Полный текст (139 стр.). Показаны 106–139 · переход к 111.
стр. 106
أحسن بيت قالته العرب
وأحسن بيت قالته العرب قول كعب بن زهير في النبي ﷺ :
تحملهُ الناقةُ الأدماءُ معتجراً ... بالبُرْدِ كالبدر جليّ ليلة الظلمِ
وفي عِطافَيْهِ أو أثناء بردته ... ما يعلم الله من دين ومن كرم
وقيل: قول الآخر من الخزانة فيه ﷺ :
فشَقَّ له من اسمه ليُجلَّه ... فذو العرش محمود وهذا محمد
وقيل: أحسن ما قالته العرب قول التميمي:
ما كلف الله نفساً فوق طاقتها ... ولا تجود يد إلاّ بما تجد
وقول المرقش:
ومن يلق خيراً يحمد الناس أمره ... ومن يغْوِ لا يعدم على الغي لائما
وقول الآخر:
ألا عائذ بالله من عدم الغنى ... ومن رغب يوماً إلى غير راغب
لله الأمر من قبل ومن بعد
أصدق بيت قالته العرب
وأصدق بيت قالته العرب قول الشاعر:
وما حملت ناقة فوق رحلها ... أبَرَّ وأوفى ذمة من محمد
وقيل: قول أبي ذؤيب:
والنفس راغبة إذا رغبتها ... وإذا ترد إلى قليل تقنع
وقيل: قول الحطيئة:
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العُرف بين الله والناس
وقول طرفة:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود
" وكان ﷺ يذكره ويقول: " ويأتيك بالأخبار من لم تزوده بالأخبار ". ويقول ﵇: التركيب أو المعنى واحد، فيقول أبو بكر ﵁: أشهد أنك رسول الله، وقد قال الله تعالى:) وما علمناه الشعر (رجع ".
وقيل: قول امرئ القيس:
الله أنجح ما طلبت به ... والبر خير حقيبة الرجل
واعلم أن هذا الخلاف في هذه الأبيات وكذا في هذه التراجم ليس اختلاف تناقض، فإنها كلها صحيحة، وإنما ذلك أن كلاً يتكلم بما عرف أو بما حضر في فكره فافهم.
لله الأمر من قبل ومن بعد
أكذب بيت قالته العرب
أكذب بيت قالته العرب قول الأعشى:
لو أسندت ميتاً إلى صدرها ... عاش ولم ينقل إلى قابر
حتى يقول الناس ممّا رأوْا ... يا عجبا للمَيِّتِ الناشر
وقيل: قول مهلهل:
فلولا الريح أسمع من بنجد ... صليل البَيْض تُقرع بالذكور
لله الأمر من قبل ومن بعد
أنصف بيت قالته العرب
أنصف بيت قالته العرب قول سيدنا حسان ﵁:
أتهجوه ولست له بكفءٍ ... فشرّكما لخيرِكما الفداء
ومن ذلك قول الآخر:
بكلّ قرارةٍ منّا ومنهم ... بَنانُ فتىً وجمجمةُ فَلِيقُ
فأشبعنا الضباع وأشبعوها ... فراحت كلها تئق تفوق
قتلنا الفارس الوضاح منهمْ ... كأن فروع لمّتِه العُذوق
أبكينا نساءهم وأبكوا ... نساء ما يسوغ لهن ريق
وقول الآخر:
نطاعنهم نستودع البيض فيهم ... ويستودعونا السمهري المقوما
لله الأمر من قبل ومن بعد
أفخر بيت قالته العرب
أفخر بيت قالته العرب قول " الشاعر وينسب " لحسان في النبي ﷺ :
له همم لا منتهى لكبارها ... وهمته الصغرى أجل من الدهر
له راحة لو أن معشار جودها ... على البر كان البر أندى من البحر
و" قيل ": قول امرئ القيس:
ولو أن ما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني ولم أطلب قليل من المال
ولكنما أسعى لمجد مؤثّل ... وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي
وقيل: قول الفرزدق:
ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا ... وإن نحن أومأنا إلى الناس وقَّفُوا
ونحوه قول جرير:
إذا غضبت عليك بنو تميم ... وجدت الناس كلهم غضابا
لله الأمر من قبل ومن بعد
أمدح بيت قالته العرب
أمدح بيت قالته العرب قول الخنساء رحمها الله:
وإن صخراً لتأتمُّ الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار
وقيل: قول زهير:
تراه إذا ما جئته متهللاً ... كأنك معطيه الذي أنت سائله
وقيل: قول جرير:
ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح
وقيل: قول الأخطل:
شُمسُ العداوةِ حتى يُستقادَ لهم ... وأعظم الناس أحلاماً إذا قدروا
وقيل: قول حسان ﵁ في بني جفنة:
стр. 107
يُغشَوْنُ حتى ما تهر كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبل
وقيل: قول الأعشى:
فتى لو ينادي الشمس ألقت قناعها ... أو القمر الساري لألقى المقالدا
قوله: ينادي الشمس أي يجالسها في نَدِيٍّ.
وقيل: قول أبي الطمحان القيني:
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه
أهجى بيت قالته العرب
أهجى بيت قالته العرب قول الأعشى:
تبيتون في المشتى مِلاءٍ بطونكم ... وجاراتكم غرثى يبتن خمائصا
وقيل: قول الأخطل:
قوم إذا نبح الأضياف كلبهم ... قالوا لأمهم: بولي على النار
فتمسك البول بخلاً أن تجود به ... فما تبول لهم إلاّ بمقدار
وقيل: قول حسان ﵁:
لا بأس بالقوم من طول ومن قصر ... جسم البغال وأحلام العصافير
وقيل: قول زياد الأعجم:
قالوا: الأشاقر تهجوني فقلت لهم: ... ما كنت أحسبهم كانوا ولا خلقوا
" وقيل: قول أوس:
لعمرك ما تبلى سرابيل عامر ... من اللؤم ما دامت عليها جلودها
وقيل: قول الطرماح:
تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا ... ولو سلكت سبل المكارم ضلت
وقيل: قول الفرزدق:
أنتم قرارة كل معدن سوأة ... ولكل سائلة تسيل قرارُ
لله الأمر من قبل ومن بعد
أشجع بيت قالته العرب
أشعر بيت قالته العرب قول العباس بن مرداس:
أشد على الكتيبة لا أبالي ... أحتفي كان فيها أم سواها
وقيل: قول عنترة:
وإني لدى الحرب العوان موكل ... بتقديم نفس لا أريد بقاءها
وقيل قوله:
إنَّ المنية لو تمثل مثلت ... مثلي إذا نزلوا بضنك المنزل
وقيل قول الآخر:
دعوت بني قحافة فاستجابوا ... فقلت: ردوا فقد طاب الورود
لله الأمر من قبل ومن بعد
أشعر بيت في وصف الجبان
أشعر بيت قيل في وصف الجبان قول جرير:
ما زلت تحسب كل شيء بعدهم ... خيلاً تكرّ عليكم ورجالا
وقيل قول الشاعر:
طليق الله لم يمنن عليه ... أبو داود وابن أبي كبير
ولا الحجاج عينَيْ بنتِ ماءٍ ... تقلب طرفها حذَرَ الصقور
نصب عيني على الذم.
ومن هذا قول الطرماح:
ولو أن برغوثاً على ظهر قملة ... يكر على صفّيْ تميم لولّت
لله الأمر من قبل ومن بعد
أشعر بيت قيل في الاستحقار
أشعر بيت قيل في الاستحقار قول الحطيئة:
فمن أنتم إنا نسينا من أنتم ... وريحكم من أي ريح الأعاصر
وأنتم أُلى جئتم مع البقل والدبى ... فطار وهذا شخصكم غير طائر
أي الذين جئتم مع البقل والدبى جمع دباة بفتحتين.
وقيل: قول جرير:
فإنك لو رأيت عبيد تيم ... وتيماً قلت: أيهم العبيد؟
ويقضى الأمر حين تغيب تيم ... ولا يستأذنون وهم شهود
وقيل: قول الطرماح:
لو كان يخفى على الرحمان من أحد ... من خلقه خفيت عنه بنو أسد
" ولما قتل جعفر بن يحيى البرمكي بكى عليه أبو نؤاس فقيل له: أتبكيه وقد هجوته؟ فقال: ذلك لركوب الهوى بالله " كذا " بلغه أني قلت:
ولست وإن أطنبت في وصف جعفر ... بأول إنسان خرا في ثيابه
فكتب: يدفع إليه عشرة آلاف درهم يغسل بها ثيابه.
وقال ابن الأعرابيّ: أهجى بيت قال المحدثون قول محمد بن وهب في محمد بن هشام:
لم يند كفاك من بذل النوال كما ... لم يند سيفك، مذ قلدته، بدم
وقال الصفي الحلي:
إني مدحتك كي أجيد قريحتي ... وعلمت أن المدح فيك يضيع
لكن رأيت المسك عند فساده ... يدنوهُ من بيت الخلا فيضوع
وقال آخر:
إذا رمت هجواً من فلان تصدني ... خلائق سوء عنه لا تتزحزح
تجاوز قدر المدح حتى كأنه ... بأقبح ما يهجى به الناس يمدح
وقال غيره في مأنوف:
رأينا للئيم جدار أنف ... يضاهي في تشامخه الجبالا
تصدر للهلال لكي يراه ... ولولا أنفه لرأى الهلالا
ويلتحق كثير من الهجاء بهذا الباب كقول جرير:
لو أن تغلب جمعت أحسابها ... يوم التفاخر لم تزن مثقالا
وكقوله فيها:
والتغلبيّ إذا تنحنح للقرى ... حك أسته وتمثّل الأمثالا
لله الأمر من قبل ومن بعد
أكرم بيت قالته العرب
стр. 108
أكرم بيت قالته العرب قول طرفة:
وأعسر أحياناً فتشتد عسرتي ... وأدرك ميسور الغنى ومعي عرضي
وقيل: قول كثير:
إذ قلّ مالي زاد عرضي كرامةً ... عليَّ ولم أتبع دقيق المطامع
وقيل: قول عنترة:
ولقد أبيت على الطوى وأظلّه ... حتى أنال به كريم المأكل
وقيل: قول كعب بن مالك ﵁:
نُسوِّد ذا المال القليل إذا بدت ... مروءته فينا وإن كان معدما
لله الأمر من قبل ومن بعد
باب في
نبذة من كلام الأذكياء
وهذه نبذة من كلام الأذكياء، وإنما نعني بها ما شأنه أن يصدر عن ذكي سواء صدر عنه أو غيره، وللناظر العاقل في كليهما اعتبار، فإن كل ما هو حكمة أو صواب من القول فهو ثمرة العقل عادة، فإن صدر عن العاقل دل على حكمة الله تعالى الباهرة في ترتيب المسببات على أسبابها، ونبه على شرف العقل وشرف من اتصف به من الخلق، وإن صدر عن غير العاقل دلّ على مشيئة الله تعالى واختياره في أن يفعل ما شاء وأنه هو الخالق للحكمة والصواب على ألسنة العقلاء من غير تأثير للعقل فيها ولا ربط عقلي بينه وبينها بل عنده لا به، فتبارك الله رب العالمين، فيدخل في هذا ما يقع للحكماء، وما يندرج عن غيرهم كالصبيان والنساء وجفاة الأعراب، وتدخل الأجوبة المسكتة ونحو ذلك.
فمن ذلك ما ورد عن حكماء العرب وبعضه ينسب حديثاً: لا حليم إلاّ ذو عثرة ولا حكيم إلاّ ذو تجربة.
خير المقال ما صدقه الفعال.
رأس الدين، صحة اليقين.
كفر النعمة لؤم، وصحبة الجاهل شؤم.
جانب مودة الحسود، وإن زعم أنه ودود.
إذا جهل عليك الحمق فالبس له سلاح الرفق.
لكل شيء آفة، فآفة العلم النسيان، وآفة العبادة الرياء، وآفة الحياء الضعف، وآفة اللب العُجْب، وآفة الظرف الصلف، وآفة الجود السرف، وآفة الجمال التيه، وآفة السؤدد الكبر، وآفة الحلم الذل.
ويقال أيضاً: آفة الحلم السفه، وآفة الحديث الكذب، وآفة العبادة الفَتْرَةُ، وآفة الشجاعة البغي، وآفة السماحة المن، وآفة الدين الهوى، وآفة الحسب الفخر.
والمراد بالصلف هنا مجاوزة الحد تكبرا.
مؤمل النفع من اللئام، كزارع البذر في الحمام.
صحبة الفاسق شين، وصحبة الفاضل زين.
من جرى في ميدان أمله، عثر في عنان أجله.
من لم يصبر على البلاء، لم يرض بالقضاء.
فقد الصبر، أعظم من حوائج الدهر.
إذا حزن الفؤاد، ذهب الرقاد.
الجليس الصالح، كالمسك النافح.
الحسود مغتاظ على من لا ذنب له.
من الآفات، كثرة الالتفات.
من أشد العذاب، فراق الأحباب.
كلب شاكر، خير من صديق غادر.
إذا جاء القدر، عمى البصر.
العيال، سوس المال.
إذا صدق العيان، لم يحتج إلى برهان.
شفاء الصدور، في التسليم للمقدور.
الحق ثقيل، وطالبه قليل.
كثرة العتاب، داعية الاجتناب.
من سعى إليك، سعى عليك.
مدح الغائب تعريض بالحاضر.
من تفرغ للشر يطلبه، أتيح له من يغلبه.
من أمل أحداً هابه، ومن قصر عن شيء عابه.
رب أخ لم تلده لك أمك.
لا يضر السحابَ، نُباحُ الكلاب.
وفي معناه قول حسان ﵁:
ما أبالي أنَبَّ بالحَزْن تيس ... أم لحاني بظهر غيبٍ لئيمُ
وقول الآخر:
ما يضر البحر أمسى زاخراً ... أن رمى فيه غلام يحجر
وقول الآخر:
زعم الفرزدق أن سيقتل مِرْبعاً ... أبشر بطول سلامة يا مِرْبع
وقول الآخر:
تهددني لتقتلني نمير ... متى قتلت نمير من هجاها
وقيل: مما يعين على العدل اصطناع من يؤثر التقى، واطّراح من يقبل الرُّشا، واستكفاء من يعدل في القضية، واستخلاص من يشفق على الرعية، فإنه ما عدل من جار وزيره، ولا صلح من فسد مشيره.
وقيل: آفة الملوك سوء السيرة، وآفة الوزراء خبث السريرة، وآفة الجند مفارقة القادة، وآفة الرعية مفارقة الطاعة، وآفة الزعماء ضعف السياسة، وآفة العلماء حب الرياسة، وآفة القضاة شدة الطمع، وآفة الشهود قلة الورع.
وقيل: أربعة لا يزول معها ملك: حفظ الدين، واستكفاء الأمين، وتقديم الحزم، وإمضاء العزم.
وأربعة لا يثبت معها ملك: غش الوزير، وسوء التدبير، وخبث النية، وظلم الرعية.
стр. 109
وأربعة لا تستغني عن أربعة: الرعية عن السياسة، والجيش عن القادة، والرأي عن الاستشارة، والعزم عن الاستخارة.
وأربعة لا بقاء لها: مال يجمع من حرام، وحال تعهد من الأيام، ورأي يعرى من العقل، وملك يخلو من العدل.
وأربعة تولد المحبة: حسن البشر، وبذل البر، وقصد الوفاق، وترك النفاق.
وأربعة من علامات الكرم: بذل الندى، وكف الأذى، وتعجيل المثوبة وتأخير العقوبة.
وأربعة من علامات اللؤم: إفشاء السر، واعتقاد الغدر، وتجنب الأخيار، وإساءة الجوار.
وأربعة من علامات الإيمان: حسن العفاف، والرضى بالكفاف، وحفظ اللسان، ومحبة الإخوان.
وأربعة من علامات النفاق: قلة الديانة، وكثرة الخيانة، وغش الصديق، ونقض المواثيق.
وأربعة تزال بأربعة: النعمة بالكفران، والقوة بالعداون، والدولة بالإغفال، والحظوة بالإدلال.
وأربعة يُترَقّى بها إلى أربعة: العقل الرياسة، والرأي إلى السياسة، والعلم إلى التصدير، والحلم إلى التوقير.
وأربعة تؤدي إلى أربعة: الصمت إلى السلامة، والبر إلى الكرامة، والجود إلى السيادة، والشكر إلى الزيادة.
وأربعة تدل على وفور العقل: حب العلم، وحسن العلم، وصحة الجواب، وكثرة الصواب.
وأربعة تدل على نقصان العقل: الجهل بالأعادي، والأمن للعوادي، والجفوة للإخوان، والجرأة على السلطان.
وأربعة لا تتم إلاّ بأربعة: العلم بالحجا، والدين بالتقى، والعمال بالنيات، والموالاة بإخلاص الطويّات.
وقال حكيم آخر: ثلاث لا يستصلح فسادهن بشيء من الحيلة: العداوة بين الأقارب، وتحاسد الأكفاء، والركاكة في العقول.
وثلاث لا يستفاد صلاحهن بنوع من المكر: العبادة من العلماء، والقناعة من المستبصرين، والسخاء في ذوي الأخطار.
وثلاثة لا يشبع منها: الحياة، والعافية، والمال.
وثلاثة لا يستغني عنها السلطان: وزير حسن التدبير، ومستشار نصيح، وصاحب بريد صدوق.
وثلاث هي قوام العالم: عدل الأمراء، وصلاح العلماء، وانقياد الرعية للرؤساء.
ومن مشاهير الحكماء القدماء لقمان الحكيم، وقد ذكره الله تعالى وذكر " بعض " ما قال لابنه، وقال له رجل: ما الذي بلغ بك ما أرى؟ فقال: ما ذاك؟ فقال: وطئ الناس بساطك ورضوا بقولك، فقال: يا أخي إن صنعت ما أقول لك كنت كذلك، ثم قال: غَضّي بصري، وكفّي لساني، وعفة مطمعي، وحفظ فرجي، وقيامي بعهدي، ووفائي بوعدي، وإكرام ضيفي، وحفظ جاري، وترك ما لا يعنيني هو الذي صيرني كما ترى.
ومن حكيم كلامه لابنه: يا بني. جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك فإن الله تعالى يحيي القلوب الميتة بالعلم كما يحيي الأرض الميتة بوابل المطر.
وقوله: من لم يملك لسانه يندم، ومن لم يتق الشتم يشتم، ومن صاحب قرين السوء لم يسلم.
وقال قائل لأكثم بن صيفي حكيم العرب: ما السؤدد؟ قال: اصطناع العشيرة، واحتمال الجريرة، قال: فما الشرف؟ قال: كفّ الأذى، وبذل الندى، قال: فما المجد؛ قال: حمل المغارم، وبناء المكارم، قال: فما الكرم؟ قال: صدق الإخاء، في الشدة والرخاء، قال: فما العز؟ قال: شدة العضد، وكثرة العدد، قال: فما السماحة؟ قال: بذل النائل، وحب السائل، قال: فما الغنى؟ قال: الرضا بما يكفي، وقلة التمني، قال: فما الرأي؟ قال: لُبٌّ تعينه تجربة.
ومن كلامه أيضاً: من وفى بالعهد، فاز بالحمد، ومن اصطنع قوماً، انتفع بهم يوماً، ومن فسدت بطانته كان كمن غصّ بالماء، ومن أكثر من شيء عرف به، ومن حدث من لا يفقه كان كمن قدم مائدة لأهل القبور، ومن قطع عليك الحديث فلا تحدثه، إذ ليس بصاحب أدب، ومن عرف بالصدق قُبِل كَذِبه، ومن عرف بالكذب لم يُقبل صدقه، ومن غضب بلا شيء رضي بلا شيء، ومن أظهر محاسنه ودفن مساويه كمل عقل، ومن غلب هواه عقله افتضح، ومن استشار عدوه في صديقه أمر بقطيعته، ومن فرح بكذب الناس في الثناء عليه بان لهم حُمقه، ومصادقة الكرام غنيمة، ومصادقة اللئام ندامة، وعِدَةُ الكريم نقْد، وعِدَة اللئيم تسويف.
стр. 110
ومن كلام بزرجمهر الفارسي: نصحني النصحاء، ووعظني الوعاظ، فلم يعظني أحد مثل شيمتي، ولا نصحني مثل فكري، واستضأت بنور الشمس وضوء النهار، فلم أستضيء بشيء أضوأ من نور قلبي، وكنت عبد الأحرار والعبيد، فلم يملكني أحد ولا قهرني مثل هواي، وعاداني العداء فلم أرَ أعدى إلي من نفسي، وزاحمتني المضايق، فلم يزاحمني مثل الخلق السوء، ووقعت في المضار العظيمة، فلم أقع في أضر من لساني، ومشيت على الجمر ووطئت على الرمضاء، فلم أرَ ناراً أحر من غضبي إذا تمكن مني، وطلبني الطلاب فلم يدركني مثل إساءتي، وفكرت في الداء القاتل ومن أين يأتيني فوجدته من معصية ربي، والتمست الراحة لنفسي فلم أجد شيئاً أروح لها من ترك ما لا يعنيها، وركبت البحر، وعاينت الأهوال، فلم أرَ هولاً أعظم من الوقوف بين يدي سلطان جائر، وتوحشت في البراري والجبال، فلم أرَ أوحش من قرين السوء، وعالجت السباع فغلبتها، وغلبني صاحب الخلق السوء، وأكلت الطيّب، وشربت المسْكر، وعانقت الحسان، وركبت الجياد، فلم أجد شيئاً ألذ من العافية والأمن، وأكلت الصَّبر وشربت المر، فلم أرَ شيئاً أمرّ من الفقر، وشاهدت الزحوف، وعاينت الحتوف، وضارعت الأقران، فلم أرَ أغلب من المرأة السوء، وعالجت الأثقال، ونقلت الصخر، فلم أرَ حِمْلاً أثقل من الدَّين، ونظرت فيما يذل العزيز، ويسكر القوي، ويضع الشريف، فلم أرَ أذل من ذي فاقة وذي حاجة، ورشقت بالنشاب وشددت في الوثاق، وضربت بعمد الحديد، فلم يهدمني مثل ما هدمني الهم والحزن، واصطنعت الأخدان وانتخبت الأقوام للعدة والشدة والنائبة، فلم أرَ شيئاً خيراً من التكرم عندهم، وطلبت الغنى من وجوهه، فلم أرَ غنىً أغنى من القناعة، وتصدقت بالذخائر، فلم أرَ أنفع من رد ضال إلى الهدى، ورأيت الذل في الغربة والوحدة، فلم أرَ أذل من مقاساة جار السوء، وشيدت البنيان لأعتز به وأُذكر فلم أرَ شرفاً أرفع من اصطناع المعروف، ولبست الملابس الفاخرة، فلم ألبس مثل الصلاح، وطلبت أحسن الأشياء عند الناس فلم أجد شيئاً أحسن من حسن الخلق، وسررت بعطايا الملوك وجوائزهم، فلم أسر بشيء أعظم من الخلاص منهم.
