← Адаб

Адаб · id 473

المحاضرات في اللغة والأدب

الحسن اليوسي

Полный текст (139 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ولما ظهرت الصوفية لم يعرف من حالهم وجود هذه الزاوية والقيام بكل وارد من الجنس وغير الجنس كما هو اليوم، بل كانوا ﵃ مَعنيّين بما يعنيهم، فمنهم المنقبض عن الناس شغلاً بحاله، ومنهم المخالط ينتفع الناس منه بعلومه ومعارفه وآدابه، وقد يكون منهم من يستقر بين أظهر الناس، ومنهم من يكون سائحاً إنما يلقى في الخلوات والفلوات، وقد يكون منهم من يكون أصحابه هم الذين يقومون بمثونته، أو يسأل قدر قوته، فكان أبو جعفر الحداد، وهو من أكابر المشايخ يخرج بين العشائين فيسأل من الديار حتى يحصل عل القدر المحتاج في ليلته، فيرجع، قالوا: وكان له قدم في التوكل معروف، ولم يُزْرِ به ذلك عند أحد، نعم تكون لهم رباطات فيكون فيها المتجردون من أصحابهم للعبادة كشبه حال أهل الصُّفة وذكر اليافعي ﵀ في ذلك حكاية عن الإمام " أبي بكر " الشبلي ﵁ قال: كان عنده في رباطه نحو أربعين مريداً يعبدون ويعيشون بالفتوح، وأنه اتفق له ذات مرة أن يفتح عليهم بشيء، حتى ضاقوا، فخرج الشيخ إليهم فحدثهم في مقام التوكل، وحضهم على الصبر، ثم ذهب عنهم، فبقوا بعده أياماً أُخر لم يأتهم شيء، فلحقتهم الضرورة، فلما كان ذلك خرج إليهم فقال لهم: إن الله تعالى أمرنا بالتوكل ورخص لنا الأسباب، فتسببوا، ففعلوا ذلك، وخرج الواحد منهم، البلد وجعل يجول في الأسواق والمجامع من غير أن يسأل أحداً وإنما يعرض نفسه لما يفتح الله تعالى من رزق، فلم يفتح عليه بشيء حتى انتهى إلى طبيب نصراني قد حلق الناس عليه، وهو يصف لهم الأدوية، فجلس بين يديه، ومد إليه يده ليجس نبضه بلا كلام، فجس الطبيب يده فقال له: أنا أعرف مرضك وأعرف دواءه، ثم قال لغلام له: عليَّ برطل من الشواء، مع خبز وحلواء، فأحضر الغلام ذلك، فقال الطبيب للفقير: أنت جائع، وهذا دواؤك، فقال الفقير: إن كنت صادقاً فمن ورائي أربعون كلهم بهذا المرض، فقال الطبيب لأصحابه: أحضروا من هذا الطعام ما يكفي أربعين، فأحضروا ذلك، فأمر الطبيب من يحمله، وأمر الفقير أن يمشي معهم إلى أصحابه، فلما خرجوا تبعهم الطبيب مستخفياً ليعلم أصدق الفقير أم لا؟ فأدخلوا ذلك إلى الرباط واستدعوا الشيخ فخرج اليهم، فوضعوا الطعام بين يديه فقال: ما هذا؟ فقص عليه الفقير القصة على وجهها فقال لهم: أفترضون أن تأكلوا طعام رجل من غير أن تكافئوه؟ فقالوا: فكيف نكافئه يا أستاذ؟ فقال: تدعون له، فأخذوا في الدعاء له، والطبيب في كل ذلك ينظر إليهم من طاق، فلما رأى صدق القول، ورأى حالهم من المحافظة على الحقوق، وارتفاع هممهم مع غاية الحاجة من غير أن يتناولوا الطعام قبل المكافأة ألقى الله تعالى الأيمان في قلبه، فدخل عليهم وقال للشيخ: مدَّ يدك، وتشهد شهادة الحق ودخل في صحبتهم فصار من الصوفية، ولله الحمد، فأنظر أيها الناظر في حكمة المولى المتفضل كيف أمسك عن أوليائه الرزق ليخرجوا إلى الخلق فيصطادوا هذا الولي الروميّ حين حان أوان الوصال والخروج من سجن القطيعة إلى حضرة مولاه، فسبحان من يقرب من يشاء، وهو ذو الفضل العظيم، وإنما هي السابقة " وكلّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَه " فكم من ولي لله تعالى في وسطه زنّار، وكم من كافر يؤذن فوق المنار، نسأل الله تعالى السلامة والعافية، ويظهر من القصة أن هؤلاء الفقراء يأتيهم الفتوح لرباطهم، لا أن " الطعام " يخرج لهم من دار الشيخ كما جرى في عرف اليوم، بل قد أشركوا الشيخ في طعامهم في هذه القصة.

стр. 72

وكان بعد ذلك الشيخ يوسف العجمي فيما حكى من سيرته يخرج الواحد من أصحابه ويذهب بدابة معه فيسأل النهار كله إلى الليل وما أجتمع يأتي به إلى الفقراء، وبذلك يعيشون، وصورة السؤال أن يقف بباب الدار والحانوت فيقول: الله، ويمد بها صوته حتى يكاد يغشى عليه ويسقط، قالوا: وكانوا يتناوبون في الخروج بينهم وبين الشيخ، يخرج الخارج يوماً لأنفسهم ويوماً للشيخ، فكان الخارج لهم يأتي بالدابة مُوقرة لحماً وخبزاً وجبناً وبصلاً وغير ذلك، وفي يوم الشيخ إنما يأتي بكسيرات يأكلها فقير واحد فقالوا له في ذلك فقال: أنّتم بشريتكم باقية، فبينكم وبين الخلق ارتباط، فيعطونكم، وأنا بشريتي قد فنيت حتى لا تكاد " ترى " فليس بيني وبين التجار والسوقة وأبناء الدنيا كبير مجانسة " قالوا ": وكان يأمر بإغلاق باب الزاوية " طول النهار " لا يفتح لأحد إلاّ للصلاة وإذا دق أحد يقول للنقيب: اذهب وانظر من شق الباب فإن كان معه شيء من الفتوح للفقراء فافتح له، وإلا فهي زيارات فشارات فقال بعض الناس في ذلك، فقال الشيخ: أعز ما عند الفقير وقته، وأعز ما عند أبناء الدنيا مالهم، إن بذلوه لنا بذلنا لهم وقتنا. وقد شاع اليوم إقامة الصوفية الزوايا بإطعام الطعام، ولا سيما في بلادنا المغربية، وخصوصاً في البوادي، وما يكون من فتوح يأتي إلى يد الشيخ، وهو ينفق فيه على المجاورين والواردين، وهذا قد كان فيهم من قديم، ففي ترجمة الشيخ أبي يعزى أن الناس " كانوا " يأتون إليه من كل بلد، فيطعمهم من عنده، ويعلف دوابهم، وأن الفتوح كانت تأتيه من إخوانه في الله تعالى فينفقها على زائريه وأن أهل القرى القريبة منه كانوا يضيفون الواصلين لزيارة أبي يعزى ويتبركون بهم، فلما مات أبو يعزى رِيءَ في النوم وهو يطير في الهواء فقيل له: بم نلت ما نلت؟ فقال: بإطعام الطعام. ويحكى عن الشيخ أبي محمد عبد الخالق بن ياسين الدغوغي أنه كان يقول: طلبنا التوفيق زماناً فأخطأناه، فإذا هو في إطعام الطعام وقد اشتهر ذلك اليوم حتى إن عوام البادية يرون ذلك كأنه شرط انتصب للزيارة أو تصدّى للمشيخة، ويعدون قوة ذلك وتيسره من كراماته، ولا يبالون بمن لم يروا ذلك على يده، فوقع في ذلك منافع عظام وآفات جسام. وأهل الزوايا مختلفون، منهم من يطعم الناس من مال أبيه أو من كد يمينه من غير أن يدخل عليه فتوح أصلاً، فهذا أقرب الناس إلى السلامة وأبعد عن الشبهة، وهو منتفع بحصول الأجر فيما أنفق، وفي سد خلة المحتاج، وفي ترغيب الناس في الخير بما يحصل لهم من الميل الطبيعي، وفي اجتماع أهل الخير عنده، وفي تعاونهم على البر، وتعلم العلم والأدب والمعرفة وتربية الخير، وإحياء مراسم الطريق، وتكثير سواد أهله، وغير ذلك من الوجوه المستحسنة، والمصالح المتبينة، وينتفع الناس معه بما ذكر وبحسن الظن به وبالطريق وبأهلها وبسلامتهم من كل ما يقابل ذلك من الآفات، إن كانت " لا " تأتيه الفتوح فذاك، وإن كانت تأتيه ويردها فلا شك أنها حالة رفيعة، ولكن لا بد أن يحذر آفة الرد كما يحذر آفة الأخذ، ولا سيما في الرد على إخوانه وأتباعه. ومن الآفات المشاهدة اليوم في ذلك أن الشح عياذاً بالله قد غلب على الناس ولا سيما فيما هو لله خالصاً، إذ لا باعث عليه من النفس، فتجد الفقير يثقل عليه أن يتصدق بدرهم لمسكين محتاج ويتيم وأرملة، ويخف عليه أن يحمل الدينار والدينارين إلى دار شيخه، وذلك إما لبواعث شهوانية كطلب الأعواض العاجلة أو مساعفة الغير أو المراياة أو نحو ذلك، وإما تصريف من الله تعالى وتسخير في هذا الوجه، ثم إن رد عليه شيخه ذلك وأغلق عليه بابه انغلقت عليه أبواب الخير والنفقة، فبأي وجه يرتاض في صفة البخل حتى يتخلى منها؟ " أو " بمجرد الموعظة والتذكير من شيخه من غير أن ينازلها بالفعل؟ وهيهات منه ذلك! وإذا كان كذلك كان شيخه قد غشه في تربيته له ولو أنه قبض منه ذلك وأنفقه له في وجوه الخير كان أعود عليه وأرجى لاعتياده ذلك في جهات أخرى، ولحصول نور ينتفع به، نَعَمِ الأمْرُ مُخْطِر، والناس فيه ثلاثة: رجل طالب دنيا آكلٌ بدينه، يقبض لنفسه شهوة، فهذا فاسد مفسد، وربا أنتفع معه من أنفق لله تعالى " إنَّ اللهَ يُؤَيّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الفّاجِرِ ".

стр. 73

ورجل صادق في حاله، غير كامل في تصرفه، يخشى العطب في الأخذ، ويؤثر جانب السلامة، فهذا سالم في نفسه، ولا ربح معه للناس من هذا الوجه. ورجل كامل قد تضلع من العلم والحال، فهذا حقه الأخذ لحق الغير نصحاً له وإعانة له على الخير، اللهم إلاّ أن يعرض ما يمنع كاطلاعه على اختلاف قصد المتصدق أو فساد في المال أو نحو ذلك. وكان ﷺ يقبل من أصحابه ما يأتون به من النفقة إعانة لهم على الخير، وتزكية لهم عن الأخلاق المذمومة، ونفعاً للمسلمين بما أنفقوا وإلا فهو ﷺ أغنى الخلق ظاهراً وباطناً، وقد عرض عليه أن تجعل له الجبال ذهباً يتفق منها فلم يرض، وقد لا يقبل لعوارض، وقد قال ﷺ في آخر الأمر: " هَمَمْتُ ألاَّ أقْبَلَ إلاّ مِنْ قُرَشيّ أو ثَقَفيّ أوْ دَوْسيٍّ " والكامل من المشايخ له مدخل في ذلك. ومنهم من يطعم من الفتوح أو من الأمرين، فإن استقام أخذه وتصرفه فهو ينتفع بما مر في الأول، وإن كان لا يبلغ في أجر النفقة مبلغ من أنفق في كد يمينه، وعرق جبينه، وبمعاونة الناس على الخير، وإدخال السرور عليهم في الأخذ، وتربية أحوالهم المحمودة، وتزكيتهم من المذمومة، وبالسلامة من الأنفة والاشتهار بالنزاهة المتوقع في الأول، وبتيسر رزقه في خلال ذلك ليتفرغ للعباده، إلى غير ذلك من المنافع الدينية والدنيوية، وينتفع الناس معه بما مر، والمنفقون بذلك مع حصول أجر ما أنفقوا، والتخلي والتحلي كما مرّ، وغير ذلك، ومن سوى هذين الشخصين من كل من يستظهر بالخرقة ويتجر باللقمة فلا عبرة له، وقد ينتقع المنفق كما مر إن سلم من أتباعه على زيغه والسقوط في مهاوي بدعته، وهذا كله في الإطعام والإنفاق جملة. وأما أكل المريد لطعام شيخه والنزول في مثواه وافتراش فراشه وغير ذلك من الانتفاعات فقد يسلم في ذلك وقد يحصل له انتفاع زيادة على السلامة كحصول بركة ونور في قلبه أو رحمة من الله تعالى بذلك، وقد جاءت امرأة من لكتاوة إلى دار أشياخنا، وأظنه في حياة سيدي أحمد بن إبراهيم بقصد الزيارة فأكلت من طعام الزاوية ثم رجعت إلى بلدها وبقيت أياماً فماتت فريئت بعد موتها فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقالت: رحمني بالطعام الذي أكلت من الزاوية. وقد يتضرر المريد بذلك من جهات منها أن يتشوف إلى ذلك أو إلى المَزية فيه فيفسد قصده، ويختل حاله، ومنها أن يستشعر شيخه منه أحياناً ثقلاً في ذلك لما يقتضيه الطبع البشري، فينفر منه، وفي ذلك ضرره، وقد تذهب زيارته وخدمته في بطنه، وذلك هو الخسران المبين، ومن ذلك وقع ما ذكر في صدر هذه الترجمة للشيخ أحمد بن يوسف من ترك الإطعام كما قال، وقد يدخل عليه في ذلك من مزاحمة الإخوان والواردين الشغل والفتنة والشحناء والتدابر والتقاطع وغير ذلك. وقد حدثونا عن شيخ شيوخنا سيدي عبد الله بن حسين الرقي ﵁ أنه " كان " إذا ذهب مع الفقراء لزيارة شيخهم سيدي أحمد بن علي يأخذ معه زاداً تحت إبطه فإذا وصلوا إلى زاوية الشيخ انفرد عنهم ودخل المسجد واشتغل بحاله واقتات من زاده فلا جَرَمَ " أن " كان هو الذي أنجح وأفلح. هذا ولا يخلو شيء من مصالح وآفات، والمعصوم من عصمة الله، والموفق من وفقه الله، والورع من ورعه الله، فلا يمكن الاعتراض على من أكل، ولا من ترك، ولا من أطعم، ولا من ترك، ولا من اشتهر، ولا من اختفى، اللهم إلاّ " على " من كان في تربيته على يده بوجهه، فمن عرف فليتبع، ومن جهل فليسلم، والنصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باقية في محلها بشرطها. وبلغني أن الفقيه الصالح سيدي الصغير ابن المنيار مر ذات مرة بسيدي محمد بن أبي بكر الدلائي فأخرج إليه الطعام من الزاوية فلم يأكله فبلغ ذلك ابن أبي بكر فذكر ذلك وكأنه اعتل بما يقع من خدمة الناس في الحصاد والدرس، فقال له ابن أبي بكر: أيما أفضل أنت أم جدك؟ يعني سيدي علي بن إبراهيم، وقد جاءه بنو موسى بسبعمائة منجل ليحصدوا، فلما رأى عددهم قال لهم: بخلتمونا يا بني موسى، فقال له سيدي الصغير: جدي أعرف بحاله وأقدر على ما يفعل، وأنا أتصرف بمقتضى حالي أو نحو هذا " من " الكلام. وقد يكون للولي حال مع الله تعالى فيسأل الناس ويأخذ من الله تعالى لا من الناس، ويتصرف بالله وفي الله، ولا يصح الاعتراض عليه لاستقامته.

стр. 74

وقد قيل للإمام الجنيد: إن النوري يسأل الناس فقال: دعوه في حاله، ولكن هاتوا الميزان فوزن قدراً من الدراهم، ثم أخذ قبضة من الدراهم بغير وزن فقذفها على الموزون وقال لصاحبه: اذهب بتلك المجموع " إليه " فلما باغ النوري قال: " النوري ": " هات " الميزان، فوزن القدر الموزون ورده وأخذ الباقي، فقال له الحامل: كنت عجبت من فعل الجنيد وأنه كيف خلط الموزون، فأي فائدة للوزن؟ وفعلك هذا أعجب، فما هذا؟ فقال له النوري: إن الجنيد رجل حكيم، وإنه أحب أن يأخذ الحبل بطرفيه، فوزن قدراً لنفسه وجعل الآخر لله تعالى، ونحن قد أخذنا ما لله تعالى، فلما رجع الرسول إلى الجنيد بكى وقال: أخذ ماله ورد علينا مالنا، فتبين بذلك أنه يأخذ ما لله من الله عن بصيره صادقة فلا بأس " عليه " " بذلك " والله الموفق " و " المعين. لله الأمر من قبل ومن بعد ميل القلوب ونفرتها كان بعض الطلبة من أصحابنا في قرية، وكانت القرية قرية سوء، وأهلها كذلك، ثم إن بعض الأصحاب رام لوم ذلك الطالب على الاستقرار فيها فقال له: كيف تبقى في تلك القرية وهي كيت وكيت يعدد عليه مساويها؟ فقال الطالب: أحمد الله وأشكره، فلما قال ذلك استحمقه اللائم وازداد في الإنكار عليه وأنه كيف يحمد على هذا، فقال له الطالب: قد رأيت كلَّ ما ترون من مساويها، وعلمت منها ما تعلمون أو أكثر، ومع ذلك فأجد قلبي غير نفور عنها " فأحمد الله تعالى إذ قضى عليَّ الاستقرار فيها ولم ينفر قلبي عنها " فلو أنه تعالى قضى عليَّ وَكرهها لي وأنا لا أجد بداً منها بحكم القضاء فما ترون يكون عيشي عند ذلك؟ فلما قرر هذا المعنى وجدوه معنى لطيفاً تنبه إليه وسلموا له. وشرح ذلك باختصار أن الله تعالى أودع في طبع الآدمي ميلاً إلى شيء ونفوراً عن شيء، ويسمى الأول ملائماً، إما حسياً كالشراب والطعام واللباس والنكاح " في الجملة ونحو ذلك " وإما معنوياً " كالعز " والجاه والراحة والصحة والعافية ونحو ذلك، ويسمى الثاني منافراً إما حسياً أيضاً كالعَذِرة والبول والدم والميتة والشوك والجرح والضرب والسجن والقيد ونحو ذلك، وإما معنوياً كالذل والمهانة والعجز والضيم والغم والحزن ونحو ذلك. ثم إن الأعيان الموجودة في الدنيا كالأموال المكتسبة وغيرها من الحيوانات العجماوات والجمادات مثل الأمكنة والأزمنة والجهات والقرناء والأصحاب ونحو ذلك منها ما يكون من القسم الأول ملائماً لمقارنته للملائم كالأنعام لما فيها من الأكل والشرب والركوب والحمل والزينة، والرباع لما فيها من الاشتغال بأنواعه، والنساء في الجملة لما فيها من الاستمتاع، وسائر الانتفاع، وعلى الخصوص فيمن وجد ذلك فيه حقيقة أو توهماً، وكذا في سائر ما ينفع له، ولذا قال تعالى:) زُيِّنَ للنّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ (الخ. ومنها ما يكون من القسم الثاني منافراً لمقارنته للمنافر كالسباع والحيات والعقارب والأعداء ونحو ذلك، وكذا الأمكنة والأزمنة والجهات تكون ملائمة إذا كانت ظرفاً للملائم، ومنافرة إذا صارت ظرفاً للمنافر، وهذا هو الأمر المعتاد، وقد تخرق هذه العادة في شخص فيجعل في قلبه ميل إلى غير ملائم أو نفرة عن غير المنافر إما بسبب كالسحر ونحوه، أو بمحض الحكم الأزلي، ولا بد أن يتوهمه في نفسه ملائماً في تلك الحالة أو منافراً، فلا تنتقض العادة الجارية، ثم إن الله تعالى قدر على العبد قبل إيجاده " كل " ما يلقاه من هذه الأشياء، فإن قدر عليه أن يلقى الملائم فعندما يلقاه ينعم من جهتين: إحداهما وجود الانتفاع الذي فيه كما قررنا، والأخرى أنس قلبه به فيكون كما قال عمر بن عبد العزيز ﵁: إذا وافق الحق الهوى فهو العسل والزبد، وإن قدر عليه أن يلقى المنافر فهو عندما يلقاه يعذب من جهتين، وهما التضرر الظاهر، والتألم الباطن بالكراهة، وهذان القسمان في الملائم والمنافر الحقيقيين، وهما واضحان جالسان على المعتاد، ووراءهما أربعة أقسام فيما يرجع إلى القلب من الميل والنفرة: الأول أن يقضى عليه بعدم ملاقاة اللائم ولا يخلق في قلبه ميل إليه كحال المجانين أو يخلق له كراهيته.

