← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 475

غرائب الاغتراب

الألوسي، شهاب الدين

Полный текст (222 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وقد حضرت مجلس دعاويه المرة بعد المرة. فرأيته لا يخرج عن دائرة الشريعة الغراء قيد شعرة. واستمر في منصبه عدة سنين. وعزل عنه أثناء السنة التاسعة والستين. وهو اليوم في مغناه. مشغول بعبادة مولاه. يسر الله تعالى له ما هو الأولى والأحرى. وستره سبحانه في الأولى والأخرى.) واتفق (أني سمرت معه في بعض الليال. مع جملة أحبة ذوي فضل وكمال. وكان قد بلغه عني إنكار على الشيخ الأكبر. وغض طرفٍ عن ذلك النور المجسد الذي لا ينكر. فقال ما تقول في الشيخ الأكبر محيي الدين. فقلت الشيخ الأكبر محيي الدين. فأعجبه الجواب جداً. وقال إذا أنكرت. ثم ذكرت من شؤون الشيخ قدس سره ما ذكرت. وأنشدت آخر المقال. قول الفاضل المفضال. ذي الأدب العبقري. عبد الباقي أفندي العمري. من قصيدة قالها في مدح الشيخ المشار إليه. لا زالت سحائب رحمة الله تعالى ورضوانه منهلة عليه. ينكر المرء منه أمراً فينها ... هـ نهاه فينكر الإنكارا فعجب غاية العجب. وقال مثل هذا يكتب بماء الذهب. وأنا الآن أقول. غير مبال. بمنكر ذي فضول. أن الشيخ قدس سره لا شك في جلالته علماً وعملاً. وأن عنده وكذا عند أمثاله لكلامه المتشابه من أحسن المحامل محملاً. لكن أنا لا أعلم ما ألتزمه في شأنه من شر التدوين. مع ظهور أنه سبب قوي لضلال كثير من ضعفاء المسلمين. وقياسه على متشابه الكتاب والسنة. قياس لا يرتضيه إذا أمعن النظر ذو فطنة. وكذا لا أعلم سر تأخير النبي ﷺ تبليغ ما في الفصوص. عن زمان تبليغ ما أوحي إليه عليه الصلوة والسلام من النصوص. إلى أن يأتي الشيخ الأكبر بعد نحو ستمائة سنة بعد الهجرة. فيناولها إياه في المنام ويقول له اخرج بها إلى الناس فخرج بها غير مغير منها مقدار ذرة. وليس مرادي من هذا نفي السر في نفس الأمر. فذلك عين الإنكار الذي هو أدهى وأمر. بل مرادي مجرد نفي علمي به. مع تسليم أن له سراً هو معلوم لدى صحبه.) وبالجملة (أنا معتقد جلالة قدره. مفوض سائر أحواله إلى عالم جهره وسره. ويأبى الله تعالى أن أخوض في حقه كما خاض المنكرون. فذاك فضول لا ينبغي أن يرتكبه العالمون. وهذا ما أدين به الملك الديان. غير مداهن به أحداً من كبراء الزمان. وما علي إذا ما قلت معتقدي ... دع الجهول يظن السوء عدوانا ) ومنهم حضرة ذي الخلق العطر الندي. مرضي الخالق والخلق رضا أفندي (. وهو فتى استحال تواضعاً وديانة. وتجسد نجابة وعفة وصيانة. له دين متين. وعقيدة قوية بالصالحين. وحب عظيم لأهل البيت. وغرام جسيم شامل للحي منهم والميت. أصله من أهل بروسا. من قوم طابوا فعالاً وزكوا نفوساً. ولقد رأيت أباه شريف أغا في الصلاح غاية. وفي رقة القلب نهاية. حتى أنه ليبكي متى سمع حديثاً أو آية. وقد استخدم المشار إليه مدة فيما بين. فقرت منه بالأنظار الخاقانية العين. ثم صار ناظر أوقاف همايون. فقرت به من الجوامع والمدارس والتكيات العيون. ثم صار أمين الدفتر. وهو بالأمانة أشهر من أن يذكر. ثم انضم إلى ذلك أن جعل أحد أعضاء مجلس الأحكام. وله مع ذلك من الأنظار المجيدة المجيدية أوفر السهام. وقد اقترح علي أن أصحح له الشفاء الشريف. فصححته له رعايةً لسابق فضله المنيف. ثم طلب مني الإجازة به فأجزته. وهذه صورة ما كتبته وحررته: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أجاز بالشفا. من أمراض النفس والهوى. من راعى حقوق المصطفى وواصل حبه وما جفا. والصلوة والسلام على ذلك الحبيب الأعظم. والمظهر الأتم. والنور الأعم. والسر المطلسم. وعلى آله وأصحابه القائمين بحقه. والكارعين كؤوس أخلاقهم من دنان خلقه.) أما بعد (فقد استجازني بالشفا. بتعريف حقوق المصطفى. صلى الله تعالى عليه وسلم. وشرف وعظم وكرم. الأخ المثابر على التخلق بالأخلاق الأحمدية. والمجد في السير فيما يجاز به المجد من الأفعال المرضية المصطفية. الذي هو أعز أخوتي عندي.) أبو المحامد حضرة رضا أفندي (. لا زال ملحوظاً بعين الرضا عند مولاه. ومحفوظاً من كل مكروه في أخراه وأولاه. فاعتذرت بأني عيبة العيوب. وأني لست بأهل لهذا الأمر المطلوب. فلم يقبل عذري. وأجل لحسن ظنه قدري. وعين الرضى عن كل عيب كليلة ... ولكن عين السخط تبدي المساويا

стр. 72

فأجزته بذلك. وفقنا الله تعالى وإياه لسلوك أقوم المسالك. حسبما أجازني به مشايخ عظام. وعلماء أعلام. كل منهم في حلبة الفضل إمام. منهم الشيخ عبد الرحمن الكزبري الدمشقي. عن أبيه الشيخ محمد. عن الشهاب أحمد المنيني. عن عبد الله بن سالم البصري. عن محمد بن سليمان المغربي. عن أبي عثمان سعيد الجزائري الشهير بقدوره. عن أبي عبد الله محمد بن محمد بن عبد الله التنسي. عن الحفيد أبي عبد الله محمد بن أحمد الخطيب محمد بن مزوق. عن جده الخطيب محمد. عن القاضي أبي علي حسن بن يوسف الحسين السبتي. عن القاضي الأزدي السبتي. عن القاضي ابن غازي السبتي. عن مؤلفاته القاضي عياض بن موسى اليحصبي السبتي رحمة الله تعالى عليهم أجمعين. وذلك بالشرط المعتبر. عند أهل الأثر. وأوصى المجاز المشار إليه. لا زالت الألطاف الإلهية منهلة عليه. بتقوى الله تعالى في السر والعلن. فأنها مجلبة للمنح مدرأة للمحن. وأرجو منه أن لا ينساني. وأولادي وأخواني. من صالح دعواته. لا سيما عقيب أوراده وصلواته. وأسأل الله لي وله الشفا والعافية من كل ما يستوجب الجفا. بحرمة حبيبه المصطفى. وآله وصحبه أهل الصفاء صلى الله تعالى عليه وعليهم وسلم. ما حرر بجيز إجازة مستجيز. ورقم. وكتب أفقر كل رائح وغادي. أبو الثناء شهاب الدين محمود الآلوسي البغدادي. غفر له. ) ومنهم ذو الفضل البدي. حضرة زيور أفندي (. وهو شيخ سناً وكمالاً. وفتى فتوة وأفضالاً. قد سرى حب أهل البيت في لحمه وجلده. سريان ماء الورد في أوراق ورده. وأستولي على سره وعلنه. استيلاء روحه على بدنه. وله فيهم نظم فائق. وشعر رقيق رائق. تتمنى النجوم بعقود كلماته. وتود العقول المجردة أن تكون مكتسية ببرود عباراته. فهو اليوم فضولي الروم. وفاضلهم الذي يناطح فضله النجوم. قد تنقل في خدمات جليلة. وما من خدمة منها إلا توسدت ساعده مدة طويلة. وهو حفظه الله تعالى اليوم ناظر الأوقاف. وقد فخرت به الجوامع وأخواتها كما فخر على الوهاد جبل قاف. وكم مرت وقد حلت لي معه أوقات تضمنت فكاهات. ومحاورات هي لأرواح الارتياح أقوات.) فلعمري (ما رأيت ألين منه جانباً. ولا أحسن منه صاحباً. ولا أكثر منه إكراماً. ولا أبر منه ذماماً. ولا أطيب منه نفساً. ولا أخلب منه للأفئدة أنساً. ولا ألطف منه محاضرة. ولا ألذ منه محاورة. ولا أسرع منه جواباً. ولا أوفر منه صواباً. ولا أصدق منه قيلاً. ولا أقوم منه سبيلاً. ولا أسلم منه قلباً. ولا أتم منه للقلوب جلباً. ولا أوفى منه عهداً. ولا أصفى منه وداً. ولا أكمل منه للعترة. ولا. ولا ولا ولا ولا. أسأل الله تعالى أن يديم عليه ديم الألطاف. ويحيى بحياة أنظاره ما عاد رميماً من الأوقاف. ) ومنهم ذو الخلق الوردي. حضرة الكاتب الأول في مجلس الأحكام طلعت أفندي (. وهو رجل قد جاوز سن الكهولة. وما حط عبء لواء اللطف عن كاهله. وجاز سن الشيخوخة وما رفع من رداء الظرف ما يسجل من فاضله. يمزج الهزل بالجد. ويمزج جداً ولا يخرج عن الحد. يلتزم الصديق. ويمر له ريقه ليحلو له الريق. ذهب إلى أوربا وبقي شهوراً عديدة. وعاد ولم تحل بنان التشكيكات منه عقدة العقيدة. وقد سمرت معه حيث كان لي جاراً عدة ليال. فرأيته قد جمع جمع كثرة من حميد الخصال. وأكثر ما عنده رعاة حقوق الصحبة. وبذل الجهد في إدخال السرور على من أحبه. أسأل الله تعالى أن يديم طلعته. ويحفظ من كل مكروه مهجته وبهجته.

стр. 73

) ومنهم بدر العوارف الذي هو بأودية الكمال كل آونة مرتدي. حضرة ناظر مكاتب المعارف العمومية أخي وحبيبي كمال أفندي (. وهو كهل فاق الكهول. حيث جمع ما راق من ظرائف المنقول والمعقول. وقد غدا في هاتيك المغاني. من حيث معرفة اللغات آدم الثاني. وذهب كغيره إلى أوربا ثم عاد. ولم تكن قد فصمت أيدي الشبه منه عقود الاعتقاد. وأرسل مرة إلى العجم سفيراً. حيث كان بأمور الدولة ورسومها خبيراً. فظهر من معجز عقله ما شق من عقلهم إيوانه. ودر من وابل فضله ما أحمد من فضلهم نيرانه. ولما أراد العود توجه إلى بغداد. فدخلها أيام وزارة واليها النجيب أبي الأمجاد. فقبل أن أذهب لزيارته جاء لزيارتي راجلاً. ففاوضته الحديث فرأيته رجلاً غدا به الكمال كاملاً. وأخبرني أن سبب مجيئه إلي سعياً على القدم. سماعه الإغراق في الثناء علي من علماء العجم. وأنه لما سمع ذلك الثناء. في هاتيك الأطراف. نفث في روعه ملك الإنصاف. إن الفضل ما شهدت به الأعداء. وذكر لي أنهم قالوا له لو لم يكن ناطور السنة في العراق الشهاب. لطال بعلمائه من أسنة السنة أبحاثنا وحرمة الكتاب الأكتاب. ومن هنا ذباب الافتراء. وصفع رقاب المدلسين بنعال الهوان. وألقم كلاب المدسسين فأغصهم بحجر الامتهان.) ولعمري (لقد رأيت من نجابته معي في إسلامبول. ما هو فوق الحد وطور ما وراء طور العقول. ولا يستبعد من الكمال. كمال النجابة والأفضال. فجزاه الله تعالى عني من رائق فضله ورحيقه. أفضل ما جزي به صاحباً عن صاحبه وصديقاً عن صديقه. ولقد رأيته يتبع لجمع الكتب المدارس والجوامع. وقد جاوزوا شغفه بها الحد إلا أنه كحد جامع غير مانع. فتراه يعير منها ما لا يعار. وربما يخبل به الفلك الدوار. وقد أطلعني في جوف داره على مكتبة له. اشحنها التوفيق كتبا جمعت الحسن كله. فلو رأتها كتب الصاحب ابن عباد لذابت في جلودها. أو للطمت بأكف الغيرة منها على صفحات خدودها. فكأنها كتب شيخ الإسلام. التي أوقفتها وسيرها إلى مدينة النبي عليه الصلوة والسلام. وقيل لي كيف كتبك بالنسبة إلى هذه الكتب النفيسة. فأنشدت وحاشاني ولله تعالى الحمد من نفس حسودة خسيسة. هي كتبي فليس تصلح من بع ... دي لغير العطار والإسكاف هي أما مزاود للعقاقي ... ر وأما بطائن للخفاف والتمس مني يوماً على ما بي من الكآبة. أن أكتب له عدة أسطر تتضمن مدح صنعه الكتابة. وغرضه أن يمتحن أطفال المكاتب. بما هو لحالي حالهم مناسب. ويكون فيه ترغيب لهم بتلك الصنعة وأحكامها. والاستغناء عن بيض السيوف وزرق الأسنة بسمر أقلامها. فأجبته إلى ما أمله. وأمليت له رسالتين مختصرة ومطولة. أما المختصرة فهذه: بسم الله الرحمن الرحيم حمداً لمن أمر القلم. فرقم في اللوح المحفوظ ما رقم. وصلوةً وسلاماً على نبيه الذي لا تتسع قراطيس الأدوار لتحرير كمالاته. وتجف محابر البحار دون تسطير ما انطوى في كلماته. وعلى آله وأصحابه الذين مجت أقلام ألسنتهم. ما أنسى عداهم رشح نصال أسنتهم من العُلقم. فغدوا يعدون هرباً من أفاعي الحمام. ويعدون كل فم من هاتيك الأفمام دار الأرقم.) وبعد (فلا يخفى أن الإنسان مدني طبعاً. محتاج إلى بيان مقاصده وضعاً ورفعاً. وقد جعل الله تعالى اللسان. آلة تتكفل بالإيصال إلى ذلك البيان. فمتى أراد ذلك أخرج بدلاء أنفاسه من قليب القلب. وأجرى في حياض السامع من صافيه وكدره ما حب. إلا أنه لما كان قد لا يتسنى له سقي رياض أسماع النائين. ولا يتيسر له سوق مياه الإفادة إلى حياض إفهام الآتين بعد حين. جعل سبحانه له الكتابة عوناً. وجلا ﷻ بها عن عين الإفادة غنياً. فيفيد بها المرء المرام. القريب والبعيد ومن يأتي من بعده بأعوام. ولذا امتن الله تعالى بها. وقال تبارك اسمه منها) اقرا وربك الأكرم الذي علم بالقلم (. والكتابة والبيان. في النفع فرسا رهان. وقد شاع في البين. أن القلم أحد اللسانين. فليملأ الكاتب صحيفته من شكر مولاه. وليغرد قلم لسانه وكذ اللسان قلمه بحمد باريه على جزيل ما أولاه. وليجهد من حرم لسوء الحظ. في طلب حسن الخط. وليسأل الله تعالى التوفيق فما خاب وحرمة اللوح والقلم موفق قط. وأما المطولة فهذه: بسم الله الرحمن الرحيم

стр. 74

الحمد لله الذي علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم. والصلوة والسلام على سيدنا محمد أول كلمة خطت في صحيفة العيان. وأفضل نعمة جرى بها قلم الإرادة بمداد التفضل على سكنة عالم الإمكان. وعلى آله وصحبه الكابتين بأسنة بنانهم وألسنة بيانهم من جيوش الجهل كل كمى. والكاتبين بسمر الخط ما تركت ... أقلامهم حرف جسم غير منعجم صلوةً وسلاماً تتزين بهما السطور. وتصقل ببركتهما ألواح الصدور. ما نقلت عن صحف البحار غواديها. وكتبت أقلام النور على مهارق الرياض حكمة باديها.) وبعد (فإن من منن الرب. أن جعل في مدينة الجسد ملكاً يسمى بالقلب منه يصدر النهي والأمر. وبرأيه يظهر الخير والشر. ولما كان ملكاً محجباً. وعذيقاً في تلك المدينة مرجباً. جعل الله سبحانه له من أشراف مملكته ترجماناً. ونصب له منها سفيراً يسمى لساناً. فغدا يترجم عما فيه. ويبدي من مقاصده ما يبديه. فذاك الأول في تلك المغاني. وهذا منه وعينيك في المحل الثاني. إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلا فلولا شأن اللسان. لشان العي أمر التمدن الطبيعي للإنسان. ثم أنه لما كانت فائدته كالمقصورة على إفادة الحاضر. قلما تسري للغائب أبنائي أو من يأتي من الأواخر. علم الإنسان الكتابة. وأزال بها عن فؤاد الإفادة الكآبة. فهي جناح اللسان. ورسوله إلى من نأى في البلدان. وأمينة لمن لم تلده بعد أرحام الزمان. فترى أشجار فوائدها نامية. وبحار فرائدها بالنفع طامية. ولذا شرف الباري سبحانه القلم. وسوده جل شأنه بمداد القسم. فقال تبارك اسمه) ن والقلم وما يسطرون (. كفى معشر الكتاب فخراً وسؤدداً ... على الناس أن الله أقسم بالقلم وقد روي عن أبي الحسنين. أنه قال القلم أحد اللسانين. ويا له من لسان تبقى في صحائف الدهور آثاره. ولا تحجب عن صفائح الآفاق أنواره. ويكفي في التنبيه على شرف الكتابة. وأصابه النبه المتصف بها فؤاد هدف الإصابة. إن الله تعالى لم يخل منها ملائكته الكرام. عليهم أفضل الصلوة وأكمل السلام. فقال سبحانه) كراماً كاتبين يعلمون ما تفعلون (وقال تعالى) أيحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون (بل ظواهر بعض آي الكتاب. تشعر بنسبة الكتابة إلى رب الأرباب. وجاء في خبر لا شك في صحة سنده. أن الله تعالى كتب التوراة بيده. وفي بعض الآيات. الأمر بالكتابة في بعض الأوقات. ولولا أن عدم الكتابة هو الأوفق للإعجاز في شأن الحبيب الأعظم. والرسول الأكرم. ﷺ . لجعل الله تعالى له من حسن الخط الحظ الأوفر. ومن نفاسة شكل الرسم الحد الأكبر. على أنه قد قيل. وفيه بحث طويل. أنه عليه الصلوة والسلام. قد علمه ربه في آخر الأمر الخط بالأقلام. وبالجملة الكتابة كمال أي كمال. وزينة زينة للرجال. كم نالوا بهاؤهم قاعدون على الإعجاز الصدور. وكم صعد لهم الزمان من أنبيق قصبها وهم غافلون قطر السرور. ولله تعالى در من قال. وهو من در المقال. خط حسن جمال مرء ... إن كان لعالم فأحسن فالدر مع النبات أحلى ... والدر على البنات أزين فلا بدع أن ابيضت اللمم في تسويد القراطيس لتحصيلها. أو انتقصت اللذائذ في صرف نقد العمر النفيس نحو تكميلها. فنفعها كثير. وفضلها كبير. ولو اتسع لي قرطاس الزمن. ومدني الدهر بمداد الراحة في محبرة الوطن. لحررت من ذلك ما يسر الكتاب. ولا يكاد يوجد مسطوراً في كتاب. وفيما ذكر كفاية. لمن كان عنده حرف من الدراية. وهذه لعمرك دعوى محققة. فلنسد ثغر الدواة ونعقد لسان القلم ونطو كشح الورقة. انتهى. وأنت تعلم أن كلتا الرسالتين نقطة من بحر ما تمدح به هذه الصنعة. وأنى يستوعب لسان القلم مدح ما قد غدا للكمال بصره وسمعه. نعم قد قيل: من فاته العز بالأقلام أدركه ... بالبيض تقدح من أعطافها الشررا لكنه لا ينافي ما ادعيناه من الفضيلة. كما لا يخفى على ذي فكرة ليست بالقليلة. ثم إنا لا ندعي التلازم بين الكتابة. والعروج بمعارجها عن حضيض الكآبة. فكم من كاتب كئيب نبذ بالعرى. يبكي ابن مقلته فيكل آونة من أبي ضوطري. حظه كمداده. وسواد ثوبه من الدرن أشد من سواده. ومجرى رزقه. أضيق من ثقب قلمه وخرقه. وقد قال من ألم به من سوء حالة الألم:

стр. 75

ومن ذا الذي في الناس يبصر حالتي ... ولا يلعن القرطاس واللوح والقلم ومن الكتاب. من كتابته في الردائة العجب العجاب. آثار مواطئ دجاجة مجنونة على القرطاس. أحسن شكلاً من أشكالها بين الناس. ومعاني هذيان المحموم. بالنسبة إلى معاني ما تضمنته تسامت النجوم. ومع هذا قد فاق في السمو عطارد. حيث أن الجد مساعف له ومساعد. وفي مثلهم قول ابن بسام: تعس الزمان لقد أتى بعجاب ... ومحا رسوم الفضل والآداب وأتى بكتاب لو انبسطت يدي ... فيهم رددتهم إلى الكتاب فإذاً لا ينبغي للمرء أن يوسط لفاضل عيشه فضله. بل الحري به أن يتكل على ربه وينتظر ما كتب في الأزل له. فاعتبر نحن قسمنا بينهم ... تلقه حقاً وبالحق نزل ) ثم (أن هؤلاء الأجلة. البدور منهم والأهلة. بعض من اجتمعت بهم من ذوي المناصب. ولم أستقصهم وأنى يستقصون وهم كالأجرام العلوية لا يستقصيها حساب الحاسب.) وقد اجتمعت (أيضاً بكثير ممن انفصل عن منصبه. وقعد في بيته صفر الكف ينتظر الراحة في العود إلى نصبه. ) منهم العضب الذي يقد حده النصل الأزرق. حضرة صارم باشا الصدر الأعظم الأسبق (وهو ذو هيبة ووقار. وهيئة تدل بالمطابقة على تضمنه دقائق أفكار. صار صدراً أربعين يوماً أو أقل. فأبت غانية الصدارة إلا بعلها الأول: وهو حضرة) رشيد باشا (الذي مر وحلا ذكره. لا زال عالياً على السماكين قدره. وقد صح عندي أنه ذو إقدام وجسارة. غير أن الحظ قعد به عن أن ينوء بعبء الصدارة. وعشق تلك الغانية ببعلها الأول. طلب منه خلعها فخلعها كرهاً ولم يتحمل. واتفق أن هنأه حضرة) حمدي باشا (والي سيواس. من الله تعالى عليه بغاية الاستئناس. فكتب بعد عرض الأثنية مجملها ومفصلها. قوله تعالى) إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها (. فوقعت الألوكة بعد انفصاله بيد حضرة) الرشيد (فاغبر ظاهره عليه لما أن في ذلك خلاف ما يعهده من إخلاصه الشديد. وثنى عنه عطفه. ولم يثن عليه عطفه. واتفق أن ذكر لي ذلك) عالي باشا (بطريق العتب على المشار إليه. فقلت هذا يدل على أن الباشا ولي قد سلمت الولاية عليه. فقال كيف ذاك. وأين السمك من السماك. فقلت أنه أشار له بالآية إلى قرب عزله. بل صرح له بما يشعر بأن الله تعالى مريد فصله. حيث خاطبه بذلك الخطاب. ثم ما كان له سوى أداء الأمانة إلى الرشيد جواب. فكأنه كتب إليه أيها الصارم الجديد. إن الله تعالى يأمرك أن تؤدي أمانة الصدارة إلى الرشيد. فهو أهلها. ومنه فصلها وإليه وصلها. فتسارع إلى الامتثال. وأجاب داعي الأمر بالانفصال. فضحك المشير المشار إليه. وأعجبه ما تلوته من التأويل عليه. ثم أنه قال لي. من أول هذا التأويل هو الولي. وشاع ذلك وبلغ حضرة) الرشيد (. فقال في لقد ذب فلان عن حبيبه بما ليس عليه مزيد. وبالجملة أن هذا الصدر وإن أعظم المعظم فضله. قد نبا في الصدارة العظمى صارمه من قبل أن يستله. ولا تكاد تتم لامرئ صدارة وآصف موجود. وأنى يضيء مع الشمس رابعة النهار نجم نحس أو سعود. ) ومنهم ذو الفكر الذي لا تدركه الجياد السوابق حضرة رضا باشا (رأس رؤساء العساكر الإسلامية ومشيرها السابق. قد كان من الدولة العلية بعين الرضا. وقد غمض عنه طرفه مدة مديدة سوء القضاء فكان بمنزلة العينين. من إنسان العين من حضرتي السلطانين. وصعد له الدهر من أنظارهما الإكسيرية ما لا تسعه بوادق العقول. وصوب في حقه الجد التقدم في كل كلية وجزئية على جميع رجال إسلامبول. وغدت الدولة العلية أشفق من الوالدة عليه. والخلوة السلطانية أشوق من الخاصة إليه. وهو مع ذلك صادق الخدمة. لا تأخذه في مصلحة دولته وملته لومة. ذو أوصاف هي للدعوات الخيرية شباك. ورب ألطاف هي للأثنية المرضية ملاك. مكرم العلماء والشيوخ. وإن لم يكونوا من أهل التحقيق والرسوخ. مجبور طبعاً على جبر القلوب. مجبول وضعاً ورفعاً على كل محبوب. وكم رمى في أيام إقباله بسهام حسد. فكان له من عيون السعادة أحفظ رصد. وإذا السعادة لاحظتك عيونها ... ثم فالمخاوف كلهن أمان واصطد بها العنقاء فهي حبالة ... واقتد بها الجوزاء فهي عنان

стр. 76

حتى إذا هدأت هاتيك العيون. وانتهت الأيام المقدرة في العلم المكنون. رماه الحاسد فأصماه. ولطمه القدر فأعماه. وأسلمته الأيادي المتساعدة. وسلمته بيد البلاء القابلة والوالدة. فانفصل عما كان. واتصل بأسباب الهموم والأحزان. وقعد في بيته ينتظر تقلب الزمان. ويقلب وجهه في سماء حوادث عالم الإمكان. وقد اجتمعت به غير مرة. قد ضربت عليه قباب النجابة. وربضت لديه آساد للهابة. ذا وجه صبيح. ولسان فصيح. وقلب سليم. وعقل مستقيم. ينزل الناس منازلهم. ويجل على حسب المراتب أفاضلهم. يسر الله تعالى له مأموله. وأعطاه في الدارين مسؤوله. ) ومنهم ذو الرشد والسداد. حضرة خليل باشا الساماد (. وهو من موالي طلحة الطلحات. خسرو باشا الشهير في سائر الجهات. قد اجتمعت به فرأيته قد علق بجناحه عامل الخفض. وكاد يستحيل من تواضعه ماء فيستحيل في الأرض. لا يرى ذا عمامة إلا أقبل عليه. وكاد بعد تقبيل يديه يقبل رجليه. قد وسع الناس بخلقه. دون دنانيره وورقه. وكف بطيب أقواله. أكفهم عن نيل أمواله. وفكههم بفكاهته. بدل فاكهته. ومن عليهم بلطافته. عرض كنافته. وسقاهم طلاقة بشرته. بدل شربته. فهو محبوب عند كثير من الناس. مع زعمهم أنهم من غير حسن المعاملة في أياس. ورأيته ذا شوق إلى وزارة بغداد. ولا شوق صاحب سعاد إلى سعاد. وقد استنكحها ولكن بسوء تعبير. فأبت أن يكون بعلها على سمو قدره الخطير. وأنكحها وليها غيره على رغم أنفها. فلتهنأ ببعل ما رأت نظيره وهيهات أن ترى ذلك بطرفها. ولتتسل به عمن كانت مشغوفة بحبه. وسبحان المصرف للهور والمتصرف كما شاء في الجليل والحقير من الأمور. ) ومنهم كليم حب الصوفية الفخام. حضرة موسى صفوتي باشا (الوالي الأسبق في دمشق الشام. وهو رجل معلوم بحسن السيرة. معلم بآثار صفاء السريرة. وله حسن عقيدة بالسادة النقشبندية. لا سيما الطائفة الخالدية. وقد بنى لهم خانقاه قرب الباب العالي. وأجرى عليها ما أجرى من وابل بره المتوالي. وأول من أرشد منهم هناك. رجل يدعى يوسف أفندي وهو شعراني الأتراك. وبعد أن طوى القدر من عمره أيامه. فرش سجادته في دار البقاء بعد الفناء ولم يقم فيها أحد مقامه. نعم هي اليوم مفتحة لبعض الشيوخ. ممن مقلهم حب الدنيا في مرحاض شهواتها إلى اليافوخ. وقد اجتمعت بهذا المشير قليلاً. فتفرست به مع أني راجل الفكر خيراً جزيلاً. وله أخ يدعى مصطفى أفندي. هو من صفوة الناس عندي. له صدقات مشهورة. وأياد في كل ناد مذكورة. مع لين جانب. وحسن معاملة مع الجائي والذاهب. كان الله تعالى له في أولاه وأخراه. وحفظه سبحانه من كل سوء وحفظ أخاه. ) ومنهم المشير الذي اتخذ عدة المحاسن لداريه عدة. حضرة حسيب باشا الوالي السابق في جدة (. هو مشير جليل. له في المكرمات باع طويل. وكم من مصلحة ولي أمرها. فسر بحسن سيرته سرها. وفرض إليه النظر في الأوقاف. فنظر إليها بعين الإنصاف. ثم وجهت إليه أيالة جدة. فأعلى جده في خدمة البيت المكرم جده. ثم صرخ صارخ العزل في مسامعه. وصرح له بالعود إلى مراتع مرابعه. فعاد إلى إسلامبول. يسحب أذيال عز وقبول. وقد اجتمعت به المرة بعد المرة. فأحست من نجابته بما يمنح العين قرة والقلب مسرة. فأنعم به من حسيب. وحبيب للمكارم نسيب.

стр. 77

) ومنهم حضرة ذي الطلعة الغراء. علي أشقر باشا الوالي الأسبق في الموصل الخضراء (. وهو من موالي بيت السلطنة. وممن احتسى من ثدي الإسلام قبل البلوغ لبنه. جاء صحبة المرحوم علي رضا باشا. كان له الرضى غطاءً وفراشاً. يوم جاء إلى بغداد. وهو في العسكر أحد القواد. وكان إذ ذاك من البيكات. ثم ذهب وعاد وهو من أهل الرتب العاليات. حيث جعل والياً على شهرزور. مع مكثه في بغداد معيناً لحضرة المرحوم المشار إليه في بعض الأمور. فكان أحد يديه في الحضر. وقائم مقامه إذا خرج للسفر. وأظهر من الصلاح والعدل في الزوراء. ما لم يعهد مثله منذ قديم من الوزراء. وكان ما يسعى إلى صلوة جماعة أو جمعة. إلا وصدقاته للإمام وغيره تسعى معه. وكان يألف من ينتسب إلى المشايخ كيف كان. وقد كان لبعضهم بستان فرأيته بنفسه يخرج الماء من البئر ويسقي البستان. وقرأ على دلائل الخيرات. وقررت له ما فيها على اختلاف الروايات. وأصلح عني ما فسد من جامع مرجان. ولم شعثه وشيد ما وهي فيه من الجدران. وجدد له من البسط الخرسانية أحسن فراش. فكان الناس يتهافتون على الاجتماع فيه تهافت الفراش. ثم خرج من حدود بغداد وله فيها مزيد شغف. يكاد عافانا الله تعالى وإياكم يصل إلى رسوم التلف. فاستوزر في عدة بلدان. وماء ولا كصداء ومرعى ولا كالسعدان. وما كل روض ينبت الزهر طيب ... ولا كل كحل للنواظر أثمد وقد سمعت من أهالي تلك البلدان. ومن طرقها من الأنام. أنه تغير حاله فيها عما كان عليه من الحسن في مدينة السلام. فاستغربوا ما قالوا. وحسبت أنهم في ظلال الضلال قالوا. حتى اجتمعت به في فروق. فإذا الأمر كما سمعت وبين الحالين فروق. ولا بدع في مثله إذا تغير. ومن ذا الذي يأبى لا يتغير. ومن هنا قيل أن ما كان منه ليس إلا ليتسور به وزارة بغداد. فلما يئس منها رجع إلى طبعه الذي ولد عليه وعاد. وأنا لا أظن ذلك. والله تعالى أعلم بما هنالك. نعم التغير ظاهر. ومن غير الله خبير بالسرائر. ) ومنهم من عشقه الكمال فقال رب اشدد به أزري. كامل باشا صهر المرحوم محمد علي باشا المصري (وقد رأيته كاملاً. ورجلاً عاقلاً نال بصهريته من المشار إليه غاية المسؤول. واختار لكمال التوطن بعد مصر في إسلامبول. وهو أحد أعضاء مجلس الأحكام. وله في الأمور كسائر المصريين اهتمام وإقدام. وقد اجتمعت به غير مرة. فرأيته صحيح العقل سليم الفكرة. عارفاً بزمانه. لا يميل إلى الإسراف كسائر أقرانه. له نظر إلى العواقب. ورأي في المشكلات صائب. فلا بدع أن اتخذه ذلك الملك صهراً. وجعل له فوق فلك العزة وكراً. ) ومنهم ذو الطبع الموزون. حضرة سامي باشا (الوالي السابق في طربزون. وهو ممن له نسبة قوية للدولة المصرية. وقد أقام مدة فيها. ووقف على سرها وخافيها. وعرف اللغة العربية. وعلم المحاضرات عليه. وقد اجتمعت مراراً به. فأعجبني حسن علمه ومحاضرته وأدبه. له ولد يدعى عبد اللطيف بك ما أكمله. يصلح أن يكون والداً له. ومتى رأيتهما يتنادمان. تحسب أنهما أخوان شقيقان طاب لهما الزمان فجعلا يتنادمان. ولهذا الولد اطلاع على الأدب ووقوف عجيب على أيام العرب. وهو أحد أنجم مجلس ابجمن. الذين غمسوا أيديهم في كل فن. وقد رأيته يترجم بالتركية. سائر أسفار تاريخ ابن خلدون في الدولة البربرية. وبالجملة إن هذا الولد أعظم سمو أبيه. فبارك الله تعالى لأبيه فيه. ) ومنهم الصادق في خدمة الدولة العثمانية. إسماعيل باشا (القائمقام سابقاً في السليمانية. وهو ممن صحبناه في بغداد زمن المرحوم علي باشا. فزادنا في كؤوس صحبته من مدام طبيعته انتعاشاً. وقد خدم أحسن خدمة في حادثة السليمانية. وجلب للدولة العلية بحسن معاملته الدعوات الخيرية. وقد أنست بهذا الرجل في إسلامبول. ورأيت من حسن معاملته ما هو فوق المأمول. جزاه الله تعالى عني خيراً. ورقاه في الدارين ضيماً وضيراً. ) ومنهم غير ذلك من الفخام ممن يضيق عن حضرهم نطاق الأرقام.) وقد اجتمعت (أيضاً بكثير ممن انتظموا في سلك العلماء الأجلة. واطلعوا في سماء الفضل بدوراً وأقماراً وأهلة.

стр. 78

) منهم حضرة ذي الفضل الجليل الجلي. مولانا عارف أفندي (قاضي عسكر روم أيلي. ويا له من عارف ما أذكاه. ومن ذكي ما أزكاه. ومن زكي ما أفضله. ومن فاضل ما أكمله. ومن كامل ما أرفعه. ومن رفيع ما أوسعه. ومن واسع ما أصغر نفسه. ومن صغير نفس ما أكبر قدسه. ومن كبير قدس ما أكثر أنسه. ومن كثير أنس ما أدق حدسه. ومن دقيق حدس ما أعلمه. ومن عالم ما أحلمه. ومن حليم ما أكرمه. ومن كريم ما أنصفه. ومن منصف ما أعرفه. لم تر عيني شبهه في الصدور. وأظن أنه هو أيضاً مثله في سالف الدهور. لا يتأله على العلماء. ولا يطوي كشحه عن الفقراء. يراعي لذوي الفضل فضلهم. ويجهد في السعي بالخير لهم. ولا يقول لسان الحال أنا ربكم الأعلى. ولا يخطر بباله التفضل عليهم حاشا وكلا. وقد ولي القضاء العسكري غرة شهر رمضان السنة الثامنة والستين. فكانت كل أيامه أعياداً عظاماً للإسلام والمسلمين. وهو مع ذلك مفتي مجلس الأحكام. وللناس تزاحم على منهله والمنهل العذب كثير الزحام. وغانية المشيخة الكبرى تغازله. وإن شاء الله تعالى بعد العمر الطويل تواصله. فهو بعد حضرة ولي النعم. حفظه الله تعالى من كل ألم. أحق عشاقها. بأخذ ساقها. وأولى خطابها. برشف رضابها. وأليق أحبتها. بالقعود على منصتها. وما شاء الله كان. وما لم يشأ لم يكن وإن شاء الثقلان. وللمشار إليه ولد هو كولدي عندي. يدعى سلمه الله تعالى صديق بك أفندي. قرأ علي بعض النسخ الحديثية. وحررت له عدة إجازات عليه. وكان لي صديقاً. وعلي شفيعاً. يسعى في احترامي وإكرامي. ولا سعي أخوالي وأعمامي. ويجهد في إعظامي. ولا جهد أسرتي وأقوامي. لم أر مثله في أبناء الرجال. جامعاً لأنواع الفضل والأفضال. وأنه ليشب في الفضل كل يوم من الأيام. ما لا يشبه غيره ممن يشبه به بألف عام. فكأني إن شاء الله تعالى به وهو بدر كامل. قد تبوأ من منازل السعد أشرف المنازل. وله صهر. ذو خلق أعطر من عطر. وهو فاضل أوحدي. يدعى أمين أفندي. تبوأ معه الدار. واقتدى منه بكثير من الآثار. وهو الآن من كبار الموالي. ويلوح في جبينه نور سعد عالي. ) ومنهم مولانا الذي له على حمى الأسرار إشراف. حضرة تحسين بك أفندي نقيب الأشراف (. وهو في الرتبة قبرسي. وفي الطينة ذهبي لا قبرسي. وأبوه الحاج محمد أغا من أغنى التجار. ويظن أنه جمع من الذهب الأحمر ألف قنطار. وإليه انتقلت دولة والده. وحظي بطارفه وتالده. فهو اليوم في عيشةٍ أرغد من عيشة السلطان. وراحة ما نالتها يد إنسان من أبناء الزمان. منازله تشبه منازل جنان الخلود. وجنانه لم يغرس مثلها المترفون في ساحة الوجود. وهو مع هذا يصعد النظر ويصوبه في العمل بعلم الكاف. وكان الحري به أن يستضيء من آي الكتاب بشمس أليس الله بكاف. ولكن العقل من نار الحرض فرار. ومحال أن يكون له معها في بودقة القلب قرار. وحب المرء وبغضه يقلبان لديه الحقائق. ويفسدان عليه بيض النظر في الدقائق. فرصاص من أحببته ذهب كما ... ذهب الذي لم ترض عنه رصاص فطوبى لعبد استغنى بإكسير القناعة. ورضي بما قسم له ولم يكشف لأحد قناعه. والمشار إليه في دار الخلافة. أحد رجال الصوفية. وله خلافة في الإرشاد بالطريقة العلية النقشبندية. وخلافته من روح جسد العرفان.) حضرة مولانا الشيخ محمد جان (. أحد خلفاء ذي المدد العلوي. شيخ مشايخنا الشيخ عبد الله الدهاوي. وكان للمرحومة والدة السلطان. اعتقاد به محكم الرابطة قوي الأركان. فكانت تتردد إليه كثيراً. وتستفيض مما أفاض الله تعالى عليه. وبذلك نال اعتباراً عظيماً وفخراً. حتى ظن أكثر الناس أنه سيصافح المشيخة الكبرى. وهو أحد أعضاء مجلس الأحكام. وله مع ذلك النظر في أموال الأيتام. فلله تعالى در همته. مع اختلال نصف بنيته. وقد جالسته كثيراً فرأيته من الأخيار. وصح عندي أنه يكرم الغرباء من سائر الأمصار. وله أبناء في غاية الكمال. كأنهم من حيث الحياء مخدرات الحجال. وهو اليوم في زمرة أرباب القلم. وفضلهم فيما بينهم كنار على علم. وله سلمه الله تعالى طبيعة شعرية. وقريحة في النظم مرضية. وقد أرسل لي أبياتاً فاخرة. فلم أدر أهي تقريظ للتفسير أم تقريظ لرسالة ألفتها في العترة الطاهرة. وهي هذه: مفتي سابق بغداد بهشت آبادك ... شهرت شايعة سي أوج غلاية جيقدي

стр. 79

حصرا يدوب وقتني قرآنه مفسرا ولدي ... صيتي آداب ومعارفدة سهاية جيقدي لطف شاهانه يي تعدادا يدوب أزسرنو ... أثر كلك ترى شكر وثناية جيقدي من مبارك شجرة اولدي بو نأليف جديد ... أصلي ثابت أول رق فرعي سماية جيقدي فال تحسين آجوب نظمله تقريظ كتاب ... قرعة حب كركا آل عباية جيقدي والفقير. لم أعرض عليه التفسير. وإنما عرضت عليه شجرة العترة الزكية. وبعد يومين أرسل لي بهذه الأبيات التركية. واستحيت أن أحقق الأمر من حضرته المنورة. ولعل الظاهر أنها تقريظ تلك الشجرة. وأياً ما كان. فأنا شاكر ذلك الإحسان.

стр. 80

) ومنهم حضرة قرة العين ونزهة الفؤاد. مولانا أحمد شكري أفندي (القاضي الأسبق ببغداد. وقد اشتهر بيوسفجق زاده. لا زال طائر صيته مغرداً على أفنان السعادة. وهو فتى كمل لطفاً. وذاب ظرفاً. ما حاز قاض فضله. ولا رأى في سجل محكمة مثله. جاء إلى بغداد زمن المرحوم علي باشا. فزادت به سروراً وانتعاشاً. ونادت لله تعالى شكري. وله حمدي في سري وجهري. وقد أحق الحق. وأبطل الباطل ومزق. وأبكى الطغام. وأضحك الكرام. وأوحش الأحياء الظالمين. وآنس الأيتام المظلومين. وأرضى الفقير. وأسخط الأمير. ومكث سنتين ثم خرج. وحظي لسمو حظه بمرتبة مخرج. ثم لم تزل له المقاصد ميسرة. حتى تنور قلبه بنيل قضاء المدينة المنورة. وقد اجتمعت به مراراً. فلم أحس منه بمقدار ذرة استكباراً. بل رأيته في كل ناد. أشد تواضعاً منه يوم كان في بغداد.) واتفق (أن دعاني في دار له قوراء. ودعا معي جملة من أجلة العلماء. فسألوني عن وجه الثواب في ذبح القرابين بحكم العقل. مع أن الذبح إيلام محض وليس لسابق جناية ولا للاحق ثواب جل أو قل. ومن أولئك الأجلة. من أحب بسط الكلام في الجملة.) فقلت نعم (الذبح إيلام محض. ولا عبرة بما يخالف هذا مما ذهب إليه البعض. وذلك أن البكرية ذهبوا إلى أن البهائم والأنعام. لا يصيبها أصلاً وقطعاً شيء من الآلام. وقد كابروا في ذلك المحسوس والمعقول. كما لا يخفى على أدنى العقول. والتناسخية زعموا أن أرواح البهائم. كانت في أبدان أشرف قبل انتقالها إلى أبدان البهائم. فانتقلت منها إليها لتعذب على ما اقترفت هناك من المآثم والجرائم. فالذبح عندهم لجريمة اقترفتها. وأثيمة في سابق وطنها ألفتها. والتزموا على هذا أن البهائم. مكلفة عالمة بأن تلك الآلام جزاء الجرائم. وذلك لتتصور الأنز جار عما فعلت. إذا انتقلت أرواحها إلى أشرف من أبدانها وتحولت. والتكليف في زعم بعض منهم كان ابتداءً أول زمن الخلق والتقدير. وفي زعم آخرين كان في ذلك الوقت ولكن بعد التفويض والتخيير. ومنهم من زعم أنه ما من جنس من أجناس إخوانهم البهائم. إلا وفيهم نبي مبعوث من ذلك الجنس يعرفهم الطاعات والمآثم. ولا يختص الزاعم بالتناسخية. فقد نسبه بعض المشايخ إلى بعض الصوفية. محتجين) يوماً من دابةٍ في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم (مع) وإن من أمةٍ إلا خلا فيها نذير (وذهب السادة الحنفية وغيرهم في حق من يقول بهذا القول المستهجن إلى التكفير. مع أنه أمر خطير. وللتناسخية مذاهب. تشيب في نقلها للقلم ذوائب. وورد كل ذلك بين العلماء مشهور. وفي كتب الكلام المبسوطة مسطور. وذهب العلاف والجبائي وكثير من متقدمي المعتزلة إلى أن في مقابلة ذلك الإيلام. عوضاً دائماً غير منقطع يناله الحيوان غداً في الجنة دار السلام. ومن المعتزلة من قال بالعوض في الآخرة على تلك المحنة. لكنه إنما يكون ولا بد في غير الجنة. ولهم كلام طويل في هذا الباب. نخشى أن يضيق بنقله خناق هذا الكتاب. ومثار نقع الخلاف في البين. القول المشهور بالحسن والقبح العقليين.) فنقول (مما نحن فيه. مخرجين له مخرج التنبيه. إن الأشياء إن خلت عن ذينك الأمرين. وعرت عن الحسن والقبح الذاتيين. فله سبحانه أن يخص فعل شيء بثواب. وفعل آخر مثله بعقاب. لا لمعنى يقتضيه. ولا لأمر يستدعيه. وله أن يثيب على جزيل قليلاً. وعلى قليل جزيلاً. بل له سبحانه وإن لم يفعل. أن يعاقب المطيع وينعم على العاصي ويتفضل. ويقال أن أفعاله لا تعلل بالأغراض. وليس للمملوك على مالكه الحقيقي حق الاعتراض. وعلى هذا لا وجه لقول القائل ما وجه الثواب إلى آخر ما قال. ولا حاجة في الجواب إلى تكلف قيل وقال. وإن لم تخل عن ذلك فنقول أن الأمر والنهي كاشفان عما هنالك. على معنى أن ذلك الشيء لو لم يكن حسناً لما أمر به. وأن ذلك الشيء لو لم يكن قبيحاً لما نهى عنه. وأما أن وجه حسنه كذا أو أن وجه قبحه كذا فأمر قد يعلم وقد لا يعلم. ومتى لم يعلم قيل في جواب السؤال عنه الله أعلم. وعلى هذا فيقال أن ذبح القرابين حسن. وإن كان بحسب الظاهر من قبيل المحن. وأنه ليس لسابق جريمة. ولا ليكون سبباً للاحق نعمة عظيمة أو غير عظيمة. والله تعالى بوجه حسنه أعلم. ومن فضل من لا يعلم أن يقول لا أعلم. والثواب الزائد يحتمل أن يكون كله جزاء منه . ويحتمل أن يكون بعضه جزاء