ولما قتله كسرى أنوشروان لرغبته عن دين المجوسية وانتقاله إلى دين عيسى ﵇ وجدوا في منطقته رقعة فيها ثلاث كلمات وهي: إذا كان القدر حقاً فالحرص باطل، وإذا كان الغدر في الناس طبيعة فالثقة بكل أحد عجز، وإذا كان الموت بكل الناس نازلاً فالطمأنينة إلى الدنيا حمق.
ويقال: إن المهلب لما توسم النجابة في ابنه يزيد وهو صغير أراد أن يختبره، فقال له: يا بني ما أشد البلاء؟ قال: يا أبت معاداة العقلاء، ثم قال: اقلني قال: قد أقلتك فقل: فقال: أشد البلاء تأمير اللؤماء على الكرماء. ثم قال: أقلني قال: قد أقلتك فقل: فقال: أشد البلاء معاداة العقلاء ومسألة البخلاء وتأمر اللؤماء على الكرماء، فقال المهلب: والله يا بني ما يسرني بقولك مقول لقمان، ولا يعدل عندي بقاءك ملك سليمان.
وكان زياد وهو من ذوي السياسة يقول: أوصيكم بثلاثة: العالم والشيخ والشريف، فوالله لا أوتي بوضيع سب شريفاً، أو شاب وثب بشيخ، أو جاهل امتهن عالماً، إلاّ عاقبت وبالغت.
وفي الأجوبة: أمر ﵊ أن تضرب عنق عقبة بن أبي معيط فقال: من للصبية يا محمد؟ قال: النار.
وقال الصديق ﵁ لرجل قال له: لأشتمنك شتماً يدخل معك في قبرك: معك والله يدخل لا معي.
وقال عثمان بن عفان ﵁ لعامر بن عبد القيس العنبري ورآه أعرابياً: يا أعرابي أين ربك؟ قال: بالمرصاد.
وقال رجل لعلي بن أبي طالب ﵁: أين كان ربنا قبل أن يخلق السماوات والأرض؟ فقال علي: أين سؤال عن المكان وكان الله ولا مكان.
وكان الأعمش يقول: احذروا الجواب، فإن عمروا بن العاصي قال لعدي بن حاتم: متى فقئت عينك يا أبا طريف؟ فقال: يوم طعنت في أستك وأنت مُوَلٍّ يعني يوم صفّين.
ودخل معن بن زائدة على المنصور فقال: كبر سنك يا معن فقال: في طاعتك يا أمير المؤمنين، قال: وإنك مع ذلك لجلد، قال: على أعدائك يا أمير المؤمنين، قال: وإن فيك لبقية، قال: هي لك يا أمير المؤمنين.
وقال معاوية لابن عباس ﵃، وقد كف بصره: أنتم يا بني هاشم تصابون في أبصاركم، فقال: وأنتم يا بني أمية تصابون في بصائركم.
стр. 111
وقال ابن " أبي " الزناد لابن شبرم في مناظرة: من عندنا خرج العلم، فقال ابن شبرمة: نعم ثم لم يعد إليكم.
وقال عمر بن الخطاب لأبي مريم السلولي: والله لا أحبك حتى تحب الأرض الدم قال: أفتمنعني حقاً؟ قال: لا، قال: فلا بأس، إنما يأسف على الحب النساء.
وقال الحجاج لرجل من الخوارج: إني لأبغضكم فقال الخارجيّ: أدخل الله أشدنا بغضاً لصاحبه الجنة.
وقال رجل لعمرو بن العاصي: لأتفرغن لك، فقال: حينئذ تقع في الشغل.
وقال عبد الملك بن مروان لبثينة صاحبة جميل: ما رجا منك جميل حين أحلك؟ فقالت له: ما رجت منك الأمة حين ملكتك أمرَها.
وقال لثابت بن عبد الله: زعم عبد الله بن هلال أنك أشبه الناس بإبليس، قال: صدق، ما ينكر أن يكون سيد الإنس يشبه سيد الجن؟ وقال معاوية لرجل من أهل اليمن: ما كان أحمق قومك حين قالوا) ربنا باعد بين أسفارنا (وكان اجتماع الشمل خيراً لهم، فقال اليماني: يا أمير المؤمنين: قومك أحمق حين قالوا:) اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء (ولم يقولوا: فاهدنا له.
وقال الرشيد لشريك القاضي: يا شريك آية في كتاب والله ليس لك ولا لقومك فيها شيء قوله تعالى:) وإنَّهُ لذكر لَكَ ولقومك (فقال: يا أمير المؤمنين وآية أخرى ليس لي ولا لقومي فيها شيء قوله تعالى:) وكّذَّب بهِ قَوْمكَ وَهُوَ الحَقّ (".
وقدم على عمر بن عبد العزيز فتيان فقالوا: توفي أبونا وترك مالاً عند عمنا حُمَيْد، فأمر بإحضاره وقال له: أنت القائل؟:
حُمَيْدُ الذي أمَجٌ دارُه ... أخو الخمر ذو الشيبة الأصلعُ
أتاه المشيب على شربها ... وكان كريماً فما يَنْزِعُ
قال: نعم، قال: أما إذ أقررت فسأجدُّك قال: هيهات، ألم تسمع قوله تعالى:) وَالشُّعَرَاءُ يَتْبَعَهُمْ الغَاوُونَ ألَمْ تَرَ أنَّهُمْ في كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ (قال: أفلت ثم قال: يا حميد، لقد كان أبوك رجلاً صالحاً وأنت رجل سوء، قال: هؤلاء يزعمون أن أباهم توفي وترك عندك مالاً، قال: نعم، وأنا أنفق عليهم من مالي ثم أحضر المال بخواتيم أبيهم، فقال عمر: ما أحدٌ أحق أن يكون عنده منك، قال: لا يعود إليَّ بعد أن خرج مني، وأمج بفتحتين موضع.
ويروى عن الأصمعي أنه قال: أتى شهر رمضان وأنا بمكة، فخرجت إلى الطائف لأصوم به فراراً من حر مكة، فلقيني أعرابي فقلت له: أين تريد؟ قال: أريد هذا البلد المبارك " لأصوم فيه هذا الشهر المبارك " فقلت له: أما تخاف الحر؟ قال: من الحر أفِرّ.
ونحو هذا ما يحكى عن الربيع بن خثيم ﵁ وقد صلى ليلة حتى أصبح. فقال له رجل: أتعبت نفسك فقال: راحتها أطلب.
ونحوه قول عروة بن الورد:
تقول سليمى: لو أقمت بأرضنا ... لم تدرِ أني للمقام أُطَوِّف
وقول الآخر:
سأطلب بعد الدار عنكم لتقربوا ... وتسكب عيناي الدموع لتجمدا
وقول أبي تمام:
أألفة النحيب كم افتراقٍ ... أجدَّ فكان داعية اجتماع
وليست فرحة الأوبات إلاّ ... لموقوفٍ على ترَح الوداع
وقال مسلمة بن عبد الملك يوماً لنصيب الشاعر: أمدحت فلاناً لرجل من أهله؟ قال: قد فعلت، قال: أوحرمك؟ قال: قد فعل، قال: فهلاّ هجوته؟ قال: لم أفعل لأني أحق بالهجاء منه إذْ رأيته موضعاً لمدحي، فأعجب ذلك مسلمة فقال له: سلني، قال: لا أفعل، قال: ولم؟ قال: لأن كفك بالعطية أجود من لساني بالمسألة، فوهب له ألف دينار.
стр. 112
ولما فتح قتيبة بن مسلم سمَرْقَنْد ظفر بأثاث وآلات لم يرَ مثلها، وأراد أن يُري الناس عظيم ما ظفر، فأمر بدار ففرشت وفيها قدور تُرْتقى بالسلالم، فإذا بالحضين بن المنذر الرَّقاشي قد أقبل والناس جلوس على مراتبهم، والحصين شيخ كبير، فلما رآه عبد الله بن مسلم قال لقتيبة: ائذن لي في معابثته، فقال له: لا ترده فإنه خبيث الجواب، فأبى عبد الله إلاّ أن يعابثه، وكان عبد الله يضعَّفُ، وكان قد تسوَّر حائطاً إلى امرأة قبل ذلك، فأقبل على الحضين فقال له: أمن الباب دخلت يا أبا ساسان، قال: أجل، أسنَّ عمك عن تسوُّر الحيطان. قال: أرأيت هذه القدور؟ قال: هي أعظمُ مِن أن لا تُرى، قال: ما أحسب بكر بن وائل رأى مثلها قطُّ، قال: أجل، ولا عيلان، ولو كان رآها لسمي شَبْعان ولم يُسَمَّ عَيْلان. فقال عبد الله: يا أبا ساسان أتعرف الذي يقول:
عزَلْنا وأمَّرْنا وبكر بنُ وائل ... تجُرّ خُصاها تيتغي من تُحالف
قال: أعرف هذا وأعرف الذي يقول:
وخيبة من يخيب على غّنيٍّ ... وباهلة بن أعصر والركاب يريد يا خيبة من يخيب. قال: أفتعرف الذي يقول:
كأن فقاح الأزد حول ابن مسمع ... إذا عرقت أفواه بكر بن وائل
قال أعرف هذا وأعرف الذي يقول:
قوم قتيبة أمهم وأبوهم ... لولا قتيبة أصبحوا في مجهل
وقبل هذا البيت:
إن كنت ترجو ان تنال رغيبة ... في دار باهلة بن أعصر فارحل
قال: أما الشعر فأراك ترويه، فهل تقرأ من القرآن شيء؟ فقال: أقرأ منه الأكثر الأطيب:) هَلْ أتَى عَلى الإنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً (فأغضبه فقال: والله لقد بلغني أن امرأة الحضين حملت إليه وهي حبلى من غيره، فما تحرك الشيخ عن هيئته الأولى ثم قال على رِسْلِهِ: وما يكون؟ تلد غلاماً على فراشي فيقال: بن الحضين كما يقال: عبد الله بن مسلم.
ودخل المعتصم على خاقان يعوده في مرض، فقال للفتح ابنه وهو صبي: أيما أحسن داري أم داركم؟ فقال: يا أمير المؤمنين أما ما دمتَ في دارنا فهي أحسن، ويروى أنه قال له: الدار التي أنتَ فيها أحسن يعني دارهم.
وقيل لرجل من الجند: أراك تكره الخروج إلى العدو، فقال: إني لأكره أن يأتيني الموت في بيتي، فكيف أسافر إليه؟ ولما قتل عبد الملك عمرو بن سعيد بقيت أخته آمنة عند الوليد، فلما هلك عبد الملك سعى بها ساع إلى الوليد وأنها لم تبك على عبد الملك كما بكت نظائرها، فذكر لها الوليد ذلك فقالت: صدق القائل إن كنت قائلة ماذا أقول؟ يا ليته بقي حتى يقتل لي أخاً آخر كعمرو بن سعيد.
ويلتحق بهذا الباب ما روي عن علي ﵁ أنه قال: لما أمر رسول الله ﷺ أن يعرض نفسه على القبائل خرج وأنا معه وأبو بكر معنا، فأتينا مجلساً فقلنا: من القوم؟ فقالوا: من ربيعة، فقال: أبو بكر: من هامتها أم لهازِمِها؟ فقالوا: من هامتها العظمى، فقال: وأيّ هامتها العظمى؟ قالوا: ذُهْل الأكبر، قال: فمنكم عوف الذي كان يقال فيه: " لا حُرَّ وِوَادِي عَوْف " قالوا: لا، قال: فمنكم بسطام منتهى الأحياء؟ قالوا: لا، قال: فمنكم المزدلف صاحب العمامة؟ قالوا: لا، قال: فمنكم حسان بن ربيعة حامي الذمار؟ قالوا: لا، قال: فمنكم الحَوْفَزان قاتل الملوك؟ قالوا: لا، قال: فأنتم أخوال الملوك من كندة؟ قالوا: لا، قال: فأنتم أصهار الملوك من لحم؟ قالوا: لا، قال: لستم ذُهْل الأكبر، أنتم ذُهْل الأصغر، فقام إليه أعرابي منهم وقال:
إنَّ على سائلنا أن نسأله ... والعِبءُ لا تعرفه أو تحمِله
стр. 113
يا هذا سألتنا فلم نكتمك، فمن أنت؟ قال: من قريش، قال: بخ بخ أهل الشرف والرياسة، فمن أي قريش أنت؟ قال: من تيم ابن مرة، قال: أمكنت الرامي من ثغرتك، فمنكم قصي الذي جمع الله به القبائل من فهر؟ قال: لا، قال: فمنكم هاشم الذي هشم الثريد لقومه؟ قال: لا، قال: فمنكم شيبة الحمد مطعم الطير؟ قال: لا، قال: فلكم الإفاضة؟ قال: لا، قال: فلكم الندوة؟ قال: لا، قال: فلكم الحجابة؟ قال: لا، قال: فلكم السّقاية؟ قال: لا، ثم اجتذب أبو بكر زمام طاقته وانصرف عنه، فقال له: أيم الله، لو تلبثت لأخبرتك أنك من زمعات قريش أو ما أنا بدغفل فتبسم رسول الله ﷺ ، قال علي: فقلت: يا أبا بكر حصلت من الأعرابي على باقعة، قال: أجل إن فوق كل طامة طامة، والبلاء موكل بالمنطق.
وكان عتبة بن أبي سفيان عاملاً على المدينة فولى رجلاً من أهله على الطائف، ثم إنه ظلم رجلاً من الأزد وأخذ له غنماً، فجاء إلى المدينة مشتكياً ودخل على عتبة فأنشأ يقول:
أمرت من كان مظلوماً ليأتيكم ... فقد أتاك غريب الدار مظلوم
وذكر ما فعل به العامل وأكثر، فقال له عتبة: إنك أعرابيّ جاف، والله ما أحسبك تعرف كم تصلي في كل يوم وليلة، فقال الأعرابيّ: أرأيتك إن أنبأتك عن ذلك أن تجعل لي أن أسألك عن مسألة؟ قال: نعم، فقال الأعرابي:
إن الصلاة أربع وأربع
ثم ثلاث بعدهن أربع
ثم صلاة الفجر لا تضيع
قال صدقت فسل، فقال: كم فقار ظهرك قال: لا ادري، قال: فتحكم بين الناس وأنت تجهل هذا من نفسك، فقال عتبة: ردوا عليه غنيمته.
ولما ظهر المهلب بن أبي صفرة على الخوارج أرسل كعب " قال عنه الأصفهاني في " أغانيه " " ١٤: ٢٨٤ ": " كعب بن معدان الأشقري، والأشاقر قبيلة من الأزد، شاعر، فارس، خطيب، معدود في الشجعان، من أصحاب المهلب والمذكورين في حروب الأزارقة " " ابن مَعْدان الأشقري ومرة بن تليد الأزدي إلى الحجاج ليعلماه بالفتح فلما طلعا عليه تقدم كعب فأنشد:
يا حفص إني عداني عنكم السفر ... وقد سهرت فأرْدى نوميَ السهر
فقال له الحجاج: أشاعر أم خطيب؟ فقال: كلاهما، ثم أنشده القصيدة، ثم أقبل عليه فقال: خبرني عن " بني " المهلب فقال: المغيرة فارسهم وسيدهم، وكفى بيزيد فارساً شجاعاً، وجوادهم وسحبهم قبيصة، ولا يستحيي الشجاع أن يفر من مدرك، وعبد الملك سم ناقع وحبيب موت ذعاف، ومحمد ليث غاب، وكفى بالفضل نجدة، قال: فكيف خلفت جماعة الناس؟ قال: قد خلفتهم بخير، قد أدركوا ما أملوا، وأمنوا ما خافوا، قال: فكيف كان بنو المهلب فيهم؟ قال: كانوا حماة للسرح نهاراً، فإذا أليلوا ففرسان للبيات، قال: فأيهم كان انجد؟ قال: كانوا كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفها، قال: فكيف كنتم أنتم وعدوكم؟ قال: كنا إذا أخذنا عفونا " واخذوا عفوهم يئسنا منهم "، وإذا اجتهدوا واجتهدنا طمعنا فيهم، فقال الحجاج:) إنَّ العَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (كيف أفلتكم قطري؟ قال: كادنا ببعض ما كنا نكيده، قال: فهلا اتبعتموه؟ قال: كان الحد عندنا آثر من الفل، قال: كيف كان لكم المهلب وكنتم له؟ قال: كان لنا منه شفقة الوالد، وله منا بر الولد، قال: فكيف اغتباط الناس؟ قال: فشا فيهم الأمن، وشملهم النقل قال: أكنت أعددت لي هذا الجواب؟ قال: لا يعلم الغيب إلاّ الله، قال: هكذا والله يكون الرجال، المهلب كان أعلم بك حين وجهك.
وفي " نوادر القالي " أن الحجاج قال له: كيف كان محاربة المهلب للقوم؟ قال: كان إذا وجد الفرصة سار كما يسور الليث، وإذا دَهِمَتْه الطحمة راغ كما يروغ الثعلب، وإذا مادَّه القوم صبر صبر الدهر، وانه قال له: كيف أفلتكم قطريّ؟ قال: كادنا ببعض ما كدناه به، والأجل أحصن جنة، وأنفذ عُدة، قال: وكيف اتبعتم عبد ربه وتركتموه؟ قال: آثرنا الحد على الفل، وكانت سلامة الجند أحب إلينا من شجب العدو.
ولما مات سعيد بن العاصي قال معاوية لابنه عمرو بن سعيد وهو صبي صغير: إلى من أوصى بك أبوك يا غلام؟ فقال: يا أمير المؤمنين إن أبي أوصاني ولم يوص بي.
стр. 114
وقال معاوية لابنه يزيد وهو ابن تسع سنين: في أي سورة أنت يا بني؟ وكان في سورة القتال، فكره أن يذكرها فقال: أنا في السورة التي تلي:) إنّا فَتَحْنَا لَكَ فَتحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً وَيَنْصُرَكَ اللهُ نَصْراً عَزِيزاً (يا أمير المؤمنين، فقال معاوية: هذه السورة تليها سورتان، وهي بينهما، ففي أيتهما أنت؟ قال: في السورة التي فيها:) وَالّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلى مُحَمّدٍ وَهُوَ الحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّآتِهِمْ وَأصْلَحَ بَالَهُمْ (فتمثل معاوية حينئذ بقول الشاعر:
ملوك وأبناءُ الملوك وسادة ... تفلق عنها بيضة الطائر الصقر
متى تلق منهم ناشئاً في شبابه ... تجده على آثار والده يجري
ولما أصاب أهل البوادي القحط أيام هشام بن عبد الملك وفدت عليه رؤساء القبائل وفيهم صبي صغير في رأسه ذؤابة، وعليه بردة يمنية فأنكر هشام حضوره وقال للحاجب: ما يشاء أحد أن يصل إلينا إلاّ وصل حتى الصبيان، فقال الصبي: يا أمير المؤمنين إن دخولي لم ينقصك، ولكن شرفني، وإن هؤلاء قدموا لأمر فهابوك دونه، وإن الكلام نشر والسكوت طي لا يعرف إلاّ بنشره، فأعجب هشاماً كلامه " فقال له: " انشر لا أم لك فقال: يا أمير المؤمنين أصابتنا سنون ثلاث، فسنة أذابت الشحم، وسنة أكلت اللحم، وسنة أنقت العظم، وفي يدكم نصول أموال، فإن كانت لله ففرقوها على عباده، وإن كانت لهم فعلام تحبسونها عنهم؟ وإن كانت لكم فتصدقوا بها عليهم، فإن الله يجزي المتصدقين، ولا يضيع أجر المحسنين، فقال هشام: ما ترك لنا الغلام في واحدة من الثلاث عذراً، وأمر بمائة ألف درهم " ففرقت في البادية وأمر للغلام بمائة ألف درهم " فقال: ارددها في جائزة العرب، فما لي بها حاجة في خاصة نفسي دون سائر المسلمين، فكان في هذه أعجب.