стр. 75

الثاني أن يقضى عليه بملاقاة المنافر ولا تخلق في قلبه نفرة عنه أو يخلق له الميل إلى الميل إليه، وفي كلا القسمين تقع السلامة من العذاب وإن لم يحصل نعيم أو يحصل نعيم موهوم أو خسيس تابع لخسة عقل صاحبه أو ضعف حسه كالصبي الذي يأكل التراب، ومن القسم الثاني قصة صاحب القرية المذكور. الثالث أن يبتلى بالميل إلى شيء ومحبته بحكم القضاء ملائماً أو غير ملائم ولا يقضى له بملاقاته. الرابع: أن يبتلى بالنفرة عن شيء وكراهته بحكم القضاء أو غير منافر ويقضى عليه بملاقاته، وفي كلا القسمين يقع العذاب والمحنة بالنظر إلى الباطن، وإلى الأول يشير المجنون في قوله: قضى لغيري وابتلاني بحبها ... فهلا بشيء غير ليلى ابتلانيا وكأنه يقول: لو قضاها لي أي الرب سبحانه بأن أتزوجها حين ابتلاني بحبها لنعمت ولو لم يبتلني بحبها حين قضاها لغيري أن يتزوجها لاسترحت فلا أنا بحصولها في يدي ولا أنا بخروجها من قلبي فهذا هو العذاب المبين، وإلى القسمين معاً يشير " الآخر في قوله ": من لم يعش بين أقوام يسر بهم ... فعيشه أبداً همٌّ وأحزان وأخبث العيش ما للنفس فيه أذى ... خُضْرُ الجنان مع الأعداء نيران وأطيب العيش ما للنفس فيه هوى ... سَمّ الخياط مع الأحباب ميدان وحاصله تحكيم القلب وأنه المرجع في النعيم والعذاب، ولا عبرة بالمحسوس إلاّ بما فيه من التأدية إلى ما في القلب، وإلى هذا المعنى يشير الصوفية في النعيم والعذاب الموعود في الدار الآخرة كما قال في الحكم: النعيم وإن تنوعت مظاهره ... إنما هو لشهوده واقترابه، والعذاب وإن تنوعت مظاهره ... إنما بوجود حجابه. فسبب العذاب وجود الحجاب. وإتمام النعيم بالنظر إلى وجهه الكريم. وإلى هذا المعنى يرجع كل ما يذكر من الحنين إلى الأوطان النائية، والبكاء على المراسم الخالية، وذكر الأحباب النازحة، والأيام الصالحة، ومن مرارة الفراق، ولوعة الاشتياق، وما قيل في ذلك يملأ الأرض، ويفوت الطول والعرض، كقول الأول: وكل مصيبات الزمان رأيتها ... سوى فرقة الأحباب هينة الخطب وكتب المهدي وهو بمكة إلى الخيزران: نحن في أفضل السرور ولكن ... ليس إلاّ بكم يتم السرور عيب ما نحن فيه يا أهل ودي ... أنكم غبتم ونحن حضور فأجدوا المسير بل إن قدرتم ... أن تطيروا مع الرياح فطيروا فأجابته: قد أتانا الذي وصفت من الشوْ ... ق فكدنا وما فعلنا نطير ليت أن الرياح كن يؤدي ... ن إليكم ما قد يجن الضمير لم أزل صبة فإن كنت بعدي ... في سرور فدام ذاك السرور وقال أبو تمام: لو حار مرتاد المنية لم يجد ... إلاّ الفراق على النفوس دليلا وقال أبو الطيب: لولا مفارقة الأحباب ما وجدت ... لها المنايا إلى أرواحنا سبلا " وقال أحمد بن رجاء الكاتب: أخذ مني تميم بن المعز جارية كنت أحبها وتحبني فأحضرها ليلة في منادمته فنام فأخذت العود وغنت عليه صوتاً حزيناً من قلب قريح وهو: لا كان يوم الفراق يوما ... لم يبق للمقلتين نوما شتت مني ومنك شملا ... فساء قوماً وسر قوما يا قوم من لي بوصل ريم ... يسومني في الغرام سوما ما لامني الناس فيه إلاّ ... بكيت كيما أزاد لوما فأفاق المعز مع فراغها ورأى دمعها يسيل فقال: ما شأنك؟ فأمسكت هيبة له، فقال لها: إن صدقتني لأبلغنك أملك، فأخبرته بما كنا عليه فأحسن إليها وردها إلي وألحقني بخاصة ندمائه، وقال ابن ميادة: ألا ليت شعري هل يحلن أهلها ... وأهلك روضات ببطن اللوى خصرا وهل تأتينّ الريح تدرج موهناً ... برياك تعروري بها بلداً قفرا بريح خزامي الريح بات معانقاً ... فروع الأقاح تهضب الطل والقطرا ألا ليتني ألقاك يا أم جحدر ... قريباً فأما الصبر عنك فلا صبرا وقال أبو العتاهية: أمسى ببغداد ظبي لست أذكره ... إلاّ بكيت إذا ما ذكره خطرا إن المح إذا شطت منازله ... عن الحبيب بكى أو حن أو ذكرا وقال آخر: أقول لصاحبي والعيس تخدي بنا بين المُنيفة فالضِّمَار تمتع من شميم عرّار نجد ... فما بعدَ العشية من عرّار

стр. 76

ألا يا حبذا نفحات نجد ... وريا روضه بعد القِطار وأهلك إذ يَحلى الحيّ نَجْداً ... وأنت على زمانك غير شهور ينقضين وما شعرنا ... بأنصاف لهنّ ولا وقال الآخر: سقى الله أياماً لنا قد تتابعت ... وسقياً لعصر العامرية من عصر ليالي أعطيت البِطالة مِقْوَدي ... تمر الليالي والشهور لا أدري وللإمام سليمان الكلاعي ﵁: أحن إلى نجد ومن حل في نجد ... وماذا الذي يغني حنينيَ أو يجدي وقد أوطنوها وادعين وخلفوا ... محبهم رهن الصبابة والوجد وضاقت عليّ الأرض حتى كأنها ... وشاح بخصْرٍ أو سِوار على زَند إلى الله أشكو ما ألاقي من الجوى ... وبعض الذي لاقيته من جوى يُردي فراق أخلاء وصد أحبةٍ ... كأن صروف الدهر كانت على وعد ليالي نجني الأنس من شجر المنى ... ونقطف زهر الوصل من شجر الصد وقال الآخر: إذا أشرف المكروب من رأس تلعة ... على شعب بوان أفاق من الكرب وألهاه بطن كالحرير لطافةً ... ومطرّد يجري من البارد العذب فيا لله يا ريح الجنوب تحملي ... إلى شعب بوان سلام فتى صب " ولا ينحصر هذا الفن والاشتغال به يطيل. لله الأمر من قبل ومن بعد حنين المؤلف إلى الزاوية الدلائية وكنت لما نزلت بخلفون على أم ربيع ذكرت من كان معنا في الزاوية الدلائية من المعارف والأحباب، وكانوا يومئذ قد شرقوا لناحية تلمسان فقلت: سلام على الأحباب غير مضيع ... لذي شرف ذكراً ولا لوضيع سلام محب لا يزال أخا هوى ... إلى جلة قد شرقوا ونزوع ومن يسأل الركبان عني فإنني ... حللت ببيتي حول أم ربيع فألفيته يحكي زفيري زفيرة ... بقلب كقلبي بالفراق صديع ويسعدني في عبرتي غير أنه ... يخالفني في مهبط وطلوع فتجري إلى مَهْفى الجنوب دموعه ... وتجري إلى مَهْفى الشمال دموعي ولما كنت بمدينة مراكش - حرسها الله تعالى - " سنة ثلاث وتسعين وألف " وقد بقيت الأملاك في خلفون والكتب وما معها في مكناسة وبقيت العلائق في جبال فازاز والقبيلة في ملوية " قلت ": تشتت قلبي في البلاد فقسمة ... بمراكش منه على رجل طائر وأخرى بخلفون وأخرى مقيمة ... بمكناسة الزيتون حول الدفاتر وأخرى بفازاز وأخرى تجزأت ... بملوية الأنهار بين العشائر وأخرى بذاك الغرب بين أحبتي ... بأهل البوادي منهم والحواضر فيا رب فاجمعها فإنك قادر ... عليها وما غير الإله بقادر ويا رب فأجعلها بأوطانها فما ... عُبَيدك للبنين المشت بصابر لك الفضل والإحسان بدءاً وآخراً ... وإني لما أوليتني جِدُّ شاكر فمُنَّ بإنعام وجُد لي بحاجتي ... ورفق بقلب للهموم مسامر فمالي إلاّ بابك الرحب ملجأ ... وما طلب الحاجات منك بضائر ومالي إلاّ جودك الجمّ شافع ... وحسبي بفيض منه أغزر وافر وصفوتك المبعوث للناس رحمة ... بشيراً شفيعاً مظهراً بالبشائر صلاة وتسليم عليه مدى المدى ... وعترته والصّحب أهل البصائر وجرى يوماً ذكر البيتين اللذين أنشدهما سيدنا بلال ﵁ وهما قوله: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بواد وحولي إذخر وجليل وهل أردن يوماً مياه مَجَنّةٍ ... وهل يبدون لي شامة وطفيل فهاج لي إلى الأوطان اشتياق، فقلت نحو هذا المساق: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بسهب الشنين أو بسهب بني ورا وهل تعبرن نهر العبيد ركائبي ... وهل تتركن داياً وأدواءَها ورا وهل أردن عسلوج يوماً فأشربن ... مياهاً به يحكي رحيقاً وكوثرا وهل تمرحن حيلي بذروة آمناً ... وبُطنانها من قبل أن يحفر الثرى وهل أكحلن يوماً جفوني بنظرة ... إلى الأرزات الفارعات فتبصرا وهل أدفعن جيش الهموم ببسطة ... مع الحي في تلك الديار فتقصرا ونهر العبيد " هو " وادي العبيد المعروف، ومدينة داي هي المعروفة اليوم بالصومعة في تادلا، وإنما قال أدواؤها أي أمراضها لأنها كثيرة الأمراض والوخم.

стр. 77

ومن غريب ما اتفق لي في هذا البلد أنني مررت به حين سافرت إلى ناحية مراكش في طلب العلم فأصابتني الحمى منه، وذلك أول حمى أصابتني في عمري ثم بقيت في تلك النواحي عدة سنين فلما رجعت ومررت به أصابتني أيضاً، وكأنها كانت تنتظرني، ولذا كان من جملة التمني أن أترك هذه البلدة وأمراضها ورائي بالمجاوزة إلى وطني. وكنا ذات مرة في بساتين خارج الحضرة المراكشية، ثم سرينا ليلة لقصد زيارة بعض الصالحين وركبت فرساً، فما استويت " عنه " وبرد الليل وكنت أستحب السري فانبسطت نفسي وتمنيت أن لو كنت على أعتق من ذلك الفرس، وذكرت الأوطان فقلت ارتجالاً أو شبه ارتجال: يا سرية لو كنت أسريها على ... نهد أغر محجل يعبوب ينسابُ من تحتي كأن ذميله ... جريان ماء في الصفا مصبوب ما بين خلاد فخوخات إلى ... نهر الرمال فمقطع فجبوب فإذا فصلت من السلام عليكمُ ... وهفت صباً في الجو ذات هبوب فهناك تنشقني الحجاز وشيحه ... وتتم عرفاً من شذا محبوب صلى الإله عليه ما وكف الحيا ... في الروض من وبل ومن شؤبوب وعلى الأماجد آله وصحابه ... ما حنّ محبوب إلى محبوب يا رب أنت رجاؤنا في نيْل ما ... نرجو فكن لعبيدك المربوب لا رب نرجوه سواك أممكن ... وجدان آلهة لنا وربوب؟ فامنن عليها واسقنا إنا لفي ... ظمأ على شحط النوى وذبوب واجمع بصفوتك الأجلة شملنا ... مع اخوة ومعارف وحبوب واختم لنا معهم بدين قيم ... يتعلق وتشوّق مشبوب فالدين والخرات أعود مقتنى ... أبداً لكل مشمر ملبوب وجرى " يوماً " ذكر قصيدة ابن الخطيب التي أولها: سلا هل لديها من مخبرة خبر ... وهل أعشب الوادي ونم به الزهر فسما أيضاً شوق وحزن، وعاود الفؤاد ذكر الوطن والسكن فقلت: شم برقها أعلى أجارع ذي أضا ... وكفّت فأترعت الجداول والأضا واحجب عليَّ وميضه فلقد حشا ... وسط الحشا جمر الغضا لما أضا فكأنه مذ لاح في تلك الربا ... ما بين أحشائي حُسام مُنْتَضى ما زال يذكرني معاهد جيرتي ... وعشيرتي ومعارفي مذ أومضا " هذا على أن لست قط بمغفل ... لعهودهم ما حان منها أو مضى " أم ساقها لجيوب ذروة سحرة ... فسقى بها قيصومها والعرمضا وأدار فوق نجودها كاس الحيا ... وهْناً فأصبح كل نشز مبرِضا " خلعت أكف السحب أردية الكلا ... ومطارف الزهر النضير على الفضا " وأفاضت الغدران حتى عاقرت ... أيدي الروابي الشم جريال الفضا ما شئت من روض تراه مُذهبا ... فيها ومن روض تراه مفضّضا بلد صحبت العيش فيه أخضرا ... نضراً ووجهَ الدهر أبيضا درت علي به الأماني حُفّلاً ... وهمَتْ عليَّ غيوث بر فُيَّضا ولبست فضفاض النباهة سابغاً ... وركبت صهوة كل فضل رَيّضا وأسمتُ سرحي في المطايب مُمْرِعاً ... ورميت صيدي في المآرب معرضا في فتيةٍ قد كان شربي فيهم ... صفو الودادِ وكل خلْقٍ مرتضى تَخِذوا المروءة والسماحة والندا ... والبر والإكرام ديناً مقتضى وتألفوا كالماء والصهباء في ... كأس وكلٌّ ذو سجايا ترتضى لله الأمر من قبل ومن بعد الاعتزال عن الخلق طلباً للسلامة حدثني الأخ الفاضل أبو عبد الله محمد بن مسعود العيسوي العرفاوي قال: سافرت إلى بلاد القبلة ذات مرة فمررت بالمرابط الخير أبي عبد الله محمد بن أبي بكر العياشي فدخلت لأزوره فلما قعد مني قريباً ثم أنشدني " متمثلاً " قول الشاعر: جفوت أناساً كنت آلف وصلهم ... وما بالجفا عند الضرورة من باس فلا تعذلوني في الجفاء فإنني ... وجدت جميع الشر في خلطة الناس والمراد من الشعر ومن التمثل به الاعتزال عن الخلق طلباً للسلامة لا ما يفهم من لفظ الجفاء، وفي الحديث: " خَيْرُ النّاسِ مَنْزِلَةً يَوْمَ القِيَامَةِ رَجُلٌ أخَذَ بعِنَانِ فَرَسِهِ في سَبِيلِ اللهِ يُخِيفُ العَدُوَّ وَيُخِيفُونَهُ وَفي رِوَايَةٍ: حَتّى يَمُوتَ أوْ يُقْتَلَ ". والذي يليه رجل معتزل في شِعْبٍ من الشعاب يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويعتزل شرور الناس.

стр. 78

وعن أمير المؤمنين عمر ﵁ قال: الطمع فقر، واليأس غنى، والعزلة راحة من جليس السوء، وفريق الصدق خير من الوحدة. وقال أبو الدرداء ﵁: كان الناس ورقاً لا شوك فيه، وهم اليوم شوك لا ورق فيه. وقال بعض الأئمة: العزلة عن الناس توفي العرض، وتبقي الجلالة، وترفع مئونة المكافأة في الحقوق اللازمة، وتستمر الفاقة. وقد أولع الشعراء قديماً وحديثاً من هذا المعنى بالتبرم بالناس والاستيحاش من الخلق وذم الزمان وأهله، فمن ذلك قول أبي العتاهية: بَرِمْتُ بالناس وأخلاقهم ... فصرت أستأنس بالوحدة ما أكثر الناس لعمري وما ... أقلهم في حاصل العِدّه ونحوه قول الآخر: ما أكثر الناس بل ما أقلهم ... والله يعلم أني لم أقل فَنَدا إني أفتح عيني حين أفتحها ... على كثير ولكن لا أرى أحدا وقول الآخر: مخالط الناس في الدنيا على خطر ... وفي بلاء وصفو شِيبَ بالكدر كراكب البحر إن تسلم حُشاشته ... فليس يسلم من خوف ومن حذر وقول الآخر: قد لزمت السكون من غير عيّ ... ألزمت الفراش من غير عله وهجرت الإخوان لما أتاني ... عنهم كل خصلة مضمحله وقول الآخر: إن بني دهرنا أفاع ... ليس آمن ساوَرَتْ طبيبُ فلا يكن فيك بعد هذا ... لواحد منهم نصيب وقول الآخر ويعزى للإمام الشافعي ﵁: ليت السباع لنا كانت مجاورة ... وليتنا لا نرى مما نرى أحدا إن السباع لتهدا في مرابضها ... والناس ليس بهادٍ شرهم أبدا فاهرب بنفسك وأستأنس بوحدتها ... تعش سليماً إذا ما كنت منفردا وقول طرفة بن العبد: كل خليل كنت خاللته ... لا ترك الله له واضحه كلهمُ أروع من ثعلب ... ما أشبه الليلة بالبارحه وقول امرئ القيس: كذلك جدي ما أصاحب صاحباً ... من الناس إلاّ خانني وتغيرا وقول الآخر: وزهدني في الناس معرفتي بهم ... وطول اختباري صاحباً بعد صاحب فلم تُرِني الأيام خلا تسرني ... مباديه إلاّ خانني في العواقب ولا قلت أرجوه لدفع مُلِمّةٍ ... من الدهر إلاّ كان إحدى المصائب " وقال أبو فراس: بمن يثق الإنسان فيما ينويه ... ومن أين للحر الكريم صِحاب وقد صار هذا الناس إلا أقلهم ... ذئاباً على أجسادهنّ ثياب وقال محمد بن تميم: لك الخير كم صاحبت في الناس صاحباً ... فما نالني منه سوى الهم والعنا وجربت أبناء الزمان فلم أجد ... فتى منهم عند المضيق ولا أنا وقول الآخر: دَع الإخوان إنْ لم تلق منهم ... صفاء واستعِنْ واستغْنِ باللهْ أليس المرء من ماء وطِين ... وأي صفا لهاتيك الحبِلَّه ومثله: ومن يكُ أصلهُ ماء وطيناً ... بعيد من جِبِلَّتِه الصفاء ونحوه: لا تثق من آدميّ ... في وداد بصفاء كيف ترجو منه صفْواً ... وهو من طين وماء وقال أبو العلاء: جربت أهلي وأصحابي فما تركت ... ليَ التجاربُ في ود امرئ غرضا وقول أبي الطيب: إذا ما الناس جربتهم لبيب ... فإني قد أكلتهم وذاقا فلم أرَ وُدَّهم إلاّ خداعاً ... ولم أرَ دينهم إلاّ نفاقا وأنشد أيضاً: ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى ... عدواً له ما من صداقته بد قيل إنه لما تنبأ قيل له: ما معجزتك؟ قال: قولي ... وأنشد البيت: وقول الآخر: تصفحت أبناء الزمان فلم أجد ... سوى من غدا واللؤم حشو ثيابه فجردت من سيف القناعة مُرْهَفاً ... قطعت رجائي منهم بذُبابه فلا ذا يرني واقفاً في طريقه ... ولا ذا يراني واقفاً عند بابه وقول الآخر: أردت من الدنيا صديقاً مؤاتياً ... وفياً بما أرضاه يرضى وينشرح فإذ لم أجد أغضيت عن كل كائن ... وقلت لقلبي قد خلا الكون فاسترح وقال غيره: ألام على التفرد كل حين ... ولي فيما إلامُ عليهِ عذر وكل أذى فمصبور عليه ... وليس على قرين السوء صبر وقال محمد بن تميم: من كان يرغب في حياة فؤاده ... وصفائه فلينأَ عن هذا الورى

стр. 79

فالماء يصفو إن نأى فإذا دنا ... منهم تغير لونه وتكدرا وقول الآخر: كن من الناس جانبا ... وارض بالله صاحبا قَلِّبِ الناس كيف شئ ... ت تجدهم عقاربا وأما أبو العلاء المعري فقد سلى نفسه عن عماه بقوله: قالوا العمى منظر قبيح ... قلت بفقدانكم يهون والله ما في الوجود شيء ... تأسى على فقده العيون " وقال غيره: الناس داء دفين لا دواء له ... تحير العقل فيهم فهو منذهل إن كنت منبسطاً رأوك مسخرة ... أو كنت منقبضاً قالوا به ثقل وإن تخالطهم قالوا به طمع ... وإن تجانبهم قالوا به ملل وإن تعففت عن أبوابهم كرما ... قالوا غني وأن تسألهم بخلوا ونحوه قول الآخر: لا تُعِدَّنَّ للزِمان صديقاً ... وأعِدّ الزمان للأصدقاء وقول الآخر: ورب أخٍ ناديته لملمة ... فألفيته منها أجلّ وأعظما وقول الآخر: وإخوان اتخذتهم دروعاً ... فكانوها ولكن للأعادي وخلتهم سهاماً صائباتٍ ... فكانوها ولكن في فؤادي وقالوا قد صفت منا قلوب ... لقد صدقوا ولكن من ودادي وقالوا قد سعينا كل سعي ... لقد صدقوا ولكن في فسادي وقال الآخر: لقاء الناس ليس يفيد شيئاً ... سوى الهذيان من قيل وقال فأقلل من لقاء الناس إلاّ ... لأخذ العلم أو إصلاح حال وقول الآخر: لا تعرفنْ أحداً فلست بواجد ... أحداً أضر عليك ممن تعرف وقول الآخر: وما زلت مذ لاح المشيب بمفرقي ... أفتش عن هذا الورى وأكشف فما إن عرفت الناس إلاّ ذممتهم ... جزى الله بالخيرات من لست أعرف ومثله قول الآخر: جزى الله بالخيرات من ليس بيننا ... ولا بينه ود ولا متعرف فما نالني ضيم ولا مسّني أذى ... من الناس إلاّ من فتى كنت أعرف ويقال: كتب رجل من أهل الري على بابه جزى الله خيراً من لا يعرفنا ولا نعرفه ولا جزى الله أصدقاءنا خيراً فإنا لم نُؤتَ إلاّ منهم. وينسب للإمام الغزالي ﵁ أيام سياحته: قد كنت عبدا ً والهوى مالكي ... فصرت حراً والهوى خادمي وصرت بالوحدة مستأنساً ... من شر أصناف بني آدم ما في اختلاط الناس خير ولا ... ذو الجهل في الأشياء كالعالم يا لائمي في تركهم جاهلاً ... عذري منقوش على خاتمي قالوا وكان نقش خاتمه:) وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين (. وقول الآخر: من أحسن الظن بأعدائه ... تجرع الهمّ بلا قال بعضهم: لو كنت ناظما لهذا البيت لقلت: من أحسن الظن بأحبابه ولا أقول بأعدائه. واعلم " أن تبرم " الناس بالناس واستيحاش بعضهم من بعض واستنقاص البعض للبعض هو أن الإنسان لما فيه من سبعية مؤذ بالطبع من يلقاه إما بيده أو بلسانه شتماً أو نميمة أو غيبة، وكل من يتأذى منه يستوحش منه ويستنقصه، ولما فيه من الشهوة يتقاضى حظوظه ويضايق عليها غيره لاتساع الشهوة وضيق الدنيا فيثور البغض والحسد وسائر الشر، ثم قد يطمع أن يستحصل حظوظه أو بعضها من الغير، والغير في شغل عنه بحظوظه فيستنقصه، ومن الأول ينشأ العجب بالغني واحتقار الفقير، ومن الثاني ينشأ عدم الوفاء بالوعد والعهد، وذلك أن الإنسان ليس له على التحقيق اختيار، أما باطناً فلأنه في قبضة الله تعالى، وكيف يتأتى وفاء أو عقد أو حل للعبد دون سيده؟ وأما ظاهراً فلأنه أسير شهوته وسمير نهمته، وقد قلت في وصف طباع الناس من قصيدة: ألم ترَ أن الدهر حبلى أنيَّة ... ولادتها يوماً وإن لم تكن تدري فمن منَحٍ تُسلي ومن محنِ تُسي ... نتائجها صغرى على المرء أو كبرى ولا تأمنَنْ أبناءه إن تحببوا ... إليك فمن يُشبه أباه فقد برا وكل بني دهر بأشباه دهرهم ... على ما قضى الله الحكيم وما أجرى متى ما ارتجوا رَغباء منك تقربوا ... إليك وأبدو خالص الود والبرا وأخفوا ذميماً كان فيك وأظهروا ... جميلاً وقالوا ذو محاسن لا تمرى فذلك أحرى أن يجلوا وينصتوا ... إليك رشاداً كان قولك أو ثبرا

стр. 80

وإن لم يرجّوا منك خيراً رأيتهم ... جفاء وإعراضاً يولّونك الظَّهْرا وينثون عنك المزريات وإن رأوا ... جميلاً أعاروه الغشاوة والوَقْرا فلا تُصْغ سمعاً للذي ذم منهم ... ولا الذي أبدى الجميل وإن أطرى فإن بني الدنيا عبيدُ هَواهُم ... على مركز الأهواء دَورتهم طُرّا وإنَّ هواهم حيث ترتقب الغنى ... وليس هواهم حيث ترتقب الفقرا إذا ما رأوا ذا الوفر لاذوا بذيله ... وإن لم ينالوا من سحائبه قطرا وإنْ بصروا بالمملق اهتزءوا به ... ومدوا إليه طرفهم نظراً شزرا وقالوا بغيض إن نأي ومتى دنا ... يقولوا ثقيل مبرم أدبر الفقْيرا فإن غاب لم يفقد، وإن علَّ لم يُعَدْ ... وإن مات لم يشهد وإن ضاف لم يقرا وفي اللهِ للمَرْءِ اللبيب كفاية ... عن الناس والمحروم من حرم الأجرا لله الأمر من قبل ومن بعد ذم المعاصرين ومدح المتقدمين واعلم أن هذا الطبع مركوز في طينة الآدمي منذ كان غير مخصوص بأهل زمان، وإن كانت بعض الأزمنة يخصها الله بغير ما يكون في غيرها من خير أو شر " لعارض " غير أن الناس لما دهتهم هذه الداهية من تأذي بعضهم ببعض وعدم الظفر بالغرض من الغير جعل كل يستنقص أهل وقته لمشاهدة وعدم الجدوى فيهم ويمدح من مضى، أما من لم يدركه فلتوهمه أنه على خلاف من رأى وأما من أدركه فلانقطاع شره ووقوع الاستراحة منه مع بقاء بعض الجدوى في الوهم ونزوع النفس إلى الإلف المألوف فلا تسمع إلاّ فسد الزمان وذهب الناس، فمن ذلك قول بشار: فسد الزمان وساد فيه المقرف ... وجرى مع الطرف الحمار الموكف وقول الآخر: ألا ذهب التكرّم والوفاء ... وباد رجاله وبقى الغُثاء وأسلمني الزمان إلى أناس ... كأمثال الذئاب لهم عُواء صديق كلما استغنيت عنهم ... وأعداء إذا نزل البلاء أقول ولا ألام على مقالي ... على الإخوان كلهم العفاء وقول الآخر: ذهب الذين إذا رأوني مقبلاً ... هشوا وقالوا مرحباً بالمقبل وبقيت في خلْفٍ كأن حديثهم ... ولغ الكلاب تهارشت في منهل وقول الآخر: ذهب الذين أحبهم ... وبقيت فيمن لا أحبه إذ لا يزال كريم قو ... مٍ فيهم كلب يسبه وقال منصور الفقيه: يا زماناً ألبس الأح ... رار ذلاً ومهانهْ لست عندي بزمان ... إنما أنت زمانَه وقول الآخر: مضى دهر السماح فلا سماح ... ولا يرجى لدى أحد فلاح رأيت الناس قد مسخوا كلاباً ... فليس لديهم إلاّ النباح وأضحى الظرف عندهم قبيحاً ... ولا والله إنهم القباح سلام أهل ابليد عليكم ... فإن البين أوشكه الرواح نروح فنستريح اليوم منكم ... ومن أمثالكم قد يستراح إذا ما الحر هان بأرض قوم ... فليس عليه في هرب جناح وقول الآخر: مضى الجود والإحسان واجتث أهله ... وأحمد نيران الندى والمكارم وصرت إلى ضرب من الناس آخر ... يرون العلى والمجد جمع الدراهم كأنهم كانوا جميعاً تعاقدوا ... على اللؤم والإمسَاك في صلب آدم " وللإمام الشافعي ﵁: صديق ليس ينفع يوم باس ... قريب من عدو في القياس وما يبقى الصديق بكل عصر ... ولا الإخوان إلاّ للتآسي عمرت الدنيا متلمساً بجهدي ... أخا ثقة فأكداني التماسي تنكرت البلاد عليَّ حتى ... كأن أناسها ليسوا بناس وقال غيره: هذا زمان تجاهل وتسامح ... وتغافل عن أهله فسد الورى فإذا سمعت فكن كأنك ما سمع ... ت وإن رأيت فكن كأنك ما ترى واجهد بنفسك في التخلص منهم ... فعساك تنجو إن نجوت وما أرى أو لا فكن في قعر بيتك لا ترى ... إن كنت ترغب في النجاة وبالحرى وقال أيضاً: عم الفساد جميع الناس ويحهم ... يا ليتَ شعريَ ماذا بعد ينتظر إن وعدُوا أخلفوا أو حدثوا كذبوا ... أو عهدوا غدروا أو خاصموا فجروا أو ائتمنتهم خانوا فكن رجلاً ... منهم على حذر قد ينفع الحذر وقال غيره:

стр. 81

ما في زمانك هذا من تصاحبه ... ولا صديق إذ حان الزمان وفى فعش فريداً ولا تركن إلى أحد ... فقد نصحتك نصحاً بالغاً وكفى وقال الأرجاني: تطلعت في يومَيْ رخاء وشدة ... وناديت في الأحياء هل من مساعد فلم أرَ فيما ساءني غير شامت ... ولم أرَ فيما سرني غير حاسد وقال غيره: خبرت بني الأيام طراً فلم أجد ... صديقاً صَدُوقاً مسعداً في النوائب وأصفيتهم منّي الودادَ فقابلوا ... صفاء ودادي بالقَذى والشوائب وما اخترت منهم صاحباً وارتضيته ... وأحمدته في فعله والعواقب وقال آخر: نحن والله في زمان غشوم ... لو رأيناه في المنام فزعنا أصبح الناس فيه من سوء حال ... حقّ من مات منهم أن يهنّا " وقول الآخر: أنعى إليك خلال الخير قاطبة ... لم يبقَ منهنّ إلاّ دارس العلم أنعى إليك مواساة الصديق وما ... قد كان يرعى من الأخلاق والذمم أين الوفاء الذي قد كان يعرفه ... قوم لقوم وأين الحفظ للحُرم أين الجميل الذي قد كان يلبسه ... أهل الوفاء وأهل الفضل والكرم أيسر وأنت صديق الناس كلهم ... ثمَّ ابلُ سرّهم في حالة العدم فإن وجدت صديقاً عند نائبة ... فلست من طرقات الحزم في أمم لما أناخ عليَّ الدهر كلكله ... وخانني كل ذي ود وذي رحم ناديت ما فعل الأحرار كلهم ... أهل الندى والهدى والبعد في الهمم قالوا حدا بهم ريب الزمان فسل ... أجداثهم عنهم تخبرك عن رمم وقول لبيد: ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب وتمثلت به أم المؤمنين عائشة ﵂ ثم قالت: وكيف لو أدرك لبيد زماننا؟ فقال عروة: كيف لو أدركت عائشة زماننا؟ ولما بلغ ابن عباس قول عائشة هذا قال: رحم الله لبيداً ورحم الله عائشة، لقد أصيب باليمن سهم في خزائن عاد كأطول ما يكون من رماحكم هذه مفَوَّق مَرِيش مكتوب عليه: " هذا ": ألا هل إلى أبيات منقطع اللوى ... لوى الرمل من قبل الممات معاد بلاد بها كنا وكنا منَ أهلها ... إذِ الناس ناس والبلاد بلاد أي فهذا العاديّ " في زمانه " يستنقص زمانه ويشير إلى أن الناس الأفاضل قد مضوا وأن الأرض تغيرت فكيف حال زمان لبيد ومن بعده كزمان عائشة. وقد تحصل من هذا ما قررنا في صدر الكلام " من " أن الدنيا لم تزل هكذا، والناس هم الناس مند خلقوا. " ولقد أحسن القائل: قل لمن لا يرى المعاصر شيئاً ... ويرى للأوائل التقديما إن هذا القديم كان جديداً ... وسيبقى هذا الجديد قديماً " فالأكمل للإنسان التسليم بل الرضى بوقته فإنه بذلك يفوز بالأدب مع الله تعالى الحكيم العليم الذي هو رب الأولين والآخرين ويفوز بشكره وحمده وبراحة قلبه والسلامة من التشوف والتطلع وسلامة الصدر لأهل زمانه والقيام بحقوقهم واعتقاد الخير في أهله والانتفاع بهم ورؤية المحاسن الوقتية والتغافل عن المساوي وغير ذلك. ولقد منح الله تعالى الصحابة الزمان الفاضل، فكانوا يذكرون ما مضى لهم في الأزمنة السالفة من صنوف الشر من عبادة الأوثان وارتكاب القبائح والجهد الجهيد فيحمدون الله تعالى ويشكرونه، وهكذا ينبغي للمؤمن أن ينظر إلى ما منحه الله تعالى من الخير في زمانه ديناً ودنيا وإلى ما أنجاه الله تعالى " منه " من الشرور الحالية والماضية فيحمد الله على ذلك. وقد جرت على لساني في هذا المعنى أبيات فقلت " مناقضاً لما تقدم من الأشعار ": نحمد الله وقتُنا وقتُ خير ... بذَّ ما قبله من الأوقات غير وقت النبي صلى عليه ال ... له والصحب والتُّلاة الهداة ديننا سالم من البدع العُم ... ي وعشنا بطيّب الأقوات لم تكن كالشرَاة نغشى المعاصي ... لتفوز بالخلد في الغُرُفات ضيعوا الدين بالمروق ودنيا ... هم بوقع الظبّات في السبدات لا ولا كالجبري والقدري النج ... س ولا سائر الجفاة الغواة والذي قد نلقى من المُرّ في الدن ... يا عسى أن نرقى به درجات وبنو الدهر هم بنو الدهر قِدْماً ... هم نبات ينمو بإثر

стр. 82

والطباع الطباع لست ترى في ... ها نُبُوّاً ولا اختلاف ومن اختصه الإله بخير ... فهو فيه من دارج أو آت نعم لا بأس بذكر الماضي من صلحاء الإخوان، والحنين إلى الأوطان، وإن ذلك يعد من حسن العهد، وفي الحديث أنه ﷺ دخلت عليه امرأة فأكرمها وقال: " إنَهَا كَانَتْ تَأتينَا أيّامَ خَدِيجَة، وإنَّ حُسْنَ العَهْدِ مِنَ الإيمَانِ ". وكانت عائشة ﵂ تقول: ما غِرْت على امرأة ما غِرت على خديجة، وذلك من كثرة ما كان يذكرها ﷺ . وقيل لبعض الحكماء: بمَ تعرف وفاء الرجل وذمام عهده دون تجربة واختبار؟ فقال بحنينه إلى أوطانه، وتشوقه إلى إخوانه، وتلهفه على ما مضى من زمانه. وعن الأصمعي قال: إذا أردت أن تعرف وفاء الرجل وذِمام عهده فانظر إلى حنينه إلى أوطانه، وتشوقه إلى إخوانه، وبكائه على ما مضى من زمانه وكان سيدنا بلال ﵁ ينشد: ألا ليت شعري هل أبيتَنَّ ليلة ... بوادٍ وحولي إذْخِر وجليل وهل أردنْ يوماً مياه مَجَنّةٍ ... وهل يبدون لي شامة وطَفيل وقد تقدم شيء من هذا قبل. وقال أبو العباس بن العريف ﵁: ما زلت مذ سكنوا قلبي أصون لهم ... لحظي وسمعي ونطقي إذ هم أنسي حلوا الفؤاد فما أندى ولو قطنوا ... صخراً لجاد بماء منه منبجس وفي الحشا نزلوا والوهم يجرحهم ... فكيف قروا على أذكى من القبس لأنهضنّ إلى حشري بحبهم ... لا بارك الله فيمن خانهم فنسي " وقال غيره: جسمي معي غير أن الروح عندكم ... فالجسم في غربة والروح في وطن فليعجب الناس مني أن لي بدناً ... لا روح فيه ولي روح بلا بدن وقال آخر: راحوا فباتت راحتي من راحتي ... صفر وأضحى حبهم لي راحا فتحوا على قلبي الهموم وأغلقوا ... باب السرور وضيعوا المفتاحا وقال غيره: يا راحلاً وجميل الصبر يتبعه ... هل من سبيل إلى لقياك يتفق ما أنصفتك جفوني وهي دامية ... ولا وفى لك قلبي وهو يحترق وقال غيره: ليكفكم ما فيكم من جوى ألقى ... فمهلاً بنا مهلاً ورفقاً بنا رفقا وحرمة ودي لا سئمت هواكم ... ولا رمت لي منه فكاكاً ولا عتقا سأزجر قلباً رام في الحب سلوة ... وأهجره إن لم يمت فيكم عشقا وقال غيره: ما ناح في أعلى الغصون الهزار ... إلاّ تشوقت لتلك الديار ولا سرى من نحوكم بارق ... إلاّ وأجريت الدموع الغزار وا أسفي أين زمان الحمى؟ ... وأين هاتيك الليالي القصار؟ واحر قلبي فمتى نلتقي ... وتنطفي من داخل القلب نار وأنظر الأحباب قد واصلوا ... ويأخذ الوصل من الهجر ثار أقول للنفس ابشري باللقا ... قد واصل الحب وقر القرار " وذكر في التشوف عن أبي شعيب السارية ﵁ قال: كان إذا وقف على قبر شيخه أبي علي المسطاسي يقول: أي رجل دفن هاهنا! ما رأيت مثله وأنشد: أسفاً لأيام وإخوان مضوا ... ومنازل فارقتها مغلوبا قلبت قلبي جمرة من بعدهم ... ولبست عيشي بعدهم مقلوبا طالبت بعدهم الزمان بمثلهم ... فأجابني هيهات لا مطلوباً وحكي أيضاً عن أبي عمران الهسكوري الأسود أنه كان لا ترقأ له دمعة، فربما سئل عن كثرة بكائه فيقول: إنما أبكي على فقد من أدركته من الإخوان في الله . ويحكى أيضاً عن أبي جعفر الأسود صاحب تاغزوت أنه كان يقول: أدركت ببلاد تادلا ثلاثمائة وسبعين رجلاً صالحاً كلهم يزارون، وأنشد: فآهاً من الربع الذي غير البلى ... وواهاً من القوم الذين تفرقوا أصون تراب الأرض كانوا حلولها ... وأحذر من مري عليها وأفرق ولم يبق عندي للهوى غير أنني ... إذا الركب مروا بي على الدار أشهق

стр. 83

تنبيه على حكم ما وقع من استنقاص الزمان واستنقاص أهله وسبهما يحسب النظر الشرعي أصلاً وفرعاً: فأما الزمان ويقال أيضاً الدهر فجرت عادة الشعراء وغيرهم قديماً وحديثاً بالتشكي منه والتبرم به ونسبة الإذاية والجور إليه. وقد يكون فيهم من يعتقد ظاهر ذلك " وهو مشرك، وقد يكون من لا يعتقد ذلك لكونه موحداً " بل إما غفلة وَجرياً على أسلوب من قبله من التعبير وإما مجازاً بطريق المقارنة لما يقع فيه من الأحداث والكوائن، والفاعل هو الله تعالى، فلا معنى حينئذ للتشكي منه ولا لسبه ولا استنقاصه فإن ذلك سوء أدب مع الله تعالى من جهتين: إحداهما أنه هو المتصرف في الكل، ولذا ورد في الخبر: " لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر " أي ما ترونه فالله تعالى هو فاعله. ثانيهما أنه يجب على المؤمن اعتقاد كل ما برز في كل زمان من التصرفات فذلك هو الصالح في ذلك الوقت الجاري على الحكمة سواء لاءم الطباع أو لا، ومن اعتقد خلاف ذلك فهو جاهل بالله تعالى جاهل بحكمته وقدرته، ولو ولي وال بلدة لم يتصرف فيها إلاّ بالحكمة والمصلحة إلاّ ما خرج عن علمه وطوقه، والله ﵎ حكيم، قاهر فوق عباده، غالب على أمره لا يتعالى عن قدرته مقدور، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة. ثم الزمان بمعزل عن العيب والنقص، فإنما ذلك في الناس، وما يقع منهم أو يقع لهم فهم أحق بالانتقاص كما قيل: يقول أناسٌ دهر سوء ليعذروا ... وهم عيبه عندي ولا عيب للدهر وأما استنقاص أهل الزمان كما مرّ فلا شك أنه لا يحرم إذ لا يدخل في الغيبة المحرمة حيث لا يكون التعيين. وقد استشعر محيي الدين ابن العربي في رسالة القدس ذلك حيث وقع في متصوفة زمانه فأجاب بنحو ذلك ونزع بما وقع لعائشة ﵂ من ذم أهل زمانها كما مرّ وغيرها من أهل الدين، ولكن الأولى الإمساك عن ذلك لما قررنا قبلُ، ولأنه لا يكاد يحصل من ذلك طائل غير إتعاب المرء قلبه ولسانه وتعرضه لمثل ذلك. ومن ظنّ ممن يعاني الحروب ... بأن لا يصاب فقد ظن عجزا نعم ذكر ما يقع منهم من المناكر بالتنصيص بقصد الاحتراز مع الإنصاف كما فعل أبو العباس زروق في النصح الأنفع، وفي عمدة المريد نافع مفيد غير أنه صعب مفتقر إلى تحقيق في المدارك وتضلع في العلوم وتجربة تامة، فإن الأمور قليل منها ما يكون أمراً حقيقياً يذم من كل وجه أو يمدح، وأكثرها إضافي اعتباري يختلف باختلاف الأشخاص والمقاصد والأزمنة والأمكنة والأحوال فافهم. لله الأمر من قبل ومن بعد مداراة الناس صدقة

стр. 84

مما اتفق لي وينتظم في سلك الملح مع تضمن فائدة أني كنت خرجت من مدينة فاس - حرسها الله تعالى - أيا مالحصار، وأتينا على جبل بني زروال، ومعي جموع من الناس من طلبة وفقراء وتجار، فوافينا به رجلاً من أهل محبتنا، فكان ينصرف لي في أموري وفي أمور من معي من الناس يحسب تفقدهم وإنزالهم منازلهم. وربما نتردد فيريد أن يكشف لي عن رأيه في ذلك فيدنو مني ويناجيني، وكان ساقط الأسنان، لا يكاد يفهم كلامه، وكان مع ذلك كلام أهل تلك البلاد منغلقاً عنا لا نكاد نفهمه، ثم يخفت بصوته لئلاّ يسمعه من حضر، فيتكلم ولا أكاد أسمع من كلامه حرفاً واحداً، حتى إذا فرغ من حديثه رفع رأسه إلي وقال: هكذا يكون الكلام مفصحاً بها، فكنت في هذا أباسط أصحابي فأقول لهم: إن هذه الجملة الأخيرة من كلامه وقع فيها حكم بطريق القصر، وهو موقوف على أشياء قبله لم يحصل واحد منها، الأول سماع اللفظ فإنه مقدمة الفهم، الثاني معرفة الوضع فإنه شرط، الثالث فهم الألفاظ مفردة، الرابع فهم التركيب، الخامس فهم النسبة تصوراً، السادس فهم الحكم مطلقاً " أي من غير قصر " السابع فهمه مقصوراً، ثم إن الأخير أعني الحصر محتاج إلى دليل لأنه بسبيل المنع، ولم يحصل شيء من ذلك كله، وما توقف على ما لم يحصل فهو غير حاصل، ثم إني مع ذلك أستبشر عند حديثه، وربما أحرك رأسي موهماً أني قد حصلته، وأني قد استصوبت رأيه، وذلك أنه لم يمكني في الوقت غير ذلك، فإني إن راجعته ليبين لم يبين إلاّ بخفية كما فعل أولاً، فلا يحصل طائل، وقد علمت أن ليس في عدم تبين مقاصده مهمٌّ يفوت، لأن كل ما ينحو إليه من الرأي ويتشوف إليه من المصلحة فعندي بحمد الله ما يكفي فيه، فكنت أساهله وأتركه بحاله رفقاً به وجبراً لخاطره وتقللاً من الشغب وعندي على هذا النحو مذهب، وأرى كثيراً من الناس يَنْبُون عنه، وللتنبيه عليه مع التلميح السابق سطرت هذه القصة، وذلك أني أتغافل عما لا حاجة إليه، ولا أتتبع ما فيه تكلف ولا تدعو الضرورة إليه وإن ذلك عندي هو أسلم وأبعد عما يخشى من ارتكاب الفضول أحياناً، وتجاوز الحدّ أحياناً، وإحراج الصدر أحياناً واستثارة الشر أحياناً وأقرب إلى مكارم الأخلاق، وأدخل في المداراة المطلوبة، وأبعد عن الملاحاة المذمومة. وفي الحديث: " مُدَارَاةُ النّاسِ صَدَقَة " وفي حديث آخر: " رَأسُ العَقْلِ بَعْدَ الإيمَانِ بِاللهِ التَوَدُّدُ إلى النّاسِ " وفي خبر آخر: " التَوَدُّدُ إلى النّاسِ نِصْفُ العَقْلِ، وَحُسْنُ التَدْبِيرِ نِصْفُ المَعِيشَةِ، وَمَا عَالَ مَنِ اقْتَصَدَ " وقال الشاعر: ومن لا يغمض عينه عن صديقه ... وعن بعض ما فيه يمت وهو عاتب ومن يتتبع جاهداً كل عثرة ... يجدها ولا يسلم له الدَّهر صاحب وقال الآخر: أغمض عيني عن صديقي تغافلاً ... كأني لما يأتي من الأمر جاهل وما بي جهل غير أن خليقتي ... تطيق احتمال الكرهِ فيما تحاول ونحوه قول الآخر: أغمض للصديق عن المساوي ... مخافة أن أعيش بلا صديق وقال غيره: إذا كنت في كلّ الأمور معاتباً ... صديقك لا تلقى الذي لا تعاتبه فعش واحداً أو صل أخاك فإنه ... مقارف ذنب مرة ومجتنبه إذا أنت لم تشرب مراراً على القذى ... ظمِئت وأي الناس تصفو مشاربه؟ ومن ذا الذي تُرضى سجاياه كلها؟ ... كفى المرء نبلاً أن تُعَدَّ معايبه وقال غيره: إذا ما الصديق أسا مرة ... وقد كان فيما مضى مجلا ذكرت المقدم من فعله ... فلم ينسني الآخر الأولا وقال غيره: وأغفر عوراء الكريمِ ادِّخاره ... وأعرض عن شتم اللئيمِ تكرّما وقال غيره: احرص على حفظ القلوب من الأذى ... فرجوعها بعد التنافر يعسر إنَّ القلوب إذا تنافرت وُدّها ... مثل الزجاجة كسرها لا يجبر " وعن أم المؤمنين عائشة ﵂ خلال المكارم عشر تكون في الرجل ولا تكون في أبيه، وتكون في العبد ولا تكون في سيده، يقسمها الله لمن أحب: صدق الحديث، ومداراة الناس، وصلة الرحم، وحفظ الأمانة، والتذمم للجار، وإعطاء السائل، والمكافأة بالصنائع، وقرى الضيف، والوفاء بالعهد، ورأسهن كلهن الحياء. وقال الشاعر:

стр. 85

أحب مكارم الأخلاق جهدي ... وأكره أن أعيب وأن أعابا وأصفح عن سباب الناس حلماً ... وشر الناس من يهوى السِّبابا ومن هاب الرجال تهيبوه ... ومن حقر الرجال فلن يهابا وقال غيره: ولقد أمر على اللئيم يسبني ... فأجوز ثم أقول: لا يعنيني وقال غيره: إن المكارم أخلاق مطهرة ... فالعقل أولها والدين ثانيها والعلم ثالثها والحلم رابِعها ... والجود خامسها والعرف ساديها والبر سابعها والصبر ثامنها ... والشكر تاسعها واللين عاشيها والنفس تعلم أني لا أصدقها ... ولست أرشد إلاّ حين أعصيها والعين تعلم في عيني محدثها ... من كان من حزبها أو من أعاديها وقال غيره: اترك مكاشفة الصديق إذا ... غطى على هفواته ستر " وفي الحكمة: اللبيب العاقل، هو الفطن المتغافل، وفي قوله تعالى:) عَرَّفَ بَعْضَه وَأعْرَضَ بَعْضَه وَأعْرَضَ عَنْ بَعْضِ (مشرب في هذا المعنى، ويقال: ما استقضى كريم قط، وفي الحديث: " لَمّا أُسْرِيَ بي كَانَ أوَّلَ مَا أمَرَني بهِ رَبِّي أنْ قال: إيّاكَ وَعِبَادَةَ الأوْثَانِ، وَشُرْبَ الخَمْرِ، وَمُلاحَاة الرِّجَالِ " وفي حديث آخر: " احْذَرُوا جِدَالَ كُلَّ مَفْتُونٍ، فَإنَّهُ يُلَقَّنُ حُجَّتَهُ إلى انْقِطَاعِ مُدَّتِهِ " وقال الشاعر: إني محضتك يا كدام نصيحتي ... فاسمع لقول أب عليك شفيق أما المزاحة والمراء فدعهما ... خلقان لا أرضاهما لصديق وقال الآخر: اترك مكاشفة الصديق إذا ... غطى على هفواته ستر وهذا باب واسع مشهور، وفيما ذكرنا منه كفاية. لله الأمر من قبل ومن بعد استقراء المؤلف لهجة ريفية من جملة ما اتفق لي في هذه السفرة إلى جبال الزبيب وسفرات أخرى لزيارة الشيخ عبد السلام بن مشيش ﵁ أني سمعت لغة لأهل تلك الجبال: يكسرون آخر الموقوف عليا استقراء فتتبعتها فوجدتها لها ضابط، وقد رأيت غيرهم من أهل الآفاق يسمعون عنهم ذلك فيحكونه على غير وجه وينسبون إليهم ما لا يقولون جهلاً منهم بضوابطها، فإنهم لا يكسرون إلاّ الفتحة بعدها ألف، أما الألف المقصورة كالدنيا، أو الممدودة كالسماء والطلباء والشرفاء، والأصلية كالماء، أو المقلوبة عن هاء التأنيث في مجرى العرف كالبقرة والشجرة والصفحة فإن العوام من غيرهم يقولون في الوقف على هذه: البقرا والشجرا بألف، وهؤلاء يكسرون فيقولون: البقري والشجري وتنقلب الألف ياء، وهذا كله في الوقف فإن وصلوا نطقوا بالألف كغيرهم، وإن لم يكن الفتح ولا الألف كالشجر والبقر مراداً به الجنس وقفوا بالسكون كغيرهم، وأني لما تأملت ذلك من كلامهم وحققته في أقرب مدة اتضح عندي معنى الاستقراء في نحو هذا بالمشاهدة، وعلمت كيف كان أئمة العربية القدماء يستقرئون النحو واللغة من أفواه العرب ويضبطون لغة كل قبيلة في ذلك، وتبين أن ذلك أمر صحيح بيّن، وللتنبيه على هذا حكيت هذه القصة، فلا يقل جاهل: ما لنا ولهذه اللغة؟ فلتعرف أو لا تعرف، هذا مع أن معرفة الشيء خير من جهله، فالجاهل بالشيء أعمى فيه وفي ظلمة عنه، والعالم به بصير به وفي نور فيه،) وَهَلْ يَسْتَوِي الأعْمَى وَالبَصِيرُ أمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ (والعلم ذخر يجده صاحبه عاجلاً أو آجلاً، وحجة ينتصر بها في الخطوب أيضاً. لله الأمر من قبل ومن بعد. مناظرة المؤلف لشيخه المرابط الدلائي ومما اتفق لي في هذا أني كنت قدمت في أعوام الستين وألف من رحلتي في طلب العلم، وكنت إذ ذاك شاباً، فدخلت الزاوية البكرية، فوجدت شيخنا أبا عبد الله محمد بن محمد المرابط ﵀ قد جمع خطباً وعظية وتقدم إلى أهل الوقت في بلده ليكتبوا عليها تقريظاً، فكتب كل ما قدر له من نثر ونظم، فلما رأيت ذلك كتبت أنا أيضاً فوقع في مكتوبي لفظة القطائف " اللطائف " فاعترض علي ورام تبكيتي وقال: إنا لا نعرف القطائف إلاّ هذه المفروشات، فقلت له إن القطائف هنا جمع قطيفة بمعنى مقطوفة، فقال: هو صحيح في اللغة ولكن الأدباء لهم الاختيار وعندهم ألفاظ يستعملونها مخصوصة، فلا يرتكب عنده كل ما يقع في اللغة، فقلت له حينئذ: هذا أبو محمد الحريري يقول في " مقاماته ":