стр. 81

وبعضه منه تعالى محض فضل. وتخصيص فضيلة إراقة الدم في أزمنة مخصوصة. وأمكنة معروفة منصوصة. نعتقد اشتماله على أسرار وحكم. ولكنا نقول الله هو الأعلم. وربما يقال في جواب السؤال أن وجه حسن الذبح لما لم يكن بظاهر. وكاد أن لا يعرفه إلا الآمر. وكان فعله مشقة على النفوس البشرية. لمشاركة الذبيح لها في الجنسية. ولذا ترى بعض الناس لا يقدر أن يشاهد رجلاً يذبح عصفوراً. فضلاً عن أن يذبحه بيده إلا أن يكون مجبوراً. ومع ذا قدم المأمون بذلك الذبح وفعله امتثالاً للأمر. وإن جر له بسبب المشاركة الجنسية المقتضية للرقة القلبية ما جر. اقتضى فضل الله تعالى مزيد الثواب. لذلك الذابح الممتثل يوم الحساب. وهذا نظير ما قيل أن الثواب على الأمور التعبدية. أكثر منه على غيرها من سائر الأمور الشرعية. إذ لا داعي هناك على الفعل إلا الامتثال. هذا والله تعالى أعلم بحقيقة الحال.) فقال (بعض أولئك الأحباب. جزيت خيراً زدنا في الجواب. فعدت) وقلت (هل من يسأل. معتقد حسن ذبح الحيوان ليؤكل. فقالوا نعم. فقلت إذاً وجه كثرة الثواب الإيثار باللحم. فإن قلتم دل بعض ما صح. على أن الثواب على نفس الذبح. فلو تصدق بالشاة مثلاً حية على مستحقها. لم يثب على ذلك مثل ثوابه على نفس ذبحها. قلت أعود حينئذ فأقول لعل وجه ذلك كونه أمراً شاقاً من البشرية. وقد فعله المأمور ابتغاءً لرضاء الله تعالى وامتثالاً لأوامره العلية. فقال بعضهم هذا مقبول. وأمر معقول. لكن نسألك لو قلنا بأن للقرابين على هذا الإيلام. جزاءً يكون لها غداً يوم القيام. هل نكون مصادمين لنص من النصوص المشهورة. أو منكرين لأمر علم كونه من الدين الحق بالضرورة. فقلت لا نكون كذلك. ولعل في كلام بعض أهل السنة ما يشعر بما هنالك. فقد قال الشيخ الأكبر. قدس سره الأنور. في الباب الثلاثمائة والواحد والسبعين من فتوحاته المكية أن الله تعالى إنما يحشر الوحوش إنعاماً منه عليها وكذلك سائر الدواب ثم أنها تكون تراباً ما عدا الغزلان وما استعمل من الحيوان في سبيل الله تعالى فإنهم يدخلون الجنة على صور يقتضيها ذلك الموطن وكل حيوان تغدى به أهل الجنة خاصة في الدنيا اه.

стр. 82

ونقله عنه الشيخ عبد الوهاب الشعراني في الجواهر وجعل القرابين من قسم ما استعمل في سبيل الله تعالى ولم يضطرب في ذلك كما اضطرب في أمر فرعون. وربما يستأنس في أمر القرابين خاصةً لما اقتضاه كلام هذا الأجل. ولا أقول) وهيهات هيهات أن أقول (يستدل بقوله عليه الصلوة والسلام عظموا ضحاياكم. فإنها على الصراط مطاياكم. فإنه يبعد من كرم الله تعالى أن لا يدخل مطايا أحبته. دار كرامته ورحمته. بل يأمرها فتوصلهم إلى الباب. ثم يجعلها تراباً كما يجعل الخنازير والكلاب. مع أن إدخالها الجنة مع الأحباء. أغيظ لمن يسحب على وجهه إلى النار من الأعداء. ولما سمع البعض ذلك رضى غاية الرضى. بيد أنه استكتبني عبارة الفتوحات فأخذها ومضى. وقال بعض منهم ما الجواب إن كان السائل لا يستحسن ذبح الحيوان للقربان أو لطعام. فقلت ذلك من الطعام. ولا أظن مسلماً لا يستحسنه بعد ورود الأمر به في سائر الشرائع كشريعته عليه الصلوة والسلام. على أن الرد على من لم يستحسن قد طوى بساطه. وانقطع هياطه ومياطه. ومن أراد استيفاء المرام. فليرجع إلى كتب الكلام. فقنع الكل بما ذكرت. ولم يناقش أحد منهم فيما قررت. بل قبلوه بترابه. وأقبلوا عليه بما به. وبعد ساعة. تفرقت الجماعة. وذهبت أنا إلى داري. وخلوت فيها غواني أفكاري. وبعد خمسة أو ستة أيام. ذهبت حسب عادتي إلى حضرة شيخ الإسلام. فناولني ورقتين. مشتملتين على عبارتين. إحداهما ما ذكرناه عن الفتوحات المكية. وثانيتهما عبارة معزية لمولانا الجامي متضمنة أن إبليس عبارة عن القوة الوهمية. فقال ما تقول في هاتين العبارتين. فقلت أحدهما على أعراف الرد والقبول والأخرى في نار الرد بلامين. فقال فلم تحررهما. وفي المحافل على رؤوس الأشهاد تقررهما. فقلت يا سيدي إنما قررت ما في الفتوحات المكية. وليس فيها ما يصادم قطعياً من الآيات السماوية. والواردات المدنية. وأما مسألة إبليس فلا والله ما ذكرتها. ولا عمري في ورقة لأحد حررتها. بل لم أذكر إبليس. منذ دخلت فروق عند جليس. فتبسم ضاحكاً وقال لي مفاكهاً جاءني بالأمس رجل من المدرسين بهاتين الورقتين. وقال إن الآلوسي حررهما وقبل ما ذكر فيهما على الرأس والعين. فقلت يا سيدي حضرتكم تعرف خطي. وأنا لم أزل مبتلى بمثل هذا التزوير في رفعي وحطي. وعند شكري أفندي حقيقة الخبر من مبتدأه. فأمر أحداً يسأله عنه ولا حول ولا قوة إلا بالله. فقال اذكر لي أنت الخبر من المبتدأ. ولا أسأل عنه سواك أحداً. فذكرت له الأمر بلاً بلا. وعرضت عليه ما كان فصلاً فصلا. فقال هذه شنشنة قديمة من الحساد. ومصيبة عظيمة أصيب بها كثير من العلماء الأمجاد. فقلت حسبي ربي من تزوير ملأ الملأ. وأعوذ سبحانه من جليس إن قلت قال وإن سكت تقولا. ثم قلت لنفسي. ولم يشعر بي غير حسي: لمن جاهد الحساد أجر المجاهد ... وأعجز ما حاولت إرضاء حاسد ولم أر مثلي اليوم أكثر حاسداً ... كأن قلوب الناس لي قلب واحد ألم ير هذا الناس قبلي فاضلاً ... ولم يظفر الحساد قبلي بماجد أرى الغل من تحت النفاق وأجتني ... من العسل ألماً ذي سم الأساود وأصبر على ما لم يجلب الصبر ذلة ... وألبس للمذموم حلة حامد وأعلم إن فارقت خلاً عرفته ... وحاولت خلاً أنني غير واجد إلى غير ذلك من أبيات غنيتها بها. حتى طبقت جفنيها على قذى. ونامت إذا عدمت فراش راحة على فراش أذى. وقد صح عندي أن هذه الطبيعة الشيطانية. شعار ودثار لبعض مدرسي القسطنطينية. وأنهم لم يزالوا يجمعون حجر الباطل ويرمون به برياً. ويبغضون لا در درهم كل من يرد على بلدهم من الأفاضل ولو كان نبياً. وأن رؤية العالم العربي في أعينهم الموت الأحمر. وأن صحبته ولو مقدار ذرة في اعتقادهم الذنب الأكبر. والشرك الذي لا يغفر. فإذا دخلت فروق فلا تقرب مأواهم. وابعد عنهم ما استطعت وإياك وإياهم. وعليك إن أردت مصاحبة بمصاحبة العوام. فإنك تقوم وتقعد معهم في أمان الله والسلام. وفي هذه الحكاية. لذوي الفطن كفاية.

стр. 83

) ومنهم نزهة الألباب وقرة العيون. حضرة طاهر أفندي الذي كان قاضياً في بغداد سنة الطاعون (. وقد قاسى إذ ذاك فيها. ما يقص في أجنحة العمر قداماها وخوافيها. وقد هرب من السراي إلى الكرخ أيام ألفته. فكنت له في دفع الطعام أقوى سنان وأرقة جنة. حيث جاء إلى بيت خالي المرحوم الحاج عبد الفتاح. ولم يكن فيه إلا أرامل قد قص منهم الطاعون لا عاد منهم الجناح. فطرت إليه بجناح غيرتي. ولم أزل أحوم عليه أنا وأسرتي. حتى منعت أن تختطفه عقبان الفساد. ثم أوصلته إلى مستقر داود باشا والي بغداد. لكن عد ذلك أعظم هناتي. فجعل يغبر به وجوه غواني صفاتي. فضاق أمري. في بيان عذري. إذا محاسني اللاتي أدل بها ... عادت ذنوباً فقل كيف أعتذر وقد رقاه القضاء والقدر. فهو اليوم مستشار قاضي عسكر. وكان لي جاراً. وكنت أسبل علي لئلا يراني إذا مر أستاراً. حيث بانني عنه ما أكره. فكنت أخاف فتكه بي ومكره. فلما اجتمعت به آنسني. وأزاح عني بيد لطفه جميع ما أوحشني. ورأيته من أعظم الناس خلقاً. وأكثرهم بالمنكرين رفقاً. فكنت أتردد إليه ويتردد إلي. ويقول لي كل مصلحة لك عسرت عليك حولها علي. فلله تعالى دره ما أكرمه وأحلمه. وما أصفى قلبه من الغش وأسلمه. وقد استحالت أخلاقه إلى خير مما كانت عليه في الزوراء. فهو في هذا العصر أطهر من ماء المعصرات حين نزولها من السماء. وفقه الله تعالى لمراضيه. وجعل مستقبل حاله متميزاً على ماضيه. ) ومنهم ذو الأخلاق الكريمة والأعراق المعظمة. حضرة مولانا توحيد أفندي القاضي السابق في مكة المكرمة (. من بيت شرف وولاية. وعلم وإرشاد وهداية. لا يجارى بمنقول ومعقول. ولا يبارى بفروع وأصول. وله في علم الفلك مرتبة متسعة العرض. فهو بطرق السماء أعرف منه بطرق الأرض. وقد نال من علم الزيج. ما يغدو منه ابن الشاطر في أمر مريج. ومن علم الأحكام. ما يلحق أيا معشر بالأنعام. هذا مع كرائم مفاخر ما نقش عطارد التصوير. في صفحة استعداد سري. ومن هنا ناداه كل منصف خبير. وإذ ابتاع كريمة أو تشتري ... فسواك بايعها وأنت المشتري وقد كان له حضرة سعيد باشا الداماد. في أيام إقباله أقوى سند وعماد. يجد في تهيئة أسباب عروجه. ويجهد في تحري الأشرف من رفيع منازل العز وبروجه. ولما عثر جواد الجد بحضرة الداماد المشار إليه دخل في عينيه من عثير ذلك العشير. ما أقذى عينيه. وبقى في ذلك العثار مهموماً. وهكذا فليكن الصديق من عثار صديقه مهموماً مغموماً. نعم إن ألسنة العباد تناديه. لما ذاقت من حلاوة أخلاقه وأياديه. أرق بمرقى زحل صاعداً ... إلى المعالي أشرف المصعد. وفض كفيض المشتري بالندى ... إذا اعتلى في بعده الأبعد وزد على المريخ سطواً بمن ... عاداك من ذي نخوة أصيد واطلع كما تطلع شمس الضحى ... كاشفة للحندس الأسود وخذ من الزهرة أفعالها ... في عيشك المقتبل الأوغد وضاه بالأقلام في جريها ... عطارد الكاتب ذا السؤدد وباه بالمنظر بدر الدجى ... وأفضله في بهجته وازدد فقريباً إن شاء الله تعالى يعود السعد كما كان. ويكون بينه وبين جميع آماله أسعد قران. وقد كان سلمه الله تعالى جاري. فكنت أحلي بحلي مجالسته آناء ليلي وأطراف نهاري. وأنا منه ممنون غاية الممنونية. من الله تعالى على كل منا ببلوغ كل أمنية.

стр. 84

) ومنهم حضرة زكي الأصل والنفس. الفاضل الشهير بشهرلي سبل حافظ أفندي وكيل الدرس (. عالم قلما يوجد مثل تواضعه في ذوي الشرف. يقول رائيه تالله ما هذا من الخلف إن هذا إلا بقية من السادة السلف. قد ضم إلى العلم زهداً. وزاد على الزبد شهداً. فلم يمزج هزلاً وجداً. له مؤلفات مختصرة. لكنها عند الأتراك مطبوعة معتبرة. وشهرة أمرها هناك. تخيل للذهن أنها أعلى قدراً من السماك. ومن مضمرات حواشيه على شرح الوضعية للملا علي. إشارات إلى أن الفضل موضوع بالوضع الخاص عند هذا العلم الشهرلي. وأني لأقسم بقدره العال. أن من وقف على تلك الحواشي فقد أشرف على وسط العلم بحقيقة الحال.) واتفق (أن ضمنا وإياه مجلس مأنوس. فسأل هو بعض الحاضرين عن معنى عبارة في القاموس. فقال البعض لا أعلم. وأن عبارات القاموس عيلم. فقلت يا مولاي أرنيها. وكانت مكتوبة في ورقة فناولنيها. فنظرت فإذا الناسخ حرف وغير. وعبر بما شوه به وجه المعنى وغبر. فقلت يا مولاي الصواب ذيت وذيت. والقصة على ما ذكره غير واحد كيت وكيت. فقال إن صح هذا فلا إشكال. فقلت الرجوع إلى نسخة صحيحة يكشف الحال. فرجع فرأى كما سمع فأضحى ممنوناً ودعا لي. وسأل الله سبحانه أن يكثر أمثالي. وهذا يدل على نقاء نقيبته. وانتفاء اللؤم على طبيعته. وعبارة القاموس هي هذه: والخطبة الشقشقية العلوية لقوله لابن عباس لما قال له وأطردت مقالتك من حيث أفضيت) يا ابن عباس هيهات تلك شقشقة هدرت ثم قرت انتهى (. والتحريف لقوله لو أطردت حرف بلو حررت. وفي قوله أفضيت حرف بقضيت. وفي هدرت حرف بهدت. والمعنى بعد التصحيح. أظهر من محاسن الوجه الصبيح. هذا) واعلم (أن وكيل الدرس عبارة عن شخص من العلماء الأعلام. يكون وكيلاً بوظيفة معينة من قبل شيخ الإسلام. على النظر في أمر المدرسين. ومصالح الطلبة أجمعين. فلا يمكن طالب من الإقامة في حجره. إلا بعد أن يذهب إليه ويحصل أمره. وإذا جنى جناية. فإليه ترفع الشكاية. وإذا نصب ميدان امتحان. كان هو فارس ذلك الميدان.) والحاصل (أنه محور أمورهم. ومدار شرورهم وسرورهم. والطلبة هناك على ما يقولون. اثنا عشر ألف أو يزيدون. ويقرءون عند الشيخ محلقين. وإذا طفت بهم رأيت أكثرهم مقصرين. وربما يختم الدرس والكثير منهم نائم. أو يقتضي الأمر وهو في بيداء التخيلات هائم. والشيخ بينهم على منصة ارتفاعها نحو ركبة. وبين يديه تختة منقوشة بالصدف يضع عليها كتبه. وربما يصفعها إذا حمى الوطيس. ويلطمها إذا اشتدت حرارة التدريس. ومعظم المدرسين في غاية الاستكبار والأنانية. ولولا خوف قطع وظائفهم لأعلنوا بدعوى الربوبية. وقد شمعت من غير واحد منهم في حق على كرم الله وجهه نتن الانتقاص. وهم على عكس الكتبة الذين لهم في حضرة الأمير غاية الاختصاص. ويقابل المدرسين في الاستكبار الواعظون. ومعظم المستمعين ما عدا النساء منهم يضحكون. وقلما ترى واعظاً في حلقته. إلا وهو أهون من قعيس على عمته. ولذا انحطت رتبة الوعظ هناك بالمرة. فكانت بين العلماء أهون من عفطة غنر بالحرة. وأكثر الوعاظ من قلة الأدب والوقيعة في الناس بمكان. وقد استمعت كثيراً منهم فرأيت سداً وعظهم ولحمته هذيان. وعلى ذلك تجمع لهم الدراهم. من المطلعين على الحال. لقد طفت في تلك الجوامع كلها ... وسرحت طرفي بين تلك المدارس فلم أر إلا واعظاً بين نسوة ... يشابه ثوراً بين عفرٍ أو أنس ومثله قوله: لقد طفت في تلك المدارس كلها ... وسرحت طرفي بين تلك المدارس فلم أر إلا خرداً حول واعظ ... لهن ينادي شرح جمع الجوى معي وقوله: لقد طفت في تلك المدارس كلها ... وسرحت طرفي في حمى كل تكية فلم أر إلا واضعاً حب دينه ... على فخه أو صافعاً صدر رحلة

стр. 85

ولا تخلو هذه الأبيات عن مجازفة واعتساف. وخروج بين عن دائرة الإنصاف. فالحق أن في مدرسيهم علماء محققين. بيد أن أكثرهم اليوم غير منصفين. وكذا في مرشديهم فحول. نعم يوجد في التكايا عور عن الإرشاد أولاً فحول. وعلى هذا القياس. وعاظ الناس. وهكذا الشأن. في معظم البلدان. فأي بلدة كل تكياتها مقاعد صدق وإجلال. ومعاقد ألوية أقطاب وأبدال. وأي مملكة كل مدرسيها أجلة. وهل تبدو الأقمار قبل أن تبدو أهلة. وأي الأمصار. كل من وعاظه ابن الجوزي أو ابن عمار. وقد نسجت هذه الأبيات على منوال بيتين للإمام. هما الحقيقتان بالقول عند ذوي الاستدلال من العلماء الأعلام. وهما: لقد طفت في تلك المعاهد كلها ... وسرحت طرفي بين تلك المعالم فلم أر إلا واضعاً كف حائر ... على ذقن أو قارعاً سن نادم ثم أن هذا الوكيل الأصيل. والجليل النبيل. لما رأى حضرة السلطان فضله. نصبه من بين الأقران معلماً له. فخلع نفسه من هاتيك الوكالة. وزهد فيها زهد الحجاج في تبالة. ودعى إليها رجل فضله مسلم الثبوت. يدعى يحيى أفندي فكاد من غمه يموت. وقد سمعته يقول لشيخ الإسلام. أيليق هذا بذا ويضع يده على شيب كالثغام. فقلت له يا مولاي إن كان هذا مما يرضي رب الأرباب. فهو كما لا يخفك لذا الشيب الطاهر نعم الخضاب. وإن كان من الكبار أو اللمم. فكيف يدعوك إليه شيخ الإسلام ومرشد الأمم. فقال هو طلعة. لو أقيم عرياً عن بشاعة. ولعمرك أن هذه الإقامة. متعذرة إلى أن يقوم مؤذن القيامة. فدعى إليها رجل فضله على ما يزعمون جلي. يدعى بين الناس بمصطفى أفندي الودين لي. فجاء يتعثر بأذيال السرور. ويود لو طار بأجنحة النسور. فقبل يد شيخ الإسلام وقبل منه الوكالة. وحل في الحال بأنامل الشكر من جراب أدعيته الوكالة. وسيأتي إن شاء الله تعالى ترجمة هذين الرجلين. وأسأل الله تعالى أن لا يذيق لسان قلمي صاب افتراء ومين. والله سبحانه الموفق للصواب. ومنه المبدأ وإليه المآب. ) ومنهم الفاضل الأوحدي. ذو الجناحين حضرة يحيى أفندي (. وهذا أحد الرجلين اللذين وعدناك آنفاً بترجمتيهما. وذكر ما وقفنا عليه سماعاً ومشاهدةً من صفتيهما. واشتهر هذا الفاضل بمعلم أولاد نجيب باشا. وكان قد ربط له بسبب التعليم مسكنا وكسوة ومعاشاً. وهو رجل قد ناهز القبضة. وسطا عليه الدهر بكلكلة ورضة. له انتساب إلى الطريقة النقشبندية. وانسلاك في سلك الطائفة الخالدية. واطلاع على مغزى السادة الصوفية. وعروج إلى حظائر مقاصدهم القدسية. وتضلع من علمي المنقول والمعقول. وانهماك في علمي الفروع والأصول. وهو من التواضع على جانب عظيم. ومن الشفقة على أهل العلم ما يظن معها أنه أب حميم. وفيمن أجازهم كثرة. حيث انه أجاز على القانون المقرر هناك غير مرة. والمشهور أنه اليوم أعلم المدرسين. وأنا أقول أنه اجتمع فيه من المحاسن ما لم يجتمع فيهم أجمعين. وقد اجتمعت به مراراً. فرأيت سحائب محاوراته بوابل العلم غزاراً. وكان إذا سألنا في مجلس لا يسبقني بجواب. ويسبل على عوراء جوابي بكرمه أضفى نقاب. وكان ذا ديانة وعفة نفس. ويشهد لذلك طي كشحه عن قبوله وكالة الدرس. وبالجملة كان بالفضل مشهوراً. وعن لذائذ الدنيا الدنية حصوراً. كثر الله تعالى في العلماء أمثاله. وأدام على طلبة العلم أفضاله. ) ومنهم ذو الفضل الجليل الجلي. حضرة إسماعيل أفندي الأقسقه لي (نسبة تركية إلى أقسقه بفتح الهمزة وكسر القاف الأولى وسكون السين المهملة وفتح القاف الثانية وهاء آخره. ممالك كرجستان التي فاقت نساؤها في جهاد الأرس رجال أكثر البلدان. ومن هنا يقال له كرج إسماعيل أفندي على معنى أنه من ذلك الإقليم وليس المراد أنه كرجي بالمعنى المعروف عندنا. وقد استولى الأرس على أقسقه زمن المرحوم السلطان محمود خان. ولم ينفع جهاد أهلها الذي لم يسبق مثله فهي اليوم تحت تصرفهم. وهي قريبة من أرزن الروم مثل كركوك من بغداد. وأظن هذا الرجل هاجر منها بعد استيلاء الكفرة عليها إلى إسلامبول. وهو شيخ فاضل. وعالم عامل. ذو عفة مع فقر حال. وغناء نفس مع كثرة عيال. لا يداهن أهل الدنيا. ولا يخطر بباله بالذل طلب الرتب العليا. يقول لسان حاله. مخالفاً لقال أمثاله: لا أبتغي الرتبة القعسا وسلمها ... نقصي ولو خدمتني السبعة أشهب