ولما استخلف عمر بن عبد العزيز ﵁ جاءته الوفود، فحين دخل عليه وفد أهل الحجاز أراد غلام منهم أن يتكلم فقال له عمر: يا غلام، يتكلم من هو أسن منك، فقال الغلام: يا أمير المؤمنين، إنما المرء بأصغريه: قلبه ولسانه، فإذا منح الله عبده لساناً لافظاً، وقلباً حافظاً، فقد أجاد " له " الاختيار، ولو أن الأمور بالسن لكان هنا من هو أحق بمجلسك منك، فقال له: صدقت فتكلم، فهذا هو السحر الحلال، فقال: يا أمير المؤمنين، نحن وفدُ التهنئة، لا وفد المرزئة، لم تقْدِمْنا إليك رغبةٌ ولا رهبةٌ، لأنا قد أمِنّا في أيامك ما خفناه، وأدركنا ما طلبناه، وفي رواية: أما الرغبة فقد أوصلها لنا فضلك، وأما الرهبة فقد أمّننا منها عدلك، فتهلل وجه عمر عند ثناء الغلام عليه، وسأل عن سن الغلام فقيل: عشر سنين ثم كأن عمر خاف العجب فأقبل على الغلام وقال: عظنا يرحمك الله: فقال: يا أمير المؤمنين، لا يغلبن جهل القوم بك معرفتك بنفسك، فأجهل الناس مضن ترك يقين ما عنده لظن ما عند الناس، وإن قوماً خدعهم الثناء، وغرهم الشكر، فزلت أقدامهم فهوُوا في النار، أعاذك الله يا أمير المؤمنين أن تكون منهم، وألحقك بصالح سلَف هذه الأمة، فجعل عمر يبكي حتى خيف عليه.
ودخل الأحنف بن قيس على معاوية فقال له معاوية: ما الشيء الملفف في البجاد؟ قال: السخينة يا أمير المؤمنين، أشار معاوية إلى قول الشاعر يهجو بني تميم بحب الطعام:
إذا ما مات ميت من ... وسرك أن يعيش فجئ بزاد
بخبز أو بلحم أو ... أو الشيء الملفف في البجاد
وأصل ذلك أن عمرو بن هند لما حلف ليحرقن من بني تميم مائة في ثأره أخذهم فجعل يلقيهم في النار، حتى بقي له واحد من العدة، فإذا برجل تميمي من البراجم قد ذهب في حاجة فشم روائح المحترقين فقال: هذا شواء اتخذه الملك، فمال إليه، فلما وقف عليه قال له: من أنت؟ قال: برجميّ، فقال الملك: " إن الشقيّ وافد البراجم " وأمر به فقذف في النار تكميلاً للعدد، فمن ذلك عيّرت العرب تميماً بحب الطعام، وقال الشاعر:
ألا أبلغ لديك بني تميم ... بآية ما يحبون الطعاما
وأشار الأحنف بذكر السخينة، وهي حساء رقيق كانت قريش تتخذه في الشدة ويعيرون به.
стр. 115
ومن هذا المعنى ما وقف رجل من فقعس على الفرزدق فقال له الفرزدق: أين تركت القنان؟ فقال: تركته يسامي أو يقابل لصافاً وهما جبلان معروفان، الأول منهما هو الواقع في قول زهير:
جعلن القنان عن يمين وحزْنَهُ ... ومن بالقنان من محل ومحرم
والثاني هو الواقع في قول:
بمصطحبات من لصاف وثبرة ... يزرن إلالا سيرهن التدافع
وإلال هو جبل عرفة، فعرض الفرزدق بالفقعس مشيراً إلى قول الشاعر فيهم:
ضمن القنان لفقعس سوآتها ... إن القنان بفقعس
وأشار الفقعسي بذكر لصاف إلى قول الآخر في تميم:
وإذا ترك من تميم خصلة ... فلَمّا يسوءك من تميم أكثر
قد كنت أحسبهم أسودَ خفيّةٍ ... فإذا لصاف تبيض فيه الحمَرُ
والحمر على وزن صرد، وتشدد ميمه وهو اللائق في البيت طائر شبههم به في الضعف والجبن.
وقال بعضهم: كنت عند جسر بغداد فإذا بفتاة حسناء قد مرت، فجاء فتى من الجانب الآخر، فلما رآها قال: يرحم الله علي بن الجهم، فقالت: ويرحم الله أبا العلاء المعري، ثم انطلق كل لحاجته، ولم يقف قال: فتبعت المرأة وقلت لها: لئن لم تخبريني بما جرى بينكما لأفضحنك، فقالت: لا شيء إلاّ أنه أشار إلى قول علي بن الجهم:
عيون المها بين الرصافة والجسر ... جلبن الخوى من حيث أدري ولا أدري
فأشرت أنا إلى قول المعري:
فيا دارها بالحزن إن مزارها ... قريب ولكن دون ذلك أهوال
وتقدم نحو هذا في قصة المعري وقصة الكسائي.
ومن هذا القبيل في ذكاء العقول ولطافة الأفهام ما يحكى أن المعتمد بن عباد خرج يوماً هو ووزيره أبو بكر بن عمه فمرا بالرحبة فإذا بامرأة بذيّةٍ بين الرجال، فقال المعتمد: " الجيارين " فقال ابن عمار: نعم يا سيدي " والحباسين " فالأول يقول: " الحيا زين " والثاني يقول: " والحنا شين " وصحف كل تعمية على العامة واتكالاً على فهم صاحبه.
وهذا ال باب لا يأتي عليه الحصر، وما ورد فيه من الشعر أكثر وأكثر، وقد قيل: أنزلت الحكمة على ألسنة العرب، وما ذلك إلاّ في شعرها، وقال ﷺ : " إنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحِكْمَةً " وتقدمت جملة من ذلك في الأمثال، وسيأتي شيء منه في الوصايا والمواعظ إن شاء الله.
لله الأمر من قبل ومن بعد
باب
نبذة في أبيات المعاني والألغاز العربية
وهذه نبذة من أبيات المعاني والألغاز العربية، وأتبعناها للحكم والأجوبة المسكتة للمناسبة الظاهرة، فإن الكل منشؤه الذكاء والفطنة، والألغاز وإن كانت كما قال المحققون " من " صنعة البطالين لا نريد أن نخلي الكتاب من شيء عنها لقصد التفنن والإحماض و " قد " تقدم شيء من أبيات المعاني " في الكتاب " ومن ذلك في الأنواء قول بعض السدوسيين:
إذا القوس وترها أيِّدٌ ... رمى فأصاب الكلى والذُّرا
يريد أن القوس أعني قوس قزح إذا وترها أي أقامها ونصبها على ما هي أيّد أي قوي، وهو الموكل بها، أو الفاعل المختار سبحانه رمى بالغيث فأصاب بالشحم كلى الأنعام وذُراها.
وفي صفة السيف قول الآخر:
وكنت إذا الإبريق أقعى على استه ... وظن نديم الشر أن ليس راويا
كررت عليه الكأس حتى كأنما ... يرى بالذي أسقيه منه الأفاعيا
الإبريق السيف لأنه يسقي الموت، وإقعاؤه على استه أن يأخذ بقائمه عند إرادة الضرب، ونديم الشر العدوّ، والكأس كأس الشّر.
وفي صفة الظل قول الآخر:
وصاحب غير ذي ظلٍ ولا نفَسٍ ... هيجته بسواء البيد، فاهتاجا
يريد بالصاحب ظله، فإنه لا ظل له، ولا نفس، وقد حركه بمشيئته فتحرك.
ونحوه قول الآخر:
وثنيّةٍ جاوزتها بثنيّةٍ ... حرْف يعارضها ثنيٌّ أدهم
فالثنية الأولى ثنيّة بالجبل، والثانية الناقة التي ذلك سِنُّها، والثني الآخر ظلها، وهو أدهم أي أسود.
وفي اللصوصية قول الآخر:
تعيرني ترك الرماية خُلّتي ... وما كل من يرمي الوحوش يَنالُها
فإلا أصادف غرة الوحش أقتنص ... من الإنسيات العظام جُفالها
أي إن لم أقتنص الوحش أسرق من الغنم العظام الجفال أي الصوف.
وقول الآخر:
توخّى بها مجرى سُهَيْلٍ وخلفه ... من الشام أعلام تطول وتقصر
فلما رأى أن النِّطافَ تعذرت ... رأى أن ذا الكلبين لا يتعذر
стр. 116
هذا لص طرد إبلاً فتوخى أي قصد بها مجرى سهيل، وهو اليمن، وترك الشام وأعلامه أي جباله خلفه تطول وتقصر في السراب فلما رأى أن النطاف أي المياه تعذرت في طريقه رأى أن ذا الكلبين أي سيفه، والكلبان مسماران في قائمه، لا يتعذر فينحر ويفتظ الكرش فيشرب ما فيه: وقول الآخر:
إنا وجدنا طرَدَ الهوامل ... خيراً من التأنان والمسائل
وعِدّةِ العام وعام قابل ... ملقوحة في بطن ناب حامل
يقول: إن سرقة الإبل الهوامل " أي " التي لا راعي معها خير لنا من الأنين والتشكي وسؤال الناس، فهذا يردنا، وهذا بالعطاء في العام أو القابل جنيناً في بطن أمه.
وقول الآخر:
عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذا عوى ... وصَوَّتَ إنسان فكدت أطير
درى الله إني للأنيس لمبغض ... ويقليه مني شاهد وضمير
وإني لأستحيي من الله أن أرى ... أطوف بحبل ليس فيه بعير
وأن أسأل المرء اللئيم بعيره ... وبُعرانُ ربي في البلاد كثير
هذا لص يستوحش من الناس لئلاّ يقبض، ثم زعم أنه يستحيي أن يأتي بحبل يسأل من يعطيه بعيراً فيربطه به، وأن يسأل البخلاء وإبل الله كثيرة يسرقها.
وقول الآخر:
أيا بارح الجوزاء مالك لا ترى ... عيالك قد أمسوا مراميل جوعاً
البارح الريح الشديدة تهبّ في القيظ، فهو يطلبها فإذا سرق الإبل عفت أثره فلا يدرك، وجعل عياله عيالاً للريح لأنه يعولها به.
ومثله قول الآخر:
جزى الجوزاء عنّا الله خيراً ... فقد أغنت عن الحبل الجذيم
أي أغنتنا بريحها فنأخذ ما شئنا ولا ندرك ولم نحتج إلى حبل جذيم أي مقطوع نأتي به صاحباً يعطينا فيه بعيراً.
وقول الآخر:
ألا يا جارتا بأُباضَ إنّي ... رأيت الريح خيراً منك جارا
تغذينا إذا هبّت علينا ... وتملأ وجه ناظركم غبارا
أُباض كغراب قرية باليمامة ويقال: لم يرَ أطول من نخيلها فيقول هذا اللص لجاريته بها: إن الريح خير منكما، وذلك أنه يسرق التمر فإذا هبت الريح أسقطته له، وأعمت أربابه، فلا يرونه حتى يقضي منه أربه.
وقول الآخر:
خليليّ لا تستعجلا وتبينا ... بوادي حَبَوْني هل لهن زوال
ولا تيأسا من رحمة الله وادعوا ... بوادي حَبَوْنى أن تهب شَمال
أي فتعفي الأثر وتعمي عيون الرعاة فيأخذوا حاجتهم.
وفي " الأيام والليالي " قول الآخر:
مطايا يقربن البعيد وإن نأى ... وينقلن أشلاء الكريم إلى القبر
" وقبله:
سرينا وأدلجنا وصارت ركابنا ... تمرّ بنا في غير برّ ولا بحر
وما هي إلاّ ليلة ثمَّ يومها ... وحول إلى حول وشهر إلى شهر
ويُنكحْنَ أزواج الغَيورِ عدوه ... ويقسمن ما يحوي الشحيح من الوفر "
وقول الآخر:
سبع رواحل ما ينخن من الوَجَى ... شوم تشاف بسبعة زهر
متواصلات لا الدءُوبُ يملها ... باقٍ تعاقبها مدى الدهر
سبع أي ليال، شوم أي سود، وسبعة زهر أي أيام.
وفي التعبير على أخذ الدية وترك القيام بالثأر قول الآخر:
غدا ورداؤه لَهِقٌ حُجير ... ورحت أجر ثَوْبيْ أرجوان
كلانا اختار فانظر كيف تبقى ... أحاديث الرجال على الزمان
أي غدا حجير يعني أخاه، ورداؤه لهق أي أبيض لم يقتل قاتليه، ورحت أنا بثوب أرجوان أي أحمر لقيامي بالثأر.
وقول الآخر:
إذا صب ما في الوطب فاعلم بأنه ... دم الشيخ فاشرب من دم الشيخ أو دعا
أي إذا تركت ثأرك في أبيك وأخذت الإبل فمتى صببت لبناً من الشكوة فهو دم أبيك تشربه.
وقول الآخر:
عقوا بسهم فلم يشعر به أحد ... ثم استفاءوا وقالوا حبّذا الوَضَحُ
الوضَحُ اللبنَ وعقوا رموا بسهم يقال له العقيقة، وكانوا إذا كان لهم ثأر وجنحوا إلى الصلح يأخذون سهماً فيقولون: بيننا وبين إلهنا علامة، وهي أن نرمي هذا السهم، فإن رجع مضرّجاً بالدم فهو يأمرنا " بالقيام بالثأر، وإن رجع نقياً فهو يأمرنا " بأخذ الدية، ثم يرمون به إلى السماء، ولا يرجع أبداً إلاّ نقيّاً فعيرهم الشاعر بفعل ذلك.
وفي ضد ذلك قول الآخر:
يطأ الطريق بيوتَهم بعياله ... والنار تحجب والوجوه تذال
لا يشربون دماءهم بأكفهم ... إن الدماء الغاليات تكال
стр. 117
يقول: إنهم كرام مقارٍ فهم ينزلون على الطريق لأبناء السبيل، وهم عيال الطريق، وذلك في حال الشدة، حيث تحجب النار لئلا يراها الطارق، وتذال الوجوه أي امتهان، ثم أخبر أنهم لا يأخذون الدية فيشربون الألبان عِوَضَ دمائهم، فإن الدماء الغالية على أهلها تكال أي تجازى كَيْلَ الصاع بالصاع ولا تذهب هدراً بالديات.
وقول الآخر:
ألا لله ما مِرْدى حروب ... حواه بين حضنيه الظليم
وقد قامت عليه مها رُماحٍ ... حواسِرَ ما ننام ولا تنيم
الظليم القبر المحفور في غير موضع الحفر، فهو مظلوم أي فهذا الفتى قد حواه القبر وقامت عليه النساء حواسر يندبنه، وشبههن في صفائهن أو في سَعَة عيونهن بمَها رماحٍ، ورُماحٌ كغراب موضع، والعرب ما يندبون القتيل حتى يؤخذ بثأره، فالندب كناية عن ذلك.
ومثله قول قيس بن زهير:
من كان مسروراً بقتل مالك ... فليأت نسوتنا بوجه نهار
يجد النساء حواسراً يندبنه ... بالليل قبل تبلج الأسحار
أي فيعلم أنا قد ثأرنا به.
وفي الشيب والكبر " قوله ":
ولما رأيت النسر عَزّ ابنَ دَأيَةٍ ... وعشعش في وكريه جاشت له نفسي
النسر الشيب وابن دأية الغراب وهو الشاب وعَزَّه غَلَبَهُ.
وقول الآخر:
أعار أبو زيد يميني سلاحه ... وحد سلاح الدهر للصخر كالم
وكنت إذا ما الكلب أنكر أهله ... أفدى وحين الكلب جذلان نائم
أبو زيد كنية الكبر، ويحتمل الدهر، وسلاحه العصا، وإنكار الكلب أهله عند لبس السلاح فيفدى لإقدامه على الحرب وهو شاب، ووَقْتُ نَوْم الكلب وجذَلُهُ أن تموت الماشية من الهزال فيشبع منها، ولهذا قالوا في المثل السائر: نَعِمَ كلب ببؤس أهله.
وقول الآخر:
أبا مالك إن الغواني هجرنني ... أبا مالك إني أظنك دائبا
أبو مالك هو الكبر لأنه يملك صاحبه.
وقول الآخر:
بئس قريناً لامرئ سالك ... أم عبيد وأبو مالك
أم عبيد الصحراء، وأبو مالك الكبر.
وأما الألغاز ففي الدرهم قوله:
ومعشوق يرقص كلّ يومٍ ... ترى في وجهه أبداً كلاما
إذا فارقته أجداك خيراً ... ولا يجدي عليك إذا أقاما
وفي القلم قول الآخر:
عجبت لذي سنين في الماء نبته ... له أثر في كل مصر ومعمر
وقول الآخر:
وبيت بعلياء الفلاة بنيته ... بأسمر مشقوق الخياشم يرعف
يصف بيت شعر عمله في الصحراء وكتبه بالقلم.
" وقال آخر:
وما ميت ذو طعم عند رأسه ... متى ذاق من ذاك الطعام تكلما
فلا هو في الأحياء حي فيتقى ... ولا هو في الأموات ميت فيرحما
غيره:
ما رأت عيني عجيباً ... كيراعي في الدواةِ
غائصاً يستخرج الدر ... ببحر الظلمات "
وفي الهلال قول الآخر:
ومولود شهر كان فيه شبابه ... وفي شهره أودى وأدركه الكِبَرْ
غيره:
فما وليد ربا في غير مولده ... وعاد فيه قديم السن قد نحلا
وفيه وزيادة:
ألا ربَّ مولود وليس له أب ... وذي ولد لم يلْدَه أبوان
وذي شامة سوداء في حر وجهه ... مجللة لا تنقضي لأوان
ويكمل في خمس وتسع شبابه ... ويهرم في سبع معاً وثمان "
وفي مصراعي الباب قول الآخر:
عجبت لمحرومين من كل لذة ... يبيتان طول الليل يعتنقان
إذا أمسيا كانا على الناس مرصداً ... وعند طلوع الشمس يفترقان
ولقي عَبيدُ الأبرص أمرأَ القيس فقال له: ألا أساجلك؟ فقال: بلى، فقال عبيد:
ما حية ميتة أحيت بموتها ... درداء ما أنبتت ناباً وأضراسا
فقال أمرؤ القيس:
تلك الشعيرة تحنى في سنابلها ... فأضعفت بعد نبت الزرع أكداسا
فقال عَبيدٌ:
ما السود والبيض والأسماء واحدة ... ما يستطيع لهن الناس إمساسا
فقال امرؤ القيس:
تلك السحاب إذا الرحمان هيجها ... بث النطاف بماء المزن أنفاسا
فقال عَبيدٌ:
ما قاطعات بلاداً لا أنيس بها ... إذا ابتكرن سرى كنسن أكناسا
فقال امرؤ القيس:
تلك الرياح إذا هبّت عواصفها ... كفى بأذيالها للتراب كناسا
وقال عَبيدٌ:
ما ذات حكم بلا سمع ولا بصر ... ولا لسان فصيح يعجب الناسا
فقال امرؤ القيس:
стр. 118
تلك الموازين والرحمان أنزلها ... رب البرية بين الناس مقياسا
وقال عَبيدٌ:
ما مدلجات على هول ركائبها ... يقطعن بعد النوى يسراً وامراسا
فقال امرؤ القيس:
تلك النجوم إذا حانت مطالعها ... شبهتها في ظلام الليل أقباسا
وقال عَبيدٌ:
ما قاطعات بلاد الله في طلق ... إذا استبقن ولا يرجعن قرطاسا
فقال امرؤ القيس:
تلك الأماني يتركن الفتى ملكاً ... دون السماع ولم ترفع له راسا
فعجب عَبيدٌ من بداهة أمرئ القيس وقال له: ما أرى أحداً يخوض تيّارك. قالوا: فكان امرؤ القيس مدلاّ بنفسه لا يرى لشاعر فضلاً حتى لقي التوأم اليشكري، فتنازعا الشعر، فقال له امرؤ القيس: إن كنت شاعراً كما تزعم فملط أنصاف ما أقول، فقال له: قل: فقال امرؤ القيس:
أحارِ ترى بريقاً هبَّ وَهْناً
فقال التوأم:
كنار مجوس تستعر استعارا
فقال امرؤ القيس:
أرِقْتُ ونام أبو شُرَيْحٍ
فقال التوأم:
إذا ما قلت قد هدأ استطارا
فقال امرؤ القيس: كأن هزيزه بوراء غيب فقال التوأم:
عشارٌ وُلَّهٌ لاقت عشارا
فقال امرؤ القيس:
فلما أن دنا لقفا أضاخ
فقال التوأم:
وهت أعجاز ريِّقه فحارا
فقال امرؤ القيس:
فلم يترك بذات السر ظبياً
فقال التوأم:
ولم يترك بجلتها حمارا
فبهت امرؤ القيس مما راى من بداهة اليشكري، وأقسم ألا ينازع الشعر أحداً.
واجتع الطرماح بذي الرمة فقال له: هل نتساجل، فقال: قل، فقال ذو الرمة:
فماذا زينة قد زينوه ... لغير زيادة ولغير عيد
فقال الطرماح:
هو الميت المكفن في ثياب ... يلف بها إلى القبر الجديد
وقال ذو الرمة:
وبنيان شديد الأيْدِ عالٍ ... بلا مدر أقل ولا عمود
فقال الطرماح:
فتلك سماؤنا خلقت ظلالاً ... بناها الله ذو العرش المجيد
وقال ذو الرمة:
وحسناء المناظر كل يوم ... لها وجه يضرب بالحديد
فقال الطرماح:
هو الوَرِقُ التي في الكير تجلى ... تخلص بالمطارق والوقود
وهذا الباب لا ينحصر، وإنما أشرنا إلى شيء مما وقع للعرب ليعلم أنهم يتنبهون لمثل ذلك، وما وقع بعدهم في كل زمان إلى اليوم أكثر وأكثر.