стр. 86

فلا تعذلوني بعدما قد شرحته ... على أن منعتم في اقتطاف القطائف على أن ما زودتم من فكاهة ... ألذ من الحلوى لدى كل عارف فتلون وجهه ﵀ وخجل ولم يرَاجعني بكلمة، فلولا معرفة المقامات واستحضار هذا البيت لأخجلني عوض ما كنت أخجلته، والشيء يذكر بالشيء. لله الأمر من قبل ومن بعد تنقل المؤلف في طلب العلم بالجنوب كنت أيام طلب العلم في بلاد القبلة " حتى " أخذت بطرف من العربية، فحدث لي انتقال على ناحية مراكش، وذلك في دولة السلطان محمد الشيخ، فأخذت في فنون أخرى كالأصول والمنطق والكلام، وتركت العربية، ثم إني دخلت السوس الأقصى واتصلت بشيخنا أبي فارس عبد العزيز أحمد الرسموكي ﵀، فوجدت أهل تلك البلاد يشتغلون بتصريف الأفعال ويستحضرون معها النصوص من الخلاصة ونحوها، فحضرت معهم فإذا أبيات الخلاصة تشذ عن فكري لطول العهد بها، فلما رأيت ذلك أحببت أن أحدث عهداً بها فقلت للطلبة: من أحب أن يسمع الخلاصة فليأتني، فشرعنا فيها، وكنا نجلس إليها بعد العشاء الآخرة بساعة " أو أكثر " فنقطع الليل كله في المجلس، وأنقل كل ما في شرح المرادي بأكمل التقرير والتحرير، وختمناه في نحو شهر وعشر ليال، وفي الليلة التي ختمناها نمت فرأيت فيما يرى النائم العذرة تخرج من جوفي على فمي كحالة القيء متصلة حتى انفصلت عني فلما انتبهت وقع في فكري أن ذلك هو الجهل بذلك الكتاب أو ذلك العلم خرج عني، فسرني ذلك، وفهمت من تصوير ذلك بصورة النجاسة أن الجهل قبيح وأن العلم كله حسن محتاج " إليه "، فإنه إما مقصود لذاته فيما تعبد به العبد، وإما معين على ذلك نوع إعانة، فمتى صلحت النية كان الجميع قربة وعبادة، ولقد حدثونا عن بعض الفقهاء ممن كان يواصل أشياخنا رحم الله الجميع وكان يدرس للطلبة الكتب المتداولة في الفقه والنحو والكلام وغير ذك من الفنون أنه توفي وأنه ريء بعد موته وسئل عما فعل الله به فأخبر أنه أثيب على كل كتاب من تلك الكتب بحمد الله، وذلك لصلاح نيته. وقد كنت دخلت يوماً على أستاذنا الإمام أبي عبد الله بن ناصر ﵁ وكان يوم جمعة فوجدته في روضة الأشياخ، وإذا هو يقرىء لأولاده " ديوان الشعراء الستة " ويطرر على النسخة ما يحتاج من شرح الغريب ونحو ذلك، فقلت في نفسي: هذا يوم الجمعة يعتني فيه بالإقبال على العباد لشفوف فضله، وهذه الروضة موضع ذكر واعتبار، والشيخ ﵁ أعرف، عنده النهاية في كل ذلك، فعلمت أن ذلك إنما كان لصلاح النية وصحة الإخلاص وذهاب الهوى، فكان كل ذلك عبادة أياً كان وفي أي موضع كان، ولهذا يقول أئمة الدين: إن علامة من يأخذ في العلم لله تعالى أن " لو " قيل له غداً تموت لم يطرح الكتاب من يده أي لكونه دخله بوجه صحيح، ولو كان أخذه فيه بالهوى لفر عند الإحساس بالموت عنه إلى الصحيح، وهكذا في جميع التصرفات. ولهذا كان بعض مشايخ الصوفية من ناحية العراق أخذ يبذر أرضاً فمر به بعض الأولياء طائراً في الهواء، وذلك في عشية ليلة عرفة فقال له الأول: إلى أين تريد؟ فقال: إلى الحج، فهل لك فيه؟ فقال: إني نويت أن أحرث هذه الأرض، وامتنع من الذهاب إلى الحج، وذلك لأنه دخل في هذا العمل بنية صحيحة فلم يكن ليتركه، وفي الحديث الصحيح: " إنّمَا الأعْمَالُ بالنّيّاتِ ". وقال تعالى:) ولا تُبْطِلُوا أعْمَالَكُمْ (وفي الحديث الآخر: " يَغْزُو جَيْشٌ الكَعْبَةَ وَفِيِهمْ أسْوَاقُهُمْ ثُمَّ يُخَفُ بِهِمْ وَيُبْعَثُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلى نِيّاتِهِمْ ". لله الأمر من قبل ومن بعد تأخير الصلاة حدثني الأخ الفاضل أبو الحسن علي بن أحمد الرماني قال: كان سيدي محمد الشرقي التادلاوي يوماً مع جماعة من إخوانه فحان وقت الصلاة فجاء المؤذن يؤذنه بالصلاة فتغافل عنه، ثم رجع إليه ثانياً وثالثاً، فلما ضاق الأمر بالمؤذن شرع في إقامة الصلاة من غير إذن، فقال له الشيخ: ما أعجلك؟ إن الصلاة تقضى أو تدرك، ومجلس الأخوان لا يقضى.

стр. 87

قلت: وهذا يذهب به العوام ويرتكبون ظاهره، وتأخير الصلاة عن وقتها لا يجوز لشيء من الأشغال أو الفضائل إلاّ العجز، وما لا يجوز لا يفعله الولي اللهم إلاّ مغلوباً بوارد، ولا يقتدي به في تلك الحالة مع أن الموفق محفوظ، أما التأخير عن أول الوقت مثلاً فقد يكون لأمر مهم أو فضيلة تربو، ومحل العذر أو الترخص في السفر أو نحوه معلوم. وحدثونا عن سيدي عبد الله بن " عمرو " المضغري أنه أرتحل إلى مليانة لقصد ملاقاة الشيخ أبي العباس سيدي أحمد بن يوسف الراشدي والأخذ عنه، فوافى البلد وقت صلاة العصر، وقد كان صلى، فلما انتهى إلى زاوية الشيخ سأل عنه فقيل له: إنه لم يصل العصر " بعد " فأنكر ذلك وقال: إن هذا الرجل لم يحافظ على أول الوقت، وانصرف عنه، وذهب إلى سيدي عبد العزيز القسمطيني فأخذ عنه - نفع الله بالجميع -. وقد صار ذلك التأخير الذي وقع للشيخ سبباً لانصراف الآخر عنه حيث لم يسبق القدر بأن يكون من أصحابه وإلاّ فللناس أعذار. ومن الملح في تأخير الصلاة أن الفقيه أبا عبد الله محمد بن سودة قاضي مدينة فاس ﵀ كان يؤم بجامع القرويين وكان يؤخر صلاة الصبح تأخيراً مفرطاً، فحدثني بعض الأصحاب قال: لقيت صبياً من أهل فاس " إذ ذاك " فسألته عن صلاة الصبح في القرويين هل أدركها؟ فقال لي: والله لا تمشي إليها إلاّ بالمظلة، يعني التي تجعل على الرأس اتقاء الشمس، وهذا إفراط في المبالغة. ومما اتفق في هذا الإنكار ولكن في العكس، وهو التقديم ومزاحمة الوقت، حدثونا عن الفقيه الصالح أبي عبد الله سيدي محمد بن سعيد الميرغتي أنه ورد على شيخنا وأستاذنا ومفيدنا الإمام أبي عبد الله سيدي محمد بن ناصر الدرعي - رحم الله الجميع ونفعنا بهم - فكان المؤذن إذا أذن " المغرب " ينكر عليه ويقول له استعجلت: فلما أكثر في ذلك وانتهى الأمر إلى الشيخ خرج إليه فسار معه إلى صومعة الجامع الكبير وذلك في عشي النهار، فجلسا بأعلى الصومعة يتحدثان والمؤذن الذي كان ينكر عليه في مسجد الخلوة بعيداً عنهما بنحو مد البصر، وبقيا في حديثهما حتى غربت الشمس وأقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا فقال الشيخ للفقيه المذكور: أقد تبين الوقت؟ قال نعم، وبفور كلامه قال مؤذن الخلوة: الله أكبر، وجعل يؤذن فعجب الفقيه من هذا الاتفاق الغريب، وعلم أن الأذان كل يوم كان على الصحة، فلم يعد إلى الإنكار. لله الأمر من قبل ومن بعد أبو بكر الدلائي يكرم العكاكزة مداراة لهم حدثني الأستاذ المقرئ الفاضل أبو عبد الله الشرقي بن أبي بكر عن والده سيدي أي بكر أنه كان ذات مرة هربت العكاكزة أولاد عبد الحق بن المنزول من بلادهم فنزلوا بساحته وهم جياع، ووجدوا زرع زاويته محصوداً مجموعاً فقال لهم: ادرسوا وكلوا، فقام إليه ولده الكبير أبو عبد الله محمد ابن أبي بكر فأنكر ذلك وقال: إن هؤلاء فساق أو كفار، ثم هم ظلام محاربون فكيف تعينهم وتبيح لهم زرع المساكين؟ فقال أبوه: إني أريد أن أتخذ عندهم يداً فإذا استلبوا مسكيناً يوماً " ما " وجاء إليّ يشتكي كتبت إليهم كتاباً فلا بد أن يراعوا هذا الخبر فيردون عليه متاعَهُ فأنا إنما فعلت هذا لحق المساكين. قلت ولعل هذا هو نظر ولده المذكور في المسعود بن عبد الحق، فإنه كان يدنيه حتى إنه كثيراً ما يكون أول داخل عليه وآخر خارج حتى إن الفقيه النحوي الحافظ أبا عبد الله محمد بن أبي بكر الإسحاقي الجراني وكان ابن أبي بكر يجفوه كان يقول: وإنما دنياك بالسعود ... وإن شككت انظر إلى مسعود وحدثونا عن مسعود هذا أنه " كان " يحضر مع الناس مجلس البخاري فاحتالوا عليه يوما حتى أوقعوا نقطة مداد على رجله، فلما رجع من الغد لحظوها فإذا هي بحالها فعلموا أنه لم يكن يصلي، أو يصلي بغير طهارة، وهذا الذي فعله المرابط المذكور داخل في باب الرفق والمداراة.

стр. 88

ونحو منه ما حكى المواق في سنن المهتدين عن شيخه ابن سراج عن الشيخ الزيات ببلش وكانت بيد بعض الرؤساء من الملوك النصريين وكان هذا الرئيس يأتي حلقة الشيخ المذكور فيتزحزح له الشيخ ويرحب به فكان بعض الطلبة يجد في نفسه من ذلك فبينا ذلك الطالب يجيء من قريته بشِقصِ حرير في يده أخذه له شرط فجاء إلى الشيخ وشكا له، فأمر الشيخ مؤذناً أتى الرئيس، فما كان أسرع " أن " أتى الرئيس على الرئيس على عادته، وتزحزح له الشيخ وجلس، ثم بعد الفراغ من المجلس وأراد القيام قال الشيخ: أنت أرسلت في هذا؟ وأخرج الحرير فقال: نعم، هو لهذا الطالب " فقال الرئيس للطالب: خذ يا حبيبي متاعك وانصرف فقام الشيخ " وقال لذلك الطالب: يا زبلح لمثل هذا " هو " ذلك التزحزح. وحدث عن إمامنا مالك ﵁ " أنه " قيل له: تترك الجماعة والجمعة وإذا دعاك السلطان أسرعت إليه فقال: لو لم أفعل هذا لم تر بهذه البلدة سنة قائمة. ومن هذا القبيل ما كان فعل الإمام العلاّمة القاضي إسماعيل بن حماد، فقد روي أنه دخل عليه عبدون صاعد الوزير، وكان نصرانياً، فقام له ورحب به ورأى ممن حضر من العدول وغيرهم إنكاراً لذلك فلما خرج قال لهم: قد رأيت إنكاركم، وقد قال الله تعالى:) لا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ في الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أنْ تَبَرُّوهُم (. وهذا الرجل يقضي حوائج المسلمين، وهو سفير بيننا وبين المعتضد، وهذا من البر، فسكت الجماعة، وهذا كله داخل في أبواب سد الذرائع وفتحها.

стр. 89

واعلم أن الذريعة هي المدخل إلى الشيء، فإن كان الشيء خيراً فحقها أن تفتح، وإن كان شراً فحقها أن تسد، وتقرير هذا المعنى أن المراد السبب المفضي إلى السبب إفضاء عادياً أو إفضاء عادياً كلياً أو أكثرياً أو حالياً بحيث إن من سعى في استحصال الأول هو ساع في استحصال الثاني بالتبع، ثم الإفضاء إما أن يكون ذهنياً فقط، كما في الفرضيات، أو خارجياً فقط، كما في الاتفاقيات، أو ذهنياً خارجياً، وهو الأكثر، ومتى اعتبر مجرد الربط ولو جزئياً فالذهنيّ أعم مطلقاً، ثم الطرفان قد يكونان جائزين نحو: لو جاءني زيد أكرمته، وقد يكونان واجبين نحو: لو كان الله تعالى عالماً كان حياً أي لكنه عالم فهو حي، وقد يكونان مستحيلين عقلاً نحو: لو وجد شريك لله تعالى لمانَعه على الفعل، وهذان المثالان معاً من قسم ما هو ذهني فقط، لأنه لا تصح السببية الخارجية في شيء من الواجب ولا المستحيل، وقد يكونان مستحيلين عادة نحو: لو وجدت في الأرض جبال من ذهب لاستغنى الناس كلهم في الدنيا، ولو طار زيد إلى السماء لرأى معمور الأرض كله في مرة، ثم الجائزان عقلاً قد يكونان مطلوبين معاً شرعاً، إما وجوباً أو ندباً، كفعل الطواف وفعل السعي بعده، وتلاوة القرآن وسجود التلاوة معه، ونحو ذلك، ولا إشكال فيه، وقد يكون الثاني هو المطلوب بالذات، فيستتبع الأول كقتل النفس قصاصاً، فيستتبع ما تزهق به الروح من حز الرقبة ونحوه، وذبح الضحية فيستتبع ما تحصل به الذكاة شرعاً من قطع الحلقوم والأوداج، ويعرف هذا القسم في أصول الفقه بالمقدمة، وعندهم فيه اختلاف مشهور، هنالك، وقد ينعكس " الأمر " فيكون المطلوب شرعاً هو الأول فقط كصلة الرحم المفضية بإذن الله إلى سعة الرزق والبركة في العمر على ما ورد به الوعد الصادق، وكالإسلام المفضي إلى سلامة الدماء والأموال، وكالإخلاص فيه المفضي إلى نور الوجه وانبساط الروح، وهذا القسم داخل فيه العبادات كلها بحسب ما تفضي إليه من الثواب عليها، غير أن ما كان من هذه الثمار دنيوياً كالذي صدرنا به فيجب ألاّ يقصد عند عمل العبادة، وإلاّ فات الإخلاص، وما كان أخروياً فلا بأس أن يقصد في مقام الإسلام، وقد يكونان منهيين معاً كتزوج الخامسة ووطئها وشراء الخمر وشربها، فيتركان معاً، وقد يكون الأولى مباحاً بذاته شرعياً، والثاني حراماً، فيحرم الأول تبعاً إذا اعتبر الإفضاء كبيع السيف من قاطع الطريق مع العلم به وكبناء الدار لتكون ماخوراً أو معصرة خمر، وغير ذلك مما يكثر، وهو داخل في سد الذرائع المتفق عليه، فإن لم يكن الإفضاء معتبراً، وذلك عند كون الأول مهماً في نفسه، والثاني غير مقصود لم يمنع، كغرس الأعناب في الدنيا مع أنه يؤدي إلى عصر الخمر وشربها، وكالخروج في ضروريات العيش ودخول الأسواق مع أنه قد يؤدي إلى رؤية أجنبية أو وقوع في خصام أو قتال أو معاملة ممنوعة، فهذا ونحوه من الذرائع التي لا يراعى سدها عند أحد، وقد يتعين شيء من ذلك جزئياً فيجب أن يعطى حكماً جزئياً، وقد يكون الأول حراماً ويكون الثاني مباحاً في ذاته فيحرم أيضاً إذا اعتبر الإفضاء كما حرم أصله. وذلك كمزاناة الرجل المرأة على أن تسكنه دارها أو تتفق عليه، وكذا العكس إلاّ ما أباحته الضرورة، ويكفي في هذا القسم ترك الأول امتثالاً فيبطل الثاني وقد يكون الأول خلاف الأولى، فإن أفضى فعله إلى مصلحة يضمحل فساده في جنبها أو تركه إلى مفسدة يكون التحرز عنها أهم ارتكب لأجل ذلك لا لذاته، ومن الأول ما صدرنا به هذه الترجمة من فعل القاضي إسماعيل مع النصراني، وكذا فعل المرابط المذكور، وهذا في المعنى " فيه " جلب مصلحة ودرء مفسدة هي الشحناء والبغض وما ينشأ عنه، ففيه فتح الذريعة من وجه، " وسدّها من وجه "، ومن الثاني مسألة الشيخ عز الدين حيث ترخص في القيام لأهل المناصب جبراً لقلوبهم، وتوقياً من الشحناء والتدابر والتقاطع المنهي عنه، وفيه الاعتباران أيضاً، فالباب الواحد، وقد يكون الأول مطلوباً وجوباً أو ندباً في ذاته، ولكنه يفضي إلى مفسدة ينهى عن ارتكابها فيترك، وذلك كالخروج لطلب الماء للطهارة المفضي إلى تلف النفس بالسباع، أو المال بالسرقة ونحو ذلك مما لا يأتي عليه الحصر، وتوجيهه أن درء المفسدة أهم من جلب المصلحة، أو الحكم الأول أعني الوجوب أو الندب مقيد بالشرط في أصله، فإذا انتفى انتفى

стр. 90

والثاني يبحث فيه بأنه أي موجب لهذا التقيد فلا بد أن يرجع الأول إلى الوجه الأول وهو أمر مجمل يتداوله الناس " أبداً " فلا بد من البحث عن وجهه وأنه كيف كان درء المفسدة أهم، وفي تحريره طول، ويكفينا فهمه في المثال المذكور فنقول: لو خرج للماء ليحافظ على الطهارة المائية فافترسه الأسد ضاعت حياته وذهبت الصلاة، والطهارة مائية وتُرابية فعبادة الله التي يريد أن يجودها أتلفها رأساً فكان الاكتفاء بطرف وهو التراب واتقاء المفسدة أولى من جلب المصلحة المؤدي إلى ضياع الكل وهكذا في سائر الأنواع. ولعلك تخرج بهذا التقرير عما يهجس في نفوس الجهلة عند سماع تلك الأحكام من توهم أن النفوس والأموال والأعراض ونحوها مقصودة بالأثرة على دين الله تعالة، كلاّ، وإنما ذلك " كله " محافظة على دين الله تعالى، فإنه لا بقاء له مع هلاكها، فافهم. وينخرط في هذا القسم ما منع من سَبّ الكفار كفاحاً حذاراً من أن يسبّوا الله تعالى ودينه، قال تعالى:) وَلا تَسُبُّوا الَّذينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ (والتقاسيم لا تنحصر فيما قررنا، ولكن فيما ذكرنا تنبيه على ما ورائه. واعلم أن كل ما تقرر فيها باعتبار الحكم الشرعي محافظة على التقوى يتقرّر نحوه باعتبار المحاسن العادية محافظة على المروءة، وذلك ملتحق بالدين أيضاً ولا حاجة إلى تتبع التفاصيل، والله الموفق. لله الأمر من قبل ومن بعد استحلاء الطاعات سموم قاتلة حدثني بعض الفقراء عن شيخ له من أهل العصر المتصدر لصحبة المريدين أنه بينما هو جالس في محله جاء فقير غريب، وأظنه قال: من " ناحية " السوس الأقصى، فلما قرب منه تكلم لبعض من كان حاضراً بلسانه البربري فقال له: قل لذلك " الرجل يعني " الشيخ المذكور: أما بقيت في الدنيا مصابيح يقتبس الضوء منها؟ فبلغ الرجل لذلك الشيخ فقال الشيخ: قل له: قد بقيت، ولكن من جاء يقتبس أتى بفتيلة مبلولة، فقال الفقير: قل له: ما معنى بللها؟ فقال الشيخ: قل له: لا أقل من أن يطلب أو يترجى الولاية، فقال: فوضع الفقير يده على جبهته ساعة ثم انصرف من هنالك، فلما رأيت الفقير الذي حدثني تبجح بهذا الكلام الصادر من شيخه وجعله من التنبيهات المهمة للسالك، وكنت جاريته كلاماً في استحلاء الطاعة فقال: إن تلك الحلاوة علة، وعلمت أنه أيضاً قد بنى على ذلك وأنهم سمعوا نحو قول الواسطي ﵀: " استحلاء الطاعات سموم قاتلة " فأردت أن أنبّه على غلط يخشى في هذا الأمر، فأقول وبالله التوفيق: إن كلاً من الكلام الواقع للواسطي والواقع من هذا الشيخ صحيح في نفسه، وهو تحقيق في بابه، وعند أربابه، أما إلقاؤه لعوام المتوجهين فغلط في التربية، إما جهلاً وقصوراً، وإما تمويهاً وتظاهراً بالنهايات، أما حديث الولاية فمن وجهين:

стр. 91

الأول أن التدريج معتبر عند الناس، وهو حكمة الله تعالى البالغة الجارية في الناميات الحسيات والمعنويات، ثم ارتكاب أخف الضررين مطلوب شرعاً، فلو رأينا مثلاً كافراً مضراً بالمسلمين وتعذر قطع ضرره بالسيف فإنا إذا أمكننا أن نستنزله عن الضرر بسبب " من " موعظة أو مال أو حظ ما فعلنا ذلك، ورأيناه إذا نزل عن ذلك أفضل من غيره، وإلى هذا الفضل إشارة حديث: " أسْلَمْتَ عَلى مَا سَلَفَ لَكَ مِنْ خَيْرٍ " ولو أمكن أن نستدرجه إلى الإسلام ولو بحظ من دفع مال أو إظهار حفاوة مثلاً لفعلنا ذلك، وهو التأليف الذي جاءت به الشريعة، ورأيناه إذا أسلم ولو مع شوب الحظ أفضل ممن بقي على الكفر المحض ولا نلزمه في هذه الحالة الإخلاص وحقائق الإيمان لأنا نرجو أن سيعاشر المؤمنين ويعاين محاسن الإسلام فلا يزال يتمكن ويصفو، وهكذا وقع لكثير ممن أسلم أوّلاً رغبة في المعاش واستحلاء للغنائم، أو هرباً من الجلاء والسيف. ثم إن المسلم إذا كان مسرفاً على نفسه وأمكننا أن نستجرّه إلى ترك المعاصي والتنزه عن الفسق فعلى هذا النمط ولو تاب إلى الله تعالى وأقلع عن الشهوات الدنيوية طلباً لما أعد الله تعالى في الدار الآخرة من النعيم الذي لا يوازيه نعيم الدنيا ولا يدانيه، وكان لا يجد من نفسه في الحال نزوعاً عن اللذائذ العاجلة إلاّ بما يمنيها به من اللذائذ التي هي أشرف وأنفس فإنا نساعده على هذه العزمة ولا نذمه بأنه انتقل من حظ إلى حظ، ولا نطالبه بارتفاع الهمة " إلى الحضرة " والتخلي عن الدارين، فإن هذا لم يكن بعد من أهل هذا الشأن، وأن النفس لَجوج مصرّة على حظوظها الحسية، وإنما تنزل عنها بالطمع فيما هو من جنسها وأشرف منها إلاّ من خصه الله تعالى. وقد قال صاحب " القواعد ": " ما جبلت عليه النفوس فلا يصح انتفاؤه عنها، بل ضعفه وقوته فيها، وتحويله عن مقصد لغيره، كالطمع لتعلق القلب بما عند الله تعالى توكلاً عليه ورجاء فيه والحرص على الدار الآخرة بدلاً من الدنيا ... " إلى آخر كلامه فلو ألزمنا هذا عزل النفس عن الحظوظ وتجريد القلب للحقيقة أوشك تحيص نفسه حيصة وهي لم تزل قوية، فيعود من حيث جاء، ولعلك تفهم بهذا سر امتلاء كتاب الله تعالى بذكر الجنة وما فيها من الحور والقصور والغلمان والأنهار، فإن الدعاء بمثل هذا هو مشرب النفس، وهو حال عامة الخلق، والله تعالى أعلم بمصالح عباده. ثم إذا ترفع المزيد عن هذه الحالة واشرأبَّ إلى ما وصل إليه العارفون، وانتهض لسلوك هذا المسلك والاشتغال بعمله من العزلة والصمت والجوع والسهر فلو توسمنا فيه التشوف إلى حصول الوصول، أو الولاية، أو المعرفة، أو الفتح، أو القرب، أو نحو ذلك فلا ينبغي أيضاً أن نعالجه بالتحقيق ونطالبه بالعبودية والفناء عن الأغيار من أول وهلة، بل نرخي له العنان حتى يتمكن في الرياضة وتنقاد نفسه ويقشعر جلده وقلبه لذكر الله، فعند ذلك تسهُلُ إشالته مع السابقة والتوفيق إما على لسان شيخ ناصح أو أخ صالح أو بعض من ينصره الله به كما وقع للشيخ أبي الحسن ﵁ حيث قال: كنت أنا وصاحب لي في مغارة نتعبد ونقول: غداً يفتح علينا، وهكذا وطال علينا الأمر، فبينما نحن كذلك يوماً دخل علينا رجل من باب المغارة فسلم ورددنا عليه ثم قلنا له: من أنت؟ فقال: عبد الملك، فعلمنا أنه من أولياء الله، فقلنا له: كيف أنت؟ قال كالمنكر علينا: كيف أنت؟ كيف أنت؟ كيف حال من يقول: غداً يفتح علي فلا فتح ولا فلاح، ولا دين ولا دنيا، يا نفس لم لا تعبدين الله مخلصة له الدين، قال الشيخ: فعلمنا من أين أتينا ورجعنا على أنفسنا باللوم، وقلت: يا نفس، أي شيء أنت حتى تطلبي ما تطلبين أو كلاماً هذا معناه، فقال فجاء الله تعالى بالفتح أو موهبة من الله تعالى بلا واسطة سبب، وما ذلك على الله بعزيز. وبالجملة فدواعي النفس صعبة الانفصال عن الإنسان، ومع ذلك فهي معينة في بابها " إنَّ اللهَ يؤيِّدُ هَذا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الفَاجِرِ "، ومتى وافق الحق الهوى فزبد وعسل.

стр. 92

ثم " إن " التجرد العام، والصفاء التام، عزيز الوجود، ومن ثم قال الشيخ أبو العباس بن العريف ﵀: علق العباد بالأعمال، والمريدون بالأحوال، والعارفون بالهمم، فالأعمال للجزاء، والأحوال للكرامات، والهمم للوصول، والكل عمى وتلبيس، إلى أن قال: وإنما يبدو الحق عند اضمحلال الرسم، وما سوى الله حجاب عنه، فهذا مقام التحقيق، ولكن لمن أهل له وبلغه، وليس للمرء أن يلزم به المريد بأول قدم، ولا أن يطمع بحصوله لكل متوجه، ولا أن يطمع بحصوله لكل متوجه، ولا أن لم يحصل له لم يحصل له فليس من أهل الطريق، " كلا " لينفق ذو سعة من سعته، ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله. والرباني هو الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره، وما على العبد إلاّ تعاطي الأسباب، وعلى الله فتح الباب، وهو موهبة وخصوصية من الحق لا تنال بمقياس، فمن أراد الله تعالى توصيله طوى عنه مسائف نفسه، ومحا عنه وهمه، فإذا هو عند ربه ومن أراد أن يمادَّه في ميدان أوهامه بقي فيها بقاء بني إسرائيل في التيه. أما ترى إلى قول الشيخ عبد السلام بن مشيش في برد الرضا والتسليم: أخاف أن تشغلني حلاوتهما عن الله تعالى: فنقول: نعم، ثم لو جرد عن تلك الحلاوة لأوشك أن يشتغل بذلك التجريد عن الله تعالى ما دام يلاحظه، فإن كل ما سوى الله حجاب عنه، ثم هكذا في التجريد عن التجرد والفناء عن الفناء إلى ما لا يتناهى حتى يقطع الله تعالى ذلك بموهبته لمن اختصه من عباده. وأما الوجه الثاني فإن هذا الكلام يوهم قلوب عوام المريدين أن الولاية لا تطلب رأساً، وأن المريد متى طلب من الله تعالى أن يرزقه الولاية أو الفتح أو المعرفة أو القرب أو الوصول أو نحوها، أو تشوف إلى شيء من ذلك فهو معلول السلوك، أو هالك مقطوع، وهذا غلط وجهل، كيف والعبد مأذون له أبداً أن يسأل مولاه ويطلبه في حوائجه من أدناها كشراك النعل فإنه إن لم ييسره لم يتيسر إلى أعلاها كرضاه، فإذا طلب من مولاه أن يرزقه ما رزق أولياءه في الدنيا والآخرة فأي حَرَج عليه في ذلك إذا وقف على حدود الأدب؟ وإنما حذر الناس من العلل والصوارف، وذلك أن يكون الباعث له على الانتهاض إلى السلوك والاشتغال بالعبادة إنما هو حصول الولاية مثلاً، فإنه حينئذ يفوته الاخلاص في عبادته فيفسد أمره، ويكون ما يرجو من الولاية مثلاً شاغلاً لفكره وسره عن الله تعالى. فأما من عرف الحق وأن العبد يعمل تعبداً والمولي يعطي تفضلاً لا غير وانتهض على ذلك الوجه يعبد الله تعالى امتثالاً لأمره، وأداء لحق ربوبيته على باب مولاه وسيده ورجاء للنيل من مائدته الموضوعة للخيار فلا بأس عليه، ولا مذمة تلحقه، ولا علة تدخل عليه ما دام على هذه الحال.

стр. 93

نعم الناس في أمر الطلب والدعاء لا في هذه ولا في غيرها صنفان: " صنف " يسلم ولا يطلب، " وصنف يطلب " وذلك " بسبب " اختلاف المشارب وتباين الشهادات، فمن أشهده الله تعالى كونه عبداً مملوكاً مكفولاً بعين مولاه وفي حياطته لم يبق له دعاء ولا طلب، بل التوكل والتسليم وانتظار القسمة السابقة، وله في هذا مشارب، فقد يلاحظ حياطة المولى وكفالته فيستغني، وقد يلاحظ انبرام القسمة وأن الدعاء لا يزيد فيها ولا ينقص فيمسك، وقد يلاحظ علم الله تعالى وقدرته وجوده فيستحيي، إذ لا ينبه إلاّ غافل، ولا يستنهض إلاّ عاجز ولا يستعطف إلاّ بخيل، إلى غير هذا من الواردات، وقد يلاحظ إساءته وتقصيره في الخدمة فيستحيي أن يطلب، ومن أشهده الله تعالى " كونه " عبداً فقيراً محتاجاً إلى سيده لا يستغني عنه لحظة، وقد أذن له في رفع حوائجه إليه فليس إلاّ الدعاء والطلب، وله في ذلك أيضاً مشارب، فتارة يسترسل مع وصفه من الافتقار واللجأ إلى مولاه، وتارة يرى تعاطي ذلك وإظهاره هو اللائق بالعبودية، وتارة يلاحظ امتثال أمر الله تعالى حيث طلب من عباده أن يدعوه، وذلك كله من غير التفات إلى حاجة تقضى ولا ثمرة غير ما حصل له من التعبد والمناجاة والتذلل بين يدي الملك الجليل، وناهيك بذلك ثمرة " مع " ما يرجى أن يستتبعه ذلك من رضوان الله تعالى، وهو نهاية السول وغاية المأمول، وهذا كله لمعرفته بأن القسمة قد سبقت لا تزداد ولا تنقص، ومحال أن يكون الدعاء اللاحق، سبباً للعطاء السابق، فلم يبق إلاّ أن الدعاء عبادة وتأدب مع الرب تعالى، والرب يفعل ما يشاء " ويحكم ما يريد "، وقد يلاحظ أن من جملة ما يقضى ترتب بروز العطاء على الدعاء، وأن الاشتغال بالدعاء سبب كسائر الأسباب فينتهض لإقامة الحكمة في تعاطي الأسباب وامتثال أمر الله تعالى في ذلك إذا أقيم " فيه " وهذا الوجه هو الذي يظهر من أحوال من يتحرى أوقات الاستجابة وأسبابها من الصالحين، والأوجه كلها حسنة لا يخرج المتلبّس بشيء منها عن الخصوصية، نسأل الله تعالى أن يمنحنا حسن الأدب بمنه. ثم الداعي أيضاً له حالتان، لأنه إما أن يشهد حال نفسه من الإساءة والتقصير والخساسة الذاتية والذلة والمهانة فلا يدعو إلاّ بما يناسب ذلك من العفو والمغفرة والنجاة من النار والإقالة واللطف ونحو ذلك، وفي هذه الحالة قال القائل: تجرأت البارحة فسألت الجنة، وقال الآخر: سبحان الله متى خرجنا من النار حتى نطلب الجنة، وإما أن يشهد وصف ربه من الكرم والجود والفضل، أو يشهد أنه عبد للمالك العظيم، ويلاحظ نحو قوله ﷺ : " إذا سَألْتُمْ اللهَ فَاسْتَعْظِمُوا المَسْألَةَ، فَإنَّ اللهَ لا يَتَعَاظَمُهُ شَيْء " فيدعو بما يناسب ذلك من الجنة والدرجة العلية، والرضوان والمعرفة، والمحبة والقرب والولاية، ونحو ذلك، ولا شك أن الحلة الأولى هي أنسبُ بالعبد في هذه الدار وأسلم له، ولكنه بيد الله تعالى يتصرف ويتلون بحسب سابق المشيئة. وأما الحلاوة فمن جهة ما ذكرنا من التدريج، فإنا نود أن لو وجد المسرف حلاوة للطاعة وتبعها حتى يترك فسقه ويتمرن على العبادة، فعسى أن ينقله الله إلى حالة أخرى أرفع، وقد تكلمنا فيما لسنا من أهله وتعدينا طورنا، فنستغفر الله تعالى. لله الأمر من قبل ومن بعد تدبر العقل في أسرار الكون اعلم أن الله جل أسمه بلطيف حكمته وبديع صنعته خلق العقل وجعل غذاءه العلوم والمعارف، ويسر له الاستعداد من الموجودات قال تعالى:) إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب (وقال تعالى:) وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم (فما من شيء يبرز في الوجود من السماء والأرض وما بينهما إلاّ ويمكن أن يكون للعقل فيه غذاء بحصول علم أو علوم، ويختلف ذلك باختلاف العقول فطنة وجموداً أولاً، وباختلاف مواهب الله تعالى وفتوحه ثانياً، ويجري ذلك في الجواهر والأعراض وما لها من الكميات والكيفيات والهيئات، فمن رزقه الله تعالى فطنة استفاد من الأمور ما يستغربه أهل الجمود.

стр. 94

ومن هذا ما وقع للحكماء في البرهان وفي الفلسفة وفي الهندسة وفي أنواع الصنائع والحرف وأصناف الحيل وضروب الغرائب في الأفعال والأقوال، ومن رزقه الله تعالى فهماً من لدنه ونوراً كان أقوى وأكثر، حتى لا يكاد يطير طائر إلاّ استفاد من طيرانه، أو يصر باب إلاّ استفاد من صريره، أو يتكلم متكلم إلاّ استفاد من كلامه، ما لم يرده المتكلم ولم يخطر له ببال، وهذا مشهور عند أهل الطريق من العارفين والمحبين والمريدين الصادقين ﵃. لله الأمر من قبل ومن بعد تذوق الصوفية معاني الأبيات والإشارات تأويلها حسب المقامات وقد قال أبو نواس في ممدوحه: تغطيت عن دهري بظل جناحه ... فعيني ترى دهري وليس يراني فلو تسأل الأيام عني ما درت ... وأين مكاني ما عرفن مكاني فكان هذا مشرباً عندهم في حق أهل كهف الإيواء من الأصفياء الأخفياء ﵃، وهو واضح. وقال أيضاً في الخمريات: إذا العشرون من شعبان ولّت ... فواصل شرب ليلك بالنهار ولا تشرب بأقداح صغار ... فقد ضاق الزمان على الصغار فصار عندهم موعظة في الإكثار من العمل الصالح والتشمير للتزود للمعاد، ولا سيما عند إيناس قرب الأجل، وخشية فوات الأمل. وقال أيضاً: دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ... وداوني بالتي كانت هي الداء فصارت مشرباً للمحبين أهل الشوق والذوق، ﵃. وفي مناقب الشيخ أبي الحسن الشاذلي ﵁، أنه في مسيره إلى المشرق، وكان في محفّته، فكان فتيان ذات يوم يمشيان تحته في ظلها ثم جعلا يتحدثان، فقال أحدهما " للآخر ": يا فلان مالي أرى فلاناً يسيء إليك وأنت تتحمل منه؟ فقال له: والله ما كان ذلك مني إلاّ لأنه من بلدي فكنت كما قال القائل: رأى المجنون في البيداء كلباً ... فجلله من الإحسان ذيلا فلاموه على ما كان منه ... وقالوا: لِمْ أنلت الكلب نيلا فقال: دعوا الملام فإن عيني ... رأته مرة في حي ليلى فسمعه الشيخ فتواجد وجعل يقول: فقال: دعوا الملام..... البيت. ويكرره ثم خلع غفارته ورمى بها إلى الفتى المنشد فقال له: أنت أولى بها يا بني. وفي " لطائف المنن ": أنشد إنسان بحضرة الشيخ مكين الدين الأسمر ﵁ قول القائل: لو كان لي بالراح يسعدني ... لما انتظرت لشرب الراح إفطارا الراح شيء شريف أنت شاربه ... فاشرب ولو حملتك الراح أوزارا فأنكر بعض الحاضرين على المنشد وقال له: لا يجوز إنشاد مثل هذا الشعر فقال الشيخ للمنشد: أنشد فإن هذا - " يعني " المنكر - رجل محجوب. وفي أبيات عبد الصمد بن المعَذَّل المشهورة حيث يقول: يا بديع الدل والغنج ... لك سلطان على المهج إن بيتاً أنت ساكنه ... غير محتاج إلى السرج وجهك المأمول حجتنا ... يوم يأتي الناس بالحجج مشرب عظيم لهم أيضاً. وقد سمع صوفي هذا البيت من جارية فتواجد وصاح ولم يزل كذلك حتى مات. " ومن أجلِّ ما يذكر في هذا الباب وأعذبه ما ذكره الشطيبي في " أذكاره " قال: دخل رسول الله ﷺ على أهل الصفة ﵃ ومعه ابن عباس فوجدهم يناشدون الشعر فيما بينهم، فلما رأوه أمسكوا إجلالاً له ﷺ ، فلما استقر جالساً قال ﷺ : هل فيكم من ينشدنا شيئاً من الشعر؟ قالوا: نعم يا رسول الله صلى الله عليك، ثم أنشأ بعضهم: في كل صبح وكل إشراق ... تبكي جفوني بدمع مشتاق قد لسعت حية الهوى كبدي ... فلا طبيب لها ولا راق إلاّ الحبيب الذي شغفت به ... فعنده رؤيتي ودرياقي فتواجد ﷺ حتى سقط رداؤه عن جسده فأعطاه أهل الصفة وكانوا أربعين رجلاً فقطعه عليهم أربعين قطعة ﷺ ". وهذا النوع لا يحصى، وفيه يطيب لهم السماع، ويقع الوجد عند الاستماع، وإنما أردت أن ننبه فيه حيث انجذب الحديث إليه على معنى إيقاظاً وإمتاعاً. فاعلم أن فهم المعنى عند سماع لفظ القائل يكون على وجهتين: أحدهما أن يكون لدلالة اللفظ المسموع عليه في الخارج إما حقيقة وإما مجازاً، إما لغة وإما عرفاً.

стр. 95

ثانيهما أن يكون كذلك في وهم السامع ولا حاصل له في الخارج، فتحصل الفائدة بحسب ما طرق وهمه. أما الوجه الثاني وهو بحسب الخارج في حكم السماع من غير اللفظ كصرير الباب وصوت الطائر، مثاله ما ذكر التاج ابن عطاء الله أن ثلاثة نفر سمعوا " صائحاً " يقول: " يا سعتر بري " فسبق إلى فهم واحد منهم أن الصائح يقول " اسْعَ تر بِرّي " " وفهم الآخر أنه يقول: " السّاعَةَ تَرى بِرّي " وفهم الآخر أنه يقول: " يا سَعَة بِرّي "، وكان سماع الثلاثة جميعاً من الحق تعالى إلاّ أن كل واحد منهم فهم على حسب حاله. أما الأول فكان سالكاً مبتدئاً، فورد عليه الأمر بالسعي والجد مع ما يفيد تنشيطه من الترجية برؤية البر بكسر الباء، وهو الإحسان والتفضل من الله تعالى. وأما الثاني فكان سالكاً تطاول به السير، فورد عليه التنفيس والتبشير برؤية البر الساعة. وأما الثالث فكان واصلاً " قد " شاهد الفضل فورد عليه الخطاب على وفق شهوده بأن بر الله تعالى ما أوسعه! فهذه فهوم اختلفت وفصلت من إلقاء الله تعالى عليها ما فهمت بسبب مجرد مناسبة ما في اللفظ المسموع وأن لم يكن طبقاً لها لا إفراد ولا تركيباً ولا حقيقة ولا مجازاً، فإن القائل إنما أراد السعتر المعروف البري بفتح الباء، أي غير البستاني، فسبحان اللطيف الخبير. وأما الوجه الأول فهو الكثير المشهور، وذلك أن يسمع لفظ مشترك أريد به معنى فيفهم معنى آخر من معانيه، أو حقيقة أريد به معناه فيفهم مجازه، وقد يتعدد الفهم بحسب الاحتمال الواقع في التركيب وفي الضمائر ونحو ذلك. ولا بد أن نورد من ذلك أمثلة يتضح بها ما قررنا ليكون مأخذاً في هذا الباب، ومصباحاً يستضيء به ذوو الألباب. فمن ذلك ما وردت عليه فهوم الناس قبلنا كما مرّ من الأبيات، فنشير إلى مأخذ الفهم منه، ومن ذلك ما يسنح للخاطر الآن، فأما أبيات أبي نواس فهي كلها واضحة في إشاراتها، وكذلك أبيات الفتى، فإن ليلى عبارة عن المحبوب " عند " السامع إما خالقاً وإما مخلوقاً واحداً أو جماعة كأهل الله وطائفة المحبين والمنتسبين، أو المصطفى ﷺ ، أو سنته، أو نحو ذلك مما يخطر في البال، وأما أبيات مكين الدين فالراح فيها عند السامع هنا هي الخمرة الربانية القلبية، وهي لطف من الله تعالى ونور يرد على القلب فاستعاروا له اسم الخمر للشبه الواقع في اللذة والانفعال، وهو الصهباء " أيضاً " وبعد البيتين: يا من يلوم على صهباء صافية ... خذ الجنان ودعني أسكن النارا أي خذ جنان الشهوة وراحة النفس ودعني أسكن نار الشوق، فافهم، والأوزار يفهم منها أعباء المحبة والشوق وما يتحمله أصحاب ذلك. وقد وقع لي ذكر لهذا المعنى في أبيات من قصيدة طويلة وهي: فلولا هوى نجد وطيب نسيمها ... وريح خزاماها إذا ساوق الفجرا وعذب فرات سلسبيل سخت به ... أكف العوادي في حدائقها غمْرا مشمولة صهباء ما قطّ شابَها ... بِراوُوقه الحاني ولا حلت القِدْرا بها هامت الأرواح من قبل خلقنا ... ومن بعد ما كنّا وإذا نبلغ الحشرا فكم ولهتْ فكر ابن عيسى ومالك ... وكم أطربت سهلاً وكم شغلت بشرا إذا ما تحساها الفتى لم يخف بها ... جُناحاً ولكن يرتجي عندها برا تحمِّلُه الأوزارَ غيرّ مذمّم ... بأعبائها العظمى ولم يحمِلِ الوِزْرا وتبرد غلاّت الحشا وتشبُّها ... أُواراً وتعطي الرشد والسفه الحجرا وتورثه قبضاً وبسطاً وفرقة ... وجمعاً ونسياناً وتورثُه ذكرا فلولا رجاء الفوز منا بشربة ... تداوي عقابيل الهوى والجَوى المُغْرى لكانت أكف البين تصدع بالجوى ... زجاجة أحشائي فلا أملك الجبرا فكل ما في هذه الأبيات من ذكر الصهباء وكذا نجد وريح الخزامي والعذب والفرات كل ذلك استعارات، وجرى الشعر على أسلوب العرب في الحنين إلى نجد ومنابته، وهو ما ارتفع من بلادهم، وكل أحد نجده ما توجه إليه، وإن لا يرتفع حساً فهو مرتفع معنى فافهم. وأما أبيات ابن المعذل فالبيت فيها عند السامع هو القلب، والساكن فيه هو الحق تعالى شهوداً وحضوراً.

