Полный текст (222 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
وكانت كلمة التوحيد توريد وجنة الإذكار. وتجعيد ذوائب حوراء أوراد الليل والنهار. بل هي محور كرة الإيمان. ومركز دائرة الإيقان. وفي حديث السجلات ما يغني عن الإطراء فيها. ويقضي بالنجاة في يوم القضاء لتاليها. جعلها الله تعالى آخر كلامنا من الدنيا. ورقانا بها يوم توضع الموازين الرتبة العليا. وقد تلقفتها الأخلاف عن الأسلاف. وصح حديث التلقين عند السادة الصوفية وأئمة المحدثين الأشراف. رغب الرجل التقي. والناسك النقي. من هو على المعادي ليث. وللموالي غيث. الأمير الجليل محمد غوث. وفقه الله تعالى للعمل في يومه لغده. وأوصله إلى حظائر الأنس به سبحانه قبل أن يخرج الأمر من يده. في الانتساب إليها. وتلقن تلك الكلمة الطيبة توفانا الله تعالى عليها. على يد هذا العبد الفقير. الأسير في قيود التقصير. غفر الله تعالى ذنوبه. وأترع بزلال الرحمة ذنوبه. فأجبته إلى ما طلب. ومنحته إلى ما فيه رغب. فلقنته طبق ما تلقيته. وعاهدته. حسبما عهدته. وأجزته بالتلقين. وأخذ العهد على المريدين. كما أجازني بذلك. سالكاً بي ما أشرت إليه من المسالك. شيخ السجادة وواحد السادة. ثاني الوسادة. نقيب الأشراف. ومن له من شرافات التقي على أسرار الملكوت إشراف. ذو الخلق العطر الندي. أبو المحاسن السيد علي أفندي. ابن نقيب الأشراف. وفخر آل عبد مناف. الكامل الأوحدي. السيد سليمان أفندي. بسنده المشهور. المشتمل على آبائه البدور. إلى جده الأعلى. ذي القدر الأغلى. باز الأسرار والمعاني. سيد وسندي السيد عبد القادر الكيلاني. بسنده الآت. إلى سيد الكائنات. صلى الله تعالى عليه وسلم) ح (وكما أجازني سلفه المرحوم الشيخ محمود أفندي ابن السيد زكريا بسند آبائه الكرام. إلى جده الضرغام.) ح (وكما أجازني الشيخ يحيى المزوري العمادي. والشيخ عبد الرحمن الكزبري الدمشقي والشيخ عبد اللطيف البيروتي. عن الشمس الشيخ محمد الكزبري عن السيد سعد الله الهندي. عن السيد عبد الشكور. عن شاه مسعود الاسفزائيني. عن الشيخ علي الحسيني. عن الشيخ جعفر ابن أحمد الحسيني. عن الشيخ إبراهيم الحسيني. عن الشيخ عبد الله الحسيني. عن الشيخ عبد الرزاق. عن والده سيدي الشيخ عبد القادر الكيلاني الحسني الحسيني. عن أبي سعيد المبارك المخزومي. عن الشيخ عبد العزيز التميمي. عن الشيخ أبي القاسم أحمد ابن أبي بكر. عن عبد الله الشبلي. عن أبي القاسم سعيد بن عبيد. المشهور في الخافقين بالجنيد. عن خاله السري السقطي. عن أبي محفوظ الشيخ معروف الكرخي. عن سيدنا علي بن موسى الرضا. عن والده سيدنا موسى الكاظم. عن والده سيدنا جعفر الصادق. عن والده سيدنا محمد الباقر. عن والده أفضل التابعين سيدنا علي الأصغر زين العابدين. عن والده أحد الريحانتين وثاني سيدي شباب أهل الجنة الحسين. عن والده مظهر العجائب سيدنا وصي النبي علي بن أبي طالب. عن ابن عمه. وجلاء غمه. حبيب الحق. ورسوله إلى جميع الخلق. سيد العالم. محمد صلى الله تعالى عليه وسلم.) وأقرب (من هذا السند عدداً. وإن لم يكن مثله مدداً. ما كان إلي عن الشيخ معروف. عن أبي سليم داود الطائي. عن حبيب العجمي. عن الحسن البصري. عن أمير المؤمنين علي كرم الله تعالى وجهه. عن الرسول الأعظم. صلى الله تعالى عليه وسلم. والأول عندي سلسلة الجواهر. لاشتماله على أولئك الأئمة الأكابر. وأوصي المجاز المذكور. أترع الله تعالى حياض لطائفة الخمس من ساطع النور. بتقوى الله في السر والعلن. فإنها مجلبة للمنح مدرأة للمحن. وأن لا يخل بأداء آداب الشريعة والطريقة. وأن يجعلهما جناحين للطيران إلى سماء الحقيقة. وأن يتحمل أذى الإخوان. ويقابل إساءتهم معه بالإحسان. وأن يأخذ بالعزائم فيما يسلكه من المسالك فإن حقيقة التصوف عند المحققين ذلك. وأن لا يتواضع لأرباب الدنيا لدنياهم. وأن لا يمد عينيه إلى ما متعوا به من غناهم. وأن يكثر الاستغفار. آناء الليل وأطراف النهار. وأن يكون أمله برحمة مولاه. أقوى من أمله بتقواه. وأن يداوي بعقاقير الذكر علل الجوف. وأن يمزج شراب الرجا بزنجبيل الخوف. وأن يوقر الكبير. ويوفر الشفقة على الصغير. وأرجو منه أن لا ينساني. وأولادي وأخواني. من صالح دعواته. في خلواته وجلواته. وعقب أوراده وصلواته. لا سيما بالسلامة من الآثام. والعافية وحسن الختام.
стр. 142
والصوة والسلام على سيد الخلائق. المرشد إلى أقوم الطرائق. وعلى آله وأصحابه الواصلين. وسائر متبعيه ومبتغيه الكاملين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. انتهى.
) واستجزت (أنا هناك جماعة. حازوا ويا لله تعالى درهم من الفضل جماعة. منهم حضرة شيخ الإسلام. ومفتي الخاص والعام. السيد أحمد عارف حكمت بك أفندي. كان الله تعالى له فيما يسر ويبدي. وقد أجازني بجميع ما جازت له روايته. وصحت لديه درايته. وقد أخذ عن علماء أعلام. وفضلاء كل منهم في حلبة الفضل إمام.
منهم مولانا فاضل الدنيا. والمتوج بتاج الولاية الكبرى. شامة مكة المكرمة. ومورد وجنة كل مكرمة. حسنة الفلك الدوار. الشيخ عمر بن عبد الكريم بن عبد الرسول العطار. عطر الله تعالى بشذى رحمته. زكي روحه وذكي تربته. وقد كتب لحضرة المشار إليه إجازة بخصوص شمائل الترمذي. عن شيخه الشيخ علي بن عبد البر الونائي الأزهري الحسني. عن العلامة الصالح أحمد بن أحمد البجيرمي. عن الشهاب أحمد بن حسن الخالدي الجوهري. عن الشمس محمد الأطفحي. عن الشمس البابلي. عن الشيخ سالم السهوري. عن النجم الفيطي. عن القاضي زكريا. عن الحافظ أحمد بن حجر العسقلاني. عن أبي محمد عبد الله بن محمد القدسي. عن الفخر علي بن أحمد بن النجار. عن أبي اليمن زيد بن الحسن الكندي. عن أبي شجاع عمر بن عمر بن محمد البسطامي. عن أبي القاسم أحمد بن محمد البلخي. عن أبي القاسم علي بن أحمد الخزاعي. عن الهيتم بن كليب الشاشي. عن مؤلفها الحافظ أبي عيسى بن سورة الترمذي. برد الله مضجعه. وكذا بخصوص ما حواه ثبت شيخه الثبت الشيخ صالح الفلاني عن مؤلفخ. وكتب في آخرها أنه أجازه بجميع ما صح له روايةً مؤرخاً سنة ١٢٢٩ في ٣م.
) ومنهم (الفهامة البصير. والشيخ الكبير. حسنة الزمن. والجامع الأزهر لما تفرق في مصر الحسن من كل معنى حسن. الرامي المصيب بسهام أفكاره كل غرض سني. علامة عصره وعزيز مصره الشيخ حسن القويسني. رحمة الله تعالى المولى الغني. ولا زالت مترعة له كاسات اللطف الإلهي الهني. وقد أملي للمشار إليه إجازة صدرها بخصوص صحيح مسلم وسنن أبن ماجة وبقية تسعة وعشرين صحيحاً جمع الإمام عبد الله بن سالم البصري. أوائلها في رسالة وختمها بالإجازة العامة. وأمر بإثبات ذلك على ظهر ثبت الشيخ عبد الله الشبراوي وهو أيضاً من المجاز به وكان ذلك في سادس ذي القعدة الحرام سنة ١٢٣٨.
) ومنهم (شيخ الشيوخ. ومن تم له على قنة فلك الحسن الرسوخ. الفاضل الذي غطر أرجاء الآفاق بعبير عنبر تأليفاته. وأقر عيون ذوي الأذواق بما جلاه على منصة الإفادة من عرائ تقريراته. والكامل الذي تعقد عند ذكره الخناصر. وتحل ببنان فكره البديع معاني مشكلات الخواطر. الغيث المدرار. الشيخ حسن بن محمد العطار. سقي صيب الرضوان ثرى قبره المعطار. وقد أجازه بخصوص نهاية الشمس الرملي الشافعي وبخصوص شرحه المسمى براحة الأبدان. في شرح نزهة الأذهان. لداود الأنطاكي في الطب. وبخصوص حاشيته على لامية الأفعال في التصريف لابن مالك. وبخصوص شرحه لولدية ساجقلي زادة في آداب المناظرة. وبخصوص حاشيته على شرح أم البراهين للعلامة محمد عرفة الدسوقي. وبخصوص تأليف شيخه العلامة عبد الله بن حجازي المشهور بالشرقاوي المسمى بفتح المبدي. على مختصر الزبيدي. وبخصوص حاشية شيخه المذكور على شرح الشيخ محمد بن منصور الهدهدي لأم البراهين المسماة بالصغرى لأبي عبد الله محمد بن يوسف السنوسي المالكي المغرب التلمساني. وبخصوص شرح تحرير تنقيح اللباب وكلاهما للقاضي زكريا على مذهب الإمام الشافعي. وبخصوص حاشيته على موصل الطلاب. إلى قواعد الإعراب. للشيخ خالد الأزهري. وبخصوص أصول الحديث لابن الصلاح. وبخصوص حاشيته على شرح ابساغوجي لشيخ الإسلام القاضي زكريا. وبخصوص مؤلفات له أخر وقد كتب إجازة كل مما ذكر على ظهره وذكر في معظمها إجازته العامة له.
стр. 143
) ومنهم (الحبر الإمام. والبحر القمقام يتيمة الدهر. ومن آثاره سلافة أهل العصر. وأشعاره دمية القصر. ذو الفضل الجليل الجلي. الشيخ محمد أمين الزيلة لي. وكتب له إجازة بخصوص مشكوة المصابيح وكتب في آخرها الإجازة العامة وذكر أن سنده في ثبت شيخه الشيخ صالح الفلاني وكان ذلك في مصر القاهرة خامس شوال سنة ١٢٢٧.
) ومنهم (ذو الذهن النقاد. والذهب الذي شهد بسلامته من الغش النقاد. محك ذوي الأنظار. والغني بفضله عن الدرهم والدينار. الفاضل الصفي. الشيخ علي الصيرفي. مفتي الشافعية في رشيد. غمره الله تعالى بلطفه الوافر المديد. أجاز المشار إليه أولاً بصحيح البخاري. وأتبع ذلك بالإجازة العامة وكلاهما عن شيخه أحمد الخضري. عن شيخ الإسلام الحفناوي. بسنده المسطور في ثبته وكان ذلك في أواخر شعبان سنة ١٢٣٤.
) ومنهم (نادرة الزمان. والمشار إليه بين الأفاضل بالبنان. مفترع أبكار المعاني. الشيخ مصطفى البناني. تغمده الله تعالى برحمته. وجعل روحه سارحة في روضات الأنس من جنته. وأجازه أولاً بخصوص شرحه المسمى بروضة الطالبين. لأسماء الصحابة البدريين. وكان ذلك ثامن شوال سنة ١٢٣٧ وبخصوص حاشية شرح التلخيص المشتهر بالمختصر للسعد التفتازاني التي جردها من هوامش نسخة شيخه العلامة الشيخ محمد الصبان وكان ذلك في تاسع شوال سنة ١٢٣٧.
) ومنهم (الفاضل الكامل. والراقي بعلي همته إلى قنة الفضائل. حسنة الدهر الشرس العاتي. الناثر الناظم الشيخ علي الساداتي. وقد أجازه إجازة عامة عن شيخه الشنويهي عن العلامة الشرقاوي. والفاضل الصبان والعمادي. وداود القلعاوي. عن أحمد البرماوي. والحبر المهدي عن الحفناوي. بسنده وأجازه أيضاً بخصوص صحيح مسلم عن السمنودي. وكان ذلك سنة ١٢٣٧.
ومنهم الفاضل. الذي غدت فضائله غرر الفضائل. ودرر عقود مآثر الأفاضل. الألمعي الأوحدي. الشيخ أحمد السردي. عليه رحمة المعيد المبدي. وقد أجازه إجازةً عامة بكتب الحديث والتفسير ونص بعد على صحيحي البخاري ومسلم وعلى تفسير البيضاوي. وإذكار الإمام النواوي. وذلك عن الفاضل عبد الرحمن المقري الحفني. والكامل البديري. وشيخ الأزهر سليمان البحيرمي. وكان ذلك في ذي القعدة سنة ١٢٣١.
) ومنهم (الفاضل الذي أقر بواسع فضله ذوو الألباب. وطار صيته في البلاد والجبال والشعاب. جبل الفضل الراسخ محمد بن محمد صالح الشعاب. عليه رحمة الملك العفو التواب. وقد صدر ما كتب بإجازته بدلائل الخيرات عن السيد علي بن عبد الله الونائي الحسيني الشافعي. عن العلامة السيد محمد مرتضى الزبيدي الحنفي. عن السيد نور الحق. عن السيد سعد الله الهندي. عن الشيخ المعمر عبد الشكور. عن مؤلفها السيد محمد بن سليمان الجزولي) ح (. وعن عبد الرحمن المحجوب المغربي ثم المكي. عن قاسم ابن علي التونسي نزيل المدينة المنورة. عن عبد الله السوسي. عن الشيخ عبد بن سالم البصري المكي بسنده المذكور في ثبته وعجزه بالإجازة العامة.
) ومنهم الفاضل الآخذ من بسيطة الفضائل بقرنيها. والمسخر له ريح الإدراكات. تجري بسليمان ذهنه السليم بين لابتيها. الكوكب الدري. الشيخ محمد بن سليمان السكندري. أترع الله تعالى له كاسات لطفه الهني المري. وقد أجازه بالأربعين النووية. وصحيح مسلم وشفا القاضب عياض. ثم عمم الإجازة. وذلك عن العلامة الشيخ محمد الأمير بسنده المذكور في ثبته. وعن العلامة الدسوقي. وعن والده سليمان. وعن آخرين كثيرين.
) ومنهم (الفاضل الشيخ أحمد المالكي المغربي الشنقيطي أجازه إجازةً عامة بأرجوزة طويلة. هي في قطر فن الأدب. كالطاووس أحسن ما فيها الذنب. وهو قوله:
وها أنا الشنقيطي الحقير ... وفي العلوم باعه قصير
أجزت عارفاً كما أجزت ... مؤرخاً وموعدي أنجزت
ومنشأ الحسن شطر التاريخ أعني أجزت الخ بيد أن وقوعه شطراً أولاً غير متعارف عند المشارقة والأمر هين.
стр. 144
ومنهم البحر الرائق. وكنز الدقائق. من كلامه تنوير الأبصار. والدر المختار. ذو التأليفات الشريفة. وقرة عين إمام أبي حنيفة. العالم الزاهد. الشيخ محمد عابد. غمره الله تعالى بمزيد العوايد. وقد أجازه بصحيحي البخاري ومسلم بشرحيه على مسند أبي حنيفة وبسنن ابن ماجة والدراس والبيهقي والدارقطني وبسائر السنن وبمصنف ابن أبي شيبة ومستدرك الحاكم وبجميع ما اشتمل عليه ثبت الشيخ صالح الفلاني. وثبت ابن سالم البصري المسمى بالإمداد. في معرفة الإسناد. ويرويه عن عمه الشيخ محمد حسين بن محمد مراد الواعظ الأنصاري. عن شيخه محمد بن محمد بن عبد الله المغربي. عن مؤلفه. وبجميع ثبت الشيخ إبراهيم الكوراني المسمى بالأمم في إيقاظ الهمم. ويرويه عن الشيخ يوسف بن علاء الدين المزجاجي. والزبيدي. عن شيخه الشيخ عبد الخالق بن أبي بكر المزجاجي. عن مؤلفه. وبجميع ما في سلسلات ابن عقيلة. ويرويه عن السيد عبد الرحمن بن سليمان. عن والده السيد سليمان بن مقبول الأهدل. عن مؤلفه. وذلك في شهر ربيع الآخر سنة ١٢٣٥ وأجازه أيضاً بالوصايا الشريفة النبوية جمع شيخه التحرير السيد عبد الرحمن وذلك في المسجد الشريف النبوي في جمادى الأولى للسنة الخامسة والثلاثين بعد المائتين والألف.
) ومنهم (الفاضل. ذو المحامد والفضائل. التي لا يرى لها جاحد. حليف الوفا. وأليف الصفا. الشيخ إسماعيل الحامدي الحنفي. لا زال لطف مولاه به خير حفي. وقد أجازه بكل ما له روايته. وصحت لديه درايته.
) ومنهم (ذو المآثر والمفاخر. وملحق الأصاغر بالأكابر. علامة الآفاق. وفهامة العلماء على الإطلاق. البدر المنير. الشيخ محمد الشهير بالأبهر. وقد أجازه بمصر إجازة عامة.
) ومنهم (البحر العجاج. الحبر الذي تضيق عن واسع فضله الفجاج. المنيب الأواه. والمجتهد في طاعة مولاه. المولى الذي أضاءت أرجاء العلم بنور ذهنه الوهاج. الشيخ الجليل عبد الله بن عبد الرحمن سراج. لا زال منوراً بمصباح الرحمة رمسه. ولا برح آمناً من الخسوف بدره آثاره حتى تكور من الفلك شمسه.
) ومنهم (تاج الشريعة وصدرها. وشمس الأئمة وفخرها. صاحب حاشية الدر المختار. التي طار صيتها بأجنحة لقبول في الأقطار. المولى الصفي. الشيخ أحمد الطحطاوي الحنفي. تغمده الله تعالى برحمته. ونفعنا والمسلمين ببركته.
) ومنهم (غزير المآثر والمفاخر. عزيز الأشباه والنظائر. ثبت العلماء الأعلام. سند الحفاظ وحجة الإسلام. ذو التأليفات الفائقة. والتحقيقات الرائقة. الغيث الهامر الهامي. مولانا قاضي العراق هبة الله الشامي. أحله الله تعالى في ربوة قدسه. وسعد رحمته وغوطة أنسه.
) ومنهم (معدن الفضل والنبل. ومن إليه تضرب آباط الإبل. آية الله تعالى في الحديث. وغوثه لكل طالب علم مستغيث. ثالث النواوي والرافعي. وقرة عين الإمام الشافعي. شمس نهار الفضل الملازمة لنقطة الاعتدال بلا ميل. الشيخ السجاد زين العابدين جمل الليل. جعل الله تعالى قبره الشريف عطن رحمته. وأباح لروحه القدسية مسارح جنته.
) ومنهم (ذو الذهن الوهاج. والسالك في كسب الفضائل منهاجاً ليس له من هاج. الفاضل الذي درياق علمه من سم الجهل شافي. الحبر الجليل الشيخ نصر الكافي. غمره الله تعالى بلطفه الوافر الوافي.) وقد أجازه (بالأربعين النووية وبصحيحي الشيخين. عن الشيخ صالح بن حسين الكوشي. عن العلامة محمد الطرابلسي أصلاً التونسي مسكناً. عن الشيخ العارف الشيخ موسى الجميني المقبور بجزيرة جزيه. عن الشيخ محمد الخراشي. عن الشيخ سالم السنهودي. عن الحافظ ابن حجر بسنده المذكور في أول شرحه المسمى فتح الباري وكان ذلك في غرة محرم الحرام سنة ١٢٣٤. إلى غير ذلك من العلماء الأعلام. والفضلاء الفخام. ولا أكاد أستطيع لجميعهم ذكراً. ومعظمهم قد أجاز المشار إليه نظماً ونثراً. وفي كتابنا شهي النغم. في ترجمة شيخ الإسلام وولي النعم. طرف من ذلك إن أردته فارجع إليه.) وبعد (إن أجازني استجازني فكلت له كما كال. وقلت في آخر الأمر له كما قال. غير أني لعلمي وقدري وعرفاني. تلعثم عند خطابي إياه لساني.) ثم أني (كتبت له امتثالاً لأمره عدة من مشايخي الكرام. وأساتذتي الفخام عليهم رحمة الملك العلام.
