Полный текст (139 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
رجعنا إلى الحديث الأول قال: ووجدت الفقيه أبا العباس المذكور قد وقع بينه وبين طلبة العلم من أهل مصر شحناء عظيمة، وحدث أن سببها اتفاق غريب، وهو أنه حضر ذات يوم سوق الكتب وهو إذ ذاك لم يعرف، فوقع في يده سِفْرٌ من تفسير غريب، ففتح على " تفسير " سورة النور. فإذا هو قد تعرض لمسألة فقهية غريبة، وذكر فيها اختلافاً وتفصيلاً وتحقيقاً، فحفظ ذلك كله على الفور، وكان رجلاً حافظاً، ثم اتفق عن قريب أن اجتمع علماء البلد في دعوة وحضر معهم، فلما استقر بهم المجلس إذا سائل في يده بطاقة يسأل عن تلك المسألة نفسها، فدفعت للأول من أكابر أهل المجلس، فنظر فكأنه لم يحضره فيها ما يقول، فدفعها لمن يليه، ثم دفعها الآخر للآخر وهكذا حتى بلغت أبا العباس المذكور، فلما تناولها استدعى الدواة فكتب عليها الجواب بنحو ما حفظ، فجعلوا ينظرون إليه متعجبين، فلما فرغ تعاطوها فقالوا: من ذكر هذا؟ فقال لهم: ذكره فلان في تفسير سورة النور، فالتمسوا التفسير فإذا الأمر كما ذكر، فدخلهم من ذلك ما هو شأن النفوس.
قلت: وليس هذا ببدع، فما زال هذا الجنس يتحاملون على من توسموا فيه شفوفاً عنيهم، أو مزاحمة في رتبة أو حظ إلاّ من عصمه الله، وقليل مثلهم.
كضرائر الحسناء قلن لوجهها ... حسداً وبغضاً أنه لدَميمُ.
وقد أفتى بعض الفقهاء أنه لا تقبل شهادة بعضهم على بعض لهذا المعنى، ولا شك أنه " ليس " على العموم، ولكنه شائع معلوم.
فمن ذلك ما وقع للإمام سيبويه مع أهل الكوفة، وقصته مشهورة.
وما وقع لسيف الدين الآمدي مع أهل مصر، فإنه لما برز عليهم في العلوم أنكروه ونسبوه إلى الأهواء، وكتبوا عليه رسماً بذلك، فكانوا يدفعونه بعضهم لبعض ليوقعوا فيه الشهادة على ذلك، فكانوا يشهدون حتى انتهى إلى بعض من وفقه الله وعصمه فوقع تحت الشهادات.
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ... فالقوم أعداء له وخصوم
وقد تناهى به ذلك حتى خرج من مصر.
وما وقع للفقيه محمد بن تومرت المعروف بالمهدي إمام الموحدين، فإنه دخل مدينة مراكش مَقْفَلَهُ من المشرق، فحرَّك العلوم العقلية، وكانوا أهل بادية لا يعرفون ذلك، فقالوا: هذا أدخل علينا علوم الفلاسفة، ووَشوا به إلى اللمتوني حتى كان من أمره ما كان.
و" مثله " ما وقع للإمام أبي الفضل بن النحوي حين دخل سجلماسة فجعل يدرس أصول الدين وأصول الفقه، فمر به عبد الله بن بسام أحد رؤساء البلد فقال: ما العلم الذي يدرسه هذا؟ فأخبروه، وكانوا قد اقتصروا على علم الرأي فقال: هذا يريد أن يدخل علينا علوماً لا نعرفها، وأمر بإخراجه، فقام أبو الفضل ثم قال " له ": أمَتَّ العلمَ أماتك الله ههنا، قالوا: وكانت عادة أهل البلد أن يعقدوا الأنكحة في المسجد، فاستحضروا ابن بسام لعقد نكاح صبيحةَ اليوم الثاني من ذلك اليوم، فخرج سَحَراً وقعد في المكان المذكور، فمرت عليه جماعة من ملوانة إحدى قبائل صنهاجة فقتلوه برماحهم، وارتحل أبو الفضل إلى مدينة فاس فتسلط عليه القاضي ابن دبوس ولقي منه ما لقي من ابن بسام، فدعا عليه أيضاً فهلك، ولما رجع إلى وطنه القلعة واشتغل بالتقشف تسلط عليه ابن عصمة أيضاً فقيه البلد بالإذاية.
وهذا النوع أعني الفقهاء ولا سيما أرباب المناصب منهم كالقضاة لم يزالوا متسلطين على أهل الدين كما وقع لهذا، وكما وقع للقاضي ابن الأسود مع الإمام العارف أبي العباس بن العريف ولابن " أبي " البراء مع القطب الجامع أبي الحسن الشاذلي وكلهم قد أخذهم الله بذنوبهم في الدنيا قبل الآخرة، نسأل الله تعالى العصمة من اتباع الهوى، ونعوذ بالله أن نظلم أو نظلم، إنه الحفيظ الرحيم.
стр. 37
وحدثني الحاج المذكور أيضاً قال: دخلنا مكة شرفها الله فدخلت ذات يوم المسجد الحرام فإذا هو غاص بأهله والناس مزدحمون فقلت: ما هذا؟ فقالوا: جنازة ولد توفي للشيخ يوسف الوفائي وكان حاضراً في تلك الحجة، قال: وكنت أعرفه، فجئت إليه لأعزيه في مصيبته، فاستأذنت عليه فأذن لي، فدخلت عليه وهو مع أصحابه فإذا هو يتحدث وهو في غاية ما يكون من البسط والسرور، قال: فجلست أمامه وقلت: أعظم الله أجرك فأنكر علي غاية الإنكار وقال: أمثلك يقول هذا؟ وقد طالما كنت أتمنى أن يجعل الله " جسدي في هذه البقاع المشرفة، واليوم قد جعل الله " بعضي فيها، فله الحمد وله الشكر، أو كلاماً هذا معناه رحمة لله ورضي عنه، " و " إنما أذكر مثل هذه القصة للاعتبار والائتساء.
وحدثنا أيضاً قال: بتنا عند الفقيه الشيخ علي الأجهوري برسم زيارة، فبات ليله على النظر في كتب العلم، وهو يشرب الدخان، فكان له صاحب بعمر له الدواة حتى إذ فرغت عمر أخرى، ويرى حلَيَته.
قال: وكان الشيخ إبراهيم اللقاني معاصره وبلديه يفتي بحرْمته.
لله الأمر من قبل ومن بعد
قضاء الحاجات عند الصلحاء
وكان يحدثناعن أسلافه أن ثلاثة من صلحاء الغرب قد جرب عندهم قضاء الحاجات: الشيخ عبد السلام بن مشيش، والشيخ أبو يعزى " يلنور " والشيخ أبو سلهام، غير أنهم اختلفوا، فالأول في أمور الآخرة، والثالث في أمور الدنيا، وأبو يعزي في الكل، نفعنا الله بهم وبأمثالهم.
وقد ذكر غيره كالشيخ زروق أن هؤلاء الثلاثة أبا يعزى وأبا العباس السبتي وأبا مدين قد وقع الانتفاع بهم بعد الموت، وهذا بحسب ما اشتهر وانتشر، وإلاّ فالانتفاع واقع بأولياء الله كثيراً في كل أرض.
وقد شاهدت المولى أدريس بن إدريس ﵁ أيام مقامي بمدينة فاس تِرْياقاً في كل ما أنزل به من حاجة.
وحدثونا في درعة عن الشيخ سيدي أحمد بن إبراهيم أنه كان يقول لهم: إن سيدي أبا القاسم الشيخ وهو معروف هنالك يقضى عنده ما يقضى عند الشيخ أبي يعزى.
وحدثني بمدينة مراكش الفاضل أبو العباس أحمد بن أبي بكر الهشتوكي قال: رأيت ذات ليلة فيها يرى النائم أني دخلت مقام الشيخ أبي عبد الله محمد بن سليمان الجزولي، فإذا هو جالس وهو يقول، من كانت له إلى الله حاجة فليأتنا، قال فلما أصبحت وكان أمير الوقت قد بعث إلى أهل المدينة أن يعطوا الرماة، وشق عليهم ذلك كثيراً، وكان قوم قد ذهبوا إليه وعزموا أن يسعوا في إذايتي، فجئت أليه فقلت: إنك قلت كذا، وها أنا ذا قد جئت في هاتين الحاجتين، قال: فقضى الله الحاجتين معاً.
وحدثني أيضاً الأخ الصالح أبو عبد الله محمد بن أحمد الهشتوكي قال: بلغني عن الفقيه سيدي عبد الواحد الشريف أنه حدث أصحابه فقال لهم: كنا خرجنا ونحن نفر ثلاثة لزيارة الشيخ عبد الخالق بن ياسين الدغوغي، فلما كنا ببعض الطريق قلنا: تعالوا فليذكر كل واحد منكم حاجته التي يريدها، قال: فأما أنا فقلت لهم: إني أريد كرسي جامع المواسين، وأما الثاني فقال: أريد أن أتولى الحكومة في البلد، وأما الثالث فقال: أريد محبة الله تعالى، قال: فزرنا، فأما أنا وصاحبي فقد تولينا ما طلبنا، وأما الآخر فبخروجه من مقام الشيخ تحرك وفغر فاه واستقبل البرية، فكان ذاك آخر العهد به، وقد قضى الله الحاجات كلها.
وكانت أهلي أيام كنا بالزاوية البكرية قد تراخت عنها الولادة، فدخلها من ذلك غم عظيم، فأصبحت ذات يوم فأخبرت أنها رأت أنها ذهبت إلى مقام سيدي أبي علي الغجاتي، " فقالت فوجدته جالساً وأنا في غاية العطش " فإذا حوله عين يرشح منها ماء قليلٌ. لا يغني، فقلت: يا سيدي ما هذا؟ جئت إليك عطشى رجاء أن أشرب، أفأرجع كما جئت؟ قال: لا، إن الماء ثمَّ، انبشي يخرج، فقالت: فنبشت بيدي فخرج الماء وشربت حتى رويت، وطلبت مني أن نزوره وأن نطعم عنده طعاماً ففعلنا، فولد ولدنا محمد الكبير أصلحه الله وأمتع به.
ولما نزلنا بالزاوية المرةَ الثانيةَ مَقْفَلَنَا من حضرة مراكش كانت لنا بُنَيّةٌ عجزت عن النهوض وهي في سن من يمشي، فظنناها مقعدةً فذهب بها الخدم إليه وزوروها فقامت بالفور على رجلها تمشي، وأمثال هذه الأمور لو تتبعنا منها ما رأينا وما سمعنا لملأنا بها الدواوين.
стр. 38
نعم رأيت لبعضهم أن الولي إذا مات أنقطع تصرفه من الكون، وما يحصل لزائره مثلا إنما يحصل له على يد قطب الوقت بحسب درجة ذلك الولي، والله تعالى أعلم.
لله الأمر من قبل ومن بعد
الحرة تكفي وتغني
وكان أيضاً ﵀ كثيراً ما ينشدنا " لبعضهم ":
إذا لم يكن في منزل المرء حرة ... تدبر أمراً نابه فهو ضائع
وقوله في البيت حرة يحتمل أن يريد بها ضد الأمة لأن الحرائر مظنة العقل والتجربة والغناء والكفاية، والظاهر أن المراد أخص " من ذلك " وهي الكاملة الحرية، كما يقال لكامل الرجولية: فلان رجل، وذلك أن ليس كل حرة تكفي وتغني، بل رب أمة لبيبة أقوم من حرة، فالمرأة الصالحة الكيِّسة الصيِّنة هي التي تراد.
وفي الحديث: " تُنْكَحُ المَرْأةُ لِديِنَها وَجَمَالِهَا وَمَالِهَا، فّاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ " " تَرِبَتْ يَمِينُكّ ".
وفي الحديث أيضاً: " الدُّنْيَا كُلُّهَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا المَرْأةُ الصَّالِحَةُ ".
وفي الحديث: " إنَّ المَرْأةَ الصَّالِحَةَ بَيْنَ النساءِ كَالْغُرَابِ الأعْصَمِ بَيْنَ الغِرْبَانِ " وذلك لعزة من تستكمل المعتبر من الأوصاف، أو لعزة الدين فيهن، فإنهن ناقصات عقل ودين.
وروي عن نبي الله داود أنه قال لابنه سليمان ﵉: يا بني، إن المرأة الصالحة كمثل التاج على رأس الملك، وإن المرأة السوء كالحِمل الثقيل على الشيخ الكبير.
وعن أمير المؤمنين عمر ﵁: النساء ثلاث: امرأة عاقلة مسلمة عفيفة هينة لينة ودود ولود، تعين أهلها على الدهر، ولا تعين الدهر على أهلها، وقليلاً ما تجدها، وأخرى وعاء للولد لا تزيد على ذلك، وأخرى غُلّ قمل يجعله الله في عنق من يشاء، ثم إذ شاء أن ينزعه نزعه.
وقوله غل قمل تمثيل، وأصله أن الأسير مثلاً يجعل عليه الغل فيبقى حتى إذا طال قَمِلَ أي دخله القمل فيأكله القمل في عنقه ولا يمكنه أن يزيل القمل منه ولا أن يزحزح الغُلّ من محله ما لم " من " أصله، فيلقى من ذلك عذاباً لازماً، وكذلك المرأة إذا كانت سيئة الأخلاق أو ذميمة الخلقة أو جمعتها فالرجل يتأذى منها أذىً عظيماً لازماً، ما لم يطلقها، فالمرأة إذا كانت جميلة حسنة الشباب مليحة ألفها الطبع وشربتها النفس، فكان سيئها حسناً، وذنبها مغفوراً كما قال أبو فراس:
يُعد عليَ الواشياتُ ذنوبَه ... ومن أين للوجه المليح ذنوب
ولا بد مع ذلك من كفاية بيتها، فإذا جمعت الحسن والدين والكفاية فهي الحرة المعدودة، والضالة المنشودة، وفي أمر النساء كلام يكثر، لا يفي به إلاّ تصنيف مستقل، وهذا يكفي في هذا المحل.
" وكان يقول كثيراً: لا تواكل من لا يواكل، ولا تجالس من لا يجانس ".
وكان يقول في حديثه بما سمع ممن لقي: إن الولي الصالح سيدي عبد العزيز بن عبد الحق الحرار المعروف بالتباع كان يقول لأصحابه، وهم سيدي سعيد بن عبد المنعم المناني الحاحي، " وسيدي علي بن إبراهيم البوزيدي " وسيدي رحال المعروف بالكوش: سعيد فقيهكم، وعابدكم، ورحال مجذوبكم، والغزواني سلطانكم، نفعنا الله بجميعهم آمين.
وسمعته يحدث عن والده سيدي محمد بن أبي بكر أن شيخه سيدي محمد ابن أبي القاسم المعروف بالشرقي التادلاوي كان وقع بينه وبين ولده سيدي الغزواني كلام وعتاب إلى أن قال الولد: أنت ترزقني؟ فقال الشيخ نعم أنا أرزقك، فأعظم الناس هذا الكلام، قال: فقال الوالد: لا شيء في هذا، فإن الشيخ هو القطب في الوقت، والقطب تجري الأرزاق على يده، فصح بهذه الإضافة أن يكون رازقاً.
لله الأمر من قبل ومن بعد
شيخ الدلاء
عند عبد الله بن حسون في سلا
стр. 39
وحدث عنه أيضاً قال: قدمت على الوالي الصالح سيدي عبد الله بن حسون دفين سلا، فقعدت إلى جنبه وقد مد رجليه، والأعراب يتساقطون عليه يقبلون يديه ورجليه، قال: فخطر ببالي أنه كيف أطلق هذا الرجل نفسه للناس هكذا؟ فلم يتم الخاطر إلاّ وقد قال: أيها الناس، رجل قيل له من مس لحمك لم تمسه النار، أو لم تأكله النار، أو نحو هذا فيبخل بلحمه على المسلمين؟ قال: فلما سمع كلامه وعلمت أنه خاطري تكلم تبت إلى الله تعالى في نفسي، فجعلت إذا مد إليه أحد كاغدا وكان يكتب الحروز، تلقفته من يده، وناولته الشيخ وقبلت يده، " فإذا كتبته أخذته منه وقبلت يده "، فيحصل لي في كل حرز تقبيلتان، قال: ورأيت عنده أموراً أشكلت علي: منها أنه يؤتى بالثياب هدية وصدقة فيأمر بها فترمى في بيت وتبقى كذلك يأكلها السوس.
ومنها أنه كل يوم يصبح عليه أهل الآلات فيضربون عليه.
قلت: أما الثياب فالذي يظهر في أمرها أنه إما غيبة حصلت للشيخ عنها، وليس ذلك بمستنكر في أمثاله من المستهترين في ذكره، وإما خارج مخرج القلنسوة التي رمى بها الإمام الشبلي في النار، ومائة الدينار التي رمى بها في دجلة. وتأويل ذلك معروف عند أهل الطريق لا نطيل به.
" وأما أمر الآلات فإما أنه كان يستنكر من تلك الأصوات أسراراً ومعاني "، ونظيره ما حكى الإمام أبو بكر بن العربي في سراج المريدين عن الشيخ أبي الفضل الجوهري أنه بات بجواره ذات ليلة أصحاب الآلات فشغلوه عن ورده بما هم عليه من لهوهم وباطلهم، فلما أصبح وجلس في مجلسه قال: إنه بات بجوارنا البارحة قوم ملئوا مسامعنا علماً وحكمة، قال أولهم: لي لي لي، فقال الآخر لي ولك لي ولك، فقال الآخر كذا، ومثل ذلك بمتناظرين، وجعل يقرر ذلك حتى قضى المجلس كله بأنواع من الحكم واللطائف والأسرار، وهذا من أعجب ما يتحف الله به أولياءه، فقد غيّبَهُ الله عن صورتها الباطلة وأشهده سره الباطن فيها.
وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد
وإما أن ذلك يوافق حالة له جمالية تحصر في الوقت، ومن هذا المنبع يقع الطرب وما يشهد من حالات أهل الوجد.
وإما أنه يكون قطباً فتناسبه النوبة الملوكية.
وقل لملوك الأرض تجهد جهدها ... فذا المُلْكُ ملْكٌ لا يباع ولا يهدى
لله الأمر من قبل ومن بعد
محمد الشرقي شيخ تادلا
ونحو هذا ما يحكى عن سيدي محمد الشرقي التادلاوي وأنه لما وقع له الظهور بعث إليه السلطان أحمد المنصور نفراً من خواصه يختبرون أمره، فأضمر كل واحد منهم حاجة، فأحدهم قال: تركت جارية لي مريضة وأريد أن يخبرني بأمرها، وقال الآخر: أشتهي خبزاً خالصاً ودلاعة وذلك في غير مكان وغير إبان، فلما انتهوا إليه خرج إليهم في لباس رفيع فقال بعضهم: هذا لباس الملوك فكيف يكون هذا ولياً؟ فلما استقر المجلس بهم قال للمتكلم: أنا قطب وقتي، وهذا هو اللباس اللائق بي أو نحو هذا، وأخبر الآخر عن جاريته وأنها عوفيت، وكان رجل قد خبأ له دلاعة من الصيف، فأتاه بها ذلك اليوم، واستحضر خبزاً على الوصف فقال للمشتهي: تطلبت ما لا يكون فها هو ذا قد جاء الله به.
وحدث أيضاً أن بعض الناس ممن كان مملقاً دوام حياته ذهب إلى سيدي محمد الشرقي المذكور فاشتكى إليه الفقر فقال له: اذهب فقد رفع الله عنك الفقر، قال: فذكر ذلك للوالد ﵀ يعني سيدي محمد ابن أبي بكر. فقال: كلام الشيخ لا مطعن فيه، ولكن يا عجباً أين يذهب الفقر عن فلان؟ فهذا لا بد له من مخرج، قال فلم يلبث ذلك الرجل أن مات عاجلاً، فكان ذلك هو ارتفاع الفقر عنه واستراحته منه.
قلت: ومن معنى هذه ما حدثوا عن بعض الصلحاء مراكش القرباء العهد أنه جاءه إنسان فقال له: يا سيدي إن الصلاة تثقل علي، فعسى أن ترفعها عني فقال له " على الفور " " قم " قد رفعها الله عنك، فلم يقم إلاّ مجنوناً خارجاً عن التكليف، والله على كل شيء قدير.
وقد شهدت أنا بعض الناس ممن كان ذا رياسة ودنيا فنكب وذهب ماله كتب معي كتاباً إلى أستاذنا الإمام ابن ناصر ﵁ يشكو عليه بما نابه وما تخوف من العيلة والضيعة، فأجابه الأستاذ بكتاب وفيه: فلا تخشى الفقر، فاتفق أن مات ذلك الرجل عن قريب، فكان ذلك راحته مما خاف.
لله الأمر من قبل ومن بعد
القاف المعقودة
стр. 40
حدثني الأديب الفاضل أبو عبد الله محمد بن المرابط الدلائي قال: كنت مع والدي ﵀، وأظنه قال في درب الحجاز نزولاً، فإذا بعجوز أعرابية مرت بنا وقد رفعت عقيرتها وهي تقول:
حج الحجيج وناقتي معكولة ... يا رب يا مولاي حل عكالها
بقاف معقودة على ما هو لغة العرب اليوم، قال: فقام أبي يهرول وراءها عجباً بما سمع من كلام العرب في غير زمانه.
والظاهر أنها أرادت بالناقة نفسها، وأنها لم تنشرح لهذا الأمر، أو أرادت تمثيل حالها في عدم التحرك بحال الناقة المعقولة أو حال من ناقة معقولة.
ومثل هذه اللغة ما حدثني الفاضل أبو عبد الله محمد بن عبد الكريم الجزائري قال: حج بعض الأشراف فلما وقف على الروضة المشرفة على ساكنها الصلاة والسلام قال:
إن كيل زرتم بما رجعتم به ... يا أكرم الرسل ما نكولُ؟
بالقاف المعقودة، فسمع من الروضة بتلك اللغة:
كولوا رجعنا بكلّ خير ... واجتمع الفرع والأصول
لله الأمر من قبل ومن بعد
الكسكسون والتداوي بالشيء المعتاد
وجدت في بعض التقاييد لبعضهم ما معناه: لو رأى أرسطو قدر البرنس في اللباس، والكسكسون في الطعام، والحلق بالموسى، لاعترف للبربر بحكمة التدبير الدنيوي وأن لهم قصب السبق في ذلك، انتهى.
وقد كتب الكسكسون بالنون على ما وجدته مكتوباً خلاف ما ينطق به الناس، وبالنون، حدثنا الرئيس الأجلّ أبو عبد الله محمد الحاج المتقدم الذكر قال: ذهب رجلان فاضلان من بلاد المغرب، وأظنه قال: أخوان، فدخلا بلاد الشام، فمرض أحدهما وطال به المرض حتى يئسوا منه، فرأى الآخر النبي ﷺ فقال له: أطعموه الكسكسون بهذه العبارة، قال: فاستصنعوه له فأكله فبرئ، وهذا إما خصوصية لهذا الطعام، أو بذكره ﷺ ، فيثبت له الشرف، ويستدرك بذلك ما قلته من كونه لم يأكله ﷺ في حياته، وإما من باب ما تقرر من أن دواء الجسم عادته.
قد دخلنا مدينة فاس - حرسها الله - عام تسع وسبعين وألف فأصابني إسهال مفرط، وطال " بي " وكان الطبيب بعثني بأمري، فلم يترك دواء يستحسنه إلاّ صنعه لي، فلما لم يفد ذلك أرسل في غيبة مني إلى عمالي يقول لهم: انظروا إن كان " ثم " من الطعام ما يعتاده في بلده فأطعموه، فذكروا الأقط واصطنعوا عليه طعاماً فأكلته فعافاني الله تعالى.
وقد أصابني مرة أخرى ذلك فدخلت على السلطان رشيد ابن الشريف، وكان يكرمني ويجلني، فرأى تغيراً في وجهي، فسألني فأخبرته فقال: وماذا صنعت من علاج؟ فقلت له: إن الطبيب يصنع لي شراب الريحان، فتضاحك ثم قال: سبحان الله! ما لنا ولشرب الريحان؟ وأين عهدناه؟ خذ سويق الشعير واخلطه بالماء فذلك دواؤه، ثم ضحك فقال: هذه مثل قصة العمراني الشريف، بات في ملوية عند بني فلان فجعل يقول: أعندكم شيء من شراب رمانتين؟ وهذا أعني التداوي بالشيء المعتاد، ولو في الأعراق أمر شهير واضح، وقد ذكره ابن الحاج ﵁ في " المدخل " وذكر قصة الملك النصراني الذي مرض فأعيا الأطباء علاجه حتى جاء بعض أهل الخبرة فسأل أمه وقال: إن أردت أن يعافى ابنك فاصدقيني عنه، فقالت: نعم، كان أبوه عقيماً، فلما خفت ذهاب ملكهم مكنت أعرابياً كان عندنا من نفسي، فهو أبو الملك، فقال الرجل على الفور: علي بحوار فجيء به وذبح وشوي قدامه وهو يشم رائحته، فكان ذلك بإذن الله تعالى سبب برئه.