لله الأمر من قبل ومن بعد
باب في
نبذة من المضحكات والملح
باب - وهذه نبذة في المضحكات وكل ما تنبسط به النفس من الملح، واعلم أن هذا النوع هو للعقل فاكهة، كما أن الحكمة السابقة هي غذاؤه وقوامه، فلا بد من كل منهما في استصلاح العقول وإزالة جساوتها وتنمية ذكائها، غير أن الملح تكون بقدر الحاجة كالملح للطعام، وإلى ذلك أشار القائل:
أفسد طبعك المكدود بالجد راحة ... تفره وعلله بشيء من المزح
ولكن إذا أعطيته المزح فليكن ... بمقدار ما يعطى الطعام من الملح
وقال ابن عباس ﵁: إذا مللتم فأحمضوا إي إذا مللتم من الجد فخذوا في شيء من الهزل، وقالوا: الانبساط بين أهل المروءة يسقط الحشمة، ويؤكد الحرمة، ويفتق البديهة، ويشحذ الطبيعة، وقال آخر: من كمال المرء مفاكهة إخوانه، إذ ممازحة الكريم تزيد في وده وتديم إخاءه، وقال الشاعر " في ذلك ":
ممازحة الكريم تزيد وداً ... إذا كانت تضاف إلى الملاحة
فمازح من تحب وتصطفيه ... فمزحك مع صديقك فيه راحة
ولا بد أن يكون ذلك على قدر، ومع أهله، وإلاّ كان سخفاً ومجلبة لكل سوء، ولذلك قال عمر ﵁: من كثر ضحكه استخف " به " وذهب بهاؤه، وقال سعيد بن العاصي: لا تمازح الشريف " فيحقد " ولا الدنيء فيجترئ، وقال جعفر بن محمد: إياكم والمزاح فإنه يذهب بنور الوجه، وقال الشاعر:
الكبر ذل والتواضع رفعة ... والمزح والضحك الكثير سقوط
والحرص فقر والقناعة عزة ... واليأس من صنع الإله قنوط
غيره:
وإياك إياك المزاح فإنه ... يجري عليك الطفل والرجل النذلا
ويذهب ماء الوجه بعد بهائه ... ويورثه من بعد عزته ذلا
فهذا كله من الإفراط ومع ممازحة الأنذال أو مفاتحة النذل من فوقه من الأشراف بالمزاح، فإنه إنما يحسن بين الأكفاء والله الموفق.
стр. 119
قال عبد الرحمان بن " أبي " الزناد لأشعب الطامع: أنت شيخ مسن، فهل تروي شيئاً من الحديث قال: نعم، حدثني عكرمة عن ابن عباس أنه ﵊ قال: خصلتان من حافظ عليهما دخل الجنة قال: قلت: فما هما؟ قال: نسي عكرمة إحداهما ونسيت أنا الأخرى.
وكان أشعب هذا يغشى سالم بن عبد الله بن عمر ﵃، فخرج سالم يوماً إلى حائط له بأهله ومعهم طعام، فتبعهم أشعب ودق الباب فلم يفتح له فتسور الحائط فأشرف على سالم فقال له سالم: أما تستحيي؟ تطلع على بناتي؟ فقال أشعب:) لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا في بَنَاتِكَ منْ حَقٍّ وَإنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (فقال له: اخرج وبعث إليه بطعام فأكله وانصرف.
وتداعى قوم من بني راسب وقوم من الطفاوة إلى زياد زياد في غلام وأقام كلّ بينةً، فأشكل الأمر على زياد، فقام سعد الرابية اليربوعي فقال: أيها الأمير، قد تبين لي في هذا الكلام وجه الحكم فوَلِّنِيِه، فقال: ما هو؟ فقال: يطرح في النهر، فإن طفا فوق الماء فهو للطفاوة، وإن رسب في الماء فهو لبني راسب، فنهض زيد وذهب وقد علاه الضحك، ثم أرسل إلى سعد فقال: ألم أنهك أن تمازح في مجلسي قال: أصلحك الله حضرني أمر خفت " أن أنساه ".
ودخل رجل على الشعبي وامرأته معه فقال: أيكما الشعبي؟ فقال الشعبي: هذه، وأشار إلى المرأة، فقال: ما تقول في رجل شتمني في أول " يوم من " رمضان أيؤجر على ذلك أم لا؟ فقال الشعبي: أما إن قال لك: يا أحمق فأرجو أن يكون له في ذلك الأجر العظيم.
وأهدى رجل إلى الحجاج تيناً في غير إبانه فجلس على الباب ينتظر الجائزة، فإذا بقوم جلبوا ليقتلوا، فلما بلغوا الباب هرب واحد منهم، فخاف الموكل بهم على نفسه، فأخذ صاحب التين فيهم، فلما قدموا للقتل قال: أيها الأمير، هؤلاء يذنبون وأنا لا ذنب لي، فقال له الحجاج: ألست منهم؟ فقال: لا، أنا " الذي " جئت بالتين، فبحث الحجاج على ذلك فوجده صادقاً فقال له: أخفناك مع إحسانك إلينا، تمن عليّ، فقال له الرجل: تعطيني ربع دينار، فقال: ما تصنع به؟ قال: أشتري به فأساً فأقطع هذه الشجرة التي كانت سبب معرفتي بك، فضحك الحجاج وأمر له بصلة سنية.
ومات للحجاج بعض من يعز عليه فقال لمن بحضرته: ليت إنساناً يعزيني بما يسليني، فقال رجل من أهل الشام كان أرسله عبد الملك إليه: أنا أسليك قال: قل، فقال: كل خليل سوف يفارق خليله بموت أو يقتل أو يصلب أو يقع من أعلى البيت أو يقع في بئر أو يكون شيء آخر لا نعرفه، فقال الحجاج: قد سليتني والله عن مصيبتي بأعظم منها في توجيه أمير المؤمنين رسولاً مثلك.
ودخل إسماعيل بن يسار يوماً على الغمر بن يزيد بن عبد الملك بعد أن حجبه ساعة ثم أذن له، فجعل إسماعيل يبكي، فقال له الغمر: ما يبكيك؟ فقال: وكيف لا أبكي وأنا على مروانيتي ومروانية أبوي أحجب عنك؟ وجعل الغمر يعتذر له وهو يبكي فما سكت حتى وصله بمال، فلما انصرف تبعه رجل فقال له: أي مروانية كانت لك ولأبويك؟ فقال: بغضنا إياهم، امرأته طالق إن لم تكن أمه تلعن مروان وآله كل يوم مكانَ التسبيح، وإن لم يكن أبوه حضره الموت فقيل له: قل: لا إله إلاّ الله فقال: لعن الله مروان تقرباً بذلك إلى الله تعالى وإقامة له مقام التوحيد.
ودخل أبو دلامة على المهدي فقال له:
إني رأيتك في المنا ... م وأنت تعطيني خياره
مملوءة بدراهم ... وعليك تفسير العبارة
فقال له: هات خيارة تملأ لك، فخرج وأتى بقرعة فقال له: أنت رأيت الخيارة وهذه قرعة فقال: أُم الدلامي طالق إن كنت رأيت إلاّ قرعة، ولكني نسيت فما ذكرتها حتى رأيتها في السوق، فضحك المهدي وأمر له بخمسة آلاف درهم.
وجلس بشار يوماً مع الناس على باب المهدي ينتظرون الإذن، فقال بعض موالي المهدي لمن حضر: ما عندكم في قوله تعالى:) وَأوْحَى رَبُّكَ إلى النَحْلِ (ما المراد بالنحل؟ فقال بشار: النحل التي يعرفها الناس، فقال: هيهات يا أبا معاذ! النحل هنا بنو هاشم، وقوله:) يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ ألْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ للنّاسِ (هي أنواع العلوم. فقال له بشار: جعل الله طعامك وشرابك وشفاءك ما يخرج من بطون بني هاشم، فغضب وشتم بشاراً. وبلغ الخبر المهدي فدعاهما فسألهما عن القصة، فأخبره بشار بها فضحك حتى أمسك على بطنه.
стр. 120
وسأل أبو العيناء بعض الوزراء أن يكتب له كتاباً إلى عامل له في رجل يطلب تسريحه فكتب إليه، فلما خرج قال: أخشى أن يكون كصحيفة المتلمس، ففتحه فإذا فيه: أما بعد فقد سألنا من لا نوجب حقه في رجل لا نعرفه، فإن فعلت خيراً لم نشكرك، وإن فعلت شراً لم نلمك، فرجع به إلى الوزير وقال له: ما هذا الذي كتبت أيها الوزير؟ فقال: تلك علامة بيني وبين العامل إذا أراد قضاء حاجة إنسان، فإن السؤال كثير، فقال أبو العيناء: لعن الله الوزير، وقطع يديه ورجليه، وأعمى عينيه، وأصم أذنيه، فقال الوزير: ما هذا الدعاء؟ فقال: هذه علامة بيني وبين ربّي إذا أردت أن يستجيب لي في قضاء حاجة إنسان.
وأتى رجل إلى النخاس فقال له: اطلب لي حماراً ليس بالصغير المحتقر، ولا الكبير المسرف، إن خلا لَهُ الطريقُ تدفق، وإن كثر الزحام ترفق، وإن قللت علفه صبر، وإن أكثرته شكر، وإن ركبته هام، وإن ركبه غيري نام، لا يصادم السواري، ولا يدخل تحت البواري فقال له النخاس: يا عبد الله، اصبر، فإن مسخ الله القاضي حماراً أصبت لك حاجتك إن شاء الله.
ومثل هذا ما روي أن رجلاً أراد شراء فرس فقال له النخاس: صف لي بغيتك منه، فقال: أريده حسن القميص، جيد الفصوص وثيق القصب نقي العصب، يشير بأذنيه، ويشرف برأسه ويخطر بيديه، ويدحو برجليه، كأنه مرج في لجة، أو سَيْلٌ في حَدُورٍ أو منحط من جبل، فقال له النخاس: نعم كذلك كان صلوات الله عليه وسلامه فقال: إنما وصفت لك فرساً، " فقال ": والله ما كنت أحسب إلاّ أنك تذكر صفة نبي من الأنبياء.
وأُخِذ بعض الشطار فحُمل إلى الكاتب ليسجّل نعته، فأغلق عينه اليمنى فكتب الكاتب: أعور العين اليمنى، فلما علم الشاطر أنه قد كتب ذلك فتح اليمنى وأغلق اليسرى، فلما نظر إليه الكاتب توهم أنه غلط فمحا اليمنى وكتب اليسرى، فأغلق الشاطر اليمنى وفتح اليسرى، فنظر الكاتب إليه " فقال: لعن الله الشيطان، أفسدت ما كان صحيحاً، فكتب اليمنى فأغلق الشاطر اليسرى، فتحير الكاتب " ولم يدر ما يفعل فكتب: أعور من أي عينيه شاء.
وأُخذ قوم محاربون فقدموا لتضرب أعناقهم فقال واحد منهم: والله ما كنت إلاّ أغني لهم، فقيل له: فغَنِّ إذن فلم يجرِ على لسانه غير قول القائل:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن مقتد
فقيل له: صدقت وضربت عنقه.
وذكرت الشيعة عند بعض شيوخ الإباضية قالوا: مخالفونا من أهل القبلة كفار، ومرتكب الكبيرة موحد غير مؤمن بناء على أن الأعمال داخلة في الإيمان، وكفروا علياً ﵁ وأكثر الصحابة ".
في ح: " أول كلمة " بالتنكير فأنكرهم وسبهم جداً فقيل له في ذلك فقال: إن الشين أول الكلمة إنما توجد في مسخوط مثل شؤم وشر وشيطان وشح وشغب وشرك وشتم وشَيْن وشوك وشوصة وشكوى وشنآن قلت: وليس كما قال، بل هذا كثير، وضده وهو المحبوب أيضاً كثير، مثل شهد وشبع وشرب وشكر وشرف وشاب وشرع وشكد وشحم وشورى وشفاعة وشفقة وشغفر وشفاء، وفي أسمائه تعالى: الشكور الشهيد.
وخطب عتاب بن ورقاء الرياحي يوماً فقال وهو على المنبر: أقول لكم كما قال الله في كتابه:
ليس شيء على المنون بباق ... غير وجه المسبّح الخلاّق
فقيل له: أيها الأمير هذا قول عدي بن زيد فقال: ليقله من شاء فنعم القول هو.
وأتي يوماً بامرأة من الخوارج فقال لها: يا عدوة الله ما حملك على الخروج أما سمعت الله يقول:
كتب القتل والقتال علينا ... وعلى الغانيات جر الذيول
فقالت: جهلك بكتاب الله يا عدو الله حملني على الخروج عليك وعلى أئمتك.
ومثل هذا ما خطب علي بن زياد الأيادي فقال: أقول لكم مثل قول الرجل الصالح:) مَا أُرِيكُمْ إلاّ مَا أرَى وَمَا أُهْدِيكُمْ إلاّ سَبيلَ الرَّشَادِ (فقيل له: إنما قاله فرعون، فقال: يقوله من فاله فقد أحسن فيه.
وكان رجل يكثر مجالسة أبي يوسف ويطيل الصمت، فقال له يوماً ألا تسأل؟ قال: بلى، متى يفطر الصائم؟ قال: إذا غربت الشمس، قال فإن لم تغرب إلى نصف الليل؟ فضحك أبو يوسف وتمثل بقول الشاعر:
عجبت إزراء الغبيّ بنفسه ... وصمت الذي قد كان بالعلم أعلما
وفي الصمت ستر للغبي وإنما ... صحيفة لب المرء أن يتكلما
стр. 121
ومثل هذا ما روي أن شاباً كان يكثر مجالسة الأحنف ولا يتكلم، فأعجب الأحنف ذلك منه، ثم خلت الحلقة يوماً فقال له الأحنف: يا ابن أخي مالك لا تتكلم؟ فقال: يا عم أرأيت لو أن رجلاً سقط من شرفة هذا المسجد أيضره شيء؟ فقال الأحنف: ليتنا تركناك يا ابن أخي مستوراً ثم أنشد متمثلاً:
وكائن ترى من صامت لك معجب ... زيادته أو نقصه في التكلم
لسان الفتى نصفٌ ونصفٌ فؤاده ... ولم يبق إلاّ صورة اللحم والدم
وروي عن الجاحظ قال: عبرت على معلم كتّاب فدخلت إليه فرحب بي وأجلسني معه فذاكرته في القرآن فإذا هو ماهرٌ فيه، وكذا في العربية واللغة والشعر كما هو عارف، فقَوي عزمي على تمزيق " دفتر المعلمين " وجعلت أختلف إليه فأتيت يوماً فوجدت الكتاب مغلقاً، فسألت عنه فقيل: مات له ميت، فذهبه لأعزيه، فدققت الباب وخرجت جارية فقال: ما تريد؟ فقلت: أريد مولاك، فقالت: هو جالس وحده في العزاء ما يأذن لأحد فقلت: قولي له: صديقك فلان فدخلت فقالت: ادخل فدخلت فقلت له: أعظم الله أجرك) لَقَدْ كَانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللهِ أسْوَةٌ حَسَنَةٌ (وهذا سبيل لا بد منه، فعليك بالصبر، ثم قلت: هذا الميت ولدك؟ فقال: لا، قلت: والدك؟ قال: لا، قلت أخوك؟ قال: لا، قلت: فمن؟ قال: حبيبتي، فقلت في نفسي: هذا أوان المناحس، ثم قلت: سبحان الله! النساء كثير، وتجد أحسن منها، فقال: وكأني رأيتها فقلت في نفسي: وهذه منحسة ثانية، ثم قلت: وكيف عشقت من لم تره؟ فقال: كنت في الطارمة فسمعت مغنياً يقول:
يا أم عمرو جزاك الله مغفرة ... ردي عليّ فؤادي أينما كانا
" لا تأخذين فؤادي تلعبين به ... فكيف يلعب بالإنسان إنسانا ".
فقلت في نفسي: أولاً أن أم عمرو ما في الدنيا مثلها ما قيل فيها هذا الشعر، فعلقها قلبي، ثم بعد أيام مرّ بي ذلك الرجل " أو غيره " وهو يقول:
إذا ذهب الحمار بأم عمرو ... فلا رجعت ولا رجع الحمار
فعلمت أنها ماتت فحزنت عليها، وجلست للعزاء منذ ثلاثة أيام، قال الجاحظ: فعاد عزمي إلى إبقاء " الدفتر " بأم عمرو.
وعن بعضهم قال: لقيت شيخاً من الأعراب فرجوت أن يكون يقول الشعر أو يرويه فسألته فقال: أما الرواية فلم أسمع من أروي عنه، وأمّا القول فلم أقل قط إلاّ بيتاً واحداً، فقلت: وهذا خير، أروي عنك هذا البيت فتحصل به رواية شعرك فما هو؟ فقال:
سقياً ورعياً وزيتوناً ومغفرة ... قتلتم الشيخ عثمان بن عفان
قال الراوي: فجعلت أتأمله، فقال الشيخ: لعلك تتأمل في فهم معناه " قلت: نعم، قال: أنا قلته منذ سبعين سنة وأنا أفكر في معناه " فما فهمته، فكيف تطمع به أنت في ساعة واحدة.
" وقال أحمد بن عمار: عملت شعراً لا معنى له ولا قافية، وقلت لسعيد بن حميد: رَوِّهِ فلاناً صديقاً لنا من الطالبيين، وكان جلداً شهماً، معه تغفيل، وقل له: ينشده شجاع بن القاسم كاتب المستعين كأنه يمدحه به، وضل له على ذلك صلة وهو:
شجاع لجاع كاتب لاتب معاً ... كجلمود صخر حطه السيل من عل
خبيص لبيص مستمر مقدم ... كثير أثير ذو شمال مهذب
فطين أطين آمر لك زاجراً ... حصيف لصيف حين يجبر يعلم
بليغ لبيغ كلما شئت قلته ... لديه وإن تسكن من القول يسكن
أديب أبيب فيه عقل وحكمة ... عليم بشعري حين أنشد يشهد
كريم أريم قالص متباسل ... إذا جئته قدماً إلى البذل يسمح
فحفظه الطالبي ولقي شجاعاً ونحن نسايره فقال: أعزك الله، ليس الشعر من صناعتي، ولكنك أحسنت إليّ وإلى أهلي، فتكلفت أبياتاً مدحتك بها، فإن رأيت أن تسمعها مني، قال: قد أغناك الله من ذلك بشرفك ومودتك، فقال: بلى تتفضل بسماعها، وأنشده الأبيات، فلما فرغ شكره على ذلك، ودخل إلى المستعين فأخرج له عشرة آلاف درهم، وأجرى له ألف درهم في كل شهر، فجائنا الطالبي شاكراً: أنتما أوصلتما هذا.
وتزوج رجل امرأة حمقاء فغاب عنها مدة فلما قدم وضمها الفراش سألها عما حدث في غيبته فأنشأت تقول:
ما مسّني بعدك من إنسِّي ... غير غلام واحد قيسيِّ
ورجل آخر من بَلِيّ ... وثالث جا من بني عَدِيّ
ورابع أيضاً أتى من طَيّ ... وخمسة جاءوا مع العشيّ
وسبعة كانوا على الطويّ ... غر كرام من بني عليّ
стр. 122
وآخرين معملي المطيّ ... من بين كوفي ومن بصريّ
ومن تهاميّ ومن نجديّ ... ما فيهم من ليس بالمرضيّ
فقام بضربها فصاحت فأجتمع الناس فقال لهم: لولا أني قمت أضربها لعدّتْ عليّ أهلَ عرفات ومنى.
وكان بشار إذا أعوزنه القافية أو المعنى يدخل في شعره أشياء لا حقيقة لها تكميلاً لشعره، فمن ذلك أنه أنشد شعراً فقال فيه:
غنّي للغريض يا ابن قنان
فقيل له: من ابن قنان هذا؟ فإنا لا نعرفه في المغنين، فقال: وما عليكم منه؟ ألكم قِبّلهَ دَينٌ تطالبونه به؟ أو ثأر تريدون أن تدركوه منه؟ أو كفلت لكم به فإذا غاب طلبتموني؟ فقالوا: ليس بيننا وبينه شيء من هذا، ولكنا أردنا أن نعرفه، فقال: هذا رجل يغني لي ولا يخرج من بيتي، فقالوا له: إلى متى؟ فقال من يوم ولد إلى يوم يموت، فتفرقوا عنه متضاحكين.
وقال بعضهم: شربنا يوماً عند عبد الصمد بن علي عم المنصور، وكان يغنينا الدارمي المكي، وكان حلو ظريفاً، فنعس عبد الصمد وعطس الدارمي عطسة هائلة فوثب عبد الصمد مرعوباً وغضب غضباً شديداً وقال: يا ابن الفاعلة، إنما أردت أن تفزعني، قال: لا والله ولكن هذا عطاسي، فقال: والله لأقبنك أو تأتيني ببيِّنة على ذلك، ووكل به غلمانه، فخرج ولا يدري أين يذهب، فلقيه رجل يعرفه من أهل مكة، فسأله عن أمره فأخبره فقال له: أنا أشهد لك، ومضى معه حتى دخل على عبد الصمد فقال له: بم تشهد لهذا؟ فقال: رأيته عطس عطسة سقط منها ضرسه، وتطاير نصف لحيته، فضحك عبد الصمد وقال: خلوا سبيله.
وقال الماوردي: كنت بمجلس درسي بالبصرة فدخل عليّ شيخ مسنّ قد ناهز الثمانين أو جاوزها وقال لي: قصدتك بمسألة اخترتك لها فقلت: وما هي؟ وظننت أنه يسأل عن حادثة نزلت به، فقال: أخبرني عن طالع إبليس وطالع آدم من النجوم ما هو، فان هذين لعظيم شأنهما لا يسأل عنها إلا علماء الدين، فعجبت وعجب من في مجلسي من سؤاله وبادر إليه واحد منهم بالإنكار والاستخفاف، فكففتهم، وقلت: هذا لا يقتنع مع ما ظهر من حاله إلا بجواب مثله، فأقبلت عليه وقلت: يا هذا إن النجمين يزعمون أن نجوم الناس لا تعرف إلاّ بمعرفة مواليدهم، فإن ظفرنا بمن يعرف وقت ميلادهما أخبرناك بالطالع، فقال جزاك الله خيراً، وانصرف مسروراً، فلما كان بعد أيام عاد إلي وقال: ما وجدت إلى وقتي هذا من يعرف مولدهما.
