أصحابه فإذا هو يتحدث وهو في غاية ما يكون من البسط والسرور، قال: فجلست أمامه وقلت: أعظم الله أجرك فأنكر علي غاية الإنكار وقال: أمثلك يقول هذا؟ وقد طالما كنت أتمنى أن يجعل الله " جسدي في هذه البقاع المشرفة، واليوم قد جعل الله " بعضي فيها، فله الحمد وله الشكر، أو كلاماً هذا معناه رحمة لله ورضي عنه، " و " إنما أذكر مثل هذه القصة للاعتبار والائتساء. وحدثنا أيضاً قال: بتنا عند الفقيه الشيخ علي الأجهوري برسم زيارة، فبات ليله على النظر في كتب العلم، وهو يشرب الدخان، فكان له صاحب بعمر له الدواة حتى إذ فرغت عمر أخرى، ويرى حلَيَته. قال: وكان الشيخ إبراهيم اللقاني معاصره وبلديه يفتي بحرْمته. لله الأمر من قبل ومن بعد قضاء الحاجات عند الصلحاء وكان يحدثناعن أسلافه أن ثلاثة من صلحاء الغرب قد جرب عندهم قضاء الحاجات: الشيخ عبد السلام بن مشيش، والشيخ أبو يعزى " يلنور " والشيخ أبو سلهام، غير أنهم اختلفوا، فالأول في أمور الآخرة، والثالث في أمور الدنيا، وأبو يعزي في الكل، نفعنا الله بهم وبأمثالهم. وقد ذكر غيره كالشيخ زروق أن هؤلاء الثلاثة أبا يعزى وأبا العباس السبتي وأبا مدين قد وقع الانتفاع بهم بعد الموت، وهذا بحسب ما اشتهر وانتشر، وإلاّ فالانتفاع واقع بأولياء الله كثيراً في كل أرض. وقد شاهدت المولى أدريس بن إدريس ﵁ أيام مقامي بمدينة فاس تِرْياقاً في كل ما أنزل به من حاجة. وحدثونا في درعة عن الشيخ سيدي أحمد بن إبراهيم أنه كان يقول لهم: إن سيدي أبا القاسم الشيخ وهو معروف هنالك يقضى عنده ما يقضى عند الشيخ أبي يعزى. وحدثني بمدينة مراكش الفاضل أبو العباس أحمد بن أبي بكر الهشتوكي قال: رأيت ذات ليلة فيها يرى النائم أني دخلت مقام الشيخ أبي عبد الله محمد بن سليمان الجزولي، فإذا هو جالس وهو يقول، من كانت له إلى الله حاجة فليأتنا، قال فلما أصبحت وكان أمير الوقت قد بعث إلى أهل المدينة أن يعطوا الرماة، وشق عليهم ذلك كثيراً، وكان قوم قد ذهبوا إليه وعزموا أن يسعوا في إذايتي، فجئت أليه فقلت: إنك قلت كذا، وها أنا ذا قد جئت في هاتين الحاجتين، قال: فقضى الله الحاجتين معاً. وحدثني أيضاً الأخ الصالح أبو عبد الله محمد بن أحمد الهشتوكي قال: بلغني عن الفقيه سيدي عبد الواحد الشريف أنه حدث أصحابه فقال لهم: كنا خرجنا ونحن نفر ثلاثة لزيارة الشيخ عبد الخالق بن ياسين الدغوغي، فلما كنا ببعض الطريق قلنا: تعالوا فليذكر كل واحد منكم حاجته التي يريدها، قال: فأما أنا فقلت لهم: إني أريد كرسي جامع المواسين، وأما الثاني فقال: أريد أن أتولى الحكومة في البلد، وأما الثالث فقال: أريد محبة الله تعالى، قال: فزرنا، فأما أنا وصاحبي فقد تولينا ما طلبنا، وأما الآخر فبخروجه من مقام الشيخ تحرك وفغر فاه واستقبل البرية، فكان ذاك آخر العهد به، وقد قضى الله الحاجات كلها. وكانت أهلي أيام كنا بالزاوية البكرية قد تراخت عنها الولادة، فدخلها من ذلك غم عظيم، فأصبحت ذات يوم فأخبرت أنها رأت أنها ذهبت إلى مقام سيدي أبي علي الغجاتي، " فقالت فوجدته جالساً وأنا في غاية العطش " فإذا حوله عين يرشح منها ماء قليلٌ. لا يغني، فقلت: يا سيدي ما هذا؟ جئت إليك عطشى رجاء أن أشرب، أفأرجع كما جئت؟ قال: لا، إن الماء ثمَّ، انبشي يخرج، فقالت: فنبشت بيدي فخرج الماء وشربت حتى رويت، وطلبت مني أن نزوره وأن نطعم عنده طعاماً ففعلنا، فولد ولدنا محمد الكبير أصلحه الله وأمتع به. ولما نزلنا بالزاوية المرةَ الثانيةَ مَقْفَلَنَا من حضرة مراكش كانت لنا بُنَيّةٌ عجزت عن النهوض وهي في سن من يمشي، فظنناها مقعدةً فذهب بها الخدم إليه وزوروها فقامت بالفور على رجلها تمشي، وأمثال هذه الأمور لو تتبعنا منها ما رأينا وما سمعنا لملأنا بها الدواوين.