стр. 86

وأبتغي عز نفسي في مذلتها ... وأيمن الله هذا المطمع العجب وإذا أرشد إلى تكثير المال. بالخضوع للرجال. أنشد لسان حاله أيضاً وقال: وقالوا توصل بالخضوع إلى الغنى ... وما علموا أن الخضوع هو الفقر وبيني وبين المال شيئان حرما ... على الغني نفس الأبية والدهر وإن قيل هذا المال أبصرت دونه ... مواقف خير من وقوفي بها العفر وهو اليوم يصدح بالحق ويصدع. ويأمر بالمعروف نفع أم لم ينفع. مشغول طول نهاره بنشر العلوم. وقائم على ساق العبادة إذا تغورت النجوم. وإذا قام إلى صلوة ارتدى بأردية ضافية من خضوع وخشوع. وائتزر بميازر طويلة الذيل من سجود وركوع. وهي بمجموعها تكاد لطولها تزاحم الكواكب بالمناكب. ولولا الغلو لقلت أن بين أحرامها وركوعها كما بين المشارق والمغارب. وأني لأقسم ب) والليل إذا عسعس. والصبح إذا تنفس (أني ما رأيت أتم من صلاته فيمن طلب العلم في فروق ودرس. فأنهم وإن كانوا نسور علم ينقرون في صلاتهم نقر الديك. فكل من أركانها وحرمة ورق بيت الحرام كبيت العنكبوت واهن ركيك. وبين أحرامها وسلامها. كما بين الكف وسلامها. فإذا صلى أحدهم لا يكاد يعلم. أأحرم بالصلوة أم سلم. وبالجملة لا يكاد يحنث من حلف. أن نظيره أعز من الإكسير فيمن خلف. ويكاد أن تكون النسبة بينه وبين معظم المدرسين المباينة. وتفصيل هذا الإجمال طويل وليس الخبر كالمعاينة. وقد دعاني ليلة إلى عشه. فرأيته كما يحكى عن السلف في عيشه وفرشه. كان الله تعالى لنا وله. وأسبغ سبحانه على كل منا فضله.

стр. 87

) ومنهم تذكرة العلامة الثاني. حضرة حسين أفندي الداغستاني (وهو شيخ قد حدب. وأكل الدهر عليه وشرب. وكاد يقطع عنه طله. ويمح بلعاب أصباحه ظله. جاء زمن السلطان الغازي محمود خان. مهاجراً إلى إسلامبول. فأكرم عليه الرحمة هجرته ووصله بغاية المأمول. حيث رآه قد استحال فضلاً. وعلا بالمحاسن محلاً. وقد رأيته أنا ذا اطلاع تام على دقائق المعقول. ومشاركة كاملة في حقائق المنقول. تكرمه الرجال وتحترمه. وتواصل إعظامه ولا نحترمه. يستحي من ظله. ويغض طرفه حياءً حتى عن أهله. يتقاطر وجهه نوراً. ويزيدك النظر إليه سروراً. واتفق أن جاءني زائراً. ولقلبي الكسير جابراً. فقلت له يا سيدي أنا أولى بأن أجيء أولاً لزيارتك. وأتشرف بتقبيل عتبة مدرستك. فلم يا مولاي سبقتني. وبمزيد لطفك أخجلتني. فقال أشكل علي أمر الاستثناء في قوله تعالى) فأما الذين شقوا ففي النار (الآيتين. فراجعت تفسير البيضاوي عليه الرحمة فلم أر فيه ما تقر به العين. فراجعت تفسيرك روح المعاني. فوجدت فيه ما أراحني مما عناني. فكان حقاً علي أن أزورك ولو سعياً على رأسي. وأزيل بزلال رؤيتك أوام نفسي. فرأيت منه إنصافاً. لا يوجد مثله عند مدرس هناك وإن صافا. وكان الذي ذكرته كلام بعض العلماء الأعاظم. وقد سبقه إليه محيي السنة البغوي في المعالم. ونص ذلك بعد ذكر الآيتين) اختلفت (أقوال العلماء. في توجيه هذا الاستثناء. على وجه يندفع به احتجاج أهل الأهواء. والذي يلوح لذهني الكليل. والله سبحانه أعلم بمعاني التنزيل. أن الاستثناء في الموضعين مبني على الفرض والتقدير. والمعنى إلا ما شاء الله أي إن شاء أي لو فرض أن الله تعالى شاء إخراجهم من النار أو الجنة في زمان لكان مستثنى من مدة خلودهم. وإن كان ذلك لا يقع البتة لدلالة القواطع على نفي وقوعه.) ثم النكتة (في هذا الاستثناء والله تعالى أعلم إرشاد العباد إلى تفويض الأمور إليه تعالى وإعلامهم بأنها منوطة بمشيئته يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. لا حق لأحد عليه ولا يجب عليه شيء كما قال سبحانه) فعال لما يريد (. وعلى هذا يكون المراد بالذين شقوا الكفار فقط فإنهم الأحقاء بهذا الاسم على الحقيقة. وبالذين سعدوا المؤمنين كافة مطيعهم وعاصيهم فيكون التقسيم في قوله تعالى فمنهم شقي وسعيد للانفصال الحقيقي ولا ينافيه قوله تعالى ففي الجنة لأنه يصدق بالدخول في الجملة. ولعل هذا التأويل هو الحق الذي لا معدل عنه إن شاء الله تعالى اه) وأنا أقول الآن (. ينبغي أن يحمل على هذا ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في تفسير آية الأنعام) ويوم نحشرهم جميعاً يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك عليم حكيم (. ففي تفسير علي بن طلحة عنه أنه قال في تفسيرها لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله تعالى في خلقه ولا ينزلهم جنة ولا ناراً. وقال الطبراني وروي عن ابن عباس. أنه كان يتأول في هذا الاستثناء. أن الله جعل أمر هؤلاء في مبلغ عذابه إياهم إلى مشيئته. لا على معنى تحقق مشيئة الخروج فإن ذلك خارج عن مقتضى ما جاء به الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم. وأجمع عليه أهل السنة. ولعل ما أخرجه عبد بن حميد في تفسيره من رواية الحسن عن عمر رضي الله تعالى عنه لو لبث أهل النار في النار عدد رمل عالج لكان لهم يوم يخرجون فيه. فخبر منقطع لا يصلح أن يعول عليه. ولو ثبت يلزم أن يحمل أهل النار فيه على الموحدين. وكذا في حديث ابن مسعود الذي رواه عنه عبيد بن معاذ ليأتين عليها زمان ليس فيها أحد أو يراد بالنار في ذلك جهنم وهي الدرار الأعلى الذي فيه العصاة من المؤمنين فقد ورد أن جهنم لا يبقى فيها أحد وأنها ينبت في قعرها الجرجير. وما شاع عن الشيخ الأكبر قدس سره من القول بعدم خلود الكفار وانقطاع العذاب عنهم بالكلية فقد أنكره بعض الصحابة وقال أنه إنما ذهب إلى انقطاع العذاب على الوجه المخصوص أعني ما أشار له قوله تعالى) ففي النار لهم فيها زفير وشهيق (. وجعل الاستثناء من الخلود على هذا الوجه فالمعنى إلا ما شاء ربك فلا يكونون خالدين فيها على الوجه الذي هو أن يكون لهم فيها زفير وشهيق. بل خالدين فيها أما على وجه آخر من العذاب كتوقع العذاب مع

стр. 88

ارتفاعه حساً أو على وجه يحجبون عن خوف التوقع. قال وكل من الاحتمالين واقع في بعض الأوقات مع عود العذاب بعد ذلك. ونقله عن كتابه قدس سره إبداء النعمة. بتحقيق سبق الرحمة. ونقل عنه أيضاً أن قوله تعالى لا يقضي عليهم فيموتوا. ولا يخفف عنهم من عذابهم. وما في معناه إخبار عن حالهم في مدة الانتقال فلا ينافي التخفيف بعد انقضاء أمده بمقتضى الرحمة السابقة اه) وأقول (قد نقل الكوراني في مشرع الورود. إلى مطلع الجود. عن البيهقي أنه قال يجوز أن يخفف عن الكفار من العذاب الذي يستوجبونه على ما ارتكبوه من الجرائم بما عملوه من الخيرات اه وعليه فمتى جاز التخفيف بالعمل جاز التخفيف بالرحمة السابقة) ثم (أن ظاهر كلام العلامة ابن القيم في كتابه شفاء العليل إبقاء كلام الحبر على ظاهره حيث قال بعد نقله. وهذا التفسير عن ابن عباس يبطل قول من تأول الآية على أن معناها سوى ما شاء الله من نوع العذاب أو قال المعنى إلا مدة مقامه قبل الدخول. من حيث بعثوا إلى أن دخلوا أو أنها في أهل القبلة وهذه كلها تأويلات باردة ركيكة لا تليق بالآية انتهى فتأمل ولا تغفل. ثم اعلم أن الشيخ إسماعيل حقي ذكر في كتابه الفيض عن شيخه الشيخ عثمان أن الله تعالى إنما يعذب الكفار في النار بما يطيقون وأنه استدل على ذلك بقوله تعالى لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ولم أر ذلك لغيره فتأمله وتأمل استدلاله. وإنما ذكرت ما ذكرت لشدة مناسبته لما ذكرته في تفسير الآية مع ما فيه من الغرابة وتوهين أمر الاعتراض على الشيخ الأكبر قدس سره حيث تضمن الإشارة إلى عدم الجزع بما شاع عنه من القول بعدم خلود الكفار لكن رأيت أنا في بعض كتبه أن السور الذي يضرب بين الجنة والنار يهدم حيث شاء الله تعالى فتتحد الداران ويبقى أهل النار في أماكنهم منعمين ولا يقصر نعيمهم عن نعيم أهل الجنة أو ما هذا معناه. وقد أجاب النابلسي عن ذلك بما أجاب. والله تعالى أعلم وهو الموفق للصواب.) ومما اتفق (لهذا الفاضل المترجم. صانه الله تعالى من كل مكروه وسلم. أنه حضر درس الحضور في العشر الأول من رمضان. زمن السلطان الغازي المرحوم محمد خان. فأمر أن يكون هو المقرر. وأمر الشهرلي السيد حافظ أفندي أن يكون المعترض والمنقر. وكانت الآية التي فيها يبحثون. قوله تعالى) وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون (فلما شرع في التفسير. وخاض في ساحل التقرير. قال له يا بحر العلم وعبابه. ما الفرق بين التوبة والإنابة. فاختطفت هيبة المجلس من يده الجواب. وأخذت الدهشة بفيه فلم ينطق بخطأ ولا صواب. فاعتراه من الخجل. ما لا يعلمه إلا الله . فقام بدمع سائل. وقلب منكسر على ذلك السائل. وكم قد سئل في ذلك المجلس عالم فعجز عن الجواب. وقام وعليه من الاكتئاب أضفى جلباب. والإنصاف أن مثل هذا العجز لا يضر بصدور العلماء. فعلم كل شيء مخصوص برب الأرض والسماء. وقد اختلفوا في جواب هذا السؤال. فمن قائل لا فرق بين التوبة والإنابة بحال من الأحوال. ومثلهما الأوبة. فهي أخت الإنابة والتوبة. ومن قائل أن الإنابة أعلى رتبة من التوبة. لما فيها ما فيها. مع اتخاذ العبد مولاه وكيلاً في جميع أمره. فكأنه أنابه عنه في ذلك فلا يحتاج إلى ما يختاره في جهره وسره. والأوبة أعم منهما وشاملة لهما. ومن قائل أن في التوبة رجوعاً إليه تعالى رغبة في ثواب ورهبة. وفي الإنابة رجوعاً إليه تعالى تشرفاً بعبادته أو قبولاً لتكاليفه أو لغرض من الأغراض غير الرغبة والرهبة. وفي الأوبة رجوعاً إليه سبحانه بمجرد الحب والاستحقاق الذاتي كأوبة المسافر إلى وطنه حباً له وإن لم يكن له فيه أهل أو ولد فالتوبة للعوام. والإنابة للمتوسطين وإن شئت فقل للخواص. والأوبة للخواص. وإن شئت قلت لخواص الخواص. ونظير ذلك ما قيل في العبادة والعبودية والعبودة. ومنهم من عكس في التفرقة بين الإنابة والأوبة ومن قائل غير ذلك. وإثبات الفرق لغة أصعب من خرط القتاد ولا مشاحة في الاصطلاح. والتفنن في التعبير من سنن القرآن العظيم. وأظن أن في إحياء العلوم وعوارف المعارف ما يتعلق بذلك. فارجع إليهما والله تعالى الموفق. ثم أن هذا الفاضل المومى إليه. لا زالت طلبة العلوم عاكفة عليه. معلم اليوم في بعض المكاتب الجديدة. وعيشه بين أمثاله في الجماعة حميدة. وقد أجازني بجميع

стр. 89

مروياته. وكتب لي في ذلك أبياتاً من منشآته. وقد ضاعت مني جزاء الله تعالى خير الجزاء عني. ) ومنهم ذو الحظ الجلي. مصطفى أفندي الودين لي (نسبة تركية إلى ودين بكسر الواو والدال المهملة بعدها ياء مثناة تحتية مكسورة بعدها نون بلدة محكمة رصينة واقعة على ساحل نهر طونة تشتمل اليوم على نحو عشرين ألف نفس. وهذا ثاني الرجلين اللذين وعدنا بترجمتيهما. وبيان صفتيهما. وهو وكيل الدرس اليوم. وله شهرة تامة بين القوم. وقد أجمعوا على أنه في المجالس بأقل. وفي المدارس سحبان وائل. وقد اجتمعت به مراراً فلم أشم منه رائحة العلوم. مع أني بفضل الله تعالى لست بالمزكوم. ولم أجتمع به في مدرسة. ولا سمعت تقريره ودرسه. نعم اجتمعت به عند حضرة شيخ الإسلام. فجرى بحث ما قاله في دلالة القرآن العلماء الأعلام. فقلت أنه قال غير واحد القرآن قطعي الورود ظني الدلالة. فقال لي قد غلطت في نقلك. وصدر منك ما لا ينبغي أن يصدر من مثلك. فقلت ما الذي صدر. ومعاذ الله تعالى أن أجيء بالصقر والبقر. فقال أنهم يقولون القرآن قطعي الثبوت. وأنت قلت قطعي الورود. فكان يلزمك أن تقول كما قالوا ولا تعدل إلى لفظ غير معهود. فتبسمت من قوله. وعجبت من ذلك على ما يزعمون من فضله. فقلت لا حظر علي في تغيير التعبير. ورواية الحديث بالمعنى جائزة للعالم البصير. على أنه إن أردت بضمير الجمع. في أنهم يقولون جميع العلماء فهو في حيز المنع. والاستقراء التام. ما لا يكاد يتحقق في مثل هذا المقام. وإن أردت بعض العلماء. فذاك مما ليس لك فيه غناء. على أن اللائق بمثلك. والأهم لمن فضله كفضلك. أن يتكلم في تحقيق هذا المطلب. وتمييز الأصوب فيه عن غير الأصوب. فإن كون القرآن ظني الدلالة يقتضي تقديم الدليل العقلي على السمعي. والحال قد قال الشيخ الأكبر قدس سره: على السمع عوننا فكنا أولي النهى ... ولا علم فيما لا يكون عن السمع وقال أيضاً: فقل لعقلي اقصر فنقلي ... يهدي إلى العلم والرشاد وقال أيضاً: كيف للعقل دليل والذي ... قد بناه العقل بالكشف انهدم فنجاة النفس في الشرع فلا ... تك إنساناً رأى ثم حرم واعتصم بالشرع في الكشف فقد ... فاز بالخير عبيد قد عصم أهمل الفكر ولا تحفل به ... واتركنه مثل لحم في وضم إن للفكر مقاماً فاعتضد ... به فيه تك شخصاً قد رحم كل علم يشهد الشرع له ... هو علم فيه فلتعتصم وإذا خالفه العقل فقل ... طورك الزم ما لكم فيه قدم

стр. 90

فما نطق الرجل بشيء ولا فاه. وكسا بلثام من السكوت فاه. بيد أني استشعرت منه أنه لا يقول بإطلاق الظنية. وهو مشعر بأن به خبرة ما في مثل هذه المطالب العلية. وإن أردت ما قيل في هذا المقام. فاستمع لما نتلوه عليك من كلام العلماء الأعلام. قال) في المواقف وشرحه (الدلائل النقلية هل تفيد اليقين بما يستدل بها عليه من المطالب أولاً قيل لا تفيده وهو مذهب المعتزلة وجمهور الأشاعرة لتوقفه على العلم بالوضع أي وضع الألفاظ المنقولة عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بازاء معانٍ مخصوصة وعلى العلم بالإرادة أي بأن تلك المعاني مرادة له وكل منهما يتوقف على أمور كلها ظنية. ثم بعد هذين الأمرين لا بد من العلم بعدم المعارض العقلي الدال على نقيض ما دل عليه الدليل النقلي إذ لو وجد ذلك المعارض لتقدم على الدليل النقلي قطعاً بأن يؤول النقلي عن معناه إلى معنى آخر. مثاله قوله تعالى:) الرحمن على العرش استوى (فإنه يدل على الجلوس وقد عارضه الدليل العقلي الدال على استحالة الجلوس في حقه تعالى فيؤول الاستواء على العرش بالاستيلاء إذ لا يمكن العمل بهما ولا بنقيضيهما وتقديم النقل على العقل إبطال للأصل بالفرع وفيه إبطال الفرع وإذا أدى إثبات الشيء إلى إبطاله كان مناقضاً لنفسه وكان باطلاً لكن عدم المعارض العقلي غير يقيني إذاً لغاية عدم الوجدان وهو لا يفيد القطع بعدم الوجود. فقد تحقق أن دلالتها تتوقف على أمور ظنية فيكون دلالتها أيضاً ظنية. لأن الفرع لا يزيد على الأصل في القوة. قال والحق أنها قد تفيد اليقين في الشرعيات بقرائن مشاهدة أو متواترة تدل على انتفاء الاحتمالات المذكورة فإنا نعلم استعمال لفظ الأرض والسماء ونحوهما من الألفاظ المشهورة المتداولة فيما بين جميع أهل اللغة في زمن الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم في معانيها التي تراد منها الآن والتشكيك فيه سفسطة لا لشبهة في بطلانها. وكذا الحال في صيغة الماضي والمضارع والأمر واسم الفاعل وغيرها فإنها معلومة الاستعمال في ذلك الزمان فيما يراد منها في زماننا. وكذا رفع الفاعل ونصب المفعول وجر المضاف إليه مما علم معانيها قطعاً فإذا انضم إلى مثل هذه الألفاظ قرائن مشاهدة أو منقولة تواتراً تحقق العلم بالوضع والإرادة وانتفت تلك الاحتمالات. وأما عدم العارض العقلي فيعلم من صدق القائل فإنه إذا تعين المعنى وكان مراداً له فلو كان هناك معارض عقلي لزم كذبه) نعم (في إفادتها اليقين في العقليات نظر لأن كونها مفيدة لليقين مبني على أنه هل يحصل بمجردها أي بمجرد الدلائل العقلية والنظر فيها وكون قائلها صادقاً الجزم بعدم المعارض العقلي وأنه أهل للقرينة التي تشاهد أو تنقل تواتراً مدخل في ذلك أي الجزم بعدم المعارض العقلي وهما أي حصول ذلك الجزم بمجردها ومدخلية القرينة فيه مما لا يمكن الجزم بأحد طرفيه أي النفي والإثبات فلا جرم كانت إفادتها اليقين في العقليات محل نظر وتأمل) فإن قلت (إذا كان صدق القائل مجزوماً به لزم منه الجزم بعدم المعارض في العقليات كما لزم منه في الشرعيات وإلا احتمل كلامه الكذب فيهما فلا فرق بينهما) قلت (المراد بالشرعيات أمور يجزم العقل بإمكانها ثبوتاً وانتفاءً ولا طريق له إليها وبالعقليات ما ليس كذلك وحينئذ جاز أن يكون من الممتنعات فلأجل هذا الاحتمال ربما لم يحصل الجزم بعدم المعارض العقلي للدليل النقلي في العقليات وإن حصل الجزم به في الشرعيات وذلك بخلاف الأدلة العقلية في العقليات فإنها بمجردها تفيد الجزم بعدم المعارض لأنها مركبة من مقدمات علم بالبداهة صحتها أو علم بالبداهة لزومها مما علم صحته بالبداهة وحينئذ يستحيل أن يوجد ما يعارضها لأن الأحكام البديهية لا تعارض بحسب نفس أمر أصلاً انتهى.) قال الفاضل حسن جلبي الرومي (في حاشية المواقف عند قوله قدس سره وحينئذ جاز أن يكون من الممتنعات هاهنا بحث مشهور: وهو أن المعنى بعدم المعارض العقلي في الشرعيات صدق القائل وهو قائم في العقليات أيضاً وما يحكم العقل بإمكانه ثبوتاً أو انتفاءً لا يلزم أن يكون من الممتنعات لجواز إمكانه الحافي من العقل فينبغي أن يحمل كل ما علم أن الشرع نطق به على هذا القسم لئلا يلزم كذبه وإبطال ما قطع النقل بصدقه فالحق أن النقلي يفيد القطع في العقليات أيضاً ولا مخلص إلا بأن يقال مراد

стр. 91

الشارح النظر في الأدلة نفسها والقرائن في الشرعيات تفيد الجزم بعدم المعارض لأجل إفادة الإرادة من القائل الصادق جزماً. وفي العقليات إفادته الجزم بعدمه محل نظر. بناءً على أنه ليس على هذا للذكي مزيد.) واجتمعت به مرة أخرى (عند المشار إليه لا زالت أنهار العلم جارية لديه. فألقى بحثاً في البين على ما هو العادة. فترجم هذا المترجم كلامي فيه بالتركية وأعاده. فلسرعة فهمه وانتقاله. علمت أن له فضة تزيد على فضة أمثاله. لا سيما والمسألة من فقه الشافعية. وفهم مقاصده بمراحل عن أذهان علماء القسطنطينية. وسيأتي ذلك آخر الكتاب. إن شاء الله تعالى الملك الوهاب.) وبالجملة (لا يخلو الرجل عن معرفة ببعض العلوم. غير أن له عجباً بنفسه يزاحم مناكب النجوم. وأنه دون العلماء المشهورين هناك في الأخلاق. بل لم أر مثله في كبر النفس بين من رأيت من علماء الآفاق. وخير ما فيه أن له انكباباً على التدريس. فيكاد يضيق وقته لسعة اشتغاله به عن المنادمة مع الجليس. وهو اليوم مع كونه وكيل الدرس مدرس مدرسة السلطان عبد الحميد. وكان ذا معيشة ضنكا فأضحى في عيش حميد. ولا أقول جن له الدهر. فالكثير في حق العلماء كيفما كانوا نزر. أسأل الله تعالى أن يحسن خلقه. ويكثر لكل منا رزقه.) ولقد اجتمعت (بآخرين من العلماء. ولكنهم في العلم دون هؤلاء. ولو ذكرتهم لمل من الطول مقالي. على أن أسماء كثير منهم قد أفلت من سماء خيالي. وقد استأنست ببعضهم جداً. ورأيت فيه من مكارم الأخلاق ما لم أستطع له عداً.) واجتمعت (أيضاً بمشائخ صادقين وكاذبين. وآخرين بين ذلك مذبذبين. ومن أصدق من اجتمعت به. ووددت لو انتظمت في سلك صحبه. روض أنوار سروري.) حضرة مطلع الأنوار الإلهية الشيخ نوري (. وأعني به سيدي وسندي. المرشد بالتكية الشهيرة بتكية يحيى أفندي. وهي كنار على علم عليها من الجلالة غواش. واقعة في الساحل قرب سراي السلطان في سمت بشك طاش. وهو رجل على ما أخبرني من أفراخ حضرة الباز. وقد حلق على ما أحسست في جو كل حقيقة ومجاز. وأخلاقه تشهد بصحة نسبه. ولا تبقى غبار شبهة لمشتبه. تقبل الرجال يديه ورجليه. وهو لا يعد ذلك إلا نحو قذى في عينيه. ورأيته يسلك المريدين في الطريقة النقشبندية. مع أنه من السلالة القادرية. وما ذاك إلا لاتحاد منتهى المسعى. وإن إلى ربك الرجعى.) نعم (اختلف ذوو العرفان. فمن قائل ماء ولا كصداء ومرعى ولا كالسعدان. وأنا عبد على الحقيقة. لصادقي في كل طريقة. وأني لأعد ذلك مجداً. وأكاد أطأ بأخمصي الثريا إذا قلت عبداً.