وكان المأمون يوماً جالساً مع ندمائه مشرفاً على دجلة يتذاكرون أخبار الناس، فقال المأمون: ما طالت لحية إنسان إلاّ نقص من عقله بقدر ذلك، فلم يسلم له أصحابه ذلك، فبينما هم في ذلك رأوا رجلاً كبير اللحية حسن الهيئة والثياب، فقال المأمون: عليّ به، فلما وقف بين يديه سلم، فأجلسه المأمون، وقال له: ما أسمك؟ قال: أبو حمدونة، فقال: وما كنيتك؟ قال: علوبة، فضحك المأمون وأقبل على جلسائه فغمزهم عليه، ثم قال: ما صنعتك قال: فقيه أجيد الشرح للمسائل، فقال: نسأل عن مسألة، فقال: سل عما بدا لك، قال: فما تقول فيمن أشترى شاة فلما قبضها خرجت من أستها بعرة فقأت عين رجل، على من تجب دية العين؟ على البائع أم على المشتري؟ فنكت بإصبعه الأرض طويلاً ثم قال: دية العين على البائع قال: ولمَ؟ قال: لأنه باع ولم يشترط أن في أستها منجنيقاً، فضحك المأمون ومن معه، ثم أنشأ يقول:
ما أحد طلت له لحية ... فزادت اللحية في هيئته
إلاّ وما نقص من عقله ... أكثر مما زاد في لحيته
ويؤيد هذا ما روي أن معاوية كان مع أصحابه فمرّ بهم رجل طويل اللحية فقال معاوية: أيكم يحفظ حديث رسول الله ﷺ في طول اللحية، فقال عمرو بن العاصي: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " اعتبروا عقل الرجل في ثلاث: طول لحيته، وكنيته، ونقش خاتمه "، فلما جاءهم الرجل قال معاوية: ما نقش خاتمك:) وَتَفَقّدَ الطّيْرَ فَقَالَ مَالي لا أرَى الهُدْهُدَ (. قال: وما كنيتك؟ قال: أبو الكوكب الدري، فقال معاوية: كمل الرجل، ولهذا قال ﵇: " من سعادة المرء خفة لحيته ".
وروي أن أعرابيين اختصما إلى شيخ حيهما، فقال أحدهما للآخر: إنك والله ما تحفظ آية من كتاب الله، فقال الآخر: والله إني لقارئ، فقال له الشيخ: اقرأ علي، فقال كأنه يقرأ:
علق القلب ربابا ... بعدما شابت وشابا
стр. 123
إن دين الحبّ فرض ... لا ترى فيه ارتيابا
فقال الشيخ لخصمه: والله لقد قرأها كما أنزلت، فقال خصمه: والله يا سيدي ما تعلمها إلاّ البارحة.
ويشبه هذا ما ذكر أن رجلاً سمع رجلاً ينشد:
فلا تقبل لغانية يمينا ... ولو حلفت برب العالمينا
فقال: أشكل علي موضعها في) إنّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (.
وذكر أن أعرابياً تقدم إلى القاضي سوار في أمر فلم يجد عنده ما يحب، فاجتهد فلم يظفر بحاجته، قال: فقال الأعرابي وفي يده عصا:
رأيت رؤيا ثمَّ عبرتها ... وكنت للأحلام عبارا
بأنني أخبط في ليلتي ... كلباً فكان الكلب سوارا
ثم انحنى على سوار بالعصا حتى منع منه قال: فما عاقبة سوار.
ويروى أن ضيفاً نزل بالحطيئة وهو يرعى غنماً له وفي يده عصا فقال له الضيف: يا راعي الغنم، فأومأ الحطيئة بعصاه وقال: عجراء من سلم، فقال الرجل: إني ضيف فقال: للضيفان أعددتها.
وروي أن ناسكاً من بني الهجيم بن عمرو بن تميم كان يقول في قصصه: اللهم اغفر للعرب خاصة، وللموالي عامة، فأما العجم فهم عبيدك، والأمر إليك.
ونظر يزيد بن مَزْيد الشيباني إلى رجل ذي لحية عظيمة وقد تلففت على صدره، وإذا هو خاضب فقال: إنك من لحيتك في مئونة فقال: أجل، ولذلك أقول:
لها درهم للدهن في كلّ جمعة ... وآخر للحناء يبتدران
ولولا نوال من يريد بن مزيد ... لصوَّت في حافاتها الجَلّمان
ونظر أعرابي إلى رجل جيد الكِدْنة أي الشحم يعني سميناً فقال: يا هذا، إني لأرى عليك قطيفة محكمة من نسج أضراسك.
ويروى أن جارية لهمام بن مرة بن ذهل بن شيبان قالت له يوماً:
أهمام بن مرة حنّ قلبي ... إلى اللائي يكن مع الرجال
فقال: يا فَساقِ، أردت صفيحة ماضية فقالت:
أهمام بن مرّة حنّ قلبي ... إلى صلعاء مشرفة القذال
فقال: يا فَجارِ، أردت بيضة حضينة فقالت:
أهمّام بن مرّة حنّ قلبي ... إلى أير أسد به مبالي
وكان بشار يقول: لم تقل امرأة شعر قط إلاّ تبين فيه الضعف، فقيل له: أو كذلك الخنساء؟ قال: تلك كان لها أربع خُصىً.
وقال المبرد: حدّثني شيخ من الأزد عن رجل منهم أنه كان يطوف بالبيت وهو يدعو لأبيه فقيل له: ألا تدعو لأمك فقال: إنها تميمية. وسُمع رجل يطوف بالبيت وهو يدعو لأمه ولا يذكر أباه، فعوتب فقال: هذه ضعيفة وأبي يحتال لنفسه.
وقال بعض المحدثين:
ولا أكتم الأسرار لكن أنمها ... ولا أترك الأسرار تغلي على قلبي
وإن أحق الناس بالسخف لامرؤ ... تقلبه الأسرار جنباً إلى جنب
وقال الآخر:
وأمنع جارتي من كلّ خير ... وأمشي بالنميمة بين صحبي "
ورأى طفيلي رجلاً اشترى سمكاً كثيراً مطبوخاً، وحمله على رأس أمه له إلى داره، فتبعه، فلما رأى الرجل الطفيلي بادر فأدخل الأمة ودخل وأغلق الباب، فتسور الطفيلي فأشرف عليهم، فقال له الرجل: أما تتقي الله تطلع على محارم الناس؟ فقال:) لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا في بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإنّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (فضحك الرجل وقال له: انزل إلى الباب يفتح لك، فنزل، فعمد الرجل إلى كبار السمك فجعلها في زاوية البيت وترك الصغار، فلما دخل الطفيلي ورآها علم القصة، فأجال بصره في البيت فرأى الإناء في زاوية البيت مغطى، فعلم أن حاجته فيه، فجعل يأخذ من تلك الصغار السمكة فيقطع رأسها " بعنف " ويقربه من أذنه ويصغي إليه ثم يطرحه، فقال له الرجل: ما هذا الذي تصنع؟ فقال له: اعلم أن أبي كان يسافر في البحر، فغرق وأكلته الحيتان، فقلت: اليوم أدرك ثأري، فإذا بهذه الحيتان تقول لي: إنا عند غرق أبيك لم نكن خلقنا بعد، وإن التي أكلت لحم أبيك في الإناء الذي في زاوية البيت، فضحك الرجل واستظرفه، وآتاه بالإناء الذي فيه الكبار، فأكل حتى قضى حاجته.
" وأتى طفيلي وليمة فاقتحم وأخذ مجلسه مع الناس، فأنكر عليه صاحب الدار وقال: لو صبرت حتى يؤذن لك لكان أحسن لأدبك فقال: إنما اتخذت البيوت ليدخل فيها، والموائد ليؤكل عليها، والشحنة قطيعة، وإطراحها صلة، وجاء في الآثار: صل من قطعك، وأحسن إلى من أساء إليك، ثم اجمع فيها خلالاً، أحصل مجالساً، وآكل موانساً، وأبسط رب الدار وإن كان عابساً، وأنشد:
стр. 124
كل يوم أدور في عرصة الدا ... ر أشم القتار شم الذباب
فإذا ما رأيت آثار عرس ... أو دخاناً أو دعوة الأصحاب
لم أعرج دون التقحم لا أن هب شتماً ولكزة البواب
مستهيناً بمن دخلت عليه ... غير مستأذن ولا هيّاب
فتراني ألف بالرغم منهم ... كلّ ما قدّموهُ لف العقاب
ذاك أهنا من التكلف والغر ... م وشتم البقال والقصاب
وعن آدم الطويل قال: دخل حانوتي غريب يأكل شيئاً من طعام أتى به، فرآه طفيلي فجاء ليدخل فرددته وقلت له: ما أكثر ما تتردد إلينا، فقال الغريب الذي في الحانوت: لعله كما قال الشاعر:
لو طبخت قدر بمطمورة ... أو في ذرى قصر بأعلى الثغور
وكنت بالصين لوافيتها ... يا عالم الغيب بما في الصدور "
لله الأمر من قبل ومن بعد
طفيل بن دلال الهلالي رأس الطفيليين
واعلم أن الطفيلي، وهو من يغشى الناس ابتغاء الأكل من غير استدعاء ولا سؤال، منسوب إلى طفيل بن دلال الهلالي، وكان بالكوفة، فكان إذا سمع بطعام أتاه من غير أن يدعى إليه، فما فاته عرس قط، فقيل له: طفيل الأعراس، فكان كل من فعل فعله ينسب إليه فيقال: طفيلي.
ويقال: إنه لما حضرته الوفاة دعا ابنه عبد الحميد ليعهد إليه بهذه الحرفة فقال له: يا بني إذا دخلت عرساً فلا تلتفت التفات المريب، وتخير المجلس، فإن كان العرس كثير الزحام فمُرْ وانْه، وامض لشأنك، ولا تنظر في وجوه الناس ليظن أهل الرجل أنك من أهل المرأة ويظن أهل المرأة أنك من أهل الرجل، فإن كان البواب فظاً وقاحاً فابدأ به ومره وانهه من غير عنف ثم أنشد يقول:
لا تجزعن من القري ... ب ولا من الرجل البعيد
وادخل كأنّك طابخ ... بيديك مغرفة الثريد
متدلياً فوق الطعا ... م تدلّي البازي الصيود
لتلف ما فوق الموا ... ئد كلها لفّ الفهود
واطرح حياءك إنما ... وجه المطفل من حديد
وعليك بالفالوذجا ... ت فإنها بيت القصيد
حتى إذا أحرزتها ... ودعونهم هل من مزيد؟
والعرس لا يخلو من ال ... لوزينج الرطب العتيد
فإذا أتيت به حوي ... ت محاسن الجامّ الجديد
ثم أغمي عليه عند ذكر اللوزينج فأفاق بعد ساعة فقال:
وتنقلَنَّ على الموا ... ئد مثل شيطان مَرِيد
فإذا انتقلت عبثت بال ... كعك المجفف والقديد
واعلم بأنك إن قبل ... ت نعمت يا عبد الحميد
وقال بنان الطفيل: دخلت البصرة فإذا فيها عريف للطفيليين يكسوهم ويرشدهم إلى الأعمال، ويقاسمهم، فجئته فكساني وصرفني معهم فأزللت شيئاً كثيراً، والزلة عندهم ما يفضل في الولائم، فأخذ النصف وأعطاني النصف، ثم حضرت عرساً جليلاً فأخذت زلة فلقيني رجل فاشتراها مني بدينار وكتمته، فلما جئت دعا العريف جماعة منهم فقال لهم: إن هذا البغدادي قد خان، وظن أني لا أعلم ما فعل، فاصفعوه وعرفوه قال: فصفعني الأول منهم وشم يدي فقال: أكل مضيرة، وصفعني الثاني وشم يدي فقال: أكل بقيلة، وهكذا حتى ذكروا كل ما أكلت ثم صفعني آخر فقال: هاهو ذا، فدفعته إليهم، وجردني من الثياب التي أعطاني وقال: اخرج، يا خائن، في غير حفظ الله، فخرجت متوجهاً إلى بغداد، وأقسمت أن لا أقيم ببلد طفَيْليَّتُهُ يعلمون الغيب.
وبنان هذا هو الذي قيل له: ما تحفظ من القرآن فقال: كنت حفظته ثم نسيته إلاّ آية واحدة، قيل: وما هي؟ قال:) وَإذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ (إلى قوله:) آتِنَا غَدَاءَنَا (فقيل له: وهل تحفظ من الشعر شيئاً؟ فقال: بيتاً واحداً وهو:
تزوركم لا نكافيكم بجفوتكم ... إن الكريم إذا لم يستزر زارا
وقال الشاعر:
الماء في دار عثمان له ثمن ... والخبز أيضاً له شأن من الشان
عثمان يعلم أن الحمد ذو ثمن ... لكنه يشتهي حمداً بمَجّان
والناس أكيس من أن يمدحوا رجلاً ... ما لم يروا عنده آثار إحسان
وقال آخر:
على الماء في داره زحمة ... وفيها على الخبز سفك الدما
أضاف أناساً إلى داره ... فنزههم في نجوم السّما
وبالجوع قطع أمعاءهم ... ) وإن يستغيثوا يغاثوا بما (
وقال غيره:
يا داخلاً في داره خارجاً ... من غير ما معنى ولا فائده
стр. 125
قد جن أضيافك من جوعهم ... فاقرأ عليهم سورة المائده "
ومن الملح القديمة ما يحكى عن نبي الله سليمان ﵇ أنه وعدته الهدهد وهو في ساحل البحر أن تضيفه هو وجنوده أجمعين، فلما كان الوقت جاءت بجرادة فرمت بها في البحر ثم قالت لهم: دونكم، فمن فاته اللحم فليشرب المرق، فضحكوا من ذلك حولاً كاملاً.
لله الأمر من قبل ومن بعد
باب في
ذكر شيء من أخبار الثقلاء
اعلم أن الثقلاء أشد الخلق ضرراً على العقلاء، وأثقل من رواسي الجبال على قلوب النبلاء، قيل لجالينوس: لم صار الرجل الثقيل أثقل من الحِمْل الثقيل؟ فقال: لأن ثقله على القلب دون الجوارح، والحِمْل الثقيل يستعين القلب عليه بالجوارح، وكان أبو هريرة ﵁ إذا استثقل رجلاً يقول: اللهم اغفر لنا وأرحنا منه، وقال الأعمش: من فاتته ركعتا الفجر فليلعن الثقلاء، ونقش على خاتمه: يا مقيت أبرمت فقم، فإذا استثقل جليساً ناوله إياه، وربما أنشد:
وما الفيل تحمله ميتاً ... بأثقل من بعض جلاسنا
وقال له رجل: مم عمشت عيناك؟ فقال: من النظر إلى الثقلاء أمثالك، وقال جالينوس: لكل شيء حمى وحمى الروح النظر إلى الثقيل. وكان حماد بن زيد إذا استثقل جليساً قال:) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنّا العَذَابَ إنّا مُؤْمِنُونَ (وكان يجلس إلى معمر بن المثنى رجل ثقيل اسمه زنباع، فسأل رجل يوماً معمراً عن معنى الزنبعة في كلام العرب فقال: التثاقل، ولذلك سمي جليسنا هذا به.
وقال أبو العتاهية لابن له ثقيل: يا بني أنت والله ثقيل الظل، مظلم الهوا، خامد النسيم، بارد حامض منتن.
وقال زياد بن عبد الله: قيل للشافعي: هل يمرض الروح قال: نعم من ظل الثقلاء قال: فمررت به يوماً وهو بين ثقيلين فقلت: كيف الروح؟ فقال في النزع. وقال سهل بن هارون: من ثقل عليك بنفسه، وأغم عليك بحديثه، فأعره عيناً عمياء، وأذناً صماء. وكان بعض الظرفاء إذ رأى ثقيلاً يقول: قد جاءكم الجبل، فإذا جلس قال: قد وقع عليكم، وقيل لظريف له ثلاثة بنين ثقلاء: أي بنيك أثقل؟ قال: ليس بعد الكبير أثقل من الصغير إلاّ الأوسط.
وكان يلم ببشار ثقيل اسمه أبو سفيان، فسئل عنه فقال: لا أدري كيف لم تحمل الأمانة أرض حملته، ولا كيف احتاجت إلى الجبال بعدما أقلته، كأن قربه أيام المصائب، وليالي النوائب، وكأن عشرته فقد الحبائب، وسوء العواقب، ثم أنشد:
ربما يثقل الجليس وإن كا ... ن خفيفاً في كفة الميزان
ولقد قلت حين وتّد في البيْتِ ... ثقيل أربى على ثهلان
كيف لا تحمل الأمانة أرض؟ ... حملت فوقها أبا سفيان
وكان له صديق يستثقل، اسمه هلال، فقال لبشار يوماً يمازحه: يا أبا معاذ، إن الله لم يذهب بصر أحد إلاّ عوضه منه شيئاً، فما عوضك؟ قال: الطويل العريض، قال: وما هو؟ قال: أن لا أراك ولا أرى أمثالك من الثقلاء ثم قال: يا هلال، تطيعني في نصيحة أخصك بها؟ قال: نعم، قال: إنك كنت تسرق الحمير زماناً، ثم تبت وصرت رافضياً، فعد، والله، إلى سرقة الحمير، فهي والله، خير لك من الرفض، وفي هلال هذا يقول بشار:
وكيف يخف لي بصري وسمعي ... وحولي عسكران من الثقال
قعوداً عند دسكرتي وداري ... كأن لهم عليَّ فضول مال
إذا ما شئت جالسني هلال ... وأي الناس أثقل من هلال؟
وقال الحمدويّ: بعث إلي أحمد بن حرب المهلبي في غداة غيم فأتيته وعنده عجاب المغنية، فلما أكلنا أخذنا في الشراب والغناء، فمرت لنا أطيب ساعة فقال ابن حرب: اللهم اكفنا ثقيلاً ينغص، فما تم قوله حتى دق الباب ففتح فدخل رجل آدم ضخم، فلم يدر كيف يسلم، ولا بم يتكلم، وخطا فعثر في قدح فكسره، فلما رأيت ما حل بنا أخذت القلم والقرطاس وكتبت:
كدّر الله عيش من كدّر العي ... ش وقد كان صافياً مستطابا
جاءنا والسماء تهطل بالغي ... ث وقد طابق السماع الشرابا
كسر الكأس وهي كالكوكب الدر ... ي ضمت من المدام لعابا
قلت لما رُميت منه بما أكس ... ره والدهر ما أفاد أصابا
عجل الله نقمة لابن حرب ... تدع الدار بعد شهر خرابا
стр. 126
وألقيتها إلى ابن حرب فلما قرأها قال: ويحك ألاّ نفست؟ فقلت: بعد حول فقلت: ما أردت أن أقول: إلاّ بعد يوم، ولكني خفت أن تصيبني معكما الصيحة، ففطن الثقيل فنهض، فقال لي ابن حرب: آذيته، فقلت: هو آذاني أولاً، والبادي أظلم، ثم قال: لعمري لئن أساء في قدومه وإقدامه، لقد أحسن في نهوضه وقيامه.
واستأذن بعض الثقلاء على ابن المبارك فلم يأذن له، فكتب إليه ذلك الثقيل:
هل لذي حاجة إليك سبيل؟ ... لا طويل قعوده بل قليل
فأجابه ابن المبارك:
أنت يا صاحب الكتاب ثقيل ... وقليل من الثقيل طويل
وذكر ثقيل عند بعض الأذكياء فقال: هو ثقيل السكون، بغيض الحركة، كثير الشؤم، قليل البركة، كأنه ثقل الدين، ووجع العين، وما أحقه بقول القائل:
ثقيل يطالهنا من أمم ... إذا سرّه رغم أنفي ألم
لنظرته وخزة في القلوب ... كوخز المحاجم في الملتزم
أقول له إذ أتى لا أتى ... ولا حملته إلينا قدم:
عدمت خيالك لا من عمىً ... وسمع كلامك لا من صمم
ووصف آخر ثقيلاً فقال: هو بين الجفن والعين قذاة، وبين القدم والنعل حَصاةٌ، ما أشبه طلعته إلاّ بوقت الفراق، أو كتاب الطلاق، أو طلعة الرقيب، أو موت الحبيب:
مشتملٌ بالبغض لا تنثني ... إليه طوعاً لحظة الرامق
يظلّ في مجلسنا قاعداً ... أثقل من واش على عاشق
وذكر عند العباس بن الحسن العلوي ثقيل يسمى أبا عمار فقال: ما الحمام على الأضرار، وحلول الدين على الإقتار، وشدة السقم في الأسفار، بأثقل على النفس من طلعة أبي عمار، وأنشد:
تحمل منه الأرض أضعاف ما ... يحمله الحوت من الأرض
وقال بعضهم في صفة ثقيل: هو أثقل من داء بلا علة، وأبغض من خراج بلا غلة، قد خرج عن حد الاعتدال، وذهب من ذات اليمين إلى ذات الشمال، يحكي ثقل الحديث المعاد، على القلوب والأكباد، وإذا نظرت إلى مشيته أنشدت:
ثقيل براه الله أثقل من برا ... ففي كل قلب بغضة منه كامنه
مشى فدعا من ثقله الحوت ربه ... وقال: إلهي، زيدت الحوت ثامنه
وقول أبي عمار بل عبد الله بن خلف في صفة ثقيل:
وثقيل أشد من ثقل المو ... ت ومن شدة العذاب الأليم
لو عصَت ربها الجحيمُ لما كا ... ن سواه عقوبة للجحيم
ولابن عطاء الصنهاجي:
ليس من الناس ولكنه ... يحسبه الناس من الناس
أثقل في أنفس أصحابه ... من جبل راس على راس
وقال آخر وبالغ:
يا رحمة الله على آدم ... رحمة من عمّ ومن خصصا
لو كان يدري أنه خارج ... مثلك من إحليله لاختصى
وقال آخر مثله:
لو كان آدم عالماً غيباً بأن ... ستكون من أولاده فيما غبر
لأبان حقاً بالطلاق ثلاثة ... وأبى لأجلك أن يكون أبا البشر
وقول الآخر، ويقال: إنها ما قرئت على ثقيل إلاّ ارتحل:
يا مبرماً أهدى حمل ... خذ وارتجل ألف جمل
قال: وما أحملها ... قلت: زبيب وعسل
قال: ومن يقودها؟ ... قلت له: ألف بطل
قال: وما سلاحهم؟ ... قلت: سيوف وأسَل
قال: وما لباسهم؟ ... قلت: حليٌّ وحلل
فقال: ملك لي إذن؟ ... قلت: نعم إن ترتحل
قال: فهل أبرمتكم؟ ... قلت له: الأمر جلل
قال: وهل أثقلتكم؟ ... قلت له: فوق الثقل
وقال البهاء المهلبي:
وجاهل طال به عنائي ... لازمني وذاك من شقائي
كأنه الأشهر من أسمائي ... أخرق ذو بصيرة عمياء
لا يعرف المدح من الهجاء ... أفعاله الكل بلا استواء
أقبح من وعد بلا وفاء ... ومن زوال النعمة الحسناء
أبغض للعين من الأقذاء ... أثقل من شماتة الأعداء
فهو إذا رأته عين الرائي ... أبو معاذ وأخو الخنساء
ومطيع بن إياس قال:
قل لعباس أجبنا ... يا ثقيل الثقلاء
أنت في الصيف سَمُوم ... وجليد في الشتاء
وللصاحب بن عباد:
تزلزلت الأرض زلزالها ... وأخرجت الأرض أثقالها
مشى ذا الثقيل على ظهرها ... فماجت وقيل: انظروا ما لها
وقال آخر:
إذا جلس الثقيل إليك يوماً ... أتتك عقوبة من كل باب
стр. 127
فهل لك يا ثقيل إلى خصال ... تنال ببعضها كرم المآب
إلى مالي فتأخذه جميعاً ... أحل لديك من ماء السحاب
وتنثف لحيتي وتدق أنفي ... وما في فيَّ من ضرس وناب
على أن لا أراك ولا تراني ... على حال إلى شيب الغراب
وقال أبو نواس في الرقيب:
لسهم الجرح في فؤادي ... وذاك الجرح من عين الرقيب
يوكل ناظريه بنا ويحكي ... مكان الحافظين على الذنوب
ولو سقط الرقيب من الثريا ... لصب على محب أو حبيب
ولو عمي الرقيب بغير شك ... لأبصر قلبه ما في القلوب
وله:
لاحظته فبسما ... وخلا المكان فسلما
وبدا الرقيب فقلت: لا ... سلم الرقيب من العمى
ولابن المعتز:
قد دنت الشمس للمغيب ... وحان شوقي إلى الحبيب
طوبى لمن عاش عشر يوم ... له حبيب بلا رقيب
قيل لأبي الحارث جميز: ما تشتهي قال: القضاء على أعين الرقباء وألسن الوشاة وأكباد الحساد.