стр. 38

نعم رأيت لبعضهم أن الولي إذا مات أنقطع تصرفه من الكون، وما يحصل لزائره مثلا إنما يحصل له على يد قطب الوقت بحسب درجة ذلك الولي، والله تعالى أعلم. لله الأمر من قبل ومن بعد الحرة تكفي وتغني وكان أيضاً ﵀ كثيراً ما ينشدنا " لبعضهم ": إذا لم يكن في منزل المرء حرة ... تدبر أمراً نابه فهو ضائع وقوله في البيت حرة يحتمل أن يريد بها ضد الأمة لأن الحرائر مظنة العقل والتجربة والغناء والكفاية، والظاهر أن المراد أخص " من ذلك " وهي الكاملة الحرية، كما يقال لكامل الرجولية: فلان رجل، وذلك أن ليس كل حرة تكفي وتغني، بل رب أمة لبيبة أقوم من حرة، فالمرأة الصالحة الكيِّسة الصيِّنة هي التي تراد. وفي الحديث: " تُنْكَحُ المَرْأةُ لِديِنَها وَجَمَالِهَا وَمَالِهَا، فّاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ " " تَرِبَتْ يَمِينُكّ ". وفي الحديث أيضاً: " الدُّنْيَا كُلُّهَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا المَرْأةُ الصَّالِحَةُ ". وفي الحديث: " إنَّ المَرْأةَ الصَّالِحَةَ بَيْنَ النساءِ كَالْغُرَابِ الأعْصَمِ بَيْنَ الغِرْبَانِ " وذلك لعزة من تستكمل المعتبر من الأوصاف، أو لعزة الدين فيهن، فإنهن ناقصات عقل ودين. وروي عن نبي الله داود أنه قال لابنه سليمان ﵉: يا بني، إن المرأة الصالحة كمثل التاج على رأس الملك، وإن المرأة السوء كالحِمل الثقيل على الشيخ الكبير. وعن أمير المؤمنين عمر ﵁: النساء ثلاث: امرأة عاقلة مسلمة عفيفة هينة لينة ودود ولود، تعين أهلها على الدهر، ولا تعين الدهر على أهلها، وقليلاً ما تجدها، وأخرى وعاء للولد لا تزيد على ذلك، وأخرى غُلّ قمل يجعله الله في عنق من يشاء، ثم إذ شاء أن ينزعه نزعه. وقوله غل قمل تمثيل، وأصله أن الأسير مثلاً يجعل عليه الغل فيبقى حتى إذا طال قَمِلَ أي دخله القمل فيأكله القمل في عنقه ولا يمكنه أن يزيل القمل منه ولا أن يزحزح الغُلّ من محله ما لم " من " أصله، فيلقى من ذلك عذاباً لازماً، وكذلك المرأة إذا كانت سيئة الأخلاق أو ذميمة الخلقة أو جمعتها فالرجل يتأذى منها أذىً عظيماً لازماً، ما لم يطلقها، فالمرأة إذا كانت جميلة حسنة الشباب مليحة ألفها الطبع وشربتها النفس، فكان سيئها حسناً، وذنبها مغفوراً كما قال أبو فراس: يُعد عليَ الواشياتُ ذنوبَه ... ومن أين للوجه المليح ذنوب ولا بد مع ذلك من كفاية بيتها، فإذا جمعت الحسن والدين والكفاية فهي الحرة المعدودة، والضالة المنشودة، وفي أمر النساء كلام يكثر، لا يفي به إلاّ تصنيف مستقل، وهذا يكفي في هذا المحل. " وكان يقول كثيراً: لا تواكل من لا يواكل، ولا تجالس من لا يجانس ". وكان يقول في حديثه بما سمع ممن لقي: إن الولي الصالح سيدي عبد العزيز بن عبد الحق