وهذا من العجب، فإن هذا الملك الظاهر أنه ما أكل قط لحم الجمل، وإنما العروق نزعته فكيف بمن اعتاد أكل الطعام وربا عليه جسمه.
стр. 41
ومن أظرف ما وقع في هذا ما حدثني به الطبيب المذكور، وهو الفاضل أبو عبد الله محمد الدراق الفاسي، قال: " كنت " دخلت طنجة بقصد ملاقاة الأطباء ورؤية الشخص الذي صوّروه تعلّم التشريح معاينةً، قال: فكان بعض أطباء الروم هنالك يعجب من أكلنا الكسكسون المذكور ويضحك منا ويقول: إنما تأكلون العجين في بطونكم، قال: فبينما نحن كذلك إذ دخلت عليه يوماً فوجدته عند رأس مريض محموم شديد الحمى وهو يسقيه الخمر، قال: فقلت له: ما هذا الذي تصنع أنت؟ وأي مناسبة بين الخمر والحمى والكل في غاية الحرارة؟ فقال: إنها لن تضره لاعتياده لها، فإنه كان يرضعها من ثدي أمه، وهو طفل صغير، قال فقلت له: سبحان الله! ونحن هكذا كنّا نرضع ما تنكر من الكسكسون من ثدي أمهاتنا ونحن صغار، فأي شيء يضرنا؟ فقال: صدقت، ولم يجد ما يقول.
ومن هذا المعنى اختلفت طباع الناس في الطعام باختلاف الإلف والعادة، فكلّ يستمرئ ما يألفه من الطعام ويشتهيه ويعاف الآخر، قال ﷺ في الضب: " إنّهُ لَيْسَ بِأرْضِ قَوْمِي فَتَجِدُني أعَافُهُ. فعلل ذلك بكونه ليس في أرضه.
ودخلت في أعوام الستين وألف مدينة مراكش عند رحلتي في طلب العلم وأن إذ ذاك صغير السن، فخرجت يوماً إلى الرحبة أنظر " إلى " المداحين، فوقفت على رجل مسن عليه حلقة عظيمة، وإذا هو مشتغل بحكاية الأمور المضحكة " للناس ". فكان أول ما قرع سمعي منه أن قال: اجتمع الفاسي والمراكشي والعربي والبربري والدراوي فقالوا: تعالوا فليذكر كل منا ما يشتهي من الطعام، ثم ذكر ما تمناه كل واحد بلغة بلده، وما يناسب بلده، ولا أدري أكان ذلك في الوجود أم شيء قدره، وهو كذلك " يكون "، وحاصله أن الفاسي تمنى مرق الحمام، ولا يبغي الزحام، والمراكشي تمنى الخالص واللحم الغنمي، والعربي تمنى البركوكش بالحليب والزبد، والبربري تمنى عصيدة انلي وهو صنف من الذرة بالزيت، والدراوي تمنى تمر الفقوس في تجمدرت وهو موضع بدرعة يكون فيه تمر فاخر، مع حريرة أمه زهراء، وحاصله تمر جيد وحريرة.
ولو عرضت هذه الحريرة على العربي لم يشر بها إلاّ من فاقة، إذ لا يعتادها مع الاختيار، ولو عرضت العصيدة على الفاسي لارتعدت فرائصه من رؤيتها، وهكذا.
وأغرب شيء وقع في أمر الاعتياد ما حكي في جارية الملك الهندي مع الاسكندر " فإن الاسكندر " لما دوَّخ الملوك واستولى على الأقاليم احتال بعض ملوك الهند في هلاكه، وكانت عنده جارية بديعة الحسن كاملة الأوصاف، فجعل يغذيها بالسموم، ويتلطف لها حتى اعتادت ذلك، ثم تناهت إلى أن تطبعت بذلك وصارت مسمومة، فأهداها للإسكندر، وقصد بذلك أن يمسها فيهلك، وهذا غريب.
وقد ذكر الأطباء هذه الحكاية فاستغربوا شأنها، وقد ذكرنا في اختلاف البلدان مع اختلاف طبائع الناس بها فيما مر ما يقرب من هذا المعنى ويرشحه.
لله الأمر من قبل ومن بعد
الدنيا وما فيها عرض زائل
من كلامهم: ما أدري أو ودع، وهو " مذكور " في قِصَرِ الزيارة، ونحوه قولهم: ما سلم حتى ودع، وقال فيه الشاعر:
بابي من زارني مكتتما ... خائفاً من كلّ حسٍّ جزعا
حَذِراً نَمَّ عليه نُورُه ... كيف يُخفي الليل بدراً طلعا
رصد الخلوة حتى أمكنت ... ورعى السامر حتى هجعا
كابد الأهوال في زورته ... ثم ما سلم حتى ودعا
وقال العباس بن الأحنف:
سألونا عن حالنا كيف أنتم؟ ... فقرنَّا وداعهم بالسؤال
ما أناخوا حتى ارتحلنا فما نفْ ... رِقُ بين النزول والتّرحال
وقال محمد بن أمية الكاتب:
يا فراقاً أتى بعقب فراق ... واتفاقاً جرى بغير اتفاق
حين حطت ركابهم لتلاق ... زفت العيس منهم لانطلاق
إن نفسي بالشام إذ أنت فيها ... ليس نفسي التي بالعراق
أشتهي أن ترى فؤادي فتدري ... كيف وجدي بكم وكيف احتراقي
وقال الحسين بن الضحاك:
بأبي زور تلفت له ... فتنفست عليه الصُّعَدا
بينما أضْحَكُ مسروراً به ... إذ تقطعت عليه كمدا
وكنت خرجت ذات مرة لزيارة أقاربي فلقيت أختاً لي، فبنفس ما سلمت عليّ جعلت تبكي، فقلت لها: ما يبكيك؟ أليس هذا وقت سرور وفرح؟ فقالت: ذكرت يوم فراقك، فقلت في ذلك:
стр. 42
ومحزونة بالبين طال بها الجوى ... علينا وشوق بالجوانح لداغ
تبيت وجفناها يباريهما الحيا ... وما تحت جنبيها من الفرش لداغ
إلى أن تسخى الدهر بالوصل بيننا ... ولاح ضياء للمسرات بزاغ
فلما انقضى التسليم ما بيننا بكت ... وفاض لها دمع من العين نشاغ
فقلت: ألم يإنِ السرور ولم يدر ... شراب للقيان الأحباء سواغ
فقلت: تذكرت الفراق غداً فذا ... لقلبي عن تلك المسرات صداغ
فيا لك من حزن يباري مسرة ... بسهمين كل في المناضل بلاغ
ويا لك من نعمى ببؤسي مشوبة ... كما شاب بالدم المور نساغ
بل الشر في الدنيا على المرء صائل ... لجوج عليه الدهر والخير رواغ
على أن لطف الله للعسر دامغ ... كما الحق منه للأباطيل دماغ
واعلم أن أمور الدنيا مشوبة خيرها بشرها، وحلوها بمرها، ثم هي متبدلة " متغيرة " لا تكاد تثبت في حد، ولا تقف على مركز، وحكمة ذلك شيئان: أحدهما أن الدنيا لما جعلت مقدمة للآخرة يقع فيها الاستعداد لدخول الجنة والنجاة من النار جعلت مظهراً لما هنالك من نعيم وعذاب، ودالة عليه، ومذكرة له، وقاضية بالترغيب والتنفيير، فلم تجعل خيراً محضاً، وإلاّ نسي العذاب، ولا شراً محضاً، وإلاّ نسي النعيم، وأيضاً جعلت دالة على أوصاف الرب المنشئ لها، سبحانه، من جمال وجلال لتحصل المعرفة لعباده، وهذا كله كلام واسع الذيل لو بسطناه، والإشارة تكفي.
الثاني أنها حادثة حادث ما فيها، وشأن الحادث أن يتبدل من عدم إلى وجود، ومن وجود إلى عدم، ذاتاً وصفة وحالاً، ومكاناً وزماناً، فلزم من ذلك التحول من عز إلى ذل، ومن غنى إلى فقر، ومن ارتفاع إلى اتضاع ومن سرور إلى حزن، ومن صحة إلى سقم، وبالعكس في الجميع إلى غير ذلك.
وفي الحديث: كانت العضباء، وهي ناقة للنبي ﷺ ، معروفة لا تسبق، فجاء أعرابي على قعودٍ فسبقها، فقالوا، سبقت العضباء، وشق ذلك على المسلمين، فقال النبي ﷺ : " إنّ اللهَ لَنْ يَرْفَعَ شَيْئاً مِنَ الدّنْيَا إلاّ وَضَعَهُ ".
وقد جاء رجل إلى بعض الوزراء فقال له: إني رأيتك فيما يرى النائم طالعاً على رأس نخلة أو شجرة. ورأيت فلاناً يعني وزيراً آخر كان يساميه في المرتبة أنه شرع في الطلوع ولم يصل بعد إلى أعلاها، وأراد بذلك أن يبشر الوزير ليستجديه فقال له الوزير، وكان ذا فطنة: يا أخي أذهب إلى فلان ليعطيك، فإنه في الزيادة، وأما أنا فقد انتهيت، وليس بعده إلاّ الانحطاط.
وقد أذكرتني " هذه الحكاية " حكاية أبي عبد الله وزير المهدي، وكان متمكناً في منزلته عنده، ثم إن الخليفة زاره في داره ذات مرة، وكانت زيارة الخليفة لخواصه في عرفهم ليس فوقها درجة تطلب، فلما همّ بالانصراف أخذ الوزير يدفع له من نفائس الذخائر ما يليق بتجهيزه، ثم جعل يبكي، فقال الخليفة: ما يبكيك؟ لقد علمت أن فيك بخلاً تسميه حزماً، فإن كان لك ما أعطيت أعفيناك منه، فقال أبو عبد الله: والله ما بكيت للمال، وللهدايا كلها أحقر شيء في حقك، ولكن علمت أن زيارتك لي درجة ليس فوقها درجة ترام، فأخاف الآن من السقوط، فلما رأى ذلك أشفق وأعطاه من العهود والمواثيق أن لا يغدر به، ولا يسمع فيه قول قائل ما اطمأن به، فلم يلبث إلاّ أياماً يسيرة حتى سعوا فيه، فنكب، وقصته مأثورة والعامة يقولون:
ثلاثة ليس لها أمان ... البحر والسلطان والزمان
وفي هذا المعنى الذي نحن فيه قيل:
توقى البدور النقص وهي آهلة ... ويدركها النقصان وهي كوامل
وإذا كانت الدنيا وما فيها عرضاً زائلاً لا ثبات له فلا ينبغي لعاقل أن يتبجح بخيرها ولا أن يجزع من شرها، بل إذا كان حلوها تتوقع بعد المرارة ومرها ترجى بعده الحلاوة فقد صار حلوها مراً " ومرها حلواً " وإذا كان المفروح به لا يبقى فهو بصدد أن يكون محزوناً عليه قل أو كثر، فكثرة الفرح بها إذن مقدمة كثرة الحزن، فلا ينبغي أن يلتفت إليه. وقال الشاعر:
على قدر ما أولعت بالشيء حزنه ... ويصعب نزع السهم مهما تمكنا
وقال الآخر:
ومن سره أن لا يرى ما يسوءه ... فلا يتخذ شيئاً يخاف له فقدا
فإن صلاح المرء يرجع كله ... فساداً إذ الإنسان جاز به الحدا
стр. 43
وفي " الحكم العطائية ": ليقلَّ ما تفرح به يقل ما تحزن عليه وذكر شارحها ابن عباد ﵁ أنه حمل لبعض الملوك قدح من فيروزج مرصع بالجواهر لم يُرَ له نظير، ففرح الملك به فرحاً شديداً، فقال لبعض الحكماء عنده: كيف ترى هذا؟ فقال: أراه مصيبة وفقراً، قال: وكيف ذلك؟ قال: إن انكسر مصيبة " لا جبر لها " وإن سرق صرت فقيراً إليه ولم تجد مثله، وقد كنت قبل أن يحمل إليك في أمن من المصيبة والفقر، فاتفق أن انكسر القدح يوماً فعظمت مصيبة الملك فيه وقال: صدق الحكيم، ليته لم يحمل إلينا، وقال الشاعر:
ومن يحمد الدنيا لشيء يسره ... فسوف لعمري عن قريب يلومها
إذا أدبرت كانت على المرء حسرة ... وإن أقبلت كانت كثيراً همومها
وفي " الحكم " أيضاً: إن أردت أن لا تعزل فلا تتولَّ ولاية لا تدوم لك. وهذا صادق في الولاية نفسها، ولذا قال ﷺ فيها: " نِعْمَتِ المُرْضِعَةُ وَبِئْسَتِ الفَاطِمَةُ " وفي غيرها من كل ما يتناول الإنسان من الدنيا زائداً على قدر الضرورة أو يصحبه من أهلها، فكل ذلك لا يخلو من علاقة بالنفس، ثم هو لا يدوم إما أن تفارقه او يفارقك، فمآله إلى الحسرة والأسف.
وكنت في سفرتي إلى السوس الأقصى لقيني فقير من شبانه فصحبني أياماً قلائل وأنس بي، فلما بلغنا المحل ودعته فرأيته يبكي على فراقي، وسمعته يقول: لا تعرف أحداً، ويكرر هذا الكلام، أي إذا كنت أيها العاقل تعلم أن الذي دخل في قلبك سوف تفارقه فيتألم قلبك عليه فلا تسع في دخول أحد فيه بمعرفتك له، ولا تعرف أحداً، واترك قلبك خالياً مستريحاً.
رأى الأمر يُفضي إلى آخرٍ ... فصير آخره أوَّلاً
وهذا كله واد واحد والكلام فيه يتسع.
نعم إن أمكنك أن تدخل في قلبك من لا يخشى عليه الزوال والهلاك والفناء فافعل، وليس ذلك إلاّ الحق تعالى، فمن أحبه فهو جدير أن يدوم محبوبه، ومن أنس به فهو جدير أن يدوم أنسه، ومن استعز به دام عزه، ومن استغنى به دام غناه، كما قيل:
ليكن بربّك عز نفْ ... سك يستقرّ ويثبت
وإن اعتززت بمن يمو ... ت فإن عزّك ميت
لله الأمر من قبل ومن بعد
المقامة الحافظة
دخلت مدينة فاس - حرسها الله تعالى - سنة تسع وسبعين وألف، إذ خربت الزاوية البكرية، فأقبلت طلبة العلم للأخذ عني، وتخلفت جماعة من المشاهير، وهم أو جهلهم محتاجون إلى المجلس، وكأنهم غلبهم ما هو المألوف من الطبع الآدمي في أمثالهم، وكنت آنست ذلك فيهم، فاتفق أن خرجنا لزيارة صلحاء الساحل، فلما انتهينا إلى مقام الشيخ أبي سلهام جلسنا على شاطئ البحر:
في عشيّ كأنّما اختلسته ... من نعيم الفردوس نفحة لطف
قد قطفنا به جَنَى جَنَّتي أن ... س وعلم أشهى اجتذاب وقطف
وارتضعنا ألذ من كأس وصل ... بعد هجر من ذي وداد وعطف
ولقد كان في الحشا جذوةُ الوجد فكان منهُ لذلك مطف
فحصل للنفس ارتياح وانبساط، وتجدد لها عزم ونشاط، فكتبت ارتجالاً ما صورته: حافظته لما انقدح في الفكرة من الشعر، أذكره بحسب ما اتفق غثاً وسميناً، " ورخيصاً وثميناً " وجداً وهزلاً، وصدقاً وإزْلاً حتى إذا آن لمضروبه الترويج، وبلغت بناته أوان التزويج، دفع الخالص الإبريز، وأحظيت الحسان بالتبريز، وكان الردي أولى أن يكسر أو يعطل، والدميمة منه أحق أن تُوأدَ أو تعضل، هذا وليت شعري، ماذا أكتب اليوم؟ وقد ضاع أكثر شعري:
ليالي كان القلب في موكب الهوى ... على متن يعبُوب من اللهو سابق
وكان الشباب الغضّ فيْنَانَ مُورقاً ... فكانت رياض الغَيّ أزهى الحدائق
وللنَفسُ إذ ذاك أقدر على القيل والقال، وأعرف بالسحر الحلال، فكنت إذ ذاك أقول الفذ والنتفة والقصيدة عن نشاط إلى القول وارتياح ثم ادع ذلك يذهب مدرج الرياح، ولم أستفق لتقييد، إلاّ وقد كدت أراهق التفنيد ويقصر من وسواس النفس باطله، ويعرى أفراس الصبا ورواحله:
والقلب يرجو أن ترق شفاره ... وتطول في سبل الهدى أسفاره
ويبين عن شرك الغرور نواره ... وتلوح في رتب العلى أنواره
فيقل في سوق الصبا أوطاره ... ويشط عن وطن الهوى أقطاره
стр. 44
ولعمري إن النفس عند هذا أحق أن يجدّ في طلب الجد جدُّها، ويقف عند الأهم حدّها، فتبعد عن قول الشعر بمراحل، وعن سبل اللهو التي هي له أفراس ورواحل، ولكن للنفس فرطات، ولا بد لها أحياناً من سقطات، فمن ذلك قولي:
ما أنصفت فاس ولا أعلامها ... علمي ولا عرفوا جلالة منصبي
لو أنصفوا لصبوا إليّ كما صبا ... راعي سنين إلى الغمام الصّيبِ
ثم اثبت في هذه الحافظة ما وقع لي من الشعر في ذلك العهد، وهو مجموع في الديوان فلا حاجة إلى الإطالة به هنا، وإنما الغرض من ذكر هذين البيتين الواقعين على السبب الذي ذكرناه قبل، وأظن أن البحتري وقع له شبه هذا الشعر في ذم بغداد، ولكني لم أقف عليه بعد، ولم يطرق سمعي حين قلت ذلك وإنما رأيت بعد ذلك أبا العلاء المعري أشار إلى ذلك منتقداً عليه حيث قال:
ذمَّ الوليدُ ولم أذْمُم جوارَكمُ ... وقال ما أنصفت بغداد حُوشيتا
فإن لقيت الوليد والنوى قذف ... يوم القيامة لم أُعدُمْه تبكيتا
فلما رأيت هذا نبهت بهذا الكلام لئلاّ أنسب إلى الأخذ، فإن وقع شيء فمن توافق الخواطر، وفي البيت الثاني تلميح إلى قول الأعرابي في حسن الحديث:
وحديثاً كالقطر يسمعه ... راعي سنين تتابعت جدبا
فأصبح يرجو أن يكون حياً ... ويقول من فرح هَيّا رَبّا
وإنما استسهلت، وأستغفر الله، التمدح والافتخار لأن ذلك مباح في الشعر، مسلوك في سائر الأعصار والأمصار.
لله الأمر من قبل ومن بعد
الحسَد والحساد
وما ذكر من عدم الإنصاف سببه الكبر والحسد، وهما الداء العضال الذي هلك به إبليس، نسأل الله العافية، وذلك معجون في طينة الآدمي ومبتلى به إلاّ من طهره الله من أصفيائه، وقليل ما هم.
ولم يزل ذو الفضل محسوداً، وكلما كثر الفضل كثر الحساد، فوجود الحساد دليل على وجود الفضل، وعدمهم على عدمه، فإذا قيل للشخص: كثر الله حسادك كان دعاء له، وإذا قيل: قلل الله حسادك كان دعاء عليه.
وقد أكثر الشعراء من هذا المعنى قال الكميت الأسدي:
إن يحسدونني فإني غير لائمهم ... قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا
فدام لي ولهم ما بي وما بهم ... ومات أكثرنا غيظاً بما يجد
أنا الذي يجدوني في صدورهم ... لا أرتقي صدراً منها ولا أرِدُ
وأنشد أبو علي الحاتمي في " حلية المحاضرة " بدل البيت الأخير:
لا يبعد الله حسادي فإنهم ... أشر عندي من اللائي لهن الودد
والظاهر أن قوله: " أشر " تصحيف من الكاتب، وإنما هو: " أحب ".
وقال عروة بن أذينة:
لا يبعد الله حسادي وزادهم ... حتى يموتوا بداء غير مكنون
إني رأيتهم في كل منزلةٍ ... أجل فقداً من اللائي أحبوني
وقال نصر بن سيار:
إني نشأت وحسّادي ذوو عدد ... يا ذا المعارج لا تنقص لهم عدداً
إن يحسدوني على ما بي وما بهم ... فمثل ما بي لعمري جر لي الحسدا
وقال معن بن زائدة:
إني حسدت فزاد الله في حسَدي ... لا عاش من عاش يوماً غير محسود
ما يحسد المرء إلاّ من فضائله ... بالعلم والظرف أو بالبأس والجود
وقال أبو نواس:
دعيني أكثر حاسديك برحلة ... إلى بلد فيه الخصيب أمير
وقال الأول:
لو كان يقعد فوق الشمس من كرم ... قوم بأولهم أو مجدهم قعدوا
محَسَّدون على ما كان من كرَم ... لا ينقص الله عنهم ماله حُسدوا
وقال أبو تمام:
وإذا أراد الله نشر فضيلةٍ ... طويت أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرفِ العود
واعلم أن هذا الشعر ونحوه يخيل استحسان الحاسد واستحباب وجوده بل كثرته، ولم يزل الناس يكرهونه ويتخوفون منه، ويستعيذون من شره، وقال تعالى) وَمِنْ شَرِّ حَاسدٍ إذَا حَسَدَ (فقد يقف القاصر على هذا فيحار، ولا يدري ما يختار، وفصل القضية في ذلك أن وجود الحاسد، كما مر، دليل على وجود الفضل، وذلك لما عرف أن الحسد هو حب زوال ما ظهر على الغير من خير، إما ديني أو دنيوي، حسي أو معنوي، عاجل أو آجل، حقي أو ادعائي فلزم من وجود الحسد وجود الخير.
стр. 45
ثم إن الحاسد إذا أحب زوال الخير فهو لا محالة يسعى في زواله، أو في إلحاق مضرة تذهب " بها " طلاوة ذلك الخير، ما لم يحجزه حاجز، وهذه مضرة تتوقع من الحاسد، فالحاسد خبيث شرير مضر.
إذا علم هذا فمن استحب وجود الحاسد فلم يحبه لذاته، بل أحب ما يقارنه من الخير، لا من حيث إنه محسود عليه به من حيث كونه خيراً، وإلاّ فيود الإنسان أن لو أعطي الخير وأعفي من الحساد، فإن ذلك أهنأ لعيشه، وأروح لقلبه، وأبعد له عن الأذاية والهول، ولم تَجْرِ حكمة الله تعالى غالباً بذلك، إذ نعم الدنيا مشوبة بالنقم، وصفوها مشوب بكدر، فأمام كل عين قذى، وعلى كل خير أذى، فلما لم يكن بد من وجود الحاسد غالبا، كان وجوده مبشراً بالخير معلماً بالنعمة، فيفرح بوجوده لذلك لا لذاته.
ومثاله في ذلك الذباب الواقع على الطعام، والفأر الناقب على المخزن فإنهما دليلان على الخير من حيث ذلك، حتى إنه يكنى عن البيت الخالي عن الخير بأنه لا تطور فيه فارة، فمن أحب وجود الذباب ووجود الفار فلم يحبهما لذاتهما، فإنهما مؤذيان مكروهان، بل لما يقارنهما من الخير، ولو وجد الإنسان الخير مع السلامة عنهما كان هو الغنم البارد البارد، ولم تجر بذلك الحكمة.
وبلغني أن ناساً من الجند قدموا من بلاد السودان أيام السلطان أحمد المنصور، وقاسوا في تلك الفيافي ما هو المعهود فيها من العناء وشظف العيش، فلما لحقوا بقرية من قرى السوس الأقصى خرج منها نفر من اليهود، فحين بصر بهم الجندي قال: مرحباً بوجوه الخير، فاليهود بغضاء عند كل مسلم، ومع ذلك استبشر بهم الجندي التفاتاً منه إلى النعمة التي تقارنهم، إذ لا يزايلون غالباً الحاضرة، ومحل الخصب والرفاهية، وهكذا الحاسد.