стр. 145
) وممن أجازني (في تلك المغاني. الشيخ المعمر حسين أفندي الداغستاني. وحرر لي أبياتاً في ذلك. ضاعت مني والأمر لله هنالك. ولم يبق في حافظتي أحد من مشايخه الأجلة. غير أني أعلم إجمالاً أنهم جمع قلة.) وممن أجازني أيضاً (العالم العربي. الشيخ محمد التميمي المغربي. وهو ممن جاء مصر شاباً فسكن فيها. واشتغل بالعلم حتى صار المشار إليه فيه بين أهاليها. وشاع بينهم على ما تواترت به النقول. إن له امتيازاً على غالب علماء مصر في المعقول. وقد ورد القسطنطينية منفياً. نفاه والي القاهرة عباس باشا مع أنه لم يأت شيئاً فرياً. وكان في أيام محمد علي باشا. جد الوالي المشار إليه معلماً لحفدته أبناء إبراهيم باشا. وبذلك حظي لديه. وعندما اجتمعت به خدثني بحديث الأولية الشهير. عن ملحق الأصاغر بالأكابر الشيخ محمد الأمير. ثم أني كما حدثني حدثته. وعلى نحو ما أجازني أجزته. وأعني بذلك الحديث ما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال) الراحمون يرحمهم الرحمن ﵎ ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء (وفي رواية) ارحموا أهل الأرض (والتنزيه وهو ﵎ زاده كثيرون. منهم صاحب المنتخب وهو المسموع من بعض الشيوخ والموجود في إثبات بعضهم. وممن ذكره العارف الكوراني في كل من كتابيه المسالك والإتحاف. ومحمد بن سليمان المغربي في ثبته. وابن عقيلة في مسلسلاته. وأسقطه آخرون.
) منهم (ابن الجوزي في عقود اللآلئ. والجلال السيوطي في جياد المسلسلات. وسقط من نبت الشيخ عبد الباقي الحنبلي. ومن ثبت الشيخ إسماعيل العجلوني. وكذلك من ثبت الشيخ أحمد العطار. لكن قال وفي أخرى زيادة ﵎ بين قوله) الرحمن وارحموا (واختلف في الرواية في) يرحمكم (هل هي) بالرفع أو بالجزم (. فقال في الإسعاف الرواية) بالرفع (كما قاله البرهان العمادي. فالجملة) دعائية مستأنفة (ونقل مثله عن النجم الغزي. وفي ثبت العجلوني أنه لا يمتنع الجزم في جواب الأمر. والظاهر أنه أزاد عدم الامتناع في الصناعة. وقال العلامة أبو الفتوح علي بن مصطفى الميقاتي الدباغ في رسالة متعلقة بهذا الحديث أن يرحمكم مجزوم على أنه جاوب الأمر. ثم قال هكذا ضبطه البدر الزركشي في تذكرته عن جزء ابن الصلاح. ثم نقل كلام النجم الغزي. وأن الرواية بالرفع ثم قال شواهد الحديث تقتضي الجزم. وقال الحافظ الشيخ محمد الكزبري الدمشقي) جزم بعض المسندين المتقنين (بأن الجزم أي في جواب الأمر هي الرواية. ومن أجاز الرفع على أن الجملة دعائية مستأنفة فإنما يتم له لو ثبت رواية. وهو لم يثبت كما تلقينا عن المشايخ العظام اه.
وقال المسند أحمد العطار أخبرني صاحبنا الشيخ محمد الجوهري المصري. أن والده الشهاب أحمد ألف رسالة في هذا الحديث ونقل فيها أن الرواية جاءت بالوجهين اه. ثم قال العطار وعلى كلٍ فرواية الرفع أبلغ كما يظهر بالتأمل اه.
стр. 146
ووجه الأبلغية بأن رحمته تعالى على الرفع تكون مطلقة غير مرتبة على شيء بخلافها على الجزم فإن الكلام عليه في معنى الشرط. أي) أن ترحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء (ولا يعكر على أبلغية الرفع إفادة الجزم الترغيب في رحمة من في الأرض لأن هذه الإفادة إنما تفيد بلاغة الجزم لا أبلغيته اه. ولعل لقائلٍ أن يقول أن المنساق إلى الذهن الجزم في جواب الأمر لأنه الأكثر في الأفعال المضارعة الواقعة بعد فعل الأمر وأن الرفع وجعل الجملة دعائية مما قل بعد لأمر. ثم أن الدعاء معنىً على ما يقتضيه السوق معلق على رحمة من في الأرض فلا تكون رحمة من في السماء لمن يرحم من في الأرض مجزوماً بها على الرفع كالجزم بها على الجزم فيضعف أمر الترغيب على ذلك. وجعل الجملة على الرفع مقطوعة عما قبلها لفظاً ومعنىً) على معنى يرحمكم من في السماء مطلقاً. أي إن رحمتم وإن لم ترحموا (يأباه الذوق السليم. والذهن المستقيم. ولا يرضى الفكر النفاد. أن يحمل عليه كلام أفصح من نطق بالضاد. ويزيد ما ذكر وضوحاً إن في صدر الحديث تعليق الحكم بالمشتق وهو كما قالوا يفيد علية مبدأ الاشتقاق فيكون الجملة التي في آخره على رواية الجزم كالمتفرعة على الجملة الأولى. إلا أنه لم يؤت بالفاء لظهور ذلك لا كما قيل أنها كالتأكيد للجملة الأولى ولذا فصلت عنها ولم توصل بها. وقولهم التأسيس خير من التأكيد لا يستدعي حمل كل كلام عليه بل متى اقتضى المقام التأكيد كان هو الخير. فتأمل فإنه دقيق. وبالاعتناء حقيق. ثم أن هذا الحديث على ما نقله الشيخ محمد الزبري حديث حسن عال أخرجه البخاري في تصنيفيه الكنى والأدب المفرد. وأحمد والحميدي في مسنديهما. والبيهقي في الشعب. وأبو داود في سننه. والترمذي. وقال حسن صحيح. وأورده الحاكم في مستدركه وصححه. وذكر الشيخ أيوب في ثبته أن له شواهد عن ثمانية عشر صحابياً وعد أسماءهم. ثم قال العراقي هذا حديث حسن رجاله يحتج بهم في الصحيح انتهى. وقد جمع طرق هذا الحديث جماعة من المتقدمين المتأخربن.
) منهم (ابن الصلاح. والتقي السبكي. والحافظ الذهبي وغيرهم. فبلغت ما بلغت فلا يكاد يشك أحد في صحته.) نعم (ذكره بعضهم مسلسلاً إلى النبي ﷺ . وهو غير صحيح بل الصحيح المشهور أن تسلسله إلى ابن عيينة دون باقي الإسناد ومن سلسله إلى آخره فهو أما مخطئ أو كاذب كما أوضحه السخاوي. ثم أن المسلسل بالأولية غير منحصر فيه. فقد ذكر الصوفي العارف المولى الياس الكوراني في إجازته للشمس الشيخ محمد الكزبري. أن المسلسل بالأولية ثلاثة أحاديث. أحدها حديث عبد الله ابن عمرو بن العاص يعني هذا. وثانيها حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أنه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول) من أحب أن يكثر خير بيته فليتوضأ إذا حضر غداه وإذا رفع (رواه ابن ماجة. وثالثها حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) يجمع الله تعالى العلماء يوم القيامة فيقول إني لم أجعل حكمتي في قلوبكم إلا وأنا أريد بكم الخير اذهبوا إلى الجنة فقد غفرت لكم على ما كان منكم (رواه الإمام أبو حنيفة في مسنده انتهى. لكن الشائع الذي ولع الناس به هو أول الثلاثة وما أنسب تسلسل حديث الرحمة بالأولية وذلك لسبق الرحمة. فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فيما رواه الديلمي) أول شيء خطه الله في الكتاب الأول أنني أنا الله لا إله إلا أنا سبقت رحمتي غضبي فمن شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فله الجنة (ومن ولع الناس به أن ضمنه في النظم جماعة من المحدثين والشعراء. فمن ذلك قول الحافظ ابن حجر العسقلاني:
إن من يرحم أهل الأرض قد ... جاءنا يرحمه من في السما
فارحم الخلق جميعاً إنما ... يرحم الرحمن منا الرحما
وقول حافظ الوقت الزين العراقي:
إن كنت لا ترحم المسكين إن عدما ... ولا الفقير إذا يشكو لك العدما
فكيف ترجو من الرحمن رحمته ... وإنما يرحم الرحمن من رحما
وقول شيخ الإسلام القاضي زكريا:
من يرحم أهل السفل يرحمه العلي ... فارحم جميع الخلق يرحمك الولي
وقول الإمام العقبي:
الحب فيك مسلسل بالأول ... فامنن ولا تسمع كلام العذل
стр. 147
وارحم عباد الله يا من قد علا ... من يرحم السفلي يرحمه العلي
وقول الكمال محمد بن محمد البارزي كاتب السر:
عليك بتقوى الله سراً وجهرةً ... لأنك مسؤول وربك عالم
ولا تخش إلا الله وارحم عباده ... فرحمته ذخر لمن هو راحم
وقول خاتمة الفقهاء العلامة محمد أمين بن عابدين:
عليك بإسعاف الضعيف ونصره ... فما عمل إلا به الله يعلم
وكن راحماً أهل البسيطة كلهم ... فمن يرحم المخلوق لا شك يرحم
وقوله أيضاً:
أيها الناس أطيعوا ربكم ... وصلوا القربى جميعاً والرحم
وارحموا من في الأراضي إنما ... يرحم الرحمن منكم من رحم
وقول أبي الحسن علي بن هبة الله بن عساكر:
بادر إلى الخير يا ذا اللب مغتنماً ... ولا تكن من قليل الخير محتشما
واشكر لمولاك ما أولاك من نعم ... فالشكر يستوجب الأفضال والنعما
وارحم بقلبك خلق الله وارعهم ... فإنما يرحم الرحمن من رحما
وفي هذا لطيفة ذكرها الشيخ عبد الباقي في ثبته. قال واتصل سندنا مسلسلاً كل راوٍ يقول عن شيخه. وهو أول شعر سمعته منه إلى قائله أبي الحسن عليه الرحمة انتهى.
ثم أنه لم يتفق لي أن أخذ هذا الحديث بالسماع له بأولية حقيقية إلا من هذا الشيخ التميمي نعم أخذته بطريق الإجازة العامة عن كثيرين. وبأولية إضافية عمن دونهم بالكثرة. وحين حظيت بأخذه سماعاً بأولية حقيقية عن ذلك الشيخ فلأذكر سنده) فأقول (سمعت ذلك عن الشيخ محمد التميمي المغربي ثم المصري وهو أول حديث سمعه منه. عن العلامة الكبير الشيخ محمد الأمير. قال وهو أول حديث سمعته منه. عن الشيخ شهاب الدين أحمد الجوهري قال وهو أول حديث سمعته منه. عن عبد الله ابن سالم البصري قال حدثنا محمد بن سليمان المغربي وهو أول حديث حدثنا به ثنا أبو عثمان سعيد بن إبراهيم الجزايري. وهو أول حديث حدثنا به. ثنا مفتي تلمسان أبو عثمان سعيد بن أحمد المقري. وهو أول حديث حدثنا به ثنا إبراهيم النازي. أول ما حدثنا قال ثنا أبو الفتح محمد بن إبراهيم المراغي المدني أول حديث. ثنا عبد الرحيم العراقي الأثري أول حديثه ثنا أبو الفتح محمد بن محمد الميدوحي أول حديث. ثنا أبو الفرج عبد اللطيف ابن عبد المنعم الحراني. وهو أول حديث حدثنا به. ثنا أبو الفتوح عبد الرحمن ابن علي أول حديثه قال ثنا أبو سعيد النيسابوري أول حديث. ثنا محمد ابن محمد الزيادي وهو أول حديث حدثنا به. ثنا أبو حامد بن بلال البزار وهو أول حديث حدثنا به. ثنا عبد الرحمن بن بشر بن الحكم العبدي النيسابوري وهو أول حديث حدثنا به. قال حدثنا سفيان بن عيينة وإليه ينتهي التسلسل بالأولية على الصحيح كما سمعت عن عمرو بن دينار. عن أبي قابوس مولى عبد الله بن عمرو بن العاص. عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال) الراحمون يرحمهم الرحمن ﵎ ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء (ووقع في بعض طرق هذا الحديث أبو الفرج عبد الرحمن بن علي ابن الجوزي فجعله صاحب المنح) الواعظ المشهور (كما نقله الأمير في ثبته. ثم قال ونقل شيخنا الجوهري عن البصري عن شيخ الإسلام زكريا أن هذا) بضم الجيم (وليس هو الواعظ انتهى.
стр. 148
) ولم أستجز أحداً (من علماء هاتيك المغاني. غير شيخ الإسلام والداغستاني. والتميمي من علماء الديار المصرية. وساقه القضاء والقدر إلى القسطنطينية. وإنما لم أستجز سوى من ذكر من أولئك العلماء الأمجاد. لما أن ليس لهم حسبما اطلعت سوى إجازة عامة واهية الإسناد. بل أقول في حقيقة أمرهم على سبيل الإيجاز. أنه ليس فيهم بعد شيخ الإسلام يستجاز. وأن شيخ الإسلام إنما نال ما نال. وحصل له ما حصل من الكمال. بواسطة علماء العرب الأمجاد. الذين اجتمع بهم فيما طافه من البلاد. فلقد طاف مصر والقدس والحجاز. فرأى علماءها الأجلة بين مجيز ومجاز. فحرك ذلك غيرته. فملأ من الإجازات الشريفة عيبته. ومن سواه منهم أما قد عدم الغيرة. أو غشي على عينيه العجب فلم ير في العالم عالماً غيره. نسأل الله تعالى العفو والعافية. والقلوب السليمة الصافية.) ومما يحسن التنبيه عليه (ضبط بعض ألفاظ شائعة في الأسانيد يغلط فيها كثير من الناس ولا يحققون أمرها) منها ابن ماجة (في نسب صاحب السنن الحافظ أبي عبد الله محمد بن يزيد بن ماجة الربعي بالراء المهملة والباء الموحدة نسبة إلى ربيعة بالولاء فالكثير يقول ابن ماجة بفتح هاء التأنيث وهو غلط. والصحيح ابن ماجة بسكون الهاء على ما نص عليه غير واحد من الإثبات وقالو ماجة لقب أعجمي ليزيد والد الحافظ أبي عبد الله محمد المذكور. وقد نص على ذلك في القاموس حيث قال وماجة لقب والد محمد بن يزيد القزويني صاحب السنن لا جده انتهى.
فابن ماجة بدل من ابن يزيد أو عطف بيان عليه وذلك النسب في قوة قولك محمد بن ماجة بإسقاط يزيد من البين. وقال الشيخ عيسى المغربي المكي في كتابه مقاليد الأسانيد قال ابن أبي الفتوح الصحيح أن ماجة اسم أمه انتهى.
وعليه فالظاهر أن ماجة) بفتح هاء التأنيث (كفاطمة لكن رأيت في ثبت الشيخ شاكر العقاد الذي جمعه تلميذه الشيخ ابن عابدين إطلاق القول بالسكون مع نقل كلام أبي الفتوح فلعل ذلك مبني على أن اللفظ أعجمي نطق به أولاً قي تلك اللغة) بسكون الهاء (وبقي على ذلك. وأياً ما كان فتلك العبارة في نسب ذلك الحافظ نحو قولهم محمد بن علي بن الحنفية. قال غير واحد وعلى كل من القولين القول بأن ماجة لقب يزيد والقول بأنه اسم أم ابنه محمد لا بد من كتابة الألف في ابن أما على القول الأول فلأنه لم يتصل بموصوفه أعني لفظ محمد. وأما على الثاني فلذلك ولأنه لم يضف إلى الأب وشرط إسقاطها منه كتابةً إضافته إليه دون الأم انتهى.
وأقول تعليل الكتابة بالألف على الأول بالمفصل هو الذي يقتضيه ظاهر إطلاق كلامهم في بيان مواضع الكتابة والإسقاط حيث لم يفرقوا بين ما يكون الفاصل بنية الإسقاط كالمبدل منه فيما اشتهر وإن لم يسلم اطراده وبين ما لا يكون كذلك وكذا تعليلها به على الثاني وأما تعليلها عليه بالإضافة إلى الأم دون الأب ففيه بحث فقد قال بعض الأجلة أنه إذا اشتهر الرجل بالأم كان حكم ابن الواقع صفة له مضافاً إليها حكم ابن الواقع صفة له مضافاً إلى أبيه فتحذف الهمزة منه كما تحذف من ذلك إذا وقع صفة له بلا فصل نحو عيسى بن مريم ويونس بن متي علي المشهور من أن متي أمه ﵇ ومحمد بن الحنفية والقياس يقتضيه لأن علة الحذف في الحقيقة إذا أضيف الابن إلى الأب كثرة الاستعمال كما في حذف همزة اسم في البسملة على ما اشتهر بينهم. وتمام الكلام في هذا المقام في شرحنا لمختصر درة الغواص. في أوهام الخواص. لنا أيضاً. فارجع يا إبني إليه إن أردته والله تعالى أعلم.
) ومنها الترمذي (في وصف الحافظ صاحب السنن محمد بن عيسى بن سورة) بفتح السين المهملة وسكون الواو (ابن موسى البوغي) بضم الموحدة وسكون الواو بعدها غين معجمة نسبة إلى بوغ قرية من قرى ترمذ (فقد اختلف الناس في ضبطه فبعضهم يقول الترمذي) بفتح التاء والميم (وبعضهم يقول) بكسرهما (وبعضهم يقول) بضمهما (والمتداول على لسان أهل تلك المدينة) فتح التاء وكسر الميم (وقال السمعاني الذي كنا نعرفه قديماً) كسر التاء والميم جميعاً (انتهى. وأنا أقول متى صح أن المتداول على لسان أهل تلك المدينة فتح التاء وكسر الميم. كان ذلك أولى بالاتباع فأهل المدينة كأهل مكة وهم أدرى بشعابها فتأمل.
стр. 149
) ومنها المزاحي (الواقع في أحد أسانيد مشايخنا إلى صحيح البخاري وهو سلطان بن محمد المزاحي فأكثر الناس يغلطون فيه فيقولون المزاحي بكسر الميم وتخفيف الزاي ظناً منهم أنه نسبة إلى المزاح المعروف وإنما هو المزاحي بفتح الميم وتشديد الزاي وبعدها ألف وحاء مهملة نسبة إلى منية مزاح قرية من قرى مصر كما في معجم أبي المواهب الحنبلي فليحفظ.) ومنها غير ذلك (مما يطول. وإنما اقتصرت على ما ذكرت لأني رأيت من غلط فيه من علماء استنبول. والله . العاصم من الخطأ والخطل.
خاتمة
ونسأل الله حسنها. إذا طويت المراحل وبلغ الكتاب المنتهى. في أبحاث علمية. ومسائل أدبية. جرت سواقيها. في رياض المحاورة مع شيخ الإسلام. ولم تكن لتصب في حياض المناظرة مع ذلك القمقام. وإنما كانت محض حمض. لا لغرض سواه عرض. نعم لم أتخل عن موافقة هواه. حيث شعرت منه أنه يحب العلم ويتمنى أن لا يكون له شغل سواه. وكم رأيته يتنفس الصعداء على أوقات له حلت ومرت. وجلت إذ تجلت فخلت وما استمرت. حيث كانت الفواكه العلمية أقواتاً لهاتيك الأوقات. والفكاهات الأدبية نزلاً لما يمر به من ضيوف الساعات. ومجلسه اليوم مع هذا غاص في كثير من ساعاته بالمباحث العلمية. وهو سلمه الله تعالى لا زال ينتهز الفرصة متى وجد أهلاً لكلماته فيحشي سمعه من درره البهية. لكن ذلك الأهل هنالك كالأبلق العقوق. ومسايره في هاتيك المسالك أعز مثالاً من بيض الأنوق. لأنه سلمه الله تعالى وقف لكثرة كتبه. على حقائق ودقائق لم يقف عليها جميع صحبه. وتضلع بحر أدب. من كل حبر من علماء جزيرة العرب. وعلماء القسطنطينية. أجهل الناس بالفنون الأدبية. ولذا ترى كلامه إياهم السكوت. وهم لا يسألون منه إلا المناصب والقوت. وأما الشعر العربي فطريقة بينهم بالكلية غير مسلوك. ولا بدع فالعربي بين الترك من قديم متروك. هذا.