الحرار المعروف بالتباع كان يقول لأصحابه، وهم سيدي سعيد بن عبد المنعم المناني الحاحي، " وسيدي علي بن إبراهيم البوزيدي " وسيدي رحال المعروف بالكوش: سعيد فقيهكم، وعابدكم، ورحال مجذوبكم، والغزواني سلطانكم، نفعنا الله بجميعهم آمين. وسمعته يحدث عن والده سيدي محمد بن أبي بكر أن شيخه سيدي محمد ابن أبي القاسم المعروف بالشرقي التادلاوي كان وقع بينه وبين ولده سيدي الغزواني كلام وعتاب إلى أن قال الولد: أنت ترزقني؟ فقال الشيخ نعم أنا أرزقك، فأعظم الناس هذا الكلام، قال: فقال الوالد: لا شيء في هذا، فإن الشيخ هو القطب في الوقت، والقطب تجري الأرزاق على يده، فصح بهذه الإضافة أن يكون رازقاً. لله الأمر من قبل ومن بعد شيخ الدلاء عند عبد الله بن حسون في سلا

стр. 39

وحدث عنه أيضاً قال: قدمت على الوالي الصالح سيدي عبد الله بن حسون دفين سلا، فقعدت إلى جنبه وقد مد رجليه، والأعراب يتساقطون عليه يقبلون يديه ورجليه، قال: فخطر ببالي أنه كيف أطلق هذا الرجل نفسه للناس هكذا؟ فلم يتم الخاطر إلاّ وقد قال: أيها الناس، رجل قيل له من مس لحمك لم تمسه النار، أو لم تأكله النار، أو نحو هذا فيبخل بلحمه على المسلمين؟ قال: فلما سمع كلامه وعلمت أنه خاطري تكلم تبت إلى الله تعالى في نفسي، فجعلت إذا مد إليه أحد كاغدا وكان يكتب الحروز، تلقفته من يده، وناولته الشيخ وقبلت يده، " فإذا كتبته أخذته منه وقبلت يده "، فيحصل لي في كل حرز تقبيلتان، قال: ورأيت عنده أموراً أشكلت علي: منها أنه يؤتى بالثياب هدية وصدقة فيأمر بها فترمى في بيت وتبقى كذلك يأكلها السوس. ومنها أنه كل يوم يصبح عليه أهل الآلات فيضربون عليه. قلت: أما الثياب فالذي يظهر في أمرها أنه إما غيبة حصلت للشيخ عنها، وليس ذلك بمستنكر في أمثاله من المستهترين في ذكره، وإما خارج مخرج القلنسوة التي رمى بها الإمام الشبلي في النار، ومائة الدينار التي رمى بها في دجلة. وتأويل ذلك معروف عند أهل الطريق لا نطيل به. " وأما أمر الآلات فإما أنه كان يستنكر من تلك الأصوات أسراراً ومعاني "، ونظيره ما حكى الإمام أبو بكر بن العربي في سراج المريدين عن الشيخ أبي الفضل الجوهري أنه بات بجواره ذات ليلة أصحاب الآلات فشغلوه عن ورده بما هم عليه من لهوهم وباطلهم، فلما أصبح وجلس في مجلسه قال: إنه بات بجوارنا البارحة قوم ملئوا مسامعنا علماً وحكمة، قال أولهم: لي لي لي، فقال الآخر لي ولك لي ولك، فقال الآخر كذا، ومثل ذلك بمتناظرين، وجعل يقرر ذلك حتى قضى المجلس كله بأنواع من الحكم واللطائف والأسرار، وهذا من أعجب ما يتحف الله به أولياءه، فقد غيّبَهُ الله عن صورتها الباطلة وأشهده سره الباطن فيها. وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد وإما أن ذلك