وقال القاضي عمر بن الوردي:
لي شهوتان أحب جمعهما ... لو كانت الشهوات مضمونه
أعناق عدائي " مدققة " ... ومفاصل الرقباء " مدفونه "
وقال غيره:
قال لي عُوَّدي غداة رأوني ... ما الذي تشتهيه واجتهدوا بي
قلت مِقْلىً فيه لسان وشاة ... قطعوه فيه بصنع عجيب
وأضيفت إليه كِبْدُ حسود ... فقئت فوقها عيون الرقيب
آخر:
عندي لكم يوم التواصل دعوة ... يا معشر الندماء والجلساء
أشوي قلوب الحاسدين بها وأل ... سنة الوشاة وأعين الرقباء
وقال جحظة:
يا لفظة النعي بموت الخليل ... يا وقفة التوديع بين الحمول
يا شربة اليارج يا أجرة ال ... منزل يا وجه العدو الثقيل
يا نهضة المحبوب عن غضبة ... يا نعمة قد أذنت بالرحيل
ويا طبيباً قد أتى باكراً ... على أخي السقيم بماء البقول
ويا كتاباً جاء من مخلف ... للوعد مملوءاً بعذر طويل
يا بكرة الثكلى إلى حفرة ... مستودع فيها عزيز الثكول
يا ردة الحاجب عن قسوة ... يا نكسة من بعد برء العليل
يا طلعة النّعش ويا منزلاً ... أقفر من بعد الأنيس الخليل
يا شوكة في قدم رخصة ... ليس إلى إخراجها من سبيل
وجحظة هذا من ولد يحيى بن خالد بن برمك، واسمه أحمد بن جعفر وسماه ابن المعتز جحظة لجحوظة في عينيه، وكان قبيح الوجه طيّب الغناء، وفيه يقول ابن الرومي:
نبئت جحظة يستعير جحوظهُ ... من فيل شطرنج ومن سرطان
يا رحمة لمنادميه تحملوا ... ألم العيون للذة الآذان "
لله الأمر من قبل ومن بعد
باب
نبذة في الأوليات
وهذه نبذة في الأوليات مما علق بفكري في: أول نبي ورسول آدم ﵇، وهو أول من بنى، وأول من الحرث والحياكة وأمور النساء والنسل مما يكثر عده، أول قاتل قابيل، أول مقتول هابيل، أول رسول إلى أهل الأرض أي كل من في الأرض من الناس المختلفين نوح ﵇، وبما ذكرنا يظهر الفرق بينه وبين آدم، فإن آدم أرسل إلى أولاده، وهم وإن كثروا بنو رجل واحد، وهو أول من عمل السفينة، وأول من هلك قومه بعصيانه.
أول من ظهر فيه سواد الخلقة الكوش بن حام، وهو جد السودان، وقيل إنهم إنما اسودوا من حرارة بلدهم.
أول ملك قام في الأرض كيومرث " قيل " وهو ابن آدم لصلبه.
أول من سخرت له الخيل إسماعيل بن إبراهيم ﵉ وقيل: إنه أعطيها آدم قبل ذلك.
أول من بنى الكعبة إبراهيم ﵇ وقيل: أول من بناها شيت بن آدم.
أول من نطق بالعبرانية إسحاق بن إبراهيم ﵉.
أول من بنى بالآجر فرعون - لعنه الله -.
أول من جمع العروبة وهي الجمعة كعب بن لؤي أحد أجداده ﷺ .
أول من خضب بالسواد من العرب عبد المطلب بن هاشم.
أول من اتخذ العود للغناء لامك والد نوح ﵇.
أول امرأة ثقبت أذناها وخفضت وجرَّت ذيلها هاجر أم إسماعيل ﵇.
أول من قال القريض والرجز يعرب بن قحطان.
أول جزية وقعت في الأرض أخذها أولاد حام من أولاد يافث ثم أجلاهم أعني أولاد حام إلى بلاد المغرب يعرب المذكور.
стр. 128
أول من تتوج من ملوك العرب سبأ.
أول من سقف البيوت بالخشب المنشور أَمِيم وكان ملكاً أبا قبيلة.
قال المعري:
يراه بنو الدهر الأخير بحاله ... كما أبصرته جرهم وأمِيم
أول من كسا البيت الحرام بالديباج الحجاج، وقيل: عبد الله بن الزبير، وقيل: قتيلة بنت جناب أم العباس بن عبد المطلب.
أول ميت بعد الهجرة وأول من صلى عليه النبي ﷺ ، وأول من دفن بالبقيع أسعد بن زرارة ﵁ وقيل أول منه إلى الموت كلثوم بن الهِدْمِ.
أول من قال أما بعد قس بن ساعدة الإيادي، وقيل غيره وقال القائل:
" جرى الخلف " أما بعد " من كان بادئاً ... بها عد أقوام وداوود أقرب
ويعقوب أيوب الصبور ونافع ... وقس وسحبان وكعب ويعرب "
أول سورة أنزلت:) اقْرَأ بِاسْمِ رَبّكَ (وقيل:) يَا أيُّهَا المُدَّثِرُ (وأولية الأولى بحسب النبوءة والثانية بحسب الرسالة.
أول من آمن بالنبي ﷺ من الرجال " الصرحاء " أبو بكر الصديق ولذلك سمي صديقاً ﵁ ومن النساء خديجة، ومن الموالي زيد بن حارثة، ومن الغلمان علي ﵁ وعن جميعهم -.
أول جمعة صليت في المدينة قبل الهجرة صلاها المصعب بن عمير وأصحابه ﵃.
أول جمعة صليت في غير المدينة في جُواثَى: قرية بالبحرين.
وأول من رمى بسهم في سبيل الله سعد بن أبي وقاص الزهري ﵁.
أول غنيمة حصلت عبر عمرو بن الحضرمي، وهو أول مقتول على الكفر.
أول متبارزين في الجهاد حمزة وعلي وعبيدة مع أقرانهم من المشركين، وهم عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة، وقيل إنه فيهم نزلت:) هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا في رَبِّهِمْ (.
أول مولود في الإسلام عبد الله بن الزبير ﵄.
أول الخلفاء في هذه الملة أبو بكر ﵁.
أول الملوك فيها معاوية ﵁.
أول من كتب بالعربية إسماعيل ﵇.
أول من أدخل الكتاب العربي على أرض الحجاز حرب بن أمية وقيل: سفيان بن أمية.
أول من جمع القرآن في الصحف أبو بكر.
أول من جمعه في المصاحف عثمان ﵁.
أول من تكلم في فن الإعراب أمير المؤمنين علي.
أول من جمع الحديث إمامنا مالك ﵁.
أول من هذب علم أصول الدين وحصله أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري ﵁.
أول من اتخذ ركاب السرج من حديد المهلب بن أبي صفرة.
أول من أدخل علوم الأوائل في هذه الملة المأمون العباسي.
لله الأمر من قبل ومن بعد
باب
نبذة من المواعظ والوصايا
وهذه نبذة من المواعظ والوصايا، فمن ذلك ما يروى حديثاً نحو قوله ﷺ : " المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالمُؤْمِنُ مَنْ أمِنَهُ النّاسُ عَلى أمْوَالِهِمْ وَأنْفُسِهِمْ، وَالمُهَاجِرُ مَنْ هَاجَرَ الخَطَايَا وَالذَنُوبَ وَالمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ في طَاعَةِ اللهِ تَعَالى ".
وقوله ﵇ لعبد الله بن عمر: " اغْتَنِمْ خَمْساً قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ ".
وقوله: " مَا يَنْتَظِرُ أحَدُكُمْ إلاّ غِنىً مُطغِياً، أوْ فَقْراً مُنْسِياً، أوْ مَرَضاً مُفْسِداً، أوْ هَرَماً مُنْفِداً أوْ مَوْتاً مُجْهِزاً، أوْ الدَّجّالَ، وَالدَّجّالُ شَرٌّ غَائِبٍ " يُنْتَظَرُ " أوِ السّاعَةَ وَالسَاعَةُ أدْهَى وَأمَرُّ ".
وقوله: " عِشْ مَا شِئْتَ فَإنّكَ مَيِّتٌ، وَأحْبِبْ مَنْ شِئْتَ فَإنَّكَ مُفَارِقُهُ، اعْمَلْ مَا شِئْتَ، فَإنّكَ مُلاقِيهِ ".
وقوله ﷺ : " ازْهَدْ في الدُّنْيَا يُحِبُّكَ اللهُ، وَازْهَدْ فِيمَا في أيْدِي النّاسِ يُحِبُّكَ النّاسُ ".
وقوله: " لَيْسَ لِلإنْسَانِ مِنْ مَالِهِ إلاّ مَا أكَلَ فَأفْنَى، أوْ لَبِسَ فَأبْلى، أوْ تَصَدَّقَ فَأمْضَى ".
ومن كلام الصديق ﵁: " الموت أهون ما بعده وأشد ما قبله ".
وقوله: " ثلاثة من كن فيه كن عليه: البغي والنكث والمكر ".
وقوله:
стр. 129
" إن الله تعالى قرن وعده بوعيده ليكون العبد راغباً راهباً ".
ومن كلام الفاروق ﵁ يخاطب ابنه عبد الله: " أما بعد، فإن من اتقى الله وقاه، ومن توكل عليه كفاه، ومن شكر له زاده، ومن استقرضه جزاه، فاجعل التقوى عماد قلبك، وجلاء بصرك، فإنه لا عمل لمن لا نية له، ولا أجر لمن لا حِسْبَة له، ولا جديد لمن لا خلق له ".
وقوله في بعض خطبه: " أيها الناس، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسَبوا، فإنه أيسر لحسابكم، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، وتجهزوا للعرض الأكبر يوم تعرضون لا تخفى منكم خافية ".
ومن كلام علي كرم الله وجهه في بعض وصاياه: " لا تكن ممن يرجو الآخرة بغير عمل، ويؤخر التوبة لطول الأمل، ويقول في الدنيا بقول الزاهدين، ويعمل بعمل الراغبين، إن أعطي لم يشبع، وإن منع لم يقنع، يعجز عن شكر ما أوتي، ويبتغي الزيادة فيما بقي، ينهى ولا ينتهي، ويأمر بما لا يأتي، يحب الصالحين ولا يعمل معهم، ويبغض المسيئين وهو منهم، يكره الموت لكثرة ذنوبه، ويقيم على ما يكره الموت بسببه، إن مرض ظل نادماً، وإن صح أمن لاهياً، يعجب بنفسه إذا عوفي، ويقنط إذا ابتلي، تغلبه نفسه على ما يظن، و " لا " يغلبها على ما يتيقن، ولا يثق بما ضمن له، ولا يعمل بما فرض عليه، إن استغنى بَطِر وفتن، وإن افتقر قنط وحزن، يخاف الموت، ولا يبادر الفوت، يطاع فيعصي، ويستوفي ولا يوفي ".
وقوله أيضاً يخاطب سلمان ﵄: " إنما مثل الدنيا كمثل الحية، لَيّنٌ مَسُّها، قاتل سمها، فأعرض عما يعجبك فيها لقلة ما يصحبك منها، ودع عنك همومها لما أيقنت به من فراقها، وكن أَسرَّ ما تكون فيها أحذرَ ما تكون لها، فإن صاحبها كلما اطمأن فيها إلى سرور، أشخصه عنه مكروه، وإن ركن منها إلى إيناس، أزاله عنه إيحاش ".
طائفة من الحكم
" وجمع بعضهم حكمه ﵁ على حروف المعجم.
حرف الألف
إيمان الرجل يعرف بإيمانه.
أخوك من واساك بالشدة.
إظهار الغنى من الشكر.
أداء الدَّيْنِ من الدِّين.
أدب المرء خير من مذهبه.
أدِّبْ عيالك تنتفع بهم.
إخوان هذا الزمان جواسيس العيوب.
أحسن إلى المسيء تَفْسُده.
إخفاء الشدائد من المروءة.
آفة الإنسان، من اللسان.
الإسراف مذموم إلاّ في البِرّ.
العلم يرفع الوضيع.
الإنسان، عبد الإحسان.
العاقل يترك ما يحبّ فيستغني عن علاج ما يكره.
الناس نيام فإذا ما ماتوا انتبهوا.
النصح بين الملأ تقريع.
إذا تم العقل نقص الكلام.
أكبر الأعداء أخفاهم مكيدة.
الحرمان مع الحرص.
الحاسد مغتاظ على من لا ذنب له.
السعيد من وعظ بغيره.
الإحسان، يقطع اللسان.
الشرف بالعقل والأدب، لا بالأصل والحسب.
إذا أفلستم فأقرضوا الله بالصدقة.
إذا حل القدر، بطل الحذر.
إذا قدرت على عدوك فاجعل العفو شكراً لقدرتك عليه.
الناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم.
المرء مخبوء تحت طي لسانه، لا تحت طَيْلسانه.
الجزع عند البلاء تمام المحنة.
المرء عدو ما جَهِله.
إعادة الاعتذار تذكير للذنوب.
الشفيع جناح الطالب.
أحسن المكارم الجود.
أفضل المعرفة معرفة الإنسان نفسه.
أحسن العدل نصرة المظلوم.
أفضل الناس السخي المؤمن.
السامع للغيبة أحد المغتابين.
الأدب صورة العقل.
القلب إذا كره عمي.
العداوة شغل شاغل.
الراحة مع اليأس.
أكرم الأدب حسن الخلق.
أكبر الفقر الحمق.
أوحش الوحشة العُجْبُ.
أغنى الغنى العقل.
احذروا نفار النعم فما كل شارد بمردود.
أكثر مصارع العقول تحت بروق الأطماع.
الطامع في وثاق الذل.
إذا وصلت إليكم أطراف النعم فلا تُنَفّروها أقصاها بقلة الشكر.
حرف الباء
الفقير مستسهل الفقر لنفسه، يعيش في الدنيا عيش الفقراء ويحاسب في الآخرة حساب الأغنياء.
بشر مال البخيل بحادث أو وارث.
بشر نفسك بالظفر مع الصبر.
بالبر، يتعبد الحر.
بر الوالدين سلف.
بع الدنيا بالآخرة تربح.
بكاء المرء من خشية الله قرة عين.
باكر تسعد.
باكر السبت والخميس تغنم.
بركة العمر في حسن العمل.
بشاشة الوجه عطية ثانية.
بلاء الإنسان، من اللسان.
بِرَّكَ لا تبطله بالمنة.
حرف التاء
стр. 130
توكل على الله يكفك تأخير الإساءة من الإقبال.
تدارك في آخر عمرك ما فاتك في أوله.
تكاسل المرء في الصلاة من ضعف الإيمان.
تفاءلْ بالخير تَنَلْه.
تأكيد المودة في الحرمة.
تغافَلْ عن المكروه تظفر بترك الذنوب.
تزاحم الأيدي على الطعام بركة.
تواضع المرء بكرمه.
توقير الأكابر من الأدب.
حرف الثاء
ثلاث مهلكات: بخل وهوى وعُجْبٌ.
ثلث الإيمان حياء، وثلثه عقل، وثلثه جودٌ.
ثلمة الدين موت العلماء.
ثلمة الحرص لا يسدها إلاّ التراب.
ثني " كذا " إحسانك بالاعتذار.
ثوب السلامة لا يبلى.
ثبات الملك في العدل.
ثواب الآخرة خير من نعيم الدنيا.
ثبات النفس بالعدل " كذا ".
ثبات الروح بالغنى " كذا ".
ثناء الرجل على معطيه مستزيد " كذا ".
ثلاث خصال من لم تكن فيه لا خير فيه: دين يرشده، أو حياء يردعه، أو خوف يمنعه.
ثلاث من السعادة: سلامة الدين، وسلامة البدن، وسلامة الدنيا.
حرف الجيم
جد ما تجد.
جهد المقل كثير.
جمال المرء في الحلم.
جليس السوء شيطان.
جولة الباطل ساعة، وجولة الحق إلى الساعة.
جودة الكلام في الاختصار.
جليس الخير غنيمة.
جليس المرء مثله.
جالس الفقراء تزدد شكراً.
جد بالكثير واقنع بالقليل.
حرف الحاء
حلم المرء عونه.
حسن الخلق غنيمة.
حلي الرجال الأدب، وحلي النساء الذهب.
حدة المرء تهلكه.
حرفة المرء كنزه.
حياء المرء ستره.
حرقة الأولاد، محرقة الأكباد.
حرم الوفاء على من لا أصل له.
حموضات الكلام، خير من حموضات الطعام.
حرف الخاء
خَفِ اللهَ تأمَنْ غيره.
خالف نفسك تسترح.
خير الأصحاب من يدللك على الخير.
خليل المرء دليل عقله.
خوف الله يجلي القلوب.
خلو القلب خير من إملاء " كذا " الكيس.
خلوص الود، من حسن العهد.
خير النساء الولود الودود.
خير المال ما أنفق في سبيل الله.
خابت صفقة من باع الدين بالدنيا.
حرف الدال
دوام السرور بر الإخوان.
دولة الأرذال، آفة الرجال.
دار من جفاك تخجله.
دواء القلب الرضا بالمقدور.
دار الظالمين خراب.
دينار البخيل حجر.
دولة الملوك العدل.
دم على كظم الغيظ تحمد عاقبتك.
حرف الذال
ذم الشيء من الاشتغال به.
ذنب واحد كثير وألف حسنة قليلة.
ذكر الأولياء ينزل الرحمات.
ذكر الظالمين في طغيانهم.
ذل المرء في الطمع.
ذليل الفقر عند الله عزيز.
ذكر الشباب حسرة.
ذكر الموت جلاء القلب.
ذكر الثناء خسارة "؟ ".
حرف الراء
راع أباك يراعك ابنك.
رتبة العلم أعلى الرتب.
رزقك يطلبك فاسترح.
راع النفس عند غلبات الحمق.
رؤية الحبيب جلاء العين.
رفاهية العيش في الأمن.
رسول الموت الولادة.
رواية الحديث نسبة إلى رسول الله ﷺ .
رفيق المرء دليل عقله.
راع الحق عند غلبات النفس.
رعونات النفس تتبعها " كذا ".
حرف الزاي
زر المرء على قد إكرامه لك.
زيارة الضعفاء من التواضع.
زيارة الحبيب تطري المحبة " كذا ".
زوايا الدنيا مشحونة بالرزايا.
زلة العالم كبيرة.
زينة الباطن خير من زينة الظاهر.
زهد الغامّيّ مضلة.
زن الرجال بموازينهم.
زحمة الصالحين رحمة.
زوال العلم بموت العلماء.
زكاة السلطان إغاثة الملهوف.
زيارة المحبوب تزيد المحبة.
حرف السين
سرورك بالدنيا غرور.
سيرة المرء تنبئ عن سريرته.
سلامة الإنسان، في حفظ اللسان.
سادة الأمة الفقهاء.
سوء الخلق وحشة لا خلاص منها.
سكرة الأحياء سوء الخلق.
سلاح الضعفاء الشكاية.
حرف الشين
شيبك ناعيك.
شرط الألفة، ترك الكلفة.
شفاء الجَنان، قراءة القرآن.
شر الناس من تتقيه الناس خوفاً من شره.
شحيح غني أفقر من فقير سخي.
شر الأمور أقربها من الشر.
شمر في طلب الجنة.