стр. 150
) فمن هاتيك الأبحاث العلية (التي ذهب أكثرها من ذهني بالكلية. وهو في مبادئ ابتسام ثغر مقاصدي بالجلوس في مجلسه. وابتهاج مواقفي بإشراق أنوار طوالع أنسه. وأوائل توجهه لجبر كسر قلبي. وسعيه في تكذيب ظنون السوء بي. أنه قال ماذا أجبت عن السؤال. في قول الله الملك المتعال.) يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم (فقلت يا مولاي وما السؤال فليس لي به وحرمة علمك علم. فقال هو إن بعض الظن إثم في موقع التعليل. لما تضمنه ما قبله من الكلام الجليل. مع أنه لا استلزام بين اجتناب الكثير. وكون بعض الظن إثماً موقعاً في الأمر الخطير. فيجوز أن يجتنب المؤمن الكثير من الظن ويتقي. ويكون البعض الذي هو إثم فيما بقي. فحيث كان هذا في المبادئ. لم يساعدني على الجواب لساني وفؤادي. فلم أنطق ببنت لساني. حتى أنك لو رأيتني لتوهمت أني عديم بياني. فقال ما لك سكت عن البيان. وأنت مفسر القرآن. فقلت يا إمام ذوي التدقيق على التحقيق. ومن إذا دارت رحى فكره ذرت على ذوي المتربة بكل معنى دقيق. قد ضعفت ذهني لقوة هذا السؤال. وجف فمي لمزيد حرارة تعجبي من طراوة ذلك المقال. وأني قد صرفت نقد عمري في تتبع دقائق كرائم الآي. فلم أظفر إلى هذه الساعة بهذه الدقيقة التي تفضل بها حضرة مولاي. فأفد فديتك عبدك. وابن له لا بنت ما عندك. فقد شرد أسد جلالك مهاة لبي. وخطف من يدي بازي سؤالك قطاة قلبي. فتبسم وقال. مجيباً عن السؤال أن مبنى هذه المسألة المشكلة. ظن أن كثيراً مفعول به لاجتنبوا ومن الظن متعلقاً به يندفع السؤال. وتنحل عقدة الإشكال. كما لا يخفى على منتبه إذ يكون المعنى ح اجتنبوا من الظن اجتناباً كثيراً. وأبعدوا عنه بعداً وفيراً. فإن بعضه إثم. فيكاد يقع فيه من لم يجتنبه عن غير علم. فقلت يا مولا لا زلت ولي كل نعمة. وكشافاً بنسائم التقرير عن معالم أفئدة الطلبة غمائم كل غمة. فلقد أتيت بما لا أظن أن وراءه مرمى لرام. وهيهات أين أذهان أطفال العلماء من ذهن شيخ الإسلام. فسكن وسكتنا. وفي أبحاث أخر خضنا. ثم أني راجعت في ذلك تفسير روح المعاني. فرأيتني لم أسلك سبيلاً إلى هاتيك المغاني. واتفق أن أرسلت السؤال والجواب إلى بغداد. ليطلع عليهما علماؤها الأمجاد. فأرسلهما بعض الأجلة إلى الحدباء. فكتب في ذلك عبد الله أفندي العمري رئيس من فيها من العلماء.) وهذا ما كتبه (قوله تعالى) يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم (أوردوا هاهنا أشكالاً وهو أن المطلوب اجتناب ما هو إثم من الظن وباجتناب الكثير من الظن قد لا يتحقق اجتناب ذلك البعض الذي هو إثم لجواز أن يكون ذلك البعض خارجاً عن تلك الأفراد الكثيرة) وقد أجاب (عن هذا الإشكال شيخ الإسلام حضرة عارف حكمت بك أفندي بأن كثيراً واقع موقع المفعول المطلق ومن الظن متعلق باجتنبوا أي اجتنبوا من الظن اجتناباً كثيراً ولا تقربوه أصلاً لأن بعضه إثم وكل ما هذا شأنه ينبغي أن يجتنب اجتناباً كثيراً ولا يقرب خشية الوقوع فيما هو إثم منه انتهى.
стр. 151
) أقول (يرد على هذا الجواب أن اجتنبوا لا يتعدى بمن بل هو متعد بنفسه قال تعالى) إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه (الآية وقال تعالى) فاجتنبوا الرجس من الأوثان (وإن حملناه على زيادة من يرد عليه إن من تزاد إلا في البكرة الواقعة بعد نفي أو شبهة إلا على قول ضعيف لا ينبغي حمل التنزيل عليه. وأيضاً الحرف الزائد لا يتعلق بشيء. ويمكن أن يجاب بأن قوله تعالى من الظن متعلق باجتنبوا على سبيل التضمين. والمعنى اجتنبوا متباعدين من الظن أو تباعدوا من الظن مجتنبين له اجتناباً كثيراً في الاجتناب معنى التباعد وهو يتعدى بمن قال تعالى) وما هي من الظالمين ببعيد (فيكون من قبيل ذكر اللازم وإرادة الملزوم. ويمكن أن تحمل الآية على زيادة من ويكون المراد من قوله من الظن متعلق باجتنبوا التملق اللغوي الذي هو الارتباط بين الشيئين كتعلق المفعول بالفعل. ولما كان الاجتناب عبارة عن الكف عن الفعل كان فيه معنى النفي والظن معرفاً بلام الجنس وهو في المعنى نكرة صح زيادة من فيكون معنى الآية واجتنبوا الظن اجتناباً كثيراً لأن بعض الظن إثم فلا يأمن من لم يجتنب الظن أن يكون ظنه من بعض الظن الذي هو إثم فينبغي تركه بالكلية. والمتبادر من الآية كما ذكره المفسرون أن كثيراً مفعول به لاجتنبوا ومن في قوله تعالى من الظن بيانية كما في قوله تعالى) واجتنبوا الرجس من الأوثان (وعلى ما ذكره شيخ الإسلام من أن كثيراً واقع موقع المفعول المطلق وأن من الظن متعلق باجتنبوا ينبغي أن يكون نظم الآية واجتنبوا من الظن كثيراً دفعاً لما يتوهم من الإشكال المذكور كما قدم من آل فرعون على متعلقه في قوله تعالى) وقال رجل من آل فرعون يكتم إيمانه (لئلا يتوهم تأخيره عنهم أنه ليس منهم. والأولى بقاء الآية على ما يتبادر منها ويقال في الجواب عن الأشكال أن الظن على نوعين حسن وسيئ والسيئ أكثر وقوعاً من الحسن لما جبلت النفوس عليه من سوء الظن والتنوين في كثير للتنويع والمعنى النوع الكثير الغالب الوقوع من الظن وهو الظن السيئ لأنه إثم. ويحتمل أن تكون من للتبعيض والآية من قبيل المجمل المبين بالسنة بالظن السيئ كما في قوله تعالى) فامسحوا برؤوسكم (فإنه مجمل مبين بالسنة بمسح الناصية وإلا فليس كل ظن منهياً عنه بل بعضه واجب كظن المجتهد وبعضه مستحب كالظن الحسن بالمسلمين والبعض مباح كالظن بوجود المطر عند وجود الغيم والمعنى اجتنبوا بعض الظن وهو السيئ اجتناباً كثيراً لأنه إثم وعبر بالظاهر لئلا يتوهم عود الضمير إلى مطلق الظن فيلزم أن يكون مطلق الظن إثماً وليس كذلك والله تعالى أعلم انتهى.
стр. 152
ونوقش في مواضع من كلامه) أما أولاً (فقوله وهو أي التباعد يتعدى بمن فقد منع إطلاقه لما في مجمع البحرين) ما نصه (وفي الحديث من فعل كذا تباعدت عنه النار مسيرة سنة حيث تضمن تعدي التباعد بعن) وأما ثانياً (فالاستشهاد على تعدي التباعد بمن بتعدي البعدية في الآية أعني قوله تعالى) وما هي من الظالمين ببعيد () وأما ثالثاً (فقوله بعد اعتبار تضمين الاجتناب معنى التباعد فيكون من قبيل ذكر اللازم وإرادة الملزوم فإنه كلام من لا يعرف التضمين كما لا يخفى على عارف. اللهم إلا أن يقال هذا الكلام توجيه لقول شيخ الإسلام متعلق اجتنبوا يعني أراد أنه متعلق بالتباعد باعتبار التضمين إلا أنه ذكر الاجتناب وأراد التباعد وهذا الذكر من قبيل ذكر اللازم وإرادة الملزوم وليس مراد الموجه أنه في الآية مع اعتبار التضمين كذلك. ثم أن ظاهر كلام بعض المفسرين يشعر بأن الاجتناب صار حقيقة عرفية في التباعد قال وأصل اجتنبه كان على جانب منه ثم شاع في التباعد اللازم له) نعم (إنه ليس نصاُ في ذلك وذكر الشيوع للرمز إلى أن استعماله في ذلك لا يحتاج إلى قرينة كذا قيل فتأمل.) وأما رابعاً (فدعواه أن ذكر الاجتناب وإرادة التباعد من قبيل ذكر اللازم وإرادة الملزوم فإن كلام بعض المفسرين المنقول آنفاً يدل على عكس هذه الدعوى. وقال بعض الحق أنه يصح أن يعتبر كل لازماً وأن يعتبر ملزوماً فبينهما لزوم متعاكس فافهم) وأما خامساً (فقوله الأعلى قول ضعيف لا ينبغي حمل التنزيل عليه. فإنه نوقش فيه بأن ذلك القول لم يبلغ من الضعف إلى غاية أنه لا ينبغي حمل التنزيل عليه نعم حمل التنزيل على الضعيف مطلقاً مع ظهور الحمل على القوي مما لا ينبغي فلا تغفل.) وأما سادساً (فقوله ولما كان الاجتناب عبارة عن الكف عن الفعل الخ فإنه ظاهر في أن الاجتناب حقيقة في الكف عن الفعل وفيه ما فيه.) وأما سابعاً (فتوجيه صحة زيادة من بما ذكره فإن فيه من التكلف ما فيه وكأن هذا إحدى الدواعي لقوله ويمكن أن يجاب.) وأما ثامناً (فقوله وعلى ما ذكره شيخ الإسلام ينبغي أن يكون نظم الآية الخ فقد نوقش فيه فإن ذلك التوهم لوجود ما يدفعه من أن استقامة التعليل لا تتم إلا بجعل كثيراً واقعاً موقع المفعول المطلق لاجتنبوا وجعل من الظن متعلقاً به لا يلتفت إليه ولا تلزم مراعاته فليس هو كالتوهم في الآية التي نظر بها فإنه ليس فيها ما يدفع التوهم الحاصل من تأخير من آل فرعون ولا يخلو هذا عن بحث فتأمل.) وأما تاسعاً (فقوله بعد احتمال كون من للتبعيض وجعل الآية من المجمل المبين بالسنة والمعنى اجتنبوا بعض الظن وهو السيئ اجتناباً كثيراً الخ. حيث أنه لا داعي على ذلك التقدير إلى العدول عن المبتادر من جعل كثيراً مفعولاً به لاجتنبوا وجعله واقعاً موقع المفعول المطلق له كما تضمنه بيان المعنى) وأما عاشراً (فدعواه الإجمال في قوله تعالى فامسحوا برؤوسكم حيث قال بعد التمثيل به فإنه مجمل مبين بالسنة بمسح الناصية فإنه نوقش فيها بأن ذلك غير متفق عليه ففي جمع الجوامع وشرحه وامسحوا برؤوسكم لا إجمال فيه. وخالف بعض الحنفية قال لتردده بين مسح الكل والبعض ومسح الشارع ﵊ الناصية مبين لذلك. قلنا لا نسلم تردده بين ذلك وإنما هو لمطلق المسح الصادق بأقل ما ينطلق عليه الاسم وبغيره ومسح الشارع الناصية. من ذلك انتهى.
стр. 153
والأمر في مثل هذا سهل والرجل حنفي فلا ينبغي أن يناقش فيما ذهب إليه أجلة مذهبه. ووقفت على كلام في هذا المقام لأبي سعيد مولانا محمد الخادمي الشهير) ونصه (مع قليل حذف عرض على أن قوله تعالى) إن بعض الظن إثم (واقع في مقام التعليل لقوله تعالى) اجتنبوا كثيراً من الظن (وإثمية بعض الظن كيف تكون علة الاجتناب عن الكثير ولا استلزام بينهما. فقلت) أولاً (إن هذا مقام خطابي فيكفي فيه الظن يعني أنه وإن لم يوجد لزوم كلي لكن يمكن أن يوجد لزوم ضمني. وقد وقع في بعض حواشي شرح المواقف أن شرطية الكلية في الكبرى إنما هي في القطيعات وأما في الظنيات فتكفي الأكثرية والاستقراء الناقص ثم بعد برهة من الزمان سيق إلى الخاطر الفاتر أنه يمكن أن يكون لفظ كثير كناية عن الكلية وتكون إثمية بعض الظن على للاجتناب عن جميع الظنون مثلاً إذا عرف أن كل إثم يجب الاجتناب عنه ثم ظن أن هذا الظن إثم فيجتنب عن جميع الظن كما في شرح المواقف في تفصيل مثله) ثم أقول (لعل الحق فيه أن يقال المراد من البعض في قوله تعالى) إن بعض الظن إثم (ما يتحقق في ضمن الكثير فالمعنى أن الكثير من الظن إثم فاجتنبوه. وتصوير دليله من الاقتراني كثير الظن إثم وكل إثم مجتنب عنه فكثير الظن مجتنب عنه. ومن الاستثنائي إذا كان كثير الظن إثماً فهو مجتنب عنه لكن المقدم حق فالتالي كذلك اه.) وتعقب (ما سبق إلى خاطره بعد برهة بأنا لو سلمنا ورود استعمال كثير في معنى كل كورود استعمال كل في معنى كثير كما قيل به في قوله تعالى) وجاءهم الموج من كل مكان (وقولهم) في كل شجر نار. واستمجد المرخ والعفار (لكن كون كثير في الآية كناية عن الكلية مما لا يكاد يسلم ضرورة أن من الظن ما يباح اتباعه كالظن في الأمور المعاشية. ومنه ما يجب كالظن حيث لا قاطع فيه من العمليات كالواجبات الثابتة بغير دليل قطعي وحسن الظن بالله وكأنه لهذا قال بعد) ثم أقول (لعل الحق الخ. وأورد على ما رجا حقيته بأنه لا يظهر عليه وجه العدول إلى الظاهر فإن الظاهر على ذلك أن يقال اجتنبوا كثيراً من الظن إنه إثم. وأيضاً يظهر بعد العدول إلى الظاهر العدول إلى بعض والتعبير به عن الكثير مع أنه في الشائع لا يستعمل فيما زاد على النصف كالستين بالنسبة إلى المائة مثلاً فلا يقال في الشائع عندي بعض المائة ويراد به الستون) وأجيب (بأنه عدل إلى الظاهر لئلا يتوهم ولو على بعد عود الضمير على الظن ولتخرج الجملة مخرج المثل الشائع فيه الاستقلال كما قالوا في نظير ذلك وعدل إلى البعض مراداً به الكثير للإشارة إلى أن ظن السوء المنهي عنه وإن كان كثيراً في نفسه كما يشعر به على ما قيل ما أخرجه الطبراني عن حارثة ابن النعمان قال قال رسول الله ﷺ ثلاث لازمات أمتي الطيرة والحسد وسوء الظن الحديث (لكنه قليل بالنسبة إلى غيره من أفراد الظن كالظنون المباحة المعاشية وغيرها والظنون الواجبة العملية وغيرها فتأمل) قيل في الجواب (عن أصل السؤال أن المراد بالظن في أن بعض الظن إثم الظن المأمور باجتنابه وهو الكثير فكأنه قيل اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض ذلك الظن الذي أمرتم اجتنابه إثم فلا يأمن من لا يجتنب الكثير أن يقع فيه ويكون المراد بهذا البعض الذي هو إثم أي ذنب يستحق العقوبة عليه ظن السوء بالمؤمن بشرطة وهو أن يكون المظنون به ممن شوهد منه التستر والصلاح وأونست منه الأمانة لا ومن يتعاطى الريب والمجاهرة بالخبائث كالدخول والخروج والتردد إلى حانات الخمر وصحبة الغواني والفاجرات وإمعان النظر إلى الأمرد الجميل فإن ذلك لا يحرم سوء الظن فيه وإن كان الظان لم يره يشرب الخمر ولا يزني ولا يعبث بالمرد ويكون المراد بالكثير ما يعم النوعين نعم الأولى الإعراض عن سوء الظن فيه أيضاً ويحمل الأمر في اجتنبوا على مطلق الطلب ليشمل الطلب الجازم المفيد للوجوب كطلب اجتناب ظن السوء بالمؤمن الذي يتعاطى الريب والمجاهرة بالخبائث ولا يراد بالكثير ما يعم الظن في الإلهيات والنبوات وحيث يختلفه في العمليات قاطع. فإن ذلك وإن كان حراماً يجب اجتنابه إلا أن الآية ولحافها كالمعين لذلك الحمل وكون الكثير من الظن فيما يتعلق بالمؤمنين بعضهم ببعض حيث كان السابق من الآي قوله تعالى) ولا تنابزوا بالألقاب (الآية. وكان اللاحق قوله تعالى) ولا
стр. 154
تجسسوا (وقوله سبحانه) ولا يغتب بعضكم بعضاً (الآية فتدبر فأنه لا يخلو عن شيء ولا أل من أن حمل الأمر على مطلق الطلب غير متعين فيجوز حمله على الوجوب بالنسبة إلى من علم أنه لو لم يجتنب البعض الذي هو إثم وقع في غيره مما كان ذلك البعض في ضمنه. وكذا بالنسبة إلى من اشتبه عليه الأمر فيكون نظير من اشتبهت عليه زوجته بأجنبيات في بلدة محصورة فإنه يحرم عليه وطء كل امرأة فيها لمكان الاشتباه على ما ذكره غير واحد من الفقهاء ويجوز حمله على الندب نظراً إلى إشغال الكثير على ما يندب اجتنابه. قال ذلك بعض الأجلة. فتأمل ذلك. والله تعالى يتولى هداك. ولعل الأولى في الجواب ما ذكره الخادمي أولاً فتذكر فما في العهد من قدم.
) ومنها (ما جرى في قوله تعالى) فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا (وذلك أن الفاضل محمد الأفكرماني. سقى ثراه صيب العفو الصمداني. ذكر فيه سؤالاً وجواباً أوردهما في حواشيه على تفسير جزء النبأ من تفسير البيضاوي. فقال فإن قيل هذه الزيادة إن كانت غير مستحقة كانت ظلماً. وإن كانت مستحقة كان تركها في أول الأمر إحساناً. والكريم لا يليق به الرجوع في إحسانه. والجواب أنها مستحقة وترك المستحق في بعض الأوقات لا يوجب الإبراء والإسقاط انتهى. فقال لي شيخ الإسلام ما تقول في هذا الجواب. فقلت هو سراب يحسبه الظمآن أنه شراب. فقال فما عندك في هذا المقام. فقلت يأبى الله تعالى أن أتكلم قبل أن أعرف ما عند شيخ الإسلام. فقال قد كتبت على الحاشية. ما عسى أن يرفع طرف الغاشية.) ونصه هذا (: إن السؤال والجواب دائران على ملاحظة كون العذاب هنا اثنين عذاب ناقص واقع أولاً وعذاب زايد واقع بعده. ويمكن الجواب بملاحظة كون العذاب واحداً بأن ما استحقوه عذاب مستمر متزايد أبدي فلا يتصور وقوع ذلك إلا بأن يكون الجزء الواقع منه ثانياً أزيد من الواقع أولاً. وهذا مما اقتضاه الطبع فلا تعدد حتى يرد السؤال على أن المقبس بالجزء بنية تحصيل الكل تلبس بذلك الكل وذلك شبيه بالكلي الطبيعي الذي لا تحقق له في الخارج إلا في ضمن جزئياته فمتى تحقق شيء منها تحقق هو في ضمنه قليلاً كان أو كثيراً. ثم قال وهذا الجواب مما منحني به المولى سبحانه من فيضه القدسي. وفضله الأنسي. فله الحمد على ذلك. وأسأله تعالى سلوك أحسن المسالك. فقلت يا ثالث الجرجان. والعلامة الثاني. قد أشرت إلى هذا الجواب في تفسير روح المعاني. وأشرت إلى سبب استحقاقهم العذاب متزايداً وهو أن الكفر والمعاصي متزايدة القبح بالاستمرار عليها ويرشد إلى ذلك أن الإصرار على الصغيرة كبيرة وأن ذم الناس من يتكرر منه القبيح أشد من ذمهم من يقع منه مرة واحدة واستقباحهم وقوع القبيح منه ثاني مرة أقوى من استقباحهم وقوعه أول مرة ونقلت جواباً آخر عن السؤال لكني أشرت إلى ما فيه وهو أن المراد بالعذاب ما يعذب به وزيادته إنما هي لحفظ الأصل الذي كان لأهل النار أول الأمر فإنه لولا الزيادة لألغوا ما أصابهم ولم يتألموا به الألم الذي يستحقونه. ثم أني أقول الآن. والله تعالى المستعان. يحتمل أن تكون زيادة العذاب بتكراره واستمراره لا بزيادة شدته فالكلام إشارة إلى الخلود على أبلغ وجه وعليه فلا سؤال. ولا قيل ولا قال. فليتدبر. وقال بعض الأجلة الآية لا تقتضي وقوع الزيادة لأن المراد إن زدناكم شيئاً فلن نزيدكم إلا عذاباً وأظن أن السوق لا يساعده فليتأمل.