стр. 96

وفي الحديث القدسي: " لَمْ يَسَعْني أرْضي وَلا سَمَائي، وَوَسِعَني قَلْبُ عَبْدِي المُؤْمِنِ ". والوجه وجهه، والضمائر تعود اليه، وهاهنا مزلقة تقشعر منها الرؤوس، وتشمئز النفوس. حكى الإمام الرازي ﵀ في كتاب " الإشارات في التعبير "، قال: أخبرنا أحمد بن عمرو الصوفي بمكة - حرسها الله - قال: أخبرني أبو بكر الطوسي، قال: قال عثمان الأحول تلميذ الخراز ﵁: بات عندي أبو سعيد، فلما مضى بعض الليل صاح بي: يا عثمان، قم أسرج، فقمت وأسرجت، فقال لي: ويحك رأيت الساعة كأني في الآخرة والقيامة قد قامت، فنوديت فوقفت بين يدي الله تعالى وأنا أرتعد، لم يبق علي شعرة إلاّ وقد قامت، فقل " جل وعلا ": أنت الذي تشير إليّ في السماع وإلى سلمى وبثينة، لولا أني أعلم أنك صادق في ذلك لعذبتك عذاباً لم أعذب به أحد من العالمين، انتهى. فنعوذ بالله من جسارة، تؤدي إلى خسارة. وقد وقع في هذا الخطر ابن الفارض، وابن سبعين والششتري وأضرابهم، وهو باب ضنْك، وللعبد في مطرح النعال، سعة عن جناب الكبير المتعال. وقد يكون السامع في فهمه أخف حالاً من المعبر، فإن الفهم أقرب إلى الغلبة، والتعبير أقرب إلى الاختبار، ومثال ما سنح في فكري مما حضر لي الآن قول امرئ القيس: " الله أنجح ما طلبت به ... والبِرّ خير حقيبة الرجل شرحه وقوله ": أنا موضعين لحتم غيب ... ونسحر بالطعام والشراب فإن هذه القطعة موعظة عظيمة في ذكر الآخرة والزهد في الدنيا وإن لم يقصد نفس ذلك المعنى، ويزيد العاقل فيقول: هذا رجل دهري " كان " لا يؤمن بيوم الحساب، قد مقت الدنيا لمجرد ما رأى من الانتقال عنها إلى الفناء، فكيف لا يمقتها من يؤمن بالجنة وأن الدنيا لا تساوي شيئاً إذا قيست إليها ولا تزن عند الله جناح بعوضه، وان الاشتغال بها " يعوق " عن الملك العظيم، والنعيم المقيم، ويعرض للحساب الشديد والعذاب الأليم، وقوله: فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني ولم أطلب قليل من المال ولكنما أسعى لمجد مؤثل ... وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي فإن العابد يفهم منه أنه لو كان يسعى لمعيشة الدنيا الحسيسة الفانية لكفاهُ أدنى شيء، ولكنه يسعى للملك العظيم، في دار النعيم، وهو المجد حقاً، فليس إلاّ الجدّ والاجتهاد، ومسامرة النوافل والأوراد، والعارف يفهم منه أنه لو كان يسعى لمجرد التنعم في الجنة لكفاه إقامة الرسم الشرعي، والوقوف عند الحد المرعي، ولكنه يسعى للوصول والنظرة، والحضور والحضرة، فليس إلاَّ زيادة الاعتناء بصفاء الأسرار، والفناء عن الأغيار، وقوله: تنورتها من أذرِعاتٍ وأهلُها ... بيثربَ أدنى دارِها نظر عال فإن المريد قد يفهم منه " أن " الضمير للحقيقة، وأهلها بيثرب وهم محمد وأصحابه ﷺ وعلى الصحابة أجمعين. وكون نيل ذلك من أذرعات وهو موضع بالشام " مناسب، لأن الشام " مكان مرتفع باعتبار الغور، وليس يبلغ السالك ذلك إلاّ بعد بلوغ المنزلة الرفيعة " من الاستقامة والطهارة ومن الهمة " الرفيعة فإن العبد يفتح له على قدر همته وبنظره العالي يقرب الفتح بإذن الله تعالى، بل النظر العالي وهو ما يكون إلى الحق دون شيء دونه هو كلية الأمر وعماده، رزقنا الله منه قسطاً وافراً بمنه آمين. وقول عنترة: وأغضّ طرفي ما بدت لي جارتي ... حتى يواري جارتي مأواها إني امرؤ سمح الخليقة ماجد ... لا أتبع النفس اللّجوج هواها فإن هذا في باب العفة والتحلي بمكارم الأخلاق في الجملة صريح، وباعتبار الرياضة والمطلوب من التحلية والتخلية عند السالكين إشارة، وهي كافية في المقصود، لأن مخالفة الهوى هو ملاك الأمر كله، ومثل هذا لا ينحصر في شعر العرب " فقلما يخلو بيت أو أبيات من معنى أو معان فإن الحكمة قد أنزلت على ألسنة العرب ". وقد قال الله تعالى في الشعراء:) أنّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ (ومثل ذلك في كلام المولدين، وقد تقدم من شعر أبي نواس، وفال أبو الطيب: لك يا منازل في القلوب منازل ... أقفرت أنت وهنّ منكِ أواهلُ فإنه يفهم منه سوى مقصود الشاعر أمور:

стр. 97

منها أن المنازل من مظاهر الكائنات كلها، والقلوب قلوب أرباب الاعتبار والاستبصار يقول إن لهذه الحوادث في قلوبهم منزلة من الحدوث والافتقار إلى الفاعل المختار يتعرفون بها وجود الله تعالى وما له من الصفات " الجلية " والأسماء العلية فهي مقفرة دائرة فانية، والقلوب عامرة منها بالتوحيد، أو منزلة من التقلب في مظاهر التصريف يتعرفون منها ما لله تعالى من الجلال والجمال والعظمة والكبرياء والقهر والبطش والفضل والرحمة والحلم، وبالجملة فالكائنات مرتع لأرباب الاستدلال وأرباب الكمال و) قَدْ عَلِمَ كُل أنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ (، أو القلوب قلوب أهل الغفلة وحب الدنيا، فيقول إن لهذه الحوادث منزلة في قلوبهم محبة لها وتعظيماً، وقد أقفرت هي فلا تنفع ولا حاصل لها ولا بقاء، وقلوبهم عامرة بها مفتونة بالنظر " إليها " والكدح عليها ويكون الكلام تقبيحا للدنيا ونعياً على محبيها. ومنها أن المنازل منازل السّائرين في السلوك أو المقامات الواصلين، والقلوب قلوب المتوجهين فيقول: إن لهذه المنازل أو المقامات في قلوبهم مكاناً من المحبة لها والاغتباط وحب الاقتداء بأهلها فيها، وقد أقفرت هي بذهاب أهلها، بانتقاص الزمان، فإن الإمام الجنيد كان يقول في زمانه الفاضل: إن هذا العلم قد طوي بساطه منذ زمان، وإنما يتكلم الناس في حواشيه، أو كلاماً بمعناه، فما بالك بزمان كل من يسمع هذا الشعر إلى يوم القيامة، أو القلوب عامرة بالمحبة والاشتياق من سماع أخبارها ومطالعها في الدفاتر، أو عامرة بالمعارف والأسرار من مطالعتها وسماعها، فإنه عند ذكر الصالحين تتنزل الرحمة في القلوب، أو من الاقتداء بما فيها والنسج على منوالها، وهو ظاهر، وقد يفهم من المنازل مواضعهم التي كانوا يتعبدون فيها من المساجد والرباطات " والخلوات " والبراري التي دفنوا فيها والتقرير على حسب ما قبله، وكنت أشرت إلى شيء من هذا الغرض في أبيات من قصيدة طويلة، وهي: يا قمريّ البان نح حزناً على زمن ... مضى بقوم من الأبرار أمجاد وسل بنعمان عنهم بعد خيف مِنىً ... وبالمحصَّب يوم الهيد والهاد واهتف بلبنان بعد القدس مصطرخاً ... وباللّكام نداء الهائم الصادي ولا تدع غائراً من كلّ أودية ... ولا تدع شامخاً من كلّ أطواد فتلك أوطان أحبابي وإن نزحوا ... عن مقلي فهم بالقلب شُهّادي فإن ظفرت بمن يهديك نحوهم ... فقد ظفرت بكنز غير نفاذ وإن شممْت شذا أخبارهم عَبِقاً ... أبهى من النور في بطحاء مقلاد فتلك غُنْيَةُ نفس عاقها قدر ... أن تدرك المُنية العظمى بتشهاد وقد اتفقت لبيت أبي الطيب المذكور حكاية لطيفة تذكر في " باب " الأذكياء، وهي أن أبا العلاء المعري كان يعتني بشعر المتنبي، ويستجيده، حتى حكي عنه أنه قال: أنا الذي يعني أبو الطيب بقوله: أنا الذي ينظر الأعمى إلى أدبي ثم إنه حضر يوماً مجلس الأمير فتكلم الأمير حتى وقع في أبي الطيب وغض منه بعض الغض، فأراد المعري أن ينافح عن أبي الطيب فقال: أيها الأمير يكفيك من أبي الطيب قوله: لك يا منازل في القلوب منازل ... أقفرت أنت وهن منك أواهل ففطن الأمير وقال لأصحابه: أتدرون ما يقول الأعمى؟ إنه يشير إلى قوله في أثناء هذه القصيدة: وإذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني كامل خذوا برجله، فجر أبو العلاء حتى خرج، فأنظر إلى لطافة هذه الأذهان، وكيف تلطف هذا بالإشارة، وكيف وقع عليها الآخر؟ ونحوها ما وقع للكسائي، وكان وعده الرشيد صلة ثم غفل عنه، فاتفق أن سايره يوماً إلى أن مروا بموضع فقال: يا أمير هذا منزل عاتكة الذي يقول فيه الشاعر: يا بيت عاتكة التي أتعزل ... حذر العدا وبه الفؤاد موكل فتعجب الرشيد من مفاتحة الكسائي له بالكلام، ولم يكن ذلك أدباً مع الملوك، ثم نظر فإذا هو يشير إلى قول الشاعر في أثناء القصيدة: وأراك تفعل ما تقول وبعضهم ... مذق الحديث يقول ما لا يفعل ففهم ذلك وأمر له بالصلة. لله الأمر من قبل ومن بعد. انتقاد أحد القضاة للمؤلف والرد عليه

стр. 98

خطر لي الآن كلام فأردت أن أنبه عليه " و " على طرف منه فإن شرحه يطيل وذلك أنا بعد وفاة الأستاذ المحقق السني أبي عبد الله بن ناصر ﵁ لم نزل نسعى في نفع الناس بتعليم ما يحتاجون من دينهم وما يحتاجون من أوراد النوافل والأذكار التي يتزودون بها لمعادهم ويتحببون بها ويتقربون إلى ربهم عاملين في ذلك على وجه المؤاخاة والمعاونة على البر والنصيحة، على وجه المشيخة، وعلى وجه التعليم والإرشاد لا على وجه التربية، ثم أنه جرى من ذلك ما عادته أن يجري من كلام منكر أو متنصح، فأخبرني بعض أصحابي أنه جرى كلام بينه وبين " بعض " القضاة المتصدرين للدرس فتكلم له القاضي في شأني وقال له على وجه النصيحة فيما زعم: ما ألجأ فلاناً إلى تلقين الأوراد؟ فهل رأيتم مريداً بشروط الإرادة قط؟ فلما حدثني بذلك قلت له: هلا قلت له: أما أنا لم نرَ مريداً كذلك " فهو كذلك " وكيف نراه إلاّ أن يتداركنا الله برحمته؟ وقد كان الشيخ أبو العباس زروق يحكي عن شيخه أبي العباس أحمد ابن عقبة الخضرمي ﵄ أنه كان يقول " لهم ": لو فتشتم من أقصى مشارق الأرض إلى أقصى مغاربها على مريد صادق في أحواله لم تجدوه فكيف بالعارف الكامل؟ ومع ذلك فانتقاص الزمان وانتقاص أهله لا يوجب انقطاع الدين ولا ارتفاع النصيحة، فإن هذا النقص سارٍ في الدين وفي العقول وفي الأقوات وفي الإمامة الكبرى والصغرى وفي النصيحة وغير ذلك، وهو قضاء جار أخبر به الصادق المصدوق ﷺ قبل كونه في الأحاديث الكثيرة، وإليه يشير القائل: هذا الزمان الذي كنا نحاذره ... في قول كعب وفي قول ابن مسعود إن دام هذا ولم يحدث له غير ... لم يبك ميت ولم يفرح بمولود هذا ويا ليته دام، فإنه لا يزيد الأمر إلاّ شدة والخير إلاّ إدباراً حتى ينقرض انقراضاً غير أن المعتبر في كل زمان ما هو فيه، وحكم الله تعالى جار في كل بحسب حاله، والدين مستمر، والحق ظاهر حتى يأتي أمر الله. ثم يلزمك أيها الناصح في هذا مثل ما يلزمنا، وما كان جوابك هو جوابنا، فإنك تصدرت للتعليم فهل رأيت بعينيك متعلماً على شروط التعليم المعتبرة؟ أو هل رأيت في نفسك شروط المعلم؟ " فلا بد أن تعرض على نفسك شروط المعلم " وعلى من يجلس إليك شروط المتعلم، فإن تجد ذلك صحيحاً ظاهراً أو باطناً فتصدر، وإن وجدته مختلاً فكيف يحل لك أن تتصدر، وارتفاع الشرط يوجب ارتفاع المشروط، وقد قال ﷺ : " لا تُؤْتُوا الحِكْمَةَ غَيْرَ أهْلِهَا فَتَظْلمُوها " فإن أجاب بأنه ارتكب أخف الضررين أو أن العلم أمنع جانباً من أن يصل إلى غير أهله أو نحو ذلك فهو جوابنا بعينه، والله الموفق المسئول أن يتجاوز عنّا بعفوه ويتغمدنا برحمته إنه ولي ذلك والقادر عليه. لله الأمر من قبل ومن بعد باب في ملح من الأدب رأيت أن ألم بملح من الأدب تثميناً للكتاب، وامتناعاً لذوي الألباب، فإن النفس ملول والأذن مجاجة، وفي التلون والانتقال تطييب لها وتنشيط كما قيل: لا يصلح النفس إن كانت مدبرة ... إلاّ التنقل من حال إلى حال وذلك كله مما يصلح للمحاضرات ويوافق شرط الكتاب، ويعد من الآداب. وقد قال الحسن بن سهل: الآداب عشرة: ثلاثة شهرجانية وهي ضرب العود، ولعب الشطرنج، والصوالج، وثلاثة أنوشروانية، وهي: الطب، والهندسة، والفروسية، وثلاثة عربية، وهي: الشعر والنسب وأيام الناس، والعاشرة مقطعات الحديث والسمر وما يتعاطاه الناس بينهم في المجالس، وهذا عام. وقال ابن مسعود ﵁: القلوب تمل كما تمل الأبدان فابتغوا لها طرائف الحكمة. وقال أبو الدرداء ﵁: إني لأستجم نفسي من الباطل ليكون أقوى لها على الحق، وقال الشاعر: عجبا ً ممن تناهت حاله ... وكفاه الله ذلات الطلب كيف لا يقسم شطري عمره ... بين حالين نعيم وأدب مرة جداً وأخرى لعباً ... فإذا ما غسق الليل انتصب فقضى الدنيا نهاراً حقه ... وقضى لله ليلاً ما يجب

стр. 99

وفي هذا إشارة إلى ما روي في حكمة آل داود ﵇: لا ينبغي للعاقل أن يخلي نفسه من أربع: عدة لمعاد، وإصلاح لمعاش، وفكر يقف به على ما يصلحه مما يفسده، ولذة في غير محرّم يستعين بها على الحالات الثلاث. وكان ﷺ يمزح ولا يقول إلاّ حقاً، وكان أصحابه يتناشدون ويفيضون في الأنساب وأيام الناس ولا ينكر عليهم، وذلك كله مشهور. وقيل لسعيد بن المسيب: إن قوماً من " أهل " العراق لا يرون إنشاد الشعر فقال: نسكوا نسكاً أعجمياً. وقيل لابن سيرين: إن قوماً يرون إنشاد الشعر ينقض الوضوء فأنشد: لقد أصبحت عرْسُ الفرزدق ناشزاً ... ولو رضيت رمح أسته لاستقرت ثم قام يصلي، وقيل بل أنشد: نبئت أن فتاة كنت أخطبها ... عرقوبها مثل شهر الصوم في الطول وقيل لأبي السائب المخزومي: أترى أحداً لا يشتهي النسيب فقال: أما من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا. وكان فضلاء هذه الأمة يروون الشعر ويقولونه أما النبي ﷺ فقد كان مصروفاً عنه قول الشعر سداً للذريعة، وتنزيهاً عن النقيصة، ونفياً للتهمة، قال الله تعالى:) وَمَا عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغي لَهُ (وأما غيره ﷺ فلا محذور عليه في إنشاد الشعر رواية وقولاً، فإن الشعر من جملة الكلام، نعم إذا كثر ذلك حتى ألهاه عن ذكر الله فهو مذموم، ولا خصوصية في هذا الشعر. فمما يروى لأبي بكر ﵁ قوله: تعدون قتلى في الحرام عظيمة ... وأعظم منه لو يرى الرشد راشد صدودكم عما يقول محمد ... وكفر به والله راءٍ وشاهد سقينا من ابن الحضرمي رماحنا ... بنخلة لما أوقد الحربَ واقد ومما يروي لعمر ﵁ قوله: لا شيء مما ترى تبقى بشاشته ... إلاّ الإله ويودي المال والولد لم تُغْنِ عن هرمز يوماً خزانته ... والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا ولا سليمان إذ تجري الرياح له ... والجن والإنس فيما بينها ترد أين الملوك التي كانت نوافلها ... من كل أوب إليها وافد يفد حوض هنلك مورد بلا كذب ... لا بد من ورده يوماً كما وردوا ومما يروى لعثمان ﵁ قوله: تفنى اللذاذة ممّن نال صفوتها ... من الحرام ويبقى الإثم والعار تبقى عواقب سوء من مغبتها ... لا خير في لذة من بعدها النار ومما ينسب إلى علي كرم الله وجهه: محمد النبي أخي وصهري ... وحمزة سيد الشهداء عمّي وجعفر الذي يمسي ويضحي ... يطير مع الملائكة ابن أمي وبنت محمد سكَني وعرسي ... منوط لحمها بدمي ولحمي وسبطا أحمد ولداي منها ... فمن هذا له سهم كسهمي سبقتكم إلى الإسلام طراً ... غلاماً ما بلغت حلْمي وصليت الصلاة وكنت رِدْءاً ... فمن ذا يدعي يوماً كيومي وأوجب لي الولاء معاً عليكم ... رسول الله يوم غدير خم وغدير خم بضم الخاء موضع بين الحرمين. ومن شعره أيضاً وقيل: لم يثبت عنه غيره: تلكم قريش تمناني لتقتلني ... فلا وربث ما برّوا ولا ظفروا فإن هلكت فرهن ذمتي لهم ... بذاتِ وَدْقَينِ لا يعفو لها أثر وذات ودقين الداهية. ومما يروى لعمر بن عبد العزيز ﵁ قوله: إن كنت تعلم أن الله يا عمر ... يرى ويسمع ما تأتي وما تذر وأنت غفلة عن ذاك تركب ما ... عنه نهاك فأين الخوف والحذر فانظر لنفسك يا مسكين في مهل ... ما دام ينفعك التفكير والنظر قف بالمقابر وانظر إن وقفت بها ... لله درك ماذا تستر الحُفَر ففيهم لك يا مغرور موعظة ... وفيهم لك يا مغرور معتبر فهؤلاء الأئمة المقتدى بأقوالهم وأفعالهم " وأحوالهم ". وقد وقع ذلك لأكابر العلماء من أهل الدين كثيراً شهيراً، ومنهم من كان غزير المادة في الشعر مديد الباع فيه كعبيد الله بن عبد الله بن عتبة ابن مسعود أحد الفقهاء السبعة بالمدينة حتى كان ابن المسيب إذا لقيه يقول له: مرحباً بالفقيه الشاعر فيقول عبيد الله: لا بد للمصدور أن ينفث، فمن قوله: كتمتَ الهوى حتى أضر بك الكتم ... ولامك أقوام ولومهم ظلم

стр. 100

ونمّ عليك الكاشحون وقبلهم ... عليك الهوى قد نم لو ينفع النم وزادك إغراء بها طول بخلها ... عليك وأبلى لحم أعظمك الهم وأصبحت كالنهدي إذ مات حسرة ... على أثر هند أو كمن سقي السم وكأنه أراد: من سقيه السم فحذف الضمير. ووردت امرأة جميلة مع ابن " لها " صغير " المدينة " فخطبت وكان ممن خطبها عبيد الله فقال فيها معرضاً ببراعة الفقهاء السبعة: أحبك حباً لا يحبك مثله ... قريب ولا في العالمين بعيد أحبك حباً لو علمت ببعضه ... لجُدْتِ ولم يصعب عليك شديد أحبك يا أم الوليد متيمي ... شهيدي أبو بكر وذاك شهيد ويعلم وجدي قاسم بن محمد ... وعروة ما ألقى بكم وسعيد ويعلم ما أخفي سليمان كله ... وخارجه يبدي بنا ويعيد متى تسألي عما أقول تخبري ... فللحب عندي طارف وتليد ويحكى أنه لقيه بعد هذا سعيد بن المسيب يوماً فقال له: أما إنك قد أمنت أن تسألنا، ولو سألتنا ما شهدْنا لك بزور، وهذا من فكاهة أهل الحجاز ولطافتهم ﵃. وكان الإمام الشافعي ﵁ وهو القائل مخبراً عن غزارة عنصره في ذلك: ولولا الشعر بالفقهاء يزري ... لكنت اليوم أشعرَ من لبيد فمن قوله: ماذا يخبر ضيف بيتك أهله؟ ... إن سيل: كيف مَراده ومعاجه؟ أيقول جاورت الفرات ولم أنل ... رِفداً إليه وقد طغت أمواجه ورقيت في درج العلى فتضاءلت ... عما أريد شعاره وفجاجه ولتخبرنَّ خصاصتي بتملقي ... والماء يخبر عن قذاه عندي يواقيت القريض ودُرُّه ... وعليّ إكليل الكلام وتاجه تُرْبي على روض الرّبى أزهاره ... ويرِق في نادي الندى ديباجه والشاعر المِنطيق أسود سالخ ... والشعر منه لعابه ومُجاجه وعداوة الشعراء داء مُعضِل ... ولقد يهون على الكريم علاجه والظاهر أنه قال هذا قبل اشتغاله بالفقه، فأنه لم يشتغل به حتى الآن في البادية وتوسع في العربية والشعر. ويحكى عن أبي القاسم بن الأزرق الشاعر أنه قال: جئت الشافعي يوما فقلت: يا أبا عبد الله لك الفقه تفوز بفوائده، ولنا الشعر، فأردت مداخلتنا فيه، فأما أفردتنا الشعر، وإما أشركتنا في الفقه، وقد أتيت بأبيات إن أتيت بمثلها تبت عن الشعر، وإن عجزت تبت عنه، فقال: هات، فأنشدته: ما همّتي إلاّ مقارعة العدا ... خَلِقَ الزمان وهمتي لم تخلَق والناس أعينهم إلى سلب الفتى ... لا يسألون عن الحِجا والأوْلَقِ لكن من رُزِق الحجا حُرِم الغنى ... هذان مفترقان أي تفرق لو كان بالحِيَل الغنى لوجدتني ... بنجوم أقطار السماء تعلقي فقال الشافعي: أنا أقول خيراً منه وأنشد مرتجلاً: إن الذي رُزِقَ اليسارَ ولم ينلْ ... حمداً ولا أجراً لغيرُ موفَّق فالجَدَ يدني كل شيء شاسع ... والجَدّ يفتح كل باب مغلق فإذا سمعت بأن مجدوداً حوى ... عوداً فأثمر في يديه فحقق وإذا سمعت بأن محروماً أتى ... ماء ليشربه فغاص فصدّق وأحقّ خلق اللهِ بالهمِّ امرؤ ... ذو همة يبلى برزق ضيق ومن الدليل على القضاء وكونه ... بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق وقال أبو سعيد المكي: سمعت الشافعي ﵁ ينشد: رأيت نفسي تتوق إلى مصر ... ومن دونها عرض المهامه والفقر ووالله ما أدري أللفقر والغنى ... أقاد إليها أم أقاد إلى قبري وكان ينشد ﵁: يا لهف نفسي على مال أفرقه ... على الفريقين من أهل المروآت إن اعتذاري إلى من جاء يسألني ... ما ليس عندي لمن إحدى المصيبات وقال يونس بن عبد الأعلى: كان الشافعي يتمثل: إذا أصبحت عندك قوت يوم ... فخلِّ الهم عني يا سعيد ولم تخطر هموم غد ببالي ... لأن غداً له رزق جديد أسلم إن أراد الله أمراً ... وأترك ما أريد لما يريد توفي ﵁ بمصر آخر يوم من رجب سنة سبع ومائتين، قال الربيع: لما دفناه رأينا هلال شعبان، وعاش أربعاً وخمسين سنة.