وقد يكون في وجود الحاسد نعمة ولذة أخرى للمحسود إذا وقي شره، فإنه ينعم هو والحاسد يحترق على عينيه، وهو يزداد ظهوراً وشفوفاً، فيلتذ باحتراقه وإقصاره عنه وشفوفه عليه، ومن كره الحاسد فإنما كرهه لذاته، إذ هو منغص بما يبدو من أقواله وأفعاله، ولما يتوقع من شره وضرره، ولا شك أنه محذور، ولذا أمر بالتعوذ منه بالله تعالى، ولا دواء له هي مع الصبر أعلى ما يرى ويسمع، وبذلك ينعكس على الحاسد البلاء فيموت غماً، قال تعالى:) قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ (وقال الشاعر:
اصبر على مضض الحسو ... د فإن صبرك قاتله
فالنار تأكل نفسها ... إن لم تجد ما تأكله
فائدة: من ابتلي بالحسد لشخص فعلاجه بإذن الله أن يكلف نفسه السعي في زيادة الخير على المحسود ولو بالدعاء له بذلك، فإنه إذ لازم ذلك ولو تكلفا سيثيبه الله تعالى من فضله انسلال السخيمة من قبله وسلامة الصدر، فإن بقي شيء فليغمه في صدره مع كراهته ولا يظهره ولا يسع في مقتضاه بقول ولا فعل فذلك لغاية ما يطلب منه والله الموفق.
لله الأمر من قبل ومن بعد
كلمة الإخلاص
وتغالي فقهاء سجلماسة في فهمها وتفهيمها للعوام
كنت في أعوام السبعين وألف قصدت إلى زيارة شيخنا البركة، وقدوتنا في السكون والحركة، أبي عبد الله محمد بن ناصر - سقى الله ثراه - فمررت ببلد سجلماسة فوجدت فتنة ثارت بين الطلبة فيها في معنى كلمة الإخلاص، فكان بعض الطلبة قرر فيها ما وقع في كلام الشيخ السنوسي من أن المنفي هو المثل المقدر، فأنكر عليه بعض من لهم الرياسة في النوازل الفقهية، وفصل الأحكام الشرعية، وليس لهم نفاذ في العلوم النظرية، وأخذوا بنحو ما أخذوا به الشيخ الهبطي في مشاجرته المشهورة مع أهل عصره، حتى امتحنوه بالسياط، فجعلت أقرر لأولئك المنكرين الكلمة بوجه يقرب بين المأخذين، ويصلح بين الخصمين، فلم يفهموا ذلك، وصمموا على ما طرق أسماعهم من أن الهبطي أخطأ في هذه المسألة وضل ضلالاً مبيناً، ثم وقعت هذه الفتنة " أيضاً " بمدينة مراكش عن قريب " من هذه " بين طلبتها حتى ضلل بعضهم بعضاً، فمن " أجل " ذلك ألفت كتاب " مناهج الخلاص، من كلمة الإخلاص "، كما نبهت على ذلك في خطبته، فجاء بحمد الله كافياً في الغرض، شافياً للمرض.
стр. 46
ثم رجعت في زورة أخرى بعد هذه فمررت أيضاً بسجلماسة فوجدت فتنة أبشع من هذه وأشنع وقعت لهؤلاء مع عوام المسلمين " ثم مع المسلمين " كافة، عامة وخاصة، وذلك أنهم نظروا في كلام من حرض من الأئمة على النظر في علم التوحيد، وحذر من الجهل فيه ومن التقليد، فجعلوا يسألون " الناس " عما يعتقدون، ويكلفونهم الجواب والإبانة عن الصواب، فربما عثروا على قاصر العبارة عما في قلبه، أو متلجلج اللسان لدهش ناله، أو جاهل بشيء مما يقدح في العقيدة أو يظنونه قادحاً وإن لم يقدح، فيشنعون عليه الجهل والكفر، ثم أشاعوا أن الفساد قد ظهر في عقائد الناس، وجعلوا يقررون العقائد للعوام، فشاع عند الناس أن من لم يشتغل بالتوحيد على النمط الذي يقررون فهو كافر، وشاع عندهم أن من لم يعرف معنى لا إله إلاّ الله أي النفي والإثبات على التقرير الذي يقرره العلماء فهو كافر، فدخل من ذلك على عوام المسلمين أمر عظيم، وهول كبير، فلما دخلت البلد جاءني الناس أفواجاً يشتكون من هذا " الأمر " وأن ليس كل أحد يبلغ إلى فهم تقارير العلماء فأقول لهم: إن الله تعالى إنما تعبدكم باعتقاد الحق في أنفسكم، أفلا تشهدون أن الله تعالى حق موجود؟ فيقولون: بلى، أفلا تعلمون أنه واحد في ملكه لا شريك له ولا إله معه وكل معبود سواه باطل فيقولون: بلى، هذا كله يقين عندنا لا نشك فيه ولا نرتاب، فأقول لهم هذا هو معنى كلمة الإخلاص المطلوب منكم اعتقاده، سواء عرفتموه من لفظها أو لا، فإن الكلمة عربية، والأعجمي لا حظ له في دلالتها، وإنما حسبه أن يترجم له مضمونها فيعتقده، وكذا العقائد كلها المطلوب منكم اعتقادها بالمعنى، ولا يشترط فهم ألفاظها التي يعبر " بها " عنها في كتب العلماء، ولا إدراك حدودها ورسومها التي تعرف بها. فإن فهم هذه العبارات والإحاطة بهذه الحقائق والتقريرات علم آخر لم يكلف به العوام، فإذا أجبتهم بذلك انطلقوا مسرورين حامدين شاكرين، ثم جاءني رئيس هذه الفتنة وسألني عن مسائل في هذا المنحى فأجبته، ثم تقدمت إليه بالنصيحة وقلت له: أكثر النحل وجل الطوائف الضالة إنما خرجت في هذا العلم، فإن أردت نفع الناس فقرر لهم العقائد بالقدر الذي يبلغون، وحدث الناس بما يفهمون، كما في الحديث الكريم ودع عنك هذه الامتحانات والتدقيقات والتشنيعات التي لم تجْرِ بها سنة أهل الدين في عصر من الأعصار، فإذا هو قد أشرب ذلك وتمكن فيه التظاهر به، وإذا تمييزه قد نقص عما كنت أعرف منه قبل ذلك، نسأل الله العافية. فتمادى على ذلك وأصفقت عليه العوام حتى سمعوا مقالته فيهم، وجعل يتغالى في تقرير العقائد وبيان وجوه المخالفة ونحوها على التفصيل بما لا حاجة إليه حتى يقع في ذكر ما هو سوء الأدب في حقه تعالى، وما لا يستطيع كل من في قلبه رائحة من عظمة الله تعالى أن يفوه به، ويحضر مجلسه أوباش الأعراب من جراوة ونحوها، فإذا رجعوا إلى قومهم ذهبوا بتلك المقالات وجعلوا يلقون على أمثالهم من الرعاع الأسئلة من هذا المنحى فيقولون لهم: أين بات الله؟ وأين يُصبح؟ وأين يظل؟ وأين هو؟ " وكيف هو "؟ إلى ما هو أبشع من ذلك مما لا أذكره، وقد نبهت على طرف من هذا المعنى في كتابي المذكور، ثم أشاعوا أن عوام المسلمين لا تؤكل ذبائحهم ولا يناكحون مخافة أن يكونوا لم يعرفوا التوحيد، فحدثني الفقيه المشارك الصالح أبو عبد الله مبارك بن محمد العنبري الغرفي ﵀ أن أعرابياً من هؤلاء الشيعة جاء مع قوم من بلد توات فكانوا إذا طبخوا زادهم وفيه الخليع يمتنع من الأكل معهم ويقول: إن الجزار الذي ذبح هذه البهيمة لا ندري أيعرف التوحيد أم لا؟ ولما دخل البلد جيء بطعام عليه لحم وجماعة من الأشراف حضور فدعوه للأكل فأمتنع وقال: إن العبد الذي ذبح تلك الذبيحة لا ندري أيعرف التوحيد أو لا؟ فقالوا له: ما ذبحها عبد، وإنما ذبحها المولى فلان الشريف منهم فامتنع أيضاً وبات طاوياً، ثم لم يقفوا في هذا بل انتهكوا حرمة عوام المسلمين ابتلاهم الله بانتهاك حرمة خاصتهم أيضاً، فتناولوا فقهاء وقتهم ووقعوا في أهل العلم والدين ومن هم على سنن المهتدين، وضللوهم إذا لم يضللوا العامة، فوقع لهم قريب مما وقع للكميلية من الروافض فإنهم كفروا الصحابة حيث لم يقدموا علياً - كرم الله وجهه - ثم كفروا علياً حيث لم ينازعهم في حقه، وكان أهل البلد اتبعوني وأنا في
стр. 47
الطريق سؤالاً فيما هو من حكم الذبائح ونحوها في بطاقة فأجبتهم بما علم من دين الإسلام أن كل من تشهد شهادة الحق فإنه تؤكل ذبيحته، وتحل مناكحته، ويدفن في مقابر المسلمين ما لم يظهر منه ما يخالف ظاهره ونحو هذا الكلام، فلما بلغ إلى أولئك قالوا: سبحان الله! كنا نعرف فلاناً من العلماء، ثم هو يقتصر على مثل هذا الكلام ويكتفي " به " فلم يقع كلامي منهم موقعاً حيث اقتصرت على الحاجة وما هو الحق ولم أتعد إلى ما يشتغلون به من الفضول والضلال، وكانوا قبل هذه الفتنة تلمذوا لشيخنا الإمام ابن ناصر ﵁ وأخذوا عهده، فلما لم يشتغل بما اشتغلوا به أنكروا عليه حتى وقعوا فيما يؤتى به إليه من الهدايا والصدقات، وفيما يذكره للفقراء من كلام الإمام الثعالبي، فإنه كان يحكي بسنده إلى الثعالبي أنه قال: من رأى من رآني إلى سبعة ضمنت له الجنة بشرط أن يقول كل لمن رأى أشهد أني رأيتك فيشهد له. فكان الشيخ ﵁ يذكر ذلك على طريق الترجية، ولئلاّ يفوت المسلمين ذلك الخير إن حققه الله تعالى، فقالوا: هذا يوقع الناس في الأمن وفي الإعراض عن تعلم التوحيد مع أنه لا وثوق به فإن أمور المنامات لا تنضبط ولا يعول عليها، ثم برئوا من صحبته وكتبوا في ذلك كراسة، فقيض الله لها الشاب اللبيب الفاضل أبا العباس أحمد بن محمد بن السيد الشريف الحسني ﵀ ورحم سلفه - فتكلم عليها بما نقض أباطيلها عروة عروة، فلما انتهى إلى براءتهم من الشيخ كتب عليها ما معناه: إن هذه السلسلة المباركة الفاضلة يعني سلسلة الشيخ ﵁ هي أمنع جناباً وأطهر ساحة من أن يبقى فيها أمثالكم، فطهرها الله منكم، وقد اشتعلت فتنتهم حتى كادت تخرج إلى الآفاق كلها، ثم أطفأها الله تعالى بفضله فجاء الطاعون عام تسعين وألف فأجتث شجرتهم من فوق الأرض فلم يبقى لها قرار.
стр. 48
فائدة: أما السلسلة التي أشرنا إليها عن الإمام الثعالبي فإن شيخنا الإمام ابن ناصر ﵁ يحدث بها عن شيخه الفقيه الصالح سيدي علي ابن يوسف الدرعي عن شيخه سيدي عبد الرحمن بن محمد من بني مهرة عن سيدي محمد بن محمد بن ناصر من أهل الرقيبة عن سيدي عبد الكبير وهو جد سيدي عبد الرحمن المذكور عن القطب الكبير سيدي عبد الرحمن الثعالبي أنه قال ﵁: من رآني إلى سبعة ضمنت له الجنة، وفي سلسلة كل واحد يقول لصاحبه: أشهد أني رأيتك، وأني رأيت والحمد لله الإمام ابن ناصر وأشهدته على ذلك، حققه الله لنا وللإخوان آمين.
واعلم أن مثل هذا يذكر على طريق الرجاء كما أشرنا إليه، وهو أمر جائز لا يمنعه عقل ولا شرع، وذلك أن فضل الله عظيم لا يحد بمقياس وأولياء الله تعالى أبواب يخرج منها هذا الفضل، ولهم مكانة عند ربهم الكريم المتفضل، فأي شيء يستبعد في أن يعطي بعضهم الشفاعة في قرنه أو أكثر، أو أن من مسه لم تمسه النار كما في قصة ابن حسون، أو أن من رآه دخل الجنة، أو أن من رأى من رآه، إلى سبعة أو أكثر، هذا كله قريب.
وقد أخبر النبي ﷺ في خبره عن أويس القرني ﵁ أنه يشفع في مثل أو عدد ربيعة ومضر.
وحدثني الثقة أن نفراً من أصحاب ابن مبارك التستاوتي دخلوا على سيدي محمد الشرقي فقال لهم: أيها الفقراء، ما الذي قال ابن مبارك؟ فقالوا له: قد قال: أهل زماني محسوبون عليّ أو في ذمتي أو نحو ذلك، فقال سيدي محمد الشرقي: اشهدوا علينا إنا من أهل زمان ابن مبارك، فانظر إلى هذا الإنصاف وهذا التسليم، فكذا يجب التسليم لمن وقع منه شيء من هذا من أهل الصلاح والدين، ويظن به الخير ويحصل الرجاء ولا يوجب ذلك أمناً من مكر الله والاستغناء عما يجب تعلمه أو العمل به، بل التكليف باق بحاله، والخوف والرجاء بحالهما.
وقد شاع عند هذه الطائفة الغازية أن الشيخ قد أخذ من الله تعالى عهداً أن لا يسوق إليه إلا المقبول، ولم يوجب لهم ذلك أماناً ولا غروراً إلا أن يشذ جاهل فلا التفات إليه.
وأما الهدية من الأخ في الله فهي مباحة في الجملة، بل هي محسوبة في الفقه من وجوه الحلال، فإن عرض عارض في المعطى أو في وجه الإعطاء فالآخذ أعرف بما يأتي وما يذر.
ثم أحوال الصوفية في قبول الفتوح مختلفة تبعاً لما اقتضته الواردات، والتحفظ عن الآفات. وهي في كل من الأخذ والترك كما قال الأستاذ السري للإمام أحمد بن حنبل ﵄: احذر آفة الرد كما تحذر آفة الأخذ، وكل من عرف بصحة العلم والعمل ومتانة الديانة كشيخنا المذكور فأمره موكول إلى دينه، ولا سبيل إلى الانتقاد عليه، والله الموفق.
لله الأمر من قبل وبعد
العدوى والطيرة
كنت ذات مرة اشتريت رمكة من رجل صحراوي أسود شديد السواد، فظهر فيها عيب وتعذر إثبات قدمه لترد، فأدى الأمر إلى موتها منه وتلف الثمن، فأقبل رجل من قومي والمشترى منه عندي ونحن نتكلم في المسألة، فلما بصر بالمشترى منه قال: سبحان الله؟ كنت أعجب من أين جاء هذا الخسران؟ فإذا أنت تعامل الغِرْبان، ألم تعلم أنا لا نعامل مثل هذا حتى إنا لا نزجر الكلب الأسود عنا إذا مرّ بنا لئلا يقع خطاب منا أليه فكيف بغيره؟ وجعل يتأسف من خسران الثمن ومن معاملة ذلك الشخص، وجعلت أنا أضحك من عظمة الدنيا في عينيه ومن تحكيمه الأمور العادية، وكان قومنا - كما قال - يفرون من السواد فلا يلبسون ثوباً أسود ولا يركبون فرساً أدهم وهكذا.
стр. 49
واعلم أن هذه الأمور العادية يضل فيها العامة والقاصرون من الخاصة، أما العامة فإنهم إذا رأوا شيئاً عند شيء نسبوه إلى ذلك الشيء وغفلوا عن الله تعالى ولم يعلموا أن الله تعالى هو الفاعل وحده ولا تأثير لشيء من الكائنات بحال، فوقعوا في الشرك وفاتهم التوحيد، وأما القاصرون من الخاصة المعتقدين لانفراد المولى تعالى بالفعل وأن لا شريك له فإنهم يجرون على هذا المعنى وينكرون حكمة الله تعالى في أرضه وسمائه، فإذا قيل لهم: إن هذا الشيء يكون عند وجود هذا السبب قالوا: هذا لا معوَّل عليه، فإن السبب لا تأثير له، ووجوده وعدمه سواء. وهذا أيضاً جهل عظيم، فإن الله تعالى كما أنه قادر مريد لا شريك له كذلك هو حكيم يفعل أشياء عند أشياء ويرتب أسباباً ومسببات حكمةً منه تعالى ورفقاً بعباده في تأنيس نفوسهم بالأسباب المشهودة، فإن افيمان بالغيب وانتظاره عسير عليها وابتلاء لهم ليتيميز من انخرقت له الحجب فأبصر الحق، ومن حجب بها فتاه في أودية الضلال. نسأل الله تعالى العافية. ألا ترى إلى ما جعل تعالى لعامة الخلق من الشبع عند الأكل والري عند الشرب، والتدفي عند اللبس، والراحة عند الركوب، واللذة المخصوصة عند الوقاع، وهكذا مما لا يحصى، وكل ذلك يجوز من الله تعالى أن يخلقه بلا شيء. فهل ينكر أحد من العقلاء هذه الحكمة فيقول مثلاً: إن الطعام لكونه لا تأثير له وجوده وعدمه سواء، ويستجهل من يأكل ليشبع، وكذا ما جعله الله تعالى من المنفعة في الأدوية والعقاقير وما لها من الخواص، وألهم ذلك الأطباء وأهل التجاريب، فهل ينكر أحد ذلك؟ وكذا ما نحن فيه من كل أمر جرت العادة بوجود شيء عنده فلا ينكر بل يعتقد حكمة من الله تعالى مع صحة التوحيد، وهو أن لا ينسب إليه أثراً أكثر من أن وجوده سبب لبروز القضاء الأزلي عنده لا به، فمن نسب إلى شيء دون الله تعالى تأثيراً في وجود شيء أو عدمه فهو مشرك، ومن أنكر الحكمة المودعة في قوالب الكائنات فهو جاهل أعمى البصيرة، ولو لم يكن إلاّ جموده عن إدراك ما جرت به العادات وأفضحت به التجريبات لكان أمراً سهلاً، ولكنه إنكار لحكمة المولى سبحانه وبديع تصرفه في الكائنات الدال على إحاطة العلم والمشيئة بالمصالح والمنافع والمضار وعظمة الملك، فهو ينظر بإحدى العينين دون الأخرى، فمتى حكم التجريب مثلاً بأن يوماً من الأيام لا يسعد بحاجة من سافر فيه أو تزوج أو أخذ في سبب من الأسباب أو أنه يسعد فلا نبادر إذا سمعنا ذلك بإنكاره، ونقول قد أشرك مع الله تعالى، بل لا بأس بالاعتراف بذلك واعتباره عادة مع سلامة العقيدة من نسبة التأثير لليوم أو غيره من سائر الكائنات، والناس في نحو هذا ثلاثة: شخص يعتبره أخذاً وتركاً مع الغفلة عن الله تعالى، إما مع نسبة التأثير إلى السبب وهم المشركون، وإما بلا نسبة ولكن استغراقاً في الركوب إلى الأسباب والالتفات إلى الأغيار، وهو من الغافلين، وشخص لا يعتبره أصلاً استغراقاً في التوحيد والتوكل على الله تعالى والفناء عن الأسباب لا إنكاراً للحكمة، وهذا لا بأس به، وإذا صح توكله وتجرده عن الأسباب فذلك سبب لنجاته بفضل الله تعالى من مقتضيات العادة حتى إنه لو ألقم الحية رجله لم تضره، فإنه لما خرق العادة على نفسه بحسمها عن المألوفات وتجريدها عن الرعونات خرق الله تعالى له العادة بإعفائه عن جري العادات وما تقتضيه بإذن الله الأسباب الحادثات، وشخص يعتبر ذلك تأدباً مع الله تعالى في مراعاة الحكمة الجارية مع صحة العقيدة وصحة التوكل على الله تعالى عند الأسباب لا على الأسباب وهذا هو الكامل.
وكان ﷺ يعالج ويستعمل الرُّقي وقد يكون من ذلك ما هو خفي يكون اعتباره تعمقاً في الأسباب فيترك، وجعل بعض الأئمة من هذا نهيه ﷺ الأمة عن الكي مع الاعتراف له بأنه سبب من الأسباب.
إذا علم هذا كله فكل ما ورد من نصوص الشريعة وأقوال أهل الدين وفعلهم يتنزل على هذا، وبما قررنا يعرف عذر من اعتبر شيئاً من ذلك وعذر من لم يعتبر.
стр. 50
وفي الحديث: " لا عَدْوَى وَلاَ طِيَرَةَ " فالحق عندنا في تأويله " أنه " إثبات لانفراد المولى جل وعز بكل التأثير، وأن لا تأثير لشيء مما يتوهم العرب أنه مؤثر، لا في باب العَدْوى ولا في باب الطِّيَرَة. لا انه نفي لما جرت العادة بوجوده عند ذلك بإذن الله تعالى، وهذا هو الجمع بين التوحيد والحكمة، وهو جمع بين الحقيقة والشريعة في المعنى، وقوله ﷺ : " وَفِرَّ مِنَ المَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الأسَدِ " وكذلك قوله ﷺ : " لاَ يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ عَلى مُصِحٍّ " أي ذو الإبل المريضة على ذي الإبل الصحيحة يحتمل معنيين: أحدهما " أنه " سدّ للذريعة بمعنى أنه ترك ذلك مخافة أن يقع شيء " بإذن الله " فيظن من وقع له أو غيره أنه ناشئ عن ذلك السبب فيقع في الشرك، الثاني أنه إثبات لما جرت به العادة من حكمة الله تعالى كما قررنا، فيعتبر ذلك شرعاً ولو لم يكن إلاّ تنزهاً عن تغيير القلوب وآية الناس.
وفي الحديث أيضاً: " اطْلُبُوا الخَيْرَ عِنْدَ حِسَانِ الوُجُوهِ " وهو يحتمل أموراً: الأول: " اطلبوا الخير " عند الناس الحسان الوجوه فإن الخير مقرون بهم، وهذا من نمط ما نحن فيه.
الثاني: اطلبوا الخير منهم فإنه يصدر عنهم الخير بإذن الله تعالى، إذ حسن الخَلْق عنوان حُسْنِ الخُلْق كما تقرر في الفِراسَة الحكمية وهو قريب مما قبله.
الثالث: اطلبوا الخير عندهم ومنهم، فإن النفس تنبسط إليهم وتتمتع برؤيتهم، وفي الحكمة: اعتمد بحوائجك إلى الصباح الوجوه، فإن حسن الصورة أول نعمة تلقاك من الرجل.
الرابع: اطلبوا الخير أي الرزق عند الوجوه المُستحسنة " شرعاً " كالبيع والتجارة والقراض والهبة والصدقة وسائر الوجوه الحِلّيّة دون السرقة والغصْب والخيانة ونحو ذلك.
وكان ﷺ يقول: " إذَا أبْرَدْتُمْ إلَيَّ بَرِيداً فَأبْرِدُوهُ حَسَنَ الوَجْهِ حَسَنَ الاسْمِ " وهو أيضاً يحتمل أنه لمجرد النظر أو لزائد على ذلك، ولهذا بعث الله الأنبياء ولا سيما نبينا ومولانا محمد ﷺ في أحسن صورة.
وفي ترجمة الإمام الشافعي ﵁: كان يتجنب أهل العاهات والناقصين خلقة، وكان يقول: احذروا الأعور " والأحول " " والأعرج " والأحدب، والأشقر، والكوسج، وكل من به عاهة في بدنه فإن فيه التوّى ومعاشرته عسيرة.
ومن غريب ما وقع له في ذلك أمران: الأول أنه حكى أنه بعث رجلاً من أصحابه ذات مرة ليشتري له نوعاً من العنب معروفاً، قال الرجل: فذهبت فلم أجده إلاّ عند رجل من هذا الجنس، إما أشقر أو أزرق قال: فأتيته به، فلما طرحت الطبق بين يدي الإمام قال: أين وجدت هذا؟ قلت: عند فلان، وكان يعرفه، فقال: أردد إليه عنبه، قال: فقلت: يا أبا عبد الله، إن لم ترد أن تأكله أكله غيرك، فقال: ما أحب أن تتم المعاملة بيننا وبينه، فانظر في هذا، ولا تظن أن الإمام به حب الثمن يسترده ولا يتصدق بالعنب، كلاّ، فإن جوده قد طبق الآفاق، وهو الذي وضع بين يديه عشرة آلاف خارج مكة، فكل من سلم عليه يعطيه حتى لم يقم إلاّ وقد فرغت، وإنما الحامل له على ما قال ألاّ تتم المعاملة بينه وبينه، والظاهر من القصة أن الرجل المبعوث قد اشترى العنب شراء بَتّاً، وهو العادة في مثل ذلك، ففسخ العقدة إن لم يكن فضلاً من البائع إنما هو أن يدعي أنه من مثل ذلك الشخص عَيب، وهذا نهاية هذا الأمر، وليس بعجب، فقد حكي عن بعض القضاة من السلف أنه رد فرساً على بائعه بشية قد عيبت فيه.