стр. 92

) وممن اجتمعت به ليث غابة الصلاح المزري بليث الوغا. حضرة الشيخ الشهير بحاج عارف أغا (كان في سالف الزمان. عربه جي باشي عند المرحوم السلطان الغازي محمود خان. فدعاه للعمل بمقتضى ما وضعه من القوانين بعد حادثة بني الأصفر. فقال لا أفعل ذلك أبداً ولو ارتديت أردية الموت الأحمر. فترك خدمة عربته. واشتغل بمحو خطيئته بمياه عبرته. واعتاض عن درهم سلطانه. بدينار ربه وإحسانه. وقام نشطاً لخدمة مولاه. شاكراً على توفيقه سبحانه إياه. وإذا حلت الهداية قلباً ... نشطت للعبادة الأعضاء فهو منقطع للعبادة الآن. في زاوية تجاه باب جامع السلطان أحمد خان. قرب العمود المصور. الذي ذكرناه فيما مر. وقد غدا للمجاذيب مغناطيساً. ولهم بعد الله أنيساً. فما من مجذوب في إسلامبول كائناً من كان. إلا وهو آتٍ لزيارته كما يأتي السمك لزيارة صخرة حقلان. بيد أن هاتيك الصخرة. يزورها السمك في السنة مرة. وهو مزور كل مجذوب. في كل يوم عند الطلوع والغروب. فكان رسوله إليهم الشمس في طلوعها وغروبها. أو الريح في سكونها وهبوبها. وكذا فقراء الغرباء إليه يهرعون. وفي رياض إكرامه يرتعون. ومن حياض أنعامه يترعون. وهو في كثرة السيب. كأنما ينفق من جيب الغيب. وقد رأيته فيما سلكه. لم ينصب دينه لدنياه شبكة. ولو كانت الدنيا له عشيقة. ما طلقها ونكح بدلها الطريقة. وقد رأيت معظم مشائخ إسلامبول. يبيعون المنصب للمعزول. يأتون إليه فيقولون هل لك أن تعطينا كذا مقداراً من ذهبك. فنعيدك بالهمة القلبية إلى ما كنت فيه من ذاهب منصبك. وإن لم يتيسر ذلك. أعطيناك منصباً غيره أعلى من السماك. ومجانين المناصب. ملء المشارق والمغارب. فيساندونهم على ما وقع بينهم ودار. فإن صادف القدر ضاعفوا لهم عن طيب نفس ذلك المقدار. وإلا أعطوهم بعض ما وقع عليه الكلام. وعادوا يرجون الهمة منهم في أن يعيدوهم ولو بعد أعوام. وقد يفعلون مثل هذا الفعل الرذل. مع من يروم منصباً لم يكن هو فيه من قبل. واتفق أن كتب بعض الأشهاد. على بيع بعض المشايخ لبعض الناس وزارة بغداد. فاجتهد البائع في أعمال الهمة وجد فما وقع في يد المشتري بعد الجهد الجهيد غير السند. ولم أر عند هذا الشيخ مثل هذه الحيل. نعم عنده مبشرات لمن لاذ به من أهل الدنيا واتصل. ولقد رأيته ذا نفس غنية. قلما يقبل من أحد هدية. وأظنه ضعيف الحال. قد كفي بكف القناعة ذل السؤال. ومع ذا قد شارك الفقراء فيما عنده. ولم يمنع من أتاه مسترفداً رفده. وما أجل القائل. من الأوائل الأفاضل: وأني لأخفي باطني وهو موجع ... فينظر مني ظاهري وهو ضاحك وأسأل عن حالي وبي كل فاقة ... فأوهم أني للعراقين مالك وأظن الأجل من هذا القائل من كان في حاله مثله. لكنه كتم أمره فلم يقل في إظهاره قوله. وبالجملة إن هذا الشيخ بالنسبة إلي أكثر من رأيت هناك من الشيوخ. يعد ذا صلاح أخذ بمنطقه الجوزاء مع مزيد استقامة ورسوخ. وقد استجازني ببعض الأحزاب. فأجزته بالشرط المعتبر عند الأصحاب. نسأل الله تعالى أن يجعلنا من العلماء العاملين. ويمن علينا بالكون في معية الصادقين. ) وممن اجتمعت به أيضاً من المشايخ ذو الخلق الوردي. الشيخ المولوي قدرة الله أفندي (وهو شيخ مولوي قد أضعف الكبر في الجملة سمعه. وله تكية في غلتا ترتع فيها ظباء أو أنس كل أسبوع بعد صلوة الجمعة. ولقد حضرنا حلقة ذكره وفيها ولدان بدور. فلولا أن تولى حضرة مولانا تعالى شأنه قلوبنا لكانت الدوائر عليها تدور. ولا غلب الرجال ميل إلى هذا الشيخ كثير. وهو مع المشيخة يكتسب ببيع الأسير. وربما يحضر فيما بين. للاستشفاء بقراءته من نحو وجع رأس أو عين. ويقال أن سبب تسميته بقدرة الله. أنه بعد موت أمه نظر بعين الولادة دنياه. ومن هنا مالت إليه النفوس. ولم يعلموا أن مثله في ذلك أغستوس. وبالجملة قد رأيته ذا أخلاق سنية. كأغلب مشايخ الطريقة المولوية. وليس عنده من المحاسن سوى حسن الأخلاق. ولولا ذلك لكان بينه وبين سائر النخاسين أتم وفاق.

стр. 93

) وممن اجتمعت به أيضاً من المشايخ في ذلك النادي. الشيخ عبد الله أفندي القرغولي البغدادي (. وهو ابن محمد أغا المطاوخي عند) داود باشا (والي بغداد. وعشيرته مشهورة خرج فيها رجال أمجاد. واشتهر بين المطلعين على الأنساب. أنهم جاءوا في معية السلطان مراد إلى تلك الرحاب. فسكنوا في بغداد بأمر السلطان. وأنهم ليسوا من عدنان ولا قحطان. وقد خرج هذا الشيخ شاباً إلى القسطنطينية. فأوصله القدر زمن السلطان الغازي محمود خان إلى الأمنية. فبنى له خانقاه. وأولاه من بره ما أولاه. وهو غلام أنقى من مرآة الغريبة. وله دعوى فيه بين الأتراك أعجب كل عجيبة. نعم هو كريم الأخلاق. كسائر أهل العراق. يجود بالقوت. ولو علم أنه يموت. ولا يمنع عن سائل كسوته. كما لا يمنع عنه كسرته. فيعطيه سترته. ولو رأى الناس عورته. ويذهب مع المستشفعين. ولوالي بلاد الصين. إلا أنه يبيع المناصب لكن بالإشارة. ويمنعه الحياء البغدادي أن يبيع بصريح العبارة. ومجمل ما أقول. أنه خير من كثير مشايخ إسلامبول. إلا أنه بلغني أنه يدعي النسبة إلى حضرة) الباز الأشهب (. وأني لأقسم بحرمة هاتيك الخضرة ما تعبق منه عرق من عبير عنبر ذلك النسب. نعم له انتساب إلى حضرته. من حيث دخوله في طريقته. وذلك أقرب نسب. عند من أحب. نسب أقرب من شرع الهوى ... بيننا من نسب من أبوي وفي إسلامبول ونواحيها. غير واحد من الكذابين يدعيها. ولقد رأيت هناك منهم من لا يشك بغدادي في كذبه. فلم يسعني إلا السكوت عن بيان ما هو الحق في نسبه. فالناس لا يستطيع مثلي بينهم ... من نوكهم شرحاً لما قد أبهما

стр. 94

) وقد اجتمعت (بآخرين. معتبرين وغير معتبرين. ولم أر كالمولوية في الأخلاق. فعليهم من دراريها أبهى وشاح ونطاق. وهم في أداء ما يدور على محور الشريعة المحمدية. بكثير دون السادة القادرية والنقشبندية. ولكل متشيخ هناك اعتبار. ولو أنه خمار أو حمار. وقد رأيت شيخ المتشيخين الخمر لا يحط من مقدارهم. ومن الجهلة من يعتقد أن شربهم الحشيشة يظهر درر أسرارهم. وبالجملة لا سلعة أنفق من المشيخة في إسلامبول. وأنها فخ عظيم يصطاد به كل مأمول. لكنها متفاوتة باعتبار الأشخاص. وكم من فرق بين قناص وقناص. وما أظن ذلك الاعتبار إلا من حسن اعتقاد أهل تلك الدار. مع أن معظمهم غريق بحر أمانيه. والغريق يتشبث بالحشيش وما يحاكيه. وحيل المتشيخين على اختلاف طبقاتهم مما تخفى حتى على إبليس. وهي رأس مالهم الذي أثروا به حتى أوثروا على أرباب التدريس. وتلك علة قديمة. ومصيبة والعياذ بالله تعالى عظيمة. وقد ساعد على بقائها في العالم عدم سماع كلام العالم فيهم. حيث توهم جهلة العوام أن ذلك ليس إلا حسداً لهم فيما يأتيهم. ومن أولئك. من يحمله على غرض نفساني غير ذلك. ومنهم من يزعم أن إنكار العلماء الأكابر. لكون أولئك من أهل الباطن وكونهم أنفسهم من أهل الظاهر. وما دروا أن كل باطن يخالف الظاهر. فهو كما قال غير واحد من العارفين باطل ومرتكبه خاسر. وقال الإمام الرباني قدس سره الطريقة لا تخالف الشريعة بمقدار شريعة. ونحو ذلك للعارفين أكثر من أن يحصى. بل قد أنكر العارف الشيخ عبد الوهاب الشعراني. قدس سره النوراني. في كتابه الدرر المنثورة. في بيان زبد العلوم المشهورة. كون علم الصوفية باطناً. قال وما أعلم زبدة التصوف الذي وضع القوم فيه رسائلهم فهو نتيجة العمل بالكتاب والسنة فمن عمل بما علم تكلم بما تكلموا. وصار جميع ما قالوه بعض ما عنده لأنه كلما ترقى العبد في باب الأدب مع الله تعالى دق كلامه على الإفهام. إلى أن قال وهذا هو الذي دعا الفقهاء ونحوهم من أهل الحجاب إلى تسمية علم الصوفية بعلم الباطن وليس ذلك بباطن إذ لباطن إنما هو علم الله تعالى. وأما جميع ما علمه الخلق على اختلاف طبقاتهم فهو من علم الظاهر لأنه ظهر للخلق فاعلم ذلك اه. والحق أن الظهور والبطون أمران نسبيان فيمكن اجتماعهما في شيء واحد بأن يكون ظاهراً عند شخص باطناً عند آخر فقد يعد علم النحو وعلم المنطق وغيرهما من العلوم من العلم الباطن كما لا يخفى. فافهم ذاك. والله تعالى يتولى هداك.) وبالجملة (أن سوء ظن العوام بخواص العلماء. أوجب اتقاد نار فتنة المتشيخين الجهلاء. وأنا أسأل الله تعالى أن يصلح الخواص والعوام. وأن يطفئ بنور شريعته نار فتنة اضطرمت بين الأنام. ) وقد اجتمعت (بكثير من الكتبة وصطفيت لي منهم أحباباً ذوي أخلاق مهذبة. أجلهم بل هو كلهم ذو الخلق العطر الندي.) حضرة عاكف بك أفندي (. وهو ابن أخي حفظي باشا العارنوود وداماداه. ومن هو اليوم سقف بيته الرفيع وعماده. وأصل أهل هذا البيت من العارنوود. جلاهم عن ديارهم وأسكنهم القسطنطينية المرحوم السلطان محمود. وقد نالوا من طويل التغريب. عريض البلا العجيب. ولم يثلب ذلك من سور مجدهم قيد شعرة. ولم يعب من وجوه محاسنهم ومحاسن وجوههم بمقدار ذرة. سراه يقر الحاسدون بفضلهم ... كرام السجايا والعلى والمناسب إذا جلسوا كانوا صدور مجالس ... وإن ركبوا كانوا صدور مواكب أسود تقنت بالقنا عن عرينها ... وبالبيض عن أنيابها والمخالب يجودون للراجي بكل نفيسة ... لديهم سوى أعراضهم والمناقب إذا نزلوا بطن الوهاد لغامض ... من القصد أذكوا نارهم بالمناكب وإن ذكروا غب الطعان رماحهم ... رأيت رؤوس الأسد فوق الثعالب

стр. 95

وأنا لم أر حفظي باشا حيث أنه توفي قبل الدخول. إلا أنه تواترت بأنه واحد الآحاد صحيحات النقول. وأما عاكف بك فرأيته ممن لم تسمح بمثله الأدوار. ولا رأى الزمان نظيره بطرفي النهار في هذه الأقطار. المحاسن عليه عاكفة. وسحب المكارم على حماه) حماه الله تعالى (واكفة. وهو اليوم على ما سمعت كاتب ديوان الإنشاء عند ذي الأقدام الجلي. حضرة عمر باشا مشير عساكر روم أيلي. ولي فيه أقوى إمارة. على أنه سينال مرتبة الوزارة. وقد أنست في داره. ببني أعمامه وضيوفه المقيمين فيها وزواره. فمن بني أعمامه. الحاكين للبدر ليلة تمامه. الكامل الأوحدي. إسماعيل بك أفندي. والغلام اليافع. ومن نور الكمال من خلال أسرة جبينه ساطع. ذو الخلق الوردي محمود بك أفندي. ومن صنوف ضيوفه المقيمين في هاتيك المغاني. الفاضل الكامل عبد الله أفندي الداغستاني. وهو ممن قرأ علي وأجزته. بعد أن وقفت على عجزه وبجره وخبرته. والمسلم الذي تسلم الأنس به مني أكداري. الشيخ المدعو بميرزا بابا البخاري. ولعمري أنه صحيح الوداد. ليس فيه علة عند المنقرين النقاد. ومن زواره. الذين يسمرون كل ليلة في داره. رجل هو في الشفقة علي كوالدي عندي. يدعى في المجلس أثناء المحاورة بحسن أفندي. وقد أنسيت نسبته. وجهلت بعد أن علمت رتبته. نعم سمعت من نحو مائة نفس. أنه كثيراً ما صار وكيلاً عن وكيل الدرس. وما أحرى أن يكون هذا الأصيل هو الوكيل. لأنه مع حسن أخلاقه عالم فضيل. لا يداهن في الجرح والتعديل. ) ومنهم (آخرون معتبرون. عداهم وصاحب البيت ريب المنون. واتفق أن سئلت يوماً عن دفع ما يتوهم من التعارض بإبداء معنى يتكفل بذلك حقيقي أو مجازي. وذلك في صدر وعجز بيت حضرة مولانا لسان الغيب حافظ الشيرازي. وهو قوله: بيرما كفت خطا بر قلم صنع نرفت ... آفرين نظر باك خطا بوشش باد فقلت أين أنا من الفارسية الدرية. وأن مناط الثريا معنى معرفة معاني كلمات القوم الدرية. وأني إذا جسرت. وذكرت ما ذكرت. يقول لي مؤبني: راح تمشرقة ورحت مغرباً ... شتان بين مشرق ومغرب

стр. 96

فقالوا لا نعذرك بهذا الكلام. فاذكر لنا ولا أقل مما ذكره في ذلك العلماء الأعلام. فقلت أنهم ذكروا في ذلك عدة وجوه. وأني ذاكرها لمن يريد فلعل فيها ما يرجوه.) الأول (أن المراد بالستر المفهوم من قوله خطأ بوشش باد النفي مجازاً) الثاني (أن المراد بالخطأ في الشطر الثاني غيره في الأول. وذلك كخطأ المريدين وارتكابهم ما لا يليق بهم شريعة أو طريقة) الثالث (أن المراد به الأول لكن باعتبار أنه خطأ في نظر القاصرين المحجوبين. وأظن هذا يحتاج في دفع الدغدغة إلى حمل الستر على النفي مجازاً أيضاً) الرابع (أن المراد به النقص الذاتي في المصنوعات الذي لا دخل لقلم الصنع في انتقاش حروفه فيها كالإمكان الذاتي لها ضرورة أن الإمكان الذاتي غير مجعول. والألزم الانقلاب المحال وهو ظاهر ككون الإمكان نقصاً فالشيخ نفي جريان الخطأ على قلم الصنع. وستر هذا بأن لم يتعرض له. أو أنه أخفاه بأن قال به رمزاً حيث قال أن الخطأ لا يجري على قلم الصنع ولم يقل لا خطأ في المصنوعات ولا نقص فيها فترك التصريح به ستراً له. ويرد على هذا أن تسمية النقص الذاتي خطأ بعيد جداً كما لا يخفى ولعل اعتبار المشاكلة يهون الأمر فتدبر.) الخامس (أن يراد به النقص الذي هو من ضروريات الصنع ومستتبعاته كالحدوث والتأثر وكالتحير فكل ذلك نقص ولذا استحال عليه تعالى مع أنه من ضروريات الصنع على معنى أنه لولا الصنع ما ظهر. فالشيخ أيضاً ستره ولم يتعرض له. أو أنه أخفاه وقال به رمزاً فتدبر ولا تغفل.) السادس (أن المراد به أحد هذين النقصين أو كلاهما وأن معنى كون نظر الشيخ ساتراً لذلك كونه إكسيراً محيلاً لرصاص المريدين ذهباً خالصاً وماحياً عن جليدية أبصار بصائرهم مثل الأغيار. فيكون مشهودهم المؤثر لا الآثار. وما ألطف وصف النظر بالباك علي هذا وهو معنى بعيد المغزى لولا ما فيه من حمل الخطأ على النقص.) السابع (أن يراد به ذلك أيضاً ويراد بالنظر الباك نظر قلم الصنع. وإثبات النظر للقلم تخبيل كإثبات القلم للصنع والأظفار للمنية. والتخيل طريق مهيع. ومعنى كونه باك أنه سالم من العلة الموجبة للإحساس بالشيء على خلاف ما هو عليه في نفس الأمر كعلة الحول الموجبة للإحساس بالواحد اثنين. ويراد بستره ذلك النقص أنه يصنع المصنوعات حسبما يقتضيه استعدادها لنفس الأمري الغير المجعول على ما نص عليه غير واحد من السادة الصوفية قدست أسرارهم. ويرمز إليه قوله تعالى) أعطى كل شيء خلقه (دون أعطى كل شيء خلقنا مشتملة على الحكم والمصالح بحيث يضمحل فيما بينها ذلك النقص ولا يلتفت إليه شغلاً عنه برؤية الحكم والمصالح التي يكل عن حصرها القلم. وعلى هذا جوز أن تكون جملة آفرين الخ من تتمة مقولة الشيخ ولا تجعل مقول التلميذ ولو كان هناك خطاب لكنت أرجح عدم كونه مقولة لما فيه من سوء الأدب كما يدل عليه القصة المشهورة في سؤال محمد أبا حنيفة عن حكم قول الرجل لزوجته إن كلمتك فأنت طالق إن كلمتك فأنت طالق إن كلمتك فأنت طالق. وعدم تكليمه إياها بعد فافهم. والله تعالى أعلم. وذكرت أنا وجهاً خطر لي إذ ذاك. ولم أتذكره الآن فكأني تركته هناك. ومن الناس من لم يقبل لهذا البيت توجيهاً. والتزم أنه كلام لم يكن وجيهاً. وللجلال الدواني في الكلام فيه رسالة فارسية. ذكر فيها بعض الاحتمالات التي ذكرناها. ولعل الاحتمالات الأخر عنده غير مرضية. وكم جرت أبحاث علمية في مجلس المومى إليه. لا زالت العلماء عاكفة عليه. ولقد رأيته ذا راحة من البحر أندري. فما كعب بن مامة بالنسبة إليه وما ابن سعدي. قد استحال نجابه. ولم تعرف سهام أفكاره إلا الإصابة. وقد صانه مولاه. من كل قبيح وحماه. وطهره سبحانه من المآثم فلا تحوم حول حماه. وآتاه جل شأنه من الكمال. ما تنقطع دونه أماني الرجال. وميزه ﵎ على أبناء صنفه في صنعة الإنشاء. فصار بحيث ينظم في سلك إنشائه زهر الكواكب إن شاء. مولى أراع يراعه ... قلب الطروس مع السطور ببديع وشيءٍ مخجلٍ ... وشيء البديع والحريري عجباً له فاق الأوا ... ئل وهو في الزمن الأخير وأنا ما اجتمعت بذي رق إلا وهو مقرباً لرقية له. قائلاً ما رأيت وحرمة اللوح والقلم في فن الكتابة مثله. إن هز أقلامه يوماً ليعملها ... أنساك كل كمي هز عامله