стр. 101

وكان القاضي عبد الوهاب بن نصر الفقيه المالكي ﵁، وفيه يقول أبو العلاء المعري حين مر بهم متوجهاً إلى مصر: والمالكيُّ ابن نصرٍ زار في سفر ... بلادنا فحمدنا النأيَ والسّفرا إذا تكلّم أحيا مالكاً جدَلاً ... ويُنشرُ الملك الضليل إن شعرا فمن قوله يتغزل ويوري بالمسائل الفقهية: ونائمة قبّلتها فتنبهت ... فقالت: تعالوا فاطلبوا اللص بالحد فقلت لها: إني لثمتك غاصباً ... وما حكموا في غاصب بسوى الرد خديها وكفي لي عن إثم ظلامتي ... وإن أنت لم ترضي فألف من العد فقالت: قصاص يشهد العقل أنه ... على كبد الجاني ألذ من الشهد فباتت يميني وهي هسيان خصها ... وباتت يساري وهي واسطة العقد وقالت: ألم أخبر بأنك زاهد ... فقلت لها: ما زلت أزهد في الزهد وينسب إليه قوله: تملكت يا مهجتي مهجتي ... وأسهرت يا ناظري ناظري وما كان ذا أملي يا ملول ... ولا خطر الهجر في خاطري فجد بالوصال فدتك النفوس ... فلست على الهجر بالقادر أيا غائباً حاضراً في الفؤاد ... سلام على الغائب الحاضر " وله أيضاً ﵀: يلومونني أن بعت بالرخص منزلي ... ولم يعلموا جاراً هناك ينغص فقلت لهم: كفوا الملام فإنما ... بجيرانها تغلو الديار وترخص " ولفقهاء العدوة من ذلك ما يطلع بدراً لائحاً، ويسطع زهراً فائحاً، وتتهاداه الحور، وتتحلى منه النحور، وتتبع ذلك يطيل، ونلم من ذلك بالقليل، إذ لا بد لهذا الكتاب، أن يأخذ من كل لباب، فمن ذلك قول الفقيه القاضي أبي الوليد الباجي ﵀ في معنى الزهد: إذا كنت أعلم علماً يقيناً ... بأن جميع حياتي كساعة فلمْ لا أكون ضنينا بها ... وأجعلها في صلاح وطاعة ومن ذلك قول محمد بن سماك صاحب الأحكام يصف الروض: الروض مخضر الربى متجمّل ... للناظرين بأجمل الألوان فكأنما بسطت هناك سوارها ... خود زهت بقلائد العقيان وكأنما فتحت هناك نوافج ... من مسكة عجنت بصرف البان والطير يسجع في الغصون كأنه ... نقر القيان جثت على العيدان والماء مطّرد يسيل عبابه ... كسلاسل من فضة وجمان بهجات حسن أكملت فكأنما ... حسن اليقين وبهجة الإيمان وللفقيه أبي محمد عبد الله بن السيد البطليوسي في الزهد: أمرت إلهي بالمكارم كلها ... ولم ترضها إلاّ وأنت لها أهل فقلت: اصفحوا عمن أساء إليكم ... وعوذوا بحلم منكم إن بدا جهل فهل لجهول خاف صعب ذنوبه ... لديك أمان منك أو جانب سهل وله يصف فرساً: وأدهم من آل الوجيه ولاحقٍ ... له ليل لون والصباح حُجُول تحير ماء الحسن فوق أديمه ... فلولا التهاب الحضر ظل يسيل كأن هلال الفطر لاح بوجهه ... فأعيينا شوقاً إليه تميل كأن الرياح العاصفات تُقِلّه ... إذا ابتل منه محزم وقليل وللحافظ أبي بكر بن عطية ﵀ يحذر من خلط الزمان: كن بذئب صائد مستوحشاً ... فإن أبصرت إنسانا ففر إنما الإنسان بحر ماله ... ساحل فأحذره إياك الغَرَر واجعل الناس كشخص واحد ... ثم كن من ذلك الشخص حذر وله يعاتب بعض إخوانه: وكنت أظن جبالَ رَضوى ... تزول وأن ودّك لا يزول ولكن الأمور لها اضطراب ... وأحوال ابن آدم تستحيل فإن يك بيننا وصل جميل ... وإلاّ فليكن هجر جميل ولابنه الحافظ عبد الحق ﵀ يصف الزمان وأهله: داء الزمان وأهله ... داء يعز له العلاج أطلعت في ظلماته ... ودّا كما سطع السراج لصحابة أعيا ثِقَا ... في من قناتهم اعوجاج أخلاقهم ماء صفا ... مرأى ومطعمهُ أُجاج كالدر ما لم تختبر ... فإذا اختبرت فهم زجاج وللفقيه القاضي عياض بن موسى اليحصبي ﵁ من شعره: إذا ما نشرت بساط انبساط ... فعنه فديتك فاطو المزاحا فإن المزاح كما قد حكى ... أُولُوا العلم قبلُ عن الحلم زاحا وله عند ارتحاله من قرطبة ﵀:

стр. 102

أقول وقد جدّ ارتحالي وغردت ... حُداتي ورنت للفراق ركائبي وقد غمصت من كثرة الدمع مقلتي ... وصارت هواءً من فؤادي ترائبي ولم تبقَ إلاّ وقفة تستحثها ... وداعي للأحباب لا للحبائب رعى الله جيراناً بقرطبة العلى ... وسقى رباها بالعِهادِ السواكب وحيا زماناً بينهم قد ألفته ... طليق المحيّا مستلانَ الجوانب أحبابنا في الله فيها تذكروا ... معاهد جار أو مودّة صاحب غدوت بهم من برهم واحتفائهم ... كأني في أهلي وبين أقاربي وله برد الله ضريحه في الوداع: يا من ترحل عني غير مكترث ... لكنه للضنى والسّقم أوصى بي تركتني مستهام القلب ذا حُرَقٍ ... أخا جوى وتباريح وأوْصاب فلم أذق من لذيذ العيش بعدكم ... إلاّ جَنى حنظل في الطعم أو صاب أراقب النجم في جنح الدجى سَهَراً ... كأنني راقب للنجم أو صابي وللأديب أبي الوليد محمد بن عبد الله بن زيدون رحمة الله عليه: ودع الصبر محب ودَّعك ... حافظ من سره ما استودعك يقرع السن على أن لم يكن ... زاد في تلك الخُطا إذ شيعك يا أخا البدر سناءً وسَناً ... حفظ الله زماناً أطلعك إنْ يَطلْ بعدك ليلي فلكَمْ ... بتّ أشكو قِصَر الليل معك يا قمراً أطلعه المغرب ... قد ضاق بي حبك المذهب ألزمتني الذنب الذي جئته ... صدقت فاصفح أيها المذنب وإنما أغرب ما مرّ بي ... أن عذابي بك مستغرب " وتتبع ذلك يطيل ويخرج عن الغرض. لله الأمر من قبل ومن بعد نبذة مختارة من مختار الشعر وهذه نبذة مختارة من شعر العرب، فمن ذلك في الأمثال، وقد تقدمت جملة منها في الكتاب: ففي الحض على الاتفاق والتوكل على الله تعالى قول جميل: كلوا اليوم من رزق الإله ابشروا ... فإن على الرحمن رزقكم غدا وفي تكذيب الكهانة وزجر الطير قول لبيد: لعمرك ما تدري الضوارب بالحصى ... ولا زاجرت الطير ما الله صانع وفي اليأس من إصلاح الأولاد مع فساد الآباء قول الفرزدق: ترجّي ربيع أن تجيء صغارها ... بخير، وقد أعيا ربيعاً كبارها وفي تلهف المعدم على قصوره عن فعل الخير قول خالد بن علقمة: وقد يقصر القل الفتى دون همه ... وقد كان لولا القل طلاع أنجد وفي الجنوح إلى الجبن قول النهشل بن حَرِّي: فلو أن لي نفسين كنت مقاتلاً ... بإحداهما حتى نموت وأسلما ونحو هذا قول حبيب بن عوف حين قال له المهلب " بن أبي صفرة " أكرر على القوم: يقول لي الأمير بغير علم ... تقدم حين جدَّ بهِ المراس فما لي أن أطلعتك من حياةِ ... وما لي غير هذا الرأس رأس " وقول أبي دلامة وقد ليم على الفرار: ألا لا تلمني في الفرار فإنني ... أخاف على فخّارتي أن تحطما فلو أنني أبتاع في السوق مثلها ... وحقّك ما باليت أن أتقدما وقال المبرد: حدثني عجل بن أبي دُلَف أن ابن أبي فتن مدح أباه بقوله مورياً: ما لي وما لك قد كلفتني شططاً ... حمل السلام وقول الدار عين قف أمن رجال المنايا خلتني رجلاً ... أمسي وأصبح مشتاقاً إلى التلف؟ تمشي المنون إلى غيري فأكرهها ... فكيف أسعى إليها بارز الكتف؟ أم قد حسبت سواد الليل شجعني ... أو أن قلبي في جنبيّ أبي دُلّف؟ فبلغ الشعر أبا دُلف فبعث إليه بأربعة آلاف دينار، فأخذها وأغلق عليه الدار، ولا عليه فيمن قعد أو طار، فقال المبرد: هذا كالذي دخل على قوم يشربون فسقاه بعضهم من غير الشراب الذي يشربون استحقاراً له فقال: نبيذان في مجلس واحد ... لإيثار مثر على مقتر فلو كنت تفعل فعل الكرام ... فعلت كفعل أبي البَحتري تتبع إخوانه في البلاد ... فأغنى المقل عن المكثر فاتصل قوله بأبي البختري فوصله بألف دينار ولم يره ". وفي الحض على اقتناء العمل الصالح قول الأخطل: وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد ... ذخراً يكون كصالح الأعمال وفي اليأس من تلافي ما فسد قول رجل من عمان: والثوب إن أنهج فيه البلى ... أعيا على ذي الحيلة الراقع

стр. 103

وفي مجاملة العدو وإعداده لأعدى منه قول مرداس الأسدي: وذوي ضباب مظهرين عداوة ... وغر بصدور معاودي الإفناد ناسيتهم بغضاءهم ووفرتهم ... وهم إذا حسب الصديق أعاد كيما أعدهم لأبعد منهم ... ولقد يجاء إلى ذوي الأحقاد وفي حفظ المال وتثميره قول الملتمس: قليل المال تصلحه فيبقى ... ولا يبقى الكثير مع الفساد وحفظ المال أيسر من بغاه ... وسير في البلاد بغير زاد وفي تبليغ العدو قول عروة بن الورد: ومن يك مثلي ذا عيال ومقترا ... من المال يطرح نفسه كل مطرح ليبلغ عذراً أو يصيب رغيبة ... ومبلغ نفس عذرها مثل منجح وفي معنى قولهم: القريب من تقرب - أي بورده - " لا " من تنسب قول الأعشى: لا تطلبن الود من متباعد ... ولا تنأ من ذي بغضة إن تقربا فإن القريب من يقرب نفسه ... لعمر أبيك الخير لا من تنسيا وفي الحض على الصبر في المواطن قول عمرو بن الإطنابة: أبت لي همتي وأبى بلائي ... وأخذ الحمد بالثمن الربيح وإقدامي على المكروه نفسي ... وضربي هامة البطل المشيح وقولي كلما جشأت وجاشت ... مكانك تحمدي أو تستريحي لأدفع عن مآثر صالحات ... وأحمي بعد عن عرض صحيح وقد حكي عن معاوية ﵁ أنه قال: دعوت بفرسي يوم صفين لأتصرف لاشتداد الأمر فما نفعني إلاّ أبيات عمرو المذكورة ذكرتها فصبرت. ونحوها " قول " قطري بن الفجاءة: أقول لها وقد طارت شَعاعاً ... من الأبطال: ويحك لن تراعي فصبراً في مجال الموت صبراً ... فما نيل الخلود بمستطاع سبيل الموت غاية كالترجّي ... وداعيه لأهل الأرض داع وما للمرء خير في حياة ... إذا ما عد من سقط المتاع وفيمن يسعى لما فيه هلاكه ولا يعلم قول الآخر: وكم من طالب يسعى لأمر ... وفيه هلاكه لو كان يدري ومثله قول الآخر: وكم طالب أمراً وفيه حمامه ... وسائرة تسعى إلى ما يضيرها ومثله قول الآخر: كم شارب عسلاً فيه منيّتُه ... وكم تقلد سيفاً من به ذُبحا ومثله قول أبي العتاهية: وقد يهلك الإنسان من باب أمنه ... وينجو بإذن الله من حيث يحذر ومن المعنى قول عدي بن أبي الصلت: تجري الأمور على حكم القضاء، وفي ... طي الحوادث محبوب ومكروه فربما سرّني ما بت أحذره ... وربما ساءني ما بت أرجوه " وفي التشكّي من فناء الأهل والأحبة قول ابن هرّمة: ما أظن الزمان يا أم عمرو ... تاركاً إن هلكت من يبكيني ويقال: إنه حين مات لم ير أحد خلف جنازته، وإنما رفعها عبيد له. وفي احتقار " السفيه " واللئيم وما يصدر منه قول الآخر: وما كل كلب نابح يستفزني ... ولا كلما طن الذباب أراع ونحوه في التنبيه على كثرتهم وأنه لا ينبغي الاحتفال بهم قول الآخر: لو كل كلب عوى ألقت حجراً ... لأصبح الصخر مثقالاً بدينار وقول الآخر: أو كلما طن الذباب زجرته ... إن الذباب إذن عليَّ كريم آخر: اذهب فأنت طليق عرضك إنه ... عرض عززت به وأنت ذليل آخر: نجا بك عرضك منجى الذباب ... حمته مقاذيره أنْ ينالا وفي فعل الحاسدين من نشر المساوي ودفن المحاسن " قول " الآخر: إن يسمعوا الخير يخفوه وإن سمعوا ... سراً أذيع وإن لم يسمعوا كذبوا ونحوه قول الآخر: صم إذا سمعوا خيراً ذكرت به ... وإن ذكرت بسوء عندهم أذِنوا وفي بيع ما يضمن به عند الحاجة قول الآخر: وقد تخرج الحاجات يا أم مالك ... كرائم من رب بهن ضنين " وقال أبو علي الحداد: قالت: وأبدت صفحة ... كالشمس من تحت القناع بعت الدفاتر، وهي آ ... خر ما يباع من المتاع لا تعجبي ممّا رأي ... ت فنحن في زمن الضياع ونحو ذلك قول ابن الحاجب لما ورد مصر: يا أهل مصر وجدت أيديكم ... عن بسطها للنوال منقبضه لما عدمت الغذا بأرضكم ... أكلت كتبي كأنني أرضه وصرت لما حللت واديكم ... كجملة في الكلام معترضه " وفي قساوة القلب قول مهلهل بن ربيعة:

стр. 104

يبكي عليتا ولا نبكي على أحد ... لنحن أغلظ أكباداً من وفي اتباع ما تيسر، وترك ما تعسر، قول الأعشى: إذا حاجة ولتك لا تستطيعها ... فخذ طرفاً من غيرها حين تسبق ونحوه قول عمرو بن معد يكرب: إذا لم تستطع شيئاً فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع وقد سبق إليه امرؤ القيس في قوله: وخير ما رمت ما ينال وفي التحذير من فعل السوء مخافة قول عمرو بن كلثوم: ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا أي فنعاقبه، فسمى المجازاة على الجهل جهلاً كقوله تعالى:) الله يستهزئ بهم (. وفي التشكي من قلة الإخوان الصادقين قول امرؤ القيس: إذا قلت: هذا صاحب قد رضيته ... وقرت به العينان بدلت آخرا كذلك جدّي ما أُصاحب صاحباً ... من الناس إلاّ خانني وتغيّرا وأخذ الشعراء هذا المعنى كثيراً كقول الأندلسي: وزهدني في الناس معرفتي بهم ... وطول اختباري صاحباً بعد صاحب فلم ترني الأيام خلاً تسرني ... مباديه إلاّ ساءني في العواقب ولا قلت: أرجوه لدفع ملمّة ... من الدهر إلاّ كان إحدى المصائب وذكر عن ابن العباس النيسابوري أنه قال: لو صحت صلاة بغير قراءة القرآن لصحت بهذا البيت: أتمنى على الزمان محالاً ... أن ترى مقلتاي وجنة حر ويحكى أن علوية غنى بين يدي المأمون بن الرشيد ﵏: وإني مشتاق إلى ظل صاحب ... يروق ويصفو إن كدرت عليه يوافقني في كلّ أمر أرومه ... ويغفر ذنبي إن أسأت إليه فقال المأمون: أعطوني هذا الصاحب وخذوا نصف الخلافة، والشعر لأبي العتاهية. ولابن حمديس من قصيدة: فلا ترج من دنياك خيراً وإن يكن ... فما هو إلاّ مثل ظلّ سحاب وما الحزم كل الحزم إلاّ اجتنابها ... وأشقى الورى من تصطفي وتحابي ولغيره: وإخوان وثقت بهم فأضحى ... أذاهم يعتريني كل حين فلما أن أسأت الظنّ كفوا ... فيا عجباه من ظن يقيني طرفة: كل خليل كنت خاللته ... لا ترك الله له واضحه كلهم أروغ من ثعلب ... ما أشبه الليلة بالبارحة! غيره: وكنت أخي بإخاء الزمان ... فلما انقضى صرت حرْباً عوانا وكنت أُعدّك للنائبات ... فهم أن أطلب منك الأمانا غيره: فلا تغترّ من خلّ ببشر ... ولا يتودد عند التلاقي فكم نَبْت نضير راق حسناً ... عياناً وهو مُرٌّ في المذاق غيره: كان ما كان وانقضى ومضى ... وقد طويت بساطاً كنت ناشره لما رأيتك لا تبقي على أحد ... فكيف أحسد بعدي من تعاشره وقال سعيد بن حميد من أبيات: وما أنت إلاّ كالزمان تلونت ... نوائب من أحداثه وأمور فإن قل إنصاف الزمان وعدلُه ... فمن ذا على جور الزمان يُجير؟ وقال جحظة: ضاقت عليّ وجوه الرأي في نفر ... يلقون بالجحد والكفران إحساني قلّب الطرف تصعيداً ومنْحَدَراً ... فما أقابل إنساني بإنسان وقال: وإذا جفاني صاحب ... لم أستجر ما دمت قطْعَهْ وتركته مثل القب ... ر أزورها في كل جمعة " وفي التفجع على الشباب قول حميد بن ثور الهلالي: ليالي أبصار الغواني وسمعها ... إلي وإذْ ريحي لهنّ جنوب وإذا شعري ضافٍ ولوني مُذهَب ... وإذا ليَ في ألبابهنّ نصيب فلا يبعد الله الشباب وقولنا ... إذا ما صبونا صَبْوةً سنتوب وقال أبو الفضل المكيالي بل ابن الرومي: يمضي الشباب ويبقى من لبانته ... شجو على النفس لا ينفك يشجيها ما كان لي دون إعجاب النساء به ... والنفس أوجب إعجاباً لما فيها وقال قتادة في قوله تعالى) وَجَاءكُمْ النَّذيِرُ (يعني الشيب. وقال المهلبي: صبغت الرأس ختلاً للغواني ... كما غطى على الرِّب المريب أعلل مرة وأساء أخرى ... ولا تحصى من الكبر العيوب أُسوف توبتي خمسين حولاً ... وظني أن مثلي لا يتوب يقَوَّمُ بالثِّقافِ العود لدْناً ... ولا يتقَّومُ العودُ الصليب وكان مالك بن دينار يقول: ما أشد فطام الكبير، وقال آخر:

стр. 105

دعي لومي ومعتبي أماما ... فإني لم أعود أن ألاما وكيف ملامتي إذْ شاب رأسي ... على خلق نشأت به غلاما وقال محمود للوراق في الخضاض: يا خاضب الشيب الذي ... في كل ثالثة يعود وله بديهةُ لوعةٍ ... مكروها أبداً عتيد فدع المشيب كما أرا ... د فلن يعود كما تريد وقال أيضاً في ذلك: يا خاضب الشيبة نح فقدها ... فإنما تدرجها في كفن أما تراها منذ عاينتها ... تزيد في الرأس بنقص البدن وحكى أن أبا الأسود الدؤلي دخل على عبيد الله بن زياد فقال له عبيد الله يهزأ به: يا أبا الأسود، إنك لجميل، فلو تعقلت تميمة؟؟ فقال أبو الأسود: أفنى الشباب الذي أفنيت جدته ... كَر الجديدين من آت ومنطلق لم يتركا لي في طول اختلافهما ... شيئا أخاف عليه لذْعة الحدق " ونحوه قول محمد بن حازم: لا تكذبن فما الدنيا بأجمعها ... من الشباب بيوم واحد بدل وقول منصور النمري: ما كنت أوفى شبابي حق عزته ... حتى مضى فإذا الدنيا لهُ تبع " وقال ابن الخطيب: لما علاني الشيب قال صواحبي ... لا تبتغي خلاًّ بثوب أشهب فصبغته خوف الصدود فقلن لي: ... هذا رواية أصبغ عن أشهب وقال غيره: نظرت إليّ بطرف من لم يعدل ... لما تمكن طرفها من مقتلي لما رأت شيباً ألمَّ بمفرقي ... صدت صدود بجانب متحمِّل فجعلت أطلب وصلها بتملق ... والشيب يغمزُها بأن لا تفعلي وقال غيره: أناخ الشيب ضيفاً لم أُرِدُه ... ولكن لا أطيق له مَرَدّا رداء للرّدى فيهِ الدليل ... تردى من به يوماً تردى وقال غيره: حلّ المشيب بعارضي ومفارقي ... بئس القرين أراهُ غير مفارقي رحل الشباب فقلت: قف لي ساعة ... حتى أودع قال: إنك لاحقي ويحكى أن أبا دلف دخل على المأمون وعنده جارية فغمزها عليه فقالت له: شِبْتُ يا أبا دُلف، فأعرض عنها، فقال له المأمون: ألا تجيبها؟ فأطرق ساعة ثم رفع رأسه وقال: تهزأت إذا رأت شيبي فقلت لها: ... لا تهزئي من يطلْ عمرٌ به يشب شيب الرجال لهم زين ومكرمة ... وشيبكنّ لكُنّ العارُ فاكتئبي فينا لكُنّ وإن شَيْبٌ بدا أرَبٌ ... وليس فيكن بعد الشيب من أرب غيره: لا تخطون إلى خِطءٍ ولا خطَأ ... من بعد ما الشيب في فوديك قد وخطأ فأي عذر لمن شابت مفارقُه ... إذا جرى في ميادين الهوى وخطا وقيل: ظهور الشيب في الناصية كرم، وفي القفا لؤم، وفي الهامة وقار، وفي الفودين شرف، وفي الصدغين شح، وفي الشاربين فحش ". وهذا الباب لا يأتي عليه الحصر، فلنقتصر على هذا القدر. واعلم أنه لا يزال علماء الأدب من لدن أدبرت العرب يختلفون في مقالة العرب بحسب اختيار الأجود منه والأصدق والأفخر أو نحو ذلك فنورد جملة مما وقع لهم في ذلك إمتاعاً والله الموفق. لله الأمر من قبل ومن بعد أشعر بيت قالته العرب حدثوا في حديث عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر: " أشعر بيت قالته العرب قول دريد ابن الصمة: قليل التشكي للمصيبات ذاكر ... من اليوم أعقاب الأحاديث في غد وقيل: قول أبي ذؤيب: والنّفس راغبة إذا رغبتها ... وإذا ترد إلى قليل تقنع وقيل: قول زهير: فلما وردن المساء زُرْقاً جمامُه ... وضعن عصيَّ الحاضر المتخيعم وقيل: قول الآخر: صبا ما صبا حتى علا الشيب رأسه ... فلما علاه قال للباطل ابعد وقيل: قول لبيد: وأكذب النفس إذا حدثتها ... إن صدق النفس يزري بالأمل وقيل: قول امرؤ القيس: ألا يا لهفَ هندٍ إثْرَ قومٍ ... همُ كانوا الشفاء فلم يصابوا وقاهُمْ جَدُّهُم ببني أبيهِم ... وبالأشقّين ما كان العقاب وأفْلتهنَّ عِلْباءٌ جريضاً ... ولوْ أدركنه صَفِرَ الوِطاب وقيل: بل قوله: اللهُ أنجَحُ ما طلبْتَ به ... والبِرّ خيرُ حقيبةِ الرَّحْلِ وقوله أيضاً: وإنك لم يفخر عليك كفاخر ... ضعيف ولم يغلبك مثل مغلَّب لله الأمر من قبل ومن بعد