стр. 51
الثاني أنه حكي عنه أنه كان في بعض أسفاره مر برجل من هذا الجنس، فقام الرجل إليه ورحب به ترحيباً بالغاً، واستدعاه للنزول والتضييف بغاية الاستحثاث، فنزل ﵁ فبالغ الرجل في ضيافته وإكرامه مع غاية التاديب معه وتبجيله والبر به، فلما رأى الإمام ذلك قال في نفسه: سبحان الله! " مثل هذا " الخير لا يصدر عن مثل هذا الشخص بما تقرر الحكمة في أمثاله، وهذا الإنسان ينقض علينا القاعدة، فاغتمّ لذلك وبات مغموماً متحيراً فلما أصبح وتهيأ للرحيل لم يشعر إلاّ وقد ناوله الرجل سجِلاًّ فيه مكتوب كل ما أكل وكل ما انتفع به عنده، مقوماً بقيمة مضاعفة وقال له: ادفع لي ما أكلت، وإذا هو رجل صاحب مكر واحتيال على الناس بالضيافة ليتجر فيهم، فعند ذلك سُرِّيَ عن الإمام ﵁ وعلم أن القاعدة لم تنخرم، فوزن له ذلك عن طيب نفس وسرور بصحة القاعدة، انظر الأمثال الحديثة.
ودخل الشعبي سوق الرقيق فقالوا له: هل من حاجة؟ فقال: حاجتي صورة حسنة أتنعم بها، يلتذ بها قلبي، وتعينني على عبادة ربي، وكأنه يتذكر ما عنده والتشويق إليه. وأدام " النظام " النظر إلى جارية حسنة فقال مولاها: لم؟ فقال: ما لي لا أتأمل منها ما أحل الله، وفيه دليل على حكمة الله واشتياق إلى ما وعد الله.
وقال الراجز:
ثلاثة تجلو عن القلب الحزن ... الماء والخضرة والوجه الحسن
وقال إسحاق الموصلي:
لا أشرب الراح إلاّ من يدي رشأٍ ... تقبيل راحته أشهى من الراح
ولا بد من التنبيه في هذا الباب لأمور: منها أن هذه الأسباب الحكميّة قسمان: قسم ظاهر، وهو ما يرجع إلى قوام الإنسان في معاشه غذاء ودواء، مباشرة أو بواسطة قريبة أو بعيدة كما في التمثيل ببعضه، وقسم خفي، وهو ما لم يصل إلى تلك المنزلة بذاته، وإن كان له بها مساس، فالأول لا ينكر على من يتعاطاه لوضوحه، والثاني هو الذي يقع فيه الإنكار كما مرّ كل ذلك.
ومنها أن الأمر العاديّ كما أنه لا تأثير فيه إلاّ لله تعالى كذلك لا ارتباط فيه عقلاً، وإنما هو أمر يجعله الله تعالى وتستمر عادته تعالى به اختياراً منه، ومتى أراد أن يخرقه خرقه، كما شوهد ذلك في منجزات الأنبياء، وكرامات الأولياء، وسحرة السحرة، فكل ذلك خرق من الله تعالى لحكمة كما أجراه أولاً لحكمة: وقد أخرج أهل الحيرة السم القاتل للسيد خالد بن الوليد ﵁ طمعاً منهم في أن يقتلوه، فلما علم به أخذه فسمى الله تعالى وأكله، ولم يضره شيئاً ولا يحصى كم من عابد بقي حياً بلا طعام ولا شراب.
ولما حاصر المعتصم عمورية نهاه المنجمون أن يتقدم لقتالهم في ذلك اليوم، فلما بلغ ذلك بعض أهل الدين في عسكره دخل عليه فقال له:
دع النجومَ لطرقيَّ يعيش بها ... وقم لوقتك وانهض أيها الملك
إن النبي وأصحابَ النبي نهوا ... عن النجوم وقد أبصرت ما ملكوا
فنهض إليهم لوقته ففتح عليه.
وأصل هذا ما في الحديث: أن النبي ﷺ قال لأصحابه إثر سماء وقعت: " أتَدْرُونَ مَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا: اللهُ وَرَسُولَهُ أعْلَمُ، قَالَ: يَقُولُ اللهُ تَعَالى: أصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بي وَكَافِرٌ، فَأمّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَذَاكَ مُؤْمِنٌ بي وَكَافِرٌ بِالْكَوَاكِبِ. وَأمّا مَنْ قالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا فَذَاكَ كَافِرٌ بي مُؤْمِنٌ بِالْكَوَاكِبِ " وهذا هو الذي قررناه قَبْلُ من تحقيق التوحيد وليس فيه إنكار العادة الجارية.
والنوء عند العرب أن يطلع نجم، وقيل: أن يغرب، وهو الأصح " فيقع وهكذا " وقد أجرى الله تعالى عند طلوع النجوم وعند غروبها وعند اقتران بعضها ببعض أموراً كثيرة في المملكة اختباراً منه تعالى، ونبه إليها من شاء من عباده فحصل لهم علم الأنواء، وعلم الاقترانات وسائر علم التنجيم، وهي كلها عادات جارية بإذن الله تعالى، والمتنبهون إليها لمعتبرون لها منهم من آمن ومنهم من كفر، والمقياسُ الحديثُ السابقُ على ما مرّ من تفصيل أحوال الناس.
стр. 52
ومنها أنه قد يعد من هذا الباب ما ليس منه مما يرجع إلى مجرد تخيلات ووساويس، ولم يظهر فيه حكمة منوطة ولا عادة صحيحة جارية، وأكثره يكون بتسلط شياطين يعبثون بمن يتوهم ذلك، فلا يلتفت إلى هذا النوع بوجه من الوجوه، ولا سيما إن أبطل سنة وعارض حكماً شرعياً كالذي يقول: إني جربت أني متى أعرت أو سلفت أو تصدقت أو أضفت ضيفاً تصيبني مضرة، فهذه شيطانية.
وقد حكي عن بعض الناس أنهم ما يذبحون الضحية، وأنهم متى ذبحوها أصابتهم مصيبة، فلما اعتادوا ذلك تركوها، فتمادوا على هذا الضلال حتى انتهى الأمر إلى رجل منهم موفق فقال: والله لا أترك السنة ولأضحيَنّ، فلما ضحى يبِسَتْ يده اليمنى فقالوا: هذا الذي حذرناك، فقال: لا أبالي، فلما أتت الضحية من قابل ضحّى أيضاً فيبست يده الأخرى، فلما ضحى الثالثة يبست رجله، ولما ضحى الرابعة يبست رجله الأخرى، ولما ضحى الخامسة انطلق ولم يبق به بأس " وانقطعت تلك العادة الباطلة " وتبين أنه شيطان يعبث بهم ويفسد عليهم دينهم.
لله الأمر من قبل ومن بعد.
تأملات المؤلف في النعيم والعذاب
كنت في هذه السفرة التي كتبت فيها هذه الأوراق سافرت زمن البرد، فلما انفصلت منم البلد قلت:
أيا رب البرايا يا رحيم ... ويا مولى العطايا يا حفيظ
أجرنا من عذابك وامتحان ... تجيش النفس منه أو تفيظ
ومن وعثاء في سفر وسوء ... ومن صُرَدٍ وسائر ما يغيظ
يقال فاظت نفسه إذا مات، والوعثاء بعين مهملة وثاء مثلثة المشقة، فلما أمسينا وضعت بين أيدينا فاكهة الشتاء فنعمنا بها، فلما رأيت ذلك قلت: سبحان الله من جعل رحمته في عذابه أي النار، وجعل عذابه في رحمته أي المطر، ثم نظمت هذا المعنى فقلت:
سبحان من يقدر أن يرحما ... بما به يعذب المجرما
وأن يعذب بما يرحم ... العبد به يوماً إذا أنعما
فظهر اقتداره واعتلى ... في كلّ أمر شأنه واستمى
وظهرت حكمته في الذي ... ركب في الدنيا وما أحكما
فمُرُّها لم يخل من حلوها ... وحلوها قد أشرك العلقما
في أبيات أخرى أنسيتها الآن، وتقرير هذا المعنى من وجهين: أحدهما أن هذه الأمور التي يباشرها الإنسان ذات وجهين: نافع وضار، ألا ترى أن النار مثلاً تدفئ من البرد وتحرق، والمطر مثلاً ينبت الزرع والنوار، ويخلف المياه الغزار، ولكن يخرب الديار، ويقطع المسافر عن التسيار، وهكذا، والحكمة في ذلك التركيب المشار إليه في الدنيا لما مرّ من الدلالة على ما في الآخرة من النعيم والعذاب والترغيب والترهيب وغير ذلك مما يطول تتبعه.
ثانيهما أن كل ما هو نافع فالله تعالى قادر أن يجعله ضاراً وبالعكس، وذلك لما تقرر في العقيدة من أن ما يوجد في هذه الحوادث من الفوائد والخواص ليس ناشئاً عنها لا باختيار ولا علة ولا طبع، بل عن الفاعل المختار تعالى بقدرته ومشيئته، وليس ثم ارتباط عقلي، فيجوز وجود ذلك وعدمه، فلله تعالى أن يجعل النار مثلاً محرقة مرة، ثم يجعلها غير محرقة، وأن يجعل الخبز مثلاً مقتاتاً ثم يجعله غير مقتات كالحجر، وهكذا، ولكن أجرى الله تعالى عادته بما وقع لما مر من الحكمة وكثيراً ما يخرق ذلك وقد مر كل ذلك.
لله الأمر من قبل ومن بعد
انهزام الدلائيين في معركة بطن الرمان
стр. 53
كان الرئيس أبو عبد الله محمد الحاج بن محمد بن أبي بكر قد ملك المغرب سنين عديدة، واتسع هو وأولاده واخوته وبنو عمه في الدنيا، فلما قام الشريف السلطان رشيد بن الشريف ولقي جيوشهم ببطن الرمان فهزمهم وذلك أوائل المحرم فاتح سنة تسع وسبعين وألف فدخلنا عليه وكان لم يحضر في المعركة لعجزه من كبر سنّه فإذا بالفَلّ يدخلون فدخل عليه أولاده واخوته وأظهروا جزعاً شديداً وضيقاً عظيماً، فلما رأى منهم ذلك قال لهم: ما هذا؟ إن قال لكم حسبكم فحسبكم، يريد الله تعالى، وهذا كلام عجيب، وإليه يساق الحديث، والمعنى: إن قال الله تعالى لكم حسبكم من الدنيا فكفوا راضين مسلمين، والإشارة بهذه إلى أن الله تعالى وضع في الدنيا مائدة لعباده وجعلها دُوَلاً كما قال تعالى: " وَتِلْكَ الأيّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النّاسِ " فكل من جلس على هذه المائدة وتناول منها ما قسم له فلا بد أن يقام عنها بالموت أو العزل ليجلس غيره، ولا تدوم لأحد، بل لا يقام عنها من أقيم غالباً إلاّ بمرارة وعنف، ولذا قال ﷺ : " في الولاية "؛ نِعْمَتِ المُرْضِعَةُ وَبِئْسَتِ الفَاطِمَةُ ".
ثم من الناس من لم يشعر بهذا المعنى ولم يتنبه له، فهو يسعى إليها عجباً بأوائل زبرجها وانخداعاً بظاهر زينتها، كما قيل:
الحرب أول ما تكون فتية ... تسعى بزينتها لكل جهول
حتى إذا اشتعلت وشب ضرامها ... عادت عجوزاً غير ذات حليل
شمطا تنكّر لونها وتغيرت ... مكروهة للشمّ والتقبيل
ومن الناس من علم ذلك وتنبه له، ثم من هؤلاء من نفعه الله بعمله فأوجب له أحوالاً محموده إما قبل ولوجها بالزهد فيها والفرار عنها علماً بغايتها ديناً وتقوى أو حزماً في الدنيا، وأما بعد الولوج بالتعفف والعدل والإحسان والرفق ومجانبة البغي والجور إما ديناً وحذاراً من المطالبة في الآخرة، وإما حزماً دنيوياً وحذار من اختلالها واضمحلالها.
لله الأمر من قبل ومن بعد.
دوام الملك بالعدل واضمحلاله بالجور
وقد حكي عن فرعون - لعنه الله - أنه دخل عليه بعض أشياعه بمال عظيم فوضعه بين يديه فقال له: من أين هذا؟ فأخبره أن بعض القرى من أعمالهم كان لهم ماء فتبطل، وأنه قد أذن لهم في إحيائه وإجرائه على هذا المال، فقال له فرعون: الماء ماؤهم وقد أجروه، ففيم يدفعون المال؟ هذا ظلم وجور، والملك لا يستقر على الجور، فاردد إلى الناس أموالهم.
قال بعض أئمتنا: فانظروا، يا معشر المسلمين، هذا كافر لا يلتفت إلى الدار الآخرة، ثم حافظ بالعدل على دنياه فقط، فكيف بمن يدعي الدين ثم لا يلتفت إلى العدل ولا يحافظ على الدين ولا دنيا.
قلت: وقد قال الحكماء: إن الملك يستقر ويستقيم مع الكفر ولا يستقيم مع الجور، والعلة فيه أن الملوك هم خلفاء الله تعالى على عباده مؤمنهم وكافرهم، غير أن المؤمن خليفة في الطرفين، والكافر في الدنيا فقط، والملك هو نظام العالم، والعدل " هو " روحه، فمتى ذهب العدل اختل النظام ووقع الفساد في العالم، ولذلك قال أرسطوطاليس في " ضوابطه ": العالم بستان سياجه أي حائطه الدولة، الدولة سلطان تحيا به السنة، السنة سياسة يسوسها الملك، الملك راع يعضده الجيش الجيش أعوان يكفلهم المال، المال رزق تجمعه الرعية، الرعية عبيد تعبدهم العدل، العدل مألوف وهو حياة العالم.
ومن كلام الفرس: لا ملك إلاّ برجال، ولا رجال إلاّ بمال، ولا مال إلاّ بعمارة، ولا عمارة إلا بعدل.
وقال الإمام علي - كرم الله وجهه -: الدين أس، والملك حارس، وما لا أس له مهدوم.
وفي الحديث: " صِنْفَاِن مِنْ أُمَّتي إذّا صَلُحَا صَلُحَ النَاسُ: الأمَرَاءُ وَالْعُلَمَاءُ ".
وقال أبو بكر ﵁: لا يصلح هذا الأمر إلاّ شدة في غير عنف، ولين في غير ضعف.
وقال عمر ﵁:لا يقيم هذا الأمر إلاّ رجل يخاف الله في الناس، ولا يخاف الناس في الله.
وقال عمرو بن العاص ﵁: إمام عادل خير من مطر وابل، وأسد حَطوم، خير من إمام ظلوم، وإمام ظلوم، خير من فتنة تدوم.
وفي أمثالهم: إذا رغب السلطان عن العدل، رغبت الرعية عن الطاعة.
стр. 54
ولم يزل الحازمون من أهل الدين يهربون منها، ولذا قال ﷺ : " إنّا لاَ نُوَلِّي أمْرَنَا هَذَا مَن سَألَهُ أوْ مَنْ أرَادَهُ " إما رعياً للغالب من أنه لا يطلبه إلاّ شهوانيّ أو مضيِّع للحزم، وإما استناناً ليتبع عند غلبة الشهوة وضعف الديانة كأزمنتنا هذه.
وقال أبو عمر بن عبد البر: تكلم يوماً معاوية ﵁ فقال: أما أبو بكر فهرب عنها وهربت عنه، وأما عمر فأقبلت إليه فهرب عنها، وأما عثمان فأصاب منها وأصابت منه، وأما أنا فداستني ودُستها، قال أبو عمر: أما علي فأصابت منه ولم يصب منها، قلت إن أبا بكر هرب عنها من أول مرة، وقد قال يوم السقيفة ووضع يديه على عمر وأبي عبيدة: ادفعوا أحد هذين الرجلين، قال عمر: فلم أكره مما قال غيرها، فهما هاربان منها.
وقال عمر ﵁ بعد ذلك في قصته مع أويس القرني من يأخذها بما فيها؟ يا ليت عمر لم تلده أمه، وقال في آخر رمق: يا ليتني تخلصت منها كفافاً لا لي ولا عليّ، هذا مع استقامته وعدله الشهير، حتى صار يضرب به المثل في متابعة الحق، وقد شهد له ﷺ بذلك الحديث المشهور، وقال له أيضاً: " مّا سَلَكْتَ فَجّاً إلاّ سَلَكَ الشَيْطَانُ فَجّاً غَيْرَ فَجّكَ " فكيف يكون حال من لم يبلغ أدنى من هذه المرتبة ولا قارب، وهو يتبجح بالولاية، ويستبشر بنيل الدرجة بها عند الله تعالى.
وقال علي - كرم الله وجهه - يا بيضاء ويا صفراء غري غيري ولا تغريني.
وكل من تعرض لها من السلف فإما أنتهاصاً لنصح المسلمين من نفسه بإقامة الحق لئلاّ يضيع، وإما نزعة بشرية حركها سبب من الأسباب، أما على الثاني فلا يقتدي به، وأما على الأول فيقتدي من بلغ مقامه في التمكين والقوة والنزاهة، وفي مثل زمانه الصالح الذي لم يزل فيه الدين طرياً، والحق جلياً، والأعوان عليه قائمين، وهيهات ذلك في آخر الزمان الذي غلب فيه حب الدنيا واستولى سلطان الهوى على الناس، فلا ترى إلاّ حرصاً على الجمع والمنع، ولا ترى إلاّ نفاقاً ومداهنة وملقاً، فالمرء لا يعدل بالسلامة شيئاً، ومن له بوجودها إن لم يكن له من المولى تعالى لطفاً ظاهر.
أنذر نبينا محمد ﷺ بهذا الزمان، وحض فيه على تجنب أمور العامة، وإيثار السلامة، فقال ﷺ : " إذا رَأيْتَ شُحّاً مُطَاعاً، وَهَوىً مُتَّبَعاً، وَإعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأيٍ بِرَأيِهِ، فَعَلَيْكَ بِخُوَيِّصَةِ نَفْسِكَ ".
ولله الأمر من قبل ومن بعد
وسواس المهدوية
فمن انتهض اليوم للانتصاب رَوْماً لإقامة الحق وإنصاف المظلوم من الظالم فهو مغرور، ولعل ذلك لا يتأتى له كما ينبغي في بيته " فضلاً عن قريته " فضلاً عن البلد، فضلاً عن الإقليم، وقد يسمع فضائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقيام بمصالح المسلمين ودرجة الإمام العادل، وذلك كله حق، ولكن أين يتأتى؟ فيتحرك المسكين لانتقاص الأجر والظفر بعلي الدرجات فلا يفطن إلاّ وقد وقع به العشاء على سرحان، وربما حان فيمن حان، وقد يكون ذلك، وهو الأغلب، دسيسة دنيوية، ونزعة شيطانية، وقد يقع في " بعض " هذه المهاوي بعض أبناء الطريق يحسدهم الشيطان على باب الله والتفرغ للحضور بين يديه وتجنب المعاصي التي هي أقرب شيء إلى الغفران برحمة الله، فلا يزال بهم حتى يضمهم إليه ويجاوز بهم مزالق من كانوا يتبعونه إلى هاوية من يتبعهم كما قال الشاعر:
وكنت امرءاً من جند إبليس فانتهى ... بيَ الأمر حتى صار إبليس من جندي
نسأل الله العافية، فيجد الواحد قوة إيمانية في قلبه أو حالة جمالية واردة، فيوهمه ذلك أنه قوي على أن يصدع بالحق، وربما أوهمه ذلك أنه هو الحقيق بذلك دون غيره، أو أنه هو المهدي المنتظر، فيتحرك على طمع أن ينقاد له الأمر وينقاد له أبناء الزمان، ويحفر فيُكدي، ولا يعيد ولا يبدي، ثم يصير أشقر إن تقدم نُحِر، وإن تأخر عُقِر، فلا يسعه على زعمه إلاّ فتح أبواب التأويلات والترخصات، وإسعاف الناس بعد أن قام ليتبعوه، ومن شأنك بهدم الدين عوض ما قام ليبنيه، ويخفض الحق مكان ما انتهض ليعليه، فإياك وإياك.
إذا أرخى الخمول عليك ذيلاً ... فنم في ظله ليلاً طويلا
стр. 55
وقد رأينا في وقتنا هذا من استولت عليه هذه الوساويس حتى وقع في شبه صاحب المانلخويا بحيث لو اطلع الناس على ما هو فيه رموه في المارستان، ولكن ستر الله تعالى يغطي على عبيده.
مهدوية أحمد بن أبي محلى
وممن ابتلي بهذا قريباً أحمد بن عبد الله بن أبي محلى، وكان صاحب ابن مبارك التستاوتي في الطريق حتى حصل له نصيب من الذوق، وألف فيها كتباً تدل على ذلك، ثم نزعت به هذه النزعة، فحدثونا أنه في أول أمره كان معاشراً لابن أبي بكر الدلائي المتقدم الذكر، وكان البلد إذ ذاك قد كثرت فيه المناكر وشاعت، فقال لابن أبي بكر ذات ليلة: هل لك أن تخرج غداً إلى الناس فتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فلم يساعفه لما رأى من تعذر ذلك لفساد الوقت وتفاقم الشر، فلما أصبحا خرجا، فأما ابن أبي بكر فانطلق إلى ناحية النهر فغسل ثيابه وأزال شَعَثَهُ بالحلق، وأقام صلاته وأوراده في أوقاتها، وأما ابن أبي محلى فتقدم لما هم به من الحسبة فوقع في شر وخصام أدّاه إلى فوات الصلاة عن الوقت ولم يحصل على طائل، فلما اجتمعا بالليل قال له ابن أبي بكر: أما أنا فقد قضيت مآربي، وحفظت ديني، وانقلبت في سلامة وصفاء، ومن أتى منكراً فالله " هو " حسيبُهُ أو نحو هذا، وأما أنت فانظر ما الذي وقعت فيه. ثم لم ينته إلى أن ذهب إلى بلاد القبلة ودعا لنفسه وادعى أنه المهدي المنتظر، وأنه بصدد الجهاد، فاستخف قلوب العوام واتبعوه، فدخل بلد سجلماسة وهزم عنه والي الملوك السعدية واستولى عليه، ثم أخرجهم من درعة، ثم تبعهم إلى حضرة مراكش، وفيها زيدان بن أحمد المنصور فهزمه. وأخرجه منها، وذهب فاستغاث بأهل السوس الأقصى فخرجوا إلى ابن أبي محلى فقتلوه وهزموا عسكره شذر مذر فكان آخر العهد به، ورجع زيدان إلى ملكه. وحدثونا أنه كان ذات يوم عند أستاذه ابن مبارك قبل ذلك فورد عليه وارد حال فتحرك وجعل يقول: أنا سلطان، أنا سلطان، فقال له الأستاذ: يا أحمد " هب أنك تكون سلطاناً ") إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولاً (.
وفي يوم آخر وقع للفقراء سماع فتحرك وجعل يقول: أنا سلطان، فتحرك فقير أخر في ناحية وجعل يقول: ثلاث سنين غير ربع، وهذه هي مدة ملكه، " وقد رمزوا له ذلك " فقالوا: قام طيشاً، ومات كبشاً، أي قام في تسعة عشر بعد ألف، ومات في اثنين وعشرين بعدها. وزعموا أن إخوانه من الفقراء ذهبوا إليه حين دخل مراكش برسم زيارته وتهنئته، فلما كانوا بين يديه أخذوا يهنئونه ويفرحون له بما حاز من الملك، وفيهم رجل ساكت لا يتكلم، فقال: ما شأنك لا تتكلم؟ وألح عليه في الكلام، فقال له الرجل: أنت اليوم سلطان، فإن أمنتني على أن أقول الحق قلته، فقال له: أنت آمن فقل، فقال: إن الكرة التي يلعب بها يتبعها المائتان وأكثر من خلفها، وينكسر الناس وينجرحون، وقد يموتون، ويكثر الصياح والهول فإذا فتشت لم تجد " بداخلها " إلاّ شراويط أي خرقاً بالية ملفوفة فلما سمع ابن أبي محلى هذا المثال وفهمه بكى وقال: رمنا أن نحيي الدين فأتلفناه.