شح الغني عقوبة.
شمة " كذا " من المعرفة خير من كثير من العلم.
حرف الصاد
صدق المرء نجاته.
صحة البدن الصوم.
صاحب الأخيار تأمن من الأشرار.
صلاح الدين في الورع، وفساده في الطمع.
صبرك يورثك الظفر.
صلاح البدن في السكون.
стр. 131
صلاة الليل بهاء في النهار.
صلاح الإنسان، في حفظ اللسان.
صمت الجاهل يستره.
صل الأرحام يكثر حشمك.
صحبة الأحمق عذاب الروح.
صحبة الأشرار، توجب سوء الظن بالأخيار.
حرف الضاد
ضل من عاشر الأشرار.
ضل من باع الدين بالدنيا.
ضرب اللسان، أشد من ضرب السنان.
ضاقت الدنيا على المتباغضين.
ضمن الله رزق كل أحد.
ضرب الحبيب أوجع.
ضياء القلب من أكل الحلال.
ضيق القلب أشد من ضيق اليد.
ضاق صدر من ضاقت يده.
ضادوا الشر بالخير.
حرف الطاء
طاب وقت من وثق بالله تعالى.
طال عمر من قصر أمله.
طلب الأدب، خير من طلب الذهب.
طوبى لمن رزق العافية.
طول العمر مع العافية من خلع الأنبياء ﵈.
طال عمر من قصر تعبه.
طوبى لمن لا أهل له.
طاعة العدو هلاك.
طاعة الله غنيمة.
طلاق الدنيا مَهْرُ الجنة.
حرف الظاء
ظلم الظالم يقوده إلى الهلاك.
ظمأ المال أشد من ظمأ الماء.
ظلم المرء يصرعه.
ظلامة المظلوم لا تضيع.
ظل الأعوج أعوج.
ظل السلطان كظل الله.
ظلمة الظالم تظلم الإيمان.
ظل الظالم قصير.
ظل الكريم فسيح.
ظل الملوك " كذا " أسهل من ذلال الرعية " كذا ".
حرف العين
عش قانعاً تكن ملكاً.
عيب الكلام تطويله.
عاقبة الظلم وخيمة.
عدو عاقل خير من صديق أحمق.
علو الهمة من الإيمان.
عز من قنع.
عسر المرء مقدمة اليسر.
عليك بالحفظ دون الجمع من الكتب.
عقوبة الظالم سرعة الموت.
حرف الغين
غضب الجاهل في قوله، وغضب العاقل في فعله.
غشك من أسخطك بالباطل " كذا ".
غنم من سلم.
غلت قدور المتوكلين.
غمرة الموت أهون من مجالسة من لا تهوى.
غاب حظ من عاب نفسه.
غضبك من الحق مقبحة.
غدرك من دلك على الإساءة.
غشك من أرضاك بالباطل.
غنيمة المؤمن وجدان الحكمة.
حرف الفاء
فاز من ظفر بالدين.
فخر المرء بفضله، أفضل من فخره بأصله.
فاز من سلم من شر نفسه.
فسدت نعمة من كفرها.
فعل المرء يدل على أصله.
فرع الشيء يخبر عن أصله.
فكاك المرء بالصدقة.
حرف القاف
قول المرء مخبر عما في قلبه.
قول الحق من الدين.
قوة القلب من صحة الإيمان.
قاتل الحريص حرصه.
قرب الأشرار مضرة.
قسوة القلب من الشبع.
قلب الأحمق في فمه، ولسان العاقل في قلبه.
قيمة كل امرئ ما يحسنه.
قرين المرء دليل دينه.
قدر في العمل، تنج من الزلل.
قدر المرء ما يهمه.
حرف الكاف
كلام الله دواء للقلب.
كفاك من عيوب الدنيا أن لا تبقى.
كفاك همّاً علمك بالموت.
كمال الجود الاعتذار معه.
كفى الحسود حسده.
كمال الحلم في الحلم.
كفى بالشيب ناعياً.
كفى بالسلامة داء.
كثرة الإلحاح توجب المنع.
كفران النعمة يزيلها.
كلام الرجل ميزان عقله.
كل قانع غني.
كل حريص فقير.
كفى بالظفر شفيعاً للمذنب.
كثرة الوفاق نفاق.
كثرة الخلاف شقاق.
كافر سخي أرجى للجنة من مسلم شحيح.
حرف اللام
ليس للحسود راحة.
ليّنْ قلبك تحبّ.
لبس الشهرة من الرعونة.
لكل عداوة مصلحة إلاّ عداوة الحسد.
ليس الشيب من العمر.
لين الكلام قيد القلوب.
ليس لسلطان العلم زوال.
لكل ظالم انتقام.
لسانك يقتضيك ما عودته.
لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً.
لكل مقام مقال.
حرف الميم
من علت همته طالت همومه.
من كتم سره، ملك أمره، ومن كثر كلامه كثر ملامه.
من طلب شيئاً وجدّ وجد، ومن قرع باباً وألح ولج.
مهلك المرء حدة طبعه.
ما هلك امرؤ عرف نفسه.
من عذب لسانه، كثر أخوانه.
من عرف نفسه فقد عرف ربه.
من طلب ما لا يعنيه فاته ما يغنيه " كذا ".
من كثر مزاحه لم يخل من حقد عليه واستخفاف به.
من نظر اعتبر.
من أوتي في عجلته " كذا " قل حياؤه وبذ " كذا " لسانه.
من لانت أسافله صلبت أعاليه.
من كثر فكره في العواقب لم يشجع.
من أبدى صحيفته للحق هلك.
من جرى في عِنان أمله، عثر بأجله.
ما أضمر أحد شيئاً إلاّ ظهر في فلتات لسانه وصفحات وجهه.
من أحب قوماً حشر معهم.
مجلس العلم روضة من الجنة.
ما ندم من سكت.
стр. 132
مجلس الكرام حصون الكلام.
منقبة المرء تحت لسانه.
مجالسة الأحداث مفسدة الدين.
مشرب العذب مزدحم.
مصاحبة الأشرار ركوب البحر.
حرف النون
نور المؤمن قيام الليل.
نسيان الموت صدأ القلب.
نور قلبك بالصلاة في ظُلَم الليل.
نصرة الإنسان في الصدق.
نفاق المرء ذلة.
نعمة الجاهل كروضة في مزبلة.
نور مشيبك لا تظلمه بالمعصية.
نار الحرقة أشد من نار جهنم.
نعيت إليك نفسك، حين شاب رأسك.
نم آمناً تكن سالماً في أمهد الفرش.
نضرة الوجه في التصدق.
نيل المنى، في الغنى.
حرف الهاء
همة السعيد آخرته، وهمة الشقي دنياه.
هلاك المرء في العُجْب.
هموم المرء بقدر همته.
هلك الحريص وهو لا يعلم.
هيهات من نصيحة العدو.
هربك من نفسك أشد من هربك من الأسد.
همة المرء قيمته.
هات ما عندك تعرف به.
حرف الواو
وهم المرء بقدر همه.
وعد الكريم نقد.
ولاية الأحمق سريعة الزوال.
وضع الإحسان في غير محله ظلم.
وزر صدقة المنان أعظم من أجره.
وحدة المرء خير من جليس السوء.
والاك من لم يعادك.
واساك من تغافل عنك.
ويل للحسود من حسده.
ولي الطفل مرزوق.
حرف لام ألف
لا دين لمن لا مروءة له.
لا فقر للعاقل.
لا راحة للحاسد.
لا غم للقانع.
لا وفاء للمرأة.
لا كرامة للكاذب.
لا حرمة للفاسق.
لا ظفر مع البغي.
لا صواب لمن ترك المشورة.
لا كرم أعز من التقوى.
لا داء أعيا من الجهل.
لا مرض أعيا من قلة العقل.
لا راحة لملول.
لا عقل لمن لا أدب له.
لا علم لمن لا بصيرة له.
لا بصيرة لمن لا فكر له.
لا خير في علوم الكذابين.
لا أعز من القانع ولا أذل من الطامع.
لا تنظر إلى من قال وانظر إلى ما قال.
لا يرفع الشح.
لا صحة مع النهم.
لا شرف مع سوء الأدب.
لا ثناء مع الكبر.
لا زيادة مع الزراعة " كذا ".
لا راحة للملوك.
لا شرف أعلى من الإسلام.
لا معقل أحسن من الورع.
لا شفيع أنجح من التوبة.
لا لباس أجمل من السلامة.
لا أيمان لمن لا إيمان له.
لا غنى لمن لا فضل له.
لا حياء لحريص.
لا شفيع كالودود الناصح.
حرف الياء
يأتيك ما قدر لك.
يطلبك رزقك كما تطلبه.
يبلغ الإنسان بالصدق منازل الكبار.
يسود المرء قومه بالإحسان.
يسود المرء بمصاحبة السعيد.
يشقى الرجل بمصاحبة السفيه.
يزيد في العمر الصدقة.
يأمن الخائف إذا وصل إلى ما خافه.
يأمن القلب راحة النفس " كذا ".
يسعد الرجل بمصاحبة السعيد ".
لله الأمر من قبل ومن بعد
الرغيف والذهب
وروي عن نبي الله عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام أنه خرج هو وصاحب له في سياحة فأصابهما الجوع وقد مرا بقرية فقال لصاحبه: انطلق فاطلب لنا طعاماً بهذه القرية، وقام هو يصلي، فانطلق الرجل وأتى بثلاثة أرغفة، فوجده مشغولاً فأكل رغيفاً، فلما انصرف عيسى ﵇ قال له: أين الرغيف الثالث؟ فقال: ما كان إلاّ رغيفان. فانطلقا حتى مرّا بظباء فدعا ﵇ ظبياً منها فذكاه وأكلا منه، ثم قال له: قم بإذن الله الذي يحيي الموتى، فقام يشتدّ فقال الرجل: سبحان الله! فقال عيسى: بالذي أراك هذه الآية من صاحب الرغيف الثالث؟ قال ما كان إلاّ إثنان، فانطلقا فمرّا بنهر عظيم فأخذ بيده فمرّ به على الماء حتى قطع، فقال الرجل سبحان الله؟ فقال عيسى: بالذي أراك هذه الآية من صاحب الرغيف الثالث؟ قال: ما كان إلاّ إثنان، فانطلقا حتى أتيا قرية خربة وإذا بثلاث لبنات من ذهب. فقال الرجل: هذا مال، فقال عيسى ﵇: واحدة لي وواحدة لك وواحدة لصاحب الرغيف الثالث. فقال الرجل: أنا صاحبه، فقال عيسى: هي لك كلها وفارقه، فأقام عليها ليس معه من يحملها له، فمرّ به ثلاثة نفر فقتلوه وأخذوا اللبنات، فقال اثنان منهم للواحد: انطلق إلى القرية فائتنا بطعام، اتفق الاثنان على قتله إذا رجع، وأتى هو بالطعام فوضع فيه سماً ليموتا فيختص بالمال، فلما جاء قتلاه وأكلا الطعام فماتا، فمر بهم عيسى ﵇ وهم حول المال كلهم صرعى فقال: هكذا تفعل الدنيا بأهلها، وتركهم.
стр. 133
وروي عنه " أيضاً " ﵇ أنه مر وهو في جمع من أصحابه بزرع قد أفرك فقال أصحابه: يا نبي الله، نحن جياع، فأوحى الله تعالى إليه أن ائذن لهم في قوتهم، فأذن لهم، فدخلوا " الزرع " يفركون ويأكلون، فبينما هم كذلك جاء صاحب الزرع فقال: بإذن من تأكلون يا هؤلاء زرعي، وأرضي ورثتها عن آبائي، فدعا عيسى ﵇ تعالى فبعث الله كل من ملك تلك الأرض من ولد آدم ﵇، فإذا عند كل سنبلة رجل أو امرأة يقول: أرضي ورثتها عن آبائي، ففزع الرجل منهم، وكان قد بلغه أمر عيسى وهو لا يعرفه، فقال: معذرة إليك يا رسول الله، إني لم أعرفك فزرعي ومالي لك حلال، فبكى عيسى ﵇ وقال: ويحك هؤلاء كلهم ورثوا هذه الأرض وعمروها وارتحلوا عنها، وأنت مرتحل وبهم لاحق، ويحك ليس لك أرض ولا مال.
ولما دخل أبو الدرداء الشام قال: يا أهل الشام: اسمعوا قول أخ ناصح، مالي أراكم تبنون ما لا تسكنون، وتجمعون ما لا تأكلون، إن الذين كانوا قبلكم بنوا مشيداً، وأملوا بعيداً، وجمعوا كثيراً، وشيدوا قصوراً، فأصبح أملهم غروراً، وجمعهم ثبوراً، ومساكنهم قبوراً.
لله الأمر من قبل ومن بعد
عدي بن زيد والأمير النعمان
وكان عدي بن زيد العِباديّ ممن تنضر ودان بدين المسيح، وكانت له حظوة عند النعمان بن امرئ القيس، فحضر عنده يوماً والنعمان في أحسن زِيٍّ في مجلسه مع ندمائه فلما شرب وطرب قال لعدي: كيف ترى هذا النعيم الذي نحن فيه يا أبا زيد؟ فقال: إنه حسن لو كان لا ينفَدُ، ومسرة لو كانت تدوم، فقال: أو كل ما أرى إلى نفاد؟ قال: نعم، أبَيْتَ اللّعْن، فقال النعمان: وأي خير فيما يفنى؟ فلما رأى عدي ذلك منه طمع في ارعوائه، فجعل يعظه، فلما خرج سايره، فمروا بمقبرة فقال أيها الملك أتدري ما تقول هذه القبور؟ قال: لا، قال: إنها تقول:
أيها الركب المخبون ... وعلى الأرض المجدون
مثلما أنتمُ كنّا ... وكما نحن تكونون
فظهر على النعمان انكسار.
ثم إنهم مروا بشجرات متَناوِحاتٍ بينها عين جارية فقال عدي: أتدري ما تقول هذه الشجرات أبَيْتَ اللّعْنَ؟ قال: لا، قال: إنها تقول:
مَن رآنا فليحدث نفسه ... أنه موفٍ على قرن زوال
وصُروف الدهر لا يبقى لها ... ولما تأتي به صُمُّ الجبال
رب ركب قد أناخوا حولنا ... يشربون الخمر بالماء الزلال
والأباريق عليها فُدمٌ ... وعتاق الخيل تردي بالجلال
عمروا دهراً بعيش حسن ... آمني دهرهم غير عجال
ثمّ أضحوا عَصَفَ الدهرُ بهم ... وكذاك الدهر يُودي بالرجال
وكذاك الدهر يرقى بالفتى ... في طلاب العيش حالاً بعد حال
فوقع كلامه منه أحسن موقع فقال له: ائتني عند السحر، فإن عندي أمراً أطلعك عليه، فأتاه فوجده قد لبس مِسْحاً وأخذ أهبة السياحة فودعه وذهب، ولم يعلم له بعد ذلك خبر، وذكر أنه قال له: قد علمت أن القبور لا تتكلم، والشجرة لا تتكلم، وإنما أردت موعظتي، ففيم النجاة؟ فقال له عدي: تترك عبادة الأوثان وتدين بدين المسيح ﵇، فننصر النعمان حينئذ: وفي معنى هذا قول شاعر قديم:
يا أيها الناس سيروا إن قصدكم ... أن تصبحوا ذات يوم لا تسيرونا
حثوا المطايا وأرْخوا من أزمّتها ... قبل الممات وقضّوا ما تُقضّونا
كنّا أناساً كما كنتم فغيّرَنا ... دهر فأنتم كما كنا تكونونا
لله الأمر من قبل ومن بعد
من شعر أبي العتاهية
في الزهد والمواعظ
ودخل أبو العتاهية على الرشيد حين بنى قصره، وزخرف مجلسه، واجتمع إليه خواصه، فقال له: صف لنا ما نحن فيه من الدنيا فقال:
عش ما بدا لك آمناً ... في ظلّ شاهقة القصور
فقال الرشيد: أحسنت، ثم ماذا؟ فقال:
يسعى إليك بما اشتهي ... ت لدى الرواح وفي البكور
فقال: حسن، ثم ماذا؟ فقال:
فإذا النفوس تقعقعت ... في ضيق حشرجة الصدور
فهناك تعلم موقناً ... ما كنت إلاّ في غرور
فبكى الرشيد بكاء شديداً حتى رُحِم، فقال له الفضل بن يحيى: بعث إليك المؤمنين لتسره فأحزنته، فقال له الرشيد: دعه فإنه رآنا في عمى فكره أن يزيدنا عمى:
ألا نحن في اللديا قليل بقاؤها ... سريع تعديها وشيك فناؤها
стр. 134
تزوَّد من الدنيا التقى والنهى فقد ... تنكرت الدنيا وحان انقضاؤها
تَرَقَّ من الدنيا إلى أي غاية ... سموت إليها فالمنايا انتهاؤها
ومن كلفته النفس فوق كَفافِها ... فما ينقضي حتى الممات عناؤها
وقوله:
ألا إنما الدنيا متاع غرور ... ودار صعود مرة وحدور
كأني بيوم ما أخذت تأهباً ... له في رواح عاجل وبكور
كفى عِبْرة أن الحوادث لم تزَلْ ... تُصَيِّرُ أهل الملك أهل قبور
خليليَّ كم من ميت قد حضرته ... ولكنني لم أنتفع بحضور
ومن لم يزده الدهر ما عاش عبرة ... فذاك الذي لا يستنير بنور
وقوله أيضاً:
إني سألت القبر ما فعلت ... بعدي وجوه فيك منعفره
فأجابني: صيَّرتُ ريحهمُ ... تؤذيك بعد روائح عَطِره
وأكلت أجساداً منعمة ... كان النعيم يَزِينُها نضرَه
لم أبق غير جماجم عَرِيَت ... بيض تلوح وأعظمٍ نَخِره
وقوله أيضاً:
تفكر قبل أن تندم ... فإنك ميت فاعلم
ولا تغتر بالدنيا ... فإن صحيحها يسقم
وإن جديدها يبلى ... وإن شبابها يهرم
وإنّ نعيمها يفنى ... فترك نعيمها أحزم
ومن هذا الذي يبقى ... عل الحدثان أو يسلم
رأيت الناس اتباعاً إلاّ ما ... نوى في الخير أو قدَّم
وقوله:
إياك أعني يا ابن آدم فاستمع ... ودع الركون إلى الحياة فتنتفع
لو كان عمرك ألف حول كامل ... لم تذهب الأيام حتى تنقطع
إن المنية لا تزال ملحة ... حتى تستت كل شمل مجتمع
فاجعل لنفسك عدة للقاء من ... لو قد أتاك رسوله لم تمتنع
يا أيها المرء المضيع دينه ... إحراز دينك خير شيء تصطنع
فامهد لنفسك صالحاً تجزى به ... وانظر لنفسك أيّ أمر تتبع
واعلم بأن جميع ما قدمته ... عند الإله موفر " لك " لم يضع
" وله أيضاً:
كم يكون الشتاء ثم المصيف ... وربيع يمضي ويأتي خريف
وانتقال من الحرور إلى الظ ... ل وسيف الردى عليك منيف
يا قليل البقاء في هذه الدا ... ر إلى كم يغرك التسويف
عجباً لامرئ يذل لذي دن ... يا ويكفيه كل يوم رغيف
وقال أحمد بن علي بن مروان: دخلت مع إسماعيل بن سويد العنبري على أبي العتاهية وهو يجود بنفسه ويقول:
يا نفس قد مثلت حا ... لي هذه لك منذ حين
وشككت أني ناصح ... لك فاشتملت على الظنون
فتأملي ضعف الحرا ... ك ونجلتي بعد السكون
وتيقّني أن الذي ... بك من علامات المنون
ومن شعر محمود الوراق:
إن جيشاً إلى الممات مصيره ... لحقيق ألا يدوم سروره
وسرور يكون آخره المو ... ت سواء طويله وقصيره
وقوله:
أبقيت مالك ميراثاً لوارثه ... يا ليت شعري ما أبقى لك المال
القوم بعدك في حال تسرهم ... فكيف بعدهُم صارت بك الحال
ملوا البكاء فما يبكيك من أحد ... واستحكم القيل في الميراث والقال
مالت بهم عنك دنيا أقبلت لهم ... وأدبرت عنك، والأيام أحوال
" من ذلك قول بعضهم:
زيادة المرء في دنياه نقصان ... وربحه دون محض الدين خسران
وكل وجدان حظ لا ثبات له ... فإن معناه في التحقيق فقدان
يا عامراً لخراب الدهر مجتهداً ... بالله هل لخراب الدهر عمران
ويا حريصاً على الأموال يجمعها ... نسيت أن سرور المال أحزان
دع الركون إلى الدنيا وزخرفها ... فصفوها كدر والوصل هجران
وأرْعِ سمعك أمثالاً أفصلها ... كما يفصل ياقوت ومَرْجان
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم ... فطالما استعبد الإنسان إحسان
وكن على الدهر مِعواناً لذي أمل ... يرجو نداك فإن الحر مِعوان
من جاد بالمال مالَ الناس قاطبةً ... إليه والمال للإنسان فَتّان
من كان للخير منّاعاً فليس له ... عند الخليقة إخوان وأخدان
لا تخدشنَّ بمَطلٍ وجه عارفَةٍ ... فالبر يخدِشه مطْلٌ مليَان
يا خادم الجسم كم تسعى لخدمته ... أتطلب الربح فيما فيه خسران
стр. 135
أقبل على النفس واستكمل فضائلها ... فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان
من يتق الله يحمد في عواقبه ... ويكفه شر من عزّوا ومن هانوا
حسْبُ الفتى عقله خِلاًّ يعاشره ... إذا تجافاه أصحاب وأعوان
لا تستشر غير شخص حازم فطن ... قد استوى منه إسرار وإعلان
فللتدابير فرسانٌ إذا ركضوا ... فيها أبرّوا كما للحرب فرسان