стр. 97

وإن أقر على رق أنامله ... أقر بالرق كتاب الأنام له وقد اكتسى. بحب أهل الكساء. وسرى فيه حب الأمير الفرد. سريان ماء الورد في الورد. ولهج بالثناء على أهل البيت. وولع بتعظيم الحي منهم والميت. ولم يستجن بجنة التقية. من أسنة السنة بعض علماء القسطنطينية. وقد رأيت منهم من يعذله ولو استطاع لأوقع به أذى وهو يقول: لا انتهى لا انثنى لا أرعوي ... ما دمت في قيد الحيوة ولا إذا وحيث أني من أهل البيت لديه. جعلني بحيث أحكم في بيته عليه. وصار ولده في الحب كولدي عنده. وفتاه أسرع في امتثال أمري من أبر ولدي. وخصني في داره المعمورة. بغرفة من المحاسن مغمورة. تشرق على روض أريض. تذهب عقاقير النظر إليه مرض كل مريض. وكنت إذا بت هناك. بت على رفيعات أرائك. ونمت على فرش تنزل بوسعهن اللين أوجاتها. فيغنيني عن تجشم اللحف حافاتها. ويعد قبولي ذلك من تفضلي عليه ومنني. وهكذا كنت ولله تعالى الحمد في أهلي وفي وطني. وكان يقترح علي أن آمر طباخه بطبخ ما أشتهيه. مع أن طعامه العادي كل أحد لنفاسته يشتهيه. فأدعوه وأنص له على ما أريد تنصيصاً. ولست ولله الحمد ممن يقول اطبخوا لي جبة وقميصاً. وسبب فوز طعامه من قداح اللذة بالمعلى والرقيب. أنه ومحي العظام لم يذق فيما أعلم طعم الصليب. وطعام الأكثرين قد تشرب لحمه ودمه بذلك الودك. وإن تسل عن طعام المسافر خانة فذاك الذي رض بثقل رائحته مني القوي ودك. وسبب اضطراري إلى تناول طعامه هنالك. فقدي الطعام الخالي منه بسبب نجاسة طبع المأمور إلا عند مالك. وأظنه أنه لو كان أمسى عنده وهو مسافر. لأفتى بعد الاطلاع على حقيقة الحال بنجاسته. وتحاشى عن أن يقول هو طاهر. وكنت أستحي أن أفيد حالي. المأمورين من أهل الباب العالي. فكنت لذلك أتجرع أنا ومن معي غسيلنا. وأدعو على ذلك المأمور والجماعة تقول بالسنة ضعفت من الجوع آمينا. لكن لم آكل هناك ذلك الطعام. إلا أقل قليل من الأيام. حيث كانت الأحباب تدعوني. وأنهم لم يتركوني هناك في أكثر الليالي ولم يدعوني. لاسم هذا المترجم. ومن درت لديه موائد الكرم. وبلا مداهنة أن المومى إليه. لا زال السعد عاكفاً عليه. ذو نقيبة نقية وخلق حر. وكل ذوي العلم وإن جلوا ليسوا منه ولا قلامة ظفر. وبالجملة أخذت جبلته بعناني. إلى القول بأن العارنوود من قوم جبلة بن الأيهم الغساني. وأنه لما ذهب مع من تبعه من قومه إلى الروم. تنصر هناك زمن الفاروق بسبب الأمر المعلوم. ثم أنه ندم فقيل له مالك لا تعود. فقال لما فيه من بقية الجاهلية عار أن نعود. وما كان لهذا اللفظ يبقى بين الروم على ما هو المعهود. فشنوا عليه الغارة فأضحى وهو عرنوود. ومن الناس من يزعم أن الجراكسة أيضاً كما في تاريخ مصر لابن أياس من قومه. ويزعم أن الأصل قوم من جركساه فغيره من غيره لعدم فهمه. وإنما أخذت جبلة جبلته بعناني لذاك. لأن كرمه كرم عرب لا روم وأتراك. إلى أخلاق حسان. لا توجد إلا فيمن كان من عدنان أو قحطان. ويهديك إلى الروض عطره. ويدلك على المسك نشره. أصل الفتى يخفى ولكنه ... من فعله يظهر خافيه وقد شق عليه فراقي. وتشابه احتراقه واحتراقي. لو كنت ساعة بيننا ما بيننا ... وشهدت حين نكرر التوديعا لعلمت أن من الدموع محدثاً ... وعلمت أن من الحديث دموعاً أسأل الله بحرمة الطائفين والعاكفين والركع السجود. أن يمن علينا بالاجتماع في أحب البقاع بحال عاكفة عليه طيور السعود.

стр. 98

) ومنهم (قرة عيني ووردة روضة أحبابي. حضرة الأمين المأمون راشد أفندي العينتابي. وهو فتى جاء إلى بغداد في معية المرحوم علي باشا وهو مكتوبجي. فخرج قبل أن يتم السنة إلى دار الخلافة فترقى فيها حتى صار خليفة في قلم الآمدجي. وكان للصدر الأعظم الأسبق صارم باشا شغفاً به. ولو بقى صدراً لجعله والله تعالى أعلم رأساً بين سراة صحبه. كان) سره الله تعالى (من أعظم أسباب سروري. ومرشداً إلي في دياجي مصالحي ودجنات أموري. وله من الكمال ما هو حري أن يأخذ بالساعد. فلا يزال يرقى الفتى حتى يقعده على أوج فلك عطارد. وهو في معرفة الألسن آدم الأول بالنسبة إلى أبي نصر الفارابي. وفي جودة الإنشاء البدر الأكمل بالنظر إلى ابن هلال العتابي. مع رصانة اعتقاد. له إلى قويم الحق استناد. ومكارم أخلاق. زادت على ما عهدته في العراق. فليشهد الثقلان. أني ممنون من أياديه الحسان. أسأل الله تعالى أن يديم عليه ديم الآلاء. ويعطيه من عالي الرتب ما شاء. ) ومن الكتبة آخرون (ليس لهم منة تقوم بمئونة أتعاب البنان. ولا شهرة توجب أن يشرئب إلى الوقوف على حالهم إنسان. ومجمل القول فيهم أنهم طيبوا اللسان. قليلو التفضل والإحسان. ومعظم كتاب المالية والأوقاف. ليس في دوي قلوبهم قطرة من مداد الإنصاف. كم طوى أحدهم قرطاس كشحه عن ذي الحاجة وأهمله. وخيرهم من إذا عد له الملهوف دراهماً نظر في شأنه وعدله. وصحائف أعمالهم والله تعالى أعلم أشد من قلوبهم سواد. وكأنك بسواد وجوههم يوم نشر الصحف غداً لسواد وجوه الظلمة مداد. وبالله تعالى مما ذقت من كاتب منهم في الأوقاف. رماه الله تعالى من مصائب الدهر بأبي قبيس أو قاف. وقد اجتمعت أيضاً بأجلة لكن ليسوا من أهل إسلامبول. بل منهم من جاءها بنية الارتحال ومنهم من جاءها بالتصميم على الحلول.) منهم مدينة النقي والبيت المعمور بالمحاسن المعظمة. حضرة سيدنا محمد بن عون شريف مكة المكرمة (. فهو لعمري حسنة وجه السعد. والحجر الأسود في ركن بيت الشرف والمجد. جواد تحصنت منه خوفاً نفاقها في الأفلاك الكواكب. وشجاع تذكرنا شجاعته شجاعة جده الأمير علي بن أبي طالب. لا التفات له إلى أمور دنياه. ولا شغل له بغير الصلوة وذكر مولاه. ولي أمر مكة المكرمة أيام سطوة محمد علي باشا صاحب القاهرة. ثم أخذ بخدعة حتى جيء به إلى حمى الخلافة ودار السلطنة الباهرة. وذلك سنة ألف ومائتين وثماني وسبعين من الهجرة النبوية. على مهاجرها أفضل الصلوة وأكمل التحية. وقد كان نال إمارة الحجاز بجده وجده. واستمر على كرسيها تلك المدة المديدة بقوة سعده. وإلا فالإمارة كانت منحصرة في سلسلة بني عمه. ولم ينلها منذ مئات السنين أحد من أجداده وقومه. ولعمري لقد زانها. وشيد بمحاسنه أركانها. لكن مصلحة الدولة العلية اقتضت فصله. والإتيان به إلى عرش الخلافة عارفة له فضله. فقد أكرمه لما ورد حضرة أمير المؤمنين غاية الإكرام. واحترمه على رؤوس الأشهاد نهاية الاحترام. وعين له من بيت المال ما يكفيه. وكذا عين دامت أياديه لبنيه. وقد اجتمعت به غير مرة. فرأيته أهاب تقي وغيره. لا يفارق قيد شعرة سنن السنة. ولا يكاد يشك رائيه في أنه من أهل الجنة. وله ولدان. اسمهما عبد الله باشا لوذعي الزمان. وله إلى حقيقة الشرف بمحاسن الأخلاق مجاز. لكن يزعم بعض الطائفين في البلاد أنه قد تحمل منه ما هو أثقل من حرا أهل الحجاز. وأنا أستبعد ذلك لما شاهدت من سجاياه. وتحققت من وفور عقله ومزاياه. وإمارة الحجاز أمر خطير. وإرضاء جميع الناس لا يتسنى لأمير. إن نصف الناس أعداء لمن ... ولي الأحكام هذا إن عدل وقد رأيت هذا الولد لسان أبيه. وحققت أن أباه لا يتحرك بحركة خلاف مراضيه.) وبالجملة (إن هذا الشريف ابن عون قليل مثله في الشرفاء. وقد صح عندي أن من الشرفاء من تقذي أفعاله عين الزهراء. فإن لم يختم له بأحسن ختام. استحى من نسبته إليه يوم القيامة جده عليه الصلوة والسلام. فنسأل الله تعالى أن لا يدنس أنسابنا بذنوبنا. وأن لا يثقل عيابنا بعيوبنا.

стр. 99

) ومنهم ذو الحظ الذي هو لفسطاط دنياه عماد. حضرة عبد القادر باشا الذي كان كمركجي بغداد (. وزيادة شهرته. تغني عن ترجمته. وقد جذبني بسلاسل حب شيخ الإسلام إياه وأزمة أوهامي إليه. فكنت لإشارة المشار إليه لا زال اللطف منهلاً عليه في معظم الأيام والليالي ثاوياً بين يديه. وكان يؤنسني بطيب كلامه ومزيد تواضعه. وقد نلت بتوسطه عند شيخ الإسلام معظم ما حصل لي من منافعه. ورأيت له قبولاً عظيماً عند الرجال. وكانوا يحلونه أعلى محل ويجلونه غاية الإجلال. وكان بصدد أن يتسور وزارة بغداد. وقد أرادها له معظم الوكلاء إلا أن الله تعالى ما أراد. وكان في معيته حضرة ذي الخلق العطر الندي. أبو المحاسن معتمده البغدادي أحمد أفندي. وقد شاهدت من غيرته على البغاددة العجب العجاب. وكان لي هناك من أحب الأحباب وأصدق الأخلاء والأصحاب. وقد جعلني من حسن أخلاقه ممنوناً. وسرني بحسن معاملته وكنت محزوناً. جزاه الله تعالى عني خيراً. ووقاه في الدارين ضيراً. وكان معه أيضاً ذو الجد العلي. أحمد جلبي كاكه الموصلي. لكنه فارقه إذ صار كتخدا. للشريف عبد المطلب لما أخذ بيده الحظ إلى إمارة الحجاز وحدا. وحال كلا الرجلين مشهور في العراق. فلا حاجة إلى ترجمتيهما في هذه الأوراق. وإن كانت حلوة المذاق. ) ومنهم مرشدي إلى طريق السوي في مذاهبي. حضرة من لا يساوي معظم التجار شسع نعله الحاج بكر أغا القباقبي (. أصله من أهل دمشق الشام. وفي أجداده الميامين علماء أعلام. وأبوه الحاج أمين أغا كان تاجراً ميسوراً. وبفعل الخير في دمشق الشام ونواحيها مشهوراً. وللشيخ عمر البربير. أو الشيخ أمين الجندي الحمصي قصيدة في رثائه. تدل على سمو قدره وعلائه. أولها: ألا أن عيني لا يشح معينها ... فهل في البكا والنوح خل معينها إذا لم أبح سحب الدموع تأسفاً ... على فقد أحبابي لمن ذا أصونها ومنها: وفي الشام هل ترجى الإقامة بعدما ... ترحل عن وادي دمشق أمينها ومنها وقد أجاد فيه: إذا جاد لم تعلم يسار يساره ... بما أنفقته أو حبته يمينها وفي البيت الأول ما لا يخفى. وقد جاء هذا المترجم مع أخيه إلى دار الخلافة. فتوفي ذلك الأخ وأقام هو خلافه. واتخذ هناك عشاً فرخ فيه وبيض. واكتفى عن الوطن بما جعل له من الأحباب وتعوض. وقد رأيته محبوباً عند الوكلاء العظام. وله في قلب شيخ الإسلام أعلى مقام. ولهم معه مزاح ممزوج بتعظيم. وفكاهة ألطف من التسنيم. وهو للخل أحلى من الشهد. ويجهد في مصلحته غاية الجهد. وقد اتحدت معه غاية الاتحاد. واتخذت فكاهته فاكهة الفؤاد. وكان يمشي معي في الأسواق. لشراء ما يلزمني في العود إلى العراق. وحسن فعله. يشهد بطيب أصله. وهو اليوم شاهبندر تجار الدولة العلية الباهرة. وقد ربط خيول إقامته هناك في رتبة إسطبل عامرة. ويتخيل المشيرية. وربما يدعيها أناء المزح مع وطلاء الدولة العلية. وكنت أقول له أنت المشير الخيالي. فينشرح حضرة الصدر العالي. مما يخيل من وراء حجاب مقالي. والذي شجعه على تخيل هذه الرتبة القعساء. أنه قد امتطاها كثير ممن النسبة بينهم وبينه كالنسبة بين الأرض والسماء. بل فاز بها في هذه الأثناء. من لو عد شيئاً خاصمت العاد يوم الحساب سائر الأشياء. وبالجملة أن الرجل نجيب. وقد أوتي من قداح الوفاء المعلى والرقيب. لا يصر على غضب. ولا يضر نفسه إذا خلا بخواص أحبابه بتحمل ثقيل أدب. وعينه ليست بضيقة في الطعام. على خلاف بعض من شاهدناهم ممن له نسبة ما إلى بلاد الشام. ولقد رأيت عينه على سعة ذات يده بين قومه. أضيق بكثير من أسته ولكن يوم سقط من فرج أمه. وهذا أعني المترجم على ضيق ذات يده في هاتيك المعالم. أوسع إذا مدت الموائد من جفنة جده هاشم. أسأل الله تعالى أن يزيد ثروته. ويحفظ من الأكدار عيشته.

стр. 100

) ومنهم ذو المقام الأنسي. حضرة الشيخ طاهر أفندي القدسي (. كان منذ سنوات مفتي القدس. فجاء لمصلحة إلى إسلامبول فأنس به شيخ الإسلام قبل المشيخة غاية الأنس. فاتخذه خليلاً. وجعله في بيته نزيلاً. وقد رأيته كل ليلة بعد صلوة العشاء يدارسه شيئاً من القرآن العظيم وكتاب الشفا. وسمعت انه مضى لهما على هذه الحال أحوال. لا زالا كذلك بل أمير حالاً إن شاء الله تعالى في الاستقبال. ولشيخ الإسلام اعتقاد به حسن للغاية. وربما يعتقد فيه ولا بدع في أن يعتقد المرء في ظاهر رتبة الولاية. وقد رأيته شيخاً في الفقه والحديث. وله سائق إلى تقوى ربه سبحانه حثيث. وقد فوض الإفتاء إلى شبله. وكفاه شيخ الإسلام مؤونة أمره كله. ورأيت حجرته كحجرة الصخرة يتبرك بزيارتها قبيل أثر قبيل. ويده كالحجر الأسعد طوقتها الزوار بأطواق تقبيل. بل من رأى في حجرته تراكم الأمم. خيل له وحرمة باب حطة أنها بيت لحم. ويا لله تعالى عيشه ما أهنأه. ووقته في فرمق ما أصفاه. وهو ممن أجاز شيخ الإسلام ببعض الأوراد. مع أنه قد أخذ ما أخذ من حضرة المار إليه واستفاد. أسأل الله تعالى أن يكثر في المسلمين مثله. ويديم سبحانه علينا وعليه فضله. ) ومنهم القاضي الأسبق في مدينة السلام. محمد أفندي الشهير بالجابي من أهل دمشق الشام (. حاله في العراق معلوم. وإن جهلته فسل عنه قاضي جبل أو سدوم. رأيته أسامة شيخ الإسلام. مع أنه ثعالة أهل الشام. قد لازم حجرة في بيت المشار إليه ملازمة ما لازمها أحد قبله. فكلما دخلتها عليه وجدته مطرقاً رأسه على سجادة له مستقبل القبلة. لا يخرج منها إلا لحاجة ضرورية في ليل أو نهار. وهو فيها جحيش وحده لا يزور ولا يزار. حتى إذا أعطاه شيخ الإسلام رتبة مخرج. ونصبه مفتي المجلس في بغداد انتصب قائماً وخرج. ثم أنه توجه إلى دمشق الشام. فعزل عن الإفتاء قبل أن يتوجه إلى مدينة السلام. وبقيت رتبة المخرج عليه. وهي أحب شيء لديه. وقد تحقق عندي بلا مرية. أنه رماني وعبد الباقي أفندي العمري بكل فرية. فصدقه على ما سمعت حضرة شيخ الإسلام. حيث أنه عنده) مع أنه أكذب من السالئة (قائم مقام حذام. وهو سلمه الله تعالى معذور في تصديق هذا الكذوب. فإن حاله مما لا يخفى على علام الغيوب. وأنا أسأل الله تعالى أن لا يجعل في قلبي لمؤمن غلاً. وأن يغفر لي إن كنت افتريت عليه شيئاً جل أو قلا. وأن يصلح حالي وحاله. وأن لا يجعل أفعاله أفعى له. ولعمري لو اطلع شيخ الإسلام من حاله نحو ما اطلع عليه أهل مدينة السلام. ما قلده القضاء بين اثنين إلى أن يقضي الله سبحانه بين الأنام. ولله تعالى في تقدم هذا الرجل عند حضرة المشار إليه. سر خفي لا يطلع قبل ظهوره عليه نسأل الله تعالى أن يحفظنا مما نكره. وأن يدفع عنا بحوله وقوته كيد الشيطان ومكره. ) ومنهم من أخذ بضرع الشرف فارتضع منه ما شاء وحلب. حضرة الحاج يوسف بك بن شريف بصيغة التصغير نخبة أهل حلب (. وهو من قوم أمجاد. ولم أجتمع به يوم جاء مع علي باشا إلى بغداد. ولا بعد أن صار متسلم البصرة وعاد منها. وذلك لأمور طويلة الذيل لا ينبغي أن ينكشف الغطاء عنها. ولما اجتمعت به في القسطنطينية. رأيته ذا خبرة بالعلوم الأدبية. ورأيت له من مكارم الأخلاق. ما وددت أن يكون مثلها في بعض وجوه العراق. فيا لله تعالى دره من فتى عالي الجناب. وإذا قلت قد أوتي وسف شطر الحسن فلا عجاب. وحدثني المرحوم والدي تغمده الله تعالى برحمته. وأسكنه الغرف العلية من جنته. أنه نزل في بعض أسفاره ضيفاً عند جده. فرأى من إكرامه إياه ما يشهد بعلو مجده. وهذا الكعك من ذاك العجين. وهذا الليث من ذاك العرين. وقد رجع إلى وطنه قبلي بأيام. وبقدومه إليه استبشر على ما سمعت الخاص والعام. وظني أنه سيكون له في الرياسة شأن. ولا بدع فقلما رأيت مثله في رؤساء هذا الزمان.