واعلم أن هذه الدعوى أعني دعوى الفاطمية بلوى قديمة كما أشار إلى ذلك بعض الأئمة، وكان الشيعة ادعوا ذلك لزيد بن علي، فلما قام على هشام ظفر به يوسف بن عمر فصلبه، فقال بعض شعراء بني مروان يخاطب الشيعة:
صلبنا لكم زيداً على جذع نخلة ... ولم نر مهدياً على الجذع يصلب
لله الأمر من قبل ومن بعد
المهدي بن تومرت وأتباعه
стр. 56
وأول من تظاهر بهذا جداً ببلاد المغرب " فيما علمنا " يهدي الموحدين، وهو أبو عبد الله محمد بن تومرت السوسي، وكان رجلاً فقيهاً، له رحلة إلى المشرق ولقي فيها المشايخ كالإمام الغزالي ﵁، فلما قفل إلى المغرب لقي في طريقه عبد المؤمن بن علي قد ارتحل في طلب العلم وهو شاب صغير، وكان عنده فيما يقال علم من علم الحدثان فلما بصر به توسم فيه أنه صاحب الأمر فقال له: اذهب معي وأنا أعلمك ما تشاء من العلوم، فصحبه عبد المؤمن في دخوله إلى المغرب، فلما وصلوا إلى حضرة مراكش - حرسها الله - وجدوا فيها آخر المرابطين، ووجدوا أموراً مختلفة كما هو المعهود في أذناب الدول، فدخل ابن تومرت وأظهر شيئاً مما حمل من العلوم العقلية، فأنكر أهل البلد ذلك، وكانوا إذ ذاك أهل بادية، فوشوا به إلى صاحب الوقت، فاستدعى وناظر حتى ظهر عليهم، فخلى السلطان سبيله، وبقي في البلد، ثم جعل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وشاع ذلك، فأنهوا أمره ثانية إلى السلطان وأغروه به، فأمر بإخراجه فخرج إلى تلك الجبال وجعل يدعو إلى الدين، وأقبل عليه الناس، ثم تظاهر بأنه هو المهدي، فلما اجتمع إليه الناس حضهم على إعلاء الدين، وجهاد المفسدين، فتقدم بهم إلى مراكش، وجرت بينهم وبين المرابطين حروب شديدة مات في خلالها بعد أن أوصى بعبد المؤمن وهيأ الأمر له، فولي عبد المؤمن واستوسق الأمر له، ولولده من بعده، وهم أتباع المهدي مع كل من يشايعهم في أنه هو المهدي من الطائفة التومرتية، وقد أنكر الفقهاء عليهم ذلك وضللوهم، ولا شك في ضلالهم في ذلك عند كل من يعترف بوجود المهدي في آخر الزمان.
وقد ألف بعد ذلك الجلال السيوطي كتابه: " العرف الوردي، في أخبار المهدي " و " الكشف في مجاوزة هذه الأمة الألف " وبسط القول في ذلك بما فيه غنية من أن المهدي متأخر حتى يكون في آخر الزمان لوقت خروج الدجال ونزول عيسى ابن مريم ﵇، وأنه ليس هو ابن تومرت ولا أمثاله من كل من يدعي ذلك إلى زماننا.
стр. 57
وكنت لا أحسب أن للطائفة التومرتية في دعواهم أزيد من مجرد الدعوى وتقليد شيخهم " المذكور " فكان من غريب الاتفاق أني منذ نظرت في كتب التصوف وقع في يدي كتابان في هذا العلم ينسبان لأبي زيد عبد الرحمن اللجائي، أحدهما " قطب العارفين "، والآخر " شمائل الخصوص "، فكنت أستحسنهما مع العلم من نفسهما أن مؤلفهما ليس من فحول العلماء، ولكن ما فيهما حسن المسلك، سهل المدرك، فكنت أتمنى زيارة المؤلف لاعتقادي أنه من أهل الطريق، وكنت إذا ارتحلت لزيارة الشيخ عبد السلام بن مشيش ﵁ أسأل عنه فأجده بعيداً عني حتى إذا كان الحصار على مدينة فاس - حرسها الله - حين قتلوا القائد زيدان خرجت منها وأخذت على جبل بني زروال، فإذا بجبل لجاية قريباً مني، فأجمعت زيارته وتركت الركب وانخزلت إليه في نفر من أصحابي، فصعدنا الجبل إليه، وإذا هم يسمونه سيدي عبد الرحمن التراري فلما وصلنا إلى مقامه خرج إلينا أولاده " فأنزلونا " وأكرموا مثوانا، فلما اطمأن بنا المنزل وزرنا قالوا: هل لك في أن نخرج إليك كتب الشيخ لتراها، فقلت: نعم، فأخرجوا الكتابين المذكورين، فلما رأيتهما سررت بهما واستدللت بذلك على أنه هو ذاك، وأنه هو المؤلف لهما، وأخرجوا كتاباً ثالثاً مجلداً ضخماً ففتحته فإذا هو يسميه " المقصد الأسنى، في المهدي الأقنى "، فلما رأيت ذلك ظننت أنه يتكلم في المهدي المنتظر على نحو ما تكلم عليه الأئمة وإذا هو يخرج أحاديث لعبد الرزاق ويذكر حساباً يتضمن ظهوره إثر المائة الخامسة، وإذا هو يصفه ويذكر أحواله، وإذا كلامه في ابن تومرت المذكور، وإذا هو من الطائفة التومرتية، وذكر في أثناء الكتاب المذكور أنه امتحن على يد قضاة الوقت في ذلك حتى دعي إلى فاس ثم إلى مراكش، وأنه أنقذه الله من المحنة ورجع إلى بلده سالماً، فلما رأيت ذلك استضحكت في نفسي وقلت كما قال أبو علي الفاسي حين وجد الياء منقوطة: ضاعت خطواتنا، واستعجلت القيام، والخروج عن ذلك المقام، ولم أنتظر ما يضعون من طعام، وتخلصت بالاعتذار، بأصحابي الذين خلفت بعدي في الدار، ولما فصلنا عنهم تأملت فقلت: حصل العلم بأن هذا الرجل من تلك الطائفة، والعلم بأن تلك الطائفة قد كان فيها من يحتج لدعواهم الباطلة من أهل العلم، وهاتان فائدتان غريبتان، فلم تضع الخطوات مع أن الخطب سهل، والمجتهد مصيب مأجور، أو مخطئ معذور.
لله الأمر من قبل ومن بعد
الرياسة والشهرة
وإذ قد ألممنا بذكر الرياسة والشهرة وضديهما، وذلك مما يبتلى به العام والخاص مع إشكاله والتباسه إلاّ على البصير، فلنشر إلى شرح ذلك باختصار حتى يكون الإنسان منه على محجة واضحة في رشده وغيه، واستقامته وانحرافه في سعيه.
فاعلم أن في كل من الرياسة والشهرة وعدم ذلك شهوة للنفس ونفرة، ومصلحة في الدين والدنيا أو مفسدة، فمن أُلهِم المصلحة في الرياسة أو في الشهرة وسلم من المفسدة ومن الشهوة وأصاب الإمكان فقد حصل على الشرف في الدارين، وفي مثله يقال: المؤمنون أو المتقون بخير فكيف بإمامهم! وإن لم يتوفر له ذلك فإن أنفقت له المصلحة والإمكان أصبح كالسراج يضيء للناس وهو يحترق وفيه يقال: إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، وإن اتفقت له المفسدة والإمكان أصبح من الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، وفي أمره ورد: " أنَّ هَذَا الأمْرَ يَكُونُ نُبُوءَةً ثُمَّ خِلافَةً ثُمَّ مُلْكاً ثُمَّ عُتُوّاً وَفَسَاداً في الأرْضِ "، وهو الموجود اليوم، وكثير من الحمقى في زماننا يشتكون الجور ويطلبون العدل، ولم يدروا أن الجور قد مضى مع الملوك بعدما مضى العدل مع الخلفاء، ولم يبق إلاّ الفساد، فيا ليت الناس وقف لهم الأمر في الجور فيعيشوا، وإن لم ينفق له الإمكان فهو الفضيحة إن أبدى صفحة عنقه، والغم والوسواس إن شرق بريقه.
أما إن لم يلهم المصلحة وإنما جمحت به الشهوة أو قصد المفسدة فلا سؤال عليه.
стр. 58
أما شهوة الناس في الرياسة مثلاً فواضحة لما مر غير مرة من تعشقها لصفات الألوهية، ولذا يقال: دعوى فرعون الألوهية في ضمير كل أحد مع تعشق ما يتوهم من ثمرات ذلك من التنعم والترفه والاحتواء على الدنيا وأهلها، ونفرتها عن ذلك بتوقع ما فيه عادة من المتاعب والمعاطب وإيثار راحة القلب والبدن، وتشتعل الشهوة وتتقوى بعلو الهمة في الدنيا وقوة الحرص وشهامة النفس وتضعف بضعف ذلك، ومصلحة ذلك في الدنيا إطفاء الفتن، وإخماد الإحن، وقمع البغاة، وإغاثة ملهوف، وإنصاف مظلوم، وتهدين السبل، كما قال عبد الله بن مبارك ﵁:
لولا الخلافة لم تأمن لنا سبل ... وكان أضعفُنا نَهْباً لأقوانا
وجباية الأموال وتحصيناً وقسم الأرزاق على أهلها إلى غير ذلك، وفي الدين إقامة الصلاة والزكاة والجهاد ونشر العلم وكفاية أهله ونحو ذلك. وفي مطلق الشهرة في الدنيا السعي في مصالح الناس والمسادة بينهم وغير ذلك، وفي الدين نصح المستنصحين، وتعليم المتعلمين، وهداية الضالين، وتربية المريدين، وغير ذلك، وفي حديث الهداية يقول ﷺ لعلي - كرم الله وجهه -: " لأنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِداً خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ ". والمفسدة في ذلك في الجملة ظلم العباد، والسعي في الأرض بالفساد، وتضييع الحقوق، وإظهار العقوق، وإضلال الناس، والتحريف والإلباس، وشهوة النفس في الخمول والضعة إيثار الراحة والسلامة كما مر في مقابله:
وقائلة ما لي أراك مجانباً ... أموراً وفيها للتجارة مربح؟
فقلت لها: ما لي بربحك حاجة ... فنحن أناس بالسلامة نفرح
ونفرتها عنها لعدم الحظ السابق، والمصلحة في ذلك بانتفاء المفسدة التي في المقابل، وذلك كله واضح، فقد تبين ما هو حظ النفس فس البابين، فقد تدعو إلى جانبٍ موهِمةً أنها تريد استحصال مصلحته والتخلص من المفسدة في مقابله، وهي إنما تريد حظها الطبيعي منه، والشيطان يحثها إلى ذلك طلباً لحصول المفسدة التي فيه وفوات المصلحة التي في المقابل، وعلى البصير الحازم أن يزُمَّ نفسه بزمام التقوى، ويزينها بميزان العدل، وينتقدها بسراج الهدى، ويصفيها من بهرج الهوى.
فإذا دعته مثلاً إلى طلب الرياسة والقيام بالأمر موهمة أنها تريد جمع الكلمة ولإقامة الشريعة وبسط العدل وكف الظلم ونحو ذلك فلا ثق بها في هذه الدعوى حتى يمتحنها فإنها تدعي أنها لم ترد متعة الدنيا وإنما طلبت استحصال الأجر والدرجة عند الله تعالى فيكفيك في امتحانها شيئان: أحدهما أن تعاقدها فيما تدعو إليه بأن تقوم فيه أشعث أغبر لا تنال مما يناله من دخل ذلك من أهل الدنيا عادة من مطعوم ولا ملبوس ولا مركوب ولا منكوح ولا مسكون ولا عظمة، وأنك تكون كواحد من الناس لا تتميز عنهم إلاّ بما تحملت من المشاق والمتاعب والهموم في مصالحهم كما كان حال الخلفاء ﵃ حتى إنك لو كنت في رفاهية قبل ذلك تركتها شغلاً عنها كما كان فعل عمر بن عبد العزيز ﵁ فقد حكي أنه قبل الخلافة اشتريت له حلة بنحو أربعين أو سبعين ألفاً فجسَّها فقال: ما أحسنها لولا خشونة فيها! ولما ولي الأمر اشتريت له حلة بنحو أربعة دوانق فجسها فقال: ما أحسنها لولا لينها! فقيل له ما هذا يا أمير المؤمنين؟ فقال: إن نفسي ذوّاقة تواقة كلما ذاقت مكانة تشوقت إلى غيرها، فلما حصلت الخلافة تاقت إلى ما عند الله تعالى، وسمع البكاء يداره حين ولي، فدخل مسلمة بن عبد الملك إلى أخته فاطمة زوجة أمير المؤمنين فسألها عن ذلك فأخبرته أن أمير المؤمنين دخل عليهن فقال: إني قد شغلني عنكن ما نزل بي، يعني من الخلافة، فمن أحبت منكن أن تصبر على ذلك فلتصبر ﵁، وجعلنا في حماه.
стр. 59
ولما انعقد له الأمر وكان قد تعب فيه هم بأن يَقِيلَ فذهب ليدخل الدار، فقال له ابنه عبد الملك بن عمر ﵄: ما تريد أن تفعل يا أبت؟ فقال له: يا بني إني قد سهرت من هذا الهم، فأردت أن أصيب راحة، فقال له: وأين حقوق الناس؟ فقال: يا بني إلى الظهر، فقال: يا أبت ومن لك بأن تعيش إلى الظهر؟ فأخذه وقبل ما بين عينيه وقال: الحمد لله الذي خلق مني من يعينني على ديني، فترك القيلولة، وخرج إلى الناس وقال: من كانت له مظلمة فليأتنا، وجعل يرد على الناس ضياعهم وأموالهم وينصفهم مما وقع عليهم من الظلم قبله.
هكذا هكذا وإلاّ فلا لا ... طرق الجد غير طرق المزاح
ومن هذا سئل إمامنا مالك ﵁ من يقاتل عن الإمام؟ قال: إن كان كعمر بن عبد العزيز فنعم، وإلاّ فدعه ينتقم الله من الظالم بالظالم حتى ينتقم من الجميع.
فإذا عرضت على نفسك هذا الشرط فتنبه إليها، فإن انشرحت له بأول عارض فعسى أن تصدق، وإن رأيت في أديمها انكماشاً ما فهي كذابة تريد أن تتذرع بتسويلتها الباطلة إلى اقتناص اللذات، والانهماك في الشهوات، ولا تغتر بانشراح يظهر منها ثانيَ حالٍ لأنه يكون متكلفاً احتيالاً.
الثاني أن تقدر أن لو ظهر غيرك في الوجود ممن يقوم بهذا الأمر مثل ما ترجو أو أفضل هب تكتفي بذلك وتحمد الله تعالى على ما كفاك مئونة ما تريد أم لا. فإن اكتفيت بذلك وعلمت أن المراد انتفاع المسلمين وصلاحهم، وقد حصل بلا شك منك فقد تصدق، وإن وجدت نفسك مع ذلك مضرة على طلب ذلك متنكدة من فواته فاعلم أنها كاذبة إنما تطلب حقها، فإن زعمت أنها إنما طلبت الفوز بدرجة ذلك عند الله تعالى وإنما تنكدت من فواتها فاعرض عليها أنه لو حصل ذلك أو أرفع منه وهي بين يدي الله تعالى في خلوتها مراقبة له لهجة بذكره سارحة في رياض المعارف ليلاً ونهاراً هل تطلب هذه الخطة؟ فإن قالت إذن لا حاجة لي بها إذ أصبت الغنيمة الباردة ووقعت على الدر النفيس فعسى أن تكون صادقة، وإن أصرت على الطلب فهي كاذبة، هذا على أن دسائس النفس أدق شيء وأعمصه فقد تسخو بالحظوظ الحسية كلها حتى تتوهم أنها صادقة وإنما تريد حظوظاً معنوية مثل الصيت والذكر في الدنيا على ما وقع للرهبان، نسأل الله السلامة من شرها.
ثم إن ألفيتها صادقة مع الامتحانات، وما أغرب وجود ذلك!، فانظر حينئذ في الإمكان، فإن القيام بذلك متوقف عادة على أمور كالعقل والقوة والعدد والعدة والمال والإخوان والأعوان، فإن تيسر ذلك فمن علامة الإذن التيسير، ولا يكاد يتفق ذلك، ولا سيما فيما نحن فيه من آخر الزمان الذي قل خيره وكثر شره، وإن اتفق فلا يكاد يتفق إلاّ بعد فتن ومفاسد لا يقوم بها ما يرجى من مصلحة، فلا يصل إلى الطاعة على زعمه إلاّ بعد اقتحام معاص عظام، وما أشبهه حينئذ بما شاع في ألسنة المتطببين من أنه لا يكون الرجل طبيباً حتى يعمل مقبرة، ولكن الناس مبتلون مقودون بسلاسل القدر، لينتظم أمر الدنيا على حسب ما شاء الحكيم العليم، نسأله سبحانه أن يصرفنا فيما فيه رضاه، وكذا ما نحن فيه، وإن لم تر إمكاناً أصلاً أو لم تره على مقتضى المصلحة الشرعية فخل عنها، واعلم أنك لست من أهلها.
دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
ودع عمار العلى للمقدمين على ... ركوبها واقتنع منهن بالبلل
ولا تغتر بصلاح نيتك وتمنيك الخير وتظن أنك تعطى لا محالة ما تتمنى فهيهات!
ما كل ما يتمنى المرء يدركه ... تجري الرياح بما لا تشتهي السفن
واعلم أنك متى رمت النهوض إلى هذا الأمر بلا عُدّته تكون كالمجبوب يروم أن يتزوج ليولد له ولد صالح يدعو له أو ليكثر الأمة المحمدية بنسله، فهذا أحمق مبين، وحسبه أن يحتسب على الله تعالى نيته الصالحة فعسى أن يعطى بها خيراً، وفي الحديث: " نِيَّةُ المُؤْمِنِ أبْلَغُ منْ عَمَلِهِ " وفي الحديث: " مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَة " وكذا أنت في هذا كله.
стр. 60
وانظر إلى الملك الذي أشرف على تَلٍّ ونظر إلى جنوده تحته فأعجبوه، فتمنى أن لو كان حاضراً مع النبي ﷺ لينصره، فرحمه الله تعالى بفضله على هذه النية، فَانْوِ أنت أيضاً أن لو كانت لك قوة على إظهار الشريعة وإحياء السنة وإخماد البدعة وحسم الباطل وإغاثة الملهوف ونصرة المظلوم وإقامة ميزان العدل وإصلاح العباد والبلاد، فعسى أن تنال بهذه النية خيراً، وقف هاهنا وطب نفساً عما وراءه، فلا تلج تلك المضايق ولا تتبع تلك الطرائق، وإذا فهمت الدسيسة في هذا القسم فافهمها في غيره والله الموفق.
لله الأمر من قبل ومن بعد
الكشف والمكاشفة عند الصوفية
حدثنا شيخنا العلاّمة أبو بكر بن الحسن التطافي ﵀ " قال: دخلت على شيخنا العلاّمة أبي بكر بن الحسين التطافي ﵀ " قال: دخلت على شيخنا العلاّمة الزاهد أبي محمد عبد الله " بن علي " بن طاهر الحسني ﵁ يوماً وهو إذ ذاك بقرية أولاد الحاج من بلد مضغرة فقال لي: إن بني يفوس وهم قرية من الخنق وقع بينهم قتال قال: فقلت: يا سيدي أجاء أحد من هنالك؟ قال: لا، ولكن أخبرني بذلك قلبي، وقلبي لا يكذب علي، فقد جربته، وكان بينه وبين هؤلاء مرحلة، قال: فجاء الخبر بعد ذلك بوقوع الأمر كما أخبر به.
وقد رأيت أن أثبت في هذا المعنى كلاماً تتميماً للفائدة كما هو سبيل هذا الكتاب كله، وأنا أبرأ إلى السامع من نفسي، فلا يتوهم أني من أهل هذا المضمار وأني خبرت عن وجدان، وتكلمت عن ذوق، وبينت عن مشاهدة، كلا، وإنما أقرر شيئاً أتعقله فهماً، أو شيئاً وجدته في كتبهم مشروحاً، ولا أدعي أنه ليس في حكمة الله البالغة، وموهبته السابغة، أزيد من ذلك، بل أذكر ما انتهى إليه فهمي فأقول: إن الغيب المدعى الاطلاع عليه، وهو ما لا يعلمه عامة الناس قسمان: قسم متقرر في نفسه، وللعقول وصول إليه، وقد يدركه بعض العقول دون بعض، وذلك كصفات الله تعالى وأسمائه، وحكمته في أرضه وسمائه، وأحكام المعاد وغير ذلك، وكذا كل علم مستنبط في الأصول والفروع وغير ذلك، فهذا اطلاع صحيح، ولكن لا يسمى في الاصطلاح كشفاً، نعم هو الكشف الصحيح النافع، وسنشير إليه آخر الترجمة إن شاء الله.
وقسم مرجعه الموهبة، و " لكن " لا مجال فيه للعقول، ويكون إما بلا تقدم سبب يناسبه كحال مجذوب وهي الرؤيا المستغنية عن التعبير، وإما بمشاهدة مثاله، وهي الرؤيا التي تعبر، وإما بسماع خطاب أو آية أو قراءتها ونحو ذلك، ولا حاجة إلى بيان حقيقة الرؤيا لأن ذلك مستوفى في علم التعبير.
وأما الغيبة فأن يشاهد فيها شيء أيضاً أو أمثاله أو يسمع الخطاب أو نحو ذلك، وكون المشاهدة حينئذ بالعين الباصرة أو بعين القلب أمر محتمل، ولا حاجة إلى التعرض لتحقيقه فإنه لا يتعلّق به غرض.
وأما اليقظة فبأن يرى الشيء بعينه إن كان مما يرى أو أمثاله، أو يراه بقلبه إما بأن يتجلى له كرؤية البصر أو يخطر فيه أنه كذا، أو يحدث به، وقد يرى الشيء مكتوباً في اللوح المحفوظ أو في الصحف المستنسخة يقظة أو غيبة أو مناماً أو مكتوباً على صفحة جدار أو على جبين السائل أو غير ذلك، وقد يفهم ذلك من صوت يسمعه أو فعل أو حال يراه لغيره أو لنفسه أو نحو ذلك، فهذا النوع كله هو الذي يراد بالكشف والمكاشفة في عرف الناس، وقد يختص ذلك يختص ذلك بالقسم الثاني والثالث أو بالثالث فقط.
ولما كان أمراً معشوقاً للإنسان وذلك من وجهين: أحدهما من حيث كونه علماً، والعلم هو غذاء الروح، وكلما كان أغرب، كان أشهى وأعجب.
стр. 61
ثانيهما من حيث كونه غبياً، والعلم به من أوصاف الربوبية، والعبد مرتاح إلى ذلك كارتياحه إلى القدرة والعلو، فكان للناس ولوع بذلك وتشوف إليه لما ذكرنا وتشوف إلى من يظهر عليه شيء منه لاستلذاذ الغرائب، واستعظام العجائب، واستنجاح المآرب، حتى إن العامة مُطبِقون على جعل ذلك آية لثبوت ولاية الولي من غير تعريج على المستقيم منه والسقيم، وكذا صاحبه في نفسه، فنشأ من ذلك كله لعوام المتوجهين شغف به وحرص عليه لأول قدَمٍ، فكثرت فيه الدعوى، وعمت به البلوى، والتبست السبل بالمنهاج، وغطى على شمس الخصوصية دخان الاستدراج، رأينا أن ننبه على وجوه الغلط في الأوجه السالفة بقدر ما حضر في الفكر ليتأتى للإنسان التحرز من مغالطة نفسه ومغالطة غيره له، " والله أعلم " وسمعت الشيخ أبا عبد الله ابن ناصر ﵀ يقول: قال سيدي أحمد ابن إبراهيم ﵀: لا تكونوا كذابين ولا يلعب بكم الكذابون.
فنقول: أما ما يكون من جهة المنام فيمكن الغلط فيه من جهات: منها أن لا يضبط " أمور " نفسه، فإن أمور النوم قلما تنضبط، فيتوهم أنه رأى صورة الشيء أو المثال الدال عليه أو خوطب به أو نحو ذلك والأمر خلافه.
ومنها أن يرى صورته لكونها حاضرة في خياله، فإن من أكثر تصور الشيء لشغفه به أو لاستغرابه أو للخوف منه أو عليه ربما تخيله بذلك السبب، ولا حاصل لذلك كما في قصة الذي بشر الملك بطول العمر وأنه بقي في عمره أربعون سنة وأن أمارة ذلك أن يرى في الليلة القابلة كذا لصورة غريبة صورها له، فظل الملك يقلب تلك الصورة في وهمه، فلما أمسى رآها فأصبح مصدقاً بكلام ذلك الشخص فنال الحظوة منه وهو كذاب، وما زال العامة يقولون: إن فلاناً يحلم بفلان أي لخوف منه أو لمحبته، فيكثر ذكره نهاراً ويحلم به ليلاً.