стр. 155
) ومنها (ما جرى في قوله تعالى) إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما (وذلك أنه نقل ما قاله العلامة التحرير. الفاسي الصغير. فيما له من التعليقات. على كتاب دلائل الخيرات.) ما نصه (:
стр. 156
فإن قيل نحن أمرنا بالصلوة على النبي ﷺ فلم لا نصلي عليه بل نطلب من الله تعالى الصلوة عليه صلى الله تعالى عليه وسلم. قلت قد أجاب بعض الحنفية عن هذا السؤال بأننا لما رأينا في أنفسنا نقصاناً طلبنا الصلوة من حضرة ذي الجلال. لتكون على وجه الكمال. انتهى. ثم قال قد اعترضت هذا المقال) بما نصه (. هذا السؤال ساقط عن أصل. ولا بحث في جوابه بفصل ووصل. لأن الصلوة أما بمعنى الدعاء أو طلب الرحمة والبركة على اختلاف الأقوال. فمن قال اللهم صلى عليه فقد أدى المأمور به بأبلغ ما كان لإفادة الصلوة من المولى سبحانه ومن العبد على أنه ليس في الأمر ما يدل على أن نقول نصلي مثلاً كما اتفقوا على أن من قال الحمد لله فقد حمد الله تعالى لأن الحمد هو الثناء وإثبات الثناء له تعالى أيضاً ثناء ولو أمرنا بشيء بعينه من عند الشارع لزم لنا الامتثال بنصه بلا مانع انتهى. فقلت يا مولانا الكلام في هذا المقام طويل. وعالم فاس لم يأت منه إلا بالقليل. ومع ذا فهو وإن جل. قد اختصر المقال وأخل. وقبل أن أتم المرام. جاء بعض الوزراء الفخام. فانقطع البحث. ولم يصدر مني سمين ولا غث. فإن أردت أن يكون لك نوع بصيرة في هذا المقام. فاسمع ما نتلوه عليك من الكلام. وهو بعض مما ذكرناه في تفسيرنا روح المعاني. في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني. فأقول آخذاً له. من كلام الأجلة ممن لا ينكر أحد فضله. ظاهر سوق الآية أعني قوله تعالى) يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما (إنه لا يجاب اقتدائنا به تعالى فيناسب اتحاد المعنى مع اتحاد اللفظ وقراءة ابن مسعود صلوا عليه كما صلى عليه. وكذا قراءة الحس فصلوا عليه أظهر فيما ذكر فيبعد تفسير صلوا عليه يقولوا اللهم صلي على النبي أو نحوه ومن فسره بذلك أراد أن المراد بالتعظيم المأمور به ما يكون بهذا اللفظ ونحوه مما يدل على طلب التعظيم لشأنه عليه الصلوة والسلام من الله لقصور وسع المؤمنين عن أداء حقه صلى الله تعالى عليه وسلم وما جاء في الأخبار إرشاد إلى كيفية ذلك وصفة لا أنه تفسير للفظ صلوا وجاء ذلك على عدة أوجه والجميع ظاهر أخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة والإمام أحمد وعبد بن حيد والشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن مردويه عن كعب بن عجعرة رضي الله تعالى عنه قال قال رجل يا رسول الله أما السلام عليك فقد علمنا فكيف الصلوة عليك قال قل اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. وأخرج الإمامان مالك وأحمد والشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم عن أبي حميد الساعدي أنهم قالوا يا رسول الله كيف تصلي عليك فقال رسول الله ﷺ قولوا اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم الحديث وأخرج الإمام أحمد والبخاري والنسائي وابن ماجه وغيرهم عن أبي سعيد الحذري قلنا يا رسول الله هذا السلام عليك قد علمنا فكيف الصلوة عليك فقال قولوا اللهم صل على محمد عبدك ورسولك كما صليت على إبراهيم الحديث. وأخرج النسائي وغيره عن أبي هريرة أنهم سألوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كيف نصلي عليك قال قولوا اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد الحديث. وفي آخره والسلام كما قد علمتم إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة. والظاهر من السؤال أنه سؤال عن الصفة كما أشرنا إليه قبل وهو الذي رجحه الباجي وغيره وجزم به القرطبي. وقيل إنه سؤال عن معنى الصلاة وبأي لفظ تؤدى والحامل لهم على السؤال على هذا أن السلام لما ورد في التشهد بلفظ مخصوص فهموا أن الصلوة أيضاً تقع بلفظ مخصوص ولم يفروا إلى القياس ليتيسر الوقوف على النص سيما والإذكار يراعى فيها اللفظ ما أمكن فوقع الأمر كما فهموه فإنه عليه الصلوة والسلام لم يقل كالسلام بل علمهم صفة أخرى كذا قيل. ويقال على الأول أنهم لما سمعوا الأمر بالصلاة بعد سماع أن الله وملائكته يصلون عليه عليه الصلوة والسلام وفهموا أن الصلوة منه . من ملائكته نوع من التعظيم. لائق بشأن ذلك النبي الكريم. عليه من الله تعالى أفضل الصلوة وأكمل التسليم. لم يدروا ما اللائق منهم من كيفيات تعظيم ذلك الجناب. وسيد ذوي الألباب. صلى الله تعالى عليه وسلم
стр. 157
صلاة وسلاماً يستغرقان الحساب. فسألوا عن كيفية ذلك التعظيم. فأرشدهم عليه الصلوة والسلام إلى ما علم أنه أولى أنواعه وهو بهم رؤوف رحيم. فقال لهم قولوا اللهم صل الخ. وفيه إيماء إلى إنكم عاجزون عن التعظيم اللائق بي فاطلبوه من الله لي ومن هنا يعلم أن الآتي بما أمر به من طلب الصلوة له صلى الله تعالى عليه وسلم من الله آتٍ بأعظم أنواع التعظيم لتضمنه الإقرار بالعجز عن التعظيم اللائق) والعجز عن درك الإدراك إدراك (ويقرب في الجملة. لما ذكرنا قول بعض الأجلة. ونقله أبو اليمن ابن عساكر وحسنه لما أمرنا الله تعالى بالصلاة على نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم لم نبلغ معرفة فضلها ولم ندرك حقيقة مراد الله تعالى فيه فأحلنا ذلك إلى الله فقلنا اللهم صل أنت على رسولك لأنك أعلم بما يليق به وبما أردته له صلى الله تعالى وسلم انتهى.
стр. 158
ولعل ما ذكرناه ألطف منه ومقتضى ظاهر إرشاده صلى الله تعالى عليه وسلم إياهم إلى طلب الصلاة عليه من الله تعالى أنه لا يحصل امتثال الأمر إلا بما فيه طلب ذلك منه ويكفي اللهم صل على محمد لأنه الذي اتفقت عليه الروايات في بيان الكيفية وكان خصوصية الإنشاء لفظاً ومعنى غير لازمة ولذا قال بعض من أوجبها في الصلاة أنه كما يكفي اللهم صل على محمد يكفي صلى الله على محمد على الأصح بخلاف الصلوة على رسول الله فإنه لا يجزي اتفاقاً لأنه ليس فيه إسناد الصلوة إلى الله تعالى فليس في معنى الوارد. وفي تحفة ابن حجر يكفي الصلوة على محمد أن نوى بها الدعاء فيما يظهر وقال النيسابوري لا يكفي صليت على محمد لأن مرتبة العبد تقصر عن ذلك بل يسأل ربه سبحانه أن يصلي عليه عليه الصلوة والسلام) وح (فالمصلي عليه حقيقة هو الله تعالى وتسمية العبد مصلياً مجاز عن سؤال الصلاة فتأمله. وذكروا أن الإتيان بصيغة الطلب أفضل من الإتيان بصيغة الخبر) وأجيب (عن إطباق المحدثين على الإتيان بها بأنه مما أمرنا به من تحديث الناس بما يعرفون إذ كتب الحديث يجتمع عند قراءتها كثير من العوام فخيف أن يفهموا من صيغة الطلب أن الصلوة منه تعالى لم توجد بعد وإلا لما طلبنا حصولها منه تعالى له عليه الصلوة والسلام فأتى بصيغة يتبادر إلى إفهامهم منها الحصول وهي مع إبعادها إياهم من هذه الورطة متضمنة للطلب الذي أمرنا به انتهى. ولا يخفى ضعفه فالأولى أن يقال أن ذلك لأن تصليتهم في الأغلب أثناء الكلام الخبري نحو قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كذا وفعل صلى الله تعالى عليه وسلم كذا فأحبوا أن لا يكثر الفصل وأن لا يكون الكلام على أسلوبين لما في ذلك من الخروج عن الجادة المعروفة إذ قلما تجد في الفصيح توسط جملة دعائية إلا وهي خبرية لفظاً مع احتمال تشوش ذهن السامع وبطء فهمه وحسن الإفهام مما تحسن مراعاته فتدبر. والظاهر أنه لا يحصل الامتثال باللهم عظم محمداً التعظيم اللائق به ونحوه مما ليس فيه مشتق من الصلوة كصل وصلى فإنا لم نسمع أحداً عد قائل ذلك مصلياً عليه ﷺ وذلك في غاية الظهور إذا كان قولوا صل على محمد في الأخبار تفسير لقوله تعالى صلوا عليه انتهى. إذا علمت ذلك تمكنت من تقرير السؤال هكذا إنا أمرنا بالصلوة عليه صلى الله تعالى عليه وسلم وهي أما بمعنى التعظيم والدعاء بخير أو العطف أو نحو ذلك مما لا يتعين معه طلبنا إياها من الله فلم يعين فيها كما دلت الأخبار الصحيحة. والآثار الصحيحة. الطلب لفظاً أو معنى كما في الجملة الخبرية التي قصد بها الطلب والإنشاء ولم يكف التعظيم بفعل أو قول لم يتضمن ذلك وكذا لم يكف ما يدل على العطف بنوع من أنواع الدلالة ولا ما يدل على الدعاء بخيرٍ ما من الخيور وعلى هذا لا يصادف كلام شيخ الإسلام المحز بل يحتاج إلى الجواب الذي نقل عن بعض الحنفية أو نحوه مما تضمنه كلامنا السابق. كما لا يخفى على من ألف النظر في الحقائق والدقائق. بقي أن بعض المعاصرين ناقش بغير ما أشرنا إليه في كلام شيخ الإسلام. وقد تركنا ذكر ذلك مع جوابه لذوي الإفهام والأفهام. وبحر الكلام في هذا المقام مديد. ويكفي من القلادة ما أحاط بالجيد. فتأمل ذلك. والله تعالى الهادي إلى أقوم المسالك.
) ومنها (ما جرى في قوله تعالى) من يشفع شفاعةً حسنةً يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعةً سيئةً يكن له كفل منها (فإنه حكي لييوماً ما جرى له في ذلك. وناولني ورقة كتب فيها ما قرره هنالك.) ونصه (:
стр. 159
) سألني (بعض النجباء. من جحاجح الأولياء. عن نكتة تغيير التعبير. في قوله تعالى عن الشبيه والنظير) من يشفع شفاعةً حسنةً (الآية. فأجبته بما كتبته أن الحسنة حظ ثابت لصاحبها ينتفع بها فلا يزول عنه أبداً وإن أذنب وأما حبط الأعمال. والعياذ بالله المتعال. فلا عبرة به لأنه مبني على انهدام الأصل فناسب فيها التعبير بالنصيب لأنه كثيراً ما يستعمل في الحظوظ الواقعة الثابتة كما يقال هذا نصيب فلان من القدر وهذا نصيب فلان الفقير من الصدقة. والسيئة ليس لها قرار بل هي عرضة للزوال ومنتظر فيها لأنها تزول بالتوبة فناسب فيها التعبير بالكفل المشتق من الكفالة اشتقاقاً كبيراً إشارة إلى أن كسب السيئة كالكفل المأخوذ فكما أن المديون إذا أدى دينه زال كفيله كذلك المسيء إذا تاب محيت عنه سيئته. واعترض عليه. بعض من اجتمعت الفضائل لديه. بأن الحسنة أيضاً تزول كما ورد في الحديث) إن الكلام في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب (فدفعته بأن هذا مخصوص بالكلام الدنيوي بقرائن ما روي لنا في الآثار من وقوع الكلام في الأمور الأخروية في المساجد كالوعظ والنصح والتذكير. وقبول غير واحد من الأماجد بلا نكير. وكثيراً ما ينجر الاجتماع على الكلام الدنيوي إلى ترتب حقوق الناس في الذمة من الغيبة والاستهزاء وغير ذلك. فهذه الحقوق تأكل الحسنات بطريق إعطائها لأرباب الحقوق كما هو في كتب العقائد. وإعطاء مال المديون لدائنه قهراً لا يوجب عدم ثبوت ملكه فيه عند الأماجد. فيكون إسناد الأكل إلى الكلام. من قبيل إسناد الحكم إلى سببه حسب المقام. هذا ما خطر بالبال. بعون الملك المتعال. والعلم لديه. والمعول عليه. تعالى الله علواً كبيراً. وأحاط بكل شيء علماً ولم يزل عليماً خبيراً. اه.
стр. 160
فقلت يا مولاي هذا الفرق عجيب. ولم أقف على من فرق به بين الكفل والنصيب. وعليه كان الأوفق ببلاغة القرآن وعلو رتبته أن يعبر بنصيبين بدل كفلين في قوله تعالى) يؤتكم كفلين من رحمته (فطال الكلام. وكان نصيبي آخر الأمر إن كسوت فمي من السكوت أضفي لثام.) وأقول الآن (وعلى الله تعالى التكلان. إن إثبات الفرق المذكور. أصعب من خرط القتاد. ولم أجد فيه نقلاً عن أحد من علماء اللغة الأمجاد. وقوله هذا نصيب فلان من القدر لم أسمعه عن أحد ممن غبر. وأنه لا يثبت الفرق الذي أشار إليه ولو سمع ممن جميع البشر. ونوقش في دعواه اشتقاق الكفل من الكفالة الاشتقاق الكبير. بما لا يخفى على كبير ومتوسط وصغير) واعترض (ما ذكر في إعطاء الحسنات أرباب الحقوق أعني قوله وإعطاء مال المديون الخ بأنه يشعر بأن الحسنة بعد إعطاءها لأرباب الحقوق يوم القيمة باقية على ملك صاحبها وفيه ما فيه. وأيضاً في أن إعطاء مال المديون لدائنه قهراً لا يوجب عدم ثبوت ملكه فيه بحثاً بناء على أن من الفقهاء من نص على أن للدائن أن يسرق من مال مديونه المنكر ولا بينة عليه بقدر ماله عليه وجنسه ويحل تصرفه به كما شاء بل صرح بعض الشافعية بحل سرقة غير الجنس وأخذه خفية من غير رضاه) نعم (قالوا أنه إذا أخذ جارية المديون من غير رضىً لا يحل له وطؤها) وأجاب بعضهم (بأن مراد حضرة شيخ الإسلام أن ذلك لا يوجب عدم ثبوت ملك المديون في ذلك المعطى قبل الإعطاء وهو كما ترى هذا) وقد اختلف المفسرون (في توجيه نكتة تغييراً لتعبير فقيل غير للتفنن بناء على أن أكثر اللغويين لا يفرقون بين الكفل والنصيب. وهو طريق مهيع لفصحاء العرب كما يشهد به السمع. وكون التعليل به عكاز أعمى عند البصير في حيز المنع. وقيل أن النصيب يشمل الزيادة. والكفل هو المثل المساوي فاختيار النصيب أولاً لأن جزاء الحسنة يضاعف. والكفل ثانياً لأن من جاء بالسيئة لا يجزى إلا مثلها. ففي الآية إشارة إلى لطف الله تعالى بعباده) واعترض (بأنه يخدش ما ذكر من الفرق التعبير بالكفل في قوله تعالى) كفلين من رحمته (فأن الأوفق بالترغيب نظراً إلى ذلك نصيبين) وأجيب (بأن المساواة بين كل كفل وكفل لا بين ذلك وما كان هو جزاء له ومترتباً عليه بل ذلك باقٍ على احتمال الزيادة. أو يقال أن الثنية أغنت عما يشمل الزيادة لا سيما على القول بأنها كالثنية في لبيك وسعديك فارجع البصر كرتين فتأمل) وقيل (أن الكفل وإن كان بمعنى النصيب إلا أنه غلب في الشر وندر في غيره كقوله تعالى) يؤتكم كفلين من رحمته (فلذا خص بالسيئة وتضمن ذلك التطرية وترك التكرار أيضاً) وفي مفردات الراغب (الكفل الحظ الذي فيه الكفاية كأنه يكفل بأمره والكفل الكفيل قال تعالى) يؤتكم كفلين من رحمته (وأما قوله) ومن يشفع شفاعةً سيئةً (الآية فإن الكفل ههنا ليس بمعنى الأول بل هو مستعار من الكفل وهو الشيء الردئ واشتقاقه من الكفل وهو أن الكفل لما كان مركباً ينوء براكبه صار متعارفاً في كل شدة كالسيساء وهو العظم الناتئ في ظهر الحمار فيقال لأحملنك على الكفل وعلى السيساء ولأركبنك الحسري الردايا. وقيل الكفل الكفيل ومنه) إن من تحرى شراً فإن من له كفيلاً يسلمه (كما قيل) من ظلم فقد أقام كفيلاً بظلمه (تنبيهاً أنه لا يمكنه التخلص من عقوبته انتهى. فتمسك بما به. والله تعالى أعلم بأسرار كتابه.
) ومنها (ما جرى في خبر) ما خير صلى الله تعالى عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لك يكن إثماً (وهو أن ظاهره أنه عليه الصلوة والسلام قد يخيره الله تعالى بين أمرين أحدهما إثم وذلك مما لا يكاد يتصور منه . وذكر حفظه الله تعالى أنه كتب في جواب ذلك ما كتب. بعد أن سأل عنه غير واحد فما أتى بشيءٍ من علماء الروم والعرب.
стр. 161
فقلت يا مولاي لا يتعين كون المخير له عليه الصلوة والسلام هو الله بل يجوز أن يكون المخير من العباد. وحينئذٍ لا إشكال ولا فساد. وذلك المخير يجوز أن يكون مؤمناً غير مطلع على الإثمية ويجوز أن يكون كافراً غير مطلع عليها أو مطلقاً غير مؤمن بها. وقد يدفع الإشكال. على تقدير كون المخير هو الله الملك المتعال. بأن يجعل يكن بمعنى يصير. وجوز بعض أجلة المعاصرين إبقاء يكن على المعنى المشهور ما لم يكن فيما مضى إثماً أما في شريعة من الشرائع السالفة أو في شريعته عليه الصلوة والسلام ويلزم عليه أن لا يختار عليه الصلوة والسلام النسخ إلى أسهل أصلاً مع أن الأغلب النسخ إليه. بل اختلف في النسخ إلى أثقل. والجمهور على جوانبه بل قووعه كنسخ التخيير بين صوم رمضان والفدية بتعيين الصوم قال تعالى) وعلى الذين يطيقونه فدية (الآية وقال تعالى نسخاً لذلك) ومن شهد منكم الشهر (الخ وكنسخ وجوب الكف عن الكفار الثابت بقوله تعالى) واصبر على ما يقولون واهجرهم هجراً جميلا (بإيجاب القتال الثابت بآيات كثيرة ولا شك في أنه أثقل. وقال بعض المعتزلة لا يجوز إذ لا مصلحة في الانتقال من سهل إلى عسر. ومنع بأنا لا نسلم ذلك بعد تسليم رعاية المصلحة. ولقائل أن يقول أنه لا يلزم من أغلبية النسخ إلى الأسهل أن يكون بعد التخيير والاختيار. لجواز أن يكون قد وقع ابتداءً من الفاعل المختار. فتدبر وقيل إن ما لم يكن إثماً قيد الجميع ما قبله فيكون مفهوم المخالفة أنه إذا كان إثماً لا يختار وهو كما ترى. وقيل غير ذلك فليتأمل.
) ومنها (ما جرى فيما نقله لي من اعتراض الجلال الدواني. على قول الإمام الرافعي وهو الشافعي الثاني) المتوضي إذا نوى رفع غير حدثه إن ناسياً صحت نيته وإن عامداً لم تصح (وحاصله إن هذه النية من التصور المحال بالوصف لا من تصور المجال بالإضافة فليسن هذا من الفرضيات التي يذكرها الفقهاء لأن كلاً منها أمر محكم وإن كان الواقع خلافه.
) فقلت (يا مولاي كأن الجلال على جلالته. وكونه شافعياً في ديانته. لم يصب في فهم كلام الإمام الرافعي. ولم يع مراده ولو تأمل لكان يعي. وكأنه توهم أن المراد بغير الحدث الذي نوى المتوضي رفعه بالطهارة ونية رفعها بالوضوء المشروع لرفع ضدها كالجمع بين الضدين. وهذا نهاية ما يخطر لي في توجيه جعله ذلك من التصور المحال. وأنت تعلم أن الظاهر عليه أن يقال) إذا نوى المتوضي رفع طهارته (فإنه أخصر وأظهر في ذلك المراد. فقال فما تقول أنت في مراده. فقلت إن حدث المتوضي قد يكون من خروج ريح وقد يكون من خروج بول. إلى غير ذلك مما يغني العلم به عن تكثير القول. فيمكن أن يكون مراده) إن من كان حدثه من خروج بول مثلاً إذا نوى رفع الحدث من غيره فإن كان ناسياً صحت نيته وإن كان عامداً لا تصح لظهور تلاعبه (ولا محالية في النية على الوجهين كما لا يخفى. وعليه فلا إشكال. ولا قيل ولا قال. وكان في ذلك المجلس العلي. وكيل الدرس مصطفى أفندي الودين لي. فأنصق ووافق وقرر ما قررته تركيا وطابق. فقال المولى وأنا أيضاً لم أرتض اعتراض الجلال. ودفعته على غير هذا المنوال) وحاصله (بأنه قد تكون تلك النية. من بعض جهلة القلندرية الوجودية. فينوي أحدهم لو توضى رفع حدث زيد أو عمرو. أو بشر أو بكر. حيث أنه لا يقول بوجود الأغيار. وليس في الدار على زعمه غير الوجود المطلق ديار. ومن هنا قال قائلهم.
وتلتذان مرت على جسدي يدي ... إلا أني في التحقيق لست سواه
وهم الذين رفعوا الاعتبارات. ثم رفعوا لذلك التكليفات) وأنت تعلم (أن هذا الدفع يقتضي أنه حمل نية رفع غير حدثه على نية رفع حدث غيره) وحينئذ (يقال لو كان المراد ذلك لعبر به لأنه الأظهر. ثم أنه لا بد أن يراد بالغير عليه من هو غير في نفس الأمر أو في عين المحجوبين في زعم ذلك القلندري المتوضي. وإلا فلا غير عنده بل هو في رأيه عين زيد مثلاً الذي نوى رفع حدثه. بل هو وكذا لحيته عين عذرته وروثه. فتأمل. ولا تغفل.