يوافق حالة له جمالية تحصر في الوقت، ومن هذا المنبع يقع الطرب وما يشهد من حالات أهل الوجد. وإما أنه يكون قطباً فتناسبه النوبة الملوكية. وقل لملوك الأرض تجهد جهدها ... فذا المُلْكُ ملْكٌ لا يباع ولا يهدى لله الأمر من قبل ومن بعد محمد الشرقي شيخ تادلا ونحو هذا ما يحكى عن سيدي محمد الشرقي التادلاوي وأنه لما وقع له الظهور بعث إليه السلطان أحمد المنصور نفراً من خواصه يختبرون أمره، فأضمر كل واحد منهم حاجة، فأحدهم قال: تركت جارية لي مريضة وأريد أن يخبرني بأمرها، وقال الآخر: أشتهي خبزاً خالصاً ودلاعة وذلك في غير مكان وغير إبان، فلما انتهوا إليه خرج إليهم في لباس رفيع فقال بعضهم: هذا لباس الملوك فكيف يكون هذا ولياً؟ فلما استقر المجلس بهم قال للمتكلم: أنا قطب وقتي، وهذا هو اللباس اللائق بي أو نحو هذا، وأخبر الآخر عن جاريته وأنها عوفيت، وكان رجل قد خبأ له دلاعة من الصيف، فأتاه بها ذلك اليوم، واستحضر خبزاً على الوصف فقال للمشتهي: تطلبت ما لا يكون فها هو ذا قد جاء الله به. وحدث أيضاً أن بعض الناس ممن كان مملقاً دوام حياته ذهب إلى سيدي محمد الشرقي المذكور فاشتكى إليه الفقر فقال له: اذهب فقد رفع الله عنك الفقر، قال: فذكر ذلك للوالد ﵀ يعني سيدي محمد ابن أبي بكر. فقال: كلام الشيخ لا مطعن فيه، ولكن يا عجباً أين يذهب الفقر عن فلان؟ فهذا لا بد له من مخرج، قال فلم يلبث ذلك الرجل أن مات عاجلاً، فكان ذلك هو ارتفاع الفقر عنه واستراحته منه. قلت: ومن معنى هذه ما حدثوا عن بعض الصلحاء مراكش القرباء العهد أنه جاءه إنسان فقال له: يا سيدي إن الصلاة تثقل علي، فعسى أن ترفعها عني فقال له " على الفور " " قم " قد رفعها الله عنك، فلم يقم إلاّ مجنوناً خارجاً عن التكليف، والله على كل شيء قدير. وقد شهدت أنا بعض الناس ممن كان ذا رياسة ودنيا فنكب وذهب ماله كتب معي كتاباً إلى أستاذنا الإمام ابن ناصر ﵁ يشكو عليه بما نابه وما تخوف من العيلة والضيعة، فأجابه الأستاذ بكتاب وفيه: فلا تخشى الفقر، فاتفق أن مات ذلك الرجل عن قريب، فكان ذلك راحته مما خاف. لله الأمر من قبل ومن بعد القاف المعقودة

стр. 40

حدثني الأديب الفاضل أبو عبد الله محمد بن المرابط الدلائي قال: كنت مع والدي ﵀، وأظنه قال في درب الحجاز نزولاً، فإذا بعجوز أعرابية مرت بنا وقد رفعت عقيرتها وهي تقول: حج الحجيج وناقتي معكولة ... يا رب يا مولاي حل عكالها بقاف معقودة على ما هو لغة العرب اليوم، قال: فقام أبي يهرول وراءها عجباً بما سمع من كلام العرب في غير زمانه. والظاهر أنها أرادت بالناقة نفسها، وأنها لم تنشرح لهذا الأمر، أو أرادت تمثيل حالها في عدم التحرك بحال الناقة المعقولة أو حال من ناقة معقولة. ومثل هذه اللغة ما حدثني الفاضل أبو عبد الله محمد بن عبد الكريم الجزائري قال: حج بعض الأشراف فلما وقف على الروضة المشرفة على ساكنها الصلاة والسلام قال: إن كيل زرتم بما رجعتم به ... يا أكرم الرسل ما نكولُ؟ بالقاف المعقودة، فسمع من الروضة بتلك اللغة: كولوا رجعنا بكلّ خير ... واجتمع الفرع والأصول لله الأمر من قبل ومن بعد الكسكسون والتداوي بالشيء المعتاد وجدت في بعض التقاييد لبعضهم ما معناه: لو رأى أرسطو قدر البرنس في اللباس، والكسكسون في الطعام، والحلق بالموسى، لاعترف للبربر بحكمة التدبير الدنيوي وأن لهم قصب السبق في ذلك، انتهى. وقد كتب الكسكسون بالنون على ما وجدته مكتوباً خلاف ما ينطق به الناس، وبالنون، حدثنا الرئيس الأجلّ أبو عبد الله محمد الحاج المتقدم الذكر قال: ذهب رجلان فاضلان من بلاد المغرب، وأظنه قال: أخوان، فدخلا بلاد الشام، فمرض أحدهما وطال به المرض حتى يئسوا منه، فرأى الآخر النبي ﷺ فقال له: أطعموه الكسكسون بهذه العبارة، قال: فاستصنعوه له فأكله فبرئ، وهذا إما خصوصية لهذا الطعام، أو بذكره ﷺ ، فيثبت له الشرف، ويستدرك بذلك ما قلته من كونه لم يأكله ﷺ في حياته، وإما من باب ما تقرر من أن دواء الجسم عادته. قد دخلنا مدينة فاس - حرسها الله - عام تسع وسبعين وألف فأصابني إسهال مفرط، وطال " بي " وكان الطبيب بعثني بأمري، فلم يترك دواء يستحسنه إلاّ صنعه لي، فلما لم يفد ذلك أرسل في غيبة مني إلى عمالي يقول لهم: انظروا إن كان " ثم " من الطعام ما يعتاده في بلده فأطعموه، فذكروا الأقط واصطنعوا عليه طعاماً فأكلته فعافاني الله تعالى. وقد أصابني مرة أخرى ذلك فدخلت على السلطان رشيد ابن الشريف، وكان يكرمني ويجلني، فرأى تغيراً في وجهي، فسألني فأخبرته فقال: وماذا صنعت من علاج؟ فقلت له: إن الطبيب يصنع لي شراب الريحان، فتضاحك ثم قال: سبحان الله! ما لنا ولشرب الريحان؟ وأين عهدناه؟ خذ سويق الشعير واخلطه بالماء فذلك دواؤه، ثم ضحك فقال: هذه مثل قصة العمراني الشريف، بات في ملوية عند بني فلان فجعل يقول: أعندكم شيء من شراب رمانتين؟ وهذا أعني التداوي بالشيء المعتاد، ولو في الأعراق أمر شهير واضح، وقد ذكره ابن الحاج ﵁ في " المدخل " وذكر قصة الملك النصراني الذي مرض فأعيا الأطباء علاجه حتى جاء بعض أهل الخبرة فسأل أمه وقال: إن أردت أن يعافى ابنك فاصدقيني عنه، فقالت: نعم، كان أبوه عقيماً، فلما خفت ذهاب ملكهم مكنت أعرابياً كان عندنا من نفسي، فهو أبو الملك، فقال الرجل على الفور: علي بحوار فجيء به وذبح وشوي قدامه وهو يشم رائحته، فكان ذلك بإذن الله تعالى سبب برئه. وهذا من العجب، فإن هذا الملك الظاهر أنه ما أكل قط لحم الجمل، وإنما العروق نزعته فكيف بمن اعتاد أكل الطعام وربا عليه جسمه.
следующие страницы →