ومنها أن يرى مثالاً فيعبره بذلك ويخطئ في العبارة ويبني على الخطأ، وقد لا يذكر المنامة بل يقتصر على تفسيرها على زعمه إما حُسْنَ ظن بنفسه أن الأمر هو ذلك، وإما إيهاماً للناس " أنه " إنما أخبر عن مشاهدة لا عن منام ليعد من الأولياء أهل الكشف، فإن المنامات لا تختص بهؤلاء بل تقع لسائر الناس حتى الكفرة، ولذا وقع الحديث: " الرُّؤْيَا الصّالِحَةُ مِنَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ ... وفي الحديث أيضاً: " إذَا تَقَارَبَ الزَّمَانُ لَمْ تَكَدْ رُؤْيَا المُؤْمِنِ تَكْذِبُ ".
ومنها أن يسمع خطاباً في منامه ولا يدري ممن سمعه فيبني عليه ظناً منه أنه من الله تعالى أو من ثقة " من " عباده، وإنما هو شيطان يلعب به، وكذا قد يكون كل ما ذكر شيطانياً، فقد صح أن " الرُّؤْيَا مِنَ اللهِ وَالحُلُمُ مِنَ الشَّيْطَانِ ".
وقد يرى الشخص المخاطب فيظنه من أولياء الله أو فلاناً بعينه منهم، وإنما هو شيطان يتراءى به، وقد يسمعه من ولي من الأولياء ويبني عليه فيخرج " خطأ " فإن الولي غير معصوم من مثل هذا، وإذا جاز على الولي الوقوع في هفوة من كبار الذنوب عمداً بلا اضطرار فكيف بالخطأ؟ وسنذكر بعد وجوهاً من الخطأ في الكشف، و " قد " يكون ذلك من الولي تصرفاً في المملكة بتولية أو عزل أو نحو ذلك فينقض عليه ذلك غيره من أهل الحل والعقد بعدما حمله السامع وتحدث به، وقد يحضر أول كلام من مجلس الصالحين في أمر ثم يفوته آخره وهو بخلاف ما سمع إلى غير ذلك.
واعلم أن مواقع صدق الرؤيا وشروط اعتبارها مشروحة في فنها، وإنما قصدنا الإشارة إلى بعض ما يقع للناس مما ينبغي التحرز منه.
وأمّا ما يرجع إلى حال الغيبة فيمكن أيضاً أن يقع فيها الخطأ بتلاعب الخيال أو تلاعب الشيطان تَرائِياً وإلقاءً، وقد تكون " غيبته " بوارد رباني أو شيطاني، وذلك مشروح في محله عند أهله.
стр. 62
واعلم أنه في كل من المنام والغيبة يمكن أن يرى النبي ﷺ ، ثم يسمع في تلك الحالة كلاماً يظنه من النبي ﷺ سمعه، وهو إنما سمعه من ناحية أخرى فيبني على ذلك ويغر من سمعه، وكون الشيطان لا يتمثل به ﷺ ألا يوجب امتناع أن يحضر الشيطان في ناحية، ولا أن يتكلم هو أو إنسي آخر فيطرق ذلك أذن السامع وهو في حالته يعسر عليه الضبط فيظنه ما ذكرنا، إذا فهمت هذا فمن حدثك بأمر سماعاً من النبي ﷺ في النوم ونحوه فلا تعول عليه ولا بد، ولو كان المحدث صدوقاً، بل حتى يبرز، ثم أخلف ذلك فلا تحكم ولا بد بأن المحدث متحلِّم كاذب، بل قد يكون صادقاً في وقوع الرؤيا وإنما غلط فيما سمع فافهم، وما اشتهر في كلام الناس من " أن " الرؤيا التي يحضر فيها النبي ﷺ رؤيا حق لا حلم يسلم في الرؤيا نفسها لا فيما وراء ذلك من كلام وخطاب مثلاً، وإذا أمكن هذا في جانب النبوءة ففي الأولياء أقرب وأولى.
وأما ما يكون في اليقظة فيمكن فيه أيضاً الغلط في رؤية البصر بأن يكون المرئي خيالاً لا حاصل له كما يقع ذلك للمحموم وصاحب المَيْدِ وراكب البحر ونحوهم، وفي رؤية القلب كذلك وفي الخاطر بأن يكون شيطانياً أو مجرد حديث نفس أو قوة رجاء وظن أو نحو ذلك، إذا علمت هذا فأعلم أن الواجب على الإنسان في حق نفسه أن لا يغتر وأن يتهم رأيه، وفي حق غيره أن لا ينخدع لكل مبطل ولا يسيء الظن بكل مسلم، وفي هذا غموض لا يقوم به إلاّ اللبيب الموفق، ولا بد من شرح هذا " كله " بعون الله وتوفيقه.
فأما الإنسان في خاصة نفسه ففي باب الرؤيا إن رأى ما يكره فليتعوذ بالله كما جاء في السنة المطهرة وليقل: اللهم إني أعوذ بك من شر ما رأيت أن يضرني في ديني ودنياي فإنها لن تضره، وإن رأى ما يحب فهي مبشرة، وفي الحديث: " ذَهَبَتِ النُّبُوءَةُ، وَبَقِيَتِ المُبَشِّرَاتُ " ومع ذلك لا يغتر لما ذكرنا قبل ولهذا يقال: الرؤيا تسر ولا تغر.
وأما تحدثه فإن كان يتقي فيه فتنة أو غروراً أو عجباً لنفسه أو نحو ذلك فليكتم ذلك ولا يلتفت إليه، وإن لم يكن به " بأس " لنفسه ولا لغيره فليذكرها إن شاء " الله " بصورتها لا استغناء بمضمونها على زعمه، فإن خرجت على المراد فذاك، وإلا بقي بريء الساحة، وقد يعرض ما يقتضي ذكرها كاستدعاء أستاذه ذلك منه، وقد كان ﷺ إذا أصبح يقول: " مَنْ رَأى رُؤْيَا فَلْيّقُصَّهَا " أو أن يكون في ذلك للإخوان سرور ومزيد، وكان الشيخ أبو مهدي الدغدوغي ﵀ يقول: لا تكتموا عن إخوانكم ما تشهدونه من الكرامات فإن ذلك يحبب إليهم طاعة الله تعالى، غير أن هذا مزلقة للنفس، فالحذر الحذر، والعاقل لا يعدل بالسلامة لنفسه شيئاً.
وأما في باب الغيبة فلا اختيار له " في حالتها كما لا اختيار له " في حالة النوم، ولكن بعد السكون يجب عليه أن يتحرز في حق نفسه وفي الإفشاء للغير كما في النوم وأكثر لأنها ملْعَبَة للشيطان إلاّ من عُصم، وليتحرز قبل ذلك من الوقوع في ذلك بتصحيح التقوى، وترك الدعوى، ومجانبة المخلطين والشاطحين المدعين.
وقد نقل الأخ أبو العباس زروق ﵁ أن من اعتاد من نفسه الغيبة عند السماع أنه لا يحل له تعاطيه لأن حفظ العقل واجب، وبهذا تعلم حال متفقرة الوقت في طلبهم الخمرة، وما مثالهم إلاّ مثال سفيه مسافر وبين يديه قُطّاعٌ ومعه خفير يحميه منهم فَدسوا إليه من أغراه بقتل ذلك الخفير أو طرده عن نفسه، وذلك ليستمكنوا منه بلا مدافع، ففعل ذلك أو سعى في فعله سَفَهاً منه لقلة معرفته بمصالح نفسه ومكايد عدوه.
стр. 63
وهكذا المريدُ خفيرهُ من تلبيس الشياطين عقله مع توفيق الله تعالى، فإذا ذهب " عنه " استمكن منه وهو يطلب ذلك ويحرص عليه لأنه رأى أو سمع أهل الشراب الصافي من أولياء الله تعالى ورأى ما يطلعون عليه من المغيبات وما يدركون من الحقائق وما يتصرفون في المملكة من التصرف، وما يقع للخلق من الإقبال عليهم والتنويه بهم، فيشتهي المسكين تلك الحالة لذلك ولا يدري أن أولئك لم يكونوا أهل شهادات مثله، ولا نالوا ذلك بحولهم " واحتيالهم " ولا قوتهم، ولا بالترَّهات التي يشتغل بها هو، وإنما اختصهم الله بموهبته وأهّلهم لحضرته من غير تدبير منهم ولا اختيار، ولو كان لهم اختيار لاختاروا البقاء في خدمته وأن لا يغيبوا عنها لحظة، فإن أدب العبد وشرفه إنما هو في خدمة مولاه لقيامه فيها بحق سيده لا بحظ نفسه، وما مثال من يطلب الخروج عن ذلك بالولهِ والسكر إلاّ مثال عبد نصبه سيده لخدمته وهو يريد الإباق عنها أو يريد أن يتركها اختياراً منه ليدخل إلى مجلس سيده، فما أحقه في الحالتين بالعصا تأديباً أو طرداً نسأل الله تعالى العافية، نعم ما مر من أنه لا ينبغي له تعاطي السماع مثلاً إنما هو ما دام اختياره معه، وأما المغلوب فلا حكم عليه، وبهذا يجمع بين ما نذكر وبين ما يقع للصوفية في باب السماع وباب الوجد.
وبلغنا أن جماعة قدموا على سيدي محمد الشرقي التادلاوي المتقدم الذكر فخرج إليهم وتحرك سماع فلم يشعروا به إلاّ وهو في وسطه يتواجد " و " ليس عليه إلاّ القميص، قال بعض الجالسين لآخر سراً: هذا رجل خفيف، فإذا هو على الفور تكلم على خواطرهم فقال:
الله الله يا الله ... الله الله يا لطيف
الحب يهز الرجال ... لا والله ماني خفيف
ومن هذا قول القطب العارف الشيخ أبى مدين ﵁: " حيث قال ":
فقل للذي ينهى عن الوجد أهلَه ... إذا لم تذق معنا شراب الهوى دعنا
" إلى أن قال ":
فإنا إذا طبنا وطابت عقولنا ... وخامرنا خمر العشيق تهتكنا
فلا تلم السَّكران في حال سكره ... فقد رفع التكليف في سُكرنا عنا
والأبيات مشهورة، غير أن هذه الغلبة لا يتحققها الجهال ولا ينتظرونها، نعم استدعاء حال يرجى عنه رقة القلب وانشراح الصدر وذهاب جساوة النفس ورعونتها بلا زائد مع صحة القصد لا ينبغي أن ينكر، بل يلتحق بما أذن فيه شرعاً، بل حضّ عليه مما يفيد رقة القلب وخشوعا وتذكير الآخرة كحضور مجالس الذكر وقراءة القرآن " بالتدبر " وزيارة القبور والمسح على رؤوس اليتامى ونحو ذلك.
وقد انجرَّ بنا الكلام إلى ما لا حاجة بنا إليه في هذا المحل لكثرة أبوابه واتساع شعابه، فلنرجع على ما نحن فيه فنقول: وأما في حال اليقظة فليحذر أيضاً من الغلط في رؤيته كما مر وفي خاطره فلا يثق بكل ما يرد عليه في قلبه " في نفسه " فضلاً عن أن يخبر به الناس، وليفرض ذلك الوارد كأنه شخص مجهول ورد عليه من سفر فأخبره بأمر وقع في بلد آخر فلا يثق به وهو لا يعرف صدقه من كذبه، ولا يخبر أحداً بخبره حتى ينظر، ولو وثق به وحدث الناس بكلامه دخل في مضمون: " كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِباً أنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ "، بل حتى ينظر " هل " صدق ما أخبر به، ثم إن صدق فأخبره كرة أخرى فلا يثق به أيضاً لأنه قد يتفق للكاذب الصدق مرة أو أكثر، ثم إن صدق فأخبره أيضاً فكذلك حتى يحصل " له " اليقين بالتكرار والقرائن أنه صدوق، فعند ذلك يثق به فيقول: حدثني الثقة، وهكذا خاطر القلب، وهيهات تحقق ذلك فيه بمجرد هذا، فإن الشخص في المثال يكون معروفاً بعينه، فإذا ثبت له وصف من الصدق عرف به، أما الخاطر القلبي فمتى يعرف أن هذا الذي أخبره الآن هو الذي صدق قبله وهو يعلم أن القلب ميدان للربّاني والملكي والشيطاني والنفساني فلعل هذا شيطاني أو نفساني، نعم إن كان من جنس من قال: كنت بواباً على قلبي ثلاثين أو أربعين سنة، فمتى تحرك خاطر سوء صرفته عنه فعسى أن يثق بما حصل في قلبه، وكذا الله أعلم من ربه أنه أعطى الخاطر أو تجريب صادق من أهله في قلبه كما مرّ أو مع ربه أنه يعلمه بما يحدث في المملكة.
стр. 64
وقد روي أن امرأة من تلامذة الشيخ السري ﵁ أرسلت ابناً لها في حاجة فوقع في النهر وغرق، فبلغ الخبر إلى الشيخ قبلها " فقال للجنيد: قم بنا إليها فأتياها فجعل الشيخ يكلمها في مقام الصبر " فقالت: ما أردت بهذا يا أستاذ؟ فقال: إن ابنك من أمره كذا أي مات، فقالت: ابني؟ ما كان الله ليفعل ذلك، ثم ذهبت تهرول إلى الماء فنادت يا فلان فقال: لبيك وخرج إليها يسعى، فنظر السري إلى الجنيد وقال: ما هذا؟ فقال: إن أذن الشيخ تكلمت، قال: تكلم، فقال: هذه امرأة محافظة على ما لله عليها، ومن شأن من كان كذلك أن لا يُحدِثَ الله أمراً حتى يعلمه، فلما لم يعلمها الله علمت أنه لم يكن.
ولذا قال بعض المشايخ للتلامذة: أيكم إذا أراد الله أن يحدث شيئاً في المملكة أعلمه إياه؟ قالوا: لا أحدَ مِناّ، فقال: ابكوا على قلوب لا تجد من الله شيئا أو نحو ذلك، وقد شهد الذوق أنه ما يتفق ذلك عادة على استقامة إلاّ بعد صفاء المداخل كلها، فيعم ما يتصل بمعدته من مطعوم، وبأُذنه من مسموع وبعينه من مَرئيٍّ وبلسانه من مقُولٍ إلاّ كدراً، ولا يثق أيضاً بما يقع له من التجلي في باطنه، فإن كل ما سوى الأنبياء ﵈ معرضاً للخطأ والغلط، وقد يتجلى الشيء بتمامه وقد ينتقص.
وضرب " الإمام " حجة الإسلام في الإحياء لذلك مثلاً وهو أن القلب في مطالعته اللوح المحفوظ بواسطة التجلي يكون كما لو كان بينك وبين جدار أو إنسان أو متاع ستر مرخىً، فإذا انسدل لم تر شيئاً من ذلك الجدار فترسله ولا ترى الباقي أو ترسله قبل أن تبين ما رأيت وهكذا.
قلت: ومن ثمَّ يقع لأهل الفراسة من الصالحين اختلال أو نقصان فيظن بهم الكذب، وإنما يؤتون من عدم التجلي كما ذكرنا أو من غلط في فهم خطاب أو نحو ذلك، وذلك مشهور.
وقد حدثونا عن صلحاء تادلا أنه لما قام على السلطان أحمد المنصور ابن أخيه أو ابن عمه الناصر قال سيدي أحمد بن أبي القاسم الصومعي: إن الناصر يدخل تادلا بمعنى دخول الملك، فلما بلغ الخبر إلى سيدي محمد الشرقي قال: مسكين بابا أحمد رأى الناصر قد دخل تادلا فظنها الناصر يدخل، فكان الأمر كذلك أنه هزم في نواحي تازا ثم قطع رأسه وجلب إلى مراكش فدخل تادلا في طريقه.
وعن صلحاء سلا أن رجلاً من رؤساء البحر جاء إلى سيدي علي أبي الشكاوي فشاوره على السفر في البحر فقال له: لا تفعل، وإن فعلت فلا تربح مالك ونفسك، وخرج من عنده فأتى سيدي عبد الله بن حسون فشاوره فقال له: سافر تسلم وتغنم. فسافر فاتفق عند دخولهم البحر أن أسرهم الروم فذهبوا بهم إلى أن لقوا بعض سفن المسلمين فوقع بينهم قتال فظهر المسلمون، فاستمكن هؤلاء من سفينتهم التي أسرتهم فقبضوا عليها وغنموها ورجعوا سالمين غانمين، ومثل هذا من أحوالهم كثير.
وقد ذكر الشيخ عبد الوهاب الشعراني أنه لا ينبغي لمن يطالع ألواح المحو والإثبات أن يتكلم، وإنما يتكلم من يطالع اللوح بنفسه، وذلك لأن ما في اللوح لا يتبدل بخلاف الصحف فإنه يقع فيها التبديل كما قال تعالى:) يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثبتُ (فقد يخبر بما فيها ثم يمحوه الله تعالى فيختلف خبره ويدخل وهناً على الخرقة وتهمة بالكذب والدعوى.
стр. 65
وذكر في صلحاء مصر في وقته أن فلاناً منهم كان يتكلم عن اللوح فكان كل ما يكون يحتفظ به، وفلاناً كان يتكلم عن الألواح فكان ربما يخير بالشيء ولا يقع، والظاهر أن حكاية الشيخ عبد القادر ﵁ من هذا المعنى، وذلك أن رجلاً من التجار شاور بعض المشايخ وأظنه الشيخ الدباس على السفر فقال له: لا تفعل فإنك إن سافرت تقتل وينهب مالك، فلقي الرجل الشيخ عبد القادر فكلمه فقال له: سافر ولا بأس عليك، فسافر الرجل فلما كان ببعض الطريق طرح بضاعته ثم قام فنسيها وتنحى إلى مكان آخر فنام فرأى في منامه أن قد خرج عليهم اللصوص فقتلوه ونهبوا أموالهم، فاستيقظ مذعوراً، وإذا به أثر الدم كأنه أثر الطعنة التي رآها في منامه، ثم ذكر بضاعته فهرول إلى الموضع الذي نسيها فيه فإذا هي سالمة، فأخذها ورجع إلى أهله سالماً " بماله "، فلما دخلَ لقي الشيخ الأول فقال له ذلك الشيخ: يا ولدي، الشيخ عبد القادر محبوب طلب من الله تعالى كذا وكذا مدة أن يرد القتل مناماً والنهب نسياناً " ففعل " فهذه الحكاية مع عبارة هذا الشيخ إذا سمعها الجاهل يتوهم أن الله تعالى قضى في أزَلهِ على هذا الشخص أن يقتل في هذه السفرة ويذهب ماله وأنه أطلع الشيخ على ذلك فأخبر به ثم تبدل ذلك بدعاء الشيخ عبد القادر، وذلك باطل لا يكون، فإن علم الله تعالى لا يتبدل، وما قضي في أزله وهو المعبر عنه باللوح المحفوظ لا يتحول، وإنما ذلك يخرج على ما ذكرنا من المحو والإثبات، وهو أن يظهر الله تعالى القتل والنهب ويطلع عليه الشيخ المذكور ويكون قد قضى في علمه أنَّ ذلك منام لا حقيقة، وأن دعاء عبد القادر منوط به، فلما دعا برز ما علمه الله تعالى أن يكون وقضاه، وهو الصحيح، وإظهار المعنى الآخر يكون لحكمة يعلمها الله تعالى كصدور الدعاء والتضرع من الشيخ عبد القادر في هذه الصورة وظهور شفوف منزلته وحظوته عند ربه، وهكذا يفهم كل ما يشبه هذا مما يقع من الكرامات أو المعجزات.
واعلم أن كل ما أشرنا إليه من التحذيرات " وقررنا من التحرزات " إنما هو في حال المريدين وعوام المتوجهين المعرَّضين للغلط والزّلق، وأما العارفون الكاملون وإن كانوا أيضاً غير معصومين ولا مستغنين عن التحفظ فلا حديث لنا عنهم لأنهم أعرف بأحوالهم فيما يأتون ويذرون، وما يبدون وما يكتمون، وتوصية أمثالنا لهم حماقة وسوء أدب.
وأما الإنسان في حق غيره فهو بين إحدى ثلاث: إما شيء يصدق به لمعرفته له بالبصيرة أو تقليد من يثق به من أستاذ أو نحوه فيقبله، وإما شيء تنكره الشريعة أو الحقيقة أو العقل فينكر بالشروط المقررة في إنكار المنكر في الفقه وفي التصوف مع حسن الظن في الباطن، وإما شيء محتمل " فيسلم " لا ينكر ولا يتبع، ولا تتم هذه الجملة إلاّ بسلامة الصدر للمسلمين وحُسن الظن بهم وتغافل عن مساويهم مع فطنة ويقظة ومعرفة بالزمان وأهله، والمؤمن كيس فطن ثلثاه تغافل، ويقال: اللبيب العاقل هو الفطن المتغافل، أما الزمان فلا تسأل عنه، وقد مرّ في الحديث: " صِنْفَانِ إذَا صَلُحَا صَلُحَ النّاسُ، وَإذَا فَسَدَا فَسَدَ النّاسُ: الأمَرَاءُ وَالعُلَمَاءُ " وقد فسدا معاً وإلى الله المشتكى.
وكان الأمر يصلح بأئمة العدل، وفقه الفقهاء، وأدب الصحابة، وقد فسد هؤلاء الثلاثة بالجور والمداهنة والبدعة ففسد الدين بهم أولاً والدنيا ثانياً كما قيل:
وهل أفسد الدين إلاّ الملوك ... وأحبار سوء ورهبانها
وباعوا النفوس ولم يربحوا ... ولم تغل في البيع أثمانها
لقد وقع القوم في جيفة ... يبين لذي عقل إنتانها
وقيل:
يا معشر القراء يا ملح البلد ... ما يُصلحُ المِلْحَ إذا المِلحُ فسد؟
والمراد بالقراء الفقهاء، وبهم يصلح ما فسد كما يصلح الطعام بالملح، فإذا فسدوا تعذر الصلاح.
أما التصوف فقد كان شيخ الطائفة أبو القاسم الجنيد في زمانه يقول ﵁:
أهل التصوف قد مضوا ... صار التصوف مخرقه
الأبيات المعروفة فما بالك بزماننا؟ فقد صارت هذه المخرقة مخرقة، ولم يزل الخلق ينقص إلى الآن.
وقد قيل قبل هذا بزمان: دعوى عريضة، وضعف ظاهر، أما اليوم فالدعوى من وراء حجاب.
стр. 66
وقد طرق أسماع العوام من قبل اليوم كلام أهل الصولة كفحول القادرية والشاذلية ﵃ وكلام أرباب الأحوال في كل زمان فتعشقت النفوس ذلك، وأذعن له الجمهور، وفاضوا بالتشبه بهم، فلما شئت أن تلقى جاهلاً مسرفاً على نفسه لم يعرف بعد ظاهر الشريعة فضلاً عن أن يعمل " به " فضلاً عن أن يخلص إلى الباطن فضلاً عن أن يكون صاحب حال فضلاً عن أن يكون صاحب مقام إلاّ وجدته يصول ويقول، وينابذ المنقول والمعقول، وأكثر ذلك في أبناء الفقراء يريد الواحد منهم أن يتحلى بحلية أبيه ويستتبع أتباعه بغير حق ولا حقيقة بل لمجرد حطام الدنيا فيقول: خدام أبي " وزريبة أبي " ويضرب عليهم كمغرم السلطان، ولا يقبل أن يحبوا أحداً في الله أو يعرفوه أو يقتدوا به غيره، وإذا رأى من خرج يطلب دينه أو من يدله على الله تعالى يغضب عليه ويتوعده بالهلاك في نفسه وماله وقد يقع " له " عليه شيء من المصائب بحكم القضاء والابتلاء فيضيفه إلى نفسه فيزداد بذلك هو وأتباعه ضلالاً، يخترق لهم من الخرافات والأمور المعتادات ما يدعيه سيرة وديناً يستهويهم به ثم يضمن لهم الجنة على مساوئ أعمالهم والشفاعة يوم الحشر فيقبض على لحمة ذراعه فيقول للجاهل مثله: أنت من هذه اللحمة، فيكتفي ابتهال العوام بذلك ويبقون في خدمته ولداً عن والِدٍ قائلين: نحن خدام الدار الفلانية، وفي زريبة فلان لا نخرج عنها، وكذا وجدنا آبائنا، وهذا هو الضلال المبين، وهؤلاء قطاع العِباد عن الله وعن دينه داخلون في شبه ما قال النبي ﷺ في ملوك السوء وخصوصاً " في " بني أمية، ففي الحديث: " إذَا بَلَغَ بَنُو أبي العَاصي ثَلاثِينَ رَجُلاً اتَّخَذُوا عِبَادَ اللهِ خَوْلاً وَمَالَ اللهِ دُوَلاً.... الحديث ". ولم يعلم الجهال أنهم كيف يكونون من لحمة ذراعه بمجرد دعواه إذا لم يجعلهم الله تعالى منها؟ وبعد أن يجعلهم كيف يغترون بذلك قبل أن يعلموا أين مصير تلك اللحمة؟ ولعله النار، وماذا ينفعهم اجتماعهم في النار؟ نعوذ بالله من البوار، قال تعالى:) وَلَنْ يَنْفَعَكُمْ اليَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ أنَّكُمْ في العَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (فالناس عند الله ثلاثة: مقبول مقبول له، ومقبول غير مقبول له، ومردود، فالمردود لم ينج بنفسه فكيف ينجو الناس على يده؟ والمقبول لنفسه غايته نفسه، والمقبول له التكلم في الغير هو الذي يرجى الانتفاع به بإذن الله تعالى، إما في العموم أو في الخصوص كثيراً أو قليلاً، فهذا المدعي الذي يتألّى على الله ويغر عباده ما يُدريه أي الثلاث هو؟ فإن كان مردوداً فيا ويله، وإن كان مقبولاً في خاصة نفسه فما له وللناس؟ وإن كان مقبولاً له الشفاعة فلا يدري أفي كل هؤلاء أم في بعضهم أم في غيرهم؟ فحقه أن يدع الناس ويبكي على نفسه حتى يرى أين هي، وإن قوي رجاؤه حيناً في الله لنفسه أو لغيره فليقل: إن قبلني الله وقبل لي، نسأل الله التوفيق.