стр. 162
) ومنها (أنه حضر يوماً في المجلس أمين الفتوى لا زال رفيق التوفيق والتقوى. في العلانية والسر والنجوى. وكان في البين شرح العلامة القهستاني. غمره الله تعالى بلطفه الصمداني. فقلت إن هذا الفاضل. قال في قول الماتن الكامل وسننه البداية بالتسمية وبغسل يديه إلى رسغها ثلاثاً للمستيقظ. إن المستيقظ هنا بفتح القاف لا بكسرها كما قيل لدلالة الحديث على ذلك ولأن التصريح بعد الكناية لا يخلو عن شيء انتهى (. فليتغرب ذلك. وقال هو ومن حضر أنه غير ظاهر المسالك. فروجع الكتاب. وتامل الأمين في العبارة فلم يظهر الجواب. وعلم في القاموس فلم يجد فيه تعدي الاستيقاظ. وقال المسألة لغوية لا يفتي فيها مفت برأيه ولا يقضي قاض. فقلت ومع هذا في بالي أن الكرماتي صرح بأنه لازم. وهو كما لا يخفى فاضل عالم. فعرض من مقتضيات المجلس وأمره. ما طوبنا له البحث على غره.) وأقول الآن (هذه العبارة ذائعة. وبين مستعملي ذلك الكتاب شائعة. وقد كتب عليها علماء أعلام. واشتغلوا فيها بنقض وإبرام. فكتب الشيخ الطرابلسي ما نصه) المراد من الحديث الموافق إذا استيقظ أحدكم من منامه الحديث. ووجه موافقة المستيقظ بفتح القاف أنه يكون حينئذٍ مصدراً ميمياً واللام فيه للوقت فيفيد أن سنة غسل اليدين في وقت الاستيقاظ من النوم كإفادة الحديث لذلك. وقوله ولأن الخ علة آنية لمخالفة المشهور ووجه التعليل أن التصريح أي الإتيان بالاسم الصريح الظاهر بعد الضمير المسمى بالكناية الواقع في يديه ورسغيه. لا يخلو عن شيء أي عن نكتة حاملة له على العدول عن الإضمار إلى الإظهار وتلك النكتة هي إفادة الموافقة وأنها لا تكون على زعمه إلا بفتح القاف المخالف للمشهور. وهذا ما وصل إليه الفهم الموصوف بالفتور. وفي كل من الوجهين نظر إذ الموافقة للحديث حاصلة مع الموافقة للمشهور أما بجعل اللام في المستيقظ للعهد والمعهود هو الأحد المذكور في الحديث وأما بأن المراد أول زمان الاتصاف بهذه الصفة. وما ذكره علة للعدول. يجري فيما ذكرناه من غير نكول. انتهى (وكتب معاف زادة ما نصه) قوله لدلالة الحديث (يعني قوله ﵊ إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمسن يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً فإنه لا يدري أين باتت يده والموافقة أما باعتبار تعليق الغسل فإن الاستيقاظ في الحديث لكونه مصدراً باذا الدالة على اختصاص الحكم بزمان مدخولها وكون المستيقظ بمعنى الزمان واللام للاختصاص والمعنى اختص سنية البداية بغل اليدين بزمان الاستيقاظ وأما باعتبار العلية في الحديث من حيث التعليق بالمشتق الدال على علية المأخذ وفي المتن لكون المستيقظ على معناه المصدري واللام أجلية والمعنى سن البداية بغسل اليدين لأجل الاستيقاظ. وقوله) ولأن هذا التصريح (تعليل ثانٍ للفتح ووجهه أن ضمير يديه راجع إلى الشخص المتوضئ والمستيقظ بالكسر عبارة عن الشخص المنتبه المتوضئ. ففيه نوع تكرار. بالإظهار بعد الإضمار وبالفتح يسلم منه انتهى. وهو غاية ما يقال. في توجيه ذلك المقال. وهو أولى مما تقدم. فتأمل وافهم. وكتب غيره من كتب. وبما ذكر يحصل إن شاء الله الإرب.
стр. 163
) ومنها (ما جرى في عبارة للعاملي في ديباجة رسالة الحساب. حيث ناولني ورقة كتب فيها ما نصه) لما رجعت من الحجة الرابعة. بعد اقتطافي من أثمار رباعها اليانعة. ووصلت إلى ثغر الإسكندرية. وبي زناد الأن ورية. اجتمعت بصاحبي الألمعي. وصديقي اليلمعي. زهر الروض الأنسي السيد محمد الصفاقسي. كان الله تعالى له. وبلغه غاية ما أمله. فأخبرني أن بعض الأذكياء. الحاكي مني ذكاءه سناء ذكاء. أورد عليه. مختبراً ما لديه. في أول رسالة خلاصة الحساب. عند قول المؤلف عمدة الإنجاب) نحمده يا من لا يحيط بجميع نعمه عدد (أنه قاصر عن إفادة المقصود مدى المدد. لكون الواحد غير عدد عند أهل الحساب حيث أنهم عرفوه بما ساوى نصف مجموع حاشيتيه فيكون أول الأعداد عندهم اثنين. فيبقى احتمال إحاطة الواحد بلامين. فعجز عن إزالته. وألجم بمقالته. فترجى مني كيف الجواب والتجمل في الخطاب. فقلت مسعفاً لمرامه. وكاشفاً لغمامه. أن الشروع في الديباجة أول دخولٍ قبل تعلم الاصطلاح. فيلزم أن تحمل ألفاظ الدبابيج على المعاني اللغوية الفصاح. لأنها هو المتعارف المشهور. كما قرروا في المحلات المناسبة وزينوا به السطور. والواحد عدد عند أهل اللغة. وفي هذا أغنية وبلغه. على أن الواحد عدد أيضاً عند بعض المحاسبين. وإن كان مرجوحاً فاقنع بذلك وكن من الشاكرين. انتهى.) فقلت (يا واحد الإسلام. وثاني الوسادة على منصة الأحكام. لعل الأظهر الأجلى. والأعذب الأحلى. أن يقال في الجواب يعلم عدم إحاطة الواحد من عدم إحاطة العدد من باب الأولى. على أنه قد قيل لا يعقل ولا يكاد. إحاطة واحد بجميع النعم وهي ذات آحاد. وإحاطة الله تعالى بالأياء حفظه لها من جميع جهاتها. واستيلاؤه على جزئياتها وكلياتها. وأحاطت به خطيئته الإضافة فيه جنسية. فيجوز أن يدعي في الخطيئة التعدد دون الوحدة الشخصية. وجوز أن تكون الإحاطة فيه بمعنى المنع كما في قوله تعالى) إلا أن يحاط بكم (فأحاطت الشواغل. ومنعت الموانع عن سماع ما أنا قائل. فها كلا الكلامين لديك. فعليك بالإنصاف والله رقيب عليك.
) ومنها (ما جرى في قوله صلى الله تعالى عليه وسلم) لا تنقشوا في خواتيمكم عربياً (وذلك أن حضرة السلطان. رأى منقوشاً على مهر الإيالة لبعض الوزراء بعض آي القرآن. فلم ينشرح بذلك صدراً. وقال القرآن أجل من أن ينقش في الخواتم قدراً. وأمر حضرة شيخ الإسلام. أن ينظم بيتين يكتبان على كل مهر أيالة للحكام. فاتفق أن حكى لي هذه القصة حضرة ولي النعمة. وناولني بيتاً قد نظمه في ذلك وأمرني أن أشفعه بآخر وأتمه. وهذا قوله وقولي:
إن الوزارة نعمة من نالها ... فليشكر المولى ببسط عدالته
وليتصف بأمانة وبعفة ... وليخدمن سلطانه بصداقته
وكان هذا المضمون. مراد ذلك السلطان الأمين المأمون. فقلت على سبيل المفاكهة يا مولاي ما ضر لو كان النقش تركياً. فقد ورد عنه عليه الصلوة والسلام) لا تنقشوا في خواتيمكم عربياً (فاستغرب ما ذكرته. وقال هذا حديث حتى الآن ما سمعته. فقلت يوجد في الإسقاط. ما لا يوجد في الأسفاط. وهذا الهدهد قال لسليمان ﵇ بين صحبه. كما قص ذلك في الكتاب) أحطت بما لم تحط به (. فقال أين رأيته يا خاتم فضلاء آلوس. فقلت رأيته يا ابن سيد العرب في عدة كتب منها القاموس. فجيء بذاك. وأوقفت القاعدين على ما هناك. فخاضوا في التأويل. وكثر القال والقيل. فقرأت في ذلك النادي. ما ذكره الفيروزآبادي.) ونصه (:
стр. 164
) لا تنقشوا في خواتيمكم عربياً (أي له تنقشوا محمد رسول الله كأنه قال عليه الصلوة والسلام نبياً عربياً. يعني نفسه صلى الله تعالى عليه وسلم انتهى. فرأيت حضرة شيخ الإسلام على أعراف الرد والقبول. وكذا رأيت من حضر من رجال العلم في إسلامبول. ولا بدع أن ترددوا في القبول والرد. فإنه توجيه لا يخلو عن شيء وإن كان توجيه المجد. وذلك لأن قوله كأنه قال نبياً عربياً يعني نفسه صلى الله تعالى عليه وسلم ظاهر في أن النهي عن نقش اسمه الشريف ولكون محمد أشهر أسمائه صلى الله تعالى عليه وسلم يكون هو المراد فيكون المعنى لا تنقشوا في خواتيمكم اسمي أو لا تنقشوا في خواتيمكم محمداً. وقوله أولاً كابن الأثير في النهاية أي لا تنقشوا) محمد رسول الله (ظاهر في أن النهي عن نقش مجموع هذا المركب أعني لفظ محمد ولفظ رسول الله. ويقتضيه تعليل ابن الأثير النهي بأنه كان نقش خاتمه عليه الصلوة والسلام فإن ما كان باتفاق الروايات محمد رسول الله محمد سطر ورسوله فوقه سطر والله فوقهما سطر. فإن اعتبرنا ما دل عليه كلامه أخيراً أشكل بأن عمل الأمة سلفاً وخلفاً على نقش ذلك الاسم الشريف في الخواتيم. وإن اعتبرنا ما دل عليه كلامه أولاً أشكل عليه تقدير الموصوف المحذوف نبياً وكان اللازم عليه تقديره مركباً أو كلاماً أو نحوهما. وإن اعتبرنا ما دل عليه كلامه أخيراً الظاهر في النهي عن نقش الاسم الشريف وحملنا ما دل عليه كلامه أولاً من اعتبار مجموع المركب على أنه إشارة إلى اعتبار ضم رسول الله إلى الاسم الشريف ليتحقق بذلك كونه اسماً له عليه الصلوة والسلام مقصوراً هو منه جاء عليه أن هذا في غاية البعد. ويرد على الكل أن اللائق بمن مخضت له الفصاحة زبدها. ومجت في ألفاظه نحلة البلاغة شهدها. أن يقول في إفادة ذلك المراد لا تنقشوا في خواتيمكم اسمي. أو لا تنقشوا في خواتيمكم محمد رسول الله وإن حذف ما اعتبر موصوفاً أعني نبياً مما ليس عليه قربنة ظاهرة ولا تتبادر إرادته للشيوع أو اختصاص الصفة به. وأنه يبعد ذلك التقدير حديث عمر رضي الله تعالى عنه لا تنقشوا في خواتيمكم العربية. ولمزيد المناقشة في توجيه المجد قيل في التوجيه أن المراد لا تنقشوا في خواتيمكم كلاماً عربياً ويراد به الفرد الكامل أعني القرآن فكأنه قيل لا تنقشوا في خواتيمكم قرآناً. ولك أن تقدر قرآناً من أول الأمر وهو الأولى أي لا تنقشوا في خواتيمكم قرآناً عربياً. وعلة النهي خشية الامتهان. قيل ومن هنا كان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما كما في النهاية يكره أن ينقشوا في الخاتم القرآن وفيه ما لا يخفى ومع هذا أظنه أقرب من الأول وقيل الخبر على ظاهره وهو النهي عن نقش الكلام العربي مطلقاً في الخواتيم وكراهة نقش القرآن التي رويت عن ابن عمر لدخول ذلك في العموم إلا أنه نسخ النهي عن نقش غير القرآن بالإجماع على إباحته. ورد بأن الجمهور على أن الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به. وقيل نسخ بالسنة وهي تقريره عليه الصلوة والسلام من نقش خاتمه عربياً بعد اعلم به أو فعله صلى الله تعالى عليه وسلم حيث نقش خاتمه) محمد رسول الله (واعترض الشق الأول بأنا لا نسلم أن أحداً في عصره عليه الصلوة والسلام غيره نقش خاتمه عربياً. ولئن سلمنا فلا نسلم علمه به ﵊. ولئن سلمنا فلا نسلم تقريره وسكوته صلى الله تعالى عليه وسلم عن النهي. ولئن سلمنا فلعل ترك الإنكار في الحال لعلمه بأنه علم منه ذلك وبأنه لا ينفع في الحال) واعترض الشق الثاني (بما يشعر به تعليل ابن الأثير السابق من أن النهي المذكور بعدما كان منه عليه الصلوة والسلام من اتخاذ الخاتم ونقشه فهو خاص بالمخاطبين فتأمل ولا تغفل. وأنا أختار التأويل. بعد القال والقيل. بأن يراد لا تنقشوا في خواتيمكم نبياً عربياً والمعنى على هذا لا تنقشوا اسم نبي عربي يعني اسم نفسه صلى الله تعالى عليه وسلم واختار عليه الصلوة والسلام هذا الأسلوب على لا تنقشوا اسمي تذكيراً لهم بما يحضهم على امتثال نهيه. ويلتزم القول بوجود قرينة تدل على تعيين المحذوف إذ ذاك وإن لم توجد الآن أو بأن يراد لا تنقشوا في خواتيمكم قرآناً عربياً ويلتزم في القرينة ما سمعت أو أن عربياً كان إذ ذاك شائعاً شيوع قرآناً بحيث إذا أطلق يتبادر منه ذلك. وعلى هذا لا يحتاج العدول عن قرآناً إلى عربياً
стр. 165
إلى نكتة. وعلى ما قبله يحتاج إلها ولعلها إشعار عربياً بما لا يشعر به قرآناً فإنه صفة مدح له كما يرمز إله قوله تعالى) إنا أنزلناه قرآناً عربياً غير ذي عوج (فتأمل فلمسلك الذهن اتساع. وفضل الله تعالى قد ملأ البقاع. بقي أن في الحديث كلاماً لا حاجة بنا إلى ذكره. فلنطوه الآن على غرة.
) ومنها (ما جرى في تناقض المجد في القاموس حيث قال فيه) المرهم دواء مركب نافع للجراحات وذكر الجوهري له في رهم وهم والميم أصلية لقولهم مرهمت الجرح ولو كانت زائدة لقالوا رهمت (وقال قبل ذلك بورقات معدودة) الرهمة بالكسر المطر الضعيف إلى أن قال والمرهم كمقعد طلاء لين يطلى به الجرح مشتق من الرهمة للينة انتهى (. فلم يظهر لي في دفعه شيء. ولم آت فيه بحي ولآلئ. سوى أني أنشدت لما تحيرت:
ومن ظن ممن يلاقي الحروب ... أن لا يصاب فقد ظن عجزاً
وقلت قد رمى بسهم مصيب. من قال من عاب عيب.
) ومنها (ما جرى في قوله في العم) ويقال هما ابنا عم لا خال وابنا خالة لا عمة (فقال شيخ الإسلام ومولى العلماء. وجه ذلك أنه لم يسمع من العرب العرباء. وكان في المجلس من صيغ من كمال. ومن صدق جده كما صدق في مدحه العم والخال. العارف الذي على وكر فتاويه وقائع مجلس الأحكام تحوم. حضرة عارف أفندي قاضي عسكر الروم. فقال وجه دعواه أنه لا يقال ابنا عمة ولا ابنا خال وابنا عم. ثم تفاوض الحديث العارفان. فاستقر رأيهما على عدم تصور وقوع ذلك في العيان.) وأنا أقول (القول بالوقوع أمر معقول. فالأولى التوجيه بعدم السماع. ثم بيان المقتضي له والداع.) وقد سألت عن ذلك (غير واحد. من الفضلاء الأماجد.) فكتب (نور الذبالة الدرية. ونور شجرة السلالة الحيدرية. ذو الخلق العطر الرندي. صبغة الله أفندي زادة إبراهيم أفندي) ما نصه بعد نقل العبارة (:
стр. 166
وجهه انه لما كان كون أحد ابن عم لآخر مستلزماً لكون الآخر ابن عم له وكذا كان كون أحد ابن خالة لآخر مستلزماً لكون الآخر ابن خالة له صحت الإضافة المذكورة وأغنت عن تثنية المضاف إليه بخلاف ابني الخالة والعمة فإنه لما لم يكن أحدهما مستلزماً للآخر بل وقوعه في بعض المواد كما لا يخفى تصوره لم تصح الإضافة فيهما إلى المفرد بل احتيج إلى تثنية المضاف إليه بأن يقال ابنا عمتين وابنا خالين انتهى) وكتب (الذكي اللوذعي. والفطن الألمعي. خزانة علم آبائه. وتذكرة أقدام حيدر وآبائه. ذو الخلق العطر الندي. حيدري زاده محمد أمين أفندي.) ما نصه بعد نقل عبارة القاموس السابقة (قيل سبب حة إطلاق القولين الأولين دون الأخيرين مجرد الاستعمال وعدمه وهذا لا يسمن ولا يغني من جوع. وقيل تحققهما دونهما. وفيه أنه لا فرق بينهما في التحقق والوقوع بل لا بد عند التحقق من تحقق الأخيرين كليهما جميعاً في صورة واحدة ولا يمكن انفكاك كون الابنين ابني خال عن كونهما ابني عمة وبالعكس بلا مرية وصورة ذلك ما إذا تزوج عمرو بأخت زيد وزيد بأخت عمرو وولد لكل منهما ولد فإنه لا شبهة في أنه يصير عمرو خالاً لابن زيد وزيد خالاً لابن عمرو فيكون الولدان ابني خال وابني عمة جميعاً بغير فرية. فلعل السبب في ذلك هو أن المراد من قولهم هما ابنا عم كون كل منهما ابن عم الآخر فيكونان ابني عمين لا عم مع أنه قيل ابنا عم لكن لما كان للعمين جهة وحدة جامعة هي الأخوة مصححة لأن يجعلا عماً واحداً ويسند الولدان إليه فيقال هما ابنا عم. لم تكن للعمتين جهة وحدة وكذلك مصححة لأن تجعلا واحدة ويسندان إليها صح هناك ولم يصح هنا وكذلك لوجود تلك الجهة المصححة في الخالتين وعدم وجودهما في الخالين صح الجعل المذكور في الإسناد فيهما دونهما. ويمكن أن يكون السبب في صحة إطلاق الأولين دون الأخيرين استلزام كون أحد ابن عم أو ابن خالة لآخر كون الآخر ابن عم أو ابن خالة له وليس هذا الاستلزام موجوداً في الأخيرين لأن كون أحداً ابن خال أو ابن عمة لآخر لا يستلزم كون الآخر ابن خال أو ابن عمة له بالبداهة فلوجود الاستلزام وعدمه في الأخيرين صح إطلاقهما دونهما وهذا ما خطر لفكري الفاتر. وأرجو أن يكون مقبول كل خاطر. انتهى وما عبر عنه يتمكن هو توجيه ابن ابن ابن عم أبيه وكان قد سبقه إليه. وتوارد الخاطر. لا ينكر وقوعه بين الأذكياء الأكابر. ويمكن أن يقال في سبب ذلك أن غالب العرب في كل عصر حتى اليوم لا يميلون إلى الخال ومن هنا العامة يقولون الخال مخلي. وربما يستأنس فس ذلك بأنهم لا يستعملون مخول بمعنى كريم الأخوال إلا مع معم وكذا غالب الأخوال لا يميلون إلى أبناء أخواتهم ومن هنا تسمع العامة أيضاً يقولون اصنع لك ابن أخ تمن طين. واضرب رقبته وربما يقال اقطع منه الوتين. ولعدم الميل الطبيعي إلى الأخوال لا يعدون ابني الخالين ابني خال. أي ابني شخص واحد حكماً فلا يفردون. وهذا بخلاف العم فإنهم يميلون إليه حتى أنهم يطلقون عليه الأب ومنه قوله تعالى) وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر (بناء على ما ذهب إليه غير واحد من أن آزر كان عماً لإبراهيم ﵇ وأن أباه الحقيقي تأرخ أخو آزر وجاء رجل معم من غير أن يضم إليه مخول ولذلك الميل يعدون ابني العمين ابني شخص واحد حكماً فيفردون ويقولون ابنا عم وهم في الميل إلى الخالة والعمة على العكس فيعدون الخالة كالأم وقد ورد في الحديث الخالة أم. وقيل في قوله تعالى في قصة يوسف ﵇ ورفع أبويه على العرش (أن المراد بأبويه أبوه وخالته لأن أمه قد ماتت قبل القصة وإحياؤها غير مسلم والاستدلال عليه بهذه الآية استدلال بمحل النزاع وكذا ميل الخالة إلى ابن أختها أشد من ميل العمة إلى ابن أخيها ومن هنا قدمت الخالة على العمة في الحضانة فيقال في سبب توحيد الخالة في ابنا خالة وعدم توحيد العمة نحو ما قيل في سبب توحيد العم في ابنا عم وعدم توحيد الخال. مما سمعت آنفاً من المقال. ويمكن أن يجعل مجموع ما نقلناه وما قلناه سبباً لما ذكره صاحب القاموس. فتأمل فكم خبايا أودعها الله تعالى في زوايا النفوس.