стр. 101

) ومنهم طاهر النسب. تقي الدين أفندي مفتي حلب (وهو محبوك الطرفين. مشهور الجدين. فجده من جهة أبيه عبد الرحمن أفندي الأوحدي. الفاضل المشهور حسن أفندي. وجده من جهة أمه المنكر على حضرة مولانا الشيخ النقشبندي. شيخ صفعة المرعشي محمود أفندي. وهذا لولا الإنكار. لعد ممن لم تسمح بمثله الإعصار. فوا أسفاً على فضله. كيف أنكر على من لم ينكر منصف على مثله.) وقد اجتمعت (غير مرة بهذا المفتي السامي بنسبه إلى المجرة فلم أجد فيه ما يحمد إلا أنه ذو نسب. وكان الحري في رأيي أن يكون الحاج يوسف بك بدله مفتي حلب. ) ومنهم الشيخ عبد الفتاح أفندي. أحد خلفاء حضرة مولانا الشيخ خالد المجددي (. وهو من مشاهير مشايخ العصر. ومنشؤه من قرية في نواحي كردستان تسمى بالعقر. وكان في مبدأ أمره خادماً لحضرة ملحق الأصاغر بالأكابر الشيخ يحيى العمادي. وكان صادقاً جداً في خدمته لا يفارقه أصلاً في كل نادي. وقرأ عليه طرفاً من فقه الشافعية. مما يتعلق بالعبادة البدنية والوظائف المالية. ثم قرت بالانتساب إلى الطريقة النقشبندية منه العين. وطار إلى عرش الخلافة بين مريديها بهمة حضرة مولانا ذي الجناحين. ولم اختلى في خلوات القبور معظم الخلفاء العظام. انتهت إليه رياسة الطريقة وصار المشار إليه بين الخاص والعام. وإذا اختفى النيران. ظهرت صغار النجوم للعيان. فأتته الدنيا منقادة. بسلاسل ما أظهر من العبادة. فامتلأ صندوق من ذهبه. لكن سلط الله تعالى عليه من ذهب به. ولما رأى صندوقه فارغاً كفؤاد أم موسى. دخل القسطنطينية فعاد يهدي لصندوقه ما يهدي إليه كيساً فكيساً. حتى عاد لأولى حالتيه. وحلاه بأولى حليتيه. وليس ذلك معاذ الله تعالى عن شغف بالدنيا الدنية. كما يزعمه بعض إخوانه في الطريقة العلية النقشبندية. وإنما علم بالكشف أو نحوه قرب قيام القائم. وأنه ربما يحتاج لذلك أول أمره قبل أن تكثر الغنائم. فألح عليه قوي ديانته. أن يدخر ذلك لإعانته. فادخره إلى تلك الأوقات. وكف عنه أكف الأقوات. وإنما الأعمال كما صح بالنيات. وهو مع ذلك حسبما أظن يزكيه. كما يزكي نفوس مريديه. فلا تظن أيها السامع. أنه كالحد التام جامع مانع..) وبالجملة (هو رجل حمول. عنده من الصبر على القدح فيه حمول. وأنه شيخ عاقل. وعن مصالحه غير غافل. يحب دار السلطنة. ولأمرٍ ما يقيم فيها السنة بعد السنة. وكم جاءها وهو ماشي. وعليه من مزيد التعب غواشي. وهي وإن لم يكن فيها تكيته. لكنها فيها زبيته. وقد تبوأ اليوم إذ جاءها لبعض مصالحه الدنيوية. تكية صفوتي باشا التي بناها للشيخ يوسف أفندي أحد الخلفاء النقشبندية. وهو بصدد أن تقصر عليه. حيث توفي الشيخ المشار إليه. ولم يترك إلا ولداً يعد ابن لبون بين الناس. فما يصنع مع شيخنا وهو والحمد لله تعالى بأزل قنعاس: وابن اللبون إذا ما لز في قرن ... لم يستطع صولة البزل القناعيس وقد رأيته ذا اعتبار. عند كثير من الكبار. وهو يداري الصغير والكبير. ويعامل حسبما ينبغي الوزير والمشير. وأكثر اعتنائه بالكتبة. إذ بدهم أقلامهم يدرك إربه. ولله تعالى دره من لقف. يعرف من أين تؤكل الكتف. وكثيراً ما ترددت إليه وتررد إلي. وذلك لحقوق إخاء لي عليه وحقوق كذلك له علي. وقد بدأني بمكرمة أعظمت في قلبي هممه. قبل أن أشاهد جسمه أو أعرف اسمه. فأنا مقر بأياديه. ولولا أني اعتدت قول الحق لسكت عما فيه. على أنه ما هتكت بذاك ستره. إذ يعرف منه ما ذكرته من جالسه ولو مرة. وتعذلني إفتاء سعد عليهم ... وما قلت إلا بالذي علمت سعد

стр. 102

وإنما ذكرت ما ذكرت. وحررت ما حررت. ليعرف من لم يعرف إلام انتهت في هذه الأرجاء الطريقة النقشبندية. وكيف اعتاض اليوم السالكون فيها بالسهي عن الشمس المضيئة. فيعلم أن الزمان قد وهنت قواه. وأنه قد انحنى إلى أن كاد يلتقي طرفاه. وقد رأيت أكثر العاكفين عليه هناك أكراداً. ينتظرون موت أرباب الوظائف ممن كانوا في بغداد. لينتهبوا وظائفهم بأيدي همته. ورجائه من الوزراء والكتبة المترددين إلى تكيته. وعلى العلات. هو أحسن من أكثر أهل التكيات. فإنه مستقيم على أداء رسوم العبادة آناء الليل وأطراف النهار. ولعمري لولا فناؤه بح الدرهم لأضحى وهو ابن دينار. ولقد دفع بصدره هذا الفناء وصده عن الانتظام في سلك أرباب البقاء. كان الله تعالى لنا وله. وأصلح لكل منا عمله. ) ومنهم النازل من قلبي منزلة ولدي. ولي أفندي بن عمر أفندي بن ولي أفندي (. وهو شاب في طاعة الله نشأ. وعلى ما يرضيه درج ومشى. وهو من بيت بيننا وبينهم حقوق قديمة. ومودة أكيدة عظيمة وإذا استخبرت عنها الأنباء. علمت أن قد ورثتها الآباء والأبناء. وقد قرأت على والده وأنا في سن عشر علم الاشتقاق. وكان إذ ذاك أحد الطلبة المشهورين في العراق. وقد رأيت هذا الولد في إسلامبول. يدعي كثيراً رؤية الرسول. صلى الله تعالى عليه وسلم. وشرف وعظم وكرم. ويروى عنه عليه الصلوة والسلام أخباراً بحوادث كونية. وذلك مع نسكه من أقوى الأسباب لاحترامه بين أكثر أهل القسطنطينية. وله دعاوٍ أخر في الرؤيا. أظن أنها ستبلغه هناك الرتبة العليا. وكان جده كاتب الديوان عند سليمان باشا الصغير. وكان ذا عقل على ما سمعت من المرحوم والدي كبير. وقد أدى هذا الولد المومى إليه. جزاه الله تعالى خيراً حق مشيختي عليه. فأنه قرأ علي في بغداد المحمية. طرفاً من شرح الجلال السيوطي للألفية. وهو طاهر الذيل. مجاهد لكافر الليل. لم يكسب أهل العراق عاراً. ولم يجلب عليهم كبعض الناس شناراً. فليفخر به أهل بلدته وناديه. وليفدوا شسع نعله بلحية شاليه. ) ومنهم (آخرون من هذا القبيل. أخشى من ذكرهم زيادة التطويل.) واجتمعت بآخرين (. ولا أقول من هم. مخافة أن يتمعر وجه القرطاس أو تصيبه معرة منهم. مساويهم كواو عمرو ترى واللفظ عنها قصير. ومعاليهم كنون زيد تقال في اللفظ لكن لا يراها بصير. فلنطو كشحاً عن ذكرهم إلى أن تذهب القدرة الإلهية بالحرج. وتأتي سحائب الرحمة اللدنية بوابل الفرج. وإن ممن اجتمعت به من لو غير اسمه إلى اسم غير شريف. وسمي باسم لائق بلحيته التي هي أنجس من ممسحة الأستاه في كنيف. للامني على ذكره الناس. ولنجس ذكره القلم والمداد والقرطاس. على أن كل ما أذكر من قبح فعله وخيمه. فهو عشر العشر مما يعرفه فيه أهل إقليمه. أسأل الله تعالى أن يستر جيفته بطبقات التراب. وأن لا يجعل حفرته حول روضة مؤمن بيوم الحساب. ) وقد آن (أن أذكر ما وقع لي من المراسلات ونحوها في هاتيك البطاح. وقد ذهب مني أكثرها لمزيد عواصف الأكدار المذهلة أدراج الرياح.) فأقول (أني بعد أن قر بي القرار. بلغني عن بغداد ما يوجب الأكدار. من أمور أرضية وسماوية. وداخلية وخارجية. جعلت لفرط البلبال. تقول بلسان الحال: ولو أني استزدتك فوق ما بي ... من البلوى لأعوزك المزيد فتسرد من حبائل أهدابي واقع السهاد. وطار من قفص صدري طائر الفؤاد. فكتبت لصبيتي. مما فيه شرح صبوتي. أبياتاً أكثرها من شعر جدي. وقليل منها من عندي. وذلك لقلة تدربي بالنظم. وأنه لا يعد سارقاً من يأكل من طعام الأب والجد والعم. هي وهذه: أبيت ولي وجد حرارته تعلو ... ودمع له في عارضي عارض هطل وأطوي على جمرٍ وأغضي على قذى ... وأشغل أعضائي وقلبي له شغل إذا الليل وافي ضقت ذرعاً إلى الحمى ... وفاضت شؤون ليس يعقلها عقل حداني إلى الزوراء شوق مبرح ... فليس الذي حدثت عن حالها سهل إذا ما نبت دار السلام بأهلها ... فلا جبل يأوي الكرام ولا سهل وإن قلص الظل الذي في جنابها ... فأين من الرمضاء في غيرها ظل وإن نضب الماء النمير بأرضها ... فأي شرابٍ في سواها لنا يحلو ديار بها نيطت على تمائمي ... قديماً ولي فيها نما الفرع والأصل

стр. 103

بها سكني في ربعها الخصب ناقتي ... بها جملي يرغو بها قيمتي تغلو ألا ليت شعري هل أراني بربعها ... مقيماً وبالأحباب يجتمع الشمل وهل روضها يخضر بعد ذبوله ... ويهمي على أوراقه الوبل والطل وهل أنا في يوم العروبة قاصد ... لحضرة باز شأنه الفصل والوصل وهل كل يوم ماسك كف والدي ... أبو المصطفى ذو همة أبداً تعلو وهل أدباء الجانبين يضمهم ... وإياي طاق نقله الأدب الجزل وذلك طاق التهم لا أزال باقياً ... له العقد في أرجائه وله الحل وهل تريني ذاهباً بعد مغرب ... لتكية شيخ العصر من جوره عدل ففيها صدور لازموه لعجزهم ... وما ظعنوا بالسير عنه وقد كلوا سلام على تلك الديار وأهلها ... فهم في فؤادي دائماً أينما حلوا فوالله لا أسلو هواها وماءها ... إذا كان قلبي عندها فمتى أسلو أحبتنا هل من وصول إليكم ... فقد تعبت بيني وبينكم الرسل الأهمة تزجي ركائب عزمتي ... إليكم إذا شئتم بها اتصل الحبل وأني بناديكم على سوء فعلكم ... أرى أبداً عندي مرارته تحلو وأسأل ربي بالنبي وآله ... يسهل عودي نحوكم وله الفضل فورداً لي. وأنهل من سحائب الرحمة علي. أبيات من حضرة عين العراق. ومن وقع على غيرته وشهامته من كل راء له الاتفاق. وليس ذاك بمستنكر فهو المشهور بكامل الأوصاف. في جميع البسيطة من القاف إلى القاف. سيدي الذي جعل الله فعل الجميل غذاءه وزاده. أبو محمد والدي عبد الغني أفندي جميل زاده. ذكر فيها ما زاد همي. واعتصر من ألفي ما شربته من حليب أمي. وهي هذه: لهفي على بغداد من بلدة ... قد عشعش العز بها ثم طار كانت عروساً مثل شمس الضحى ... لمستعير حليها لا يعار كان بها للنفس ما تشتهي ... كجنة الخلد ودار القرار كانت لآساد الوغى منزلاً ... والخائف الجاني بها يستجار كان يميطون الأذى أهلها ... عن كل آتٍ حيها مستطار واليوم لا مأوى لذي فاقة ... فيها ولا في أهلها مستجار واليوم قد حل بها من ترى ... فانفر وإلا بيديك الخيار لم يرقبوا إلاً ولا ذمة ... فينا ولا عذراً لذي اعتذار حل بها قوم وهم في عمىً ... ما ميزوا أشرارها والخيار وأصبح القرد بها مقتدى ... يلعب بالألباب لعب القمار والليث قد غاب وفي غابة ... قطباً إذا الثور عليه المدار وللخنا لما غدت مريضاً ... قد سجد الليث بها للحمار بارت بها أسنى تجاراتها ... وهكذا عادة دار البوار وأهلها لا عيب فيهم سوى ... أنهم يرعون حق الذمار قد نعق البوم على جدرها ... يصيح بالناس البدار البدار والكرخ قد أقفر من أهله ... من بعد ما كانوا كورد البهار ما سمت زوراء إلا لما ... فيها عن الرشد من الازورار قد حط فيها كل طود علا ... وما علا إلا خفيف العيار وكل من كان بها واثباً ... إلى العلى عادت خطاه قصار قد خلع الناس عذار الحيا ... فخار فيها الوغد والحرحار والكل فيها قادح زنده ... وأول الإحراق يبدو الشرار لا يشتفي غيظ أخي نخوة ... إلا إذا جرد بيض الشفار قد طال هجوي وعتابي لها ... والآن قد ملت إلى الاختصار أيا شهاب الدين يا سيدي ... قد هجم النذل علينا وغار بغدادكم أحني عليها الذي ... من أسره لا يستطاع الفرار قد بليت بالغمرات التي ... قد علمت مثلك خوض الغمار يا نازحاً عنا وما قد درى ... من بعده ما قد جرى في الديار برمة من مسدٍ رثةٍ ... بالذل قد قاد الصغار الكبار لو أن لي ماسكة من قوى ... أتيتكم حبواً إلى أسكدار وفزت في لثم أيادٍ لنا ... في لثمها السؤدد والافتخار ونلت من راحتها نهلة ... أطفي بها ما سامني من أوار علامة الدنيا وفهامة ال ... فتوى ومن به الدين القويم استجار مشيخة الإسلام كانت له ... نعم الدثار يا له من دثار وقد غدا الدين الحنيفي في ... أنظاره عالي الذرى والمنار

стр. 104

ومنتقى الدر ومختاره ... من لفظه له علينا نثار وملتقى الأبحر في كفه ... يغني عن السحب النقال الغزار بحر علوم رائق صفوه ... صدراً تراه مجمعاً للبحار في حلبة الفضل إذا ما عدا ... هيهات أن ينشق منه الغبار وإن جرى في طرسه أجرد ... علم أهل الفضل كيف المغار إن جال طرف الطرف في مبحث ... تمتلئ الآفاق نقعاً مثار وفي سوى منزله ما ترى ... لذي كمال أبداً من قرار ذو شيم شم إذا جسمت ... كانت لوجه الدهر أبهى عذار لا يعرف الفضل سوى أهله ... وهل سواه من يقيل العثار دام على مخلصه مسبلاً ... من عفوه الشامل ذيل الإزار ما صدحت ورق على بانة ... وغرد القمري وغنى الهزار وجاءني. من حضرة مبتكر المعاني. من أيام منادمته ربيع عمري. عبد الباقي أفندي الموصلي العمري. ولله تعالى منه سمسار ابتكار ملأ بيواقيت المعاني مصانع حوانيت الألفاظ. فروج قس براعته على أورق ورق دقائقه مجامع سوق عكاظ. شقة أذهبت عني المشقة. وملكت رقبة فؤادي وره. وهي) أعرض لحضرة المولى الشهاب. المستغني عن فقراتي وبقراءتي في سرحها بهذه الرحاب. جمع الله تعالى به شمل الكل. وأعاد بعوده روح النبل. آمين (أنه مع ما نحن فيه من التلهف. ومزيد الأسى والتأسف. قد زادنا ولوعاً. ومنعنا هجوعاً. عدم اطلاعنا على ما أنتم فيه من الحال. وعدم ذوق القوة الشامة ثمرة ما عناكم من الحل والارتحال. نعم نسمع من الأفواه ما نقر به عينا تارة. وتلوح عليه من بلوغ الأمل إمارة. نرجوه تعالى لكم تحقيق ذلك. وبلوغكم من الأمنية فوق ما هنالك. ولو اطلعت على ما تأسس لك بهذه المدة في قلوب الخاصة والعامة. من المحبة المتزايدة والمودة الكاملة التامة. لتحققت من أهل العراق. وقاطبة ذوي الخلاف والوفاق. ببلوغ الأمل. ولقنعت من الغنيمة بعد الكد بالقفل. والأسى من الجميع. العالي والوضيع. كل ساعة عليك في زيادة. واعترف الكل بفضلك ولمزيد الثناء عليك يا أبا الثنا ثني الوسادة. لا زلت مركزاً للسيادة. وقطباً للسعادة. إلى آخر ما قال. حفظه الملك المتعال. وكتب في صدر هذا الكتاب بيتين. يلوحان في سماء الفصاحة كفرقدين: أبو الثناء شهاب الدين مدحته ... فرض ومدح سواه غير مندوب فيا له من شهاب ثاقب وأنا ... أنظم الدر فيه غير مثقوب وأرسل مع ذلك تخاميس لأبياتي السابقة. والعجب من الإقدام على تخميسها مع أنها ليست بفائقة. وقد كتب في صدرها. لشرح مبهم أمرها. لعمر العمري لقد أبدع الأديب السيد عبد الغفار. نابغة الإعصار في جميع الديار. في هذا التخميس. الواقع على هذا الأصل النفيس. ولقد أنشدته يوم طلوع البوستة في منزلي المعمور بالوحشة. المغمور بالدهشة. المقفر من الأنس. الخالي من الإنس. والمجلس غاص. بمن تعلم من بقية الخواص. وهم حضرة عبد الغني أفندي. ونقيب أفندي. وشعبان بك أفندي. وواعظ أفندي. وعبد اللطيف أغا فأجهش الكل بالبكاء. وتنفس الصعداء. وسالت بالأعين الدموع. ولم يكن يكفكفها إلا مناديل الولوع. والتخميس هو هذا: عليكم دموع العين لا زال تنهل ... ووجدي بكم وجد المفارق لا يسلو وهاأنا من فقدانكم ما دجى الليل ... ) أبيت ولي وجد حرارته تعلو ( ) ودمع له في عارضي عارض هطل ( شغلت بهذا الوجد قلباً مجذذاً ... ولم أر لي من شاغل الدمع منقذا إلام أعاني ما أعانيه من أذى ... ) وأطوي على جمر وأغضي عن قذى ( ) وأشغل أعضائي وقلبي له شغل ( أقضي نهاري في عسى ولربما ... وأبكي عليكم كل آونة دما وأني وعيشٍ فيكم قد تصرما ... ) إذا الليل وافى ضقت ذرعاً إلى الحمى ( ) وفاضت شؤون ليس يعقلها العقل ( شجاني حديث بالبوار مصرح ... وأوضح لي حال الرصافة موضح فمن ثم أن يفصح وللشوق مفصح ... ) حداني إلى الزوراء شوق مبرح ( ) فليس الذي حدثت عن حالها سهل ( وقالوا نبت لكن بأرباب فضلها ... وجادت على أشرافها بعد عدلها وقلت فلا مأوى إلى غير ظلها ... ) إذا ما نبت دار السلام بأهلها ( ) فلا جبل يأوي الكرام ولا سهل ( على ما أصيبت من عظيم مصابها ... وما أذنت أحداثها بخرابها

стр. 105

فلا ظل إلا في فسيح رحابها ... ) وإن قلص الظل الذي في جنابها ( ) فأين من الرمضاء في غيرها ظل ( أيعرف خفض العيش إلا بخفضها ... وفيض النمير العذب إلا بفيضها لئن أجدبت يوماً فهل مثل روضها ... ) وإن نضب الماء النمير بأرضها ( ) فأي شراب في سواها لنا يحلو ( رعى الله ماضي عهدي المتقادم ... ببغداد في رغد من العيش ناعم وفي الكرخ جاد الكرخ صوب الغمائم ... ) ديار بها نيطت على تمائمي ( ) قديماً ولي فيها نما الفرع والأصل ( يكلفني عنها النوى فوق طاقتي ... فسكري بتذكاري لها وإفاقتي منازل أحبابي ومنشأ علاقتي ... ) بها سكني في ربعها الخصب ناقتي ( ) بها جملي يرغو بها قيمتي تغلو ( تذكرت أحباباً لأيام جمعها ... ولم يصدح البين المشت بصدعها فآهاً على وصلي لها بعد قطعها ... ) ألا ليت شعري هل أراني بربعها ( ) مقيماً وبالأحباب يجتمع الشمل ( عفا ربعها من رسمه وطلوله ... وأضحى هشيماً روضها بمحو له فيأهل يرويها الحيا بهموله ... ) وهل روضها يخضر بعد ذبوله ( ) ويهمي على أوراقه الويل والطل ( لقد شاقني منها كرام أماجد ... مشاهدهم للعالمين مقاصد فهل أنا في تلك المقاعد قاعد ... ) وهل أنا في يوم العروبة قاصد ( ) لحضرة باز شأنه الفصل والوصل ( وهل أنا يوماً ظافر بمقاصدي ... فمكرم أحبابي ومكبت حاسدي وأجري مع الأخوان مجرى عوائدي ... ) وهل كل يوم ماسك كف والدي ( ) أبو المصطفى ذو همة أبداً تعلو ( وهل علماء طبق الأرض علمهم ... وحير أفهام البرية فهمهم تقر بهم عيني وينجاب غمهم ... ) وهل أدباء الجانبين يضمهم ( ) وإياي طاق نقله الأدب الجزل ( فأغدو ولا كان التفرق لاقياً ... وجوهاً عليها قد بللت المآقيا بطاق رقي فيمن حواه المراقيا ... ) وذلك طاق الشهم لا زال باقيا ( ) له العقد في أرجائه وله الحبل ( وهل تريني مصبحاً كل منجب ... وخواض أغمار الخطوب مجرب وكل فتى عذب الكلام مهدب ... ) وهل تريني ذاهباً بعد مغرب ( ) لتكية شيخ العصر من جوره عدل ( بناها لا شياخ قرارة عزهم ... وصدرهم فيها ولاذ بحرزهم وإن كان لم يفهم إشارة رمزهم ... ) ففيها صدور لازموه لعجزهم ( ) وما ظعنوا بالسير عنه وقد كلوا ( بلونا سواها بعد إصرام حبلها ... فكان من البلوى تعذر مثلها ديار عرفنا بعدها كنه فضلها ... ) سلام على تلك الديار وأهلها ( ) فهم في فؤادي دائماً أينما حلوا ( يروق لعيني أن تكون جلاءها ... وتشتاق نفسي أرضها وسماءها ومن أين أسلو ماءها وهواءها ... ) فوالله لا أسلو هواها وماءها ( ) إذا كان قلبي عندها فمتى أسلو ( أحبتنا مني السلام عليكم ... إذا نشرت صحف الغرام لديكم أحبتنا والدهر نسيء عنكم ... ) أحبتنا هل من وصول إليكم ( ) فقد تعبت بيني وبينكم الرسل ( تنائيت عنكم والهوى فيكم معي ... كأن لم أكن منكم بمرأىً ومسمع وقد طال بعدي عن دياري وأربعي ... ) الأهمة تزجي ووصل مرجعي ( ) لديكم إذا شئتم بها اتصل الحبل ( أحبتنا أصبو إلى حسن قولكم ... وإن ذقت فيه المر من حلو عذلكم أحن لمغناكم وسامي محلكم ... ) وأني بناديكم على سوء فعلكم ( ) أرى أبداً عندي مرارته تحلو ( سألت إلهاً لم أخب بسؤاله ... بلوغ المنى من فضله ونواله وأدعو دعاء العبد عند ابتهاله ... ) وأسأل ربي بالنبي وآله ( ) يسهل عودي نحوكم وله الفضل (