وأما ما نحن فيه من ادعاء الاطلاع على الغيب والتظاهر بالكشف والتصرف في الوجود فهو الكثير في زماننا في المنتسبين دعوى منهم وتشبعاً بما لم يعطوا إلاّ من عصمه الله وقليل ما هم، فمنهم من يستند إلى مجرد خيالات منامية ويتأولها لنفسه ويحكم بها كما مرّ، ومنهم من يحكم ظناً وخَرْصاً و " ثم " لا يبالي بالفضيحة ولا ينتهي عن غيه، فإذا اتفق صدقه مرة اتخذ ذلك حجة واتخذه له جهال العوام فيقولون والله لقد سمعنا منه كلاماً حقاً، فصاروا في ذلك كأصحاب الكهان من جاهلية العرب، فقد أخبر ﷺ عنهم بأن الرِّئي من الجن يخطف الكلمة من الملك فيقرها في أُذن وليّه من الإنس ثم يخلط معها مائة كذبة فيقول الناس: ألم يخبرنا يوم كذا بكذا فكان حقاً للكلمة التي تلقفها من الجني، وهكذا المذكورون. وترى الواحد منهم يخبر بأمر أو بعد قضاء حاجة لوقت فإن اتفق صدق ذلك بمصادفة قوله للقضاء الأزلي تبجح بذلك ورعَد على الناس وبَرَق، وإن كذب اكفهر في وجوه الناس وتنكر، أو تغيب أياماً حتى ينسى ذلك فيعود إلى ترّهاته، وما مثاله في ذلك إلاّ مثال امرأة أيّمِ عندها عدة بنات مشهورة بالملاحة ولكنهن بغايا فاسدات كما قال ذو الرمة:
على وجه مَيَّ مَسْحةٌ من ملاحةٍ ... وتحت الثياب العار لو كان باديا
стр. 67
فجعلت تنوه بذكرهن وتستميل إليهن قلوب السفهاء أمثالهن حتى اشتهر أن عند فلانة البنات الحسان، فجاء مغرور فخطب إليها فأنكحته واحدة منهن فانقلب جذلان لا يبالي ما أنفق ولا ما أهدى منشداً بلسان حاله:
ومن طلب الحسناء لم يغله المهر
وجعلت للدخول موعداً فلما دخل أخفق فأصبح بئساً خاسر الصفقة، وحين أحست العجوز بذلك تنكرت وتعيبت حتى نسي ذلك فرجعت تذكر بناتها أيضاً فيجيء أحمق آخر خاطباً فإذا قال له النصحاء ويحك أليس لك فيما وقع لفلان مع هذه الفاجرة عبرة؟ يقول من فرط شغفه بما سمع من الحسن: ذلك أمر قد يتفق، ولعله في تلك البنت فقط لا في غيرها، فيتقدم ويقع له كما وقع للآخر، ثم يجيء مغرور آخر لا علم له بما كان وهكذا إلى أن يتفق لواحد أن يجد الأمر كما يجب فتخرج وتطيل لسانها وتقول: من عنده في الوجود مثل بناتي؟ ويقول الناس: والله إن فلاناً تزوج منها بنتاً فوجدها كما يحب وتذهب تلك المساوي كلها في هذه الحسنة الواحدة، فما أظرف هؤلاء الحمقى إذ يحكمون بأن الحسنات وإن قَلّت يذهبن السيئات وإن كثرت، وهكذا الفقير المدعي يتظاهر بإخبارات وتصرفات هي حسنة لذيذة عند العوام لموافقتها لشهواتهم وحاجاتهم وهي فاسدة لبطلانها وانبنائها على غير أساس، فإذا ظهر كذبه في الواحدة قالوا: سبحان الفاعل لما يشاء، والقادر يحنث عبد القادر، وبهذا أيضاً يعتذر هو.
وكنت تحدثت مع بعض الأصحاب في هذا المنزع فقلت لهم: إن المدعين لا يدخلون في الإسلام حتى يفتضحوا فاستعجبوا من ذلك وسألوا عن تأويله فقلت لهم: إن المدعي حين تهيج له الظنون الكاذبة والوساويس الباطلة يحكم بوقوع أمور ولا يذكر الله تعالى ولا يعرج على مشيته وسعة علمه وعظيم قهره، حتى إذا افتضح ببطلان ما قال رجع إلى الحق وجعل يقول: الأمر أمر الله والحكم حكمه، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.
فهلا تلا حاميمَ قبل التقدم
ومنهم من يتظاهر بالوجد والسكر وأول ما يقول في ذلك، فإن كذب وليم يقول: والله ما أدري " حين تكلمت " ما أقول، وما لي اختيار، ويظن أنه يتخلص بهذا من الملامة، وهيهات ذلك! فإنه إن كان نطقهُ عن عمْد فهو افتراء للكذب، وإلاّ فالشيطان يلعب به ترقيصاً وضرباً واستنطاقاً، وناهيك بها نقيصة.
ودخل ذات مرة عليّ الأديب الفاضل أبو عبد الله محمد الصالح بن المعطي وأنا إذ ذاك بمدينة مراكش حرسها الله ومعه رجل أسود من ناحية المشرق، فتحدث الأسود وقال: إنه من وادي العباس، وزعم أنه كان ذهب إلى بغداد زائراً للشيخ عبد القادر ﵁، وأنه بقي في مقامه أياماً، وأنه رآه فاستتابه ثم أمره بالتوجه إلى شيخ من أهل الوقت في نهر تِيرا يقال له أبو عبد الله، وأن بين بغداد وبين ذلك البلد نحو عشرين مرحلة، كلها قفار معاطش لا يعمرها إلاّ الحيات والثعابين، وأنه قال له: إنك ستبلغ في ثلاث ولا ترى بأساً، فبلغ في ذلك سالماً، وأنه بقي عند الشيخ الآخر أياماً فرده إلى بغداد وبلغها في ذلك أيضاً، وأنه أمره الشيخ عبد القادر بالتوجه إلى بلاد المغرب لزيارة الصالحين، فلما رأيت ذلك طمعت أن تكون له رائحة، وكانت لي حاجة فأردت استنجاده فيها، فحركت الصالح وكانت تعتريه هزّة فتحرك وصاح، فلما تحرك " تحرك " ذلك الرجل وكثر اضطرابه وزعيقه " ثم " وعد بالحاجة لأمد قريب، وزعم أن الشيخ عبد القادر أو الحاكم بذلك، فلم يلبث أن حل الأجل ولم يقع ذلك، وروجع فلم يوجد عنده حاصل، فعلم أن الشيطان استفَزَّه، فقلت للصالح ارتجالاً مطايبة ونصحاً:
أين الذي قد قال يا صالح ... من هو عندَ زعمه صالح
وإذ بدا ما قاله زائفاً ... فهو لعمري الكاذب الطالح
يلعب شيطان به جهرةً ... فهو إلى وسواسه جانح
يحسبه القطب الذي يدعي ... والقطب لا يكذب يا صالح
أنصحه كي يقلع عن غيه ... فحسبه المنتهج
تقوى الإله واعتصام به ... في سنة والعمل الصالح
هذا لعمري غنية المغتني ... وذا لعمري التجر الرابح
يا أيها الناس اعلموا إنما ... عبد الإله الظافر الناجح
من يعبد المولى ويعنى بما ... يعنيه لا وانٍ ولا مازح
ولا أخو دعوى ولا مفتر ... ولا بمرتع الهوى سارح
ولا عنود عن سبيل التقى ... يوماً ولا عن الهدى جانح
стр. 68
والمرء لا يجني سوى غرسه ... غادٍ إليه كسْبُهُ رائح
وهو لما يعتض في نفسه ... من مأرب يقتاده كادح
والطبع ملاك زمام الفتى ... وسيره بسره بائح
والصدق سيف صارم حدُّهُ ... كشّافُ كل معوص فاتح
وكل من أسر مكتومة ... فوجهها في وجهه لائح
إن تكُ نوراً فهو منها مُضي ... أو ظلمة فهو بها كالح
ومن يُرمْ نيل المنى بالمنى ... فهو عن الفوز بها نازح
ومن يخم عنها ولا يقتحم ... أبوابها فهو امرؤ دالح
وما على المرء سوى جده ... وجهده وربه المانح
وقد انحصرت دعاويهم في الحدثان الكوائن ومآرب الناس، ولم يرتقوا إلى ما فوق ذلك لجهلهم، فاشتغلوا بما يطلبه العوام من الأمور المذكورة، وذلك لو فتح لهم دون ما فوقه لكان أمراً تافهاً لا يلتفت إليه ذو همة، فإن أولياء الله تعالى يكشف لهم عن الذات والصفات والأسماء كشفاً لا تبلغه العقول، وعن ملكوت السماوات والأرض وعن العرش والكرسي والجنة والنار والملك والروح وغير ذلك، فمن لم يبلغ ذلك واطلع على كون المسافر يقدم غداً " وفلان يتولى " وفلان ينعزل، وفلان يتزوج ونحو ذلك وفرح به كان بمنزلة من دخل سوقاً فيها صيارفة الذهب والفضة والجوهر والياقوت الحرير وسائر البزّ والعبيد والخيل والإبل " والبر " والأرز فوقع على بائع نبق فاشترى منه النبق وذهب " به " فرحاً وقال إنه قد تسوق " كما تسوق " الناس، ولا ريب أن ما ذهب به يفرح الصبيان به ومن لا عقل له من النسوان، وكذلك الكوائن يفرح بها صبيان العقول وكل من لم يبلغ مبلغ الرجال من عوام الناس.
ومنهم من يستخدم جنيّاً فيأتيه بخبر الناس وخبر من يَرِد عليه مثلاً وما أتى به من الهدية وما وقع له في الطريق فيخبر بذلك قبل مجيئه ويخبره إذا ورد فلا يشك العوام أنه كشف ربّاني وأنه من أولياء الله، وقد يكون من أعداء الله، كما أخبرونا عن رجل ممن تصدر للمشيخة والناس مقبلون عليه فأتى رجل إلى مسجده فجلس في زاوية منه فإذا بالمرابط قد دخل فنظر يميناً وشمالاً فلما لم يرَ أحداً رفع ثوبه وجعل يبول في المسجد يميناً وشمالاً حتى نجسه فحينئذ خرجت جنّيّة فمثلت بين يديه فقال لها: أي شيء جئتني به؟ فقالت: ذهبت إلى قبيلة بني فلان فلم أزل حرضهم على الزيارة حتى اتفقوا وجمعوا من الهدية كذا " وكذا " وهم خارجون يوم كذا، فخرج المرابط إلى مجلسه فقال: تهيئوا لبني فلان فإنهم قادمون عليكم بهدية كذا، فلما قدموا قالوا: قد أخبرنا الشيخ بكم وبما جئتم به منذ يوم كذا، فهذا - والعياذ بالله - كافر، والكرامات تحسب له.
ومنهم من يستند إلى التنجيم وعلم الاقترانات وإلى خط الرمل أو نيروجات أخرى تشبهه.
ومنهم من يحتال احتيالاً فإذا قدم الوفود مثلاً دسّ إليهم من يسألهم فيقولون: قد اطلع الشيخ على أحوالنا، وقد يحتال في ساعته فينظر مثلاً إلى من بين يديه ثم يبتسم أو يحرك رأسه أو يقول: سبحان الله أو لا إله إلاّ الله ويكون ذلك الشخص قد خطر له شيء فيقول: ما فعل الشيخ هذا إلاّ على ما في قلبي، ويفهم من ذلك إمّا تعجباً وإما استحساناً، ويعده مطلعاً على ذلك وهو لم يطلع، وقد يتكلم على ما في خاطر السامع صريحاً فلا يشك السامع في أنه كشف، ويكون إنما خطر له ذلك اتفاقاً حين خطر للآخر كما يقع الحافر على الحافر، فتكلم عليه ولا اطلاع له، وقد يتكلم " بكلام " في غرض فيحمله السامع على أنه إشارة إلى ما في قلبه أو حاجته وإنه كوشف بذلك، وأكثر ما يحكى من هذا النوع في أهل الزمان إنما هو من أحد هذه المداخل احتيال من المتبوع أو جهل من التابع، والعوام يستنطقون من لا ينطق ويفسدون من لم يفسد، فهم الشياطين في زي المؤمنين، وما بالك بشيطان في زيّ محب، وإن استعذت منه عاداك، ووقع فيك الغيب بالإذابة زيادة على ما فعل في الحضور، فهو شر من الشيطان الآخر بكثير، فكن منهم على حذر كما قيل:
فخف أبناء جنسك واخش منهم ... كما تخشى الضراغم والسَبنْسَى
وخالِطهم وزَايِلْهُمْ حِذاراً ... وكن كالسامريّ إذا لَمسْتا
стр. 69
واعلم أن أشرف ما يكاشف به العهد ما يرجع إلى معبوده تعالى من معرفته وما له من الجلال والجمال ومن أسماء علية، وصفات سنية، كما مرّ، ثم ما يرجع إلى حكمته في مملكته، ما يرجع إلى أحكامه من معرفة ما تعبّدَ به عباده أصلاً وفرعاً وكل علم يعين على ذلك.
وقد وقع في كلام الشيخ الصالح أبي عبد الله السنوسي ﵁ حين تكلم عن مذهب أهل السنة في أفعال الحيوان وأنهم أطلعهم الله تعالى على المعنى الجامع بين الحقيقة والشريعة وجنبهم جانبي القدر والجبر ذلك فقال: هذا هو الكشف الذي ينبغي أن يسمى كشفاً لا ما يبتلى به الجاهلون من أحلام شيطانية يتوهمونها كرامات، وهي استدراجات أو نحو هذا من الكلام، فهذه الجملة كلها " كلما " يزداد فيها العبد ازداد كمالاً لأنه أمر مطلوب منه الاطلاع عليه فطلبه قُرية، وحصوله درَجة، ووجوده منفعة، وأما ما خرج عن هذا من جزيئات الكون التي هي متعلقات القضاء والقدر ولا يتعلق بها حكم فليست مطلوبة من العبد إذا أخفيت عنه، فأدبه أن لا يشتغل بها شغلاً بالله تعالى وبما لله تعالى عليه، فإن رزقه الله معرفته وشغله بما له عليه وغطى عنه مملكته وتركه كذلك حتى يلقاه موفوراً فقد أسبغ عليه النعمة، وحماه من جميع موارد النقمة، وإن أطلعه على شيء من ذلك فليعلم أن ذلك لا جدوى له في باب العبودية، وإنما فيه أمر واحد وهو أن الكرامة كلها في الجملة إن صحت دليل على صدق من ظهرت عليه " وعلامة على الخصوصية " وتثبيت لقدم " من " أريد تثبيته في الطريق مع ما ينضاف إلى ذلك من الشكر ومن الرجاء والخوف، وفيها مع ذلك من المخاطرة خوف الركون والمساكنة لها والمكر، كما قيل إنها خدع من الحق للمتوجهين ليقفوا على الحد الذي أريد بهم ولا يجاوزوا إلى مقام لم يكن لهم، وذلك فيمن أريد بذلك، نسأل الله العافية، فحق العبد التسليم والاعتناء بحقوق الله والإعراض عن حظوظه، وإن طلب شيئاً من ذلك طلبه بإذن ليصير من الحقوق، كما أنه أيضاً لا يهرب منها إلاّ بأدب لئلا يصير الهرب من الحظوظ.
وهذا الكلام ربما يحتاج إلى تفسير غير أنا نقتصر فقد خرجنا أو كدنا نخرج عما نحن فيه و " مِنْ حُسْنِ إسْلامِ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ ".
واعلم أن ما ذكر من أحوال المدعين على وجه النصح لهم ولمن يغتر بهم إنما أردنا تخليده في بطون الأوراق ليقع عليه الخواص أهل الأدب والفقه الذين يضعون الهناء موضع النقب فيعطون كلَّ ذي حق حقه مع حفظ الحُرْمَة وإقامة حق النسبة كما أشرنا إليه في صدر هذا الكلام، ولم نرد أن نفتح الباب لكل جامد على الظاهر أو خبيث جريء على أهل النسبة مسقط للحرمة فيتخذ مثالب المنتسبين إلى الله تعالى فاكهةً ويمزق أديمهم في مجالس السفهاء حتى يدخل الوهن على النسبة والطعن في الخرقة فيُزْري العُرْيانُ باللابس، ويحترق الرطب باليابس.
وليعلم الجاهل الجمود أن " هذه الأمَّة المُطَهَّرَة المُشَرَّفَة كَالْمَطَرِ لا يُدْرَى أوَّلُهَا خَيْرٌ أمْ آخِرُهَا ". و " لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْهَا ظَاهِرِينَ عَلى الحَقِّ لا يَضُرُّهُم مَنْ خَالَفَهُمْ " كما أخبر به الصادق المصدوق ﷺ ، ففي كل زمان سادة، وفي كل قطر قادة، فكم من طالع في الدين كالشمس، وإن لم يبصره العُمْيُ والعُمْشُ، وكم من محبوب يرفل في حلل الأنس والإدلال، ويرتضع كؤوس الجمال والإجلال لو تحمّل الشفاعة في قرنين قبيلاً فقبيلاً لكان ذلك في جنب حظوته من مولاه قليلاً وكم من ولي أرخى عليه الخمول ذيلاً، وصار نهاره في أعين أبناء الدهر ليلاً، فأصبح من ضنائن الله بين أوليائه، يلعب بالدهر كما لعب الدهر بأبنائه.
وقال أبو نواس:
تسترت من دهري بظل جناحه ... فعيني ترى دهري وليس يراني
فلو تسأل الأيام عني ما درت ... وأين مكاني ما عرفن مكاني
وقال الآخر فيهم:
لله تحت قباب العز طائفة ... أخفاهم في رداء الفقر إجلالا
هم السلاطين في أطمار مسكنَةٍ ... جرّوا على فلَك الخضراء أذيالا
غُبْرٌ ملابسُهم شم معاطسهم ... استعبدوا من ملوك الأرض أقيالا
هذي المكارم لا قعبان من لبن ... شِيبا بماء فعادا بعدُ أبوالا
هذي المناقب لا ثوبان من عدنٍ ... خيطا قميصاً فعادا بعد أسمالا
стр. 70
والبيت الرابع لأمية بن أبي الصلت في سيف بن ذي يزن، وهو مشهور، وكم من راكع ساجد، أو متورع زاهدٍ، لا يدنيه الجاهل من ساحة المتقربين، لكونه لم يرَ عليه سِيما العارفين، ولا بهجة المحبين، ولم يدر أن الزهر ألوان، والتمر صنوانٌ وغيرُ صِنْوانٍ، والعبيد كلهم عبيد الخضرة، من مسك الكأس إلى مشتري الخضرة، غير أنه لكل حد مرسوم) وَمَا مِنّا إلاّ وَلَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ (، فعليك بحسن الظن وسلامة الصدر للمسلمين، وحفظ الحرمة لأهل الدين، والتغافل في عين الحذر، والتبصر فيما تأتي وما تذر، والله الموفق.
لله الأمر من قبل ومن بعد
إطعام الطعام في الزوايا
حدثني الأخ الصالح الفاضل أبو عبد الله محمد الصغير بن أبي عمرو المراكشي ﵀ ورحم سلفه قال: أخبرني الولي الصالح أبو عبد الله محمد بن أبي بكر الدلائي أن شيخ المشايخ سيدي أحمد بن يوسف الراشدي الملياني لم يكن في وقته يطعم في زاويته، فقالوا له في ذلك فقال: نحن أردنا انتفاع المسلمين، فإذا قمت أنا وبناتي وتعبنا واحترقنا في طعام المريد الزائر فأي نفع يحصل له؟ وفي المعنى أيضاً كلام يتشعب، ونحن نختصر منه قدراً صالحاً إن شاء الله فنقول: إن الزاوية المشتهر اسمها اليوم عند أهل الطريق من إطعام الطعام للوافدين والمساكين والملازمين على الدوام حتى صارت عند العوام كأنها من الفروض أو الشروط لا يعلم لها من حيث خصوصها أصل، ولا يجري لها ذكر في الكتاب ولا السنّة، وإنما مرجعها إلى القرى وإكرام الضيف، ولا شك أنه مأمورٌ به، ففي الحديث: " مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ " ولكنه أمر مشترك بين جميع المؤمنين، لا يختص بالصوفي ولا القدوة، وإن كان هؤلاء أحق بمنازلة كل " خلق " محمود، وكان ﷺ يقري الضيف ويحض أصحابه على ذلك وربما ورد الضيوف فيذهب ببعضهم ويذهب أصحابه بالباقي ويقول: " مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ وَاحِدٌ فَلْيَذْهَبْ بِثَانٍ وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبُ بِثَالِثٍ " وهكذا، وكان عنده أصحاب الصُّفة: نحو أربعين رجل، وهم أضياف الإسلام، وكان إذا أتته صدقة دفعها إليهم، وإذا أتته هدية أخذ منها معهم، وربما يدخل إلى داره حتى إذا لم يجد شيئاً دفع الضيف إلى غيره، ولا شك أن هذا كله يكون أصلاً للإطعام في الجملة من غير اختصاص بكيفية ولا بدوام ولا تعميم للناس مع أنه ﷺ اجتمعت له أحوال الظاهر والباطن والولاية والخلافة، فمن حاله " الشريف " يستمد الموفق من كل صنف، ثم كان الخلفاء بعده يطعمون على حسب سيرتهم المعلومة، ثم الملوك بعد ذلك.