стр. 167
) ومنها (ما جرى في قوله أيضاً) السرور توقيع جائز وأن التركيب فيه هل هو وصفي أو إضافي أو كلا الأمرين جائز (فإني سألت في المجلس عن ذلك. فقيل نرجع إلى أقيانوس في تحقيق ما هنالك. وقال المولى الصفي. يغلب على الظن أنه تركيب وصفي. فقلت نعم يا شيخ الإسلام. هو كذلك عند جمعٍ من العلماء الأعلام. وقد كتب على ذلك العلامة السري. شيخ مشايخنا السيد صبغة الله أفندي الحيدري) ونصه (بعد نقل العبارة التوقيع خط وعلامة للسلطان في الأحكام والمناشير يدل على أن الحكم من طرفه وهو أوقعه فقولهم) السرور توقيع جائز (كلام ذكر أولاً على ما في سمط النجوم بحضور قتيبة بن مسلم حين قال لوكيع بن الأسود ما السرور قال لواء منشور وجلوس على السرير والسلام عليك أيها الأمير. وقيل لحصين بن المنذر ما السرور قال امرأة حسناء. في دار قوراء. وفرس بالفناء. وقيل لعبد الله بن الأهتم ما السرور قال رفع الأولياء. وخط الأعداء. وقال بعضهم السرور توقيع نافذ وأمر جائز. وقيل لفتاة ما السرور قالت زوج يملأ قلبي جلالاً. وعيني جمالاً. وفنائي جمالاً. فما قيل من أن وزانه وزان قولهم كلامك سيف قاطع يعني إذا ظهر السرور في وجه من أنهى إليه الأمل أو في وجه الممدوح عند الشاد الشعر بحضوره فهو بمنزلة توقيع نافذ لحصول المقصود وإن كان من محتملات اللفظ ليس بمطابق مورده انتهى.
) وأقول (نوقش عليه الرحمة في دعوى أن ذلك المعنى غير مطابق المورد فقيل إنه إنما يتم لو كان قد أورد لبيان السرور على نحو ما أورد كلام وكيع ابن الأسود وذلك غير معلوم. وجميع ما ذكر من قول حصين بن المنذر وعبد الله بن الأهتم ومن معهما لا نسلم أنه كان بحضور الأمير قتيبة بن مسلم جواباً له والنقل السابق ليس بنص في ذلك وكذا لا نسلم أن ذلك مختصر من قول البعض) السرور توقيع نافذ وأمر جائز (نعم ذلك المعنى في نفسه بعيد والمتبادر من الكلام نحو المتبادر مما تقدم. ثم أن كلا المعنيين ظاهر في أن التركيب وصفي وجوز كونه إضافياً على معنى السرور توقيع. أمير أو ملك جائز أي معطى الجائزة أي العطية فكأن قائل ذلك شاعر أدعى لمزيد حبه الجائزة أن السرور توقيع ممدوحه من الأمراء والملوك ليعطيه أمنية الجائزة على شعره فيه. ويتصور أن يكون قائله ممن يحب الكرم وإعطاء الشعراء الجوائز.
تراه إذا ما جئته متهللاً ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله
على أن يكون المعنى السرور هو الأمر بإعطاء الجوائز وإمضاء الأوراق في ذلك والتوقيع عليها فتأمل.
) ومنها (ما جرى في قوله أيضاً) النموذج بفتح النون مثال الشيء مقرب والأنموذج لحن انتهى (فإنه نقل أن العلامة ابن قاسم العبادي أشار في بعض تعليقاته إلى اعتراض عليه وجواب عنه) حيث قال (والفقهاء يعبرون بالأنموذج فيلزم أن يكون لحناً فتأمل انتهى. وقرر حاصل الاعتراض بأن الفقهاء يعبرون بما ادعى أنه لحن وهم أجل من أن يعبروا بما هو لحن وقرر حاصل الجواب المشار إليه بتأمل أنهم يراعون في كلامهم تفهيم العامة فلا بأس عليهم إذا استعملوا في تفهيمهم لفظاً هو لحن في نفس الأمر لكنه شائع الاستعمال فيما بينهم دون ما هو الصحيح بل يجوز أن يخفى عليهم كون اللفظ الفلاني لحناً وليس من شرط الفقيه الوقوف على الصحيح الثابت عند العرب في كل لفظ يستعملونه وجلالتهم تأبى الغلط في استخراج الأحكام لا استعمال لفظ هو لحن عند العرب لكنه شائع عند العوام وقد صح أنه عليه الصلوة والسلام عدل عن لغة قريش الفصحى التي نزل بها الكتاب. إلى لغة دونها رعاية لتفهيم من هي لغته من الأعراب. على أن كون الأنموذج لحناً مما لم يتفق عليه الأجلة فقد ذكره العلامة أحمد الفيومي في مصباحه المنير من غير تنبيه وجعل النموذج لغة فيه. فقلت يا سيدي لقد أبدعت في المقال. وهذا غاية ما يخطر بالبال.
) وكم في القاموس (ما هو من هذا القبيل. وأشياء أخر طال فيها ذيل القال والقيل. كدعواه أغلاطاً تسعة في قول الشاعر. الذي استشهد به الجوهري الماهر:
أجاعل أنت بيقوراً مسلعة ... وسيلة لك بين الله والمطر
وقد بينها الشيخ عبد الرحمن العمادي ونقلها الفاضل المحبي. في تاريخه فقال بعد ذكر البيت وما قبله وهو:
لا در درأ ناس خاب سعيهم ... يستمطرون لدى الأزمات بالعشر
стр. 168
قد لاح في هذه الألفاظ تسعة أغلاط خطرت بالبال. والله تعالى أعلم بحقيقة الحال.) الأول (إدخال الهمزة على غير محل الإنكار وهو جاعل والواجب إدخالها على المسلعة لأنها محل الإنكار نحو أغير الله أبغي حكما) الثاني (تقديم المسند أعني جاعل على المسند إليه أغني أنت الذي هو خلاف الأصل فلا يرتكب إلا لسبب فكان الواجب تقديم المسلعة وإدخال الهمزة عليها وترك التقديم بأن يقال أمسلعة تجعل ذريعة) الثالث (أن نرتب البيت على ما قبله يقتضي أنه فصد الالتفات من الغيبة إلى الخطاب قطعاً وأنه بعد أن حكى حالهم الشنيعة التفت إلى خطابهم ومواجهتهم بالتوبيخ حتى كأنهم حاضرون يستمعون وحينئذٍ يكون قد أخطأ في إيراد أحد اللفظين بالجميع والآخر بالإفراد ولا شك أن شرط الالتفات الاتحاد) الرابع (إن الجاعلين الذين حكي عنهم في البيت الأول هم العرب في الجاهلية فلا وجه لخصيص واحد منهم بالإنكار عليه دون البقية. لا يقال هذا الوجه داخل في الذين قبله. لأنا نقول هذا وارد مع قطع النظر عن كون الكلام أشتاتاً أو غير التفات من حيث أنه نسب أمراً إلى جماعة ثم خص واحداً منهم بالإنكار من غير التفات إلى الالتفات أصلاً.) الخامس (تنكير المسند إذ لا وجه له مع تقدم العهد حيث علم أن مراده بالجاعل هم الأناس المذكورون في البيت الأول فكان حق الكلام أن يقال أمسلعة أنتم الجاعلون.) السادس (البيقور اسم جمع كما في القاموس واسم الجمع وإن كان يذكر ويؤنث لكن قال الرضى في بحث العدد) ما محصله (أن اسم الجمع إن كان مختصاً بجمع المذكر كالرهط والنفر والقوم فإنها بمعنى الرجال فيعطى حكم المذكر في التذكير فيقال تسعة رهطٍ ولا يقال تسع رهط كما يقال تسعة رجال ولا يقال تسع رجال. وإن كان مختصاً بالمؤنث فيعطى حكم جمع الإناث نحو ثلاث مخاض لأنها بمعنى حوامل النوق وإن احتملهما كالخيل والإبل والغنم لأنها تقع على الذكور والإناث فإن نصصت على أحد المحتملين فإن الاعتبار بذلك النص انتهى (. فقد صرح بأنها إذا استعملت مراداً بها الذكور تعطى حكم الذكور. وقد نص صاحب القاموس وغيره على أنهم كانوا يعلقون السلع على الثيران فبهذا الاعتبار لا يسوغ وصف اليبقور بالمسلعة) السابع (إيراد المسلعة صفة جارية على موصوف مذكر والذي يظهر من عبارة صاحب الصحاح اسم للبقرة التي يعلق عليها السلع للاستمطار لا صفة محضة حيث قال) ومنه المسلعة الخ (ولم يقل ومنه البقرة المسلعة. وقال السيوطي في شرح شواهد المغني نقلاً عن أئمة اللغة أن المسلعة ثيران وحش علق عليها السلع وحينئذٍ فلا يجري على موصوف كما أن لفظ الركب اسم لركبان الإبل مشتق من الركوب ولم يستعمل جارياً على موصوف فلا يقال جاءني رجال ركب بل جاءني ركب) الثامن (إن المنصوص عليه في كتب اللغة أن الذرية بمعنى الوسيلة لا غير وأن الوسيلة مستعملة في التعدية بإلى فاستعمل الذريعة فيها بدون إلى مع لفظ بين مخالف لوضعها واستعمالها المنصوص عليه. وأما اللام في لك فإنها للاختصاص فلا دخل لها في التعدية كما يقال أرسل هذا الكتاب تحفة لك) التاسع (قوله بين الله والمطر لا معنى له والصواب بينك وبين الله لأجل المطر. وذلك لأنهم كانوا يشعلون النيران في السلع والعشر المعلقة على الثيران ليرحمهما الله تعالى وينزل المطر لإطفائها عنها كما تقدم في الكتاب والله تعالى أعلم انتهى) وتعقب ذلك (المحبي بقوله) أقول لا يخفى أن ما استخرجه لا يسمى أغاليط فأجل فكرك فيما هناك تصب المحز انتهى (ولعل الحمادي حمل الغلط على ما يشمل خلاف الأولى بناء على أنه في البليغ غلط فذكر ما ذكر ومع هذا لا يخلو عن بحث) وقد سئل (شيخنا علاء الدين علي أفندي الموصلي عن هذه الأغلاط فأجاب بما وافق بعضه بعض ما ذكر وبما خالف وقد ذكرنا ذلك في كتابنا الأجوبة العراقية عن الأسئلة الإيرانية. فارجع إليه إن أردته. وهو أيضاً مبني على حمل الغلط على ما سمعت آنفاً. ولا يكاد يسلم وجود أغلاط تسعة في البيت والغلط بمعناه المتبادر فتأمل وانصف) ومن مشهور العيارات (التي يسأل عنها من عبارات القاموس أيضاً عبارته في الكلام على العسر والأمر فيها أسهل من الأمر في الأغلاط ولعل الرجوع إلى الأقيانوس يتكفل بحلها) وقد كتب (عليها شيخ مشايخنا العلامة السيد صبغة الله أفندي لكنه نوقش فيما كتب ولولا خوف الإطالة لذكرت
стр. 169
ذلك) ومما استشكل من ذلك أيضاً (قوله وكعب الحبر ويكسر ولا تقل الأحبار معروف انتهى. ووجه الإشكال ان كعب الأحبار. مما شاع وذاع وروده في الأخبار. ولا مانع من حيث الصناعة لذلك. كما لا يخفى على من سلك في هاتيك المسالك.) وأجيب (بأن ما ورد من باب التركيب الإضافي وما منعه المجد من باب التركيب الوصفي فإن الظاهر عدم جواز وصف كعب المفرد بالأحبار الجمع وإدخاله في باب نطفة أمشاج وثوب أسمال مما يأباه الذوق السليم. وتعقب بأنه ليس المقصود إلا النهي عن استعمال ما هو المشهور وليس ذلك إلا لتركيب الإضافي فيكون غلطاً وقد نبه على ذلك بعضهم أيضاً بقوله:
عوج بن عوق ثم كعب الحبر صح ... فالغلط المشهور فيه ما نضح
ووجه كون ذاك غلطاً بأن كعب الحبر بهذا اللفظ صار كالعلم فتغييره إلى كعب الأحبار بالإضافة أو الوصف غلط إذ الأعلام لا تغير فتأمل.) ثم اعلم (أنا لو ذكرنا جميع ما هو من هذا القبيل من عبارات القاموس لطال ذكره. ولوقعنا في بحر عميق لا يدرك ولو أمعن في الغوص قعره. ويكفي ما ذكرناه في الاستطراد. فاحفظ ذلك واسأل الله تعالى من فضله الذي ليس له من نفاد.) ومنها (ما جرى من تذكر قصيدة أمن تذكر وهو أن البوصيري قال فيها مادحاً له عليه الصلوة والسلام:
لو ناسبت قدره آياته عظماً ... أحيي اسمه حين يدعى دارس الرمم
وهو مشكل. وأمر معضل. فإن مقتضى لو وكون القرآن داخلاً في آياته صلى الله تعالى عليه وسلم أن لا يكون القرآن العظيم. مناسباً قدره عليه أفضل الصلوة وأكمل التسليم. وذلك مما لا يكاد يقال. لما أن القرآن كلام الملك المتعال. فقلت لعل المراد من الآيات غير القرآن. وتخصيص العام بالعقل مما يضيق عنه نطاق البيان. فقال هذا عكاز أعمى لا أرتضيه لك. فاسلك هديت غير هذا المسلك. فقلت لعل الإضافة في آياته للعهد والمراد ما جاء بنحو الرسل ﵈. ولم يجيء أحد منهم بنحو القرآن كما جمع عليه العلماء الأعلام. وكون الجمع المضاف للعموم. ليس على إطلاقه كما هو معلوم. فقال لم تصنع شيئاً سوى أنك غيرت الكلام. إلى عبارات ذات انسجام.
فإن لم يكنها أو تكنه فإنه ... أخوها عذته أمه بلبانها
فقلت لعل المراد نفي المناسبة عظماً باعتبار الظهور. وإعجاز القرآن خفي على بعض الناس بالنسبة إلى إحياء واحد من أهل القبور. فقال هل يخطر ببالك. غير ذلك. فقلت نعم. يا ولي النعم. لكنه يتوقف على تحقيق المراد بالقرآن. الذي لا يسوغ أن يفضل عليه النبي إنسان. أهو الكلام النفسي الذي هو من صفاته تعالى الذاتية. أم الكلام الأغلى الذي ذهب إلى أنه مخلوق كالمعتزلة لعظم الأشاعر. والماتريديه. فإن كان كالأول فالقول بأنه غير مناسب غير مناسب قطعاً. بل هو باطل بلا شبهة عقلاً وسمعاً. وإن كان الثاني فالقول بعدم مناسبة عدم المناسبة مما تتردد فيه الأذهان. لقول معظم أهل السنة أنه عليه الصلوة والسلام أفضل المخلوقات ما يكون وما كان. وحيث أن البوصيري عبر بالآيات أي المنجزات أراد بالقرآن المعنى الثاني من المعنيين. إذ الكلام النفسي ليس بمعجزة ولم يتحد به سيد الكونين. صلى الله تعالى عليه وسلم. وشرف وعظم وكرم. والظاهر أنه أشعري يقول بأن الكلام اللفظي مخلوق. ضرورة اشتماله على بداية ونهاية وسابق ومسبوق. وأنه ممن يفضل النبي عليه الصلوة والسلام على جميع المخلوقات. من مضى منهم ومن هو آت. فقد قال. وأحسن في المقال:
فمبلغ العلم فيه أنه بشر ... وأنه خير خلق الله كلهم
стр. 170
فقال سلمه الله تعالى مداعباً لقد أبعدت مغزاك. وسأخبر علماء إسلامبول بذاك. فقمت إليه. ووقعت عليه. وقلت يا سيدي وحرمة القرآن. لو كان أحدهم حاضراً ما فهت بما فهت لديه. فضحك وقال مسألة القرآن طويلة الذيل. وظهر لي منه أن له إلى الجواب باعتبار الظهور غاية الميل. ثم قلت يا مولاي يحتمل أن يكون لذلك أجوبة أخر. وقبل الشروع بشيء منها حضر من حضر. فانقطع الكلام. وترك ذلك لذوي الإفهام) وأنا أقول الآن (مستعيناً بالملك المنان. قد ظفرت بنحو ما ذكرته في مختصر شرح المرزوقي للقصيدة المشار إليها) ونصه (بعد كلام في هذا البيت) قال الشارح (لم يزل الناس يعترضون هذا البيت لاقتضائه أن ليس فيما أعطيه صلى الله تعالى عليه وسلم من الآيات ما يناسب قدره لأن لو حرف امتناع لامتناع أي امتنعت الخاصة المذكورة لامتناع أن يناسب قدره العظيم شيء من آياته صلى الله تعالى عليه وسلم وهذا باطل فإن من آياته صلى الله تعالى عليه وسلم القرآن العظيم وهو كلام الله تعالى والكلام صفة وشرف الصفة بشرف الموصوف ثم قال وعنه أجوبة) وأقول (السؤال مغالطة فإن القرآن يراد به كلام الله الذي هو صفة الذات وهو المعنى القائم وهذا لم يعطه صلى الله تعالى عليه وسلم لأن الذي أعطيه معجزة والمعجزة فعل الله تعالى خارق للعادة وهو غير صفة الذات. ويراد به أيضاً الحروف الملفوظة والأصوات المسموعة وهذا هو الذي أعطيه صلى الله تعالى عليه وسلم وهو المعجزة وإطلاق القرآن على الحروف والأصوات شائع) وحينئذٍ (لا نسلم أن تكون الحروف والأصوات مناسبة لقدره عليه الصلوة والسلام انتهى بعض كلامه. ثم قال المختصر وما ذكره من كون الحروف والأصوات لا تناسب قدره صلى الله تعالى عليه وسلم قال مثله السبكي فيما قيده على القرآن قال: في قول تعالى) إن الله اصطفى آدم (إلى قوله سبحانه) العالمين () ما نصه (ألفاظ القرآن التي وقع بها الإعجاز من جملة العالم لحدوثها فنبينا عليه الصلوة والسلام أفضل منها يعني لأنه من آل إبراهيم ﵇ قال وبهذا يتقرر قول صاحب البردة) لو ناسبت قدره آياته البيت (انتهى ما في المختصر. ووالله العظيم لم أره قبل أن أقرر في المجلس ما تحرر. والحمد لله . على ما أنعم به علي وتفضل. ومن الأفاضل من أجاب بأن المراد من صدر البيت نفي مناسبة جميع آياته قدره عليه الصلوة والسلام. ولا يلزم من نفي مناسبة الجميع نفي مناسبة القرآن إذ مع مناسبة البعض وعدم مناسبة البعض الآخر يصدق نفي مناسبة الجميع كما يصدق من عدم مناسبة كل واحدة من الآيات.) وحاصله (أن المراد نفي العموم لا عموم النفي ولا يضر في ذلك مناسبة القرآن. ولا يرد عليه أنه مشعر بأنه لو تحققت تلك الخاصة يلزم أن تتحقق مناسبة الجميع لقدره عليه الصلوة والسلام. إذ ليس الكلام مساقاً إلا لدعوى أنه لو ناسب الجميع قدره لتحققت تلك الخاصية دون العكس. نعم في الملازمة التي ادعاها الناظم رحمه الله تعالى خفاء حيث لم يكن السؤال عن ذلك تركنا بيان ذلك للأذكيا. فتأمل وافهم. والله تعالى أعلم.
) ومنها (ما جرى في قول البوصيري أيضاً:
إن لم تكن في معادي آخذاً بيدي ... فضلاً وإلا فقل يا زلة القدم
стр. 171
وذلك إن إلا مركبة من أن الشرطية ولا فيكون مآل المعنى بعد التقدير.) وإن كنت ف معادي آخذاً بيدي فقل يا زلة القدم (ولا يخفى ما فيه على خبير. وكون المآل هذا لأن لا النافية تدخل في التقدير على لم تكن فيدخل النفي على النفي فينفيه ونفي النفي إثبات. فقلت يا مولاي لا يتعين تقدير الشرط لم تكن داخلة عليه لا النافية بل يجوز تقديره تكن داخلة هي عليه فيكون هذا الشرط تكريراً للشط السابق والجواب لهما قوله فقل الخ. والمقام لا يأبى ذلك بل يقتضيه. فسكت سلمه الله تعالى ولم ينقر فيه. ثم رأيت في شرح مختصر الرزوقي) ما نصه (قال المحقق الجلال المحلي في شرح البيت إن لم تكن في معادي أي عودي يوم القيامة للجزاء آخذاً بيدي بأن تشفع في فضلاً ومنةً وإلا أي إن لم تكن كذلك. فهو بمعنى الشرط الأول تأكيد له وجوابه فقل. يخاطب من جرده من نفسه أي فقل لي يا زلة القدم وهذا يكنى به عن سوء الحال انتهى. فشكرت المولى. على ما أولى. ورأيت في مختصر ذلك الشرح توجيهاً آخر قال قوله وإلا شرط حذف فعله وجوابه لدلالة السياق والعقل عليه. أي وإن كان آخذاً فقل يا ثبوت قدمه أو يا سعادته أو يا فوزه أو ما أشبه ذلك. وبعد هذا الشرح لا يبقى لك في كلامه إشكال انتهى. وقال غير واحد إن إلاً هنا بالتنوين اسم معطوف على فضلاً مثلها في قوله تعالى) لا يرقبون فيكم إلاً ولا ذمة (ورجح بأنه أنسب بقوله:
فإن لي ذمة منه بتسميتي ... محمداً وهو أوفى الخلق بالذمم
ولا أرى في ذلك من بأس. كما يراه فيه بعض الناس.) بالجملة (وقد ذكرنا لك ما ذكره علماء جلوا. فذق ذلك بفم فكرك واختر لنفسك ما يحلو.