стр. 106

) وكتب إلي أيضاً الشهم الأوحدي. حضرة مولانا عبد الغني أفندي (. كتاباً يطلب به أن أستفتي شيخ الإسلام. عن مسألة وقعت في مدينة السلام. ويستفسر به عن حالي. وما جنيته أو جناه على حلي وارتحالي. وأشار لي فيه إلى أن شيع الأكراد. يشيعون في أخباراً ترن منها حصاة الفؤاد. وهي أخبار توحيها إليهم مردة الشيخ عبد الفتاح. فترمى بها من غير خبرة عن قسي التزوير إلى الزوراء وسائر البطاح. ومعه قصيدة يشكو بها حاله. ويصف عافاه الله تعالى بلباله. وأرسلها مع تخاميس لها جاد بها السيد عبد الغفار. الذي أخرس ببلاغته شعراء جميع الأمصار. والمكتوب لا أدري أين ذهب. وأما القصيدة بتخميسها فهي هذه وحري أن تكتب بماء الذهب: أقلب طرفي لا أرى غير منظر ... متى تختبره كان الأم مخبر فلم أدر والأيام ذات تغير ... ) أيذهب عمري هكذا بين معشر ( ) مجالسهم عاف الكريم حلولها ( أسفت على من ليس يرجى لعودة ... وكان يرى عوناً على كل شدة قضى الله أن يقضي بأقرب مدة ... ) وأبقى وحيداً لا أرى ذا مودة ( ) من الناس لا حاش الزمان ملولها ( إذا الحر في بغداد أصبح مبتلى ... وعاش عزيز القوم فيها مذللاً فلا عجب أن رمت عنها تحولاً ... ) وكيف أرى بغداد للحر منزلاً ( ) إذا كان مفرى الأديم نزيلها ( لقد كنت لم أحفل بأيام عرسها ... ولم يتبدل شهمها بأخسها فكيف بها إن سادها غير جنسها ... ) ويسطو على آسادها ابن عرسها ( ) ويرقى على هام السماك ضئيلها ( عجبت لندب ثابت الجأش مفضل ... يرى بدلاً من أرضه بمبدل ولم يك عن دار الهوان بمعزل ... ) فما منزل فيه الهوان بمنزل ( ) وفي الأرض للندب الحليم بديلها ( سأركبها يا سعد كل معدة ... أجوب عليها شدة بعد شدة وإن مت ألف البيد موتة واحدة ... ) فللموت خير أن أقيم ببلدة ( ) يفوق بها الصيد الكرام ذليلها ( فكم هابط بالخزي بالمال شاخص ... لقيت وبلقاني بطلعة قارص فلاقيت صعب الملتقى غير ناكص ... ) وأصعب ما ألقى رياسة ناقص ) مساوية إن عدت كثير قليلها ( أنبه طرف الحظ والحظ راقد ... وأنهض للعلياء والجد قاعد وأني أسود اليوم والدهر فاسد ... ) وما ساد في أرض العراقين ماجد ( ) من الناس إلا فدمها ورذيلها ( وكم مهمة قفر طويت مشافها ... بها كل هول لم يزل متشابهاً وواجهني من لم يكن لي مواجهاً ... ) عفى الله عني كم أجوب مهامها ( ) من الأرض يستف التراب ذليلها ( طويت فيافيها ذهاباً وجيئة ... أكان ابتلاء طيها أم بلية كمن يبتغيها منية أو منية ... ) لعلي ألاقي عصبة عبشمية ( ) فروع مناجيب كرام أصولها ( إذا نطقوا بالقول فالقول مغلق ... وإن حاولوا مجداً فعزم محلق لهم أرج لم يكتتم وهو معبق ... ) يئم بهم رفيع ومنطق ( ) وينبي عن الخيل العتاق صهيلها ( لقد طال ما قد بت أطوي وانطوى ... على مضض أمست على الضيم تحتوي فيا سعد قل لي إن أصخت فارعوي ... ) متى يلئم اللبان رمحي وترتوي ( ) سيوف بأعناق اللئام صليلها ( أحن إلى يوم عبوس عصبصب ... يبل غليلي منجب وابن منجب فيا ليت شعري هل أراني بموكب ... ) وحولي رجال من معد ويعرب ( ) مصاليت للحرب العوان قبولها ( شفا النفس مني يا أميمة حشرجت ... أو الساعة الخشنا إلى الأمر أحوجت فهم مثل آساد الشرى حين هيجت ... ) إذا أوقدوا للحرب ناراً تأججت ( ) مجامرها والبيض تدمي نصولها ( كهول وشبان كماة بأيهم ... ظفرنا وجدنا كهلهم كفتيهم حماة بماضيهم وفي سمهريهم ... ) وبالسمر تحمي البيض شبان حيهم ( ) وبالبيض تحمي السمر قسراً كهولهم ( من القوم ما زالت تطبق سحبهم ... وفي عدم الجدوى تفارط صوبهم كرام بيوم الجدب يعرف خصبهم ... ) يهشون للعافي إذا ضاق رحبهم ( ) وجوه كأسياف يضيء صقيلها ( نماهم أب عالي الجناب سميدع ... وعن أصل زاكي البصرين فزعوا فإن يدعوا العلياء كانوا كما ادعوا ... ) إلى خندف ينمي علاهم إذا دعوا (

стр. 107

) ومن خير أقيال إذا عد قيلها ( فمن لي بأبيات يروقك وصفها ... يهان معاديها ويكرم ضيفها بحيث العلى والعز بما يحفها ... ) والعز إلا في بيوت تلفها ( ) عذارى وأبكار المطي حمولها ( وعصبة غي لم أجدها تطأطأت ... لرشد وإن تدعى إلى الرشد أبطأت لها الويل قد أخطت ضلالاً وأخطلت ... ) إلى الله أشكو عصبة قد واطأت ( ) على دخن بغياً فضلت عقولها ( إلام المعالي يملك الرذل رقها ... ويمنعها في ظله مستحقها ألا عودة للمجد يعرف صدقها ... ) ألا غيرة تقضي المنازل حقها ( ) ويوقظ وسنان التراب خيولها ( لها السبق في ميدان كل مخاطر ... بكل نزاري على الموت صابر عوادي إلى أقصى علي ومفاخر ... ) عليها رجال من نزار وعامر ( ) مطاعين في الهيجا كريم قتيلها ( إذا نحن لم نحمد بحالٍ ذهابنا ... إلى شرحبيل شرهم قد أنابنا فلم لا نعاني حزننا واكتئابنا ... ) كفى حزناً إنا نعاني ركابنا ( ) إلى معشر من جيل يافث جيلها ( لقد خاب مسعاهم إليها وبئس ما ... تقحمت الأمر الخطير تقحما تروح رواء ترتمي أي مرتمى ... ) فترجع ضلعاً شفها الظمى ( ) فيا ليتها ضلت وساء سبيلها ( لئن كان أصحبي كا أروع يجتري ... على كل ليث في الحروب غضنفر رجعت عن رذل الصفات مصغر ... ) فلا أنوي للأنذال جيدي ومعشري ( ) بها ليل مستن المنايا نزولها ( يؤرقني في ذكرهم حين يعرض ... نسيم الصبا يسري أو البرق يومض أحبة قلبي حيث صدوا أو أعرضوا ... ) ويوحش من بالرصافة قوضوا ( ) ولي عبرات في الديار أجيلها ( أرى جاهلاً قد نال في جهله المنى ... كذا عالماً عانى على علمه العنا وذلك من جور الزمان وما جنى ... ) ومن نكد الأيام أن يحرم الغنا ( ) كريم ويحظى بالثراء بخيلها ( أراني وأسياقي لألف وصاحب ... إلى جانبٍ أصبو وتصبو لجانب فما بالنا لم نتفق في المذاهب ... ) تحن إلى أرض العراق ركائبي ( ) وصحبي بأرض الشام طال مقيلها ( فهل تسمح الأيام لي برجوعها ... فأحظى بأحباب كرام جميعها لقد عاقني عنها نوىً بنزوعها ... ) وأخرني عن جلقٍ وربوعها ( ) علائق قد أعيى البخاتي حمولها ( لقد عادت الأيام تزهو بوصلها ... وإشراق محياها وأبيض فعلها تذكرتها والعين غرقى بوبلها ... ) وعاودني ذكرى دمشق وأهلها ( ) بكاء حماماتٍ شجاني هديلها ( شجتني وما قلب الشجي كقلبها ... ولم تحك من عيني منهل صوبها فما برحت من شجوها أو لحبها ... ) تردد ألحاناً كأن الذي بها ( ) من الوجد ما بي والدموع إذ يلها ( منازل أشواقي ومنشأ علاقتي ... وسكر صباباتي بها وإفاقتي حلفت يميناً صادقاً جهد طاقتي ... ) لئن باعتني رمل يبرن ناقتي ( ) عليّ حرام ظهرها ومشيلها ( ولم أنس لا أنسيت في كل ضامر ... وقوفي على ربع لظمياء دائر بحسرة ملهوف وصفقة خاسر ... ) وكم لي على جيرون وقفة حائر ( ) له عبرات أغرقته سيولها ( ألم تنظر الأرزاء كيف تعددت ... وساعدت النحس الشقي وأسعدت قعدنا وقامت أرذلونا فسودت ... ) وكم باسقات في الرصافة أقعدت ( ) على عجزها حيث استطال فسيلها ( بلاد سعت جهالها في خرابها ... فليس شراب يرتجى من سرابها ولا لكريم منزل في قرابها ... ) فيمر عبر بلاد صوحت لا ترى بها ( ) مقيل كريم للعثار مقيلها ( وليس عليها لو نظرت معول ... ولا عندها للآملين مؤمل فيا لك دار قد نبت بي ومنزل ... ) بها الجود مذموم بها الحر مهمل ( ) بها الشح محمود فهل لي بديلها ( ورب أخ للمجد وهو موالف ... له في ربوع اللائمين مواقف أقول له والقول كالسم ذاعف ... ) ألا يا شقيق النفس عندي صحائف ( ) لقوم لئام هل لديك قبولها ( صحائف ذي غيظ على الدهر واجد ... عليها طوى قسراً جوانح حاقد وأني بما يبدي لساني وساعدي ... ) سأنشرها والهند وأني شاهدي ( ) وأذكرها والسمهري وكيلها (

стр. 108

فمن مبلغ عني كلاماً ملخصاً ... أهان به عرض اللئام وأرخصا لئاماً يعيش الحر فيهم منغصاً ... ) وكم كلمات فيهم تصدع الحصى ( ) إذا حكم العضب اليماني أقولها ( يرى المجد مجداً من أغار وأنجدا ... ولم يبق في جوب الفدافد فدفدا إلي شكته البيد راح أو اغتدا ... ) ومن رام مجداً دونه جرع الردا ( ) شكته الفيافي وعرها وسهولها ( رجال المعالي بالعوالي منالها ... مناها إذا ما حان يوماً نزالها هي المجد أو ما يعجب المجد حالها ... ) وما المجد إلا دولة ورجالها ( ) أسود الوغى والسمهرية غيلها ( لقد نالها دنياً دنى تجبرا ... فتاه على أشرافها وتكبرا وكان أذل العالمين وأحقرا ... ) لما الله دنياً بالها أحقر الورى ( ) وتاه على القوم الكرام سفيلها ( إذا لم يكن ظل خلي من الأذى ... تلذذت في لفح الهجير تلذذا وبدلت هذا بعد أن عفته بذا ... ) رعى الله نفسي لم ترد مورد القذى ( ) وتصدى وفي ظل الهجير ظليلها ( لعل خطوباً قد أساءت تسرني ... عواقبها حتى أراها بأعيني وأني على وهني لما قد أمضني ... ) سأحمل أعباء الخطوب وأنني ( ) لأنتظر العقبى وربي كفيلها ( وفي جانب من الكتاب. أبيات من مبتكرات فخر بني الآداب. الفاضل السري. عبد الباقي أفندي العمري. من ذلك قوله. وقد عز مثله: قلم القضا بمداد محبرة الدجا ... كم خط من أمر بصحف نهار وجرى فأجرى ما تعذر حكمه ... في أمر باريه من الأقدار فكتبت لحضرته الجواب. مع أني إذ ذاك في غاية الاكتئاب) ونصه (: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي جعل شهاب العلم ساطعاً في كل مدار. وصير بالثناء عليه سبحانه محمود الحال في كل برجٍ جله ودار. والصلوة والسلام على حبيبه الذي عمت أنوار هجرته ما بين الخافقين. وتوفرت سهام عطيته ذا سفر من كنانة إقامته إلى سفر قاب قوسين. وعلى آله وأصحابه الذين هجروا الأوطان لوصال الأوطار. وطار صيت فضلهم حتى خفقت لطيب نسائم أجنحته الخفاقة رؤوس سكنة الأقطار.) وبعد (فقد أخرجتني من مشيمة الغم. قوابل سطور كتاب حضرة مولى لطفه فوق ما يتصوره الحال والعم. لا يدرك الواصف المطري خصائصه ... وإن يك سابقاً في كل ما وصفا الصارم الهندي. عبد الغني أفندي. أدامه الله تعالى للعراق عيناً. وأزال سبحانه بنسائم همته عن قلوب أحبته غيناً. وقد ذكر لي في خلاله المصون عن الخلل. والمبرأ عن وصمة الخطأ والخطل. طلب فتوى من حضرة مولاي شيخ الإسلام. في مسألة وقعت في مدينة السلام. فيا مولاي وحق من أفتانا في الكلالة. ووقانا عن مهاوي الضلالة. أني يوم تشرفت بكتابكم ذهبت إلى دار الفتوى من غير كلال. وعرضت المادة بطولها لدى محل العرض من غير إخلال. فاستقر الكلام بعد أن صار على أن أرعوي الوقف بالخصوص في مثل ذلك تسمع. وأن سكوت الجدة بل قولها لا حق لي في ذلك العقار لا يضر في دعوى ابن بنتها المشركة في الوقف ولا ينفع. وذلك مثل قول أحد الأبناء الموقوف عليهم لا حق لي في الوقف. فإنه لا يمنع صحة دعوى الآخرين فيه وكذا لو بلغ عدد القائل إلى الألف. ولا فرق في ذلك بين آخر الطبقات وأولها. لاشتراك العلة الصحيحة بين الطبقات كلها. فلم يسعني إلا السكوت والتسليم. لا سيما ودفع هذا المدعي ممكن بغير ما ذكر مما لا يخفى على فكركم السليم. فالمرجو من حضرتكم العذر في عدم إرسال الفتوى. فإني ما قصرت في سلوك طرق تحصيلها وعالم السر والنجوى. وكيف يتصور مني مع فضلك الطويل العريض تقصير. وما كلفتني سوى أمر هو على كل ذي لسان وأياديك الثقال يسير. وأهون ما يعطي الصديق صديقه ... من الهين الموجود أن يتكلما

стр. 109

ثم أنكم ذكرتم تهوشكم مما يزوره على الأكراد. ويزودون من يذيعه بين أهل بغداد. وطلبتم شرح الحال. ليسكن ما عرض لكم من مزيد الزلزال. يا مولاي قسماً. برافع السماء. وباسط الأرض على الماء. أني منذ أصبحت طالعاً من بروج الزوراء. ومميطاً علائقي منها وممتطياً غارب الوجناء. لم أر ممن رآني سوى أنواع الاحترام. ولم يسؤني من وجوه البلاد ورؤوس العباد. إلا كثرة تقبيل الأكف والأقدام. وما جئت بلداً إلا اشتد عدو علمائها إلي. فأحاطوا بي ولا عدو يعد الحسنة سيئة علي. فكم مرتوٍ مني. وكم وكم راوٍ عني. ولا أكاد أسمع في المدارس والمغاني. سوى قال الآلوسي صاحب روح المعاني. حتى كان يخيل أن لست الذي كان ببغداد. إذ الفرق بين الحالين كالفرق بين ريش الطواويس وشوك القتاد. بل صرت أقول كما يقول الشيخ الأكبر قدس سره بتجدد الجواهر. مع أني في الزمان الماضي لم أكن قائلاً بتجدد الأعراض وإن قال به كثير من الأكابر. ومال ذهني السيال من غير اضطراب. إلى صحة الاستدلال على ذلك بقوله تعالى) وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب (. وزال عنه الالتباس إذ نظر ببصر جديد. فرأى قوة الاستناد هنالك إلى قوله بل هم في لبسٍ من خلق جديد (. وكاد يدعني اختلاف الحال ذا الودعات. لولا أن من الله تعالى علي ببركة القرآن المجيد بالثبات. وتمنيت أن لو كنت خرجت في شرخ الشباب. لأنال إذ ذاك شرح الصدر الذي يعجز المتن عن رسم بعضه في حواشي كتاب. إلا أن الأمور مرهونة بأوقاتها. وحبلى الليالي لا تلد إلا بعد استكمال ساعاتها. ولما حللت أزرار ثياب السفر في إسلامبول. وزررت أردية الإقامة فيها إلى أن يتفضل الله تعالى بحصول المأمول. رأيت من بديع التفات حضرات الوكلاء الفخام. ما لم يكن لأحدٍ قبلي من أهل مدينة السلام. لا سيما حضرة الصدر الأعظم. الذي أذعنت بأنه رئيس العقلاء قلوب الأمم. وحضرة مولاي شيخ الإسلام العارف دقائق الحكم. بما نفث في روعه ملك الإلهام. فوالذي على العرش استوى. وعلم السر والنجوى. أني رأيت منهما ما شرح صدري. بل فرق الفرق مما يقتضيه قدري. ) نعم (كان ما كان من شيخ الإسلام أول الأمر. مما هو كغمام صيف لاح في أطراف الأفق ومر. وبيان سبب ذلك يطول. والقلم لا مللت من حبيب ملول. وأما بقية الكبار من رجال الدولة. وصدور قضاة الدين والملة. والعلماء المدرسون. والكرام الكاتبون. فكنت بينهم المذيق المرجب. والغرنيق المحبب. فلا تكاد تمر ليلة إلا وهي حالية بدعوة. زاهرة بجمعية مع أفرادٍ هم وعيشك صفوة الصفوة. مع منادمات أرق من النسيم. ومداعبات ألذ من التسنيم. ولولا حبكم ما ذكرت العراق. ولا التفت بقلبي إليه أو تلتف الساق بالساق. إذ طالما تجرعت فيه كؤوس الغصص. ورجعت النوح ولكن كحمامة في قفص. وهيهات أن يستطيع ذهني السيال أن يجري من أنابيب الأقلام ما جرى. على أنك يا مولاي عارف بتفصيل ما كساني الدهر هناك حتى نبذني من كان يونس قلبي بالعراء. فليبتلع أدهم القلم ريقه الأسود. وليسترح من العدو في تعداد تلك الحوادث السود وليبق أبيض القرطاس على نقائه الذي تعهد. وليسلم خدم من مسيس لهب التأوه مما فعل بي أصحاب الأخدود. ولأرجع إلى إتمام الجواب. عما سلف من الخطاب.

стр. 110

) فأقول (يا مولاي أنت تعلم أني لم أتعب الرواحل إلا لاقتياد الراحة. ولم أطو المنازل إلا لازدياد بسطة راحة. وقد أخرج الله تعالى من جب نفسي الإمارة أو حال حب المناصب. وأترع جل شأنه قليب قلبي بزلال اعتقاد أن الاشتغال بالعلم أعلى المراتب وأغلى المواهب. فليس لي اليوم ميل إلا لتحصيل ما يقومني في الاشتغال بالتأليف والتدريس. والاستغناء بمجالسة المستفيدين على موائد قرى القراءة عن كل جليس. لكني كلما هممت بالتماس لك الأمر. نهاني عنه ذوو النهي وأمروني بمر العبر. قائلين أن العجلة تزري بمثلك. وكلامك في ذلك مع قرب عهدك بالقدوم محض الفضول بالنسبة إلى فضلك. وحاشا أن تغفل الدولة عما يليق بك من الإكرام. وليس التأخير إلا لكثرة المصالح والمهام. وطور إسلامبول. ما وراء طور العقول. فلذلك يا سيدي لم أظهر إلى الآن ما في الضمير. ولم أكلف أحداً في خير أو حقير. وقد أعانني على ترك الإظهار. أنسي بحسن معاملة الكبار والصغار. وقريباً إن شاء الله تعالى الجواد المطلق. يسود بما أنال من العيش الأخضر والذهب الأصفر وجه العدو الأزرق. فليقل الأكراد ما شاءوا. وسيظهر إن شاء الله تعالى قريباً كذب ما أشاعوا. وليكن ذلك عند حضرتكم كطنين ذباب. أو كأطيط سرير أو كصرير باب. ثم أني أعجب منهم. وأستغرب ما يروى عنهم. فطالما أكرمت فقيرهم. وجبرت بمومياء سعيي كسيرهم. وعلمت جاهلهم. وعظمت فاضلهم. ومسحت بأردان الشفقة دموع باكيهم. وأزلت بأكمام الهمة غبار الأذى عن وجه شاكيهم. وأنسيت غريبهم داره. وسترت لذي شنار منهم شناره. وأشركت من قرأ علي من طلبتهم في الأقوات. وبالغت في إكرام نزيلهم عندي في سائر الأوقات. إلى محاسن أعوزها الحد. ومكارم لا تكاد تعد. وأظن ومعاذ الله تعالى أن أفتري عليهم. إن الذي أوجب إساءتهم إلي إحساني إليهم. فمن يفعل الإحسان مع غير أهله ... يلاقي الذي لاقى مجير أم عامر والكلام كثير. ويغني عنه أنك بحال القوم خبير. وكم لي فيهم عنك رواية. وفي ذلك يا منتهى الإرب كفاية. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.) وخمست (ما بقي من بيتي الفاروقي. ولكن بعد أن عظم فرقي. وأرسلت ذلك لخدمته وقلبي يخفق كقرطي مارية لمزيد فرقي. فقلت: قلم القضا بمداد محبرة الدجا ... في أصبعي يد قدرة القهار بمكاتب ملئت لعمري حكمة ... كم خط من أمر بصحف نهار وجرى فأجرى ما تقدر حكمه ... من حادث ما مر بالأفكار فاصخ لما يبدي إليك صريره ... في أمر باريه من الأقدار ) وكتبت (للسيد عبد الغفار. ما فيه شكر أياديه الغزار. وذلك ما تقدم من تخميس نظمي وتسميطه. وأين وشل نثري من مديد نظمه وبسيطه.) وهذا ما كتبته (مولاي فؤاد الفضل ولسان الأدب. والمفترع بثاقب فكره أبكاراً عرباً من غواني أشعار العرب. السيد الذي جعل أحرار المعاني البيض عبيداً لسمر أقلامه. وكسى نصال الأسنة الزرق حمرة الخجل تارة وصفرة الوجل أخرى بسود أرقامه. ذو الخلق الذي هو أعطر من شرابه الندي. كدرار راوق الفصاحة ومغفر الرجاحة عبد الغفار أفندي. أقر الله تعالى برؤية عينه العين. وفرق سبحانه بوصاله البين من البين. وصل إلى تخميسك الذي غنت به السبع الطباق. وتوحدت بالترفع فيه على قنة الإبداع في جميع الآفاق. ولعمري لقد أريتني بمرايا مزاياه نقطة العلم بحقيقة القول بوحدة الوجود. حيث لم أفرق حقيقة بين فرعه وأصله مع أن ذهني في الفرق لدى الجمع محمود. بهاتيك الدار. بيد أنك تركتني في بيداء الأفكار. بل في بحار دموع أذيلها على ما صنع الملك الدوار. فأنشدت قول القائل في سالف العصر.) رق الزجاج ورقت الخمر (.
следующие страницы →