لله الأمر من قبل ومن بعد
الزاوية والرباط
стр. 71
ولما ظهرت الصوفية لم يعرف من حالهم وجود هذه الزاوية والقيام بكل وارد من الجنس وغير الجنس كما هو اليوم، بل كانوا ﵃ مَعنيّين بما يعنيهم، فمنهم المنقبض عن الناس شغلاً بحاله، ومنهم المخالط ينتفع الناس منه بعلومه ومعارفه وآدابه، وقد يكون منهم من يستقر بين أظهر الناس، ومنهم من يكون سائحاً إنما يلقى في الخلوات والفلوات، وقد يكون منهم من يكون أصحابه هم الذين يقومون بمثونته، أو يسأل قدر قوته، فكان أبو جعفر الحداد، وهو من أكابر المشايخ يخرج بين العشائين فيسأل من الديار حتى يحصل عل القدر المحتاج في ليلته، فيرجع، قالوا: وكان له قدم في التوكل معروف، ولم يُزْرِ به ذلك عند أحد، نعم تكون لهم رباطات فيكون فيها المتجردون من أصحابهم للعبادة كشبه حال أهل الصُّفة وذكر اليافعي ﵀ في ذلك حكاية عن الإمام " أبي بكر " الشبلي ﵁ قال: كان عنده في رباطه نحو أربعين مريداً يعبدون ويعيشون بالفتوح، وأنه اتفق له ذات مرة أن يفتح عليهم بشيء، حتى ضاقوا، فخرج الشيخ إليهم فحدثهم في مقام التوكل، وحضهم على الصبر، ثم ذهب عنهم، فبقوا بعده أياماً أُخر لم يأتهم شيء، فلحقتهم الضرورة، فلما كان ذلك خرج إليهم فقال لهم: إن الله تعالى أمرنا بالتوكل ورخص لنا الأسباب، فتسببوا، ففعلوا ذلك، وخرج الواحد منهم، البلد وجعل يجول في الأسواق والمجامع من غير أن يسأل أحداً وإنما يعرض نفسه لما يفتح الله تعالى من رزق، فلم يفتح عليه بشيء حتى انتهى إلى طبيب نصراني قد حلق الناس عليه، وهو يصف لهم الأدوية، فجلس بين يديه، ومد إليه يده ليجس نبضه بلا كلام، فجس الطبيب يده فقال له: أنا أعرف مرضك وأعرف دواءه، ثم قال لغلام له: عليَّ برطل من الشواء، مع خبز وحلواء، فأحضر الغلام ذلك، فقال الطبيب للفقير: أنت جائع، وهذا دواؤك، فقال الفقير: إن كنت صادقاً فمن ورائي أربعون كلهم بهذا المرض، فقال الطبيب لأصحابه: أحضروا من هذا الطعام ما يكفي أربعين، فأحضروا ذلك، فأمر الطبيب من يحمله، وأمر الفقير أن يمشي معهم إلى أصحابه، فلما خرجوا تبعهم الطبيب مستخفياً ليعلم أصدق الفقير أم لا؟ فأدخلوا ذلك إلى الرباط واستدعوا الشيخ فخرج اليهم، فوضعوا الطعام بين يديه فقال: ما هذا؟ فقص عليه الفقير القصة على وجهها فقال لهم: أفترضون أن تأكلوا طعام رجل من غير أن تكافئوه؟ فقالوا: فكيف نكافئه يا أستاذ؟ فقال: تدعون له، فأخذوا في الدعاء له، والطبيب في كل ذلك ينظر إليهم من طاق، فلما رأى صدق القول، ورأى حالهم من المحافظة على الحقوق، وارتفاع هممهم مع غاية الحاجة من غير أن يتناولوا الطعام قبل المكافأة ألقى الله تعالى الأيمان في قلبه، فدخل عليهم وقال للشيخ: مدَّ يدك، وتشهد شهادة الحق ودخل في صحبتهم فصار من الصوفية، ولله الحمد، فأنظر أيها الناظر في حكمة المولى المتفضل كيف أمسك عن أوليائه الرزق ليخرجوا إلى الخلق فيصطادوا هذا الولي الروميّ حين حان أوان الوصال والخروج من سجن القطيعة إلى حضرة مولاه، فسبحان من يقرب من يشاء، وهو ذو الفضل العظيم، وإنما هي السابقة " وكلّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَه " فكم من ولي لله تعالى في وسطه زنّار، وكم من كافر يؤذن فوق المنار، نسأل الله تعالى السلامة والعافية، ويظهر من القصة أن هؤلاء الفقراء يأتيهم الفتوح لرباطهم، لا أن " الطعام " يخرج لهم من دار الشيخ كما جرى في عرف اليوم، بل قد أشركوا الشيخ في طعامهم في هذه القصة.
стр. 72
وكان بعد ذلك الشيخ يوسف العجمي فيما حكى من سيرته يخرج الواحد من أصحابه ويذهب بدابة معه فيسأل النهار كله إلى الليل وما أجتمع يأتي به إلى الفقراء، وبذلك يعيشون، وصورة السؤال أن يقف بباب الدار والحانوت فيقول: الله، ويمد بها صوته حتى يكاد يغشى عليه ويسقط، قالوا: وكانوا يتناوبون في الخروج بينهم وبين الشيخ، يخرج الخارج يوماً لأنفسهم ويوماً للشيخ، فكان الخارج لهم يأتي بالدابة مُوقرة لحماً وخبزاً وجبناً وبصلاً وغير ذلك، وفي يوم الشيخ إنما يأتي بكسيرات يأكلها فقير واحد فقالوا له في ذلك فقال: أنّتم بشريتكم باقية، فبينكم وبين الخلق ارتباط، فيعطونكم، وأنا بشريتي قد فنيت حتى لا تكاد " ترى " فليس بيني وبين التجار والسوقة وأبناء الدنيا كبير مجانسة " قالوا ": وكان يأمر بإغلاق باب الزاوية " طول النهار " لا يفتح لأحد إلاّ للصلاة وإذا دق أحد يقول للنقيب: اذهب وانظر من شق الباب فإن كان معه شيء من الفتوح للفقراء فافتح له، وإلا فهي زيارات فشارات فقال بعض الناس في ذلك، فقال الشيخ: أعز ما عند الفقير وقته، وأعز ما عند أبناء الدنيا مالهم، إن بذلوه لنا بذلنا لهم وقتنا.
وقد شاع اليوم إقامة الصوفية الزوايا بإطعام الطعام، ولا سيما في بلادنا المغربية، وخصوصاً في البوادي، وما يكون من فتوح يأتي إلى يد الشيخ، وهو ينفق فيه على المجاورين والواردين، وهذا قد كان فيهم من قديم، ففي ترجمة الشيخ أبي يعزى أن الناس " كانوا " يأتون إليه من كل بلد، فيطعمهم من عنده، ويعلف دوابهم، وأن الفتوح كانت تأتيه من إخوانه في الله تعالى فينفقها على زائريه وأن أهل القرى القريبة منه كانوا يضيفون الواصلين لزيارة أبي يعزى ويتبركون بهم، فلما مات أبو يعزى رِيءَ في النوم وهو يطير في الهواء فقيل له: بم نلت ما نلت؟ فقال: بإطعام الطعام.
ويحكى عن الشيخ أبي محمد عبد الخالق بن ياسين الدغوغي أنه كان يقول: طلبنا التوفيق زماناً فأخطأناه، فإذا هو في إطعام الطعام وقد اشتهر ذلك اليوم حتى إن عوام البادية يرون ذلك كأنه شرط انتصب للزيارة أو تصدّى للمشيخة، ويعدون قوة ذلك وتيسره من كراماته، ولا يبالون بمن لم يروا ذلك على يده، فوقع في ذلك منافع عظام وآفات جسام.
وأهل الزوايا مختلفون، منهم من يطعم الناس من مال أبيه أو من كد يمينه من غير أن يدخل عليه فتوح أصلاً، فهذا أقرب الناس إلى السلامة وأبعد عن الشبهة، وهو منتفع بحصول الأجر فيما أنفق، وفي سد خلة المحتاج، وفي ترغيب الناس في الخير بما يحصل لهم من الميل الطبيعي، وفي اجتماع أهل الخير عنده، وفي تعاونهم على البر، وتعلم العلم والأدب والمعرفة وتربية الخير، وإحياء مراسم الطريق، وتكثير سواد أهله، وغير ذلك من الوجوه المستحسنة، والمصالح المتبينة، وينتفع الناس معه بما ذكر وبحسن الظن به وبالطريق وبأهلها وبسلامتهم من كل ما يقابل ذلك من الآفات، إن كانت " لا " تأتيه الفتوح فذاك، وإن كانت تأتيه ويردها فلا شك أنها حالة رفيعة، ولكن لا بد أن يحذر آفة الرد كما يحذر آفة الأخذ، ولا سيما في الرد على إخوانه وأتباعه.
ومن الآفات المشاهدة اليوم في ذلك أن الشح عياذاً بالله قد غلب على الناس ولا سيما فيما هو لله خالصاً، إذ لا باعث عليه من النفس، فتجد الفقير يثقل عليه أن يتصدق بدرهم لمسكين محتاج ويتيم وأرملة، ويخف عليه أن يحمل الدينار والدينارين إلى دار شيخه، وذلك إما لبواعث شهوانية كطلب الأعواض العاجلة أو مساعفة الغير أو المراياة أو نحو ذلك، وإما تصريف من الله تعالى وتسخير في هذا الوجه، ثم إن رد عليه شيخه ذلك وأغلق عليه بابه انغلقت عليه أبواب الخير والنفقة، فبأي وجه يرتاض في صفة البخل حتى يتخلى منها؟ " أو " بمجرد الموعظة والتذكير من شيخه من غير أن ينازلها بالفعل؟ وهيهات منه ذلك! وإذا كان كذلك كان شيخه قد غشه في تربيته له ولو أنه قبض منه ذلك وأنفقه له في وجوه الخير كان أعود عليه وأرجى لاعتياده ذلك في جهات أخرى، ولحصول نور ينتفع به، نَعَمِ الأمْرُ مُخْطِر، والناس فيه ثلاثة: رجل طالب دنيا آكلٌ بدينه، يقبض لنفسه شهوة، فهذا فاسد مفسد، وربا أنتفع معه من أنفق لله تعالى " إنَّ اللهَ يُؤَيّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الفّاجِرِ ".
стр. 73
ورجل صادق في حاله، غير كامل في تصرفه، يخشى العطب في الأخذ، ويؤثر جانب السلامة، فهذا سالم في نفسه، ولا ربح معه للناس من هذا الوجه.
ورجل كامل قد تضلع من العلم والحال، فهذا حقه الأخذ لحق الغير نصحاً له وإعانة له على الخير، اللهم إلاّ أن يعرض ما يمنع كاطلاعه على اختلاف قصد المتصدق أو فساد في المال أو نحو ذلك.
وكان ﷺ يقبل من أصحابه ما يأتون به من النفقة إعانة لهم على الخير، وتزكية لهم عن الأخلاق المذمومة، ونفعاً للمسلمين بما أنفقوا وإلا فهو ﷺ أغنى الخلق ظاهراً وباطناً، وقد عرض عليه أن تجعل له الجبال ذهباً يتفق منها فلم يرض، وقد لا يقبل لعوارض، وقد قال ﷺ في آخر الأمر: " هَمَمْتُ ألاَّ أقْبَلَ إلاّ مِنْ قُرَشيّ أو ثَقَفيّ أوْ دَوْسيٍّ " والكامل من المشايخ له مدخل في ذلك.
ومنهم من يطعم من الفتوح أو من الأمرين، فإن استقام أخذه وتصرفه فهو ينتفع بما مر في الأول، وإن كان لا يبلغ في أجر النفقة مبلغ من أنفق في كد يمينه، وعرق جبينه، وبمعاونة الناس على الخير، وإدخال السرور عليهم في الأخذ، وتربية أحوالهم المحمودة، وتزكيتهم من المذمومة، وبالسلامة من الأنفة والاشتهار بالنزاهة المتوقع في الأول، وبتيسر رزقه في خلال ذلك ليتفرغ للعباده، إلى غير ذلك من المنافع الدينية والدنيوية، وينتفع الناس معه بما مر، والمنفقون بذلك مع حصول أجر ما أنفقوا، والتخلي والتحلي كما مرّ، وغير ذلك، ومن سوى هذين الشخصين من كل من يستظهر بالخرقة ويتجر باللقمة فلا عبرة له، وقد ينتقع المنفق كما مر إن سلم من أتباعه على زيغه والسقوط في مهاوي بدعته، وهذا كله في الإطعام والإنفاق جملة.
وأما أكل المريد لطعام شيخه والنزول في مثواه وافتراش فراشه وغير ذلك من الانتفاعات فقد يسلم في ذلك وقد يحصل له انتفاع زيادة على السلامة كحصول بركة ونور في قلبه أو رحمة من الله تعالى بذلك، وقد جاءت امرأة من لكتاوة إلى دار أشياخنا، وأظنه في حياة سيدي أحمد بن إبراهيم بقصد الزيارة فأكلت من طعام الزاوية ثم رجعت إلى بلدها وبقيت أياماً فماتت فريئت بعد موتها فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقالت: رحمني بالطعام الذي أكلت من الزاوية.
وقد يتضرر المريد بذلك من جهات منها أن يتشوف إلى ذلك أو إلى المَزية فيه فيفسد قصده، ويختل حاله، ومنها أن يستشعر شيخه منه أحياناً ثقلاً في ذلك لما يقتضيه الطبع البشري، فينفر منه، وفي ذلك ضرره، وقد تذهب زيارته وخدمته في بطنه، وذلك هو الخسران المبين، ومن ذلك وقع ما ذكر في صدر هذه الترجمة للشيخ أحمد بن يوسف من ترك الإطعام كما قال، وقد يدخل عليه في ذلك من مزاحمة الإخوان والواردين الشغل والفتنة والشحناء والتدابر والتقاطع وغير ذلك.
وقد حدثونا عن شيخ شيوخنا سيدي عبد الله بن حسين الرقي ﵁ أنه " كان " إذا ذهب مع الفقراء لزيارة شيخهم سيدي أحمد بن علي يأخذ معه زاداً تحت إبطه فإذا وصلوا إلى زاوية الشيخ انفرد عنهم ودخل المسجد واشتغل بحاله واقتات من زاده فلا جَرَمَ " أن " كان هو الذي أنجح وأفلح.
هذا ولا يخلو شيء من مصالح وآفات، والمعصوم من عصمة الله، والموفق من وفقه الله، والورع من ورعه الله، فلا يمكن الاعتراض على من أكل، ولا من ترك، ولا من أطعم، ولا من ترك، ولا من اشتهر، ولا من اختفى، اللهم إلاّ " على " من كان في تربيته على يده بوجهه، فمن عرف فليتبع، ومن جهل فليسلم، والنصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باقية في محلها بشرطها.
وبلغني أن الفقيه الصالح سيدي الصغير ابن المنيار مر ذات مرة بسيدي محمد بن أبي بكر الدلائي فأخرج إليه الطعام من الزاوية فلم يأكله فبلغ ذلك ابن أبي بكر فذكر ذلك وكأنه اعتل بما يقع من خدمة الناس في الحصاد والدرس، فقال له ابن أبي بكر: أيما أفضل أنت أم جدك؟ يعني سيدي علي بن إبراهيم، وقد جاءه بنو موسى بسبعمائة منجل ليحصدوا، فلما رأى عددهم قال لهم: بخلتمونا يا بني موسى، فقال له سيدي الصغير: جدي أعرف بحاله وأقدر على ما يفعل، وأنا أتصرف بمقتضى حالي أو نحو هذا " من " الكلام.
وقد يكون للولي حال مع الله تعالى فيسأل الناس ويأخذ من الله تعالى لا من الناس، ويتصرف بالله وفي الله، ولا يصح الاعتراض عليه لاستقامته.
стр. 74
وقد قيل للإمام الجنيد: إن النوري يسأل الناس فقال: دعوه في حاله، ولكن هاتوا الميزان فوزن قدراً من الدراهم، ثم أخذ قبضة من الدراهم بغير وزن فقذفها على الموزون وقال لصاحبه: اذهب بتلك المجموع " إليه " فلما باغ النوري قال: " النوري ": " هات " الميزان، فوزن القدر الموزون ورده وأخذ الباقي، فقال له الحامل: كنت عجبت من فعل الجنيد وأنه كيف خلط الموزون، فأي فائدة للوزن؟ وفعلك هذا أعجب، فما هذا؟ فقال له النوري: إن الجنيد رجل حكيم، وإنه أحب أن يأخذ الحبل بطرفيه، فوزن قدراً لنفسه وجعل الآخر لله تعالى، ونحن قد أخذنا ما لله تعالى، فلما رجع الرسول إلى الجنيد بكى وقال: أخذ ماله ورد علينا مالنا، فتبين بذلك أنه يأخذ ما لله من الله عن بصيره صادقة فلا بأس " عليه " " بذلك " والله الموفق " و " المعين.
لله الأمر من قبل ومن بعد
ميل القلوب ونفرتها
كان بعض الطلبة من أصحابنا في قرية، وكانت القرية قرية سوء، وأهلها كذلك، ثم إن بعض الأصحاب رام لوم ذلك الطالب على الاستقرار فيها فقال له: كيف تبقى في تلك القرية وهي كيت وكيت يعدد عليه مساويها؟ فقال الطالب: أحمد الله وأشكره، فلما قال ذلك استحمقه اللائم وازداد في الإنكار عليه وأنه كيف يحمد على هذا، فقال له الطالب: قد رأيت كلَّ ما ترون من مساويها، وعلمت منها ما تعلمون أو أكثر، ومع ذلك فأجد قلبي غير نفور عنها " فأحمد الله تعالى إذ قضى عليَّ الاستقرار فيها ولم ينفر قلبي عنها " فلو أنه تعالى قضى عليَّ وَكرهها لي وأنا لا أجد بداً منها بحكم القضاء فما ترون يكون عيشي عند ذلك؟ فلما قرر هذا المعنى وجدوه معنى لطيفاً تنبه إليه وسلموا له.
وشرح ذلك باختصار أن الله تعالى أودع في طبع الآدمي ميلاً إلى شيء ونفوراً عن شيء، ويسمى الأول ملائماً، إما حسياً كالشراب والطعام واللباس والنكاح " في الجملة ونحو ذلك " وإما معنوياً " كالعز " والجاه والراحة والصحة والعافية ونحو ذلك، ويسمى الثاني منافراً إما حسياً أيضاً كالعَذِرة والبول والدم والميتة والشوك والجرح والضرب والسجن والقيد ونحو ذلك، وإما معنوياً كالذل والمهانة والعجز والضيم والغم والحزن ونحو ذلك.
ثم إن الأعيان الموجودة في الدنيا كالأموال المكتسبة وغيرها من الحيوانات العجماوات والجمادات مثل الأمكنة والأزمنة والجهات والقرناء والأصحاب ونحو ذلك منها ما يكون من القسم الأول ملائماً لمقارنته للملائم كالأنعام لما فيها من الأكل والشرب والركوب والحمل والزينة، والرباع لما فيها من الاشتغال بأنواعه، والنساء في الجملة لما فيها من الاستمتاع، وسائر الانتفاع، وعلى الخصوص فيمن وجد ذلك فيه حقيقة أو توهماً، وكذا في سائر ما ينفع له، ولذا قال تعالى:) زُيِّنَ للنّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ (الخ. ومنها ما يكون من القسم الثاني منافراً لمقارنته للمنافر كالسباع والحيات والعقارب والأعداء ونحو ذلك، وكذا الأمكنة والأزمنة والجهات تكون ملائمة إذا كانت ظرفاً للملائم، ومنافرة إذا صارت ظرفاً للمنافر، وهذا هو الأمر المعتاد، وقد تخرق هذه العادة في شخص فيجعل في قلبه ميل إلى غير ملائم أو نفرة عن غير المنافر إما بسبب كالسحر ونحوه، أو بمحض الحكم الأزلي، ولا بد أن يتوهمه في نفسه ملائماً في تلك الحالة أو منافراً، فلا تنتقض العادة الجارية، ثم إن الله تعالى قدر على العبد قبل إيجاده " كل " ما يلقاه من هذه الأشياء، فإن قدر عليه أن يلقى الملائم فعندما يلقاه ينعم من جهتين: إحداهما وجود الانتفاع الذي فيه كما قررنا، والأخرى أنس قلبه به فيكون كما قال عمر بن عبد العزيز ﵁: إذا وافق الحق الهوى فهو العسل والزبد، وإن قدر عليه أن يلقى المنافر فهو عندما يلقاه يعذب من جهتين، وهما التضرر الظاهر، والتألم الباطن بالكراهة، وهذان القسمان في الملائم والمنافر الحقيقيين، وهما واضحان جالسان على المعتاد، ووراءهما أربعة أقسام فيما يرجع إلى القلب من الميل والنفرة: الأول أن يقضى عليه بعدم ملاقاة اللائم ولا يخلق في قلبه ميل إليه كحال المجانين أو يخلق له كراهيته.
стр. 75
الثاني أن يقضى عليه بملاقاة المنافر ولا تخلق في قلبه نفرة عنه أو يخلق له الميل إلى الميل إليه، وفي كلا القسمين تقع السلامة من العذاب وإن لم يحصل نعيم أو يحصل نعيم موهوم أو خسيس تابع لخسة عقل صاحبه أو ضعف حسه كالصبي الذي يأكل التراب، ومن القسم الثاني قصة صاحب القرية المذكور.
الثالث أن يبتلى بالميل إلى شيء ومحبته بحكم القضاء ملائماً أو غير ملائم ولا يقضى له بملاقاته.
الرابع: أن يبتلى بالنفرة عن شيء وكراهته بحكم القضاء أو غير منافر ويقضى عليه بملاقاته، وفي كلا القسمين يقع العذاب والمحنة بالنظر إلى الباطن، وإلى الأول يشير المجنون في قوله:
قضى لغيري وابتلاني بحبها ... فهلا بشيء غير ليلى ابتلانيا
وكأنه يقول: لو قضاها لي أي الرب سبحانه بأن أتزوجها حين ابتلاني بحبها لنعمت ولو لم يبتلني بحبها حين قضاها لغيري أن يتزوجها لاسترحت فلا أنا بحصولها في يدي ولا أنا بخروجها من قلبي فهذا هو العذاب المبين، وإلى القسمين معاً يشير " الآخر في قوله ":
من لم يعش بين أقوام يسر بهم ... فعيشه أبداً همٌّ وأحزان
وأخبث العيش ما للنفس فيه أذى ... خُضْرُ الجنان مع الأعداء نيران
وأطيب العيش ما للنفس فيه هوى ... سَمّ الخياط مع الأحباب ميدان
وحاصله تحكيم القلب وأنه المرجع في النعيم والعذاب، ولا عبرة بالمحسوس إلاّ بما فيه من التأدية إلى ما في القلب، وإلى هذا المعنى يشير الصوفية في النعيم والعذاب الموعود في الدار الآخرة كما قال في الحكم: النعيم وإن تنوعت مظاهره ... إنما هو لشهوده واقترابه، والعذاب وإن تنوعت مظاهره ... إنما بوجود حجابه. فسبب العذاب وجود الحجاب. وإتمام النعيم بالنظر إلى وجهه الكريم.
وإلى هذا المعنى يرجع كل ما يذكر من الحنين إلى الأوطان النائية، والبكاء على المراسم الخالية، وذكر الأحباب النازحة، والأيام الصالحة، ومن مرارة الفراق، ولوعة الاشتياق، وما قيل في ذلك يملأ الأرض، ويفوت الطول والعرض، كقول الأول:
وكل مصيبات الزمان رأيتها ... سوى فرقة الأحباب هينة الخطب
وكتب المهدي وهو بمكة إلى الخيزران:
نحن في أفضل السرور ولكن ... ليس إلاّ بكم يتم السرور
عيب ما نحن فيه يا أهل ودي ... أنكم غبتم ونحن حضور
فأجدوا المسير بل إن قدرتم ... أن تطيروا مع الرياح فطيروا
فأجابته:
قد أتانا الذي وصفت من الشوْ ... ق فكدنا وما فعلنا نطير
ليت أن الرياح كن يؤدي ... ن إليكم ما قد يجن الضمير
لم أزل صبة فإن كنت بعدي ... في سرور فدام ذاك السرور
وقال أبو تمام:
لو حار مرتاد المنية لم يجد ... إلاّ الفراق على النفوس دليلا
وقال أبو الطيب:
لولا مفارقة الأحباب ما وجدت ... لها المنايا إلى أرواحنا سبلا
" وقال أحمد بن رجاء الكاتب: أخذ مني تميم بن المعز جارية كنت أحبها وتحبني فأحضرها ليلة في منادمته فنام فأخذت العود وغنت عليه صوتاً حزيناً من قلب قريح وهو:
لا كان يوم الفراق يوما ... لم يبق للمقلتين نوما
شتت مني ومنك شملا ... فساء قوماً وسر قوما
يا قوم من لي بوصل ريم ... يسومني في الغرام سوما
ما لامني الناس فيه إلاّ ... بكيت كيما أزاد لوما
فأفاق المعز مع فراغها ورأى دمعها يسيل فقال: ما شأنك؟ فأمسكت هيبة له، فقال لها: إن صدقتني لأبلغنك أملك، فأخبرته بما كنا عليه فأحسن إليها وردها إلي وألحقني بخاصة ندمائه، وقال ابن ميادة:
ألا ليت شعري هل يحلن أهلها ... وأهلك روضات ببطن اللوى خصرا
وهل تأتينّ الريح تدرج موهناً ... برياك تعروري بها بلداً قفرا
بريح خزامي الريح بات معانقاً ... فروع الأقاح تهضب الطل والقطرا
ألا ليتني ألقاك يا أم جحدر ... قريباً فأما الصبر عنك فلا صبرا
وقال أبو العتاهية:
أمسى ببغداد ظبي لست أذكره ... إلاّ بكيت إذا ما ذكره خطرا
إن المح إذا شطت منازله ... عن الحبيب بكى أو حن أو ذكرا
وقال آخر:
أقول لصاحبي والعيس تخدي بنا بين المُنيفة فالضِّمَار
تمتع من شميم عرّار نجد ... فما بعدَ العشية من عرّار
следующие страницы →