) ومنها ما جرى (في قول الشاعر:
حلفت يميناً غير ذي مثنوية ... يمين امرئ إلا بها غير آثم
فإني ذكرت أن جملة من الأقوام. زعموا تناقض هذا الكلام. فقال ما منشأ ما زعموه. وما الذي فهموه. فقلت يا مولاي قال بعض الناس اليمين المغايرة ليمين ذي المثنوية. هي اليمين الصادقة التي لا كذب فيها بالكلية. فإن ذا المثنوية فيما يقولون هو المنعطف عن الصواب. إلى الباطل والكذاب. فقد تضمن الشطر الأول أنه حلف يميناً لا كذب فيها. ولا مخالفة للواقع تعتريها. وقوله إلا بها غير آثم. يدل على أن تلك اليمين كاذبة. وإلى حضيض الافتراء ذاهبة. حيث إن بها متعلق بآثم. فكأنه قال يمين امرئ غير آثم إلا بها والاثم باليمين كناية عن الكذب بها. فيكون الشرط الثاني متضمناً نقيض ما تضمنه الأول. فقال هل ذكروا لذلك من جواب. فقلت نعم أجاب عن ذلك بعض الأصحاب. بأن إلا زائدة مثلها في قوله) حر أجيج لا تنفك إلا مناخة (فتوقف في قبول ذلك. ولم أسأله عن علة ما هنالك. واتفق أن أراني بعض الكتب الأدبية. فعندما فتحته وقع نظري على هذا البيت وفيه بدل إلا آلى فعلاً ماضياً. من الآلية فتعجبت من هذا الاتفاق. وانحل من الإشكال محكم النطاق.) ثم إني أقول (إن دلالة غير ذي مثنوية على الصدق إنما هو في العرف وإلا فقد قال الخفاجي في حواشي البيضاوي المثنوية كالمعنوية بمعنى الاستثناء صرح به أهل اللغة وورد في الحديث الشريف وفي كلام الفصحاء كقول النابغة) حلفت يميناً غير ذي مثنوية (ولا أعلم إلا حسن الظن بصاحبي وقال في النبراس أصل معناه الرجوع والانصراف كما في قول حمزة سيد الشهداء:
فلما التقينا لم تكن مثنوية ... لنا غير طعن بالمثقفة السمر
المثنوية منسوبة إلى المثنى مصدر بمعنى الاستثناء وقيل بمعنى اثنين اثنين وهو كلام من لم يقف على ما ذكر انتهى. فاحفظ.
) ومنها ما جرى (في قول جرير من أبيات رائية منصوبة القافية يرثي بها عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه:
فالشمس طالعة ليست بكاسفة ... تبكي عليك نجوم الليل والقمرا
فإنه سألني عن توجيه نصب نجوم الليل بغير ما ذكره الجوهري واختاره غير واحد من علماء العربية وهو جعل نجوم مفعولاً به لكاسفة وجعل جملة تبكي عليك اعتراضية وهي في معنى التعليل لكون الشمس ليست بكاسفة. وعما على وجه ذلك الحكم من الخفاء كاشفة. فقال هل وقفت على توجيه غير هذا وجيه. فقلت بلى وأحس من هذا التطويل كله ما ذكر في لسان العرب في مادة كيف) ونصه (:
стр. 172
عن أبي زيد كسفت الشمس إذا اسودت بالنهار وكسفت الشمس النجوم إذا غلب ضوءها على النجوم فلم يبد منها شيء فالشمس حينئذ كاسفة النجوم يتعدى ولا يتعدى. قال جرير:
فالشمس طالعةً ليس بكاسفةٍ ... تبكي عليك نجوم الليل والقمرا
قال ومعناه أنها طالعة تبكي عليك ولم تكسف ضوء النجوم ولا القمر لأنها في طلوعها خاشعةً باكيةً لا نور لها. قال وكذلك كسف القمر إلا أن الأجود فيه أن يقال خسف القمر والعامة تقول انكسفت الشمس. قال وتقول خشعت الشمس وكسفت وخسفت بمعنى واحد. وروى الليث البيت:
الشمس كاسفة ليست بطالعةٍ ... تبكي عليك نجوم الليل والقمرا
فقال أراد ما طلع نجم وما طلع قمر ثم صرفه فصبه. وهذا كما تقول لا آتيك مطر السماء أي ما مطرت السماء وطلوع الشمس أي ما طلعت الشمس ثم صرفته فنصبته. وقال شمر سمعت ابن الأعرابي يقول) تبكي عليك نجوم الليل والقمرا (أي ما دامت النجوم والقمر. وحكي عن الكسائي مثله. وقال وقلت للفراء أنهم يقولون فيه أنه على معنى المغالبة باكيته فبكيته فالشمس تغلب النجوم بكاءً فقال إن هذا لوجه حسن. فقلت ما هذا بحسن ولا قريب منه. اه. يا شمس المعارف والعلى. وهو جعل نجوم مفعولاً به لتبكي وجعل تبكي من أفعال المغالبة نحو خصمت زيداً أي غلبته في الخصام. فالمعنى تغلب في البكاء عليك نجوم الليل والقمرا. ويتضمن ذلك الأخبار ببكاء النجوم والقمر عليه. وأظن أن صاحب الكشف اختار هذا فليتأمل. وزعم صاحب القاموس أن ما ذكر أولاً تكلف قال وقول جرير يرثي عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه:
فالشمس كاسفة ليست بطالعة ... تبكي عليك نجوم الليل والقمرا
أي كاسفة لموتك تبكي عليك أبداً. ووهم الجوهري فغير الرواية بقوله) فالشمس طالعة ليست بكاسفة (وتكلف لمعناه انتهى. ومن تتبع الكتب وقف على كثير من الرواة وافقوا الجوهري. ثم أن صاحب القاموس لم يبين وجه نصب النجوم وما عطف عليه على روايته والظاهر تعين ما ذكرناه أخيراً فيه. والله تعالى أعلم.
) ومنها (ما جرى في قول المتنبي:
أمن ازديارد في الدجا الرقباء ... إذ حيث أنت من الظلام ضياء
قال لي ما توجيه بيت المتنبي وأنشد هذا البيت. فقلت ذكروا له عدة توجيهات أظهرها على ما قيل إن إذ ظرف لا من فيه معنى التعليل وحيث للتعليل بدل منه ومن فيه للبدل وجملة المبتدأ والخبر في موضع المضاف إليه لحيث والمعنى أمن رقباؤك أن تزوري ليلاً لأنك ضياء بدل من الضياء واستظهر بعضهم إن إذ ظرف لا من وأنت مبتدأ خبره محذوف أي موجودة والجملة في موضع الجر بإضافة حيث وهي ظرف لضياء وهو مبتدأ ومن الظلام خبره ومن للبدل أيضاً والمعنى أن من الرقباء أن تزوري ليلاً إذ ضياء كائن بدل الظلام حيث أنت موجودة أي مكان أنت موجودة فيه. أو قيل إذ ظرف لا من وضياء مبتدأ ومن الظلام صفة له قدمت عليه فأعربت حالاً منه وحيث ظرف لكائن أو ثابت أو نحوه خبر له وأنت مبتدأ خبره محذوف أي موجودة والجملة في محل الجر بإضافة حيث أي أمن الرقباء زيارتك ليلاً لما أنه ضياء كائن بدل من الظلام ثابت حيث أنت موجودة. ومما قيل عليه أن فيه جعل الحال من المبتدأ وفي صحته خلاف. وقيل حيث مبتدأ وضياء خبره ومن الظلام حال من ضياء ومن للبدل كما فيما تقدم وأنت مبتدأ خبره محذوف أي موجودة والجملة في موضع المضاف إليه لحيث أي أمن الرقباء ذلك إذ مكان أنت فيه ضياء بدل من الظلام. وفيه ما فيه مع إخراج حيث عن الظرفية وجعلها مبتدأ ولم يسمع. وقد ذهب ابن مالك إلى وقوعها اسماً لأن واستدل عليه بقوله:
إن حيث استقر من أنت راعي ... هـ حمىً فيه عزة و
стр. 173
ولم يقبل ذلك منه وقالوا لا دليل له في البيت لجواز تقدير حيث خبراً وحمى اسماً. وجوز على هذا الوجه كون من الظلام بياناً لحيث المراد به نفس المكان والمراد بالظلام المكان المظلم وكونه في موضع الصفة لها أي المكان الموصوف بأنه بعض الظلام. أي بعض الأمكنة المظلمة. وهو كلام صادر عن قريحة مظلمة كما لا يخفى على ذي قريحة مضيئة. ومما يقتضي منه العجب ما قيل ضياء مبتدأ وحيث كانت خبره ومن الظلام صفة للمكان الذي يحضر فيه وحيث متعلق بضياء. وإذ متعلق بأمن هذا. ويروى إذ حيث كنت فقيل عليه ضياء مبتدأ خبره محذوف أي ضياء هناك والجملة خبر كان. وقيل كان تامة فلا تحتاج إلى خبر ومن الظلام في موضع الخبر لضياء ومن للبدل وحيث متعلق بضياء وهو أولى مما قبله) وخلاصة المعنى (أن الرقباء أمنوا زيارة هذه المحبوبة ليلاً لأن نورها ينم عليها لما أنها حيث كانت ضياء بدل الظلام أو لما أن ضاء بدل الظلام حيث كانت وحصلت. وهذا على ما قيل مأخوذ من قول علي بن جبلة:
بأبي من زارني مكتتماً ... حذراً من كل واشٍ فزعاً
طارق ثم عليه نوره ... كيف يخفي الليل بدراً طالعاً
ثم أن مجيء من للبدل مما ارتضاه جمهور علماء العربية نعم أنكره قوم وزعموا أن المفيد للبدلية في نحو قوله تعالى) أرضيتم بالحيوة الدنيا من الآخرة (وقوله سبحانه) جعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون (وقوله لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً (متعلقها المحذوف وقالوا هي في جميع ذلك للابتداء. ولما ذكرت لحضرة المولى قول أنها للبدل في البيت أعجبه في إيضاح المعنى بيد أنه توقف في ورودها لذلك حتى ذكرت بعض الشواهد له. فزال عنه التوقف فيه وقبله. وبعد أن طوى بساط التوجيه. قلنا في شعر المتنبي ما قالوا فيه. ثم ذكرت أبياتاً لغيره. تحكي من وجهٍ دقيق شعره. كقول المعري:
ورائي الإمام والأمام وراء ... إذا أنا لم يكبرني الكبراء
стр. 174
وقد اختلف في إيضاح معناه. ومنشأ خفائه الشطر الأول فقيل المعنى إذا أنا لم تكبرني وتجلني الكبراء ماج الناس من عظم ما يحل بهم فأنجدوا واتهموا. وأيمنوا واشأموا. واهتدوا واعرقوا. وغربوا وشرقوا. وغدوا في كل واد هياماً. وصار الأمام وراءً والوراء أماماً. وفيه رمز إلى أنه لا يبقى إذ ذاك في زوايا الخمول. بل يصول ويجول. ولا يخفى أن في إضافة وراء إلى الياء. فيها عن هذا النوع إباء. وقيل المعنى إذا لم يكبرني الكبراء. ويعظمني العظماء. اختلف الناس في الذهاب والمجيء إلي في كل حين. فصار أمامي وراء لقوم وورائي أماماً لآخرين. يسألوني السبب لذلك. أو يستفسرون رأيي في أولئك. أو كانوا عوضاً عنهم. ولم يهملوني تباً لهم. وفيه إشارة إلى أن فيه ما يكفيه. عن إجلال الكبراء ويغنيه. وإن ترك إجلالهم إياه. لا يحط عند العامة شيئاً من علاه. فليس ككثير ممن يزعم نفسه شيئاً. ويحسب أن لكماله الذاتي قد تبوأ مكاناً علياً. وإذا أجلته الكبراء رمقته بالإجلال العيون. وإذا لم تجله انحط إلى حضيض الهون. حيث أن رأس ماله الذي يتجر به بين العامة هو ذلك الإجلال. فمتى فقده صار أفلس من ابن أذل من اعتبارهم إياه بحال من الأحوال. وقيل المعنى إذا أنا لم تكبر في الكبراء استوت عندي الأضداد. ولم يتفاوت لدي ما ورائي وما أمامي من البلاد. فقوله) ورائي أمام والأمام وراء (كناية عن استواء الأضداد من الأشياء وفي ذلك رمز إلى أنه) لا يقيم على ضيم يراد به (وأنه إذا لم يجل في بلد لم يفرق بين شرق البلاد وغربه. وقيل المعنى إذا أنا لم تجلني الكبراء. ولم تعظمني العظماء. أوليهم ظهري. ولا أرى الإقبال إليهم مع إدبارهم عني لائقاً بقدري. ووجه دلالة ورائي إمام الخ على الإدبار عنهم وترك الإقبال إليهم ظاهر. وقيل أراد إذا أنا لم تجلني الكبراء فتكت فتكاً كبيراً. فجعلت الصغير من الناس كبيراً والكبير منهم صغيراً. فالمراد بالأمام والوراء من كان كبيراً مقدماً ومن كان صغيراً مؤخراً. وقيل أراد بأمامه ما يقال أو يفعل بحضوره عادة عند إرادة التعظيم. من المدح ونحوه مما يدل على التكريم. وبالوراء ما يقابل ذلك من الأشياء. يعني إذا أنا لم يجلني الكبراء كان مدحي وتعظيمي في غيبتي. وذمي سواء المعاملة في حضرتي. وفيه رمز إلى أن فيه ما لا يستطاع إنكاره أو كتمه بحال. غاية ما في البال. إنه عند عدم إجلاله يبدي في غيته ويقال. والقولان كما ترى) وكتب (الفاضل الشيخ عبد الله البيتوشي على البيت) ما نصه (علق كون وراءه أماماً وما له وراء بترك الكبراء وإجلاله وإعظامه. ولعله سمع الكبراء قول حاسديه فيه فعد ذلك ترك إكبارهم إياه فيقول إيثارهم حاسدي علي وإصاختهم إلى قولهم دين قولي جعل ورائي وهم الحساد أماماً أي أمام الكبراء وجعل أمامي أي الجهة التي يجب على الكبراء أن يتوجهوا إليها وراءً أي وراء الكبراء انتهى.
ولعمري أنه توجيه نازل مستغرب جداً من ذلك الفاضل. وقيل أراد بالوراء الموت. بالأمام الحيوة فالمنى إذا أنا لم تعرف الكبراء فضلي فموتي حياتي وحياتي موت لي. وفيه رمز إلى أنه لعظم نفسه. يختار عند ذلك الحلول في رمسه. أو إلى أنه عند ذاك. يفعل بهم ما يأخذ به إلى الهلاك. وقيل أراد بالوراء القبيح وبالأمام الحسن. والمعنى إذا أنا لم تكبرني الكبراء فيكون عندي القبيح حسناً. والحسن قبيحاً. وفيه رمز إلى أنه يتشبث بكل سبب في نكايتهم. ولا يمنعه ارتكاب القبيح عن مقابلتهم. وقيل وقيل وأكثر الأقوال أماماً ووراء.) كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء (وأقربها انسياقاً للبال. وأخلاها عن التكلف في المقال. ما تضمن إفادة الأدبار عمن لم يجله. ولم يعرف له فضله. وقد ذكرناه فيما سبق. فتأمل فيه تجده الأحق.
وكقول بعض الشعراء:
وأما عن هوى ليلى وتركي ... زيارتها فإني لا أتوب
стр. 175
فإن فيه إشكالاً من حيث أن الظاهر عطف تركي زيارتها على هوى فيكون كلا الأمرين داخلاً في حيز لا أتوب فيفيد الكلام أنه لا يتوب عن هوى ليلى ولا يتوب أيضا عن ترك زيارتها. واللائق بحال العاشق أن لا يتوب عن زيارة محبوبه لا أن لا يتوب عن ترك زيارته بأن يصر على تركها فكان الظاهر ترك تركي بأن يقال وأما عن هوى ليلى وزيارتها فإني لا أتوب. واشتهر في الجواب أن الترك مراد به هنا الإبقاء أي لا أتوب عن هوى ليلى ومحبتها. ولا أتوب عن إبقاء زيارتها واستدامتها) وحاصل ذلك (أني مصر على هواها وعلى إبقائي زيارتها على ما هي عليه الآن. فلا أغير ما كان من الأمرين عما كان. وأنت تعلم أن هذا وإن لم يكن بالي. لا يخلو في ذيق الأديب عن شيء. وقال العلامة الذي ذكاه لذكاء مساوي. رئيس المدرسين عصرينا محمد أفندي الزهاوي. يجوز أن تكون الواو للقسم والقسم بترك الزيارة المر المذاق. كالقسم بالطلاق. إلا أن المراد بليت بترك الزيارة أن تبت عن هواها وذلك من قبيل:
أكلت دماً إن لم أرعك بضرة ... بعيدة مهوى القرط طيبة النشر
وقال أيضاً يجوز أن تكون الواو للمعية على معنى لا أتوب عن هوى ليلى مع تركي زيارتها والمراد بقرينة الحال أني أترك زيارتها ولا أترك هواها. وقال أيضاً لولا الرواية لجاز أن يكون وزيارتها بالجر على البدلية من تركي والمراد بتركي هلاكي أي تركي نفسي ومفارقتها وإبدال الزيارة منه بجعلها كتسبها الهلاك. والوقوع في الإشراك. كأنها هو. ثم قال وهذا معنى بديع لا يرشد إليه إلا توفيق. وأنا أختار من أقواله وسطها وإنما نقلت لك كلامه بأسره. لتعلم منه قوة فكره وبعد غوره. وقيل يجوز أن يكون تركي معطوفاً على ليلى على معنى لا أتوب عن هوى ليلى فمرارته تحلو لدي. ولا أتركه ما دمت حياً وإن شق علي. ولا أتوب عن تركي زيارتها. حيث أن ذلك الترك يوافق إرادتها. وقد قيل:
أريد وصاله ويريد هجري ... فأترك ما أريد لما يريد
انتهى وهو معنى في نفسه صحيح إلا أنه عن اللفظ بمعزل. وبعيد عنه بألف ألف منزل. وقيل يجوز أن يكون ذاك عطفاً بحسب المعنى فالمعطوف عليه متصيد من قوة الكلام كأنه قيل مهما يكن من شيء فتوبتي عن هوى ليلى وتركي زيارتها ما لا يكون أو نحو ذلك. وهو كما ترى. وقيل تركي مبتدأ وخبره محذوف دل عليه سياق الكلام أي متعذر ونحوه. وكثيراً ما يحذف الخبر لدلالة السياق عليه ومنه قوله:
وكل عذر من كل ذنب ولكن ... أعوز العذر من بياض العذار
فإنه أراد وكل عذر من كل ذنب موجود أو نحوه فحذف ذلك لدلالة ولكن أعوز الخ عليه انتهى.
وهذا البيت مما كثر السؤال عنه قديماً وحديثاً وقد سئل عنه ابن بري النحوي فقال إنما يحصل الإشكال لو كانت الرواية وتركي وإنما الرواية وحبي فلا إشكال حينئذ وقال العلامة ابن الحاجب في أماليه قلت وقد قبل أن الرواية وقصدي فيزول الإشكال أيضاً. ثم قال المشهور وتركي ووجهه أن ذكر الترك لبيان ما يطلب منه فبعد أن ذكره قال فإني لا أتوب أي مما يطلب مني تركه ألا ترى أنه لو قال) وأما عن هوى ليلى وتوبتي عن زيارتها فإني لا أتوب (لكان مستقيماً على أن المعنى فإني لا أتوب مما يطلب التوبة منه لا على معنى فإني لا أتوب من توبتي فكذلك هذا إذ لا فرق بين أن يقول وتركي زيارتها وأن يقول وتوبتي من زيارتها انتهى. ما أريد نقله من كلام العلامة ابن الحاجب في أماليه. وكأني بك تختاره. وبقيت أقوال أوهن من بيت العنكبوت لا حاجة لنا بها فليأمل.
وكقول بعضهم أيضاً:
ما فيه مما يقول الناس واحدة ... لولا الذي فيه أضحى سيد البشر
فإنه اختلف في كونه مدحاً او ذماً والأكثرون ذهبوا إلى أنه مدح وجعلوا لولا الذي فيه الخ بدلاً من واحدة أو عطف بيان أي ما فيه مما يقولون قول لولا الذي فيه أضحى سيد البشر) وحاصله (أنه ليس فيه ما يمتنع معه أن يضحي سيد البشر بل هو سيد البشر. وهو في قوة قولك ما فيه لو تنقصه فتدبر.
ثم أنه سلمه الله تعالى سأل عن قول المتنبي:
أي يومٍ سررتني بوصلٍ ... لم ترعني ثلاثة بصدود
стр. 176
هل هو بنصب أي أو برفعها فقلت كلا الآمرين جائز فالنصب على أن أيا ظرف سررتني وجملة لم ترعني الخ صفة يوم والرابط محذوف أي في أي يوم سررتني بوصال لم ترعني بعده ثلاثة أيام بصدود ومراده لم تصلني يوماً إلا وأعرضت عني بعد ثلاثة أيام. والرفع على أن أياً مبتدأ وجملة سررتني صفة يوم وجملة لم ترعني الخ خبر المبتدأ والرابط في الجملتين محذوف أي أي يوم سررتني فيه بوصال لم ترعني بعده ثلاثة أيام بصدود والمراد نفي تحقيق ذلك اليوم وإثبات أن كل يوم يسره فيه بوصال يريعه بعده بصدود ثلاثة أيام وعلى هذا فمآل المعنى على الوجهين واحد. فقال يلزم التناقض على تقدير الرفع وقرر ذلك بما لم يقر في ذهني ثم قال أنا أختار النصب. فقلت على سبيل المفاكهة يا مولاي إذا اخترت أنت النصب فأنا أولى باختياره. ففطن لما عنيت وتبسم. ثم تكلم بما تكلم) ومنها (ما جرى في قوله:
من قصر الليل إذا زرتني ... أشكو وتشكين من الطول
عدو عينيك وشانيهما ... أصبح مشغولاً بمشغول
فإنه سأل عن معنى البيت الثاني. فقلت هو ظاهر على هذه الرواية وذكرت خلاصته وخفي على رواية) عدو شانيك وشانيهما (وذكرت غيظاً من فيض وأجلت تمام الكلام. على ما ألفه في ذلك من الرسائل العلماء الأعلام.) ومنهم (شيخنا ذو الفضل الجلي. علاء الدين علي أفندي الموصلي.) واتفق (أني قرأت البيت فرفعت مشغولاً فقال هو بالنصب دون الرفع فقلت قد روى الرفع أبو علي الفارسي واستشهد الأشموني في شرح الألفية بها على زيارة أصبح. ثم قال خطر لي على رواية عينيك معنى لطيف وهو أن المراد بعدو عينيك وشانيهما مرض الحفنين فهو مشغول بهما وهما مشغولان برشق السهام. ورمي حبات قلوب ذوي الغرام. فقلت لله تعالى دره من مرض تصح به المرضى. وتختار أن تتصف به الأصحاء وترضى. وقد وقفت على نحو عشرين رسالةً في شرح هذين البيتين. فما رأيت فيها احتمال كون المراد بالعدو مرض الجفنين. ولا بدع فكم ترك الأول للآخر. والشيء قد لا يرى وهو نصب الناظر.