стр. 106

أحسن بيت قالته العرب وأحسن بيت قالته العرب قول كعب بن زهير في النبي ﷺ : تحملهُ الناقةُ الأدماءُ معتجراً ... بالبُرْدِ كالبدر جليّ ليلة الظلمِ وفي عِطافَيْهِ أو أثناء بردته ... ما يعلم الله من دين ومن كرم وقيل: قول الآخر من الخزانة فيه ﷺ : فشَقَّ له من اسمه ليُجلَّه ... فذو العرش محمود وهذا محمد وقيل: أحسن ما قالته العرب قول التميمي: ما كلف الله نفساً فوق طاقتها ... ولا تجود يد إلاّ بما تجد وقول المرقش: ومن يلق خيراً يحمد الناس أمره ... ومن يغْوِ لا يعدم على الغي لائما وقول الآخر: ألا عائذ بالله من عدم الغنى ... ومن رغب يوماً إلى غير راغب لله الأمر من قبل ومن بعد أصدق بيت قالته العرب وأصدق بيت قالته العرب قول الشاعر: وما حملت ناقة فوق رحلها ... أبَرَّ وأوفى ذمة من محمد وقيل: قول أبي ذؤيب: والنفس راغبة إذا رغبتها ... وإذا ترد إلى قليل تقنع وقيل: قول الحطيئة: من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العُرف بين الله والناس وقول طرفة: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود " وكان ﷺ يذكره ويقول: " ويأتيك بالأخبار من لم تزوده بالأخبار ". ويقول ﵇: التركيب أو المعنى واحد، فيقول أبو بكر ﵁: أشهد أنك رسول الله، وقد قال الله تعالى:) وما علمناه الشعر (رجع ". وقيل: قول امرئ القيس: الله أنجح ما طلبت به ... والبر خير حقيبة الرجل واعلم أن هذا الخلاف في هذه الأبيات وكذا في هذه التراجم ليس اختلاف تناقض، فإنها كلها صحيحة، وإنما ذلك أن كلاً يتكلم بما عرف أو بما حضر في فكره فافهم. لله الأمر من قبل ومن بعد أكذب بيت قالته العرب أكذب بيت قالته العرب قول الأعشى: لو أسندت ميتاً إلى صدرها ... عاش ولم ينقل إلى قابر حتى يقول الناس ممّا رأوْا ... يا عجبا للمَيِّتِ الناشر وقيل: قول مهلهل: فلولا الريح أسمع من بنجد ... صليل البَيْض تُقرع بالذكور لله الأمر من قبل ومن بعد أنصف بيت قالته العرب أنصف بيت قالته العرب قول سيدنا حسان ﵁: أتهجوه ولست له بكفءٍ ... فشرّكما لخيرِكما الفداء ومن ذلك قول الآخر: بكلّ قرارةٍ منّا ومنهم ... بَنانُ فتىً وجمجمةُ فَلِيقُ فأشبعنا الضباع وأشبعوها ... فراحت كلها تئق تفوق قتلنا الفارس الوضاح منهمْ ... كأن فروع لمّتِه العُذوق أبكينا نساءهم وأبكوا ... نساء ما يسوغ لهن ريق وقول الآخر: نطاعنهم نستودع البيض فيهم ... ويستودعونا السمهري المقوما لله الأمر من قبل ومن بعد أفخر بيت قالته العرب أفخر بيت قالته العرب قول " الشاعر وينسب " لحسان في النبي ﷺ : له همم لا منتهى لكبارها ... وهمته الصغرى أجل من الدهر له راحة لو أن معشار جودها ... على البر كان البر أندى من البحر و" قيل ": قول امرئ القيس: ولو أن ما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني ولم أطلب قليل من المال ولكنما أسعى لمجد مؤثّل ... وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي وقيل: قول الفرزدق: ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا ... وإن نحن أومأنا إلى الناس وقَّفُوا ونحوه قول جرير: إذا غضبت عليك بنو تميم ... وجدت الناس كلهم غضابا لله الأمر من قبل ومن بعد أمدح بيت قالته العرب أمدح بيت قالته العرب قول الخنساء رحمها الله: وإن صخراً لتأتمُّ الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار وقيل: قول زهير: تراه إذا ما جئته متهللاً ... كأنك معطيه الذي أنت سائله وقيل: قول جرير: ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح وقيل: قول الأخطل: شُمسُ العداوةِ حتى يُستقادَ لهم ... وأعظم الناس أحلاماً إذا قدروا وقيل: قول حسان ﵁ في بني جفنة:

стр. 107

يُغشَوْنُ حتى ما تهر كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبل وقيل: قول الأعشى: فتى لو ينادي الشمس ألقت قناعها ... أو القمر الساري لألقى المقالدا قوله: ينادي الشمس أي يجالسها في نَدِيٍّ. وقيل: قول أبي الطمحان القيني: أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه أهجى بيت قالته العرب أهجى بيت قالته العرب قول الأعشى: تبيتون في المشتى مِلاءٍ بطونكم ... وجاراتكم غرثى يبتن خمائصا وقيل: قول الأخطل: قوم إذا نبح الأضياف كلبهم ... قالوا لأمهم: بولي على النار فتمسك البول بخلاً أن تجود به ... فما تبول لهم إلاّ بمقدار وقيل: قول حسان ﵁: لا بأس بالقوم من طول ومن قصر ... جسم البغال وأحلام العصافير وقيل: قول زياد الأعجم: قالوا: الأشاقر تهجوني فقلت لهم: ... ما كنت أحسبهم كانوا ولا خلقوا " وقيل: قول أوس: لعمرك ما تبلى سرابيل عامر ... من اللؤم ما دامت عليها جلودها وقيل: قول الطرماح: تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا ... ولو سلكت سبل المكارم ضلت وقيل: قول الفرزدق: أنتم قرارة كل معدن سوأة ... ولكل سائلة تسيل قرارُ لله الأمر من قبل ومن بعد أشجع بيت قالته العرب أشعر بيت قالته العرب قول العباس بن مرداس: أشد على الكتيبة لا أبالي ... أحتفي كان فيها أم سواها وقيل: قول عنترة: وإني لدى الحرب العوان موكل ... بتقديم نفس لا أريد بقاءها وقيل قوله: إنَّ المنية لو تمثل مثلت ... مثلي إذا نزلوا بضنك المنزل وقيل قول الآخر: دعوت بني قحافة فاستجابوا ... فقلت: ردوا فقد طاب الورود لله الأمر من قبل ومن بعد أشعر بيت في وصف الجبان أشعر بيت قيل في وصف الجبان قول جرير: ما زلت تحسب كل شيء بعدهم ... خيلاً تكرّ عليكم ورجالا وقيل قول الشاعر: طليق الله لم يمنن عليه ... أبو داود وابن أبي كبير ولا الحجاج عينَيْ بنتِ ماءٍ ... تقلب طرفها حذَرَ الصقور نصب عيني على الذم. ومن هذا قول الطرماح: ولو أن برغوثاً على ظهر قملة ... يكر على صفّيْ تميم لولّت لله الأمر من قبل ومن بعد أشعر بيت قيل في الاستحقار أشعر بيت قيل في الاستحقار قول الحطيئة: فمن أنتم إنا نسينا من أنتم ... وريحكم من أي ريح الأعاصر وأنتم أُلى جئتم مع البقل والدبى ... فطار وهذا شخصكم غير طائر أي الذين جئتم مع البقل والدبى جمع دباة بفتحتين. وقيل: قول جرير: فإنك لو رأيت عبيد تيم ... وتيماً قلت: أيهم العبيد؟ ويقضى الأمر حين تغيب تيم ... ولا يستأذنون وهم شهود وقيل: قول الطرماح: لو كان يخفى على الرحمان من أحد ... من خلقه خفيت عنه بنو أسد " ولما قتل جعفر بن يحيى البرمكي بكى عليه أبو نؤاس فقيل له: أتبكيه وقد هجوته؟ فقال: ذلك لركوب الهوى بالله " كذا " بلغه أني قلت: ولست وإن أطنبت في وصف جعفر ... بأول إنسان خرا في ثيابه فكتب: يدفع إليه عشرة آلاف درهم يغسل بها ثيابه. وقال ابن الأعرابيّ: أهجى بيت قال المحدثون قول محمد بن وهب في محمد بن هشام: لم يند كفاك من بذل النوال كما ... لم يند سيفك، مذ قلدته، بدم وقال الصفي الحلي: إني مدحتك كي أجيد قريحتي ... وعلمت أن المدح فيك يضيع لكن رأيت المسك عند فساده ... يدنوهُ من بيت الخلا فيضوع وقال آخر: إذا رمت هجواً من فلان تصدني ... خلائق سوء عنه لا تتزحزح تجاوز قدر المدح حتى كأنه ... بأقبح ما يهجى به الناس يمدح وقال غيره في مأنوف: رأينا للئيم جدار أنف ... يضاهي في تشامخه الجبالا تصدر للهلال لكي يراه ... ولولا أنفه لرأى الهلالا ويلتحق كثير من الهجاء بهذا الباب كقول جرير: لو أن تغلب جمعت أحسابها ... يوم التفاخر لم تزن مثقالا وكقوله فيها: والتغلبيّ إذا تنحنح للقرى ... حك أسته وتمثّل الأمثالا لله الأمر من قبل ومن بعد أكرم بيت قالته العرب

стр. 108

أكرم بيت قالته العرب قول طرفة: وأعسر أحياناً فتشتد عسرتي ... وأدرك ميسور الغنى ومعي عرضي وقيل: قول كثير: إذ قلّ مالي زاد عرضي كرامةً ... عليَّ ولم أتبع دقيق المطامع وقيل: قول عنترة: ولقد أبيت على الطوى وأظلّه ... حتى أنال به كريم المأكل وقيل: قول كعب بن مالك ﵁: نُسوِّد ذا المال القليل إذا بدت ... مروءته فينا وإن كان معدما لله الأمر من قبل ومن بعد باب في نبذة من كلام الأذكياء وهذه نبذة من كلام الأذكياء، وإنما نعني بها ما شأنه أن يصدر عن ذكي سواء صدر عنه أو غيره، وللناظر العاقل في كليهما اعتبار، فإن كل ما هو حكمة أو صواب من القول فهو ثمرة العقل عادة، فإن صدر عن العاقل دل على حكمة الله تعالى الباهرة في ترتيب المسببات على أسبابها، ونبه على شرف العقل وشرف من اتصف به من الخلق، وإن صدر عن غير العاقل دلّ على مشيئة الله تعالى واختياره في أن يفعل ما شاء وأنه هو الخالق للحكمة والصواب على ألسنة العقلاء من غير تأثير للعقل فيها ولا ربط عقلي بينه وبينها بل عنده لا به، فتبارك الله رب العالمين، فيدخل في هذا ما يقع للحكماء، وما يندرج عن غيرهم كالصبيان والنساء وجفاة الأعراب، وتدخل الأجوبة المسكتة ونحو ذلك. فمن ذلك ما ورد عن حكماء العرب وبعضه ينسب حديثاً: لا حليم إلاّ ذو عثرة ولا حكيم إلاّ ذو تجربة. خير المقال ما صدقه الفعال. رأس الدين، صحة اليقين. كفر النعمة لؤم، وصحبة الجاهل شؤم. جانب مودة الحسود، وإن زعم أنه ودود. إذا جهل عليك الحمق فالبس له سلاح الرفق. لكل شيء آفة، فآفة العلم النسيان، وآفة العبادة الرياء، وآفة الحياء الضعف، وآفة اللب العُجْب، وآفة الظرف الصلف، وآفة الجود السرف، وآفة الجمال التيه، وآفة السؤدد الكبر، وآفة الحلم الذل. ويقال أيضاً: آفة الحلم السفه، وآفة الحديث الكذب، وآفة العبادة الفَتْرَةُ، وآفة الشجاعة البغي، وآفة السماحة المن، وآفة الدين الهوى، وآفة الحسب الفخر. والمراد بالصلف هنا مجاوزة الحد تكبرا. مؤمل النفع من اللئام، كزارع البذر في الحمام. صحبة الفاسق شين، وصحبة الفاضل زين. من جرى في ميدان أمله، عثر في عنان أجله. من لم يصبر على البلاء، لم يرض بالقضاء. فقد الصبر، أعظم من حوائج الدهر. إذا حزن الفؤاد، ذهب الرقاد. الجليس الصالح، كالمسك النافح. الحسود مغتاظ على من لا ذنب له. من الآفات، كثرة الالتفات. من أشد العذاب، فراق الأحباب. كلب شاكر، خير من صديق غادر. إذا جاء القدر، عمى البصر. العيال، سوس المال. إذا صدق العيان، لم يحتج إلى برهان. شفاء الصدور، في التسليم للمقدور. الحق ثقيل، وطالبه قليل. كثرة العتاب، داعية الاجتناب. من سعى إليك، سعى عليك. مدح الغائب تعريض بالحاضر. من تفرغ للشر يطلبه، أتيح له من يغلبه. من أمل أحداً هابه، ومن قصر عن شيء عابه. رب أخ لم تلده لك أمك. لا يضر السحابَ، نُباحُ الكلاب. وفي معناه قول حسان ﵁: ما أبالي أنَبَّ بالحَزْن تيس ... أم لحاني بظهر غيبٍ لئيمُ وقول الآخر: ما يضر البحر أمسى زاخراً ... أن رمى فيه غلام يحجر وقول الآخر: زعم الفرزدق أن سيقتل مِرْبعاً ... أبشر بطول سلامة يا مِرْبع وقول الآخر: تهددني لتقتلني نمير ... متى قتلت نمير من هجاها وقيل: مما يعين على العدل اصطناع من يؤثر التقى، واطّراح من يقبل الرُّشا، واستكفاء من يعدل في القضية، واستخلاص من يشفق على الرعية، فإنه ما عدل من جار وزيره، ولا صلح من فسد مشيره. وقيل: آفة الملوك سوء السيرة، وآفة الوزراء خبث السريرة، وآفة الجند مفارقة القادة، وآفة الرعية مفارقة الطاعة، وآفة الزعماء ضعف السياسة، وآفة العلماء حب الرياسة، وآفة القضاة شدة الطمع، وآفة الشهود قلة الورع. وقيل: أربعة لا يزول معها ملك: حفظ الدين، واستكفاء الأمين، وتقديم الحزم، وإمضاء العزم. وأربعة لا يثبت معها ملك: غش الوزير، وسوء التدبير، وخبث النية، وظلم الرعية.

стр. 109

وأربعة لا تستغني عن أربعة: الرعية عن السياسة، والجيش عن القادة، والرأي عن الاستشارة، والعزم عن الاستخارة. وأربعة لا بقاء لها: مال يجمع من حرام، وحال تعهد من الأيام، ورأي يعرى من العقل، وملك يخلو من العدل. وأربعة تولد المحبة: حسن البشر، وبذل البر، وقصد الوفاق، وترك النفاق. وأربعة من علامات الكرم: بذل الندى، وكف الأذى، وتعجيل المثوبة وتأخير العقوبة. وأربعة من علامات اللؤم: إفشاء السر، واعتقاد الغدر، وتجنب الأخيار، وإساءة الجوار. وأربعة من علامات الإيمان: حسن العفاف، والرضى بالكفاف، وحفظ اللسان، ومحبة الإخوان. وأربعة من علامات النفاق: قلة الديانة، وكثرة الخيانة، وغش الصديق، ونقض المواثيق. وأربعة تزال بأربعة: النعمة بالكفران، والقوة بالعداون، والدولة بالإغفال، والحظوة بالإدلال. وأربعة يُترَقّى بها إلى أربعة: العقل الرياسة، والرأي إلى السياسة، والعلم إلى التصدير، والحلم إلى التوقير. وأربعة تؤدي إلى أربعة: الصمت إلى السلامة، والبر إلى الكرامة، والجود إلى السيادة، والشكر إلى الزيادة. وأربعة تدل على وفور العقل: حب العلم، وحسن العلم، وصحة الجواب، وكثرة الصواب. وأربعة تدل على نقصان العقل: الجهل بالأعادي، والأمن للعوادي، والجفوة للإخوان، والجرأة على السلطان. وأربعة لا تتم إلاّ بأربعة: العلم بالحجا، والدين بالتقى، والعمال بالنيات، والموالاة بإخلاص الطويّات. وقال حكيم آخر: ثلاث لا يستصلح فسادهن بشيء من الحيلة: العداوة بين الأقارب، وتحاسد الأكفاء، والركاكة في العقول. وثلاث لا يستفاد صلاحهن بنوع من المكر: العبادة من العلماء، والقناعة من المستبصرين، والسخاء في ذوي الأخطار. وثلاثة لا يشبع منها: الحياة، والعافية، والمال. وثلاثة لا يستغني عنها السلطان: وزير حسن التدبير، ومستشار نصيح، وصاحب بريد صدوق. وثلاث هي قوام العالم: عدل الأمراء، وصلاح العلماء، وانقياد الرعية للرؤساء. ومن مشاهير الحكماء القدماء لقمان الحكيم، وقد ذكره الله تعالى وذكر " بعض " ما قال لابنه، وقال له رجل: ما الذي بلغ بك ما أرى؟ فقال: ما ذاك؟ فقال: وطئ الناس بساطك ورضوا بقولك، فقال: يا أخي إن صنعت ما أقول لك كنت كذلك، ثم قال: غَضّي بصري، وكفّي لساني، وعفة مطمعي، وحفظ فرجي، وقيامي بعهدي، ووفائي بوعدي، وإكرام ضيفي، وحفظ جاري، وترك ما لا يعنيني هو الذي صيرني كما ترى. ومن حكيم كلامه لابنه: يا بني. جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك فإن الله تعالى يحيي القلوب الميتة بالعلم كما يحيي الأرض الميتة بوابل المطر. وقوله: من لم يملك لسانه يندم، ومن لم يتق الشتم يشتم، ومن صاحب قرين السوء لم يسلم. وقال قائل لأكثم بن صيفي حكيم العرب: ما السؤدد؟ قال: اصطناع العشيرة، واحتمال الجريرة، قال: فما الشرف؟ قال: كفّ الأذى، وبذل الندى، قال: فما المجد؛ قال: حمل المغارم، وبناء المكارم، قال: فما الكرم؟ قال: صدق الإخاء، في الشدة والرخاء، قال: فما العز؟ قال: شدة العضد، وكثرة العدد، قال: فما السماحة؟ قال: بذل النائل، وحب السائل، قال: فما الغنى؟ قال: الرضا بما يكفي، وقلة التمني، قال: فما الرأي؟ قال: لُبٌّ تعينه تجربة. ومن كلامه أيضاً: من وفى بالعهد، فاز بالحمد، ومن اصطنع قوماً، انتفع بهم يوماً، ومن فسدت بطانته كان كمن غصّ بالماء، ومن أكثر من شيء عرف به، ومن حدث من لا يفقه كان كمن قدم مائدة لأهل القبور، ومن قطع عليك الحديث فلا تحدثه، إذ ليس بصاحب أدب، ومن عرف بالصدق قُبِل كَذِبه، ومن عرف بالكذب لم يُقبل صدقه، ومن غضب بلا شيء رضي بلا شيء، ومن أظهر محاسنه ودفن مساويه كمل عقل، ومن غلب هواه عقله افتضح، ومن استشار عدوه في صديقه أمر بقطيعته، ومن فرح بكذب الناس في الثناء عليه بان لهم حُمقه، ومصادقة الكرام غنيمة، ومصادقة اللئام ندامة، وعِدَةُ الكريم نقْد، وعِدَة اللئيم تسويف.

стр. 110

ومن كلام بزرجمهر الفارسي: نصحني النصحاء، ووعظني الوعاظ، فلم يعظني أحد مثل شيمتي، ولا نصحني مثل فكري، واستضأت بنور الشمس وضوء النهار، فلم أستضيء بشيء أضوأ من نور قلبي، وكنت عبد الأحرار والعبيد، فلم يملكني أحد ولا قهرني مثل هواي، وعاداني العداء فلم أرَ أعدى إلي من نفسي، وزاحمتني المضايق، فلم يزاحمني مثل الخلق السوء، ووقعت في المضار العظيمة، فلم أقع في أضر من لساني، ومشيت على الجمر ووطئت على الرمضاء، فلم أرَ ناراً أحر من غضبي إذا تمكن مني، وطلبني الطلاب فلم يدركني مثل إساءتي، وفكرت في الداء القاتل ومن أين يأتيني فوجدته من معصية ربي، والتمست الراحة لنفسي فلم أجد شيئاً أروح لها من ترك ما لا يعنيها، وركبت البحر، وعاينت الأهوال، فلم أرَ هولاً أعظم من الوقوف بين يدي سلطان جائر، وتوحشت في البراري والجبال، فلم أرَ أوحش من قرين السوء، وعالجت السباع فغلبتها، وغلبني صاحب الخلق السوء، وأكلت الطيّب، وشربت المسْكر، وعانقت الحسان، وركبت الجياد، فلم أجد شيئاً ألذ من العافية والأمن، وأكلت الصَّبر وشربت المر، فلم أرَ شيئاً أمرّ من الفقر، وشاهدت الزحوف، وعاينت الحتوف، وضارعت الأقران، فلم أرَ أغلب من المرأة السوء، وعالجت الأثقال، ونقلت الصخر، فلم أرَ حِمْلاً أثقل من الدَّين، ونظرت فيما يذل العزيز، ويسكر القوي، ويضع الشريف، فلم أرَ أذل من ذي فاقة وذي حاجة، ورشقت بالنشاب وشددت في الوثاق، وضربت بعمد الحديد، فلم يهدمني مثل ما هدمني الهم والحزن، واصطنعت الأخدان وانتخبت الأقوام للعدة والشدة والنائبة، فلم أرَ شيئاً خيراً من التكرم عندهم، وطلبت الغنى من وجوهه، فلم أرَ غنىً أغنى من القناعة، وتصدقت بالذخائر، فلم أرَ أنفع من رد ضال إلى الهدى، ورأيت الذل في الغربة والوحدة، فلم أرَ أذل من مقاساة جار السوء، وشيدت البنيان لأعتز به وأُذكر فلم أرَ شرفاً أرفع من اصطناع المعروف، ولبست الملابس الفاخرة، فلم ألبس مثل الصلاح، وطلبت أحسن الأشياء عند الناس فلم أجد شيئاً أحسن من حسن الخلق، وسررت بعطايا الملوك وجوائزهم، فلم أسر بشيء أعظم من الخلاص منهم. ولما قتله كسرى أنوشروان لرغبته عن دين المجوسية وانتقاله إلى دين عيسى ﵇ وجدوا في منطقته رقعة فيها ثلاث كلمات وهي: إذا كان القدر حقاً فالحرص باطل، وإذا كان الغدر في الناس طبيعة فالثقة بكل أحد عجز، وإذا كان الموت بكل الناس نازلاً فالطمأنينة إلى الدنيا حمق. ويقال: إن المهلب لما توسم النجابة في ابنه يزيد وهو صغير أراد أن يختبره، فقال له: يا بني ما أشد البلاء؟ قال: يا أبت معاداة العقلاء، ثم قال: اقلني قال: قد أقلتك فقل: فقال: أشد البلاء تأمير اللؤماء على الكرماء. ثم قال: أقلني قال: قد أقلتك فقل: فقال: أشد البلاء معاداة العقلاء ومسألة البخلاء وتأمر اللؤماء على الكرماء، فقال المهلب: والله يا بني ما يسرني بقولك مقول لقمان، ولا يعدل عندي بقاءك ملك سليمان. وكان زياد وهو من ذوي السياسة يقول: أوصيكم بثلاثة: العالم والشيخ والشريف، فوالله لا أوتي بوضيع سب شريفاً، أو شاب وثب بشيخ، أو جاهل امتهن عالماً، إلاّ عاقبت وبالغت. وفي الأجوبة: أمر ﵊ أن تضرب عنق عقبة بن أبي معيط فقال: من للصبية يا محمد؟ قال: النار. وقال الصديق ﵁ لرجل قال له: لأشتمنك شتماً يدخل معك في قبرك: معك والله يدخل لا معي. وقال عثمان بن عفان ﵁ لعامر بن عبد القيس العنبري ورآه أعرابياً: يا أعرابي أين ربك؟ قال: بالمرصاد. وقال رجل لعلي بن أبي طالب ﵁: أين كان ربنا قبل أن يخلق السماوات والأرض؟ فقال علي: أين سؤال عن المكان وكان الله ولا مكان. وكان الأعمش يقول: احذروا الجواب، فإن عمروا بن العاصي قال لعدي بن حاتم: متى فقئت عينك يا أبا طريف؟ فقال: يوم طعنت في أستك وأنت مُوَلٍّ يعني يوم صفّين. ودخل معن بن زائدة على المنصور فقال: كبر سنك يا معن فقال: في طاعتك يا أمير المؤمنين، قال: وإنك مع ذلك لجلد، قال: على أعدائك يا أمير المؤمنين، قال: وإن فيك لبقية، قال: هي لك يا أمير المؤمنين. وقال معاوية لابن عباس ﵃، وقد كف بصره: أنتم يا بني هاشم تصابون في أبصاركم، فقال: وأنتم يا بني أمية تصابون في بصائركم.
следующие страницы →