وللأمور مواقيت مقدَّرة ... وكلّ أمر له حدّ وميزان
من رافق الرفق في كل الحوادث لم ... يندمْ عليه ولم يذمُمْه إنسان
ولا تكن عاجلاً في الأمر تطلبه ... فليس يحمد قبل النضج بحران
وذو القناعة راض في معيشته ... وصاحب الحرص إن أثرى فغضبان
كفى من العيش ما قد سد من رمق ... ففيه للحر إن حققت غُنيان
هما رضيعا لِبانٍ حكمةٌ وتُقىً ... وساكناً وطنٍ مالٌ وطغيان
من مد طرفاً بفرط الجهل نحو هوى ... أغضى عن الحق يوماً وهو خَزيان
من استشار صروف الدهر قام له ... على حقيقة طبع الدهر برهان
من عاشر الناس لاقى منهم نَصَباً ... لأن طبعهم بَغْي وعُدوان
ومن يفتش عن الإخوان مجتهداً ... فجعل إخوان هذا الدهر خوّان
من يزرع الشر يحصد في عواقبه ... ندامة ولحصد الزرع إبّان
من استنام إلى الأشرار نام وفي ... قميصه منهم صلٌّ وثعبان
من سالم الناس يسلم من غوائلهم ... وعاش وهو قريرُ العين جذلان
من كان للعقل سلطان عليه غدا ... وما على نفسه للحرص سلطان
وإن أساء مسيء فليكن لك في ... عروض زلته صفح وغفران
إذا نبا بكريم موطن فله ... وراءه في بسيط الأرض أوطان
لا تحسبن سروراً دائماً أبداً ... من سره زمن ساءته أزمان
يا ظالماً فرحاً بالعز ساعده ... إن كنت في سنَةٍ فالدهر يقظان
يا أيها العالم المرضيّ سيرته ... أبشر فأنت بغير الماء رَيّان
ويا أخل الجهل لو أصبحت في لججٍ ... فأنت ما بينها لا شك ظمآن
دع التكاسل في الخيرات تطلبها ... فليس يسعد بالخيرات كسلان
صُن حُرَّ وجهك لا تهتك غلائله ... فكل حر لحُر الوجه صَوّان
لا تحسب الناس طبعاً واحداً فلهم ... غرائز لست تحصيها وألوان
ما كلُّ ماء كصدّاء لوارده ... نعم ولا كل نبت فهو سعدان
من استعان بغير الله في طلب ... فإن ناصره عجز وخذلان
واشدد يديك بحبل الله معتصماً ... فإنه الركن إن خانتك أركان
لا ظل للمرء يغني عن تُقى ورضاً ... وإن أظلته أوراق وأفنان
سُحْبانْ من غير مال باقلٌ حَصِرٌ ... وباقِلٌ في ثراء المال سَحْبان
والناس أعوان من والتْه دولته ... وهم عليه إذا خانته أعوان
يا رافلاً في الشباب الوَحف منتشياً ... من كأسه هل أصاب الرشد نشوان
لا تغترر بشباب ناعم خضلٍ ... فكم تقدم قبل الشّيب شبان
ويا أخا الشيب لو ناصحت نفسك لم ... يكن لمثلك في الأشراف إخوان
هب الشبيبة تبدي عذر صاحبها ... ما بال شيبك يستهويه شيطان
كل الذنوب فإن الله يغفرها ... إن شيع المرء إخلاص وإيمان
وكل كسر فإن الله يَسْبُره ... وما لكسر قناة الدين جبران
أحسن إذا كان إمكان لقدرة ... فلا يدوم على الإنسان إمكان
فالروض يزدان بالأنوار فاغمةً ... والحر بالعدل والإحسان يزدان
خذها سوائرَ أمثال مُهذبة ... فيها لمن يبتغي التّبيان تِبيان
ما ضرّ حسانها والطبع صائغها ... أن لم يصغها قرِيعُ الشعر حسّان
وذيل عليها بعضهم فقال:
وكن لسنّة خير الخلق متبعاً ... فإنها لنجاة العبد عنوان
فهو الذي شمِلت للعبد أنعمه ... وعمهم منه في الدارين إحسان
جبينه قمر، قد زانه خَفَرٌ، ... وثغرُه دُرَرٌ غُرٌّ ومرجان
والبدر يخجل من أنوار طلعه ... والشمس من حسنه الوضاح تزدان
ومُذْ أتى أبصرت عُمْيُ القلوب به ... سُبْلَ الهدى وَوعَت للحقّ آذان
به توسّلُنا في محو زلتنا ... لربنا إنه ذو الجود منّان
стр. 136
يا رب صل عليه ما همَى مطر ... فأينعت منه أوراق وأغصان
وابعث إليه سلاماً زاكياً عطراً ... والآلِ والصحب لا تُفنيه أزمان
لله الأمر من قبل ومن بعد
القصيدة الزينبية
ومن ذلك القصيدة الزينبية:
صرمت حبالك بعد وصلك زينبُ ... والدهر فيه تغير وتقلبُ
نشرت ذوائبها التي تزهو بها ... سُوداً ورأسك كالثغامة أشيبُ
واستنفرت لما رأتك وطالما ... كانت تحن إلى لقاك وترغب
وكذاك وصل الغانيات فإنه ... آلٌ ببلقَعَةٍ وبرقٌ خُلّبُ
فدع الصبا فلقد عداك زمانه ... وازهد فعمرك مرّ منه الأطيب
ذهب الشباب فما له من عودة ... وأتى المشيب فأين منه المهرب؟
دع عنك ما قد كان في زمن الصبا ... واذكر ذنوبك وابكها يا مذنب
واذكر مناقشة الحساب فإنّه ... لا بد يُحصى ما جنيت ويكتب
لم ينسه الملكان حين نسيته ... بل أثبتاه وأنت لاهٍ تلعب
وألوح فيك وديعة أُودِعْتَها ... سترُدّها بالرغم منك وتُسلَب
وغرور دنياك التي تسعى لها ... دار حقيقتها متاع يذهب
والليل فاعلم والنهار كلاهما ... أنفاسنا فيه تُعدُّ وتحسب
وجميع ما حصلته وجمعته ... حقاً يقيناً بعد موتك ينهب
تباً لدار لا يدون نعيمها ... ومَشيدُها عمّا قليل يَخْرَب
فاسمع أُخَيّ وصية أولاكها ... برّ نصوح للأنام مجرب
" أهدى النصيحة فاتّعظ بمقاله ... فهو التقي اللوذعي الأدرب "
صحب الزمان وأهله مستبصراً ... ورأى الأمور بما تثوب وتعقب
لا تأمَنِ الدهر الخئون فإنه ... ما زال قدماً للرجال يؤدب
وعواقب الأيام في غُصَّاتها ... مَضَضٌ يذل لها الأعز الأنجب
فعليك تقوى الله فالزمها تفز ... إن التقي هو البَهيُّ الأهيب
واعمل بطاعته تنل منه الرضا ... إن المطيع لربه لمقرب
واقنع ففي بعض القناعة راحة ... واليأس عما فات فهو المطلب
فإذا طمعت لبست ثوب مذلة ... فبذا اكتسى ثوب المذلة أشعب
وتَوَقَّ من غدر النساء خيانة ... فجميعهن مكايد لك تُنْصَب
لا تأمن الأنثى حياتَك إنها ... كالأفعوان يُراع منه الأنيب
تُغْري بلين حديثها وكلامها ... فإذا سطت فهي الصقيل الأشطب
وابدأ عدوك بالتحية ولتكن ... منهُ زمانَك خائفاً تترقب
واحذره إن لاقيته متبسّماً ... فالليث يبدو نابُه إذ يغضب
إن العدو وإن تقادم عهده ... فالحقد باقٍ في الصدور مغيب
وإذا الصديق لقيته متلوناً ... فهو العدو وحقه يتجنب
لا خير في ود امرئ متملقٍ ... حلو اللّسان وقلبه يتلهب
يلقاك يحلف أنّه بك واثق ... وإذا توارى عنك فهو العقرب
يعطيك من طرف السان حلاوة ... ويروغ عنك كما يروغ
وصل الكرام ولو رموك بجفوة ... فالصفح عنهم والتجاوز أصوب
فاختر قرينك واصطفيه مواتياً ... إن القرين إلى المقارن ينسب
إنَّ الغنيَّ من الرجال مكرم ... وتراهُ يرجى ما لديه ويرهب
فأخفض جناحك للأقارب كلهم ... بتذلل واغفر لهم إن أذنبوا
وذر الذنوب ولا يكن لك صاحباً ... إن الكذوب يشين حراً يصحب
والفقر شَيْن في الرجال وإنّه ... حقاً يهون به الشريف الأنسب
وزن الكلام إذا نطقت ولا تكن ... ثرثارة في كل ناد تخطب
وتوقَّ من عثراته من زلة ... فالمرء يسلم باللسان ويعطب
والسر فاكتمه ولا تنطق به ... " فهو الأسير لديك إذ لا ينشب
واحرص على حفظ القلوب من الأذى ... فرجوعها بعد التنافر يصعب
إن القلوب إذا تنافر ودها " ... شبه الزجاجة كسرها لا يُشعَب
وكذاك سر المرء إنْ لم يطْوِه ... نشرته ألسنة تزيد وتكذب
لا تحرصن فالحرص ليس بزائد ... في الرزق بل يشقى الحريص ويتعب
ويظل ملهوفاً يروم تحيلاً ... والرزق ليس بحيلة يستجلب
كم عاجز بالناس يأتي رزقه ... رغداً ويحرم كَيّسٌ ويخيَّب
وارع الأمانة، والخيانةَ فاجتنب ... واعدل ولا تظلم بطيب المكسب
стр. 137
وإذا أصابتك نكبة فاصبر لها ... من ذا رأيت مسلماً لا ينكب
وإذا رُميت من الزمان بريبة ... أو نالك الأمر الأشد الأصعب
فاضرع لربك إنه أدنى لمن ... يدعوه من حبْل الوريد وأقرب
كن ما استطعت من الأنام بمعزل ... إن القليل من الورى من تصحب
واحذر مصاحبة اللئيم فإنها ... تُعدي كما يعدي الصحيحَ الأجرب
واحذر من المظلوم سهماً صائباً ... واعلم بأن دعاءه لا يحجب
وإذا رأيت الرزق عزّ ببلدة ... وخشيت فيها أن يضيق المكسب
فارحل فأرض الله واسعة الفلا ... طولاً وعرضاً شرقها والمغرب
" فلقد نصحتك إن قبلت نصيحتي ... فالنصح أغلى ما يباع ويوهب "
لله الأمر من قبل ومن بعد
تائية المقرئ في المواعظ
وللعلاّمة المقرئ ﵀:
إلى كم تماد في غرور وغفلة؟ ... وكم هكذا نوم؟ متى يوم يقظة؟
لقد ظاع عمر ساعةٌ منه تشترى ... بملء السما والأرض أيّةَ ضيعة
أتنفق هذا في هوى هذه التي ... أبى الله أن تسوى جناحَ بَعوضة
وترضى من العيش السعيد تعيشه ... مع الملأ الأعلى يعيش البهيمة
أيا درة بين المزابل ألقيت ... وجوهرة بيعت بأبخس قيمة
أفان بباق تشتريه سفاهة؟ ... وسخطاً برضوان وناراً بجنة؟
أأنت صديق أم عدو لنفسه ... فإنك ترميها بكلّ مصيبة
ولو فعل الأعدا بنفسك بعض ما ... فعلت لمستهم لها بعض رحمة
لقد بعتها ... حزني عليك رخيصة وكانت بهذا منك غير حقيقة
فَويْكَ استقل لا تفضحنها بمشهد ... من الخلق إن كنت ابن أمٍ كريمة
فبين يديها موقف وصحيفة ... تقاد عليها كل مثقال ذرة
كَلِفْتَ بها دنيا كثير غرورها ... تعامل من في نصحها بالخديعة
إذا أقبلت ولت وإن هي أحسنت ... أساءت وإن صفت فثق بالكدورة
ولو نلت منها مالَ قارونَ لم تنلْ ... سوى لقمة في فيك منه وخِرْقة
وهبك ملكت الملك فيها ألم تكن ... لتَنزعه من فيك أيدي المنايا
فدعها وأهليها وفِرَّ وخذ كذا ... بنفسك عنها فهي كل الغنيمة
ولا تغتبط منها بفرحة ساعة ... تعود بأحزان عليك طويلة
فعيشك فيها ألف عام وينقضي ... كعيشك فيها بعض يوم وليلة
عليك بما يجري عليك من التقى ... فإنك في سهو عظيم وغفلة
مجالس ذكر الله يُلهيك أن ترى ... بها ذاكراً للهِ ضعف العقيدة
إذا شرعوا فيها تجمشت قائماً ... قيامك ذا قل لي إلى أي لعنة
وإن كان لهواً أو أحاديث ريبة ... وثبت وثوب الليث نحو الفريسة
تصلي بلا قلب صلاةً بمثلها ... يكون الفتى مستوجباً للعقوبة
تظل وقد تمستها غير عالمٍ ... تزيد احتياطاً ركعة بعد ركعة
فخيحك تدري من تناجيه معرضاً ... وبين يدي من تنحني غيرَ مُخْبِت
تجاطبه إياك نعبد مقبلاً ... على غيره فيها لغير ضرورة
ولو رد من ناجاك للغير طرفه ... تميزت من غيظ عليه وغيرة
أما تستحي من مالك الملك أن يرى ... صدودك عنه يا قليل المروءة
صلاة أقيمت يعلم الله أنها ... بفعلك هذا طاعة كالخطيئة
وأقبح منها أن تدل بفعلها ... كمن قلد المدلول بعد صنيعة
وأن يعتريك العُجْب أيضاً بكونها ... على ما حوته من رياء وسمعة
ذنوبك في الطاعات وهي كثيرةٌ ... إذا عددت تغنيك عن كل زلة
سبيلك أن تستغفر اللهَ بعدها ... وأن تتلافى الذنب منها بتوبة
فيا عاملاً للنار جسمك ليّنٌ ... فجربه تمريناً بحرِّ الظهيرة
وجربه في لسع الزنابير تجتني ... على نهش حيات هناك عظيمة
فإن كنت لا تقوى فويلك ما الذي ... دعاك إلى إسخاط ربّ البرية
تعامله بالمنكرات عشّيةً ... وتصبح في أثواب نسك وعفّة
فأنت على ما أنت أجراً لدى الورى ... بما فيك من جهل وخبث السريرة
تقول مع العصيان ربّيَ غافر ... صدقت ولكن غافر بالمشيئة
وربك رزاق كما هو غافِرٌ ... فلِمْ لَمْ تصدق فيهما بالسوية
стр. 138
فإنك ترجو العفو من غير توبة ... ولست ترجّي الرزق إلاّ بحيلة
على أنه بالرزق كفل نفسه ... لكل ولم يكفل لكل بجنة
فلم ترض إلاّ السعي فيما كُفيِتَه ... وإهمال ما كُلّفته من وظيفة
تسيء به ظناً وتحسن تارة ... على قدر ما يعطي الهوى في القضية
إلهي لا تواخِذَنْ "؟ " بذنوبنا ... ولا تخزنا وانظر إلينا برحمة
إلهي اهدنا فيمن هديت وخذ بنا ... إلى الحق نهجاً سواء الطريقة
وكن شغلنا في كل شغل وهمنا ... وبغيتنا عن كل هم وبغية
وصل صلاة لا تناهى على الذي ... جعلت به مسكاً ختام النبوءة
وآل وصحب أجمعين وتابع ... وتابعهم من كل إنس وجِنّة "
لله الأمر من قبل ومن بعد
خاتمة
في ذكر جماعة من شيوخ العلم والتصوف لقيهم المؤلف أسرد من حضر الآن في فكري ممن لقيت وتبركت به ممن اتسم بالخير و " اشتهر " بالصلاح تبركاً بهم، فإنه " قد " قيل: تنزل الرحمة عند ذكر الصالحين، " وقال القائل:
اسرد حديث الصالحين وسمهم ... فبذكرهم تنزل الرحمات
واحضر مجالسهم تنل بركاتهم ... وقبورهم زرها إذا ما ماتوا
ولم أتعرض لأحوالهم لأن ذلك يطول، والكتاب غير موضوع له، فاكتفيت بذكر أسمائهم.
فمنهم " من " الطائفة الغازية بسجلماسة سيدي أحمد بن أبي القاسم ابن مولود " الجاوزي السجلماسي " زرته مراراً، وأبوه أبو القاسم من مشاهير أصحاب شيخ " مشايخنا " " سيدي " أبي القاسم الغازي، وجده سيدي مولود من أصحاب شيخ الطوائف المغربية أبي العباس سيدي أحمد بن يوسف " الراشيدي الملياني وسيدي عبد الكريم ابن أحمد بن يوسف " زرته " أيضاً " مراراً وأبوه هو ابن أخي الشيخ أبي القاسم الغازي وأحد أصحابه، وسيدي البكري ابن أحمد بن أبي القاسم بن مولود المتقدم، وسيدي مبارك بن محمد الغرفي العنبري، وشيخنا الأستاذ سيدي أحمد الدراوي.
وبدرعة أستاذنا ومُفيدنا الإمام الهمام بحر الشريعة والحقيقة، وسراج الطريقة، أبو عبد الله سيدي محمد بن ناصر، وشيخه سيدي عبد الله بن حسن الرقي، وشيخه سيدي أحمد بن علي الحاجي، وشيخه سيدي أبو القاسم الغازي، وجماهة من أصحاب الشيخ ومن أولاده يطول ذكرهم: فمنهم خليفته سيدي أحمد بن محمد بن ناصر، وأخوه " الشيخ " سيدي الحسين بن محمد بن ناصر، وسيدي منصور أحد أولاد الشيخ سيدي أحمد بن علي، ومنهم " سيدي " أحمد بن عبد الصادق الرتبي، ومنهم سيدي أبو طاهر بن عبد الله بن أبي بكر السجلماسي، ومنهم المولى أبو عبد الله سيدي محمد بن عبد الله بن علي بن طاهر الحسني المعروف بابن علي، وكنت عقدت معه عقد المحبة الخاصة، وكتبت إليه في شأن ذلك من الزاوية البكرية كتاباً وفيه:
يا ابن الكرام الصّيدِ من فِهْرِ ... أُولي المعالي السادة الزُّهْرِ
مَنْ بَيْتُهم يعلو الثريّا ومن ... حذَوْا نعالاً رُقْعَةَ البدرِ
ومن صفَوْا قِدماً وصُوفوا على ... كل الورى في سالف الدهر
هذا سلام الله يغدوكم ... على مطايا الشّوق من صدري
شيعته من صفو ودي لكم ... بنسمة طيبة النّشْرِ
أبهى وأذكى من نسيمٍ سرى ... سحيرة من جانب الشِّحْر
في روضه غناء يزهو بها ... غِبَّ الندى مؤتلقُ الزَّهْر
سلام من لم يختلل قلبه ... لكم سوى ود بلا غِمْر
رأس صفي لم يشب محضه ... صرف ولا أزرى به مزر
فإن يكن هجر فممّا جنت ... نفسي، ولكن عنده عذري
إن جزاء الحُبّ حُبّ كما ... قد قاله الشبلي أبو بكر
стр. 139
ومنهم العالم العلاّمة المولى أبو محمد سيدي عبد الهادي بن عبد الله بن علي بن طاهر الحسني أخو المذكور قبله وأكبر منه سناً وعلماً. " ومنهم شيخنا أبو بكر بن الحسن التطافي " ومنهم شيخنا أبو عبد الله " سيدي " محمد بن محمد المرابط الدلائي. ومنهم شيخنا أبو محمد سيدي عبد القادر بن علي الفاسي. ومنهم شيخنا أبو عبد الله سيدي محمد بن سعيد السوسي المرغتي، وأخونا في الله سيدي عبد الله الشريف المصمودي، ومحبتنا سيدي أحمد بن محمد اليماني، وصاحبه أخونا " في الله " سيدي أحمد ابن محمد الأندلسي، والأستاذ سيدي عبد الرحمان بن القاضي، والحاج عبد العزيز الفلالي، " وسيدي " علي بن محمد الشريف " وسيدي عبد الله بن إبراهيم الفلالي " وسيدي عبد الله بن إبراهيم الفاسي وسيدي أحمد بن إبراهيم العطار الأندلسي وسيدي إسماعيل بن سعيد الدكالي وسيدي شعيب بن علي العباس وسيدي محمد بن أحمد الهشتوكي وسيدي منصور الدرهي التيرستي والحاج الحسين الدرعي وسيدي محمد بن عبد الله الزولتي وسيدي محمد بن عبد الله أحشوي، وسيدي محمد بن الشيخ الوفراوي والثلاثة من درعة. وسيدي عبد الله بن محمد العياشي، وسيدي علي بن عبد الرحمان الدرعي، وسيدي علي بن موسى السوسي، وسيدي محمد " بن موسى " الشيخ الزعري، وسيدي عبد الله بن أحمد بن رحال، وسيدي محمد بن موسى، وسيدي أبو جمعة بن مسعود، وسيدي سعيد بن عبد القادر الرجراجيون، وسيدي الوافي بن إبراهيم، وسيدي الصغير بن المنيار وابن عمه سيدي البصري، والفقيه سيدي محمد بن سعيد السملالي " السوسي " وسيدي محمد بن عبد القادر الونجلي، وسيدي أبو القاسم بن موسى، وسيدي محمد بن أبي بكر العياشي، وعائشة العدوية والحاج أحمد العجل، والأستاذ الطاهر الشريف.
انتهى بحمد الله تعالى وحسن عونه من خط المصنف بواسطتين عند العصر يوم الاثنين السابع والعشرين من رجب الفرد سنة إحدى وخمسين ومائة وألف، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد خاتم النبيين وإمام المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين عدد ما في علم الله صلاة وسلاماً تامين دائمين بدوام ملك الله.