) ومنها (ما بزغ من بدر التحقيق في ظلمة ليل الإشكال الداجي. وبيان المراد مما اعترض به على أبي السعود العمادي الشهاب الخفاجي. في كتابه خبايا الزوايا فيما للرجال من البقايا. حيث تعقب قوله في مطلع مرئية السلطان سليمان خان. عليه رحمة الملك المنان:
أصوت صاعقة أم نفخة الصور ... فالأرض قد ملئت من نقر ناقور
فقال بعد نقله. إن الشطر الثاني مما لا ينبغي أن يصدر من مثله. ولم يبين سبب ذاك. وأخله إحالة على قوة الإدراك.) فأنني (سلمه الله تعالى عنه. وكان الحري بي طلب الجواب منه. لعل ذلك أنه انحط عن الشطر الأول كما يشهد به الذوق السليم. والذهن القويم. وقد أعابوا بمثل ذلك الشطر الثاني من قول امرئ القيس:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل
فإنه دون جزلة الشطر الأول. وكذا عيب الشطر الثاني من قول الفاضل البيتوشي عليه الرحمة.
ناحت الورقاء في الدوح فناحا ... من حشا أحشاءه الحب جراحا
стр. 177
إلى غير ذلك. فقال غير هذا أريد. فقلت لعله في رأي الشهاب أنه فزع أو علل جازماً. مع سبق التردد فيما فرع عليه أو علله ولا يفعل ذاك من كان حازماً. ولو جعلت أم منقطعة بمعنى بل بتقدير جعل ما بعدها جملة أو بدونه على رأي ابن مالك الزاعم أنها قد تعطف المفردات كبل لاختل من جهة اتحاد نفخة الصور. ونقر النافور. فقال غير هذا أريد. فقلت لعله إن امتلأ الأرض من نقر الناقور على تقدير أن يراد بالنقر المعنى المصاري يشعر بتعدده ووقوعه في مواضع كثيرة من الأرض وما عناه مما يكون يوم القيامة لا يتعدد كذلك بل لا يكون في الأرض وإنما يكون من إسرافيل ﵇ في السماء. وأن أريد بالنقر الحاصل بالصدر أعني الصوت فهو مما لا يحسن أن يقال ملئت الأرض منه كما يحسن أن يقال ملئت الدنيا منه أو ملئ الجو منه ونحو ذلك مما فيه اشتمال وتخلل للصوت في أجزائه فكان عليه أن يبدل الأرض بالدنيا أو بالجو أو بما يشبه ذلك. فقال غير هذا أريد. فقلت لعله أن تنكير نافور. يشعر بأنه أراد به غير الصور. ولا يدل نقر ذلك ولا امتلاء الأرض من نقره. على عظم الأمر إذ قد يكون لحادث سرور. أو لأمر آخر من الأمور. فقال غير هذا أريد. فقلت ليس عندي على ما عرضته مزيد. وأن ذهني بأوحال الهموم مغمور. فلا يكاد يأتي بغير ذلك إلى أن ينقر في الناقور. أو يلد البغل العاقور الباقور. فقال لقد جاوز الشهاب في أبعاد المرمى الجوزاء. وأسر عفا الله تعالى عنه حسواً بارتقاء. وذلك أنه عنى يوم نقر الناقور. يوم عسير على الكافرين غير يسير. وأن أبا السعود أشار في البيت إلى هول يوم موت ذلك السلطان. ومزيد ما عرا الناس فيه من الحيرة والأحزان. ويتضمن ذلك نسبة الكفر إلى الخليقة. إذ لا يعسر ذلك اليوم إلا على الكافرين في الحقيقة. ولا أقل من أنه يتضمن نسبة ذلك إلى سكنة القسطنطينية. ولا يليق بشيخ الإسلام أن يلوث بالكفر من ارتدى بالشريعة الحنيفية المحمدية. وجعل مقصود الشهاب من هذا الكلام. التهكم بأهالي إسلامبول وشيخ الإسلام. فقلت يا مولانا هذا من أين يعلم. فقال من الوقوف على سوء معاملته مع أولئك الأهالي وشيخهم الأعظم. وإذا تصفحت كتبه ترى أنه قد أشم أنوفهم من ريحانته عطر منشم. وتركت ما يتعلق بالجواب. وتعلقت بأسباب نصرة الشهاب. فقلت يا مولاي إنه لم يشم أنوفهم ذلك العطر. إلا بعد أن أذاقوه من سوء معاملتهم كل مر. حتى أنهم أحطوا قدره. وكادوا يخمدون ذكره. وقد رأيت فيما ينسب إليه. رحمة الله تعالى عليه. هذين البيتين:
قالوا تراك سقطت من رتب ... أترى الزمان بمثل ذا غلطا
قلت الشياطين اللئام علوا ... ولذا الشهاب من العلى سقطا
فقال أو ما يكفيه أنه جاء إسلامبول وكر قاضياً إلى مصر القاهرة. فقلت لا وتلك لعمري بالنسبة إلى بضايع فضله كرة خاسرة. فجاء بعض الرجال. وانقطع ما نحن فيه من المقال. هذا) واعلم (أن ليس القصد فيما ذكرناه سوى بيان مراد الشهاب. ولا يلزمنا البحث في أنه مجاب عنه أو غير مجاب. بل ذلك مفوض إليك. فتأمل في ذاك والسلام عليك.
) ومنها (ما جرى في قول البوصيري عليه الرحمة:
فكأن الغمامة استودعته ... من أظلت من ظله الدففاء
стр. 178
وذلك أنه سلمه الله تعالى ذكر أنه من الأبيات المشكلة. فقلت نعم ولم أزد على ذكر اختلاف النقلة.) وأنا الآن (أنقل لك بعض ما قاله العلماء الأعيان.) فأقول (قد شرح ذلك العلامة ابن حجر. بما لا يكاد يقله ذهن بشر. وشرحه أيضاً الشيخ حسن البوريني بما زعم أنه التحقيق. وادعى الشهاب الخفاجي أنه تلزيق. وشرحه أيضاً من شرحه. وما كل من عالج مقفلاً فتحه. وهاك فيه ثلاثة أقوال. لا أظن الحق يتعداها بحال من الأحوال.) الأول (قول شيخنا العلي. علاء الدين أفندي الموصلي. قال قوله فكأن الغمامة الخ. جواب سؤال نشأ من البيت الذي قبله وهو فإذا ما ضحى الخ. كأن قائلاً يقول أين يذهب ظله وهو عليه الصلوة والسلام جسم يستتبع ظلاً في العادة. فأجاب بما هو من المقدمات الشعرية التي يقصد بها التخييل ولا تصديق فيها وإنما تذكر للقبض أو البسط. فقال كأن الغمامة التي أظلته إرهاصاً أخذت ظله يومئذ واستودعته أي جعلته وديعة عند الجيوش التي أظلت العالمين بظله فالجيوش أظلت العالمين بظله المستودع عندها من الغمامة والدففاء خبر مبتدأ محذوف هو ضمير راجع إلى من أي هي. وعلى هذا فلا قلاقة في البيت. وفي هذا البيت توجيهات غير وجيهة وهذا الوجه مثل الصبح ظاهر انتهى. فاختار غاية الرحمة كون الرواية استودعته بأبناء للفاعل وكون الضمير المنصوب للظل وكون من بميم ونون عبارة عن الجيوش أي جيوش المجاهدين وكون أظلت بالظاء المشالة مبنياً للفاعل وكون الدففاء بفائين لا بقاف وعين والكل مختلف فيه) والثاني (قول العلامة ذي الفضل الجليل الجلي. مولانا صالح أفندي الموصلي. وروي البيت هكذا:
فكأن الغمامة استودعته ... ما أضلت من ظله الدقعاء
) ونصه (قوله أضلت بالضاد المعجمة من الإضلال أي ضيعت والدقعاء بدال مهملة فقاف فاعل أضلت والمراد بها الأرض. ولما ذكر الناظم رحمه الله تعالى إظلال الغمامة له ﷺ وأنه لا ظل له أراد بيان سبب ذلك فقال كأن الغمامة السوداء استودعته الخ. أي سألته أن يودعها ما ضيعته الأرض من ظله فظله الكريم قد جعل وديعة عند الغمام فلذا لم يقل على الأرض هذا حاصل ما أراده الناظم بهذا البيت على ما ظهر لي والله سبحانه أعلم انتهى. وهو ظاهر في أن الضمير المنصوب في استودعته للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم دون الظل بل ما الواقعة مفعولاً ثانياً عبارة عنه فلا تغفل.) والثالث (قول الخفاجي بعد أن ذكر أن حسن البوريني استنبط الشطر الثاني هكذا) ما أضلت من ظله الدففاء (وبعد أن نقل ما قاله في معناه) ونصه (لم يصب فيما ذكره فإن البيت تحرف عليهم كلهم. وإنما هو هكذا:
فكأن الغمامة استودعته ... مذ أظلت من ظله الدقعاء
بمذ الجارة وبالظاء المشالة مجهول والدقعاء بدال مهملة وقاف وعين مهملة وهي الأرض. والمعنى أن الغمامة أعطيت ظلة الشريف أنه صلى الله تعالى عليه وسلم أظل الأرض. من التراب حفظته صيانة له. وهذا معنى بديع وهو مرادة بلا شبهة لأن ما ذكره تلزيق لا يرضاه من له طبيعة شعرية. وقد قلت في هذا رباعية:
ما جر لظل أحمد أذيال ... في الأرض كرامةً كما قد قالوا
هذا عجب وكم به من عجب ... والناس بظله جميعاً قالوا
ثم ذكر أنه أنشد ذلك لشيخ الإسلام وأظنه ابن الكمال فأعجبه وأعجب من توارده معه في قوله بالتركية:
كرجه بي سايه درار سرو روان ... خوش كجر سايه سنده لبكي جهان
) ثم قال (ومثل هذا التحريف في هذه القصيدة ما أورده في المواهب اللدنية في قصة الغار:
أخرجوه منها وآواه غار ... وحمته حمامة ورقاء
وكفته بنسجها عنكبوت ... ما كفته الحمامة الحصداء
فظن الحمامة واحدة الحمام وقال الحصداء شجرة كثيرة الورق استعارها للحمامة لكثرة ريشها وليس كما توهمه. وإنما هو الجنانة بالجيم ونون مشددة أي الحافظة والجنة المراد بها الدرع أيضاً كما ذكره أهل اللغة.
وهذا كقوله في البردة:
رقابة الله أغنت عن مضاعفة ... من الدروع وعن عال من ألاطم
стр. 179
ثم قال معتذراً عن الإطالة في المقال. وإنما أطلنا في هذا لأنه وقع في هذه القصيدة تحريف كثير للشراح وسببه أن أكثرهم لم يعتن بالأدب وناظمها كان ساكن الريح في عصره لم يرو عنه شعره. ومن طالع ديوانه عرف علو كعبه في هذه الصناعة انتهى كلامه. وكونه رحمه الله تعالى أكثر اطلاعاً في فن الأدب وأوفر ممارسة له من الشيخين عليهما الرحمة يأخذ بقلبي إلى اعتقاد أن الأمر كما ذكره. وقد يقال متى لم تصح روايته فالكل محتمل وإن كان قد اطلع رحمه الله تعالى على ما يثبت بها ما رواه فعليه المعول. فافهم والله تعالى أعلم.
وكثيراً ما يسأل عن قوله:
لو أريدوا في حال سبت بخير ... كان سبتاً لديهم الأربعاء
وقد كتب عليه من كتب. وذهب في توجيهه إلى ما ذهب.) ومنهم (علامة عصره. وعلامة الفضل في مصره. صالح أفندي محضر باشي زاده. أكرمه الله تعالى بالحسنى والزيادة. كما أكرمه بالشهادة.) وقد قال (الظاهر أن مراد الناظم رحمه الله تعالى أن اليهود لو أريدوا في مشروعية السبت بخير كان سبتهم الأربعاء أي كان اليوم الذي منعوا فيه من التصرف والبيع والشراء هو الأربعاء لما اشتهر على الألسنة وورد في بعض الأحاديث وإن كان ضعيفاً من نحوسته فترك التصرف فيه أوفق بالمصلحة. وأما يوم السبت فهو يوم مبارك على ما دلت عليه الأحاديث ويؤيد ما ذكرناه قول الناظم بعد هذا البيت:
هو يوم مبارك كان للقص ... ريف فيه من اليهود اعتداء
والله أعلم انتهى. ولا أقول ليس هذا مراده بل أقول إن هذا المراد لا يخلو عن شيء لما أن الملازمة في الشرطية عليه مبنية على ما اشتهر ولم يصح. وإن اعتبر مجرد الشهرة والورود مبني فقد ورد أن الله تعالى خلق النور يوم الأربعاء واشتهر في الجملة أنه ما بدى فيه أمر إلا وتم. فتأمل ذاك وافهم. ولا تستعظم. الاعتراض على الناظم. فإن الجواد قد يكبو. والصارم قد ينبو. كل واحد يؤخذ من قوله ويرد إلا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.
) ومنها (ما جرى في قول بعضهم:
أو ما تراني في مجال زلة العلى ... ملقي المديح متيماً بالمتعب
كهلال أول ليلة في مشرق ... وكشمس آخر ساعة في مغرب
فإنه سلمه الله تعالى سألني عن معناه. فذكرت له ما قبله وارتضاه. وأفادني أنه إلى نحوه ذاهب. وذكر له قصة جرت بين جملة من بني الأدب. قال كنت في البلد الأمين. سنة الألف والمائتين والثامنة والثلاثين. فاتفق في مجلسي جماعة من الأدباء. وجملة من أفراد فحول الشعراء. فنجم نجم السؤال عن معنى قول من قال. أو ما تراني الخ. فتحيرت سيارات سماء أفكارهم النيرة. وعرض لها نحو ما يعرض مما سوى الاستقالة للخمسة المتحيرة. فقلت أنا أوضح لكم المعنى بتشطير. وأغنيكم فيما يعنيكم بمنظومه عن منثور التقرير. فصدعت مشطراً وصدحت مفسراً وقلت:
أو ما تراني في محاولة العلى ... أطأ الثريا فوق صهوة أشهب
أمسي وأصبح في العذيب وبارق ... ملقي المريح متيماً بالمتعب
كهلال أول ليلة في مشرق ... سئم الخفا فبدا بأفق تغرب
أو مثل صبح جاء يخترق الدجا ... وكشمس آخر ساعة في مغرب
ففطنوا لمعنى كلامي. وكادوا يقبلون أقدامي. اه) وحاصل ذاك (أن الشاعر فيما قال. يشبه الهلال. من حيث أنه لم يسترح خفياً في المشرق. بل جهد بحسب ما يرى في السير نحو المغرب ليشرق. وكذا يشبه الشمس في المغرب آخر ساعة من النهار. من حيث أنها لم تبق كاسفة اللون حسبما تشاهدها الأبصار. بل جهدت في سراها. لتطلع فترتفع فيبهر ضياها. والذي يغلب على المشاعر. أن هذا هو ما أراد الشاعر. وهو زهرة ربيع لا تتحمل الفرك. وخصر أهيف لا يعاب إذا رك. وكثيراً ما يستشهد بالهلال. في أمر الحل والارتحال. وما ألطف ما قيل من أبيات. هي لعمري على كثير من الطباع أبيات:
وإذا الكريم رأى الخمول نزيله ... في بلدة فالرأي أن يتحولا
كالبدر لما أن تضأل جسد في ... طلب الكمال فحازه متنقلا
ومثله كثير. ولعلك بذاك خبير.
) ومنها (ما جرى في مسألة سأل عنها بقوله:
أيا كعبة الأفضال لا زال فضله ... مطاف الورى في دفع أعظم شبهة
أتعلم أرض أربع من جهاتها ... غدت قبلة العباد من دون كعبة
стр. 180
وما ثم عذر أو تحرٍ ولا ولا ... وفيها صلوة الفرض والنفل صحت
وإن علق الزواج الطلاق بكونها ... فما الحكم شرعاً بين زوج وزوجة
أفيدوا جزيتم خير من جل بره ... وفي حلها حارت عقول البرية
وذكر لي أنه عام ذهب إلى الحجاز سأل عن ذلك بعض علمائه الأعلام. الذين اصطادوا شوارد العلوم في المسجد الحرام. فطافوا حول كعبة الجواب. فمنهم من فتح له ومنهم من لم يفتح له الباب. فأجبته بقولي:
) أيا كعبة الأفضال لا زال فضله ( ... يجر رداء الفخر فوق المجرة
ولا برح البيت الذي شدته على ... ) مطاف الورى في دفع أعظم أشبهة (
ويا شيخ كل المسلمين وركنهم ... ومهرعهم في حل كل عويصة
ومن منه تحقيق الحقائق حيث لا ... سواه بهذا العصر عارف حكمة
أتيتم ورب الراقصات إلى منى ... بنظم دعا كل القلوب فلبت
وقال لأنواع البلاغة أقبلي ... فحثت مطايا وجاءت بسرعة
سألتم به كي تشحذوا ذهن سامع ... وذاك لعمري هدي خير الخليقة
فقلتم على وجه التلطف بالذي ... تريدونه بالقول من ذي روية
) أتعلم أرض أربع من جهاتها ( ... ) غدت قبلة العباد من دون كعبة (
) وما ثم عذر أو تحر ولا ولا ( ... ) وفيها صلوة الفرض والنفل صحت (
) وإن علق الزوج الطلاق بكونها ( ... ) فما الحكم شرعاً بين زوج وزوجة (
فيا سيدي قد جبت كل تنوفة ... وحثحثت فيها مشمعلة فكرتي
وأوغلت كي ألقي جواباً محققاً ... وأنى لمثلي أن يفوز ببغية
وغاية ما في البال أن تلك تربة ... لكعبتنا أنعم بها خير تربة
من الجهة السفلى فكل جهاتها ... غدت قبلة في كل فرض وسنة
وكل طباق هكذا ذاك صادق ... عليه بلا أمر يديب وكلفة
) فإن علق الزوج الطلاق بكونها ( ... على ما ذكرناه حكمنا بفرقة
وإن رام كوناً آخراً فليفه به ... لنعلم منه كيف حكم القضية
وهذا جواب العبد والفكر قاصر ... فديتك يا مولاي من طول غربة
وتحقيق نفس الأمر من حضرة غدت ... مطافاً لأهل العلم من كل بلدة
لها الله في كل الأمور ولم تزل ... تفوق الثريا رفعة أي رفعة
) أفيدوا جزيتم خير من جل بره ( ... وحل على راجيه أعظم منة
فتحقيق هاتيك العويصة مشكل ... ) وفي حلها حارت عقول البرية (
وعرضت ذلك عليه بطوله. فجبر قلبي لمزيد طوله بقبوله) وملخص الجواب (أن تلك الأرض ما كانت مسامتة للداخل في الكعبة من الجهة السفلى وبينها وبين الكعبة من جميع الجهات تسعون درجة وتصدق على أرض سرداب مثلاً حفر تحت الكعبة وعلى أرض آخر حفر تحته وهكذا كما تصدق على السطح الظاهر للأرض المسامتة من تلك الجهة والقبلة في الحقيقة ليست هذا البناء المعروف والبقعة المعروفة زادها الله تعالى شرفاً فقط بل ما يشتمل ذلك وجميع ما فوقه إلى العرش. وما تحته إلى الأرض السفلى. والعرش المحيط الأعلى. فهي كعمود طرفاه محدد الجهات. فمن علق الطلاق بكونها بأن قال إن كانت هذه الأرض موجودة فامرأته طالقة طلقت امرأته. وربما يقال المراد بتعليق الطلاق بكونها الحلف بالطلاق على كونها ووجودها وحينئذ يكون الحكم عدم الوقوع فيقال بدل ما ذكرناه في النظم.
فإن علق الزوج الطلاق بكونها ... على ما ذكرنا لم يؤاخذ بفرقة
وكنت قلته فعدلت عنه لخفاء مبناه. والأمر بعد ما سمعت أولاً من أمر تلك الأرض سهل. كما لا يخفى على من له ذرة من فضل. وقد راجعت الكرة الأرضية فلاح منها أن سطح الأرض المسامتة للبيت المكرم مغمور بالبحر فلو قيل:
أيعلم ماء أربع من جهاته ... غدا قبلة العباد من دون كعبة
صار السؤال أغرب. والجواب أعجب. هذا) واتفق (أني اجتمعت بأعجوبة الزمان. ومن يدعي المشيخة لفضلاء الإنس والجان. القائل بلسان حاله من الجرجاني ومن السكاكي. السيد عمر أفندي فيضي البياسي ثم الأنطاكي. فنقلت له ما كان. فأتاني بعد أيام بنظم في ذلك الشأن. ومنه بعد حكاية السؤال. وتصديره بما يقصر عنه المقال:
أقول نعم ذي الأرض ما تحت كعبة ... بخط إليها مستقيم مسامت
فإن شبيه البيت كان مسامت ... له في العلى أركان أسفل صخرة
следующие страницы →